والملكان الآخران يفخران بأن جنكزخان لما قسم البلاد بين بنيه ملك جديهما ولم يملك تولي ولا هولاكو ولده - جد صاحب إيران - بل كان هولاكو بن تولي مندوبًا من جهة أخيه منكو كبكاخان (١) وارث الملك والتخت.
حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم نور الدين عبد الرحمان الطياري الكاتب البوسعيدي (٢): أنه كان أرسله لدفع الإسماعيلية (٣) والأكراد (٤)؛ فلما أخذ بغداد (٥) تمكّن وعصى واستقل بنفسه.
والواضح الجلي ما سنذكره عن شيخنا الفرد نادرة الوجود أبي الثناء الأصفهاني (٦) - إن شاء الله - في ذلك.
стр. 877
[جنكزخان]
وأما أصل جنكز خان جد هؤلاء الملوك في النسب، فنحن نذكر من منتهى نسبهم إلى أن نأتي إلى جنكزخان منبعهم ومشرع الياسة (١) لهم، ثم نفرع نسب كل ملك من هؤلاء الأربعة فنقول وبالله التوفيق:
قيل: إن جنكزخان ينتهي نسبه إلى امرأة تسمى آلان قوا. كانت متزوجة بزوج أولدها ولدين اسم أحدهما: بكتوت، والآخر: بلكتوت. وأبناء هذين الولدين يسميان عند المغل (٢) الدرلكية.
ثم مات زوجها وبقيت مرملة بغير زوج، فحملت فأنكر عليها الحمل، وحملت إلى من له الحكم بينهم لينظر في أمرها فسألها ممن حملت؟ فقالت: ما حملت من أحد إلا أني كنت قاعدة وفرجي مكشوف فنزل نور دخل في فرجي ثلاث مرات فحملت منه هذا الحمل، وأنا حامل بثلاثة ذكور؛ لأن دخول ذلك النور كل مرة بولد ذكر فأمهلوني حتى أضع، فإن وضعت ثلاثة ذكور، فاعلموا مصداق قولي وإلا فرأيكم في، فولدت ثلاثة أولاد ذكور في بطن واحد؛ بوقن فوغاغي، وبوسن سالجي، وبوذنجر. وهؤلاء الثلاثة المسمون بالنورانيين نسبة بالنور الذي ادعت أمهم أنه نزل في فرجها؛ ولهذا يقال عن جنكزخان إنه ابن الشمس.
وبوذنجر عليه عمود النسب إلى جنكز خان، فنقول: إنَّ هذا بوذنجر بن الآن قوا أولد بغا، وبغا أولد ذو توم منن، وذو توم منن أولد قيدو، وقيدو أولد باي سنقر، وباي سنقر أولد تومنية خان، وتومنية خان أولد قيل خان، وقيل خان أولد تربان، وتربان أولد بيسوكي بهادر، وبيسوكي بهادر أولد جنكزخان جد هؤلاء الأربعة.
ونحن الآن نسرد نسبه منه إلى الآن، فواصل أن نفرع أنساب هؤلاء الأربعة منه فنقول: جنكزخان بن بيسوكي بهادر بن تريان بن قبل خان بن تومنيه
стр. 878
خان بن باي سنقر بن قيدو بن ذو توم منن بن بغا بن بوذنجر بن الآن قوا، إلى هذه المرأة منتهى نسبهم.
وهذه الحكاية في نسب جنكز خان أكذوبة قبيحة، وأحدوثة غير صحيحة وإن صحت عن المرأة، فلعلها احتالت على سلامة نفسها من القتل، ولعلها سمعت قصة مريم الزكية، فتعلقت بحبل الشبهة حتى أضلت أقوامًا بشبيه ذلك الحق وزورت كذبًا على مثل ذلك الصدق: [من البسيط]
قد يبعد الشيء من شيء يشابهُهُ … إِنَّ السماء نظير الماء في الزَّرَقِ
وها نحن نبدأ بذكر نبذة من ابتداء حال جنكزخان، وترقيه إلى أن ملك، ودانت له ملوك تلك الديار قبل الخوض في سياقة أنساب هؤلاء الملوك واتصالهم به، فنقول: حكى الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني (١): أنه كان ملك عظيم في قبيلة عظيمة يدعى أونك خان (٢). وكان مطاعًا في قبيلته، يُنقاد غليه عظماء رعيته فتردّد إليه جنكزخان في حال صباه وقربه وأدناه، وتوسم فيه النجابة والرئاسة، فزاد في ارتقائه على أقربائه، وأعلاه على من سواه حتى نشأ بينهما الاتحاد، وانتسج الوداد فشبت نار الحسد في أقرباء ذلك السلطان، ونفخ في روعهم فحيل الشيطان أن وضعوا لجنكزخان المراصد والمصايد، ودفنوا له الأوابد والمكائد، وأعملوا الفكر في قطع حبل اتصاله عنه، ووضع موجبات قتله وانفصاله منه؛ فلما بالغوا في الوقيعة، وأسرفوا في الغيبة والشنيعة، تغيَّر أونك خان على جنكزخان تغيرًا لم يظهره، وأسر كدرًا لم ينفره، وجمع فكرًا في ذنب يأخذه به أو ينتحله أو جرم يتقوّله، واستشار فيه أصحابه، وجعل التوقع لذلك دأبه؛ فاتفق أن سخط أونك خان على صبيين من مماليكه، فخافاه والتجئا إلى حوزة جنكزخان واستجارا به؛ فأحسن إليهما وحنا عليهما ووعدهما بإزالة كدر السلطان وتلافي ما كان، فأنطقهما لسان الإحسان بهذه: [من الطويل]
إذا التزم المقدار حبل سعادة … أتاك جميع الكائنات مساعدا
стр. 879
وإذا جرى القضاء على صعب سهله … وإذا أرادك الله لأمر هياك له
وقالا له: إنَّ السلطان أونك خان يتوقع لك الوقيعة، ويتربص لك الإحن الشنيعة؛ فخذ حذرك، وأصلح أمرك، فرحل من ليلته بأتباعه وجماعته، ودهمه أعداؤه سحرًا فلم يجدوا له أثرًا ولا عرفوا له خبرًا، ونفر العسكر ميلوه فلم يلقوه، وقيل: بل لحقوه فعطف بجماعته إليهم وقاتلهم حتى أتى عليهم وغنم مالهم؛ فلما جمع أتباعه وأقاربه وأعز مقامه وحمى جانبه ودب رجاله وآله، وبذل لهم قوته وماله، وخص بإحسانه ذينك الصغيرين دون الناس، وأنزلهما منزلة العينين من الرأس وسمّى كُلًا منهما ترخانا (١)، وكتب له أمانًا وفرمانًا (٢) بفراغه من جميع المؤن والكلف وتفرغه لانتهاز الفرصة، واقتطاف الطرف، وأن ينهب في الفتوح قبل كل ناهب، وليسلب قبل كل سالب ويدخل على يده عامة البيوت فلا يمنع، ويحكم فلا يدفع، وأن لا يؤخذ بذنوب كثيرة؛ ولو تكررت ذنوبه واستمرت عيوبه، وأجرى ذلك لجملتهما وأحادهما، وأن يستمر ذلك إلى سبعة أبطن من أولادهما.
ومن نسلهما الآن قوم لا عادية عليهم ولا لوم، محترمون عند الملوك، جارون على ذلك النهج المسلوك.
ثم شرع في الإحسان إلى جميع من رحل عن أونك خان وباعده واتصل به وعاضده، وأفشى فيهم الإنعام، وبثّ فيهم الإعزاز والإكرام حتى تتالوا إليه أفواجًا، وتواردوا إليه فرادى وأزواجًا.
وأولادهم الآن أقرب الأخصين وأخص الأقربين، فقوي بذلك أمره وإمارته واشتدت شوكته ومهابته، وراسل القوّاد فانقادت واستلان القلوب فلانت أو كادت فحينئذ جرد عسكرًا كثيفًا وتبعًا ولفيفًا لمحاربة السلطان أونك خان وأمده بآخر يتلوه فنازلته العساكر الجنكز خانية، فقتل في أقرب أمد وملك جنكز خان ما كان له من عدة وعدد.
ثم بعث جنكز خان إلى القبائل المتباعدة، والبطون المتباينة بما عرفهم به من حاله وعدله وبأسه وفضله وعلو شأنهم إن انضموا إليه، وتأييد سلطانهم إن عكفوا عليه، فتوالوا إليه كالسيل ورمل الفلا ورجل الجراد.
стр. 880
وكان من أعظم القبائل المجيبة لدعوته الداخلة في إيالته القانعة برياسته قبيلتان بالغتان في العدد، نهايتان في الاستعداد والعدد؛ إحداهما تدعى أويرات (١)، والأخرى قنقورات (٢).
وأما القبيلة التي هي خدمه، ومنها عظمه تسمّى قيات؛ وهي أكثر القبائل شهرة، وأتمها كثرة.
وكان اسمه القديم «تموجين»؛ فلما توطد أمره وعلا قدره سمّي جنكزخان (٣).
نبذة من عقيدته وياسته وقاعدته وعدته:
قال الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني: الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى، وأنَّه خلق السماوات والأرض، وأنه يحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، وأنه على كل شيء قدير.
قال: وفي جهانكشاي (٤): أنَّ من أولاده من كان بملة عيسى، ومن دان بملة موسى، ومنهم من اطرح الجميع، وكل من اعتقد من بنيه مذهبًا لم يكن له تعصب على غيره، ومنهم من تقرب بالأصنام.
وكان جنكزخان إذا تهدد أحدًا من الملوك أو كاتبه بالتحذير من صولته، قال له: إن أطعت كان لك كذا وكذا من الإعزاز والتقريب، وإن عصيت فالله أعلم بما يكون حالك معنا.
قال: ويلمح من هذا القول نوع من التوكل والتفويض.
وأما الياسة وأحوالها كثيرة؛ فمنها ما يوافق الشريعة المحمدية، قال: وليعلم أنَّ هذا الرجل لم يقف على سيرة ملوك، ولا طالع كتابًا؛ وجميع ما نسب إليه من ذلك صادر عن قوة ذهنه وحسّه، واستدراك الأصلح من قبل نفسه؛ فإنه استخرج لكل منهم سهمًا، وفقد قاعدة مقررة، ولكل ذنب عقوبة مقدرة، وعين حدودًا لا إمهال له عندهم ولا مغيّر. وأوعز أن يتعلم ذلك صغار أهله ويسرى امتثاله عن عقب
стр. 881
الرجل منهم وكنسله؛ بعد أن أثبتها في كتاب سماه «الياسا الكبيرة» (١). وأمر أن يوضع في خزانته ويتوارثها أقارب عصبته وذريته، ونسخ ما كان لهم من قديم عوائد مذمومة بتنسكات محمودة مفهومة؛ فمن ذلك:
أنَّ من زنى سواء إن كان محصنًا أو غير محصن قتل.
ومن لاط قتل.
ومن تعمد الكذب قتل.
ومن سحر قتل.
ومن تجسس على قوم قتل.
ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل.
ومن بال في الماء قتل.
ومن أعطي بضاعة وخسر ثم أعطي ثانية وخسر إلى الثالثة قتل.
ومن أطعم أسير قوم أو كساه أو سقاه بغير إذنهم قتل.
ومن وجد هاربًا أو أسيرًا أو عبدًا ولا يرده قتل.
وكانوا يعتمدون في ذبح الحيوان أن تكتف قوائمه ويشق جوفه ويدخل أحدهم يده إلى قلبه ويمرسه فركًا حتى يموت، أو يخرج قلبه.
ومن ذبح كذبيحة المسلمين ذُبح.
ومن وقع جمله أو فرسه وثقله في كرّ أو فرّ ومرَّ عليه من يتلوه بعده ولم ينزل لمساعدته قتل.
وقيل: كانت لهم ياسة قديمة: «إنَّ من ارتمس في الماء قتل».
وكان جنكزخان يعظم رؤساء كلّ أمةٍ وملّة، ويتخذ تعظيمهم وسيلة إلى الله تعالى.
قال: والمشهور من حالهم إسقاط المؤن والكلف عن العلويين (٢) والفقراء (٣) والقراء والفقهاء والأطباء وأرباب العلوم على اختلافهم والزهاد حتى عن المؤذنين، ومغسلي الموتى. ومن آدابهم المستعملة وقوانينهم أشياء كثيرة منها: أن لا يأكل أحد
стр. 882
من يد أحد طعامًا حتى يأكل المطعم منه أولًا؛ ولو كان المُطعم أميرًا والمطعم أسيرًا ولا يختص أحد بالأكل وحده دون أن يطعم جميع من وقع نظره عليه ذلك الطعام، ولا يمتاز أمير بالشبع من الزاد دون أصحابه، بل يقسمون الزاد بالسوية، ولا يرمي أحد بالمأكول رميًا وقد قابل مناولة باليد، ولا يخطو أحد موقد نار ولا طبق زاد، ومن اجتاز بقوم يأكلون فله أن يجلس إليهم ويأكل معهم من غير استئذان، وإن لا يدخل الإنسان يده في الماء بل يأخذ ملء فيه ويغسل يديه ووجهه، ولا يبول أحد على الرماد، ولا يطأ عتبة الخركاه (١).
قال: وسمعت أنهم كانوا لا يرون غسل الثياب البتة ولا يميزون بين ما يميزه المسلمون في شيء من طاهر ونجس البتة.
قال: ومن قوانينهم التي ألفت منهم: أن لا يتعصبوا لمذهب من المذاهب على مذهب، وأن لا يفخموا الألفاظ والألقاب في كلام، بل يتلفظ باسم السلطان كما يسمى غيره، فيقال قد تقدّم قاآن أو خان بكذا وكذا، وأن لا يتعرضوا لمال ميت أصلًا ولو ترك ملء الأرض ولا يدخلونه خزانة السلطان.
قال: وأما ترتيب العساكر والقانون المقرر في ذلك فاعلم أنه لا ينقل في تاريخ قديم ولا حديث أنَّ عسكرًا اجتمع السلطان كثرة كما اجتمع لهم كثرة عدد وعدد وقوة وصبرًا وطاعة لسلطانهم إلا لأجل مشاهرة ولا توقع مال وجاه، بل لمجرد الطاعة حسب.
ثم إذا رجعوا من القتال وكرب الحرب إلى السكون والسلم أخذ السلطان منهم القلان (٢) والقبجور (٣) والأولاق (٤) والبدرقة (٥) من غير ضجر منهم ولا تأسف منهم؛ بل يؤدّونه إليه مختارين، ومتى تجهزوا لقتال عرضوا آلات الحرب وغيرها على أمرائهم حتى تعتبر أمراؤهم الخيط والإبرة، ويؤاخذونهم على تجويد آلة أو تقصير في سلاح.
стр. 883
قال: وأغرب من ذلك أن نساءهم تنهض في حال بعدهم وسفرهم بجميع ما يتوجه على رجالهم الغياب من الكلف والسخر السلطانية.
ومن ذلك: أن كل بنت حسناء تجمع من كل مكان ويحملن جميعًا في رأس كل سنة إلى السلطان فيختار منهن ما يصطفيه له ولأولاده، ويرد الباقي.
ومن أحسن الترتيبات وضعهم أمراء الألوف (١) والمئات (٢) والعشرات (٣) فهو أخبط نظام لما يحاولونه، وأسرع إفهام لما يطلبونه.
ومن جملة بأسهم: أنه إذا كان أمير في غاية القوة والفطنة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق والمغرب حتى أذنب ذنبًا يوجب عقوبة بعث إليه، ولو من أخسّ أصحابه من يؤذيه بموجب ما يقتضيه ذنبه، ولو كان في ذنبه ما يوجب قتله ألقى نفسه بين يديه ذليلًا، وأخذه الرسول بموجب جرمه حقيرًا كان أو جليلًا.
ومنها: أن كل أمير لا يتردد إلى سواه، ولا يتغير عن موضعه؛ فإن فعل ذلك عوقب أو قتل، لا يتردد إلى أحدهم أولاده.
ومنها: وضعهم البريد بكل مكان طلبًا لحفظ الأموال وسرعة إيصال الأخبار ومستجدات الأحوال.
وكان لجنكزخان عادة مستمرة؛ وإن كانت إلى الآن سارية في الأولاد وهي وفور الرغبة في الصيد والأمر به والركوب إليه في كل وقت يتفرغ فيه من القتال والمنازلة، وربّما اشتملت حركته على مسيرة ثلاثة أشهر، ويحافظ العسكر على ما تحويه تلك الحلقة، ويضايقون ما بين الخراكي (٤) والبيوت بالحبال. ولم يكن غرض السلطان من ذلك مجرد الصيد خاصة؛ وإنما مراده تمرين عساكره، واستمرار وامره، وإدمانهم على استعمال السلاح وسفك الدماء، وتغلب القوة الغضبية والمقاهرة على الأرواح.
ومن عاداتهم: أنه متى خرج من قبل واحدٍ منهم شيء من الصيود أدب بحسب ما يتقدم في أمره؛ بل ربما قتلوه.
ويسوقون تلك الصيود كسوق الغنم، وتتواتر الرسل إلى السلطان بصورة حالها
стр. 884
وكثرتها وقلتها فإذا ضاقت الحلقة وتراكمت الصيود مشحونة بغرائب الوحوش والحيوانات السهلية والجبلية دخل هو وأولاده وخواصه وتتوقوا في القتل والقنص والتفرج؛ وربّما استشرف القان من مكان عال لينظر فروسية أولاده، وقوّة مراسهم؛ وإذا تخلّف من تلك الصيود بعد ذلك شيء اجتمع ولدانهم وصبيانهم وشفعوا إلى السلطان في إطلاق ذلك المتخلف.
وحكي في بعض صيودهم واجتماع ما اجتمع في بعض تلك الحلق لهم من الوحش وضاقت عليهم المذاهب، وعاينت التلف فاستقبلت السلطان بوجهها وجاء إليه بالصياح العالي على هيأة المستعطف المستجير فتقدم بفك الحلقة وإطلاق تلك الوحوش.
قال الصاحب علاء الدين الجويني: كان له عدة أولاد ذكور (١) وإناث من الخواتين (٢) والسراري (٣). وكان أعظم نسائه أو يولجين بيكي. وفي رسم المغول تعظيم الولد بنسبة والدته فكان له من هذه المذكورة أربعة أولاد معدين للأمور الخطرة وهم كتخت ملكه بمنزلة أربعة قوائم سدته.
وكان أكبرهم توشى والد قردوا (٤)، وباته (٥)، وبركة (٦)، وتركجار (٧)، فوثب توشى على الصيد والقنص؛ لأنه امرؤ محبوب إليهم موصوف عندهم.
ورتب جغتاي - الذي هو أصغر منه - لتنفيذ الياسات والآرغوا (٨) والمقابلات وأمثال ذلك.
ورتب أوكتاي (٩) لما يتعلق بالعقل والرأي والتدبير والولاية والعزل، واختيار الرجال، واختيار الأعمال، وعرض الجيوش وتجهيزها.
وحكي: أنه قال لأولاده في جملة وصاياه إليهم وحثه لهم على الموافقة وإجراء
стр. 885
الأمور على انقياد الصغير للكبير، وضرب لهم أمثالًا منها: أنه دفع إليهم عدة أسهم مفردة، وأمر بكسر كل واحد منها فكسر في أسرع وقت، ثم جمع من تلك الأسهم عدة كبيرة وأمر كل واحد منهم بكسرها مجتمعة فعجزوا، قال: كذا حالكم في الوهن متفرقين.
ولما عرضت لهم الممالك وذلت لهم المسالك عين لكل منهم أقليمًا بمفرده ومنزلًا يختص بحشده وعدده؛ فعيَّن لأخيه أوتكين نويان (١) حدود بلاد الخطا (٢)، وعين لولده الكبير توشى من حدود قيالق على أقصى شفشين وبلغار (٣)؛ وعين لجغتاي من حدود الإيغور (٤) إلى سمرقند وبخارى وجعل لنفسه مقامًا في قياس مجاورا ومالق، وجعل ولده أوكتاي ولي عهده.
وكان موضعه في عهد حدود اعل وقراباق؛ فلما جلس على تخت السلطنة انتقل إلى الموضع الأصلي بين الخطا وبلاد الإيغور، وأعطى ذلك الموضع لولده كبوك.
وكان ولده تولي متصلًا به، وبالجملة كان موضعه نقطة دائرة ملكه وبنوه حوله كمحيط الدائرة. وكان أولاده وأحفاده أزيد من عشرة آلاف؛ هذا ما ذكره الصاحب علاء الدين.
وقد سألت شيخنا فريد الدهر شمس الدين الأصفهاني عن بني جنكز خان، فقال: إنَّ جنكزخان أولد أربعة أولاد هم جوخي، وأجدى، وطولي، وأوكتاي؛ فقتل جوخي في حياة أبيه. وكان أكبر أولاده وأعزهم، وخلّف أولادًا.
قال ابن الحكيم: هم؛ باتواقا، وأورده، وبركة، ويووك، وجمني.
قال شيخنا شمس الدين المشهور باتو وبركة ابنا جوخي؛ فلما قتل أبوهم كان جنكزخان أبوه قد عيّن له دست القبجاق وما معه وأضاف إليه آراك وتبريز وهمدان
стр. 886
ومراغة، وأوصى جنكزخان بأن يكون تخته لولده الصغير أوكتاي، وأن تكون مملكة ما وراء النهر وما معه لولده الآخر جداي (١) ولم يجعل لطولي شيئًا؛ فاستقل أوكداي بتخت أبيه جنكزخان، واستقل بدست القبجاق وما معه ولم يتمكن جداي مما له من مملكة ما وراء النهر.
ثم مات أوكتاي وأرث التخت وملك بعده ولده كيوك. وكان رجلًا شريرًا جبارًا متسلطًا، قوي النفس، فقوي على بني أبيه، وحكم عليهم حكمًا قاهرًا (٢)، وهم بمعانده باتو ونزع يده. وبعث أميرًا اسمه الجكداي إلى أران وبقية المضافات معها إلى باتو وأمره بإمساك نواب باتو بها وحملهم إليه، وسمع نواب باتو بذلك فكتبوا إلى باتوا بالاستئذان على ما يكون اعتمادهم عليهم، فوصل الجكداي المجهز من جهة كيوك.
وفي تلك الساعة بعينها عاد جواب باتوا على نوابه بمسك الجكداي وتقييده وحمله إليه، فقامت شيعة أولئك النواب المقيدين، ففكوا قيودهم، وأمسكوا الجكداي وقيدوه وحملوه إلى حضرة باتوا فسلقه بالماء؛ فلما بلغ هذا كيوك مرسله عز عليه وعظم لديه، وجمع ستمائة ألف فارس، وسار كل واحد منهما لملتقى الآخر وقتاله؛ فلما تقاربا حتى كان بينهما نحو عشرة أيام مات كيوك فاضطرب من كان معه.
ثم اتفق رأي الخواتين والأمراء على مكاتبة باتو فكتبوا إليه بإعلامه بموت كيوك، وإنه هو أحق بتخته فيفعل ما يراه.
فقال باتو: لا حاجة لي به وإنما أبعث إليه بعض أولاد تولي. وعين له منكوقان بن تولي وجهز إليه هو وأخوه قبيلة قان وهولاكو، وجهز معهم باتو أخاه بركة في مائة ألف فارس من بهادرية (٣) العسكر ليجلسه على التخت، ثم يعود فأخذه معه وتوجه به، ثم أجلسه وعاد؛ فلما مر ببخارى اجتمع بالشيخ سيف الدين الباخرزي (٤) من أصحاب شيخ الطريقة نجم الدين كبرى (٥)، وحسن موقع كلام
стр. 887
الباخرزي عنده وأسلم على يده، وتأكدت الصحبة بينه وبين الباخرزي فأشار عليه الباخرزي بمكاتبة المستعصم الخليفة (١) ومتابعته ومهاداته، فكاتب الخليفة وبعث إليه هدية وتردّدت بينهما الرسل والمكاتبات والتحف والمهاداة.
ثم إن منكوقان لما استقل بالتخت ملك أولاد جغطاي مملكة ما وراء النهر تقيدًا لما كان جنكزخان أوصى به لأبيهم جغطاي ومات دونه.
وعلت كلمة منكوقان وجاءت إليه رسل أهل قزوين وبلاد الجبال يشكون من سوء مجاورة الملاحدة لهم وضررهم بهم، فجهزهم أخا هولاكو في جيوش جمةٍ لقتال الملاحدة وأخذ قلاعهم وقطع دابر دولتهم؛ فحسن هولاكو لأخيه منكوقان أخذ ممالك الخليفة، وخرج على هذا؛ فبلغ هذا بركة بن جوخي فصعب عليه لما تأكد بينه وبين الخليفة من الصحبة، وقال لأخيه باتو: إننا نحن أقمنا منكوقان وما جزاءنا منه أنه يكافئنا بالسوء في أصحابنا، وينقض عهدنا، ويخفر ذمتنا ويتعرض إلى ممالك الخليفة وهو صاحبي وبيني وبينه مكاتبات وعقود مودة، وفي هذا ما فيه من القبح.
وقبح على أخيه باتو فعل هولاكو، فبعث باتو إلى هولاكو بأنه لا يتعدى مكانه فجاءته رسالة باتو؛ وهو وراء نهو جيحون ما عَبَرَه، فأقام في موضعه بمن معه سنتين كاملتين حتى مات باتو، وتسلّطن أخوه بركة بعده فحينئذ قويت أطماع هولاكو وبعث إلى أخيه منكوقان يستأذنه في إمضاء ما كان أمره به من قصد ممالك الخليفة وانتزاعها منه وحسن له ذلك فأجابه إليه.
ودخل هولاكو إلى البلاد وأوقع بالملاحدة (٢) واتهم سبعمائة نفر من أكابر همدان وتلك البلاد المضافة إلى باتو، ثم إلى بركة بالميل إلى بركة، والمباطنة على هولاكو ومنكوقان، وقتلهم عن آخرهم وامتد في البلاد وقصد دست القبجاق وعدا إليه، وأقام ثلاثة أيام لا يجد مقاتلًا؛ فلما كان في اليوم الرابع دهمتهم الخيل
стр. 888
وداسهم بركة بجنوده وعساكره، ودارت الدائرة على هولاكو حتى هم بالهزيمة فترك أمير كبير كان معه اسمه سنتاي وهو المنسوب إليه عقبة سنتاي بالعراق، وأمسك برأس فرس هولاكو، وقال له: أين تروح؟
ثم استمر القتل في أصحابه، فتأخر حتى صار نهر الكرّ بينه وبين بركة، وجاء بركة حتى وثب على نهر الكرّ، ولم يجد له سبيلًا إلى العبور، ورجع هولاكو وعاث في البلاد. وعام في تيار الفساد، وفعل فعلته وقويت العداوة بينه وبين بركة قان، وخف حاذة من الجيش لمقاومة أعدائه.
ثم لما جرى على بغداد ما أجرى العيون دمًا، وأسال النفوس أسفًا استأثر هولاكو بجلال الدين ابن الدوادار (١) الخليفة المستعصمي، واتخذه هولاكو موضع رأيه، ومكان سرّه؛ فلما كسر هولاكو وتضعضعت رعان جيشه - كما ذكرنا - شكا إلى جلال الدين بن الدوادار ما أصابه من الكسرة وفناء جنوده، فقال له جلال الدين: عندي عسكر جيد خير من هؤلاء، قال: من هم؟ قال: عسكر الخليفة، فإن ابن العلقمي (٢) قطعهم وإلا فهم أحياء موجودون وأنا أجيبهم إليك فأعجب هولاكو
стр. 889
كلامه، ووقع منه موقعًا حسنًا، وكتب له يراليغ (١) مضمونها: «إننا قد جهزنا جلال الدين بن الدوادار في شغل مهم لنا ورسمنا له بما يفعل، ومرسومنا أن يمتثل جميع الخوانين والأمراء والنواب والقراولات وكافة الناس أمر جلال الدين المذكور، وأنه مهما فعل يقتل من يريد ويخلّي من يريد!، وأن لا يعارض في أمر من الأمور، ولا يعترض عليه بسبب من الأسباب، ومن هذا ومثله فتوجه جلال الدين وحط يده في كلّ من بقي يجده من أمراء المغل وأكابرهم والمقربين عند هولاكو، وفعل فيهم ما أراد وفتك فيهم أنواع الفتك حتى وصل إلى بغداد واستعد فيها لما يريد أن يعمله، وأخذ منها ما أراد ومن أراد؟! ودخل البرية هاربًا من هولاكو على عزم الوصول إلى مملكة مصر فأدركه أجله قبل الوصول إليها.
وبلغ هولاكو ما فعله جلال الدين في المغل من الفتك والقتل والتنكيل، ثم ما أخذه من بعده وخرج به هاربًا منه، فانفطرت كبده ومات غمًا (٢).
قال شيخنا شمس الدين الأصفهاني: ومات هولاكو ولم يملك ملكًا مستقلًا؛ وإنما كان نائبًا عن أخيه منكوقان ولا ضربت باسمه صكة درهم ولا دينار؛ وإنَّما كانت تضرب باسم أخيه منكوقان.
ثم كان هكذا أبغا (٣)، ومن بعده إلى أن استقل أرغون بن أبغا (٤) بالملك وأضاف اسمه في السكة إلى اسم صاحب التخت أمير لا يزال مقيم في مملكة إيران مع هولاكو، وبنيه له عندهم حرمة كبيرة، ومكانة محفوظة حتى ملك محمود غازان بن أبغا (٥) فكتب اسمه بمفرده على السكة وأسقط اسم القان - صاحب التخت - وأهان أمر أميره حتى لم يبق له وضع ولا حرمة، وامتهن ذلك الجانب، واستقل بالملك والسلطنة في بلاده.
стр. 890
قال: أنا ما أخذت البلاد إلا بالسيف وقام الأمر على هذا مدة محمود غازان ومن بعده.
قال الشيخ: ولهذا ينتقص ملوك بني جنكزخان بيت هولاكو، يقولون: إنهم ما نقلوا الملك عن جنكزخان ولا عن ورّاث جنكزخان؛ وإنما أخذوه باليد والعدوان، ومطاولة الأيام.
وسأذكر في ترجمة مملكة إيران شبهة أخرى في دعوى ملوك دست القبجاق إنَّ مراغة وتوريز لهم على ما كان يبلغنا من أخبارهم في كل وقت، ثم ما حدث به الفاضل نظام الدين أبي الفضائل يحيى بن الحكيم.
وسألت ابن الحكيم والشريف محمد بن حيدرة الشيرازي: عمن يعلمانه بقي من أولاد هولاكو؟ فقال كل منهما: إنَّه لم يبق أحد محقق النسب إلا ما قيل عن محمد المنسوب إلى عنبرجي على كثرة اختلاف فيه.
ثم جاءت الأخبار وصحت بعدم هذا محمد.
وقال لي نظام الدين بن الحكيم: إنَّ أهل هذا البيت تفانوا بعضهم على يد بعض لخوف القائم منهم على ملكه حتى إن كثيرًا من أبناء ملوكهم كانوا يتخفون من الملك القائم، حتى إن بعضهم كان يخلد إلى الحرف والمهانات لتستسقط همته فيترك ويجعل هذا سبيله للخلاص وطلبًا للسلامة حتى إنَّ بعضهم كان قد عمل نساجة، وبعضهم عمل في الأدم، وبعضهم باع الشعير علافًا.
ومن هذا قال ويقال في أنساب كل منتسب منهم لكثرة التخليط من الأمهات ومخالط آبائهم للعوام حتى خفت أنسابهم فجهلت أحوالهم.
وأخبرني الأمير الكبير المقدم نسيب السلطنة طاير بغا: أنه أوّل من استقل من هذا البيت لسلطان جدهم جنكز خان (١) - والتلفظ الصحيح جنكص خان (٢) بالصاد -
стр. 891
ثم أوكديه - والتلفظ الصحيح به أوكداي (١) - ثم كيوك قان (٢)، ثم مونككا قان (٣) بن طولي بن جنكزخان ثم آدي يكا، ثم قبلى قان (٤)، ثم دمرقان (٥)، ثم برياي، ثم تزي طيزي، ثم قيسان قان، ثم سندمرقان.
فأما نسبه إلى جنكزخان فهو سندمر قان بن طرمالا بن خمكم بن قبلى قان بن
طولي بن جنكز خان. وهذا نسبه.
وأما ملوك الترك - وهي تركستان وما وراء النهر -
وأولهم جغطاي بن جنكزخان، وقد نبهنا على أنه لم يستقل، ثم ولده مكتوكان، ثم ابنه قراهولاوو، ثم ولده مبارك شاه.
ثم إنَّ القان بلغه إنَّ قيدو بن توشا بن كيوك بن أوكداي بن جنكزخان تسلّطن بهذه المملكة، فخافه لكون كيوك عمّه كان وارث التخت عن أبيه أوكداي، وأبوه أوكداي كان وارثه عن أبيه جنكزخان فسير براق (٦) بن بسنطو بن منكوقان بن جغطاي لدفع قيدو فدفعه وقعد مكانه.
ثم استقل براق، ثم دوا (٧) - ولد براق -، ثم أولاد دوا، واحدًا بعد واحد وهم: كيجان (٨)، ثم أسنبغا (٩)، ثم كيك (١٠)، ثم الجكداي (١١)، ثم دواتمس (١٢)، ثم
стр. 892
ترماشيرين (١) ﵀ ثم رجل ليس هو بابن دوا اسمه توزون (٢) بن أوكاكان بن [جنكز خان] وتخلل من خلال هؤلاء من توثب على الملك ولم ينتظم لهم حال، ولا علت لهم أعلام دولة. وممن أراد الملك وعلت كلمته، ولم يُملك، ساوو بن أركتمر بن بغا تمر بن براق.
ويبقى الملك بعد موت ترما شيرين ﵀ متخبطًا حتى قام هذا جنغصوا؛ فأما نسبه إلى جنكز خان فهو: جنغصو بن دراتمر بن طوا بن براق بن بسنطو بن منكوقان بن جغطاي بن جنكزخان باسمه جداي وهو مصحح لما يقول، عارف به.
وأما ملوك دشت القبجاق فأوّل من ملك منهم باتو بن جوجي بن جنكزخان، ثم أخوه بركة (٣).
ثم وجميع ملوك بني جنكزخان يغلب عليهم الكرم، وتخويل من قصدهم لا يرضى أحد منهم بالقليل. فأما القان الكبير منهم - صاحب الخطا - فتلك شيمته لا تسمح إلا بالذهب ليس هذا من واحد بعينه، بل كل من تسنّم منهم ذروة ذلك التخت كانت هذه سجاياه.
أما ما يحكى في القديم منهم عن منكوقان بن طولي بن جنكزخان، فيخشى حاكيه أن ينسب إلى الخرافة في حديثه والمجازفة في قوله.
حكى الشيخ الفاضل شمس الدين أبو العباس أحمد بن أبي المحاسن الطيبي، قال: حدثني عز الدين أبو البقاء الأردويلي، قال: سمعت بكرم القان منكوتمر فقصدت حضرته متفرّجًا بتلك البلاد ومتوصلًا إليه، ولازمت بابه مدة وما لي من يوصلني إليه ولا لي أحد من أرباب دولته؛ فبينا أنا ذات يوم هناك من جملة الناس طلبت التخصيص فحملت إلى رجل سري بباب منكوتمرقان (٤)، فأمر الترجمان ذلك الرجل فسألني عن اسمي وبلدي وحالي ومقدمي فشرحت له أمري، فقال: أشرف
стр. 893
القان فرآك فاستغربك فأمر بالسؤال عنك ونحن نعلمه، ثم ذهب الرجل هنيهة، ثم طلبني، فأحضرت إلى بين يدي منكوتمر قان وهو في خف من الناس، وبقي يحدث ذلك الرجل؛ وهو يحدث الترجمان ويسألني عن أشياء من أمور بلادي وطريقي وما رأيت.
ثم قال: القان؛ يقول لك: ما جاء بك من بلادك البعيدة إلى هنا وأي شي معك من طرف البلاد تقدّمه له، فقلت له: ما جاءني إلا ما سمعت من كرم القان وليس معي شيء، ولو كان معي شيء ما فارقت أهلي ووطني وجئت؛ فلما أعادوا عليه كلامي ضحك خفيًا، ثم أشار إليهم - أي أنه صدق - وأمر لي بشيء ما فهمته؛ فلما خرجنا قال لي ذلك الرجل المخاطب لي: قد أمر لك القان بما يصل إليك، ثم قال لي: على أي جهة تعود إلى بلادك؟ قلت له: في البحر إلى الحجاز لأحج ثم أعود إلى بلادي فحمل لي إلى المركب هناك أمتعة بعتها بعدن ومكة بألف ألف درهم.
وحكى لي الفاضل نظام الدين أبو الفضل يحيى بن الحكيم قال: قصد رجل منكو تمرقان بزجاج من عمل حلب، ووصل إليه وقدّمه له، فشرب في بعض أوانيه فأعجبه ما شف من جوهر الزجاج عن حمرة الشراب، فقال: هذا من أين؟ فقيل له: من حلب، فقال: تُعطى له حلب، فقال بعضُ وزرائه: إنَّ حلب ليست لنا، فقال: فيوقف هذا الرجل ويصبُّ عليه الذهب حتى يغطيه فقالوا له: توقفه في خركاه ويصب عليه الذهب فقال: أنتم غرضكم بهذا لن يموت ولا يكون في فضاء، فعملوا ما قاله فجاء جُملًا كثيرة عظيمة فجمعوها، وقالوا له: قد عملنا ما رسم القان، ولكننا نريد أن يقع نظر القان عليه قبل أن يأخذه، فقال: هاتوه؛ فلما رآه، قال: أنتم ما قصدكم إلا أني أبصر هذا فأستكثره. أعطوه هذا وقدره معه مرة أخرى فأعطوه.
وحكى أيضًا: أنَّ فراشًا كان يخدم تولي بن جنكزخان - أبا منكوتمر - ثم خدم منكوتمر قان بعده، ثم عدم وتطلبه منكوتمر فلم يجده فبينما هو يومًا في الصيد رأى الفراش في بعض الجبال وقد ساءت حاله وطال شعره وظفره، فقال له: أين كنت؟ فقال: في هذه البرية، فقال: ما حملك على هذا؟ قال: التسمية، قال: لا لا قل لي الصحيح؟ فقال: هو ما أقول للقان، فقال له منكوتمر: لا ما حملك على هذا إلا العشق فأطرق فقال له منكوتمر: فلمن أنت عاشق؟ فسكت، فعلم منكوتمر أنه عاشق في أحد من جهته، فقال له: كأنك عاشق فلانة؟ لا فلانة؟ لا فلانة؟ يعد عليه واحدة بعد واحدة من خواتينه وأتباعهن، وهو يقول: لا، إلى أن ذكر واحدة من
стр. 894
أجل حظاياه، فسكت الفراش، فقال منكوتمر: أنت عاشق في هذه بلا شك.
ثم إنه طلبها وقال لها: فلان له على أبي حق وعلي، وهو عاشق فيك، وما له في هذا ذنب ولا لكِ، هذا شيء يتعلق بقلبه ما له فيه حيلة، وأريد أن أزوجك به فبكت وقالت: يا قان بعدك أتزوج بهذا؟ فقال: سوف تبصرين ما أعمل.
ثم إنه عمل طوي وسأل الأمراء أن ينصب للفراش كرسيًا فوقهم وأجلسه فوق الجميع، فقالوا له: الأمر أمر القان فنصب له كرسيًا فوقهم وأجلسه عليه، وزوجه بتلك الحظية، وعمل له يرتًا (١) عظيمًا لا يصلح إلا للقوامين الكبار وأجراه مجرى واحد منهم.
قلت: ومن تأمل هذه الحكاية عرف سعة إحسان هذا الرجل وكرمه، فإنه أخذ غلامًا لا يُؤبه إليه جعله ملكًا، وسمح له بما لا يسمح بمثله من المال والجاه والمحبوب.
стр. 895
في مملكة القان الكبير صاحب التخت، وهو صاحب الصين
قد ذكرنا في صدر الفصل الأول: أنَّ القان الكبير هو القائم مقام جنكزخان، والجالس على تخته؛ وهو متغلغل في الشرق، ومقامه نجان بالق من بلاد الخطا؛ وهو أجل ملوك توران التي في مملكة الترك (١) من قديم الدهور والآباء، وبها وبما جاورها أو قاربها كان أفراسياب (٢)، غير أنه خرج عن هذا القان ما هو الآن لابني عمة الدين؛ تقدم ذكرهما.
وإلى هذا القان إشارة الثلاثة أبناء عمه؛ وهو كالخليفة عليهم، فإذا تجدد في مملكة أحد منهم مهم كبير (٣) مثل لقاء عسكر، أو قتل أمير كبير بذنب، أو صلة إليه اليسق - أي الحكم أو ما يناسب هذا - أرسل إليه وأعلمه ولا افتقار إلى استيذانه، ولكنها عادة مرعية.
قال الفاضل نظام الدين ابن الحكيم الكاتب البوسعيدي (٤): إنَّ هذا القان ما يزال يكتب إلى كل من القانات (٥) الثلاثة يأمرهم بالاتحاد والألفة، وإنه إذا كتب إليهم بدأ باسمه قبلهم، وكلّهم مذعنون له بالتقدم عليهم.
وحدثني بكثير مما عليه صاحب هذه المملكة، وأنهم على ما هم عليه من الجاهلية على السيرة الفاضلة الشاملة لأهل مملكته، ومن يرد إليها بجناح العدل
стр. 896
والإحسان ومعاملتهم بقشور من لحاء شجر التوت (١) مطبوعًا باسمه، فإذا عشق ذلك المتعاطي به حمله إلى نواب هذا القان، وأخذ عوضه مع خسارة لطيفة (٢) كما يؤخذ في دار الضرب على ما يؤخذ إليها من الذهب والفضة ليضرب بها؛ وأهل مملكته هم أهل الأعمال اللطيفة والصنائع البديعة التي سلمت إليهم فيها الأمم، وقد ملئت الكتب من أحوالهم بما أغنانا عن ذكره، ومن عادة المجيدين في الصنائع أنَّهم إذا عملوا عملًا بديعًا حملوه إلى باب الملك، وعلق به ليراه الناس، ويبقى سنة كاملة؛ فإن سلم من عائب أسدى إلى صانعه صنائع الإحسان، وإن عيب عليه وتوجه العيب وضع قدر الصانع، وإن لم يتوجه العيب قوبل من عاب عيبًا غير متوجه قصد الأذية.
ومما حكي في هذا: إنَّ صانعًا منهم صور في نقوش الثياب الكمخا عصفورًا على سنبلة حتى مثله كأَنَّه حقيقة؛ فلما علقه حيث يعلق مثله استحسنه كُلُّ من رآه حتى مر به رجل فعابه فسئل: لأي شيء عبته؟ فقال: لأنَّ العصفور إذا قعد على سنبلة أمالها وهذه مستقيمة ما هي مائلة فاستحسن قوله، ووضع قدر الصانع، هذا مما يُحكى عنهم.
وأما ما يُحكى لي عن المشاهدة والعيان؛ فحكى لي الصدر (٣) بدر الدين حسن الأسعردي التاجر: أنَّ بعض صنّاعهم عمل سرجًا من أختاء البقر ودهنه وأبدع صناعته، ثم قدمه إلى القان فأعجبه ووقع منه موقع الاستحسان، ولم يشك أنه معمول من خشب مثل بقية السروج، فقال له صانعه أما علمتم هذا مما خشبه؟ فقالوا: لا فأوقفهم على إنه من أختاء البقر فاستحسنوا جودة صناعته ولطف تدقيقه.
وحكى لي: أن بعض صناعهم عمل ثيابًا من الورق وباعها من التجار على أنَّها من الكمخاوات الخطائية (٤) لا يشك فيها أحد، ثم إنه لما جاز هذا عليهم أطلعهم على حقيقة حالها فعجبوا لهذا.
قال بدر الدين حسن ولقد رأيت منهم من هذه الأعمال ما تُحار فيه العقول، ويذهل الأفكار.
стр. 897
وأما ما حدثني به السيد الشريف تاج الدين حسن بن الجلال السمرقندي؛ وهو ممن جال في الأرض، وجال في الآفاق؛ وهو من الثقاة، وقد دخل الصين وجاز بلاده، وجاب آفاقه، وجاس خلاله، وجال في أقطاره، قال: إن قاعدة الملك به مدينة خان بالق (١)؛ وهي مدينتان قديمة وجديدة بناها ديدو - أحد ملوكها - سميت باسمه ديدوا، وفي وسط مدينة ديدو المذكورة منزل القان الكبير؛ وهو قصر عظيم يسمى «كوك طاق ومعناه في اللغة المغولية القصر الأخضر»؛ لأن القصر عندهم طاق، والأخضر كوك؛ وهي خلاف اللغة التركية فإن كوك فيها هو الأزرق. ونزول الأمراء حوله خارج قصره.
قالا: وأما ترتيب هذه المملكة فإنَّ لهذا القان أميرين كبيرين هم الوزراء، ويسمى كل من يكون في هذه الرتبة «جنكصان» (٢)، ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة «بنجار»، ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة «زوجين»، ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة «سمجين»، ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة «يوجين». ورأس الكتاب ويسمى كل من يكون في هذه الرتبة «كنجون» وهو بمنزلة كاتب السرّ.
ويجلس القان كل يوم في صدر دار فسيحة تسمى «شن» هي عندهم مثل دار العدل عندنا، ويقف حوله الأمراء المذكورون عن اليمين وعن الشمال على مقادير الرتب ورأس الكتاب المسمى كنجون في آخرهم؛ فإذا شكا أحد شكوى، وسأل حاجة المذكور فيقف عليها هو ومن معه في الرتبة، ثم يوصلانها إلى من يليهما في الرتبة، وكذا إلى أن تصل إلى القان ويأمر فيها بما يراه مع العدل التام والإنصاف المفرط.
قال: وهذا القان الكبير ذو ملك كبير وعسكر مديد.
قال: والذي أعلم من أمره أَنَّ له بزْدَارًا يركب الخيل، وعساكره من المغل عشرون تومانًا؛ وهي بمائتي ألف فارس، وأما من الخطا فما لا يحصى.
قال: وبلاد الصين تشمل على ألف مدينة درتُ كثيرًا منها، والطريق إلى سمرقند إلى خان بالق - على ما يذكر من سمرقند إلى نيلي - عشرون يومًا.
стр. 898
ونيلي هي أربعة مدن بين كل مدينة والأخرى فرسخ واحد، ولكل واحدة منها اسم يخصها؛ فالواحدة نيلي، والأخرى نيلي بالق، والأخرى كنجك، والأخرى تلان.
ومن مدينة نيلي المذكورة إلى المالق عشرون يومًا، ومن المالق إلى قراجواجا إلى قمحو - هي أول بلاد الخطا - أربعون يومًا، ومن قمحو إلى خان بالق أربعون يومًا، ثم من خان بالق إلى الخنسا (١) طريقان طريق في البر، وطريق في البحر؛ وفي كل منهما من خان بالق إلى الخنسا أربعون يومًا، وطول الخنسا (٢) يوم كامل، وعرضها نصف يوم، وفي وسطها سوق واحد ممتد من أولها إلى آخرها، وكل شوارعها وأسواقها مُبلطة بالبلاط، وبناؤها خمس طبقات بعضها فوق بعض، وكلّها مبنية بالأخشاب والمسامير، وشرب أهلها من الآبار. وأهلها في قشف عيش وغالب أكلهم لحوم الجواميس والأوز والدجاج والأرز والموز وقصب السكر والليمون، وقليل رمان؛ وهي شبيهة بمزاج مصر في حرّها، وهوائها، وأسعارها متوسطة، ويجلب إليها الغنم والقمح ولكنه قليل، ولا يوجد بها من الخيل إلا ما قل عند الأعيان الأكابر. وأما الجمال فلا يوجد بها شيء منها البتة، فإن دخل إليها جمل عجبوا منه.
قال الشريف جلال الدين حسن السمرقندي: وأما مدينة خان بالق فمدينة طيبة وافرة الأقوات، رخية الأسعار، ويجمد بها الماء في زمن الشتاء، ويسيل إلى الصيف فيبرد به الماء، ويشق أحد المدينتين منها وهي مدينة ديدو نهر، وبها أنواع الفواكه إلا العنب فإنه قليل، وليس بها نارنج ولا ليمون ولا زيتون، ويعمل بها السكر والنبات مما يحمل إلينا من مدينة الزيتون. وأما ما بها من الزروع والدواب والجمال والخيل والأبقار والأغنام فما لا يدخل في الإحصاء.
قال: وبين خان بالق ومدينة الزيتون (٣) شهر واحد تقديرًا، ومدينة الزيتون بندر على البحر المحيط؛ وهي آخر العمارة.
стр. 899
قال: وأما مدينة قراقرم فإنها مدينة جليلة فيها غالب عساكر القان الكبير، ويعمل بها القماش المليح الفاخر، والصنائع الفائقة، وغالب ما يحتاج القان إليه يستدعى منها؛ لأنها دار استعمال وأهلها أهل صناعات فائقة وأعمال.
قال الشريف حسن السمرقندي وبلاد الصين كلها عمارة متصلة من بلد إلى بلدو من قرية إلى قرية، ومعاملتهم بورق التوت، ومنها كبار ومنها صغار، فمنها ما يقوم في المعاملة مقام الدرهم الواحد، ومنها ما يقوم مقام درهمين، ومنها ما يقوم مقام خمسة دراهم وأكثر إلى ثلاثين وأربعين وخمسين ومائة؛ وهو يُوجد من لحاء شجر التوت اللين ويختم باسم القان وتجري به المعاملات فإذا عتق واضمحل حمل إلى الخزانة وأعطي عوضه مع غرم قليل.
قال لي الشريف السمرقندي: ومن عجائب ما رأيت في مملكة هذا القان الكبير أنه رجل كافر، وفي رعاياه من المسلمين أمم كثيرة، وهم عنده مكرمون محترمون، ومتى قتل أحد من الكفار مسلمًا قُتل الكافر القاتل هو وأهل بيته وتنتهب أموالهم، وإن قتل مسلم كافرًا لا يقتل وإنَّما يطلب بالدية، ودية الكافر عندهم حمار لا يُطلب منه غير ذلك.
وسألته عن أهل الصين وما يحكى عنهم من رزانة العقل وإتقان الأعمال، فقال: هم أكثر مما يقال.
وكنا جماعة بحضرة سيدنا وشيخنا فريد الدهر وارث العلم والحكمة شمس الدين أبي الثناء محمود الأصفهاني، فقال الشريف السمرقندي: أنا أحكي لكم ما جرى لي؛ كنت أشكو ضرسًا في فمي فرآني بعض من كنت ألفت به في بلاد الصين، وأنا أتألم لشدة الضربات، فسألني عما بي فشكوتُ إليه وجع ضرسي فاستدعى شخصًا حطّابًا قصير القامة، فقال له: ابصر حال هذا المسكين، فنظر إلى فمي، وبقي يقلّب أضراسي بيده هنيهةً، ثم أخرج ضرسي الواحد ونصف الآخر ولم أشعر لهما بألم، ثم أخرج من خريطة له كانت معه أضراسًا كانت كوامل وأنصافًا وأثلاثًا وأرباعًا معدَّة عنده لوضعها في مواضع ما يقلع، ثم لم يزل يقيس مواضع ما قلع لي حتى وضع موضعها من تلك الأضراس ثم ذر عليها ذرورًا ودهنها بدهن التأمت به لوقتها، وأمرني أن لا أشرب عليها الماء يومي كله، ففعلت كأني ما قلعت شيئًا وأراني أضراسه فوجدناها كأحسن ما يكون المستجدين ظاهر عليها إنها ليسوا من نوع البقية، والضرس المشعوب، يظهر أَنَّ نصف الشعب من غير النصف الأول.
وحدثني الفاضل نظام الدين يحيى بن الحكيم: أَنَّ لأهل هذه البلاد عقولًا راجحة،
стр. 900
وأعمالًا دقيقة، وهم يقولون: الفرنج عور، وباقي الناس عُمّى - يعني إنَّ صنائعهم صناعة بصير بعين، وباقي الناس صناعتهم صناعة من هو أعمى ما يبصر ما يعمل.
وحكى لي من أحوال هؤلاء القوم ما يُنبئ عن عقول جمة وترتيب حسن وقهقنة في الأمور؛ فمما حكى لي عنهم: أَنَّ في مدن الخطا مطابخ يطبخ فيها الأطعمة الفائقة والمشروب اللذيذ مما لا يوصف حسنه أن يقدّم منه إلى الملوك معدة لمن يشتري منه من الأكابر حتى إن أحدهم إذا اهتم بضيافة كبير بعث إلى صاحب المطبخ من تلك المطابخ، وقال له: عندي ضيف وأريد له ضيافة بكذا في وقت كذا؛ فإذا كان ذلك الوقت حمل إليه ما يناسب إرادته وشرطه من بدائع المأكول والمشروب؛ كل شيء في وقته وإن كان المضيف ما له مكان يصلح للضيافة أعد له صاحب المطبخ مكانًا بكل ما يحتاج إليه من البسط والفرش والآلات والغلمان على قدر ما حده له المضيف من القيمة بحسب صاحب المطبخ حساب مكسبه في كل ذلك عن أجرته والمطبخ والدار والفرش وكلفة الطعام والشراب وإتمام كلّ شيءٍ بحسابه بقانون معين لا يزيد ولا ينقص من غير أن يحصل على المضيف تفريط ولا خيانة في شيء مما قل أو جل.
قلتُ: وحدثني الشريف الفاضل أبو الحسن علي الكربلائي التاجر ﵀ وكان قد اجتمع بقان هذه البلاد وكثير من ملوك الأرض مع ما شاهده من عظمة سلطان هذا السلطان، وطاعة رعاياه له، وأمنهم في دولته، وقال لي: إنَّ لهذا القان أربعة وزراء يصدرون الأمر في مملكته كلها، ولا يراجع القان إلا في القليل النادر.
ووصف لي: أنه إذا أراد الركوب أنه لا يركب إلا في محفة، لا يظهر للناس إلا في يوم واحد؛ وهو مثل يوم مولده من كل سنة؛ فإنه يركب فرسًا ويخرج إلى الصحراء ويعمل بها من الأطعمة والسماطات ما يغمر الناس ويكون مثل يوم العيد عندهم.
وحدثني الصدر بدر الدين عبد الوهاب بن الحداد البغدادي التاجر: أنه وصل إلى الخنسا ووصف عظمة بنائها وسعة رقعة مدينتها مع تشحط الأقوات بها، ووفور المكاسب فيها، ورخص الرقيق الجيد فيها، وفي كُلّ تلك البلاد.
قال: وأهلها يتفاخرون بكثرة الجواري والسراري حتى إنه ليوجد لأحد التجار وآحاد الناس أربعون سرية فما زاد على ذلك ..
قلت: وكل ما ذكرناه في هذا هو على سبيل الاستطراد وإلا فالبسط المقصود: أنَّ هذا القان هو أكبر الملوك الجنكزخانية الأربعة.
стр. 901
في التورانيين
وهم فرقتان:
الفرقة الأولى في ما وراء النهر. والفرقة الثانية في خوارزم والقبجاق.
الفرقة الأولى في ما وراء النهر وما قبلها وما بعدها من ممالك تركستان هي من أجل الممالك وأشهرها، والنهر المشتهر بهم هو جيحون (١)؛ وهو النهر الذي ينبع من ونج (٢) حتى يصب في بحيرة خوارزم (٣).
وهي ممالك طائرة السمعة طائلة البقعة. أسرة ملوك، وأفق علماء، ودارة أكابر، ومقعد ألوية وبنود (٤)، ومجرى سوابق وجنود.
كانت بها سلطنة الخانية (٥)، وآل سامان (٦)، وبني سبكتكين (٧)،
стр. 902
والغورية (١)، ومن أفقها بزغت شمس آل سلجوق (٢)، وامتدت في الإشراق والشروق وغير هذه الدول مما طم سيول هذه الممالك على قربها.
فأما قبل انتقالها إلى الإسلام فكانت في ملوك الترك لا تُرامى ولا ترام، ولا تشق لها سهام، خيم بها الإسلام، وجازت ملكها هذه الأمة. برقت بالإيمان أسرتها، وتطرزت بالجوامع والمساجد قراها.
ثم بنيت بها المدارس والخوانق والربط والزوايا، وأجرى الوقف عليها، وكثر من العلماء أهلها، وسارت لهم التصانيف المشهورة في الفقه والحديث والأصول والخلاف. وكان منهم الرؤساء والأعيان والأعلام والكبراء أهل البحث والنظر.
ولبخاري (٣) في هذه المزايا الفاضلة أوفر الأقسام، ولم يعد علم الفقه هذه الآفاق، مشرقًا، ولم يعد علم هذه الأرض محققًا. وما يقال في مملكة من بلادها بخاري و سمرقند (٤) وترمذ (٥) وخجند (٦) والمالق (٧) وغزنة (٨)؛ وأخوات هذه
стр. 903
الأمهات، وأخبارها مشهورة، وآثارها مشهودة.
ومن نظر في كتب التواريخ رأى مثل يمين المتوسم من أحوال هذه البلاد ومن فيها؛ وهي واقعة في الرابع، ونادر منه في الثالث أو مائل إلى الخامس لا يكاد يبلغه في أوسط المعمور، وأوسع الأرض، إذا قيل: إنها أخصب بلاد الله وأكثر ماءً ومرعى لم يعد القائل الحق في أوصافها ذات الأنهار السارحة، والمروج الممتدة كأَنَّما نشرت الحلل على آفاقها أو كسرت الحلي على حصبائها.
وهذه المملكة طولها من ماء السند إلى ماء إيلا المسمى قراخوجا؛ وهو بر الخطا.
وعرضها من ونج - وهو منبع ماء جيحون - إلى حدود كركانج (١).
قاعدة خوارزم
وحدها من الجنوب جبال البتم (٢) وماء السند الفاصل بينهما وبين السند، ومن المشرق أوائل بلاد الخطا على خيلاط وكلكسان؛ وما هو على سمت ذلك، من الشمال مراعي باران وكجند وبعض خراسان إلى بحيرة خوارزم، ومن الغرب بعض خراسان إلى خوارزم إلى مجرى النهر أخذًا إلى الختل (٣).
ومن بلاد هذه المملكة فرغانة (٤) والشاش (٥) والسنجاب (٦) وأشروسنة (٧) وبلاد الختل، وفيها طرف من السند من غزنة إلى جنوبها.
стр. 904
وأقاليم هذه المملكة واقعة فيها على ما يذكر، وبلاد الخُتَّل آخذة على جانب جبال البتم مغرّبًا بشمال، ويليها الصعورامات في الشمال، ثم تزيد إلى ما يُتاخم خوارزم، وبلاد فرغانة آخذة على جانب جبال البتم شرقًا بشمال؛ ويليها بلاد السابون في الشمال، وأعمالها إلى حيط عبد الله بن حميد - المعروف بحائط القلاص - في خارجه بلاد استجاب في الشمال بشرق.
وبلاد الغزنة ممتدة في نهاية الشمال من أطراف بحيرة خوارزم في الغرب إلى بلاد استيجاب في الشرق. ومراعي باران وحجندة داخل بلاد الغزنة بينها وبين حائط القلاص وبلاد أشروسنة في الوسط على نهاية الأنهار النازلة من جبال البتم من جهة المشرق.
وأما أكابر مدنها المشهورة
وهي القواعد العظام والأمهات الكبار فإقليم غزنة، وإقليم ما وراء النهر؛ وهو بخارى، وسمرقند، وخجندة، وترمذ، وإقليم الشاس - وهو الشاش - ومغالاق؛ وإقليم فرغانة وهو بدغينان (١) ورباط سرهنك، وأيدكان، وأوس؛ وإقليم تركستان شهر كند وجند ونار جندو وأطرار (٢) وشبرم ومكل وجاص كن وبرساكن وأفردابان ونيلي وكنجك وطوان - وهو المسمّى بلاس - ونيكي كن وشيكول والمالق وبيش مالق وحبوك وقرشا وختن وكاشغر وبدخشان ودراوران ودرّة وبلاصاغاون. كل واحدة ذات مدن وأعمال ورسائق (٣) وقرى وضياع، مأوى الأتراك وغيل أسودهم، وجو عقبانهم.
وقرشا قاعدة الملك بها الآن؛ وهي على نهر قراجوجا في نهاية الحد، ثم بخارى، ثم سمرقند، ثم غزنة. وإن كانت بخارى مما لا تسير إليها ركابهم، ولا ترسي عليها خيامهم؛ ولكن لعظمة مكانها، وسالف سلطانها، وسيأتي ذكر هذه القواعد في مواضعها.
ولم يسلم ملوك هذه المملكة إلا من عهد قريب فيما بعد خمس وعشرين
стр. 905
وسبعمائة (١)؛ أوّل من أسلم منهم برماسيرين (٢) ﵀ وأخلص لله، وأيد الإسلام، وقام به أشدّ القيام، وأمر به أمراءه وعساكره، فمنهم من كان قد سبق إسلامه، ومنهم من أجاب داعيه وأسلم. وفشا فيهم الإسلام، وعلا عليهم لواؤه حتى لم تمض عشرة أعوام حتى اشتمل فيها بملئه الخاص والعام، وأعان على هذا ما في تلك الممالك من الأئمة العلماء والمشايخ الأتقياء، فاغتنموا من الترك فرصة الإذعان فعاجلوهم بدعوة الإيمان؛ وهم الآن على ما اشتهر عندنا واستفاض أحرص الناس على دين، وأوقفهم على الشبهات بين الحلال والحرام، وعساكرهم هم أهل النجدة والبأس لا يجحد هذا من طوائف الترك جاحد ولا يخالف فيه مخالف.
حدثني خواجا مجد الدين إسماعيل السلامي، قال: إذا قيل في بيت هولاكو: إنَّ العساكر قد تحركت من باب الحديد - يعني من بلاد خوارزم والقبجاق - لا يحمل أحد منهم لهم همًا؛ فإذا قيل: إنَّ العساكر تحركت من خراسان - يعني من جهة هؤلاء السقط، لأن هؤلاء أقوى ناصرًا وأولئك أكثر عددًا؛ إلا أنه يقال: إنَّ واحدًا من هؤلاء بمائة من أولئك.
قال: ولهذا خراسان عندهم ثغر عظيم لا يهمل سداده، ولا يزال فيه من يستحق ميراث التخت، أو من يقوم مقامه لما وقر لهؤلاء في صدورهم من مهابة لا يقلقل طودها فإنهم طالما بلوهم في الحروب، وابتلوا بهم فيها.
وحدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم ما معناه: إن بلاد هؤلاء متصلة/ ٦٥/ بخراسان متداخلة بعضها ببعض لا يفصل بينهما بحر ولا نهر ولا جبل ولا مفازة، ولا شيء مما يمنع أهل هذه البلاد عن قصد خراسان، وبينها وبين خراسان أنهار جارية ومراع متصلة؛ فإذا أرادوا خراسان تنقلوا في المرعى واستدرجوا استدراجًا لا يبين ولا يظهر إنه لقصد بلاد بل للتوسع في المرعى فلا يشعر بهم إلا وهم بخراسان حتى إذا صاروا فيها جاسوا بها خلال الديار وعاثوا فيها عيث الذئاب؛ وهم مع سيرهم المجد من بلادهم إلى خراسان لا مشقة عليهم ولا على دوابهم؛ لأنهم من ماء إلى ماء ومن مرعى إلى مرعى.
стр. 906
قال ابن الحكيم: ولهذا يخاف ملوكنا عادية هؤلاء؛ لأنهم لا يعلمون بهم إلا وهم معهم.
قلت: ومن هذه البلاد نجم سلطان الدولة السلجوقية في عهد السلطان مسعود السبكتكيني (١)، وأوّل ما بزغ كوكبهم ثم استعلى نيرهم، ونبع معينهم ثم فاضت أبحرهم. وكان الاحتجاج بالتنقل في المرعى هو السبب لجر الملك إليهم حتى أشهرت أعلامهم، وانتشرت أيامهم على ما هو مرقوم في صدور السير وصفحات التواريخ، ولم يزل لأهل هذه المملكتين قديمة.
وكان سكان الهند لا يلزمون مقاومتهم، ولا يتقون إلا بصدور الأقيال مصادمتهم حتى علت - والحمد الله - بالهند دولة الإسلام، وزادت اليوم بسلطانها القائم علوًّا، وتناهت غلوًّا، فنامت عيون أهل هذه البلاد لهيبة ذلك السلطان لعدم هجوده، وسكنت ثعالبهم المخاتلة بزئير أسوده.
ولقد كان أهل هذه المملكة لا تزال تجوس أطراف الهند خيولهم، وتحتجف به الأموال والأولاد سيولهم حتى نشأ بالهند سلطانه الآن، وشمَّر للحرب ذيله، وجاهد الأعداء في كل قطر.
واختلفت كلمة أهل هذه البلاد على ملوكها فانكفؤا لبأس ذلك السلطان، واختلاف ذات البين، فكان ملوك هذه المملكة من أولاد جنكزخان وأتباعهم من المحافظة على ياسة جنكزخان والتعبدات المعهودة من أهل هذا البيت من تعظيم الشمس والميل إلى آراء البخشية (٢)، تابعين لما وجدوا عليه آباءهم يعضون عليهم بالتواجد مثل تمسك القان الكبير، ومن في مملكته بها بخلاف الفخذين الآخرين ببلاد خوارزم والقبجاق وأهل مملكة إيران؛ وإن كان الملوك الأربعة من أولاد جنكزخان ومن نبعته نبعوا، ومن أفقه طلعوا؛ لكن بهذه المملكة والخطا أشدّ بياسته تمسكًا، ولطريقته اتباعًا، وهما مع هذا أعدل بني أبيهما حكمًا، وأنشرهما له في بلادهما ورعاياهما.
стр. 907
وقد قدمنا التنبيه: على أن رعايا هذه المملكة وقرارية أهلها من قدماء الإسلام السابقين إليه. وكانوا مع كفرهم ملوكهم في جانب لا تتطرف إليهم أذية في دين ولا حال ولا مال؛ فلما آل الملك إلى ترماشيرين (١) - كما ذكرنا - دان للإسلام وأظهره في بلاده، ونشره في خافقي ملكه، واتبع الأحكام الشرعية، واقتدى بها، وأكرم التجار الواردين عليه من كل صوب. وكانت قبله الطرقات لا تفتح لتجار مصر والشام إليها، ولا يهم مضطرب في الأرض منهم بالمرور عليها؛ فلما ملك ترماشيرين كثر قصد التجار له، وعادوا شاكرين منه حتى صارت بلاده لهم طريقًا قاصدًا ومنهجًا مسلوكًا.
حدثني الصدر بدر الدين حسن الأسعردي: كان ترماشيرين يعامل به التجار والواردين عليه من الإكرام ومزيد الإحسان، وأخذ قلوبهم بكل إمكان.
قال صاحب كتاب صفة أشكال الأرض ومقدارها (٢): «ما وراء النهر من أخصب الأقاليم منزلة وأنزهها وأكثرها خيرًا، وأهلها يرجعون إلى رغبة في الخير، واستجابة لمن دعاهم إليه مع قلة غائلة، وسلامة ناجية، وسماحة بما ملكت أيديهم مع شدة شوكة ومنعة وبأس ونجدة وعدة وعدة وآلة وكراع وبسالة وعلم وصلاح. فأما الخصب [بها] فليس من إقليم إلا يقحط أهله مرارًا قبل أن يقحط ما وراء النهر مرة واحدة، ثم إن أصيبوا ببرد أو بحر أو بآفة تأتي على زروعهم وغلاتهم ففي فضل ما يسلم في عروض بلادهم ما يقوم بأودهم، حتى يستغنوا به عن شيء ينقل إليهم من غير بلدهم، وليس بما وراء النهر مكان يخلو من مدن أو قرى ومراع لسوائمهم (٣)، وليس شيء لا بُدَّ للناس [منه] إلا وعندهم منه ما يقيم به أودهم، ويفضل عنهم لغيرهم؛ فأما طعامهم في السَّعة والكثرة فعلى ما ذكرناه.
стр. 908
وأما مياههم فإنها أعذب المياه وأبردها وأخفّها، قد عمت جبالها وضواحيها ومدنها إلى التمكن من الجمد في جميع أقطارها، والثلوج من جميع نواحيها، وأما الدواب ففيها من النتاج ما فيه كفايتهم.
ولهم من نتاج الغنم الكثير، والسائمة المفرطة، وكذلك الملبوس فإنَّ لهم من الصوف والقرّ (١) وطرائف البز (٢).
وببلادهم من المعادن وخصوصًا الزئبق الذي لا يقاربه في الغزارة والكثرة معدن.
وأما فواكههم فإنَّك إذا تبطنت الصغد وآشروسنة وفرغانة والشاش رأيت من فواكههم ما يزيد على سائر الآفاق حتى ترعاها دوابهم، ويجلب إليها من محاسن الأشياء وطرف البلاد ما يتنافس الملوك فيه.
وأما سماحتهم فإنَّ الناس في ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة، ما ينزل أحدٌ بأحد إلا كانه رجل دخل دار نفسه لا يجد المضيف من طارق يطرقه كراهية؛ بل يستفرغ جهده في إقامة أوده من غير معرفة تقدمت، ولا توقع لمكافأة بل اعتقاد السماحة بأموالهم؛ وهم في كل امرئ على قدره فيما ملكت يده. وحسبك أنك لا ترى صاحب ضيعة يستقل بمؤنته إلا كانت همته اقتناء قصر فسيح ومنزل للأضياف، فتراه [عامة] نهاره في إعداد ما يصلح لمن يطرقه، وهو متشوق إلى وارد عليه ليكرمه؛ فإذا حلّ بأهل ناحية طارق تنافسوا فيه.
وهم فيما بينهم يتبارون في مثل هذا الشأن حتى يجحف بأموالهم كما يتبارى سائر الناس في الجمع والمكاثرة والمال.
قال: ولقد شهدت آثار منزل بالصغد قد ضربت الأوتاد على باب داره بخيول الضيفان إنَّ ما بها مكث لا يغلق ما يزيد على مائة سنة لا يمنع من نزولها طارق؛ وإنَّما نزل به ليلًا على بغتة المائة والمائتان والأكثر من الناس بدوابهم وحشمهم من طعامهم ودثارهم وعلف دوابهم ما يكفيهم من غير أن يتكلف صاحب المنزل أمرًا بذلك، أو يتجشم عياله وأمه مع البشاشة بأضيافه لعلم سروره بهم كل من شهده.
قال: وترى الغالب على أهل المال والثروة صرف أموالهم على خاصة أنفسهم في الملاهي وما لا يرضي الله تعالى، والمنافسات فيما بينهم.
стр. 909
والغالب على أهل الثروة والمال في ما وراء النهر صرف أموالهم في عمل المدارس وبناء الرباطات وعمارة الطرق والأوقاف على سُبُل الجهاد، ووجوه الخير، وعقد القناطر، إلا القليل من ذوي البطالة. وليس من بلد ولا سبيل مطروق، ولا قرية آهلة إلا وفيها من الرباطات (١) ما يفضل عمن ينزل به.
قال: وبلغني أَنَّ بما وراء النهر زيادة على عشرة آلاف رباط، وفي كثير منها إذا ترك النازل أطعم وعلق على دابته.
قال: وقلَّ ما رأيت خانًا (٢) أو طرف سكّة أو محلّة أو مجمع ناس [إلى حائط] بسمرقند في المدينة وظاهرها إلا وبه ماء مسبل بجمد.
قال: وحدثني من له خبرة: إنَّ بسمرقند وظواهرها ما يزيد على ألفي مكان يسقى فيها ماء الجمد مسبل عليه الوقوف من بين سقاية مبنية وحباب نحاس منصوبة وقلال خزف مثبتة في الحيطان.
وأما بأسهم فمشهور مستفيض؛ وفي بعض الأخبار أنَّ المعتصم سأل عبد الله (٣) أو كتب إليه يسأله عن من يمكنه حشده من خراسان وما وراء النهر؛ فأنفذ إلى نوح بن أسد بن سامان (٤)، فكتب إليه: أن ثمَّ ثلاثمائة ألف قرية إذا خرج من كل قرية فارس
стр. 910
وراجل لم يبن [على] أهلها فقدهم» (١).
قلت: ولقد حدثني الصدر مجد الملك يوسف بن زاذان البخاري: أنه يوجد عند آحاد العامة من عشرين دابة إلى خمسمائة دابة لاطفة عليها في إقتنائها لكثرة الماء والمرعى.
قال: وهم أهل طاعة لسلاطينهم، وانقياد لأمرائهم، حتى إنَّ المتولي لأمورهم يتصرف في أموالهم وأمورهم وسائر أحوالهم تصرف المالك في ملكه، والمستحق في حقه منبسطًا في ذلك مادًا يده لا هو يتخشى، ولا صاحب المال والحال يتشكى؛ كلاهما طيب القلب، قرير العين، راض بصاحبه.
حدثني الشريف السمرقندي: أنَّ أهل هذه البلاد في الغالب لهم بواعث همم على طلب العلم والمظاهرة على الحق، والمضاهاة في الخلال الحميدة إلا من قل، وقليل ما هم.
وقد ذكر علي بن مشرف (٢) في كتاب ألفه باسم الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل (٣) - ذكر فيه ما وراء النهر، فقال: وهي في الدنيا أنموذج الجنة في الآخرة، لا يحمل المسافر فيها ماءً ولا زادًا، ولا يحتاج رفيقًا ولا يستشكل طريقًا، مكان فاتك وناسك ورد إليها قفل تجار مات منهم واحد له بضائع جليلة وأموال، ولم يكن ثم له وارث، فاحتاط نواب الديوان على ماله، وبلغ هذا سلطان الناحية فأنكر غاية الإنكار، فقال: ما لنا نحن والأموال وإلا فهم أحق برفيقهم وأولى بماله، ثم طلب التجار وأمرهم بتسليمه فامتنعوا، وقالوا: هذا رجل لا وارث له منا، ولا في
стр. 911
بلده، ولا نعرف له وارثًا بالجملة، ولا نعلم من يرثه إلا بيت المال، وتجارته تقارب ثمانمائة ألف درهم وقد مات منا وأنتم أحق به فغضب، وقال: لا والله نحن ما نأخذ إلا ميراث من مات من بلادنا ولا وارث له؛ وأما هذا فملك بلاده أحق بميراثه، خذوا المال فاحملوه إليه، قال: فأخذوه معهم إلى توريز وأعطوه لصاحبها؛ لأن الرجل كان منها.
ورأيت في كتاب آخر سمّاه مؤلّفه تفضيل الرحلة ألفه لبدر الدين لؤلؤ أيضًا، ولم يسم مؤلّفه نفسه، قال: وعبر في طريقنا إلى خان بالق ببلاد كثيرة أجلها ما وراء النهر، وهي مما تنفذ العبارة دونها ما شئت من حسن وإحسان، ومورد ولدان، وفاكهة صنوان وغير صنوان (١)، وماء كما قال عن برد إحسان، ملك كبير وخير كثير، وأقوام بهم يلذ العيش ويليق عند ثباتهم الطيش، قوم كرام لا يخف لهم أطواد أحلام، وفي بلادهم معادن أشرفها الرجال ومنها اللعل الأحمر، واللازورد الأزرق، وما هو من هذه الأمثال.
قلت: وبالغ في وصفها؛ وهي كذلك، وأما ما أشار إليه من المعادن فيها فهو بدخشان؛ وهي مع مملكة ما وراء النهر وليست حقيقة منه ولا من تركستان، بل هو إقليم قائم بدواته معدود للمجاورة مع أخواته قد حوى كل بديع من حيوانه ومعدنه ونباته.
قلت: وبلغني ممن أثق به منهم: أَنَّ من يسق ملوكهم إنه إذ راح من عساكرهم ألف فارس إلى مكان، وقتل منهم تسعمائة وتسع وتسعون فارسًا، وسلم ذلك الفارس الواحد، قتل ذلك الواحد لكونه لم يقتل مع البقية اللهم إلا إن حصل النصر لمن سلم.
وملوك هذه المملكة من بني جنكز خان، وقد قدمنا القول: أَنَّ أحوال بني جنكزخان متقاربة في ممالكهم لمشيهم على ياسة جنكز خان، ولا تكاد تمتاز أهل مملكة من ممالكهم عن الآخرين إلا فيما قلّ ومعاملة ممالك قسمي إيران هؤلاء وأهل خوارزم والقبجاق ومعظم إيران بالدينار الرائج - وهو ستة دراهم - وفي بعض هذه بالخراساني؛ وهو أربعة دراهم ودارهم هذه المملكة خاصة من فضة خالصة غير
стр. 912
مغشوشة؛ فهي وإن قل وزنها عن الدرهم معاملة مصر والشام فإنها تجوز مثل جوازها لخلوص هذه الدراهم وغش تلك لأن … (١)
ثم إن تلك الدراهم نوعان؛ درهم بثمانية فلوس، ودرهم بأربعة فلوس. ويوجد بهذه المملكة من الحبوب والقمح والشعير والحمص والأرز والدخن وسائر الحبوب خلا الفول، وأسعارها جميعًا رخية؛ فإذا غلت فيها الأسعار أغلى الغلو كانت مثل أرخص الرخص بمصر والشام وبها من الفواكه المنوعة الثمار؛ العنب، والتين، والرمان، والتفاح والكمثرى، والسفرجل، والخوخ، والعين، والمشمش، والتوت، والبطيخ الأصفر، والبطيخ الأخضر، والبطيخ الأصفر بهذه البلاد نهاية، والبخاري والسمرقندي أحسن أنواعه، وإن كان الخوارزمي يزيد عليه في الحسن واللذاذة على ما نذكره في مكانه.
وبها الخيار والقثاء واللفت والجزر والكرنب والباذنجان والقرع وسائر أنواع البقول، وأنواع الرياحين من الورد والنرجس والآس واللينوفر والحبق والبنفسج، وإن قل.
ولا يوجد بها الأترج والنارنج والليمون والليم ولا الموز ولا قصب السكر ولا القلقاس ولا الملوخيا؛ فإنها من ذلك عارية الحدائق خالية الدوح إلا يأتي من المحمضات إليها مجلوبًا.
فأما الدواب: الخيل والبغال والحمير والإبل البخت (٢) والبقر والغنم، وأقلها البغال والحمر، وأكثرها الأغنام؛ فإنَّها في هذه البلاد كما يقال أعوزتها الزرايب وبالمالق (٣) وما يليها يملأ الفضاء ويسد عين الشمس.
وهي بلاد قريبة من الاعتدال لا تفرط في حرّ ولا برد ذات عيون دافقة، وأنهار سارحة، ومراع متسعة مريعة، وخصب مفرط؛ يزكو حيوانها ونباتها ومعادنها.
قال لي الشيخان صدر الدين محمد ومحمد الخنديان الصوفيان بالخانقاه القوصية: إنه لولا موتان يقع في خيل المالق وأغنامها في بعض السنوات لما أبتيعت ولا يوجد من يشتريها لكثرتها وبركات نتاجها.
قالا: ومدينة بدخشان بها معدن اللعل البدخشاني؛ وهو المسمى في البلاد
стр. 913
بالبلخش، ومعدن اللازورد الفائق؛ وهما في جبل بها يحفر عليهما في معادنهما فيوجد اللازورد بسهولة ولا يوجد اللعل إلا بتعب كثير وإنفاق زائد وقد لا يوجد بعد التعب الشديد والإنفاق الكبير؛ ولهذا عزّ وجوده وغلت قيمته فكثر طالبه، والتقت الأعناق إلى التحلي به.
قلتُ: وأنفس قطعة وصلت إلى بلادنا من البلخش قطعة وصلت مع تاجر في الأيام العادلية الزينية، وأحضرت إلى العادل كتبغا وهو بدمشق إذ ذاك (١).
قال لي أحمد ناظر الصاغة: أحضرني الصاحب شهاب الدين أحمد الحنفي ومن يعرف الجوهر، وجماعة من الأكابر منهم نجم الدين الجوهري وأرانا تلك القطعة فرأيناها قطعة جليلة مثلثة على هيأة المشط زنتها خمسون درهمًا؛ وهي نهاية في الحسن وغاية في الجودة، كاد يضيء إليها المكان، وسألنا عن قيمتها كم تساوي؟ فأشرنا كلنا إلى نجم الدين الجوهري؛ لأنا لم يمكنا أن نتكلم بشيء قبله، فقال له: كم قيمة هذه القطعة يا نجم الدين؟ فقال: ما يعرف قيمة هذه إلا من ملك مثلها، أو رأى مثلها، وأنا وأنت والسلطان وجميع من حضر ما رأى مثلها ولا قريبًا منها فكيف نعرف قيمتها؟ فاستحسن هو وكل من حضر قوله، وصالحوا صاحبها.
وسنذكر جملة مما هي عليه قواعد هذه البلاد؛ وأول ما نبدأ بقرشا قاعدة الملك بها وإن لم تكن شيئًا مذكورًا. ولها شيء على اختلاف حالات الزمان شهرة تذكر، ولكن لما شملتها به في دولة ملوكها إلا من نظرات السعادة لنسبتها إلى أنها سكن لهم، وإن كانوا ليسوا بسكان جدار ولا متدبرين في ديار؛ ولكن لاسم وسمت به وسمت به.
<رمز> وأما بخارى </رمز>
فأم أقاليم ويم تقاسيم، وقد كانت للدولة السامانية قطب نجومهم السائرة، ومركز أفلاكهم الدائرة. وكانت تلك الممالك كلها تبعًا له. وكان السامان بها وإن لم يتسموا بالسلطنة، ولا وسموا بغير الإمرة كالخلفاء، ولا يباشر الأمور إلا نوابهم ولا يخرج إلى الحروب إلا قوادهم ودست (٢) قواعد دولتهم، وأذعنت لهم ملوك الأقطار، ولم تكن ملوك بني بويه (٣) على عظمة سلطانهم إلا كالأتباع لهم يحملون
стр. 914
إليهم الحمول والقماش المطرّز بأسمائهم وأسماء أرباب دولتهم كالوزير والحاجب.
وحكى أبو نصر العتبي (١): وكتب نوح بن [أسد] الساماني (٢) إلى ابن بويه كتابًا يهدده فيه؛ فكتب جوابه: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
ثم لم يرسل هذا الجواب خوفًا لما وقر في صدورهم من مهابة آل سامان إلى أن قضى الله فيهم بأمره، وولّى زمانهم وجاء زمان سبكتكين على أثره.
قال العتبي: وحمدت تلك العلة.
قال صاحب كتاب «أشكال الأرض» (٤): ومقدارها: «لم أر ولم أسمع بظاهر بلد أحسن من بخارى؛ لأنك إذا علوت لم يقع نظرك من جميع النواحي إلا على خضرة تتصل خضرتها بلون السماء؛ فكأَنَّ السماء مكبة زرقاء على بساط أخضر تلوح القصور في ما بين ذلك التراس التبتية والحجب الملطية، أو كالكواكب العلوية بياضًا ونورًا بين أراض، وضياع مقسومة بالاستواء مهندمة كوجه المرآة بغاية الهندسة؛ وليس بما وراء النهر ولا غيرها من البلاد أحسن قيامًا العمارة للضياع منهم مع كثرة متنزهات في سعة المسافة، وفسحة المساحة متصلة بعضد سمرقند» (٥).
قال: ويحيط ببخارى وقراها ومزارعها سور (٦) نظره اثنا عشر فرسخًا في مثلها
стр. 915
كلها عامرة ناضرة زاهرة.
ولبخارى سبعة أبواب حديد؛ وهي باب المدينة، وباب بور، وباب حفرة، وباب الحديد، وباب قهندز (١)، وباب بني أسد (٢)، وباب بني سعد (٣).
ولقهندز هنا بابان أحدهما يعرف الريكستان (٤)، والأخرى باب الجامع (٥) يشرع إلى المسجد الجامع.
وعلى الربض دروب؛ فمنها درب يخرج إلى خراسان يعرف بدرب الميدان، ودرب يلي المشرق ويعرف بدرب إبراهيم، ويليه درب يعرف بالربعة، ويليه درب المردكسان (٦)، ويليه درب كلاباذ (٧)، ويليه درب الوفهار (٨)، ويليه درب سمرقند، ويليه درب بغاشلوز (٩)، ويليه درب الرامينية (١٠)، ويليه درب حدس (١١)، ويليه درب غشج (١٢).
وليس في مدينة بخارى ولا قهندز (١٣) ماء جار لارتفاعها، ومياهها من النهر الأعظم الجاري من سمرقند، ويتشعب من هذا النهر الأعظم في مدينة بخارى نهر يعرف بنهر فشيرديز (١٤) فيأخذ من نهر بخارى ويجري في درب المردكسان على حدّ