← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

وأصلح حال بني إسرائيل، وكان عثنيال رجلًا صالحًا، واستمر يدبر أمر بني إسرائيل) (١) أربعين سنة، وتوفي، وقال: فتكون وفاته في أواخر اثنتين وتسعين لوفاة موسى. ثم من بعد وفاة عثنيال أكثر بنو إسرائيل المعاصي، وعبدوا الأصنام، فسلط الله عليهم عغلون ملك مآب (٢) من ولد لوط ﵇. واستعبد بني إسرائيل، فاستغاث بنو إسرائيل إلى الله أن ينقذهم من عغلون المذكور، واستمروا تحت مضايقته ثماني عشرة سنة، فيكون خلاصهم منه في أواخر سنة عشر ومائة. ثم أقام الله على بني إسرائيل إهو ذ (٣)، من سبط بنيامين، فكف إهوذ عنهم أذية عغلون ومضايقته، وأقام أهوذا يُدَبّرهم ثمانين سنة. فتكون وفاة أهوذ في أواخر سنة تسعين ومائة لوفاة موسى. ولما مات أهوذ قام بتدبيرهم من بعده شمكار بن عنوث (٤) دون سنة، فتكون ولاية شمكار ووفاته في أواخر سنة إحدى وتسعين ومائة لوفاة موسى. ثم طغى بنو إسرائيل، فأسلمهم الله تعالى في يد بعض ملوك الشام وأسمه يابين (٥) فاستعبدهم عشرين سنة، حتى خلصوا منه، فيكون خلاصهم منه في أواخر سنة إحدى عشرة ومائتين لوفاة موسى. ثم قام فيهم رجل من سبط نعتالي يقال له: باراق ابن (أبي نعم) (٦)، وامرأة يقال لها دَثُورًا (٧): فقهر أيابين، ودبّر أمر بني إسرائيل أربعين سنة، فيكون انقضاء مدتهما في أواخر سنة إحدى وخمسين ومائتين لوفاة موسى. ثم إنَّ بني إسرائيل أخطأوا وارتكبوا المعاصي بغير مدبر لهم من بني إسرائيل مدة سبع سنين، واستولى عليهم أعداؤهم من أهل مدين تلك المدة. فيكون آخر هذه الفترة في أواخر سنة ثمان وخمسين ومائتين لوفاة موسى ﵇، فاستغاثوا إلى الله تعالى، فأقام فيهم:

стр. 8472

كِدْعُون (١) بن يُواش: فقتل أعداءهم، وأقام منار دينهم، واستمرّ فيهم أربعين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة ثمان وتسعين ومائتين لوفاة موسى. ثم قام فيهم بعد كِدْعُون ابنه أَبِيمالَخ (٢) ثلاث سنين، فتكون وفاته في أواخر سنة إحدى وثلثمائة لوفاة موسى. ثم قام فيهم بعد أبيمالخ رجل من سبط يَساخر (٣) يقال له يُؤا إِيْرُ الجُرْشي (٤) اثنين وعشرين سنة فتكون وفاته لمضي ثلثمائة وثلاث وعشرين سنة من وفاة موسى ﵇. ثم إنَّ بني إسرائيل أخطأوا وارتكبوا المعاصي، فسلط الله عليهم بني عمون من ولد لوط، وكان ملك بني عمون (٥) إذ ذاك يقال له أمينطو وقيل أمونيطو فاستولى على بني إسرائيل ثماني عشرة سنة، حتى خلصوا منه فيكون انقضاء مدته في أواخر سنة إحدى وأربعين وثلثمائة لوفاة موسى. ثم استغاث بنو إسرائيل إلى الله، فأقام فيهم رَجُلًا اسمه يَفْتَح (٦) الجُرْشي من سبط مَنْشَا. فكفاهم شرّ بني عمون، وقتل منهم خلقًا، ودبّر بني إسرائيل ست سنين، فتكون وفاته في أواخر سنة ثلثمائة وسبع وأربعين لوفاة موسى. ثم قام فيهم بعد يفتح، رجل من سبط يهوذا اسمه أَبْصُنْ (٧) سبع سنين فتكون وفاته في أواخر سنة أربع وخمسين وثلثمائة لوفاة موسى ﵇. ثم دبّرهم بعد أَبْصُنْ رجل من سبط زيولون اسمه (آلون) (٨) عشر سنين، فتكون وفاته في سنة أربع وستين وثلثمائة لوفاة موسى ﵇. ثم دبرهم بعد آلون رجل من سبط أفرانيم اسمه عبدون بن هلال (٩) من سبط أفرايم بن يوسف ثمان سنين، فتكون وفاته سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة لوفاة موسى. ثم

стр. 8473

إن بني إسرائيل أخطأوا وعملوا المعاصي، فسلط الله عليهم أهل فلسطين واستولوا عليهم أربعين سنة (١)، فيكون آخر استيلاء أهل فلسطين عليهم في أواخر سنة اثنتي عشرة وأربعمائة لوفاة موسى ﵇. فاستغاثوا إلى الله تعالى فأقام لهم من سبط يهوذا، وقيل بل هو من سبط دون رجل اسمه شمشون بن مانوخ (٢)، وكان لشمشون قوة عظيمة، ويعرف بشمشون الجبار، فدافع أهل فلسطين، ودبّر بني إسرائيل عشرين سنة، ثم غَلَبَهُ أهل فلسطين وأسروه ودخلوا به إلى كنيستهم، وكانت مركبة على أعمدة، فأمسك العواميد، وحرّكها بقوّته حتى وقعت الكنيسة، فقتلته وقَتَلَتْ كل مَنْ فيها من أهل فلسطين، وكان فيها جماعة من كبارهم، فيكون انقضاء مدة شمشون في أواخر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة من وفاة موسى ﵇. ثم كانت فترة، وصار بنو إسرائيل بغير مدبّر منهم عشرين سنة، وقيل عشرة، فيكون انقضاء مدة الفترة في أواخر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة لوفاة موسى. ثم قام فيهم رجل من ولد إيثامور بن هارون (٣) اسمه: عالي (٤) الكاهن وأصل الكاهن في لغتهم كوهن، ومعناه الإمام، وكان عالي المذكور رجلًا صالحًا، فدبّر بني إسرائيل أربعين سنة، وكان عمره لما ولي ثمانيًا وخمسين سنة. فتكون مدة عمره ثمانيًا وتسعين سنة، وفي أول سنة من ولايته، ولد شمويل (٥) النبي بقرية على باب القدس يقال لها شيلو (٦). وفي السنة الثالثة والعشرين من ولايته ولد داود النبي فتكون وفاة عالي المذكور في أواخر سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة لوفاة موسى ﵇. ثم دبر بني إسرائيل اشمويل النبي ﵇ وكان قد تنبأ لما صار له من

стр. 8474

العمر أربعون سنةً، وذلك عند وفاة عالي، فدبّر اشمويل بني إسرائيل إحدى عشرة سنة (١)، ومنتهى هذه الإحدى عشرة سنة هي آخر سني حكام بني إسرائيل وقضاتهم، فإن جميع من ذكر من حكام بني إسرائيل كانوا بمنزلة القضاة، وسدّوا مسدّ ملوكهم وبعد الإحدى عشرة سنة التي دبرهم اشمويل قام لبني إسرائيل ملوك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، فيكون انقضاء سني حكامهم في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة لوفاة موسى ﵇ ثم حضر بنو إسرائيل إلى اشمويل وسألوه أن يقيم فيهم ملكًا. فأقام فيهم شاول، وهو طالوت بن قيس من سبط بنيامين، ولم يكن طالوت من أعيانهم، وقيل إنه كان راعيًا (٢) فملك طالوت سنتين، واقتتل هو وجالوت. وكان جالوت من جبابرة الكنعانيين، وكان ملكه بجهات فلسطين، وكان من الشدّة وطول القامة بمكان عظيم، فلما برز للقتال لم يقدر على مبارزته أحد، فذكر شمويل علامة الشخص الذي يقتل جالوت، فاعتبر طالوت جميع عسكره فلم يكن فيهم من توافقه تلك العلامة، وكان داود ﵇ أصغر بني أبيه، وكان يرعى غنم أبيه (٣)، فطلبه طالوت، واعتبره اشمويل بالعلامة وهي دهن كان يستدير على رأس من يكون فيه السرّ، وأحضر أيضًا تنور حديد، وقال: الشخص الذي يقتل جالوت يكون ملء هذا التنور (٤)، فوضعوا داود في التنور فملأه واستدار الدهن على رأسه، ولما تحقق ذلك بالعلامة أمره طالوت بمبارزة جالوت، فبارزه وقتل داود جالوت، وكان عمره إذ ذاك ثلاثين سنة، ثم بعد ذلك مات اشمويل فدفنه بنو إسرائيل في الليل وناحوا عليه، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة، وأحبّ الناس داود ومالوا إليه فحسده طالوت، وقصد قتله مرةً بعد أخرى، فهرب داود منه وبقي متحرزًا على نفسه، وفي آخر الحال ندم طالوت على ما كان منه من قصد قتل داود وغير ذلك، وقصد أن يكفّر الله عن ذنوبه بموته في الغزاة، فقصد الفلسطينيين وقاتلهم، حتى قتل هو وأولاده (٥)، فيكون موت طالوت في أواخر سنة خمس وتسعين وأربعمائة لوفاة موسى. ولما قتل طالوت افترقت الأسباط، فملك على أحد عشر سبطًا إيش بوشت (٦) بن

стр. 8475

طالوت واستمر إيش بوشت ملكًا على الأسباط المذكورين ثلاث سنين، وانفرد عن إيش بوشت سبط يهوذا فقط، وملك عليهم داود بيشار بن عوفيد بن بوعز بن سلمون بن نحمون بن عمينوذب بن رم بن حصمون بن بارص بن يهوذا بن يعقوب (١). وحزن داود على طالوت، ولعن موضع مصرعه، وكان مقام داود بحبرون (٢)، فلما استوثق له الملك ودخلت جميع الأسباط تحت طاعته (٣)، وذلك في سنة ثمان وثلاثين من عمر داود انتقل إلى القدس، ثم إن داود فتح في الشام فتوحات كثيرة من أرض فلسطين وبلد عمان ومآب وحلب ونصيبين وبلاد الأرمن وغير ذلك. ولما أوقع داود بصاحب حلب وعكسره، كان صاحب حماة إذ ذاك اسمه تاعور، وكان بينه وبين صاحب حلب عداوة، فأرسل صاحب حماة المذكور (٤) وزيره بالسلام والدعاء إلى داود، وأرسل معه هدايا كثيرة فرحًا بقتل صاحب حلب، ولما صار لداود ثمان وخمسون سنة، وهي السنة الثامنة والعشرون من ملكه كانت قصته مع أوريا وزوجته، وهي واقعة مشهورة (٥). وفي سنة ستين من عمر داود خرج عليه ابنه ابشولوم بن داود فقتله بعض قواد داود من بني إسرائيل (٦)، وملك داود أربعين سنة. ولما صار لداود سبعون سنة توفي، فتكون وفاة داود في أواخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى. وأوصى (٧) داود قبل موته بالملك إلى سليمان ولدِهِ، وأوصاه بعمارة بيت

стр. 8476

المقدس، وعين لذلك عدة بيوت أموال تحتوي على جمل كثيرة من الذهب. سليمان بن داود: فلما مات داود ملك سليمان بن داود، وعمره اثنتا عشرة سنة (١). وآتاه الله من الحكمة والملك ما لم يؤته لأحد سواه على ما أخبر الله به في محكم كتابه العزيز (٢). وفي السنة الرابعة من ملكه في شهر أيار وهي تسع وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى ﵇ ابتدأ (٣) سليمان في عمارة بيت المقدس في أواخر سنة ست وأربعين وخمسمائة لوفاة موسى. وكان ارتفاع البيت الذي عمله (٤) سليمان ثلاثين ذراعا، وطوله ستين ذراعا في عرض عشرين ذراعا (٥). و ع مل خارج البيت سورا محيطا به ارتفاعه وامتداده خمسمائة ذراع في خمسمائة ذراع. ثم بعد ذلك شرع سليمان في بناء دار مملكة القدس، واجتهد في عمارتها وتشييدها، وفرغ منها في مدة ثلاث عشرة سنة، وانتهت عمارتها في السنة الرابعة والعشرين من ملكه. وفي السنة الخامسة والعشرين من ملكه جاءته بلقيس ملكة اليمن (٦)، وأطاعه جميع ملوك الأرض، وحملوا إليه نفائس أموالهم، واستمر سليمان على ذلك حتى توفي وعمره اثنتان وخمسون سنة، فكانت مدة ملكه أربعين سنة، فتكون وفاة سليمان في أواخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة لوفاة موسى ﵇. ولما مات سليمان ملك بعده ابنه رحبعم (٧)، وكان رحبعم المذكور رديء

стр. 8477

الشكل، شنيع المنظر، فلما تولّى حضر إليه كبراء بني إسرائيل، وقالوا له (١): إن أباك سليمان كان ثقيل الوطأة علينا، وحَمَّلنا أمورًا صعبة، فإن أنت خَفَفْتَ الوطأة عنا، وأزلت عنّا ما كان أبوك قرره علينا سمعنا لك وأطعناك فأخر رحبعام جوابهم إلى ثلاثة أيام، واستشار كبراء دولة أبيه في جوابهم، فأشاروا بتطييب قلوبهم وإزالة ما يشكونه، ثم إن رحبعام استشار الأحداث ولم تكن لهم معرفة (بالصواب من الأمر) (٢) فأشاروا بإظهار الصلابة، والتشديد على بني إسرائيل لئلا يحصل لهم الطمع، فلما حضروا إلى رحبعم ليسمعوا جوابه قال: أنا خنصري أغلظ من ظهر (٣) أبي،، ومهما كنتم تخشونه من أبي فإني أعاقبكم بأشدّ منه، فعند ذلك خرج عن طاعته عشرة أسباط، ولم يبق مع رحبعام غير سبطي يهوذا وبنيامين فقط، وملك على الأسباط العشرة رجل من عبيد سليمان اسمه يربعم، وكان يربعم المذكور فاسقًا كافرًا. وافترقت مملكة بني إسرائيل. واستقر الملك لبني داود على السبطين المذكورين، وصار للأسباط العشرة ملوك تعرف بملوك الأسباط. واستمر الحال على ذلك نحو مائتين وإحدى وستين سنة، وكان ولد سليمان في بني إسرائيل بمنزلة الخلفاء في الإسلام. لأنهم أهل الولاية. وكانت ملوك الأسباط كالخوارج (٤)، وارتحلت الأسباط إلى جهات فلسطين وغيرها بالشام، واستقرّ ولد داود ببيت المقدس. قال: ونحن نقدم (ذكر) بني داود إلى حيث اجتمعت لهم المملكة على جميع الأسباط، ثم بعد ذلك نذكر ملوك الأسباط متتابعين إن شاء الله تعالى. فنقول: واستمر رحبعم ملكًا على السبطين حسبما شرح حتى دخَلَتْ السنة الخامسة من ملكه، ففيها غزاه فرعون مصر واسمه (ششان) (٥) ونهب مال رحبعم

стр. 8478

المُخلّف عن سليمان (١). واستمر رُحْبعم على ما استقر له من الملك، وزاد في عمارة بيت لحم (٢)، وعمارة غزّة وصور وغير ذلك من البلاد، وكذلك عمّر أيلة وجدّدها. وولد لرُحْبعم ثمانية وعشرون ولدًا ذكرًا غير البنات، وملك رُحْبعم سبعة عشر وكان مدة عمره إحدى وأربعين سنة، فتكون وفاة رُحْبعم في أواخر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة لوفاة موسى. ولما توفي رُحْبعم ملك (٣) بعده ابنه أفيا بن رُحْبعم على قاعدة أبيه ثلاث سنين، ثم توفي، فتكون وفاة أفيا في أواخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة لوفاة موسى. فملك (٤) بعده ابنه أسا إحدى وأربعين سنة، وخرج على أسا عدوّ، فهزم الله عدوّه بين يديه، وقيل إن العدوّ كان من الحبشة، وقيل من الهنود، ثم توفي في أواخر سنة ست وثلاثين وستمائة لوفاة موسى. ثم ملك (٥) بعده يهوشافاط خمسًا وعشرين سنة، وكان عمره خمسًا وثلاثين سنة. وكان رجلًا صالحًا كثير العناية بعلماء بني إسرائيل، وخرج على يهوشافاط عدوّ من ولد العيص، وجاء ومعه جمع عظيم، فخرج يهوشافاط لقتالهم، فألقى الله تعالى بين أعدائه الفتنة، فاقتتلوا فيما بينهم حتى أنمحقوا وولّوا منهزمين. فجمع يهوشافاط منهم غنائمًا كثيرة. وعاد بها إلى القدس مؤيدًا منصورًا، واستمر في ملكه كما تقدم خمسًا وعشرين سنة، ثم توفي فتكون وفاته في أواخر إحدى وستين وستمائة لوفاة موسى. ثم ملك (٦) بعده ابنه يهورام وكان عمره لما ملك اثنتين وثلاثين سنة، وملك ثمان

стр. 8479

سنين، فتكون وفاته في سنة تسع وستين وستمائة لوفاة موسى. فملك (١) بعده ابنه أحزياهو سنتين، وكان عمره لما ملك اثنتين وأربعين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة إحدى وسبعين وستمائة. ثم كانت (٢) بعده فترة بغير ملك، وحكمت في الفترة امرأة ساحرة أصلها من جواري سليمان واسمها عثليا هو (٣) وتتبعتْ بني داود فأفنتنهم، وسلم منها طفل أخفوه عنها. وكان اسم الطفل (يواس بن أخزيو) واستمرت كذلك سبع سنين. ثم عُدِمت في أواخر سنة ثمان وسبعين وستمائة لوفاة موسى ﵇. ثم ملك (٤) بعد علياهو يؤاش وهو ابن سبع سنين، فملك أربعين سنة، ثم توفي، فتكون وفاته في أواخر سنة ثمان عشرة وسبعمائة لوفاة موسى. وكان في السنة الثالثة والعشرين من ملكه قد رمَّم بيت المقدس، وجدد عمارته. ثم ملك (٥) بعد يؤاش ابنه أمصياهو تسعًا وعشرين سنة، وقيل خمس عشرة وقتل، وكان عمره لما ملك خمسًا وعشرين سنة، فيكون موته في أواخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة. ثم ملك (٦) بعده ابنه عزيا هو اثنتين وخمسين سنة، وكان عمره لما ملك ست عشرة سنة، وقد لحقه بعد آخر ذلك البرص، وتنغصت عليه أيامه، وضعف أمره في آخر وقت. وتغلب عليه ولده يوثم فتكون وفاته في أواخر سنة تسع وتسعين وسبعمائة لوفاة موسى. ثم ملك (٧) بعده ابنه يوثم ست عشرة سنة، وكان عمره لما ملك خمسًا وعشرين

стр. 8480

سنة، فتكون وفاته في سنة خمس عشرة وثمان مائة لوفاة موسى. وقيل: إن في أيامه كان يونس ﵇ على ما يُذكر. ثم ملك (١) بعد يوثم ابنه آخز ست عشرة سنة، وكان عمره لما ملك عشرين سنة، وفي السنة الرابعة من ملكه قصده ملك دمشق واسمه (رصين) وكان أشعيا النبي في أيام آخر، فبشره أسقيا أن الله تعالى يصرف رصين بعد حرب (٢)، فكان كذلك، فتكون وفاته سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. ثم ملك بعده ابنه حزقيا وكان رجلًا صالحًا مظفرًا، ولما دخل العام السادس من ملكه، انقرضت دولة الخوارج ملوك الأسباط الذين قدمنا ذكرهم، عند ذكر رحبعم وهذا حين أوان ذكرهم مختصرًا إلى حين أن توافي هذه السنة أعني السادسة من مملكة حزقيا. ثم تكمل مملكة حزقيا وما بعدها، فنقول (٣): هؤلاء خوارج خرجوا على رحبعم بن سليمان بعد وفاة أبيه، في أوائل سنة ست وسبعين وخمسمائة. وانقرضوا في سنة سبع ومائتين وثمانمائة. فتكون مدة ملكهم مائتين وإحدى وستين سنة، وعدتهم سبعة عشر ملكًا، ولا حاجة إلى تفصيل مددهم (٤): أولهم: يربعم (٥)، كان من عبيد سليمان بن داود، وكان كافرًا، فلما ملك أظهر الكفر وعبادة الأوثان وفي السنة الثامنة عشرة من ملكه مات رحبعم بن سليمان. الثاني: نودب (٦) ابن يربعم المذكور. الثالث: بعشر ابن أحيا (٧) من سبط يساخرد (٨). الرابع: إيلا (٩) ابن بعشو المذكور، وكان مقدم جيشه زمري، فقتل إيلا وتولّى زمري مكانه.

стр. 8481

الخامس: زمري المذكور (١). السادس: تبني، فإنه ولي الملك خمس سنين شريكًا مع السابع وهو عمري، فإنه بعد تبني استقل بالملك. وعمري هذا هو الذي بنى (٢) صبصطية وجعلها دار ملكه. الثامن: أخؤب (٣) ابن عمري المذكور. وقتل في حرب كانت بينه وبين صاحب دمشق. التاسع: أخزيو بن أخؤب (٤) المذكور، وكان موته بأن سقط من روشن له فمات. العاشر: ياهورام (٥)، وهو أخو أخزيو المذكور، وكان في أيامه الغلاء. حادي عشرهم: ياهو (٦)، وهو ابن تبني المذكور أولًا. ثاني عشرهم: يهويا حاز (٧) ابن ياهو. وثالث عشرهم: يؤاش (٨) ابن يهوياحاز. ورابع عشرهم: يربعم (٩) الثاني، وهو ابن يؤاش. وقوي في مدة ملكه. وارتجع عدة من قرى بني إسرائيل، وكانت قد خرجت عنهم من حماة إلى كنسر (١٠)، وعلى عهده كان يونس ﵇. وخامس عشرهم: بقحيؤ (١١)، ولم تطل مدته.

стр. 8482

وسادس عشرهم: يافح (١) وعلى أيامه حضر ملك الجزيرة وغزا الأسباط المذكورين وأخذ منهم جماعة إلى بلده، وأجلا بعضهم إلى خراسان. وسابع عشرهم: هو شاع (٢) بن أيلا الرابع (٣)، ولما تولى أطاع صاحب الجزيرة، وكان اسمه سلمناصر (٤) وقيل (فلنصر) وبقي في طاعته تسع سنين ثم عصاه فأرسل صاحب الجزيرة المذكورة وحاصره ثلاث سنين، وفتح بلده صبصطية وأجلاه وقومه إلى بلد خراسان، وأسكن موضعهم السامرة، وكان ذلك في السنة السادسة من ملك حزقيا. فانضم من سلم من الأسباط إلى حزقيا، ودخلوا تحت طاعته، وملك حزقيا تسعًا وعشرين سنة. وكان عمره لما ملك عشرين سنة. وكان من الصلحاء الكبار. وكان قد فرغ عمره قبل موته بخمس عشرة سنة، فزاده الله تعالى في عمره خمس عشرة سنة، وأمره أن يتزوّج، وأخبره بذلك نبي كان في زمانه (٥). وفي أيام ملك حزقيا قصده سنحاريب (٦) ملك الجزيرة (٧)، فخذله الله تعالى، ووقعت الفتة في عسكره، فولى راجعًا، ثم قتله اثنان من أولاده بنينوى، وكان أشعيا النبي قد أخبر بني إسرائيل أن الله يكفيهم شر سنحاريب، ثم إن ولديه (٨) الذين

стр. 8483

قتلاه بنينوى هربا إلى جبال الموصل، ثمَّ سارا إلى القدس، وآمنا بحزقيا، وكان اسمهما: اذر مالخ (١) وشراصر، وملك بعد سنحاريب ابنه الآخر واسمه (اسرحدون) وعظم بذلك أمر حزقيا، وهادئته الملوك، وملك حسبما ذكرنا تسعًا وعشرين سنة، وتوفي فتكون وفاة حزقيا في أواخر سنة ستين وثمانمائة لوفاة موسى. ثم ملك (٢) بعده ابنه منشا، وكان عمره لما ملك اثنتي عشرة سنة، فعصى لما تملك وأظهر العصيان والفسق، مدة اثنتين وعشرين سنة من ملكه، وغزاه صاحب الجزيرة، ثم إن منشا أقلع عما كان مِنْهُ، وتاب إلى الله توبةً نصوحًا حتى مات. وكانت مدة ملكه خمسًا وخمسين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة خمس عشرة وتسعمائة. ثم ملك (٣) بعده ابنه آمون سنتين، فتكون وفاته في أواخر سنة سبع عشرة وتسعمائة لوفاة موسى ﵇. ثم ملك (٤) بعده ابنه يُوشِيّا، فأظهر الطاعة والعبادة، وجدد عمارة بيت المقدس، وملك يوشيا المذكور إحدى وثلاثين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة ثمان وأربعين وتسعمائة لوفاة موسى. ثم ملك بعده ابنه (يهويا حوز) (٥) ولما ملك يهويا حوز غزاه فرعون مصر، وأظنه فرعون الأعرج (٦)، وأخذ يهوياحوز أسيرًا إلى مصر، فمات بها، وكانت مدة ملكه ثلاثة أشهر فيكون انقضاء ملكه في السنة المذكورة أعني سنة ثمان وأربعين وتسعمائة، ولما أسر يهوياحوز ملك بعده أخوه (يهوياقيم) (٧). وفي السنة الرابعة من ملكه تولى بخت نصر على بابل (٨) وهي سنة اثنتين

стр. 8484

وخمسين وتسعمائة لوفاة موسى. قال الملك المؤيد (١): وهذا على حكم ما اجتمع لنا من عدد ولايات حكام بني إسرائيل والفترات التي كانت بينهم. وأما ما اختاره المؤرخون فقالوا: إن من وفاة موسى إلى ابتداء بخت نصر تسعمائة وثمانيا وسبعين سنة، ومائتين وثمانية وأربعين يومًا وهو يزيد على ما اجتمع لنا من المدد المذكورة. فوق ست وعشرين سنة، وهو تفاوت قريب، وكأن هذا النقص إنما حصل من إسقاط اليهود كسورات المدد، فإنه من المستبعد أن يملك الشخص عشرين سنة (٢) (أو تسعة عشرة) (٣) سنة لا ينقص من الكسور شيئًا ولا يزداد، فلما ذكروا لكل شخص مدةً صحيحة سالمة من الكسر نَقَصَتْ جملة السنين القدر المذكور، أعني ستًا وعشرين سنة. قال (٤): وحيث انتهينا إلى ولاية بخت نصر فنؤرخ منه ما بعده إن شاء الله. وكان ابتداء ولاية بخت نصر في سنة تسع وسبعين وتسعمائة لوفاة موسى. وفي السنة الأولى من ولاية بخت نصر سار إلى نينوى (٥) ففتحها وقتل أهلها وخربها. وفي السنة الرابعة من ملكه، وهي السابعة من ملك يهوياقيم (٦) سار بخت نصر بالجيوش إلى الشام، وغزا بني إسرائيل، فلم يحاربه يهوياقيم ودخل تحت طاعته، فأبقاه بخت نصر على ملكه، وبقي يهوياقيم تحت طاعة بخت نصر ثلاث سنين، ثم خرج عن طاعته وعصى عليه، فأرسل بخت نصر وأمسك يهوياقيم وأمر بإحضاره إليه، فمات يهوياقيم في الطريق من الخوف. فتكون مدة يهوياقيم نحو إحدى عشرة سنة، ويكون انقضاء ملكه في أوائل سنة ثمان لابتداء ملك بخت نصر. ولما أخذ يهوياقيم المذكور إلى العراق استخلف مكانه ابنه (يخنيو) (٧) فأقام موضع أبيه مائة يوم، ثم أرسل بخت نصر فأخذه إلى أرض بابل، وأخذ معه جماعة من علماء بني إسرائيل كان من جملتهم دانيال وحزقيال النبي، وهو من نسل هارون، وحين وصل يخنيو سجنه بخت نصر، ولم يبرح مسجونًا حتى مات بخت نصر، ولما أمسك بخت نصر يخنيو نصب مكانه على بني إسرائيل عمه صدقيا. واستمر صدقيا تحت طاعة

стр. 8485

بخت نصر، وكان أرميا النبي في أيام صدقيا فبقي يعظ صدقيا وبني إسرائيل ويهددهم ببخت نصر وهم لا يلتفتون. وفي السنة التاسعة من ملك صدقيا عصى (١) عل بخت نصر، فسار إليه بالجيوش ونزل على بارين ورفنية، وبعث الجيش مع وزيره (نبوز راذون) (٢) وأمره بحصار صدقيا بالقدس، فسار الوزير المذكور بالجيش وحاصر صدقيا مدة سنتين ونصف أولها عاشر تموز من السنة التاسعة لملك صدقيا، ثم بعد ذلك أخذ القدس بالسيف وأخذ صدقيا أسيرًا وأخذ معه جملة كبيرة من بني إسرائيل، وأحرق القدس وهدم البيت الذي بناه سليمان، وهو آخر ملوك بني إسرائيل (٣). ولم يتول بعد إعادة العمارة ببيت المقدس على ما نذكر إلا من تسمى بالرئاسة فحسب، فيكون انقضاء ملك بني إسرائيل وخراب بيت المقدس على يد بخت نصر سنة عشرين من ولايته تقريبًا. وهي السنة التاسعة والتسعون والتسعمائة من وفاة موسى ﵇. وهي أيضًا سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة خَلَتْ من عمارة بيت المقدس، واستمر خرابًا سبعين سنة. ثم عمر (٤) انتهى ما نقل من كتب اليهود المذكورة (٥) تنبيه: لا يغرنك ما طرق سَمْعَكَ ممَّا نقلناه من هذه الكتب حين تمر على ذكر داود وسليمان ﵉ وذكرهما في جهة الملوك على غير العادة في تفخيم منصب النبوّة وتعظيمه، وذكر ما وقع على أيديهما من المعجزات وخوارق العادات على

стр. 8486

ما دلّ عليه القرآن العظيم، والأحاديث الصحيحة الصريحة، وبذلك فإن المنقول كما رأيت عن اليهود، وليس عند اليهود أحد يعتقد بنبوتهما، ولا شيئًا مما ثبت عند المسلمين من ذلك بل اعتمادهم على أنهما كانا ملكين لا نبيين، فاعلم ذلك. والتوراة التي بأيديهم تدل على ذلك، فإما أن يكون هذا الأمر من المبدل والمحرّف على ما عُهد، أو من المحذوف حسدًا وبغيًا على ما ذكر من صفاتهم، ونص عليه القرآن العظيم والحديث الصحيح الصريح عن عالمهم بالنص عبد الله بن سلام (١) ﵁ إنهم قوم بهت، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. قال ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم (٢): إن بخت نصر لما غزا القدس وخربه وأباد بني إسرائيل، هرب من بني إسرائيل جماعة وأقاموا بمصر عند فرعون، فأرسل بخت نصر إلى فرعون يطلبهم منه ويقول: هؤلاء عبيدي وقد هربوا إليك. فلم يقبل قوله في ردّهم، بل قال: ليس هم بعبيدك، وإنما هم أحرار، وكان هذا هو السبب لقصد بخت نصر غزو مصر (٣)، وهرب منهم جماعة إلى الحجاز وأقاموا مع العرب (٤). فذكر (أبو عيسى) في كتابه (٥): أن بخت نصر لما فرغ من خراب القدس ومن بني إسرائيل قصد مدينة صور وحاصرها مدة، فجمع أهل صور جميع أموالهم في السفن وأرسلوها في البحر وبقوا حران. وجد بخت نصر في الحصار حتى أخذها بالسيف وقتل صاحب صور، وحصل لعسكر بخت نصر جراح كثير ولم يجدوا من المكسب طائلًا وأما السفن التي كانت فيها أموالهم فإن الله سلّط الريح عليها فغرقت عن آخرها. ثم سار بخت نصر إلى مصر والتقى هو وفرعون الأعرج، فانتصر بخت نصر عليه وقتله وصلبه، وحاز أموال مصر وذخائرها، وسبى من كان بمصر من القبط وغيرهم، وبقيت مصر خرابًا أربعين سنة، ثم غزا بلاد المغرب وعاد إلى بلاد بابل.

стр. 8487

وأما بيت المقدس فإنه عُمر بعد مكثه سبعين سنة خرابًا، فعمره بعض ملوك الفرس، واسمه عند اليهود (كيرش) (١)، وقد اختلف فيه، هل هو دارا بن بهمن، وقيل بهمن والله أعلم (٢). ولما عادت عمارة بيت المقدس تراجعت إليه بنو إسرائيل من العراق وغيره (٣)، وكانت عمارته في أول سنة تسعين لابتداء ولاية بخت نصر، وكان من جهة بني إسرائيل حين تراجعوا (عزير) وكان بالعراق، وفد معه من بني إسرائيل ما يزيد على ألفين من العلماء وغيرهم، وترتب مع عزير في القدس مائة وعشرون شيخًا من علماء بني إسرائيل. وكانت التوراة قد عُدِمت منهم إذ ذاك. فمثلها الله تعالى في صدر العُزير. ووضعها لبني إسرائيل يعرفونها بحلالها وحرامها، فأحبوه حبًا شديدًا، وأصلح العزير أمرهم، وأقام بينهم على ذلك. فروي في بعض كتب اليهود: إن العزير لبث مع بني إسرائيل في القدس يدبّر أمرهم حتى توفي بعد أن أمضى أربعين سنة لعمارة بيت المقدس، فتكون وفاة العزير سنة ثلاثين ومائة لابتداء ملك بخت نصر، واسم العزير بالعبرانية عزرا وهو من ولد فنحاس بن العزر بن هارون بن عمران. ومن كتب اليهود: إن الذي تولى رئاسة بني إسرائيل ببيت المقدس شمعون الصديق. وهو أيضًا من نسل هارون. ومن (٤) كتاب أبي عيسى: أن الذي تولى رئاسة بني إسرائيل لما تراجعوا إلى القدس بعد عمارته، كانوا تحت حكم الفرس (٥)، واستمر ذلك حتى ظهر الإسكندر في سنة أربعمائة وخمس وثلاثين لولاية بخت نصر، وغلبت اليونان على الفرس (٦).

стр. 8488

ودخلت حينئذ بنو إسرائيل تحت حكم اليونان، وأقام اليونان من بني إسرائيل ولاة عليهم. وكان يقال للمتولي عليهم: هردوس وقيل: هيرزوس، واستمر بنو إسرائيل على ذلك حتى خرب بيت المقدس الخراب الثاني، وتشتَّتَ منه بنو إسرائيل على ما سنذكره. وقد تقدم فيما مضى. ذكر يونس بن متى (١): ومتى أم يونس، ولم يشتهر من بني إسرائيل نبيّ بأمه غير عيسى ويونس هكذا ذكره ابن الأثير في الكامل (٢) في ترجمة يونس، وقد قيل: إنه من بني إسرائيل. وإنه من سبط بنيامين، وقيل: إن بعثة يونس كانت بعد يوثم بن عزياهو، وهو أحد الملوك المتقدمي الذكر، وكانت وفاة يوثم في سنة خمس عشرة وثمانمائة لوفاة موسى. وبعث الله يونس ﵇ في تلك المدة إلى أهل نينوى، وهي قبالة الموصل بينهما دجلة وكانوا يعبدون الأصنام، فنهاهم وأوعدهم العذاب في يوم معلوم إن لم يتوبوا (٣)، فلما لم ير العذاب تركهم ولم يعلم بتوبتهم وإيمانهم، فذهب مغاضبًا. قال ابن سعيد المغربي (٤): ودخل في سفينة من سفن دجلة، فوقفت السفينة ولم تتحرك، فقال رائسها: فيكم مَنْ له ذنب، وتساهموا على مَنْ يلقونه في البحر، ووقعت المساهمة على يونس، فرموه، فالتقمه الحوت وسار به إلى الأبلة، وكان من شأنه ما أخبر الله في كتابه العزيز (٥). ذكر أرميا (٦): تقدم عند ذكر صدقيا أن أرميا كان في أيامه، وبقي أرميا يأمر بني إسرائيل بالتوبة ويتهددهم ببخت نصر وهم لا يلتفتون إليه، فلما رأى أنهم لا يرجعون عما هم عليه، فارقهم أرميا واختفى حتى غزاهم بخت نصر، وخرب القدس، حسب ما تقدم (من تاريخ ابن سعيد المغربي) قال: إن الله تعالى أوحى إلى أرميا: أني عامر بيت المقدس، فاخرج إليها، فخرج أرميا، وأتى القدس، وهي خراب، فقال في نفسه: سبحان الله، أمرني الله أن أنزل هذه البلدة (وأخبرني أنه عامرها) (٧) فمتى يعمرها ومتى يحييها الله بعد

стр. 8489

موتها؟ ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلّة فيها طعام، فكان من قصته ما أخبر الله تعالى به في محكم كتابه العزيز في قوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا … ﴾ الآية (١) وقد قيل إن صاحب هذه القصة هو العزير، والأصح أنه أرميا. ذكر نقل التوراة (٢): قال (أبو عيسى في كتابه) ذكر نقل التوراة وغيرها من كتب الأنبياء من اللغة العبرانية إلى اليونانية. قال: لما ملك الإسكندر، وقهر الفرس، وعظمت مملكة اليونان، صار بنو إسرائيل وغيرهم تحت طاعتهم، وتولت ملوك اليونان بعد الإسكندر، وكان يقال لكل واحد منهم (بطليموس) على ما يذكر (٣)، وههنا ما تدعو الحاجة إليه لتعلقه ببني إسرائيل فنقول (٤): لما مات الاسكندر ملك بعده بطليموس بن لاغوس عشرين سنة (٥)، ثم ملك بعده بطليموس محبّ أخيه، وهو الذي نقل التوراة (٦) وغيرها من كتب الأنبياء من اللغة العبرانية إلى اليونانية فيكون نقل التوراة بعد عشرين سنة مضت من ملك الاسكندر بل لموته. قال أبو عيسى (٧): إن بطليموس الثاني محبّ أخيه لما تولّى وَجَدَ جُملة من الأسرى منهم ثلاثين ألف نفس من اليهود فأعتقهم كلهم وأمرهم بالرجوع إلى بلادهم، ففرح بنو إسرائيل بذلك، وأكثروا له الدعاء والشكر، وأرسل رسولًا إلى بني

стр. 8490

إسرائيل المقيمين بالقدس، وطلب منهم أن يرسلوا إليه عدّة من علماء بني إسرائيل لنقل التوراة وغيرها إلى اللغة اليونانية، فسارعوا إلى امتثال أمره، ثم إن بني إسرائيل تزاحموا على الرواح إليه، وبقي كل منهم يختار ذلك واختلفوا، ثم اتفقوا على أن يبعثوا له من كل سبطين من أسباطهم ستة نفر، فبلغ عددهم اثنين وسبعين نفرًا، فلما وصلوا إلى بطليموس المذكور، أَحْسَنَ قِراهم، وصيّرهم ستًا وثلاثين فرقة، وخالف بين أسباطهم، وأمرهم فترجموا ستًا وثلاثين نسخة بالتوراة، وقابل بطليموس بعضها ببعض فوجدها منسوبة، لم تختلف اختلافًا يُعتد به، وفرق بطليموس النسخ المذكورة في بلاده، وبعد فراغهم من الترجمة أكثر لهم الصلات وجهزهم إلى بلادهم، وسأله المذكورون في نسخة من تلك النسخ، فأسعَفَهم بواحدة، فأخذها المذكورون، وعادوا بها إلى بني إسرائيل ببيت المقدس، فنسخة التوراة المنقولة لبطليموس حينئذ أصح النسخ وأثبتها. ذكر زكريا وابنه يحيى ﵉ قال ابن سعيد المغربي (١): زكريا من ولد سليمان بن داود، وكان نبيًا ذكره الله تعالى في كتابه العزيز (٢)، قال: وكان نجارًا وهو الذي كفل مريم بنت عمران بن ماتان من ولد سليمان وكانت أم مريم اسمها حنة، وكان زكريا مزوّجًا أخت حنة واسمها إيساع فكانت زوجة زكريا خالة مريم، ولذلك كفل زكريا مريم، فلما كبرت مريم بنى لها زكريا غرفة في المسجد، فانقطعت مريم في تلك الغرفة (٣)، وكان لا يدخل على مريم غير زكريا فقط، وأرسل الله جبرائيل فبشر زكريا بيحيى مصدقًا بكلمة من الله، يعني عيسى ابن مريم، ثم أرسل الله جبرئيل ونفخ في جيب مريم (في الغار) (٤) فحبلت بعيسى. وكانت قد حبلت خالتها إيساع بيحيى، وولد يحيى قبل المسيح بستة أشهر. ثم ولدت مريم، فلما علمت اليهود أن مريم حَبَلَت من غير بَعْل اتهموا زكريا بها، فطلبوه فَهَرَبَ واختفى في شجرة عظيمة، فقطعوا الشجرة وقطعوا زكريا معها وكان عمر زكريا يومئذ مائة سنة، وكان قتله بعد ولادة المسيح، وكانت ولادة المسيح لمضي ثلثمائة وثلاث سنين للإسكندر، فيكون مقتل زكريا بعد ذلك بقليل. وأما يحيى فإنه نُبّي صغيرًا، ودعا الناس إلى عبادة الله، ولبس يحيى الشعر،

стр. 8491

واجتهد في العبادة حتى نَحَلَ جِسْمُهُ، وكان عيسى ابن مريم قد حرم نكاح بنت الأخ، وكان لهرذوس الحاكم على بني إسرائيل بنت أخ وأراد أن يتزوجها حسبما هو جائز في دين اليهودية، فنهاه يحيى عن ذلك، فطلبت أم البنت من هر ذوس أن يقتل يحيى، فلم يُجبها، فعاودته، وسألته البنت ايضًا، وألحتا عليه، فأجابهما إلى ذلك، وأمر بيحيى فذبح لديهما، وكان قتل يحيى قبل رفع المسيح بمدة يسيرة؛ لأن عيسى إنما ابتدأ بالدعوة لما صار له من العمر ثلاثون سنة، فأمره الله تعالى أن يدعو الناس إلى دين النصرانية/ ٢٨/ فأخذه يحيى فغمسه في نهر الأردن وخرج فابتدأ بالدعوة، ومكث المسيح بعد ذلك ثلاث سنين، وذبح يحيى كان بعد مضي ثلاثين سنة من عمر عيسى، وقبل رفعه، وكان رفع عيسى بعد نبوّته بثلاث سنين، والنصارى تسمي يحيى المذكور يُحنا المعمدان لكونه عمد المسيح كما ذكر. ذكر عيسى ابن مريم ﵇ (١) أما مريم، فاسم أمها حنة زوج عمران، وكانت حنّة لا تلد، واشتهت الولد، فَدَعَتْ بذلك، ونَذَرَتْ إِنْ رزقها الله ولدًا جعلته من سدنة بيت المقدس. فحملت حنة وهلك زوجها عمران وهي حامل، فولدت بنتًا وسمتها مريم، ومعنى مريم العابدة، ثم حَمَلَتْها وأتت بها إلى المسجد وَوَضَعْتها عند الأحبار وقالت دونكم هذه المنذورة، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت عمران، وكان من أئمتهم، فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأن خالتها زوجتي وأخذها زكريا، وضمها إلى إيساع خالتها، فلما كَبُرَتْ مريم أفرد لها زكريا غرفة حسبما تقدم ذكره. وأرسل الله جبريل فنفخ في جيب مريم فحبلت بعيسى وولدته ببيت لحم سنة أربع وثلثمائة لغلبة الاسكندر، ولما جاءت مريم بعيسى تحمله قال لها قومها: لقد جئت شيئًا فريًا. وأخذوا الحجارة ليرجموها، فتكلّم عيسى في المهد وهو متعلّق في منكبها، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية (٢). فلما سمعوا كلام ابنها تركوها، ثم إنَّ مريم أخذت عيسى وسارت به إلى مصر، وسار معها ابن عمها يوسف بن يعقوب بن ماتان، وكان يوسف المذكور نجارًا حكيمًا، ويزعم بعضهم أن يوسف المذكور تزوّج مريم ولكنّه لم يَقْرَبها، وهو أوّل من أنكر حَمْلها، ثم علم وتحقق براءتها، وسار معها إلى مصر وأقاما هناك اثنتي عشرة سنة (٣)، ثم عاد عيسى وأمه إلى الشام ونزلا الناصرة، وبها سميت النصارى، وأقام

стр. 8492

عيسى حتَّى بلَغَ ثلاثينَ سنَة، فأوحى الله تعالى إليه وأرسله إلى النَّاس. قال (١) في كتاب أبي عيسى: ولما صار لعيسى ثلاثون سنة صار إلى الأردن وهو نهر الغور المسمَّى بالشريعة. فاعتمد وابتدأ بالدّعوة، وكان يحيى بن زكريا هو الّذي عَمَّدَهُ، وكان ذلك لستَّة أيَّام خَلَت من كانون الثاني لمضي ثلاث وثلاثين سنة وثلثمائة للإسكندر. وأظهر عيسى ﷺ معجزات، وأحيا ميتًا يقال: له عازر بعد ثلاثة أيام من موته، وجعل من الطين طائرًا. قيل هو الخفَّاش، وأبرأ الأكمه والأبرص، وكان يمشي على الماء، وأنزل الله تعالى عليه المائدة، وأوحى إليه الإنجيل. قال أبو عيسى في كتابه (٢): وكان عيسى ﵇ يلبس الصوف والشَّعر ويأكل من نبات الأرض، وربّما يأكل من غزل أمِّه، وكان الحواريُّون الّذين اتبعوه اثني عشر رجلًا وهم: شمعون الصّفا وشمعون القناني ويعقوب بن زندى ويعقوب بن حلقى وقولوس ومارقوس وأندرواس وتمريلا ويوحنا ولوقا وتوما ومتى، وهؤلاء هم الّذين سألوه نزول المائدة، فسأل عيسى ربَّه ، فأنزل عليه سفرة حمراء مغطَّاة بمنديل، فيها سمكة مشوية وحولها البقول ما خلا الكُرَّاث، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خلّ ومعها خمسة أرغفة على بعضها زيتون وعلى باقيها رمَّان وتمر، فأكل منها خلق كثير ولم تنقص، ولم يأكل منها ذو عاهة إلاَّ برئ، وكانت تنزل ليلة وتغيب ليلة أربعين ليلة. قال ابن سعيد (٣): ولما أعلم الله المسيح أنه خارج من الدُّنيا جزع من ذلك فدعا الحواريِّين، وصنع لهم طعامًا، وقال: احضروني الليلة، فإنَّ لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا باللَّيل عشاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطَّعام أخَذَ يغسل أيديهم ويمسحها بثيابه، فتعاظموا ذلك، فقال: مَنْ ردَّ عليَّ شيئًا ممَّا أصنع فليس منِّي، فتركوه حتَّى فرغ، فقال: إنَّما فعلت هذا ليكون لكم أسوة بي في خدمة بعضكم بعضًا. فأما حاجتي بكم فأن تجتهدوا لي في الدُّعاء أن يؤخّر أجَلَي، فلما أرادوا ذلك ألقى الله عليهم النَّوم حتَّى لم يستطيعوا الدُّعاء، وجعل المسيح يوقظهم ويؤنبهم فلا يزدادون إلاَّ نومًا وتكاسلًا، وعلموا أنَّهم مغلوبون عن ذلك، فقال المسيح: سبحان الله، يذهب بالرَّاعي ويتفرَّق الغنم، ثم قال لهم: الحق أقول لكم ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الدِّيك، ويبيعني أحدكم بدراهم يسيرة ويأكلن ثمني، وكانت اليهود قد جدّت في طلبه،

стр. 8493

فحضر بعض الحواريين (١) الحاكم على اليهود، وإلى جماعة من اليهود فقال: ما تجعلون لي إذا دللتكم على المسيح عيسى ابن مريم فجعلوا له ثلاثين درهمًا فأخذها، ودلهم عليه، فرفع الله المسيح وألقى شبهه على الذي دلهم عليه. قال ابن الأثير في الكامل (٢): وقد اختلف العلماء في موته، فقيل رفع ولم يمت وقيل: بل توفاه الله ثلاث ساعات، ثم أحياه، وتأوّل قائل هذا قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (٣) ولما أمسك اليهود الشخص المشبه به ربطوه، وجعلوا يقودونه بحبل ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، أفلا تخلّص نفسك من هذا الحبل، وجعلوا يبصقون في وجهه ويلقون عليه الشوك، وصلبوه على الخشب، فمكث على الخشب ست ساعات ثم أستوهبه يوسف النجار من الحاكم الذي كان على اليهود. وكان اسمه فيلاطوس، ولقبه هردوس ودفنه (٤) في قبر كان يوسف النجار قد أعده له (٥). وأنزل الله المسيح من السماء إلى أمه مريم وهي تبكي عليه، فقال: إن الله رفعني إليه، ولم يصبني إلا الخير، وأمرها فجمعت له الحواريين، فبثهم في الأرض رسلًا عن الله، وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمر الله به، ثم رفعه إليه، وتفرّق الحواريون حيث أمرهم، وكان رفع المسيح، لمضي ثلثمائة وست وثلاثين سنة من غلبة الاسكندر على دارا. قال الشهرستاني (٦): ثم إن أربعة من الحواريين، وهم متى ولوقا ومرقس ويوحنا، اجتمعوا، وجمع كل منهم إنجيلًا، وخاتمة إنجيل متى أن المسيح قال: إني أرسلتكم إلى الأمم باسم الاب والابن والروح القدس (٧)، وكان بين رفع المسيح وبين مولد النبي ﷺ خمسمائة وخمس وأربعون سنة تقريبًا، وكانت ولادة المسيح أيضًا لمضي ثلاث وثلاثين سنة من ملك أغسطس، ولمضي إحدى وعشرين سنة من غلبته على قلوبطرا لأن اغسطس لمضي اثنتي عشرة سنة من ملكه، سار من مملكته رومية، وملك ديار مصر وقتل قلوبطرا ملكة اليونان. وفي هذه السنة ولد المسيح ﵇، وقيل غير ذلك، وهذا هو الأقوى

стр. 8494

وكانت مدة ملك أغسطس ثلاثًا وأربعين سنة، وعاش المسيح إلى أن رفع ثلاثًا وثلاثين سنة، فيكون رفع المسيح بعد موت أغسطس بثلاث وعشرين سنة، فيكون رفع المسيح في أواخر السنة الأولى من مملكة غانيوس. وأما أُمة عيسى فستراهم مذكورين في الأمم (١)، وأما مريم أم عيسى فإنها عاشت نحو ثلاث وخمسين سنة، لأنها حملت بالمسيح ولها ثلاثة عشرة سنة وعاشت معه مجتمعة ثلاثًا وثلاثين سنة وكسرًا، وبقيت بعده ست سنين. ذكر خراب بيت المقدس، الخراب الثاني (٢) وهلاك اليهود، وزوال دولتهم زوالًا لا رجوع بعده قد تقدم ذكر عمارة سليمان بن داود لبيت المقدس، وأن سليمان عمره وفرغ منه في سنة ست وأربعين وخمسمائة لوفاة موسى، ثم ذكرنا غزو بخت نصر لبيت المقدس مرةً بعد أخرى حتى خرَّبَهُ، وشتّت بني إسرائيل في البلاد، وإن ذلك كان لمضي تسع عشرة سنة من ابتداء ملك بخت نصر، وهو لمضي سنة تسعمائة وسبع وتسعين لوفاة موسى. وإن بيت المقدس استمر خرابًا سبعين سنة ثم عُمر فيكون ابتداء عمارته الثانية لمضي ألف وسبع وستين سنة، أعني سنة ثمان وستين بعد الألف لوفاة موسى، ولمضي تسع وثمانين سنة من ابتداء ملك بخت نصر، فتكون عمارته في سنة تسعين من ملك المذكور، والذي عمره هو ملك الفرس أزدشير بهمن، واسم أردشير بهمن المذكور عند بني إسرائيل كيرش وقيل: كورش (٣) وقيل: إنه ملك آخر غير أزدشير بهمن، ثم تراجعت إليه بنو إسرائيل، وصاروا تحت حكم الفرس، ثم لما غَلَبَتْ اليونان على الفرس صارت بنو إسرائيل تحت حكمهم، وكان اليونان يولّون من بني إسرائيل عليهم نائبًا، وكان لقب كل من يتولّى على بني إسرائيل هرذوس: وقيل هيرذوس، واستمرت بنو إسرائيل كذلك حتى قتلوا زكريا بعد ولادة المسيح حسبما تقدم ذكره، ثم لما ظهر المسيح ودعا الناس بما أمره الله به أراد هر ذوس قتله، وكان اسم هردوس الذي قصد قتل المسيح فيلاطوس، فرفع الله عيسى ابن مريم إليه، وكان منه ومنهم ما

стр. 8495

تقدم ذكره، وكانت ولادة المسيح لإحدى وعشرين سنة مضت من غلبة أغسطس على قلوبطرا، وكانت مدة أغسطس ثلاثًا وأربعين سنة منها قبل ملك مصر اثنتا عشرة سنة، وبعد ملك مصر إحدى وثلاثين سنة، فيكون عمر المسيح عند موت أغسطس عشر سنين تقريبًا، وجملة ما عاشه المسيح إلى أن رفعه الله إليه ثلاثًا وثلاثين سنة، وثلاثة أشهر، فيكون رفعه بعد موت أغسطس بنحو ثلاث وعشرين سنة، والذي ملك بعد أغسطس طيباريوس. وملك طيباريوس اثنتين وعشرين سنة، ثم مَلَكَ بعد طيباريوس غانيوس، فيكون رفع المسيح في السنة الأولى من ملك فانيوس وملك أربع سنين، ثم ملك بعده قلوذيوس، اربع عشرة سنة، ثم ملك بعده نارون ثلاث عشرة سنة، ثم ملك بعده آخر قيل أن اسمه أوسباسانوس (١) وقيل إسفتشيثوس (٢) عشر سنين، ثم ملك بعده طيطوس (٣)، وفي النسة الأولى من ملكه قصد بيت المقدس، وأوقع باليهود وقتلهم وأسرهم عن آخرهم، إلا من اختفى، ونهب القدس وخرّبه، وخرب بيت المقدس. وأحرق الهيكل وأحرق كتبهم، وخلا القدس من بني إسرائيل، كأن لم يغن بالأمس. ولم يعد لهم بعد ذلك رئاسة ولا حكم، وكان ذلك بعد رفع المسيح بنحو أربعين سنة على تفصيل ما تقدم، فيكون خراب بيت المقدس الخراب الثاني وتشتت اليهود التشتت الذي لم يعودوا بعده لأربعين سنة مضت من رفع المسيح، ولثلثمائة وست وسبعين سنة مضت (من غلبة الاسكندر، ولثمانمائة وإحدى عشرة سنة مضت) (٤) لابتداء ملك بخت نصر. فيكون لبث بيت المقدس على عمارته الأولى إلى حين خرّبه بخت نصر أربعمائة وثلاثًا وخمسين سنة، ثم لبث على التخريب سبعين سنة، ثم عُمر ولبث على عمارته الثانية إلى حين خربه طيطوس التخريب الثاني سبعمائة وإحدى وعشرين سنة. قال الملك المؤيد (٥): ثم إني وجدتُ في كتاب اسمه العزيزي تصنيف الحسن ابن أحمد المهلبي في المسالك والممالك أن بيت المقدس بعد أن خربه طيطوس

стр. 8496

التخريب الثاني حسبما ذكر تراجع إلى العمارة قليلًا قليلًا، ورمم شعثه، واستمر عامرًا، وهي عمارته الثالثة حتى سارت هلانة أم (١) قسطنطين إلى القدس في طلب الخشبة التي تزعم النصارى أن المسيح صُلب عليها. ولما وصلت إلى القدس بَنَتْ كنيسة قمامة على القبر الذي تزعم النصارى أن عيسى دفن، وخربت هيكل بيت المقدس إلى الأرض، وأمرت أن يلقى في موضعه زبالة البلد، فصار موضع الصخرة مزبلة، وبقي الحال على ذلك حتى قدم عمر بن الخطاب وفتح القدس (٢). ودلّه بعضُهم على موضع الهيكل فنظفه عمر من الزبائل، وبنى به مسجدًا، وبقي ذلك المسجد إلى أن تولى الوليد بن عبد الملك الأموي، فهدم ذلك المسجد وبنى على الأساس القديم الأقصى وقبة الصخرة، وبني هنالك قبابًا أيضًا سمّي بعضها قبة الميزان وبعضها قبة المعراج، وبعضها قبة السلسلة، كذلك نقل العزيزي والعهدة عليه (٣). قال (٤): وينبغي أن يخص كلام العزيزي في خراب هيكل بيت المقدس بالعمارة التي على الصخرة، خاصة لأن ذكر صفات المسجد الأقصى جاء في حديث معراج النبي ﷺ ، والأمر على ذلك إلى يومنا هذا. وخلاصة ما ذكر أن هيكل القدس عمره سليمان بن داود وبقي عامرًا حتى خربه بخت نصر، وهو التخريب الأول، ثم عمره كورش العمارة الثانية، وبقي حتى خربه طيطوس (٥) التخريب الثاني، ثم تراجع للعمارة قليلًا قليلًا، وبقي عامرًا حتى خربته هلانة أم (٦) قسطنطين، وهو التخريب الثالث، ثم عمره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو عمارته الرابعة، ثم خرب بعد ذلك وعمره الوليد بن عبد الملك، وهي عمارته الخامسة، وهو على ذلك إلى يومنا هذا (٧). وأول ما نبدأ بذكر ما كانت عليه الممالك في القديم. وقد تقدم فيما سلف من هذا الكتاب في معاريض الكلام ما فيه إرشاد. ونحن الآن نذكره على نقل فيه أخبار دولة دولة وطائفة طائفة. وبالله نستعين. أخبار ملوك الهند قال المسعودي (٨): إِنَّ الهند كانت في قديم الزمان الفرقة التي فيها الصلاح

стр. 8497

والحكمة ثم حاولت أن تضم المملكة، فقال كبراؤهم: نحن كنا أهل البدء وفينا التناهي وإلينا الغاية. فأجمعت إليها ونصبت لها ملكًا وهو البرهمن الأكبر، والملك الأعظم وإليه تنسب طائفة البراهمة لا إلى إبراهيم الخليل ﷺ ، وفي أيامه استخرج الحديد، وضُرب السلاح، ثم بنى الهياكل ورضعها بالجواهر. وصوّر فيها الأفلاك والبروج والكواكب، وأظهر الحكمة، وقدّم العلماء وصنفت له الكتب. ومنهم من قال: هو الأب الأول، وزعموا أنه آدم ﵇. ومنهم من يقول: بل هو رسول أُرسل إلى الهند. والأكثر على إنما كان ملكًا. فلما هلك جزعت عليه الهند شديدًا، ثم ملكت ولده الأكبر نُصب بن البرهم، وهو الباهبود (١)، فسار بسيرة أبيه، وزاد في بناء الهياكل وتقديم الحكماء، وفي أيامه عمل الفرس النرد ولعب به، وجعل مثلًا للمكاسب، وأنها لا تنال بالكسب والحيل، وإنما تنال بالمقادير. ثم ملك بعده زامان (٢)، وله حروب مع ملوك فارس والصين. ثم ملك بعده قور (٣) وهو الذي قتله الاسكندر بن فيلبس اليوناني مبارزة. ثم ملك بعده سامر (٤)، وهو الذي صنّف له كتاب كليلة ودمنة، ثم ملك بعده بلهيت (٥)، وفي أيامه وضعت الشطرنج فقضى به على النرد وبين به الظفر الذي يناله الخازم (٦) والبكية التي تلحق الجاهل. ثم ملك بعده كورش (٧)، فأخذت الهند الديانات على حسب ما رأى من صلاح الوقت وما يحمله أهل العصر من التكلف، وصنف له الكتاب الأعظم في معرفة العلل والأدواء والعلاجات، وأشكال الحشائش وصفاتها. ولما هلك اختلفت آراء الهند، وأنفرد كل ملك بناحية فملك أرض السند ملك. وأرض القنوج (٨) ملك، وأرض قشمير ملك. وأرض المانكير ملك وهي الحوزة الكبرى، وكان اسمه البهلري، وكانت مدة اجتماع الهند لملك واحد نحوًا من ألف سنة وستًا وستين سنة، وقيل أكثر من هذا، وعدتهم سبعة ملوك.

стр. 8498

ذكر أخبار ملوك الصين قال المسعودي (١): لما قسم فالغ بن عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح الأرض بين ولد نوح سار عامور بن شريل بن يافث بن نوح يسرة المشرق. وكان منهم أجناس الترك وسار الجمهور من ولد عامور على ساحل البحر حتى انتهوا أوّل أقاصيه من بلاد الصين فتفرقوا على تلك البقاع فسكنوها وعمروها، وكان أول من تملك عليهم نسطير طاس بن ياغور بن مدتج بن عابور، ولما ملك، شقّ الأنهار، وغرس الأشجار (٢) وأطعم الثمار وقتل السباع، ثم هلك (٣) وملك بعده ابنه عرون (٤)، ثم هلك فملك بعده ابنه عيثرون (٥)، ثم هلك وملك بعده عيثنان (٦)، وطالت مدته في الملك واتسعت مملكته حتى اتصلت ببلاد الترك من بني عمه، واتخذ في أيامه كثير من الصناعات ولطائف الأعمال، ثم هلك، وتملك بعده ابنه حراتان (٧)، وأمر باتخاذ الفلك، وحمل فيها الرجال، وبعثهم بلطائف الصين إلى ملوك الهند والسند وبابل وسائر الممالك، وأمرهم أن يجلبوا له من طرائف (٨) تلك البلاد، ويتعرفوا سياسة كل ملك، ورغبوا الناس في بلاده من الجواهر والطب والآلات، فقبلت الملوك هداياه، وألحقته بالطرف وأُشْهِرَ ذكرُهُ في الأمم فقصدوه، فعمرت بلاد الصين واستقامت أمور مملكته، ثم هلك فجزعوا عليه، وحزنوا حزنًا شديدًا. ثم ملك بعده ابنه توتال (٩)، فزاد على من سلف، وأحدث السفن المحمودة فيهم، وشرع لهم سياسة يُدان بها، أوْجَبَ عليهم فيها صلوات بالإيماء، لا ركوع ولا سجود فيها في أوقات عنها (١٠)، ورسم لهم أعيادًا، وأقام لهم نواميس ثم هلك، ولم

стр. 8499

يزل بعده الملوك تدين ما دان به وتعمل بنواميسه، وكانت تسمي أهل شرعتهم السمنيّة (١)، وهي نحو من عبادات قريش قبل الإسلام، ثم ظهرت في الصين آراء ونحل حَدَثَتْ عن مذاهب الثنوية (٢)، وأهل الدهر (٣). قال المسعودي (٤): وملكهم متصل بملك الطُّغُرغُر (٥)، وكان اعتقادهم الثنوية. قال: وأهل الصين شعوب وقبائل كقبائل العرب وشعوبها، ولهم مراعاة لحفظ أنسابهم حتى تصل لعامور، والرجل منهم لا يتزوج من الفخذ التي هو منها، ويزعمون إِنَّ ذلك أصح للبقاء، وأهم للعمر. وقال (٦): ولم تزل أمور الصين مستقيمة إلى سنة أربع وستين ومائتين. فإنه خرج فيها خارجي من غير بيت الملك يقال له يانشو (٧)، كان في أول أمره يتفتى (٨) ويجمع أهل الدعارة والشر، فلحق الملوك عنه غفلة لخمول ذكره (كان قد أهمل أمره لما يتفتى، وجمع أهل الدعارة والشر) (٩) فاشتدّ أمْرُهُ، وشنّ الغارات، وملك مدينة خانقو (١٠) وهي المدينة العظمى، وقتل من أهلها خلقًا كثيرًا ثم فتح بقية البلاد واستولى على حوزة الصين. ثم استنجد ملك الصين (ابن خاقان) (١١) ملك الترك، فأنجده بولده في نحو أربعمائة ألف فارس، وجمع إليه الخارجي وتلاقيا وكانت الحرب بينهما

стр. 8500

سجالًا نحو سنة، ثم فقد الخارجي، وأُسِرَ ولده، وعاد ملك الصين إِلى مُلْكِهِ على وهن لم يُجبر، فغَلَبَ صاحِبُ كل عمل على عمله، وضعف عن مقاومتهم. قال: والعامة (١) تُسمّيه يعبور (٢)، وتفسيره ابن السماء، تعظيمًا له (٣)، ثم لقب ملك الصين (طغما جيان ثم لقب بالخان) (٤) وهو آخر ما استقر. وسنذكره إن شاء الله في ذكر أولاد (حلدحان) (٥) ما أسقط إلينا عنهم. ذكر أخبار ملوك الترك وهذه الطائفة لم تنقل إلينا أخبارهم مفصلة لعدم العلماء فيهم، وقلة عنايتهم بالعلم وحفظ مآثر الآباء. قال المسعودي (٦): وقد تنازع الناس في الترك، فذكر كثير منهم أنهم ولد عامور بن سوبيل بن يافث، ساروا يَسْرة الشرق وانتشروا في الأرض فصاروا عدة طوائف: اللكز (٧) واللان (٨) والجيل (٩) والطيلسان (١٠)، والتتر (١١)، وفرغانة (١٢) وأهل جبل الفتح (١٣) من أنواع اللكز واللان والخزر والأبخاز (١٤)

стр. 8501

والسَّرِير (١) والكُمَشك، وسائر تلك الأمم المنتشرة في ذلك الصَّقع. والأرمن إلى طَرَابُزَنْدَة (٢) إِلى بحر ما نِيْطَش (٣) ونيطش (٤) وبحر الخزر إلى البَرْغَر (٥) ومن اتصل بهم وعبر ولد عامور جيحون وهم أكثرهم ببلاد الصين، وتفرّقت بقيتهم فيما بين الصين وجيحون، وانتشروافي تلك الديار، فمنهم الخُتَّل، وهم سكان خُتَّلان (٦) وورستان (٧) والأشروشنيّة (٨) والصغد (٩) وكانوا بين موضع بخارا وسمرقند (١٠)، ثم الفراغنة والشاش (١١) واسبيجاب (١٢) وأهل بلاد فاراب، فبنوا المدن والضياع، واستوطنوا وانفرد منهم أناس غير هؤلاء فسكنوا البوادي. قال المسعودي (١٣): ومن الترك الكيماكية (١٤) والبرغانية (١٥) (والبدرية) (١٦) والجفرية (١٧). قال: وأشدهم بأسًا الغزيّة، وأحسنهم صورة الخزلجية، وكانوا على بلاد فرغانة.

стр. 8502

قال المسعودي (١): وكان فيهم المَلك، ومنهم خاقان الأكبر (٢)، وكان ملكه يجمع سائر ممالك الترك وينقاد إليه مُلوكُها. ولَحِق (٣) قوم من ولد عامور تخوم الهند، فأثَّر فيهم سكناها في العَراء، ولهم حضر وبواد، وسَكَن فريق منهم بلاد التبت، وكان يُسمى ملكهم خاقان تشبهًا، بملوك الترك، وكان ينقاد إلى ملك الترك (٤). ذكر أخبار ملوك مصر الأول ذكر (٥) إبراهيم بن القاسم (٦) الكاتب في مُختَصر العجائب الكبير (٧) قال: أول من ملك مصر قبل الطوفان نقراوس، ومعناه ملك قومه، وهو نقراوس الجبار ابن مصرايم بن براكيل بن زرابيل بن غُرْناب (٨) بن آدم. رحلوا لما بغى بعض ولد آدم على بعض في نيف وستين رجلًا من بني غُرْناب جبابرة كلهم يطلبون موضعًا ينقطعون فيه، فلما نزلوا على النيل أقاموا عليه، وبنوا الأبنية، وقالوا: هذا بلد زرع فبناه وسماه باسم أبيه تبركًا به، وكان قد تلقى علمًا من آبائه عن آدم، وكان نقراوس كاهنًا، وبنوه هم الذين بنوا بلاد مصر الأعلام (٩)، وأقاموا الأساطين العظام، وعملوا المصانع، ووضعوا الطلسمات واستخرجوا المعادن وكل عمل (١٠) جليل كان في أيدي من بعدهم من المصريين، إنما هو من فضل أولئك. وكانت علومهم مرموزة على الحجارة، ففسرها لهم فليمون الكاهن أحد من آمن بنوح ﵇ (١١). ويقال: إنهم الذين أصلحوا مجرى النيل، وكان قبلهم يتفرق

стр. 8503

ويلبث في أرض مصر يمينًا وبين الجبلين، ووجّه نقراوس إلى بلاد النوبة جماعةً هندسوه. وشقوا نهرًا عظيمًا منه بنوا عليه المدن، وغرسوا الغروس. ويقال إنه صعد إلى مجرى النيل، ثم هلك. وملك بعده ابنه نقارس وتجبّر وبنى مدينة (١) صفح خطامها (٢) بالذهب والحجارة الملونة، وكان له شيطان يعمل التماثيل، ويوقفه على أسرار العقاقير وسار مغربًا حتى بلغ البحر المحيط، واقام عليه الأعلام، وبرز اسمه عليها. ثم هلك وملك بعده أخوه مصرام، ويقال: إنَّ به سميت مصر، وهو أحد ما يقال ذلك، ويقال: إِنَّه ذلك الأسد، وكان يركبها، وكان يتصرف في الروحانيات، وكان قد عمل له جنّة (واتخذ منها شجرة) (٣) مولدة يؤكل منها جميع الفواكه. واتخذ فيها قبة من زجاج أحمر، وعلى رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بها، ثم أمر كبراء ملكه أن يجمعوا له، وجلس لهم في مجلس عالٍ مزيّن بأصناف الزينة، وبرز إليهم في صورة هائلة ملأت قلوبهم رُعْبًا، فخروا على وجوههم ودعوا له، فأمر بإحضار الطعام والشراب، فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم، ثم لم يروه بعدها. وكان قد بلغ بكهانته ما لم يبلغ آباؤه. ثم ملك بعده [عنقام الكاهن] (٤) فعدل فيهم وهي مدينة عجيبة، يقال: هي العريش. ويقال: بل هي قرب العريش. ويقال: إن إدريس ﵇ رفع في زمانه. ويقال إنه عمل له قصر كان يسرج بغير مصابيح، وإليه تُعزى مصاحف القبط التي فيها تواريخهم وجميع ما يجري إلى آخر الزمان على زعمهم. ثم هلك وملك بعده ابنه عرناق (وهو المسمّى بالأثيم) (٥) واحتالت عليه امرأة من المغصوبات فسمّته، فهلك، وبقي مدة لا يعرف خبره. وكان رسمه (٦) إذا خلا بنسائه لا يقربه أحد، فلما تأخر خبره هجم عليه فتى من بني نقراوس يقال له: نوخيم (٧)، ومعه نَفَرٌ من أهله، فوجده ملقى على فراشه جيفةً،

стр. 8504

فأوقد نارًا وأحرقه وجميع النساء اللواتي عنده. فمن كانت من نسائه تركها ومن كانت من المغصوبات سرّحها إلى أهلها، وكان عرناق قد اغتصب كل امرأة سمع بحسنها، فلما هلك فرح الناس بعود نسائهم (١) وبما نزل به. ثم ملك بعده نوخيم (٢)، ولما ملك جمع الناس وقام على كرسيه فتكلم وذكر ما كان عليه غرناق الأثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء، وسفك الدماء. ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة إلى أن هلك وأنه أحق بميراث أخيه (٣) وجده، وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم ودفع الأذى عنهم فرضي به الناس، وأطاعوه. ثم كان من ملوكهم خصليم (٤)، وهو أوّل من عمل مقياسًا لزيادة الماء، وقننه على البلاد ثم هلك، وملك بعده ابنه هر صال (٥)، ويقال إنه عمل تحت النيل سربًا يجاز منه، من أحد جانبيه إلى الآخر، وخرج متنكرًا يشق الأمم إلى أن بلغ بابل ورأى أحوال ملوكها، ويقال: أن نوحًا ﵇ ولد في زمانه، ويقال: إنه غاب غيبة طويلة انقطع منها خبره وأولاده كل واحد منهم فيما كان جعله فيه، والأمور جارية على السداد فداموا على هذا سبع سنين، ثم وقع بينهم تشاجر، فاجتمع رأي الكهنة أن يملكوا واحدًا منهم، وبقي إخوته في مكانهم لا يلزمهم إلا الطاعة فأقاموا ولده ندسان (٦) فسار بسير أبيه وحمد الناس أمره، ثم عمل قصرًا من خشب، ونقشه بأحسن النقوش، وصوّر فيه الكواكب، ونجده بالفرش وحمله على الماء، وكان يتنزّه فيه، فبينما هو فيه إذ زاد النيل زيادة عظيمة، وهبّت ريح عاصفة، فانكسر القصر وغرق الملك. ثم ملك بعده شمرود (٧)، ثم قاتله بنو أخيه ندسان، وقامت الحروب بينهم أيامًا، ثم انهزم شمرود وإخوته، وملك بعده تو ميدون (٨) بن ندسان، وكانت أمه ساحرة، وكانت هي التي تدبّر أمره، فقتلت كل من كان مع شمرود. وطلب شمرود حتى

стр. 8505

ظفر به، فشُدَّ بين إسطوانتين أوقد نارًا وجعل يقطعه عضوًا عضوًا يرميه في النار. ثم برع توميدون الملك في الكهانة، وعمل قبّةً من الزجاج على دوران الفلك، يتعرف بها الكائنات، ثم هلك. وملك بعده ابنه شرناق (١) فعمل بسيرة أبيه، وشقّ إلى بعض مدائن الغرب نهرًا من النيل، وبنى في الأرض منازل وأعلامًا، وقصده ملك من العراق ملك الشام وأراد مصر. وخرج إليها متنكرًا ليقف على أحوالها، وكان سرياق قد رأى منامًا استدل به على دخوله إلى أرضه فتطلبه وقتله. ثم ملك (٢) بعده ابنه سهلوق، وكان كاهنًا منجمًا فأفاض العدل وقسم ماء النيل قسمًا موزونًا، وصرف إلى كل ناحية حقًا معلومًا، ورتب المراتب. ثم هلك (٣) وملك بعده ابنه سوريد، فاقتفى سيرة أبيه، وعمل الهياكل، وبنى المنابر، ونصب الأعمال والطلسمات، وأظهر عجائب كثيرة، ويقال: إنه هو الذي بنى الهرمين الكبيرين، ويقال: غير هذا مما سنذكره إن شاء الله. ثم هلك وملك بعده ابنه هر جيب (٤)، وسار بسيرة أبيه، وبنى الهرم الأول مع أهرام دهشور، وعمل الكيمياء، واستخرج المعادن وجمع المال. وشج في زمانه رجل لآخر فأمر بقطع أصابعه، وسرق رجل لآخر فملك المسروق رق السارق. ثم هلك وملك بعده ابنه منقاوش (٥)، وكان جبارًا أثيمًا فأذى الناس وسفك الدماء، واغتصب النساء، واستخرج كنوز آبائه وبنى قصورًا بطن مجالسها بالذهب والفضة، وكان يفرع نساء العامة قبل أزواجهن، وسلط رجلًا جبارًا اسمه فرناس على الناس ووجه لمحاربة الأمم الغربية، فقتل منهم أممًا ثم هلك قرناس، فاغتم الملك منقاوش عليه وأمر أن يدفن مع الملوك في الهرم. ثم هلك منقاوش وملك بعده ابنه أقروش (٦)، وكان عاقلًا مخالف عوائد أبيه، وعدل في الناس، وردّ النساء وبنى أبنيةً عجيبة، وأثر آثارًا بديعة وكان يطلب الولد فنكح ثلاثمائة امرأة يبغي الولد منهنّ، فلم يولد له، وقيل: إن في عصره عَقَمَتْ الأرحام

стр. 8506

لما يريد الله من هلاك العالم بالطوفان. ووقع الموت في الناس والبهائم، ثم هلك أقروش، وليس له ولد ولا أخ. فاجتمع الناس على تمليك رجل من أهل بيت الملك فملكوا عليهم أومالينوس وخرج بجيوش عظيمة ومعه الحكماء بأعمال عظيمة عملوها له، فغزا الأمم تارة هو وتارةً يرسل ابن عم له اسمه فرعان بن مِسْوَر. فمات مسمومًا وملك بعده فرعان بن مسور، وجلس على سرير الملك فلم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانه، فلما استتب له الملك علا في الأرض وعتا وتجبّر، واغتصب الناس أموالهم وأنْفُسَهم ونساءهم، وكتب إلى (الدمشيل بن محويل) (١) ببابل يشير عليه بقتل نوح ﵇، وإغراق السفينة، وكان عند أهل مصر علم بالطوفان، فاتخذوا له سراديب تحت الأرض وصفحوها بالزجاج وحبسوا فيها الرياح بتدبيرهم، واتخذوا فرعان الملك منها عدةً له ولأهله وأقام منهمكًا في ضلاله وظلمه، مقبلًا على لعبه ولهوه، واستخفَّ بالكهنة والهياكل، ففسدت في أيامه الأرض، ونقص الزرع، وأَجْدَبَتْ النواحي. وظلم الناس بعضهم بعضًا، ثم جاءهم الطوفان، وأقبل المطر عليهم فقام فرعان الملك سكرانًا يريد الهرب إلى الهرم فتخلخلت الأرض به، وطَلَبَ الأبواب فخانته رجلاه، وسقط يخور خوار الثور إلى أن أهلكه الله بالطوفان وهلك من دخل الأسراب بغمها، وبلغ الماء في الأهرام إلى مكان التربيع، وهو ظاهر عليها إلى الآن، وهلكت الأمم بالطوفان، فكان عدة من ملك مصر إلى مجيء الطوفان تسعة عشر ملكًا. ثم ملكها (٢) بعد الطوفان من نذكره على ما ذكره إبراهيم بن القاسم الكاتب نقلًا عن إبراهيم بن وصيف (٣). وأولهم مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، وكان جده لأبيه أفليمون (٤) الحكيم أحد من آمن بنوح، فلما أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له أفليمون: يا نبي الله، ابعث معي ابني حتى أمضي به إلى بلدي لأوقفه على كنوزه وأعرفه خفايا علمه ورموزه، فلما قرب من مصر بنى له عريشًا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض،

стр. 8507

ثم بنى له بعد ذلك في الأرض مدينة، ثم زرعوا وغرسوا الأشجار، ثم نكح مصريم الملك امرأة من بنات الكهنة فأولدها ولدًا أسماه قبطيم فهو أبو القبط، ثم نكح قبطيم فولد أربعة وهم قفطيريم وأشمون وأثريب وصنا، وكثروا وانتشروا في مصر وما يليها في الجنوب وبنى مدينة رقودة. وهي الاسكندرية وإنما جدّدها الاسكندر بن فيلبس فسميت به. ثم عهد مصريم إلى ابنه قبطيم فقسم قبطيم مصر بين بنيه الأربعة، فجعل لابنه قفطريم (١) من قفط إلى أسوان داخلان في الجنوب، ولأشمون من أشمون إلى منف ولأتريب الحوف كله إلى الشجرتين إلى أيلة من الحجاز، ولصنا من ناحية صنا البحيرة إلى قرب برقة، ثم بعثَ أخًا له اسمه فارق بن مصريم وقال له: لك من برقة إلى الغرب فهو صاحب أفريقية. وولده الأفارق. ثم هلك وملك بعده ابنه قفطريم، وكان أكبر أولاده، وكان جبارًا عنيدًا ووضع أساس الأهرام الدهشورية، ووسع عمل العجائب بالصعيد، ثم هلك. وملك بعده ابنه البودسير فتجبر وتكبّر، وقال بالسحر، وعمل به واحتجب بالخافية، وقهر أعمامه، وصعد على مجرى النيل إلى البطيحة التي ينصب إليها، وعدل جانبيها حتى لا تفيض، وبنى هنالك أبنية غريبة وعمل عجائب كثيرة، ثم هلك. وملك بعده ابنه عليم (٢)، وزنا في أيامه رجل بامرأة، فأمر بهما فصلبا، وكان أوّل من صلب. وعمل قنطرة على النيل، في أول بلاد النوبة، ثم لم تزل حتى هدمها فرعون موسى. ثم هلك وملك بعده ابنه شداث (٣) ومن الناس من ينسب إليه بناء الأهرام، والأكثر على أن هرمي الجيزة من قَبْلِ الطوفان، وإنما بناء الأهرام الدهشورية تحمل على أساس قفطريم، والناس تغلط فتجعل هذا هو شداد بن عاد العادي. وما الأمر كذلك وإنما اشتبه عليهم، فهذا شداث بن عديم وذاك شداد بن عاد. وهذا شدّاث بن عديم هو الذي بنى الهيكل بأرْمَنْت (٤)، وعمل عجائب كثيرة. ثم هلك وملك بعده ابنه منقاوش (٥)، فأظهر مصاحف الحكم وعمل طلسمات لمنع الرمل/ ٤٩/ عن مكان الزرع، وكان سحارًا يتجلّى على أصحابه في صورة وجه

стр. 8508

عظيم مهول، وكان ربما خاطبهم ولا يرونه، ثم غبر مدة لا يرونه. ورآه فيها ابنه عديم، فخاطبه، وأمره بالجلوس على سرير ملأه، فجلس عديم بن منقاوش وكان جبارا لا يطاق، ويقال: إن في وقته كان نزول الملكين اللذين يعلمان الناس السحر، والقبط تزعم أنهما نزلا بمصر ثم نقلا إلى بابل. ثم ملك بعده أخوه مناوش بن منقاوش (١)، فطلب الحكمة، وأكرم أهلها، وبذل لهم الجوائز، وعمل أعمالا حكيمة. ثم هلك وملك بعده ابنه هرميس فلم يعمل أعجوبة ولا أثر أثرا حتى كأنه لم يكن من الملوك. ثم نذكر أخبار أشمون وبنيه (٢): وهو أشمون بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح أخو قفطيم أبو (٣) الملوك المقدم ذكرهم، وكان ملك أشمون من الأشمونين إلى منف، ومن الشرق إلى البحر الملح ومن الغرب إلى حدود برقة، وكان ينزل مدينة الأشمونين وله بنيت، وباسمه سميت، وهو أول من اتخذ الملاعب، وحكى (٤) أن رجلا أتى عبد العزيز (٥) بن مروان وهو على مصر فقال له: إنه تاه في صحراء الشرق فوقع على مدينة خراب فيها شجرة تحمل من كل فاكهة، فأكل منها وتزود. فسأل عبد العزيز القبط عنها، فقال له رجل منهم: هذه إحدى مدينتي هرمس، وفيها كنوز كثيرة، فوجه عبد العزيز معه جماعة وحمل معهم زادا وماء، وأقاموا يطوفون شهرا في تلك الصحارى فلم يقفوا لها على أثر. ثم هلك وملك بعده ابنه مناقيوس، وكان جلدا محنكا بالتجارب فاستأنف العمارة وبناء القرى ونصب الأعلام. ثم هلك وملك بعده ابنه، ولم يسمه إبراهيم بن القاسم (٦) فاستقر ابنه وكان أحزم من أبيه، فعظم في عيون أهل مصر، وكانت امرأتان يجمعهما في مجلس واحد، فمال يوما للواحدة، فغارت الأخرى، فقامت فأخذت سكينا، ودخلت فضربت تلك

стр. 8509

الامرأة بالسكين، فقام الملك دونها يمنع عنها فضربته على فؤاده، فخر صريعًا فهلك. وملك بعده ابنه مرقورة (١)، وكان حازمًا لبيبًا عاقلًا قيمًا بالعمارة وترتيب المراتب. وجعل لرأس الكهان الحكومة في أمر الدين. ثم ملك (٢) بعده ابنه بلاطس، وكان صبيًا، وكانت أمه تدبّر الملك مع الوزراء والكهان، وكان محبًا للصيد، ثم حصل له خدر مات منه. وانتقل الملك إلى أعمامه. ثم نذكر أخبار إتريب بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، وكان إتريب انتقل إلى ما جعل له أبوه قبطيم، ثم هلك وملك بعده ابنته، ولم تُسم لنا (٣) فدبّرت الملك وساسته بأيد وقوّة، ثم ماتت فملك بعدها أخوها (٤) فليمون (٥) بن إتريب. فجدّد رسوم الوزراء والكهان، وصدر عن رأيهم، وجدّ في العمارات وطلب الحكم وعمل بها، وفي زمانه بنيت تنس الأولى وغرقها النيل. وبنيت دمياط، ثم هلك. وملك بعده ابنه قرسيون (٦) فأقام الهياكل والكهنة، وطلب الحكمة، وعشقته إحدى نساء أبيه، وبعثت إلى ساحرة بمنف فسألتها أن تسحره لها فإذا الساحرة قد عشقته أشد من عشقها فَسَعَتْ إِليه بامرأة أبيه وعرفته بأمرها، فأبعد امرأة أبيه ومنعها من الدخول إليه. وبلغ ملكًا من ملوك حمير أن ملك مصر صار إلى غلام حدث غرّ. وكان قوسيون حدثًا غرًا فطمع الحميري فيه، وسار إليه في جموع عظيمة. فخرج قرسيون نحوه والتقوا بأيلة (٧) واقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم أتت الساحرة إلى قرسيون وشرطت عليه حكمها إذا هي عملت له عملًا يغلب به عدوّه. فعملت عملًا هرب به الحميري في نفر يسير وقتل بقية أصحاب الحميري، وعاد قرسيون غانمًا إلى منف، وأتت إليه الساحرة واحتكمت أن يتزوجها، فتزوج بها، فشق هذا على امرأة أبيه، فدست جارية لها على ساقي الملك فاختلطت بجواريه حتى تمكنت من شرابه، فألقت فيه سمًا وعادت فأخبرت مولاتها فدخلت إلى الملك فسجدت له وقالت: أيها الملك أقصيتني وأدنيت

стр. 8510

هذه الساحرة، فخانت الملك وسمت شرابه في إناء وصفته كذا وكذا، فليسقها الملك منه ليعلم صدقي فدعا بالإناء فوجده على ما ذكرت، فدعا الساحرة وأمرها بشرب قدح منه فشربت ولم تعلم ما فيه فسقط لحمها من عظمها، فأمر بها فدفنت، وعاد إلى امرأة أبيه وتزوج بها، وحسن حالها عنده. ثم هلك وملك بعده ثلاثة أو أربعة من أولاد أتريب على اختلاف الرواية في العدد ولم يُسمّوا لنا، ثم نذكر أخبار صناين (١) قبطيم بن مصريم بن بنصر (٢) بن حام بن نوح، وكان قد انتقل إلى ما جعل له أبوه قبطيم وله في البر ما بين البحيرة وبرقة آثار عجيبة وبقايا مدن كان بناها وساق إليها أنهارًا من النيل لا يزال من دخل في تلك الصحارى يحكي ما رأى فيها من الآثار والعجائب ويقص الأخبار والغرائب، ومن ملوكهم مرقوس (٣)، وكان حكيمًا مولعًا بالنجوم والحكمة، وعمل عجائب كثيرة، ثم هلك وملك بعده ابنه أنساد (٤). وكان معجبًا جبارًا طماح العين، طماع اليدين فاغتصب امرأة من نساء أبيه وانكشف أمره معها فجرت بينه وبين أرباب دولته هنات فعزم على الركوب إلى صحراء الغَرْب على أَنَّه يتصيّد هناك، وأمر الجيش أن يركب معه ويتزوّد لثلاثة أيام ففعلوا وسار حتى إذا اختلط الظلام رجع بالجيش حتى وافي باب مدينته فأمر أصحابه أن يضعوا فيهم السيف، ثم احتال عليه خاصته بطباخه وساقيه فسماه. فهلك. وملك بعده ابنه صا (٥). قال إبراهيم بن القاسم، وأكثر القبط تزعم أنه ليس بابنه، ولكنه أخوه (٦) وإنهما ابنا مقروس، وعمل العجائب والطلسمات ورد الكهنة إلى مراتبهم، ونفى الملهين وأهل البطالة، وقمع أهل الشر والأشر وعظم شأنه حتى استكمل جميع ملك بني مصريم، واستقل به. ثم هلك وملك بعده ابنه تدارس (٧)، وملك جميع ما كان اجتمع لأبيه، وكان ذا أيدٍ وقوة، فأظهر العدل، وأقام الهياكل وأهلها أحسن قيام، ويقال إنه هو الذي حفر خليج لسخا وقصد بعض عمالقة الشام فخرج إليه واستباحه، ودخل إلى فلسطين فقتل فيها خلقًا، وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر، فهابته الملوك، ثم طمع طوائف من السودان في أرضه، فجهز إليهم
следующие страницы →