← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

لما يريد الله من هلاك العالم بالطوفان. ووقع الموت في الناس والبهائم، ثم هلك أقروش، وليس له ولد ولا أخ. فاجتمع الناس على تمليك رجل من أهل بيت الملك فملكوا عليهم أومالينوس وخرج بجيوش عظيمة ومعه الحكماء بأعمال عظيمة عملوها له، فغزا الأمم تارة هو وتارةً يرسل ابن عم له اسمه فرعان بن مِسْوَر. فمات مسمومًا وملك بعده فرعان بن مسور، وجلس على سرير الملك فلم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانه، فلما استتب له الملك علا في الأرض وعتا وتجبّر، واغتصب الناس أموالهم وأنْفُسَهم ونساءهم، وكتب إلى (الدمشيل بن محويل) (١) ببابل يشير عليه بقتل نوح ﵇، وإغراق السفينة، وكان عند أهل مصر علم بالطوفان، فاتخذوا له سراديب تحت الأرض وصفحوها بالزجاج وحبسوا فيها الرياح بتدبيرهم، واتخذوا فرعان الملك منها عدةً له ولأهله وأقام منهمكًا في ضلاله وظلمه، مقبلًا على لعبه ولهوه، واستخفَّ بالكهنة والهياكل، ففسدت في أيامه الأرض، ونقص الزرع، وأَجْدَبَتْ النواحي. وظلم الناس بعضهم بعضًا، ثم جاءهم الطوفان، وأقبل المطر عليهم فقام فرعان الملك سكرانًا يريد الهرب إلى الهرم فتخلخلت الأرض به، وطَلَبَ الأبواب فخانته رجلاه، وسقط يخور خوار الثور إلى أن أهلكه الله بالطوفان وهلك من دخل الأسراب بغمها، وبلغ الماء في الأهرام إلى مكان التربيع، وهو ظاهر عليها إلى الآن، وهلكت الأمم بالطوفان، فكان عدة من ملك مصر إلى مجيء الطوفان تسعة عشر ملكًا. ثم ملكها (٢) بعد الطوفان من نذكره على ما ذكره إبراهيم بن القاسم الكاتب نقلًا عن إبراهيم بن وصيف (٣). وأولهم مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، وكان جده لأبيه أفليمون (٤) الحكيم أحد من آمن بنوح، فلما أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له أفليمون: يا نبي الله، ابعث معي ابني حتى أمضي به إلى بلدي لأوقفه على كنوزه وأعرفه خفايا علمه ورموزه، فلما قرب من مصر بنى له عريشًا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض،

стр. 8507

ثم بنى له بعد ذلك في الأرض مدينة، ثم زرعوا وغرسوا الأشجار، ثم نكح مصريم الملك امرأة من بنات الكهنة فأولدها ولدًا أسماه قبطيم فهو أبو القبط، ثم نكح قبطيم فولد أربعة وهم قفطيريم وأشمون وأثريب وصنا، وكثروا وانتشروا في مصر وما يليها في الجنوب وبنى مدينة رقودة. وهي الاسكندرية وإنما جدّدها الاسكندر بن فيلبس فسميت به. ثم عهد مصريم إلى ابنه قبطيم فقسم قبطيم مصر بين بنيه الأربعة، فجعل لابنه قفطريم (١) من قفط إلى أسوان داخلان في الجنوب، ولأشمون من أشمون إلى منف ولأتريب الحوف كله إلى الشجرتين إلى أيلة من الحجاز، ولصنا من ناحية صنا البحيرة إلى قرب برقة، ثم بعثَ أخًا له اسمه فارق بن مصريم وقال له: لك من برقة إلى الغرب فهو صاحب أفريقية. وولده الأفارق. ثم هلك وملك بعده ابنه قفطريم، وكان أكبر أولاده، وكان جبارًا عنيدًا ووضع أساس الأهرام الدهشورية، ووسع عمل العجائب بالصعيد، ثم هلك. وملك بعده ابنه البودسير فتجبر وتكبّر، وقال بالسحر، وعمل به واحتجب بالخافية، وقهر أعمامه، وصعد على مجرى النيل إلى البطيحة التي ينصب إليها، وعدل جانبيها حتى لا تفيض، وبنى هنالك أبنية غريبة وعمل عجائب كثيرة، ثم هلك. وملك بعده ابنه عليم (٢)، وزنا في أيامه رجل بامرأة، فأمر بهما فصلبا، وكان أوّل من صلب. وعمل قنطرة على النيل، في أول بلاد النوبة، ثم لم تزل حتى هدمها فرعون موسى. ثم هلك وملك بعده ابنه شداث (٣) ومن الناس من ينسب إليه بناء الأهرام، والأكثر على أن هرمي الجيزة من قَبْلِ الطوفان، وإنما بناء الأهرام الدهشورية تحمل على أساس قفطريم، والناس تغلط فتجعل هذا هو شداد بن عاد العادي. وما الأمر كذلك وإنما اشتبه عليهم، فهذا شداث بن عديم وذاك شداد بن عاد. وهذا شدّاث بن عديم هو الذي بنى الهيكل بأرْمَنْت (٤)، وعمل عجائب كثيرة. ثم هلك وملك بعده ابنه منقاوش (٥)، فأظهر مصاحف الحكم وعمل طلسمات لمنع الرمل/ ٤٩/ عن مكان الزرع، وكان سحارًا يتجلّى على أصحابه في صورة وجه

стр. 8508

عظيم مهول، وكان ربما خاطبهم ولا يرونه، ثم غبر مدة لا يرونه. ورآه فيها ابنه عديم، فخاطبه، وأمره بالجلوس على سرير ملأه، فجلس عديم بن منقاوش وكان جبارا لا يطاق، ويقال: إن في وقته كان نزول الملكين اللذين يعلمان الناس السحر، والقبط تزعم أنهما نزلا بمصر ثم نقلا إلى بابل. ثم ملك بعده أخوه مناوش بن منقاوش (١)، فطلب الحكمة، وأكرم أهلها، وبذل لهم الجوائز، وعمل أعمالا حكيمة. ثم هلك وملك بعده ابنه هرميس فلم يعمل أعجوبة ولا أثر أثرا حتى كأنه لم يكن من الملوك. ثم نذكر أخبار أشمون وبنيه (٢): وهو أشمون بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح أخو قفطيم أبو (٣) الملوك المقدم ذكرهم، وكان ملك أشمون من الأشمونين إلى منف، ومن الشرق إلى البحر الملح ومن الغرب إلى حدود برقة، وكان ينزل مدينة الأشمونين وله بنيت، وباسمه سميت، وهو أول من اتخذ الملاعب، وحكى (٤) أن رجلا أتى عبد العزيز (٥) بن مروان وهو على مصر فقال له: إنه تاه في صحراء الشرق فوقع على مدينة خراب فيها شجرة تحمل من كل فاكهة، فأكل منها وتزود. فسأل عبد العزيز القبط عنها، فقال له رجل منهم: هذه إحدى مدينتي هرمس، وفيها كنوز كثيرة، فوجه عبد العزيز معه جماعة وحمل معهم زادا وماء، وأقاموا يطوفون شهرا في تلك الصحارى فلم يقفوا لها على أثر. ثم هلك وملك بعده ابنه مناقيوس، وكان جلدا محنكا بالتجارب فاستأنف العمارة وبناء القرى ونصب الأعلام. ثم هلك وملك بعده ابنه، ولم يسمه إبراهيم بن القاسم (٦) فاستقر ابنه وكان أحزم من أبيه، فعظم في عيون أهل مصر، وكانت امرأتان يجمعهما في مجلس واحد، فمال يوما للواحدة، فغارت الأخرى، فقامت فأخذت سكينا، ودخلت فضربت تلك

стр. 8509

الامرأة بالسكين، فقام الملك دونها يمنع عنها فضربته على فؤاده، فخر صريعًا فهلك. وملك بعده ابنه مرقورة (١)، وكان حازمًا لبيبًا عاقلًا قيمًا بالعمارة وترتيب المراتب. وجعل لرأس الكهان الحكومة في أمر الدين. ثم ملك (٢) بعده ابنه بلاطس، وكان صبيًا، وكانت أمه تدبّر الملك مع الوزراء والكهان، وكان محبًا للصيد، ثم حصل له خدر مات منه. وانتقل الملك إلى أعمامه. ثم نذكر أخبار إتريب بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، وكان إتريب انتقل إلى ما جعل له أبوه قبطيم، ثم هلك وملك بعده ابنته، ولم تُسم لنا (٣) فدبّرت الملك وساسته بأيد وقوّة، ثم ماتت فملك بعدها أخوها (٤) فليمون (٥) بن إتريب. فجدّد رسوم الوزراء والكهان، وصدر عن رأيهم، وجدّ في العمارات وطلب الحكم وعمل بها، وفي زمانه بنيت تنس الأولى وغرقها النيل. وبنيت دمياط، ثم هلك. وملك بعده ابنه قرسيون (٦) فأقام الهياكل والكهنة، وطلب الحكمة، وعشقته إحدى نساء أبيه، وبعثت إلى ساحرة بمنف فسألتها أن تسحره لها فإذا الساحرة قد عشقته أشد من عشقها فَسَعَتْ إِليه بامرأة أبيه وعرفته بأمرها، فأبعد امرأة أبيه ومنعها من الدخول إليه. وبلغ ملكًا من ملوك حمير أن ملك مصر صار إلى غلام حدث غرّ. وكان قوسيون حدثًا غرًا فطمع الحميري فيه، وسار إليه في جموع عظيمة. فخرج قرسيون نحوه والتقوا بأيلة (٧) واقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم أتت الساحرة إلى قرسيون وشرطت عليه حكمها إذا هي عملت له عملًا يغلب به عدوّه. فعملت عملًا هرب به الحميري في نفر يسير وقتل بقية أصحاب الحميري، وعاد قرسيون غانمًا إلى منف، وأتت إليه الساحرة واحتكمت أن يتزوجها، فتزوج بها، فشق هذا على امرأة أبيه، فدست جارية لها على ساقي الملك فاختلطت بجواريه حتى تمكنت من شرابه، فألقت فيه سمًا وعادت فأخبرت مولاتها فدخلت إلى الملك فسجدت له وقالت: أيها الملك أقصيتني وأدنيت

стр. 8510

هذه الساحرة، فخانت الملك وسمت شرابه في إناء وصفته كذا وكذا، فليسقها الملك منه ليعلم صدقي فدعا بالإناء فوجده على ما ذكرت، فدعا الساحرة وأمرها بشرب قدح منه فشربت ولم تعلم ما فيه فسقط لحمها من عظمها، فأمر بها فدفنت، وعاد إلى امرأة أبيه وتزوج بها، وحسن حالها عنده. ثم هلك وملك بعده ثلاثة أو أربعة من أولاد أتريب على اختلاف الرواية في العدد ولم يُسمّوا لنا، ثم نذكر أخبار صناين (١) قبطيم بن مصريم بن بنصر (٢) بن حام بن نوح، وكان قد انتقل إلى ما جعل له أبوه قبطيم وله في البر ما بين البحيرة وبرقة آثار عجيبة وبقايا مدن كان بناها وساق إليها أنهارًا من النيل لا يزال من دخل في تلك الصحارى يحكي ما رأى فيها من الآثار والعجائب ويقص الأخبار والغرائب، ومن ملوكهم مرقوس (٣)، وكان حكيمًا مولعًا بالنجوم والحكمة، وعمل عجائب كثيرة، ثم هلك وملك بعده ابنه أنساد (٤). وكان معجبًا جبارًا طماح العين، طماع اليدين فاغتصب امرأة من نساء أبيه وانكشف أمره معها فجرت بينه وبين أرباب دولته هنات فعزم على الركوب إلى صحراء الغَرْب على أَنَّه يتصيّد هناك، وأمر الجيش أن يركب معه ويتزوّد لثلاثة أيام ففعلوا وسار حتى إذا اختلط الظلام رجع بالجيش حتى وافي باب مدينته فأمر أصحابه أن يضعوا فيهم السيف، ثم احتال عليه خاصته بطباخه وساقيه فسماه. فهلك. وملك بعده ابنه صا (٥). قال إبراهيم بن القاسم، وأكثر القبط تزعم أنه ليس بابنه، ولكنه أخوه (٦) وإنهما ابنا مقروس، وعمل العجائب والطلسمات ورد الكهنة إلى مراتبهم، ونفى الملهين وأهل البطالة، وقمع أهل الشر والأشر وعظم شأنه حتى استكمل جميع ملك بني مصريم، واستقل به. ثم هلك وملك بعده ابنه تدارس (٧)، وملك جميع ما كان اجتمع لأبيه، وكان ذا أيدٍ وقوة، فأظهر العدل، وأقام الهياكل وأهلها أحسن قيام، ويقال إنه هو الذي حفر خليج لسخا وقصد بعض عمالقة الشام فخرج إليه واستباحه، ودخل إلى فلسطين فقتل فيها خلقًا، وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر، فهابته الملوك، ثم طمع طوائف من السودان في أرضه، فجهز إليهم

стр. 8511

قائدًا له بعسكر فهزمهم وقتلهم ثم هلك. وملك بعده ابنه ماليوس (١)، ويقال: إنه كان مخالفًا لآبائه في عبادة الكواكب والبقر، ويقال: إنه كان موحدًا على دين أجداده القدماء قبطيم ومصريم المنام رآه وكانت القبط تذمه لذلك. ثم هلك وملك بعده ابنه حِرْما (٢)، ولم يمت أبوه حتى شرح له التوحيد وأمره أن يدين به، وكان على ذلك مدة حياة أبيه، ثم رجع إلى عبادة الأصنام ويقال إنه غزا اليمن، ثم هلك. وملك بعده ابنه كلكن (٣) وأول ما سكن رقودة، ثم رجع إلى مِنْف وعمل له ناووسًا أعد فيه ما أراد من الذهب والجوهر والعقاقير وأنواع الحكم. ثم غاب فلم يقفوا على أثره. وملك بعده ابنه ماليا (٤)، وكان شرها كثير الرفاهية، غير ناظر في الحكمة وكان له ابن اسمه طوطيس كان يستجهل أباه، فأعمل الحيلة في قتله، وتقحم عليه وهو سكران فقتله وملك بعده ابنه المذكور طرطيس (٥)، وكان جبارًا شديدًا، جريئًا مهيبًا والقبط تزعم أنه أوّل الفراعنة بمصر، وأنه فرعون إبراهيم الخليل، وأكثر القتل حتى قتل أقرباءه وبني عمه وأهل بيته وخدمه ونساءه ورؤس الكهنة والحكماء، وكان حريصًا على الولد، فلم يرزق إلا بنتًا واحدة، وكانت حكيمة ذات عقل، فكانت تمنعه من كثير مما يريد، فلما رأت بغض الناس له خافت على زوال ملكهم، فسمته وملكت بعده، وهي حوريا بنت طوطيس (٦) فجلست على سرير الملك، ووعدت الناس بالإحسان وخرج عليها رجل من ولد أتريب اسمه أنداخس فجهزت إليه جيشًا فهزمته. ثم أراد الزواج بها، فكانت في ذلك أمور آخرها أنها استدعته لتتزوج به، فلما دخل عليها فَصَدَت عروقه حتى نزف دمه، وقالت: دماء الملوك شفاء، ثم قطعت رأسه وأمرت فطيف به، وهابتها الملوك، ثم اعتلت فاجتمع أهل مملكتها وسألوها أن تملك عليهم ملكًا بعدها، فقلّدت عليهم عمتها دليفة بنت مامون (٧)، ثم هلكت.

стр. 8512

وملكت دليفة بنت مامون، ويقال ماموم، فأحسنت إلى الناس، ووضعت خراج سنة، وخرج عليها خارجي اسمه أيمن (١) خال أنداخس الخارج على حوريا بنت طوطيس وهو من أهل بيت الملك، وانتصر ببعض (٢) ملوك العمالقة فانهزم أصحابها ومضت إلى الصعيد، فنزلت الأشمونين وأنفذت من قدرت عليه من الجيوش لملاقاة أيمن فتلاقوا بنواحي الفيوم، وظهروا على أيمن، ثم كان معه ساحر عمل له عملًا أشفق منه أهل مصر، فمشت بينهم السفراء على مناصفة المملكة، فلما رأت دليفة القهر سمت نفسها وملك بعدها أيمن الخارجي المذكور، فتجبّر وقتل خلقًا ممن حاربه وكان الوليد بن دَوْمَع العمليقي قد خرج في جيش كثيف يتنقل في البلدان، ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها، فلما صار بالشام انتهى إليه خبر مصر وأن أمرها قد صار إلى النساء، فوجه غلامًا له اسمه عون إلى مصر، ففتحها ومولاه لا يعرف خبره ولا يشك أنه هلك ومن معه لما كان يسمع عن طلسمات مصر وسحر وسحرتها، ثم بلغه خبر عون، فسار إليه، وخرج عون لتلقيه، وعرّفه أنه كان قد عزم إلى المصير إليه، وإنما أراد تعديل البلد وإصلاحهم، فقبل قوله، ودخل إلى مصر فاستتب بها ملك الوليد بن دَوْمَع العمليقي، ثم سَنَحَ له أن يخرج فيقف على مصب النيل. فتوجه في جيش كثيف، وسار في أمم السودان ومر على أرض الذهب، ثم بلغ البطيحة، ويقال: إنه وصل إلى جزر القمر، ودخل إلى هيكل الشمس المبني هناك وغاب أربعين سنة، وأما عون فإنه بعد غيبة الوليد بسبع سنين ادعى الملك وأنكر أن يكون غلام الوليد، وقال: إنما أنا أخوه وأوصى إلي بالملك بعده، وأسنى جوائز الناس، وجلبهم بسحره وباللين لهم، فأحبهم وأحبوه ولم يترك امرأة من بنات ملوك مصر حتى تزوّجها، ثم رأى في منامه مولاه الوليد بن دومع وهو يوبخه على ما فعل فما شك أنه يعود، وبنى مدينة وحصنها بالسحر، فلما قرب الوليد خرج عون بأهله ومن معه إلى تلك المدينة، فلما دخل الوليد منف، فسأل عن عون فقالوا: فرَّ منك وعرفوه أنه لا يقدر عليه بجيش فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه ويحذره التخلّف، فرد جوابه يقول: ما على الملك مني مؤنة، وأنا عبده ولا أتعرض إلى بلاده وأنا في هذا الموضع أردّ كل عدو يأتيه من نواحي الغرب ولا أقدر على المصير إليه، لخوفي منه، فليقرني الملك على حالي كأحد عماله، وأنا أوجه إليه ما يلزمني من الخراج والهدايا، ووجّه إليه بأموال جليلة وجوهر نفيس، فكفّ عنه،

стр. 8513

واقام الوليد بمصر استعبد أهلها، واستباح حريمهم وأموالهم، فأبغضوه وسئموا منه، ثم إنه ركب ليتصيد فألقاه فرسه في وهدة فهلك. ثم ملك بعده ابنه الريان (١)، وهو فرعون يوسف، والقبط تسميه نهراوش، وكان ينكر فعل أبيه، فأحسن السيرة وأنعم، ثم ملك على الرعية رجلًا اسمه قطفير وقيل أطغين من أولاد الوزراء (٢) وهو المسمى بالعزيز، فتمكن لعقله الراجح ورأيه الصائب، وخلا الريان بلذاته، فقصده أبو قابوس العمليقي (٣) فأنفذ إليه الريان جيشًا كثيفًا، فأقام يُحاربه ثلاث سنين ثم ظفر به العمليقي، ودخل أرض مصر، فانتبه الريان من نومه، وجمع له جمعًا كبيرًا، وخرج بهم إليه ولاقاه، فانهزم العمليقي، واتبعه الريان إلى حدود الشام، وقيل بل بلغ الموصل، ثم عاد إلى مصر، وفي أيامه قدم يوسف مصر صغيرًا، وقد تقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب ويقال: إن الريان كان آمن على يديه ثم هلك الريان وملك بعده ابنه دريموش (٤)، ويسميه أهل الأثر دارم، وكان يوسف ﵇ خليفته، كما كان مع أبيه، وذلك بعهد تقدم من الريان فشرع دريموس يخالف عادة أبيه، وكان يوسف ﵇ يسدِّدُه، فربّما قبل منه وربما خالفَهُ، وظهر في أيامه معدن فضة على ثلاثة أيام من النيل، وركب في ليلة مقمرة مركبًا صغيرًا ليعدي به عَرْض النيل فثارت ريح (٥) عاصفة. فغرق هو ومن معه، وأصبح الناس ساكتين فيه لا يعلمون ما نزل به إلى أن وجدت جثته بشطنوف، فعُرف بخاتمه، وبجوهر كان تقلد به، فحمل إلى منف. وملك بعده ابنه معاديوش (٦)، ويُسميه أهل الأثر معدان بن دارم، وكثر في زمانه بنو إسرائيل، فعزلهم في مكان قبلي مُنف، فاجتمعوا فيه وبنوا لهم معبدًا كانوا يتعبدون فيه، ويتلون صحف إبراهيم ﵇، وعتا معاديوس، وكفر وادعى الربوبية. ثم ملك ابنه أكشامش (٧) الملك مدنًا كثيرة وطالب الناس بلزوم الأعمال، وإظهار الصنائع، وفي أيامه استعبدت بنو إسرائيل عن رأي وزير كان له اسمه طلما. ويقال إن أوّل وضع منارة الاسكندرية كان في أيامه، ثم تغيّب اكشاش وبقي وزيره يدبّر الملك إحدى عشرة سنة ثم

стр. 8514

ظهر أنه كان قد سقى الملك سمًّا مات به، فطالبه الناس أن يريهم الملك، فقال: لهم إنه تغيب وعهد لابنه لاطس، فلم يقبلوا ذلك منه، فركب الجيش بالسلاح، وأجلس لاطس على سرير الملك، فصرف طلما، واستخلف رجلًا اسمه لاهوق (١)، من ولد صا الملك، وبعث طلما عاملًا على الصعيد، ثم ظلم لاطس وتجبّر، ومنع الناس فضول ما في أيديهم، وطلب النساء، وابتر كثيرًا منهنَّ، وتشدّد في استعباد بني إسرائيل. وأما طلما، فإنه لما خرج إلى الصعيد دعا إلى نفسه (٢) فجهز إليه لاطس مَنْ يُحاربه. فظفر طلما بمحاربه واعتقله، ثم خلاه وقربه وأدخله في أصحابه فبعث لاطس قائدًا آخر، ثم خرج إليه لاطس فحاربه طلما في جمع من السحرة، فظفر بلاطس وقتله وسار حتى دخل منف وعاث فيها واستتب ملك طلما ويسمى أيضًا طمايرفوس، وهو طلما بن قومس. وتزعم القبط أنه فرعون موسى، وأما أهل الأثر فتسميه الوليد بن مصعب، وتقول هو من العمالقة، وتقول: الفراعنة سبعة أولهم طوطيس بن ماليا، ثم الوليد بن دومغ، ثم ابنه الريان بن الوليد، ثم دريموس، ثم معاديوس، ثم اكشاش، ثم طلما. ولما جلس طلما اضطرب عليه الناس، فبذل الأموال، وسل السيف، وأرغب من أطاعه، وأرهب من عصاه، فاعتدل له الأمر، وزاد الخراج في زمانه، يقال: إنه بلغ سبعة وتسعين ألف ألف دينار. وهو أوّل من عَرّف العرفاء على الناس، وكان في صحابته من الإسرائيليين عمران أبو موسى، وهو أخو مزاحم لأبويه، ومزاحم هو أبو آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وقد تقدم في هذا الكتاب أخبار موسى عليه ﷺ . وأما (٣) ملوك مصر بعد غرق فرعون، فأولهم دلوكة (٤) ولها شهرة في ملوك مصر، وهي التي بنت الحائط المعروف بحائط العجول يحيط بالديار المصرية على مكان العمارة سفلًا وعُلوًا، وجعلت عليه الديادب والنظارة للإعلام بالمتجدّدات ترفع النيران بالليل والدخان بالنهار، وكان ساحرة ولها أخبار مشهورة، ثم هلكت وملك بعدها (دركوش بن بلطوش) (٥)، ثم

стр. 8515

ملك بعده ابنه بورش (١)، ثم ملك بعده ابنه نعاش (٢)، ثم ملك بعده أخوه دنيا بن بورش. ثم ملك بعده بولطش (٣) ثم ملك بعده بولطش بن متناكيل، ثم ملك بعده ابنه مالس، ثم ملك بعده بوليه بن متناكيل، وهو المسمى بفرعون الأعرج، وسار في الأرض وكانت له حروب بها، وغزا بني إسرائيل، وأراد خراب بيت المقدس. ثم هلك وملك بعده وينوس بن مرنيوش. ثم هلك وملك بعده قومس بن بغاش (٤)، ثم هلك وملك بعده ميكاييل (٥)، وكانت له حروب مع العرب، وهو الذي غزاه بخت نصر فقتله وقتل رجاله وخرّب أرض مصر (٦)، وقيل إنها خربت مدة أربعين سنة حتى يقال: إنَّه لم يبق للنساء رجال من ذوي نسبهم، وأنهنّ غلبن عليهن العبيد، فكل القبط لأولاد زنوة من ذلك اليوم. ثم (٧) غلبت الفرس على مصر، ثم كانت بين فارس والروم حروب كثيرة، وصار أهل مصر يؤدون خراجين، خراجًا لفارس، وخراجًا للروم، ثم انجلت الفرس عن مصر والشام لأمر حدث في بلادهم، فغلبت الروم على مصر والشام، وأظهروا النصرانية، واستمر ذلك إلى أن جاء الله بالإسلام. وكان المقوقس في سلطان هرقل ينوب عنه، ولم تزل مصر والشام في أيدي ملوك الروم إلى أن فتحت في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وعدد ملوك مصر إلى آخر أيام الفراعنة اثنان وثلاثون ملكًا وملكة بمن فيهم من العمالقة خارجًا عمن كان قبل الطوفان، وكان على ما قيل مدة ملكهم لها من أول الفراعنة ومن بعدهم والعماليق والفرس والروم واليونان ألفي سنة وثلاثمائة سنة والله أعلم. ذكر أخبار ملوك الفرس وقد (٨) اختلف في نسب الفرس، فقال هشام بن محمد (٩): هم من ولد فارس بن

стр. 8516

سابور (١) بن سام بن نوح، وقيل: إنهم من ولد هُدْرَم (٢) بن أرفخشد بن سام بن نوح، وزعم آخر أنهم من ولد بوّان بن أران بن الأسود بن سام بن نوح، وإلى بوّان هذا ينسب شعب بوان، وزعم آخر أنهم أولاد رشا ورغوشي (٣) بنات لوط ﷺ . وزعم آخر أنهم من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم. ومن الناس من يقول: إنهم من ولد إيران بن أفريدون ولا خلاف بين الفرس أنهم من ولد كيومرث (٤)، وتقول الفرس: هو الأب الأوّل، وتقول: هو آدم ﵇، ويقول آخرون منهم بل هو ولد آدم لصلبه. قلت: أقرب الأشياء أنهم من ولد نوح ﵇ وعلى هذا أكثر النسابين والله أعلم. فاما دولهم، فمن الناس من زعم أنهم أربعة أصناف (٥): الأول: من كيومرث إلى أفريدون، وهم الجرهانية، وقيل الجهدانية (٦). والثاني: من كيان إلى دار ابن دارا، وهم الكيانية. والثالث: ملوك الطوائف. والرابع: الساسانية. ومن الناس من جعلهم صنفين: الأول: من كيورث إلى دارا بن دارا. والثاني: من أردشير بن بابك (القائم بجمع الملك بعد ملوك الطوائف) (٧) إلى يزدجرد بن شهريار المقتول في خلافة أمير المؤمنين عثمان ﵁. ومدة حكمهم ثلاثة آلاف وثلثمائة وستة وعشرون سنة (٨). فالفرس الأول: أولهم كيومرت، وقيل جيومرت، قالوا: هو آدم، وقالوا هو ابن

стр. 8517

آدم لصلبه، وقالوا: هو ولد لاوذ بن ارم بن سام بن نوح، وقيل: إنه أول ملك مَلَكَ من بني آدم، وكان ينزل أرض اصطخر من بلاد فارس حتى مات (١)، وملك بعده ابنه أو شهنج (٢). ثم هلك وملك بعده ابنه أو شهنج، وقيل بل هو أخوه، وأنه أوشهنج بن فيزداد (٣) بن كيومرت، وقيل: اوشهنج بن فيشداذ بن كيومرت. قالوا: ونزل الهند، ونظم الملك، ورتب الأعمال، ثم مات. وملك بعده طهومرت، وقيل: طمهورث بن نونجهار ابن اوشهنج (٤) وقيل: بل بينهما عدّة آباء، وكان ينزل نيسابور. ويقال: إنه أول من كتب بالفارسية. وظهر في أيامه بوداسف ودعا إلى دين الصائبة (٥). ثم مات وملك بعده أخوه جمشيد (٦) وتفسيره سيد الشعاع، وسمّي بذلك لوضاءة وجهه. ولما ملك صنّف الناس طبقات، ووظف الوظائف وأخذ أربعة خواتم. خاتمًا للحرب وللشرط (٧) وكتب عليه الأناة. وخاتمًا للخراج وجباية الأموال وكتب عليه العمارة. وخاتمًا للبريد وكتب عليه الوحي (٨)، وخاتمًا للمظالم وكتب عليه العدل. وبعثت هذه الرسوم إلى أن جاء الإسلام، ثم طالت أيامه وثقلت وطأته ثم انهمك على اللذات، وترك ما لا بد للملك من أنه يتولاه بنفسه فخرج عليه بيوراسب، وكان من جملة عماله، فاستصلح الناس لنفسه وجمعهم عليه، ثم قصد جمشيد، وظفر به ونشره بمنشار. ثم ملك بعد جمشيد بيوراسب (٩)،، ويسميه العرب الضحاك. قالوا هو بيوراسب

стр. 8518

ابن أرونداسف (١) بن (معاد (٢) بن بزطوخ) بن قيروال بن شاغل (٣) بن فرس بن كيومرث وسمى الدهاك لكثرة ما دهك من العالم. فاستخف فقيل الضحاك. وزعم قوم أنه نمرود، وقيل: بل كان من عمال بيوراسب. ويقال: إنه ملك ألف سنة وظهر منه خبث شديد وعدوان زائد. وذبح أبناء الناس لسلعتين كانتا على كتفيه، وذبح فيهما ابنين لرجل حداد من أهل أصبهان اسمه كابي (٤) واحدًا بعد واحد، فجزع لذلك أبوهما، وبلغ على ولديه من الحزن مبلغًا عظيمًا، فقام، وأخذ عصا، فعلّق عليها النطع الذي كان يفرشه لعمل الحدادة، ويقال أنه جلد أسد ويقال بل كان جلد نمر، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب، فحمل الناس ما كانوا فيه من جهد البلاء بملك بيوراسب على متابعة كابي في الخروج عليه، وقصد بمن معه بيوراسب فلما أشرف عليه هرب بيوراسب. ويقال: إنه اتبعه وقيده وجعله بجبل دنباوند. وحكاياته مشهورة، وللناس فيه أقوال كثيرة، وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب، ثم قصد الناس تمليك كابي، فامتنع من ذلك، وقال: بل التمسوا رجلًا من بيت الملك، فالتمسوه، فوجدوه أفريدون (٥)، وكان قد استخفى من بيوراسب فملكوه عليهم، وصار كابي من جملة أعوانه. واستقر في الملك أفريدون ابن أثفيان، وتبرك الفرس بذلك العلم الكابياني، فحملوه وهو المسمى بالدرفس. وقد تقدم ذكره، ولما استقل أفريدون تبع بيوراسف فأدركه عند جبل دبناوند (٦) فقتله، وهو الأقرب، وأحسن أفريدون السيرة ورد المظالم وبعض الفرس يزعم أن افريدون هو إبراهيم الخليل، وأن بيوراسب هو النمرود كما تقدم وليس بشيء. وسمي كي أفريدون، وهو أول من يسمى كي، وهي كلمة أراد بها التنزيه، ومعنى الروحاني، والمتصل بالروحانية. ويقال: إنه أول من ذلل الفيلة، وقاتل بها الأعداء، والهند تمنع هذا وتكذب قائله، وكان لأفريدون ثلاثة أولاد هم: سلم (٧)، وطوخ، وإيرج، وقيل: في إيرج إن اسمه إيوان، فخشي أفريدون

стр. 8519

خلافهم بعده، فقسم الملك بينهم، فجعل السلم الروم والشام وما يليه، إلى نهاية المغرب. وجعل لطوخ الترك والصين وما يليهما، وجعل لا يرج العراق وفارس وخراسان وما يليهما إلى نهاية الهند، وفي ذلك يقول الشاعر (١): [من الرمل] وقَسَمْنا مُلْكَنا في أرضِنا (٢) … قِسْمَةَ اللَّحْمِ على ظَهْرِ الوَضَم (٣) فجعلنا الروم والشامَ إلى … مغرب الشمس إِلى المَلَكِ سَلَم (٤) ولطوخ جُعل الترك لهُ … وبلاد الصين يحويها القسم (٥) ولإيران أخذنا (٦) عنوةً … فارس الملك وفزنا بالنعم فلما مات أفريدون وثب سلم (٧) وطوخ بأخيهما إيرج وهو إيران فقتلاه وملكا الأرض بينهما، ثم نشأ لأيرج بن أفريدون بن يقال: له منوجهر (٨)، وقيل إنما هو ابن بنت أفريدون على ملك ابنه إيران ونزعه واستقل منوجهر المذكور بملك أبيه العراق وفارس وخراسان وضرب (٩) بينه وبين ابن طوخ ملك الترك حروب، ثم ظفر منوجهر. وأخذ ثأره منهما، ويقال: إنَّ في أيامه كان ظهور موسى، ثم مات وغلب عليه ملك الترك على إقليم بابل اثني عشرة سنة وأكثر الفساد، وخرب البلاد، وطم الأنهار، ودفن القنى وقحط الناس، ثم ظهر زد (١٠) ابن طهماسب فأخرجه عن بلاد فارس إلى تركستان وملك زد بن طهماسب، وقيل اسمه زد وقيل زاع، وقيل زاب وقيل راسب وهم من ولد منوجهر. وبينه وبين منوجهر آباء، فلم الشعث وعمر ما دثر، ويقال: إنه أوّل من نوع الأطعمة، وقسم الغنائم. ثم ملك بعده كرشاسب (١١) بن اشناس وأمُّه من سبط بنيامين بن يعقوب عليه

стр. 8520

السلام. وكان مسكنه ببابل. وبعض المؤرخين لم يذكروه. قال ابن مسكويه (١): إنه كان وزيرا لزو وأنه من ولد طوخ بن أفريدون، ثم ملك بعده كيقباذ (٢) بن زو وكان (٣) إقامته ببلخ. وملك بعده ابن ابنه كيكاوس (٤) بن كينة بن كيقباذ، ولما ملك سكن بلخ وشدد على أعدائه، وولد له ابن لم ير مثله في عصره حسنا وتمام خلق فسماه سياوخش. وضمه إلى رستم بن دستان فشغفت به امرأة أبيه. وانكشف أبوه على أمره (٥) معها فخاف عاقبة أبيه فتلطف له رستم حتى جهزه أبوه إلى حرب أفراسياب ملك الترك، فلما لاقاه طلب سياوخش منه الأمان ولحق بأفراسياب، فأكرمه وزوجه بابنته، ثم بدا لأفراسياب فقتله، وكانت ابنته قد اشتملت على حمل من سياوخش، فأراد إسقاطه وتحيل لذلك فما قدر. ثم وضعت ولدا سمته كيخسرو، واستترت (٦) أم الولد، ثم احتال جده لأبيه كيكادس حتى أخرج ذلك الصبي وأمه من بلاد الترك إليه. وللفرس (٧) في أمر كيكاوس (٨) خرافات كثيرة فمنهم من يزعم أنه سليمان بن داود ﵉، ومنهم من يقول أنه صعد إلى السماء، ومنهم من يقول إن الشياطين مسخته وأما جمهور النقل فهو أن كيكادس احتجب وآثر الخلوة، ففسد عليه ملكه وغزته الملوك، ثم (٩) مات فملك بعده ابن ابنه كيخسرو بن سياوخش بن كيكاوس. وفي أيامه كان سليمان ﵇، وأغزى جنوده أفراسياب، واقتتلا وغلب كيخسرو على أفراسياب، وقتل إصفهذه المرشح للملك بعده، وجماعة من إخوته وأولاده. وأسر برون قاتل سياوخش. ثم أتى كيخسرو موضع الملحمة وتلقاه مقدم جيشه جوذرز فقتل قاتل أبيه. ثم أتى الخبر إلى أفراسياب بوصول كيخسرو فخرج إليه في

стр. 8521

جيوش عظيمة، فهابه كيخسرو، وظنّ أَنَّه لا قِبَلَ لَهُ به. ثم تلاقيا، ودام القتال بينهما أربعة أيام، فقتل مقدم عسكر أفراسياب، وكانت الدائرة على الترك، وانهزم أفراسياب، واتبعه كيخسرو حتى أدركه بأذربيجان وظفر به وأوثقه بالحديد، ووبَّخه على فعله بأبيه ثم ذبحه، على ما يقال. ويقال: إنه لم يظفر به، وإن أفراسياب إنما مات بعد ذلك ثم رجع كيخسرو وتزهد واقام في الملك كهراسف، وهو كهراسف بن كياوجان بن كيمنش (١)، وهو ابن أخي كيكاوس وهو ممن يلقب بكي، وهو باني بلخ. وكان بعيد الهمة، تؤدي إليه الملوك المجاورة له الأتاوة. ثم اعتزل الملك، ونصب ابنه بشتاسف (٢) وهو ممن تلقب بكي، وكان بخت نصر من عمال أبيه ثم من عماله، وحديثه مشهور لا حاجة بنا إلى ذكره، وعمر بشتاسف مدينة نسا، واعتنى ببسط ديوان الرسائل وزاد في تقنين الدواوين. وظهر في أيامه زرادشت (٣) وأراده على قبول دينه، فامتنع ثم قبل دينه وأتاه بكتاب الزند (٤) فوضعه باصطخر ووكل به الهرابذة (٥)، ومنع من تعليمه العامة، وبنى في حدوده المصاقبة للهند بيوتًا للنيران، وهادن ملك الترك، ثم وقع بينهما وخرجا للقتال واقتتلا، فكانت الدائرة على الترك، ثم نشأ ابنه اسفنديار، وغزا الترك وأنكى فيهم، وعظم قدر اسفنديار وعلا صيته، ثم قتل ولم يشغل بالملك، وإنما ملك بعد بشتاسف ابن ابنه أردشير بهمن بن اسفنديار ابن يشتاسف (٦)، وتفسير بهمن بالعربية: الحسن النية، واتسعت ممالكه، ونفذت أوامره، وبنى بهمنينا بالسواد وكان كريمًا متواضعًا، وكانت تخرج كتبه: من أردشير بهمن عبد الله، وخادم الله

стр. 8522

والسائس لأمركم. ويقال: إنه غزا رومية الداخلة. ومن المؤرخين (١) من يقول: إنه هو الذي جهز بخت نصر. وملك بعده ابنته جماز زهرازاد (٢)، وهي المسماة جماني أم ابنه دارا الأكبر، وكانت حماني بنت أردشير بهمن قد حملت من أبيها فدبرت الملك إلى أن كبر ابنها ثم ملك وهو دارا الأكبر، ونزل بابل وبنى دارا بجرد، ورتب دواب البريد. ثم ملك بعده ابنه دارا بن دارا (٣)، وكان حقودا جبارا، وغزاه الإسكندر بن فيلبس، الإسكندر اليوناني. وخان دارا أصحابه فقتلوه، وخبره معروف. وتقدمت إليه الإشارة، وسنذكره إن شاء الله عند ذكر الإسكندر بأبسط من هذه العبارة، ثم استقل الإسكندر بملك فارس مع الروم ثم ملك ملوك الطوائف برأي أرسطو (٤) حتى لا تجتمع لهم كلمة، فلما اقتسموا الممالك تفرقت كلمتهم، فأمنت الروم غائلتهم. ذكر ملوك الطوائف (٥) فمنهم أشك (٦) بن دارا الأكبر، وكانوا يعظمونه ويبدأون باسمه إذا كتبوا إليه إجلالا له من غير طاعة له، وكان مقيما بسواد العراق وغلب على عامل الروم فعظمته ملوك الطوائف لهذا.

стр. 8523

ومنهم: جوذرز بن أشكان (١)، وهو الذي غزا بني إسرائيل المرة الثانية بعد قتلهم يحيى بن زكريا ﵉، وكان من سنّة الفرس بعد الاسكندر أن تعظم من ملك بلاد الجبل، وهم الاشفانية وأولهم أشك بن أشكان. ثم ملك بعده أخوه سابور (٢)، وفي أيامه ظهر المسيح. ثم ملك جوذر بن أشافنا (٣) الأكبر ثم ملك بيزن (٤) ثم ملك جوذرز ثم ملك كسرى (٥)، ثم ملك بلاش (٦) ثم ملك أردشير بن بابك وهو أول ملوك الساسانية وهو الذي جمع الملك، وسيأتي ذكره. وفي أيام ملوك الطوائف اصطلمت طسم وجديس على ما هو مذكور (٧)، وكانت مدة ملوك الطوائف إلى أن وثب أردشير وجمع الملك مائتي سنة وستًا وستين سنة (٨). ذكر أخبار الملوك الساسانية (٩) وهم الفرس الأخر، وأوّل من ملك منهم هو أردشير (١٠) بن بابك الأصغر. وكان من أعظم ملوك الطوائف، ووثب على الملك واستولى عليه وكتب إلى ملوك الطوائف كتابًا مَضْمُونُه (١١): بسم الله الرحمن الرحيم من أردشير المستأثر دونه بحقه المغلوب على تراث آبائه

стр. 8524

الداعي إلى قوام دين الله وسنته المستنصر بالله الذي وعد المحققين (١) بالفلج (٢) وجعل لهم العواقب، إلى من بَلَغَهُ كتابي من ملوك الطوائف سلام الله عليكم (٣). بقدر ما تستوجبون بمعرفة الحق وإنكار الباطل والجور، ودعاهم إلى الطاعة، فمنهم من أقر له بالطاعة، ومنهم من تربَّص حتى قدم عليه، ومنهم من عصاه، فكانت عاقبة أمره إلى القتل والبوار (٤) حتى استوس (٥) له الأمر، وكانت الاشفانية ممن امتنعت فحلف ألا يبقي منهم أحدًا، فلما غَلَبَ عليهم وجد فيهم ابنة ملكهم وكانت بارعة الجمال وافرة العقل، فقال لها: أنت من بنات ملوكهم؟ فقالت: بل من خدمهم. فاصطفاها لنفسه، فحملت منه. فلما حملت منه شهرت نفسها، وقالت: أنا ابنة ملكهم، فأمر شيخًا يثق به اسمه جَبْذ (٦) بأن يودعها بطن الأرض إشارة إلى قتلها. فقالت له: أيُّها الشيخ إني قد حملت من (الملوك) (٧)، فلا تبطل زرعه، فعمل لها سربًا تحت الأرض جعلها فيه، ثم عهد إلى مذاكيره فجبَّها ووضعها في حق وختم عليه، ورجع إلى الملك. وقال: امتثلت أمر الملك. ودفع إليه الحق فقال: ما هذا؟ قال: إِنَّ لي فيه وديعة، وأحبّ أن يكون عند الملك إلى أن يحتاج إليها. فأخذ الملك الحق، وأمر بالاحتفاظ به. وأقامت الجارية في السَّرْب حتى وضعت ولدًا ذكرًا سماه الشيخ شاه بُور (٨) أي ولد الملك. وعمر أردشير دهرًا ولم يولد له، فرآه الشيخ حزينًا فقال له: ما هذا الحزن سرَّك الله أيها الملك وعمرك، فقال: من أجل أنه ليس لي ولد يرث ملكي فقال له الشيخ: إنَّ لك عندي ولدًا طيبًا فأدع بالحق، فأمر به فأحضر، وفض ختمه فإذا فيه مذاكير الشيخ (وكان فيه الحديث) (٩) أَنَّهُ جبّ نفسه حتى لا يجد عائب إلى عيبه سبيلًا، فسُرَّ أردشير بذلك، وأمر بإحضار الغلام بين مائة غلام من أقرانه في مثل شبهه وزيِّه، ففعل ذلك، ثم دخلوا عليه، فعرفه أردشير من بينهم، وقبلته نفسه، ثم أمرهم ان يلعبوا بالصوالج (١٠).

стр. 8525

في حجرة الإيوان فدخلت الكرة الإيوان فأحْجَمَتْ الغُلمان عن دخوله، ولم يُحجم شابور بل دخل، فأخذ الكرة، فقال أردشير: هذا ابني حقًا. ثم أمر فعقد له التاج، ثم هلك، وملك بعده ابنه شابور، والناس تقول: سابور بالسين المهملة، والعرب تسميه سابور الجنود، وهو الذي حصر الفيزن (١) وملك الحصن وهو من مباني العرب المشهورة، وفي أيامه ظهر ماني (٢) الزنديق. تلميذ قادرون. ثم هلك وملك بعده ابنه هرمز (٣)، وتسمى هرمز البطل، ويسمى هرمز الجريء وبنى رام هرمز من كور الأهواز (٤). ثم هلك وملك بعده ابنه بهرام (٥)، وأجاب ماني الزنديق إلى القول بالثنوية احتيالًا عليه حتى حضر ماني دعاته، فلما اجتمعوا قتلهم وقتل ماني وسَلَخَهُ، وهذا ماني قبل الزنادقة لكل مارق في الدين؛ لأنهم كانوا إذا أتاهم أحد زيادة على كتاب الزند سموه زنديًّا، فأطلقت (٦) العرب هذا الاسم على من اعتقد العدم وأنكر المعاد. ثم هلك وملك بعده ابنه بهرام بن بهرام (٧). وكان قد لعب في أول ملكه ثم صلح. ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام (٨)، وكان يدعى شكان شاه وهي شاه شاه (٩). أي ملك الملوك.

стр. 8526

ثم هلك وملك بعده أخوه نرسي (١) بن بهرام بن بهرام. ثم هلك، وملك بعده ابنه هرمز (٢) بن نرسي، وكان فظا، إلا أنه يرفق بالرعية. ثم هلك وملك بعده ابنه سابور (٣) الذي يقال له: ذو الأكتاف، وكان هرمز قد تركه حملا فعقد له التاج وهو في بطن أمه، فقامت (٤) به الوزراء، فطمعت (٥) الملوك المجاورة في مملكته. وكانت ملوك العرب أشدهم طمعا لقرب المجاورة (٦). واستولت إياد بن نزار على سواد العراق، وقيل: طبق لإطباقها على البلاد. وكان ملكها الحارث بن الأغر الإيادي، فلما ترترع سابور بعث الوزير ليعرض عليه الأمور (٧). فلما أكمل ستة عشر (٨) سنة غزا العرب. وكان في جيشه رجل منهم اسمه لقيط (٩)، فكتب إلى إياد ينذرهم: [من الوافر] سلام في الصحيفة من لقيط … على من بالجزيرة من إياد (١٠) فإن الليث يأتيكم دلافا (١١) … فلا يحبسكم سوق النقاد

стр. 8527

أتاكم منهم سبعون ألفًا (١) … يزجون المكاتب (٢) كالجراد فلم يعبأوا بكتابه، فأتاهم سابور، وظفر بهم، وعمهم بالقتل ولم يفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض دبار (٣) وخَلَعَ سابور أكتاف كثير منهم، فقالوا: ذا الأكتاف، ثم سار سابور إلى الروم، ففتح مدنًا، ثم دخل (٤) متنكرًا إلى القسطنطينية فصادف وليمة لقيصر، فدخل في جملة الناس، وجلس على بعض موائدهم، وكان قيصر قد أمر مصورًا أتى عسكر سابور فرآه وصوّره، وأتى بالصورة إلى قيصر، فأمر بها فصورت على آنية الشراب، فأتى بعض الخدم بكأس ثم جعل ينظر إلى سابور وإلى الصورة التي على الكأس، فرآها تتشاكل، فأعلم قيصرًا بالخبر فأحضره وسأله عن خبره، فقال: أنا من أساورة سابور، وهربت منه لأمر خفته، فقدَّمه إلى السيف، فأقرّ بنفسه، فجعل في جلد بقرة، وسار قيصر في جنوده حتى توسط العراق، وشنّ الغارات، وعقر النخل، وانتهى إلى مدينة سابور (٥) وقد تحصن فيها وجوه فارس، فنزل بها، ثم حضر عيد النصارى فأغفل المتوكلون بسابور أمره، وأخذ منهم الشراب، وكان بالقرب منه أسارى من الفرس، فكلّمهم، فحلّ بعضهم بعضًا، ثم صبّوا عليه زقاق الزيت، فلان عليه الجلد، وتخلّص، وأتى المدينة، فكلّمهم، فرفعوه بالحبال، ففتح خزائن السلاح، وخرج على الروم فكبسهم، فانهزموا، وأتي بقيصر أسيرًا، فأبقى عليه، وضم إليه من أسر من أصحابه، وأخذهم بغرس الزيتون بالعراق بدلًا عما عقروه من النخل، ففعلوا، ولم يكن قبلها بالعراق زيتون. وفي ذلك يقول بعض شعراء الفرس (٦): [من البسيط] فوكانَ سابورُ صَفْوًا في أرومَتَهَ … أُختير عنها فأضحى خير مُختار (٧) إذ كان بالروم جاسوسًا يطوف بها … وليس يحفل فيها كيد مكار (٨)

стр. 8528

فاستأسروه وكانت كبوة عجبًا … وزلّةً سبقت من غير عثار وأصبح الملك الرومي مغتزيًا (١) … أرض العراق على هول وأخطار فراطن الفرس بالإيوان (٢) فافترقوا … كما تجاوب أسد الغاب بالغار فجَدَّ بالسيف أصل (٣) الروم فامتحقوا … لله درُّكَ مِنْ طلاب أوتار إذ يغرسونَ مِنَ الزيتون ما عضدوا … مِنَ النخيل وما حفوا بمنشار وهذا سابور هو الذي بنى الإيوان المعروف بإيوان كسرى (٤)، وبني السوس والكرج وجدد بناء نيسابور، وبنى بالسواد مدينة نرجس (٥) سابور، وبني الأنبار، ومدائن أخرى بالسند وسجستان. ونقل طبيبًا من الهند فأسكنه السُّوس، فورث طبه أهل السوس. ثم هلك وملك بعده أخوه أردشير بن هرمز (٦)، وكان شريرًا فخلع، وملك بعده ابن أخيه سابور (٧)، وهو سابور بن سابور، وكانت له حروب مع إياد وغيرها، ثم سقط عليه فسطاط فمات. وملك بعده أخوه بهرام (٨) بن سابور، وهو الملقب كرمان شاه، لأن أباه ولاه كرمان ثم هلك وملك بعده ابنه يزدجر (٩) بن بهرام، ويعرف بالأثيم، وكان ذميم الصفات وزعم الفرس أنه كان ذات يوم مطلعًا من قصره، إذ رأى فرسًا عابرًا لم ير مثله قط في الخيل حتى وقف على بابه، فعجب الناس له، فأمر يزجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه. فحاول السواس ذلك منه فعجزوا عنه، فخرج يزدجرد وتقدم إليه فأسرجه وأَلْجَمَهُ ولببه وهو لا يتحرك، فلما رفع ذنبه ليثفره (١٠)، رمحه على فؤاده فهلك.

стр. 8529

ثم لم ير للفرس بعد ذلك. وكان ابنه بهرام جور في حجر النعمان بن المنذر بن ماء السماء، فعدل عنه الفرس لكراهيتهم (ركبه) (١) وملكوا عليهم كسرى من عترة ساسان، فاستعان بهرام جور بالعرب، وأرسل يعلم الفرس بإنكاره لسيرة أبيه، ووعدهم بإصلاح ما فسد، وأنه إن مضى لرسنه (٢) ولم يف لهم يبرأ من الملك طائعًا، فمال إليه قوم وبقيت طائفة مع كسرى، فأجمعوا رأيهم أن يضعوا التاج على التخت بين أسدين مشبلين فمن تناوله فهو الملك، وكان بهرام جور شجاعًا بطلًا، فلما وقف هو وكسرى إلى جانب الأسدين هابهما كسرى، فوثب بهرام جور فجازهما ولبس التاج، وصعد التخت وحازهما. وزعم (٣) الفرس أنه لما وثب ركب ظهر الأسد وعصر جنبيه بفخذيه فلما تمكن منه قبض على أذنيه، ولم يزل يضرب رأس الأسد برأس الآخر حتى قتلهما. وهذا بعيد وقوعه. وملك بهرام جور بن يزدجرد فأحسن السيرة، وغبر على هذا زمانًا، ثم آثر اللهو (٤)، وكثرت خلواته بأصحاب الملاهي فطمع من حوله من الملوك فيه، وخرج إليه خاقان ملك الترك في مائتين وخمسين ألفًا، فهال الفرس جمعهم، فدخل عليه عظماء دولته ونبهوه، فبقي يجيب القوم بأن يقول: الله ربنا قوي، ونحن أولياؤه، ثم أقبل على ما هو عليه من اللهو والصيد مُدِلًا ببأسه، ثم أظهر أنه يريد أذربيجان ليتنسك في بيت نارها، ويتوجّه منها إلى أرمينية يتصيّد في آجامها، وسار في سبعة من عظماء الفرس أهل البيوتات، وثلثمائة من رابطته ذوي بأس وشدّةٍ، فما شك الناس أنه هرب من خاقان، واهتمت الفرس ثم أرسلت إلى خاقان ببذل الطاعة له وتقرر الأتاوة عليهم، وسمع بذلك خاقان، فاطمأنّ، وسار بهرام جور مُخفًّا، وقارب خاقان ( … ... … ) (٥) لا يشعر به وبيته وهجم عليه فقتله بيده، وعلمت الأتراك بذلك فانهزمت، لا يلؤون على شيء، فأكثر بهرام جور فيهم القتل، وأمْعَنَ في طلبهم، وغنم غنائم لم يُسمع بمثلها. وكان مما غنمه تاج خاقان وأكليله، وغلب على بلاد الترك، وعاد بما

стр. 8530

غنم. لم يسمع بمثلها، وكتب إلى أهْلِهِ بملكه يعلمهم بما حصل له على قلة من كان معه. وقال بهرام جور (١)، وكان يتكلم بلغات كثيرة منها العربية: [من الطويل] أقولُ لهُ لما فَضَضْتُ جموعَهُ … كأَنّكَ لم تسمع بصولات بهرام وأني حامي مُلْكِ فارس كلّها … وما خيرُ مُلْكِ لا يكون له حامي ومن شعره (٢): [من المتقارب] لقد علم الأنام بكل أرض … بأنهمو قد أضحوا لي عبيدا ملكت ملوكهم وقهرتُ منهم … عزيزهُمُ المسود والمسودا فتلك أسودُهُمْ تبغي (٣) حذاري … وترهب في مخافتي الورودا وكنتُ إذا تشاوس سَ (٤) مَلْكُ أرضِ … عباتُ له الكتائب والجنودا فتعطيني المقادةَ أو أوافي … به يشكو السلاسل والقيودا ثم بعث بهرام جور أحد قواده إلى ما وراء النهر، فغزاهم، فأقروا له بالطاعة (٥) وأداء الجزية، ثم إنه أسقط خراج بلاده ثلاث سنين، وما كان قد تأخر من قسط تلك السنة، وهو سبعون ألف ألف درهم، وفرق في أهل البيوت والأحساب عشرين ألف ألف درهم، ونحل بيت النار بأذربيجان جميع ما غنمه من الترك من اليواقيت والجواهر والتاج والإكليل، ثم (٦) دخل الهند متنكرًا، وحضر بين يدي ملكه وهو لا يعرفه، وأظهر قدامه عجبًا من شجاعته في حرب كانت قامت بين ملك الهند وبين عدو له، ثم عرفه بنفسه، فزوجه ابنته وأقطعه السند ومكران والدبيل وأشهد له بذلك، ثم كان خراجها يحمل إليه. ثم أغزا (٧) قائدًا له القسطنطينية فدخلها وهادن ملك الروم على إتاوة قررها عليه، ثم دخل بهرام جور اليمن وجاز إلى بلاد السودان، فأوقع بهم، ثم عاد إلى مملكته.

стр. 8531

ثم توجه إلى الصيد، وشدّ على حمار وحش وأمعن في طلبه، فارتطم فرسه به في ماء سبخة فغرق وتوجهت أمه وأنفقت مالًا عظيمًا على إخراجه فما قدرت (١). وملك بعده ابنه يزدجرد (٢)، وسار بسيرة أبيه، ثم هلك فملك بعده ابنه هرمز (٣)، وقهر أخاه فيروز، وخرج فيروز هاربًا منه فاستنجد بملك الهياطلة (٤) فجاء إليه بجيش طخارستان وطوائف خراسان، وقاتله وظفر به فحبسه، وملك فيروز بن يزدجرد وأظهر العدل، وكان يتديّن إلا أنه توالى القحط (٥) في زمانه سبع سنين، فأحسن فيها إلى الناس، وقسم فيهم بيوت الأموال حتى يقال: إنه لم يهلك من رعيته في تلك السنين من المجاعة إلا رجل واحد، ثم أغيث الناس في السنة الثامنة، فأخذ في غزو أعدائه، ثم غزا الهياطلة لأمور نقمها عليهم، منها أنهم كانوا يفعلون فعل قوم لوط، وأعملوا حيلة (٦) اغترّ بها فيروز، فدخل إلى مفاوز معطشة فهلك أكثر من معه، ثم صالح ملك الهياطلة، ثم غَدَر وقصدهم، فخرجوا إليه، ثم احتفروا خندقًا عظيمًا، وغطوه بخشب ضعيف، وألقوا عليه التراب، ثم ارتحلوا عنه غير بعيد فلما مروا عليه تردّى فيروز وعامة جنوده في الخندق فهلكوا وملك بعده ابنه بلاس (٧)، وكان كثير العمارة. ثم هلك وملك بعده أخوه قباذ (٨) بن فيروز، وكان (٩) قد سار يستنصر بخاقان على أخيه، ومرّ بقرية فتزوج فيها بابنة رجل من الأسورة، فحملت منه بأنوشروان، فلما عاد

стр. 8532

وملك أتى بها وبابنه، ففرح بهما، وبنى مدنًا منها حلوان. وظهر في أيامه مزدق (١) تقال بالقاف، وتقال بالكاف، وتفسيره جديد الملك وإليه تضاف المزدقية. ويقال لهم العدلية، وتبعه قباذ الملك، وكان قول مزدق بأن لا تملك الفضول في النساء والأموال، فثار معه السفلة حتى كانوا يدخلون معه على الرجل في داره فيغلبونه على ما فيها من ماله ونسائه، وعمّ الضرر واجتمعت الفرس على خلع قباذ، فخلعوه، وملكوا عليهم جاماسف بن فيروز، فحبس أخاه قباذ ثم تحيل (٢) قباذ حتى هرب ولحق بملك الهياطلة يستنجده، ويقال إنه في هذه المرة تزوج بأم أنوشروان بأبرشهر وهذا خلاف القول الأول، وقام قباذ ست سنين عند ملك الهياطلة، ثم عاد قباذ بن فيروز المذكور آنفًا بجيوش، وأستتب له الملك، ووجد عظيمًا من الفرس اسمه ابن ساجورا (٣) قد قتل مزدق فقتله به، وقيل إنما قتل مزدق أنوشروان فيما بعد، ثم غزا قباذ الروم وفتح آمد. ثم أدْبَرَ ملكه لسوء معتقده، ووقع بينه وبين الحارث بن عمرو الكندي، وكان الحارث قد قتل النعمان، وانتقل إليه ملكه، فبعث إلى تبع باليمن وأطمعه في ملك الفرس، فخرج إليه، وشقّ نهر الحيرة، ونزل عليه، ووجّه ابن أخيه شمرًا ذا الجناح إلى قباذ فهزمه شمر ذو الجناح إلى الريّ. ثم أدركه فقتله (٤). وملك بعده ابنه كسرى أنوشروان (٥)، وكان من أشهر ملوكهم، وافر العدل، حميد الرأي دقيق النظر، فجدّد سيرة أردشير، وعمل بها، وقتل المانوية وثبت المجوسية الأولى، وولد في أيامه سيدنا رسول الله ﷺ وقال: ولدت في زمن الملك العادل، وقد تقدم ذكر ذلك. وأحوال أنوشروان مشهورة فلهذا اختصرناها. ثم هلك وملك بعده ابنه هرمز (٦)، وكان جميل السيرة محمود الأثر، وآل أمره إلى أن خُلع وسُمِل، وكان قد خرج عليه بهرام جوبين، (٧)، وليس هو من بيت الملك،

стр. 8533

وجلس على تخت الملك، وكان بروبز بن هرمز قد أُقيم بعد أبيه، وسار هو وجوبين متسابقين إلى المدائن، ثم تلاقيا على النهروان وهزم برويز، فاستشار أباه أين يقصد؟ فأشار إليه بالمصير إلى الروم، فسار، ورجع قوم ممن معه، فقتلوا أباه هرمز، وأما برويز، فإنه أخذ على الفرات على طريق المفازة، فنزل ببعض الديارات لأخذ الراحة، فوافت إليه خيل بهرام جوبين، فأشار عليه بندويه أحد أصحابه بأن ينجو بنفسه ويدعه والخيل. فنجا برويز ودخل بندويه في جميع أصحاب فيروز الدير، وأغلقوا بابه، ثم أطلع بندوية رأسه إلى عسكر جوبين، وقد أطافوا بالدير، وقال لهم: امهلوني إلى بكرة غد وأنا أصير معكم إلى الملك بهرام جوبن فظنوه برويز (١)، وباتوا يحرسونه إلى الصبح، فلما أصبح استمهلهم إلى آخر النهار، وكان قصده أن يكون برويز قد أبعد، فلما كان آخر النهار فتح الباب. ونزل إلى جيش بهرام وأعلمهم بأمره، فعلموا أن الحيلة قد تمت عليهم حتى ذهب برويز، فأمسكوا بندويه، وأتي به إلى جوبين، فحبسه. وأما ما كان من برويز، فإنّه أتى ملك الروم، ولم يزل يلاطفه حتى زوجه ابنته وأمده بالجيوش ونصره على جوبين، واستقل برويز بن هرمز المذكور آنفًا بالملك، وهرب جوبين إلى بلاد الترك، وأعمل عليه ابرويز الحيلة بمهاداة ابنة ملك الترك حتى قتل، ثم مات ملك الروم، وجرت بين ابنه وبين برويز أمور يطول شرحها، وكان في أيام برويز يوم ذي قار (٢). ثم تسلّط عليه ابنه شيرويه، لامتداده في الظلم، وسجنه تحت الأرض، ثم وثب عليه قوم فقتلوه بغير علم شيرويه. والمضي ثمان وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يومًا من ملكه كانت الهجرة الشريفة النبوية من مكة إلى المدينة. ثم ملك بعده ابنه شيرويه (٣)، وهو قباذ، وهلك بعد أبيه بثمانية أشهر (٤)، ثم ملك بعده ابنه أردشير، ثم قتل وملك بعده شهربران (٥)، ولم يكن من بيت الملك، ثم

стр. 8534

قتل هو وجماعة ممن ساعده على قتل أردشير والملك بعده. ثم ملك بعده بوران دخت بنت برويز (١)، فأحسنت السيرة. وردت خشبة الصليب على ملك الروم. ثم ملك رجل اسمه جشندة (٢) ابن عم برويز، وقيل: إنما ملك يزدجرد بن أنوشروان، وكانت المدة شهرا واحدا أما لهذا أو لهذا، ثم ملك (٣) أرزي دخت بنت كسرى (٤)، وكانت أجمل نساء دهرها، وكان عظيم فارس يومئذ فرخ هرمز فأرسل يسألها التزويج (٥)، فقالت التزويج للملكة لا يجوز، ولكن صر إلي ليلة كذا. وأمرت صاحب حرسها بقتله إذا جاء، فلما جاء قتله، فسمع بهذا ولده رستم بن فرخ هرمز، وهو المحارب للمسلمين نوبة القادسية، وكان هو وأبوه من عظماء (الهالوين) (٦)، وفرسان الفرس، أقبل في جيش عظيم حتى نزل المدائن. وقبض على أرزمي دخت وقتلها، واختلف فيمن ملك بعدها، فقيل رجل من عقب أردشير كان ينزل الأهواز اسمه كسرى (مهر) (٧)، ثم قتل بعد أيام، وقيل رجل كان يسكن بيسان اسمه فيروز، كان عظيم الهامة. فلما لبس التاج قال: ما أضيق هذا التاج فتطير العظماء من قوله، فقتلوه، ثم أتى رجل آخر من ولد برويز كان قد لجأ إلى نواحي نصيبين اسمه فرخ باد خسرو (٨)، فانقاد الناس له طوعا زمانا يسيرا، ثم استعصوا عليه، وكان أهل اصطخر قد بلغهم اضطراب

стр. 8535

الأمر، وكان قد لجأ إليهم يزدجرد (١) بن شهريار بن برويز خوفًا من شيرويه، فجاؤا إليه وهو في بيت نار أردشير، فتوّجوه هناك وملكوه، وكان حدثًا، فأقبلوا به إلى المدائن، وقتلوا فرخ باد خسرو بحيل احتالوها عليه. وملك يزدجرد بن شهريار بن برويز بن كسرى أنوشروان بن بهرام بن يزدجرد بن سابور بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك، وكانت (٢) الوزراء وعظماء المملكة يدبّرون أمره لحداثة سنّه، وهو آخر ملوك الفرس، وبموته ماتت مملكتهم، وانقرضت دولتهم، وكان مقتله في خلافة عثمان بن عفان ﵁، لسبع سنين خَلَتْ منها، وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة. وكانت مدة ملكه عشرين سنة، إلا أنه كان في غالبها شريدًا طريدًا لاستيلاء الإسلام على بلاده مدة أيام عمر بن الخطاب ﵁. وصدرًا من الخلافة العثمانية بعده، فعدة (٣) ملوك الفرس الأول والساسانية اثنان وخمسون ملكًا، منهم ثلاث نساء. فالفرس الأول عشرون ملكًا وامرأة واحدة. والفرس الثانية، وهم الساسانية اثنان وثلاثون ملكًا، منهم امرأتان وقال بعض المؤرخين، كانوا ستين ملكًا، ومدة ملكهم أربعة آلاف سنة وسبعون سنة (٤)، الأولى ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستة وعشرون سنة وأشهرًا. والثانية ستمائة وخمسة وسبعون سنة وأشهرًا. ذكر أخبار ملوك اليونان (٥) واختلف فيهم الناس، فقائل: هم من الروم، من ولد إسحاق ﵇. وقائل: هم أولاد يونان بن يافث بن نوح. وقائل: بل هم من ولد آراش بن باران (٦) بن سام بن نوح. وذهب المسعودي، والكندي (٧) إلى أنهم من يونان أخي قحطان من ولد

стр. 8536

عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. وقد ردَّ الناشيء (١) على الكندي قوله: فقال: [من الطويل] أبا يوسف إني نظرتُ فلم أجد … على الفحص رأيًا صح منك ولا عَقْدا وصرت حكيمًا عند قومٍ إِذا أمرؤ … بلاهُم جميعًا لم يجد عندهم عهدا (٢) أتُقْرِنُ إلحادًا بدين مُحمدٍ … لقد جئتَ شيئًا يا أخا كندة إِذا وتخلط يونانًا بقحطانَ ظَلَّةٌ (٣) … لَعَمْرِي لقد باعدت بينهما جدا ولما كثر ولد يونان خرج وطلب موضعًا يسكنه، فأتى إلى موضع من الغرب من جهة الشمال فأقام به هو ومن معه، وجعل وصيّته إلى ولده الأكبر جرنيوس (٤) فغلب على بلاد مما حوله. وقال بطليموس (٥): إن أول من ملك منهم فيلبس، وقيل بالصاد، وقيل: فليقوس (٦)، والأول أشهر. ثم ملك بعده ابنه الاسكندر ذو القرنين، وهو صاحب الخضر والله أعلم، وهو الذي قتل دارا بن دارا وغلب على ملك الأرض، وأحواله معروفة، فلا حاجة إلى ذكرها (٧). ولما توفي جعل في تابوت من الذهب، واجتمع الحكماء (٨). فقال الأول: قد كان الاسكندر يكنز (٩) الذهب، وقد أصبح اليوم يكنزه (١٠) الذهب. وقال الثاني وقد رأى الناس يبكون حوله: لقد حركنا الاسكندر بسكونه. وقال الثالث: قد كان الاسكندر يعظنا في حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وقال الرابع: لقد جاب الاسكندر الأرضين ومسلكها، ثم حصل منها في أربعة قوائم.

стр. 8537

وقال الخامس: انظروا إلى حلم النّائم كيف انقضى، وإلى ظل الغمام كيف انجلي. وقال السّادس: لقد أمات هذا الميت كثيرًا من الناس لئلا يموت، وقد مات الآن. وقال السّابع: ما لك لا تقل عضوًا من أعضائك، وقد كنت تستقل بملك العباد. وقال الثامن: ما لك لا ترغب بنفسك عن المكان الضيق وقد كنت ترغبها (١) عن رُحب البلاد. وقال التاسع: قد كان لا يُقدر عنده على الكلام، والآن لا يُقدر عنده على الصمت. وقال العاشر: قد كان غالبًا فصار مغلوبًا، وآكلًا فصار مأكولًا. وقال الحادي عشر: ما كان أقبح إفراطك في التّجبر أمس مع شدة خضوعك اليوم! وقالت بنت دارا بن دارا، وكان قد تزوّجها بعد قتل أبيها (٢): ما كنت أحسب أن غالب أبي يُغلَبْ. وقال الطباخ: قد نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونُصبت الموائد، ولست أرى عميد القوم. ولما مات الاسكندر عرض الملك على ابنه (٣) فأباه واختار النسك، فملك بعده عشرة ملوك، تسعة رجال وامرأة. فالأول (٤): كان شابًا حكيمًا مدبّرًا، ويقال إنه أول من اقتنى البزاة وضراها ولعب بها. والثاني: هو الذي يقال له محبّ الأخ، واسمه ينتقلوس (٥). والثالث: هو صاحب علم الفلك والنجوم وكتاب المجسطي. والرابع: هو الذي يقال له محب الأم (٦). الخامس: هو الذي يعرف بالصانع (٧).

стр. 8538

السادس: هو الاسكندراني (١). والسابع هو المعروف بالجد (٢). والثامن: هو الجوال (٣). والتاسع: هو الحرب (٤). والعاشر امرأة اسمها قلوبطرة (٥) بنت بطليموس الحرب، وكانت حكيمة متفلسفة ولها كتب مصنفة في الطب، ومات زوجها، وكان اسمه أنطونيوس، وكان مشاركًا لها في ملك مقدونيا، وهي مصر، ولما أراد الله ذهاب ملك اليونانيين أيد عليهم أغسطس ملك رومية، وكان له مع قلوبطرة (٦) وزوجها حروب كثيرة، ثم قتل زوجها وانتصر أغسطس، وأراد أن يتزوجها، فتطلبت (٧) حية تكون بين الحجاز ومصر والشام، تُراعي الإنسان ثم تقفز عليه، على عضو تعاينه، فتتفل عليه سمًا، فيموت لوقته، ولا يُعْلَم كيف مات، ثم لما كان دخول أغسطس بها، فرشت الرياحين في مجلسها، وفرقت حشمها، ثم قربت يدها إلى الإناء الذي فيه الحية، فماتت لوقتها، وأنسابت الحية في تلك الرياحين، فدخل أغسطس، فنظر إليها جالسة، وهو يظنّ أنها في قيد الحياة، فلما دنا منها تبين إنها ميتة، فنظر إلى تلك الرياحين، فقفزت عليه تلك الحية فرمته بسمها، وكان قد خفّ بالضّرب الأول، فبطل شقَّهُ الذي ضَربَتْهُ فيه، ولولا أن سمها كان قد نقص لمات، فعجب من أمرها وأمرِهِ، وكانت هذه قلوبطرة، آخر من ملك من اليونان. ذكر أخبار ملوك الشريان (٨) وقد اختلف فيهم، فقائل هم النبط، وقائل هم إخوة [يودمابين] (٩) بن نبيط قلت (١٠): وأن ( ........ ) (١١) يقول في مواضع من كتابه في الفلاحة النبطية قلنا عن معشر

стр. 8539

النبط، وقالت الجرامقة، وقلنا نحن كذا، فقالت الجرامقة لعاد أشيا في وحدهم لنا كذا (١)، والذي يظهر والله أعلم، أنه يعني بقوله الجرامقة، الديان وبهذا ظهر أنهم غير النبط، وهو الأقرب. وأول من ملك منهم (شوسان) (٢)، وانقاد له ملك الأرض. وملك بعده (بربر) (٣)، ثم ملك بعده (سماسير بن أنونا) (٤)، ثم ملك بعده (أهريمون) (٥) فخط الخطط، وكور الكور، ثم قصده رتبيل (٦) أحد ملوك الهند، وأتى له على طريق سجستان على نهر هرمند (٧)، وجاذبه نحو سنة، ثم قتل السرياني واستولى ملك الهند على المملكة، ثم دافعه ملك العراق، وأعاد ملك السريانيين إليهم، فملكوا عليهم تسبوا (٨) بن سماسير، ثم هلك فملكوا عليهم أهريمون (٩)، ثم هلك فملكوا بعده هوريا (١٠)، ثم هلك فملكوا بعده ماروت (١١)، ثم هلك فملكوا بعده أزور، وأخوه خلنجاس (١٢)، ويقال (١٣) أن أحد هذين الملكين كان جالسا ذات يوم في أعلى قصره فنظر إلى طائر قد خرج هنالك، وهو يصيح ويضرب بجناحيه، فنظر الملك إلى حية تنساب إلى الوكر لتأكل فراخ الطائر، فدعا بقوس وسهم ورمى الحية فقتلها، وسلم الفراخ، وغاب الطائر. وعاد إلى الملك بعد هنيهة، وفي منقاره حب، وفي مخلبه حب، فلما رأى الملك ألقى الحب بين يديه، فتناوله الملك، وقال: ما ألقى هذا الطائر هذا الحب، إلا لأمر قصد به مكافأتنا على ما

стр. 8540

فعلناه من خلاص فراخه، ولم نعرف ما هو ذلك الحبّ، فاستدعى الحكماء وأراهم إياه، فقال له حكيم منهم: ينبغي أن يودع بطن الأرض لينظر ما يكون منه، فأحضر الأكرة وأمرهم بزرعه، فزرعوه والملك يراعيه، حتى طلع وأزهر، وحصرم وأعنب، وهم لا يقربونه خشية أن يكون مُتْلِفًا، فأمر الملك أن يعصر ويودع الآنية، وأخرج الحب منه وترك بعضه على حاله، فلما صار في الآنية غلا (١) وقذف بالزبد، وفاحت له روائح عبقة فقال الملك علي بشيخ كبير فان، فأتي فسقاه من ذلك العصير، فلما شرب منه ثلاثًا صال وتكلّم، وصفّق بيديه، وحرّك رأسه، ووقع برجليه على الأرض، وظهر عليه الطرب والفرح، وتغنّى، فقال الملك: هذا شراب مذهب للعقل، وأخلق به أن يكون قتالًا، ألا ترون إلى هذا الشيخ كيف عاد إلى حال الصبا وقوّة الشباب، ثم أمر الملك بالشيخ فرقد وسكر ونام، فقال الملك، هلك، ثم أنه أفاق وطلب الزيادة من الشراب، وقال: لقد شربته فكشف عني الهموم والغموم، وأزال (٢) عني الأحزان، فقال الملك: هذا أشرف شراب للرجل (٣)، فكثر من غرس الكروم، واختص به دون غيره واستعمله بقية أيامه، ثم انتشر في الأرض. قلت (٤): والذي يحكى أن العنب كان مما زرعه آدم ﵇ حين أهبط إلى الأرض، وإنما استخرج الخمر في زمان نوح ﵇. وبين هذين القولين بون كثير والله أعلم أيهما كان. ذكر أخبار الملوك الكلدانيين (٥) وهم ملوك النبط وملوك بابل، وذهب أهل العناية بأخبار ملوك العالم أنهم ملوك العالم الذين مهدوا الأرض بالعمارة وأنَّ الفرس الأول إنما أخذت الملك منهم. كما أَخَذَتْ الروم من اليونان، وكان أول من ملك منهم: نمرود الجبار (٦)، وقد تقدم ذكره في أخبار إبراهيم الخليل ﵊ (٧) وذكرناه في ضمن أخبار ملوك الفرس. وإن يكن نمرود أول ملوكها وإلا فليس هو الذي ولد إبراهيم ﷺ في زمانه قطعًا؛ لأن الفرس إنما ملكت بعد ملوك

стр. 8541

النبط، والفرس من قبل زمن إبراهيم ﵇ ويزيد هذا القول تأكيدًا أن النبط تدعي أنها ملكت الأرض دهرًا طويلًا، ومدّة لا يسعه مدة ما بين إبراهيم ونبينا محمد ﷺ أن تنقضي فيه دولة النبط الكلدانيين. ثم دولة الفرس، وكل دولة مهما دامت زمانًا كبيرًا وعبرت آلاف السنين لا سيما وقد حول نمرود، وهو أول الكلدانيين، وإبراهيم ﷺ ولد في زمان النمرود، محقق، فتعيّن أن هذا النمرود ليس بذاك قطعًا. قالوا (١): ونمرود هذا هو الذي احتفر أنهار العراق، أخذه من الفرات ويقال إن منها نهر كوئ (٢) على طريق الكوفة، وهو من قصر ابن هبيرة (٣) وبغداد. ثم هلك وملك بعده أبولس (٤)، وكان عظيمًا جبارًا في الأرض. ثم ملك بعده سوسوس (٥)، ثم هلك وملك بعده كورس (٦)، ثم ملك بعده اذفرنجو، ثم ملك بعده سيهزم، ثم ملك بعده قوسيس، ثم ملك بعده انبوس (٧)، ثم ملك بعده ايلاوس. (٨) ثم ملك بعده انجلوس (٩)، ثم ملك بعده أوموس (١٠) ثم ملك بعده بعنكلوس (١١)، ثم ملك بعده ما سفر من (١٢) ثم ملك بعده رسطاليم (١٣) ثم ملك بعده اسطوس (١٤) ثم ملك بعده العداس (١٥)، ثم ملك بعده أطيروس (١٦)، ثم ملك بعده ساوساس (١٧)، ثم ملك بعده ناربنوس (١٨) ثم ملك بعده شورا أدرموس (١٩) ثم

стр. 8542

ملك بعده لعروس (١)، ثم ملك بعده طاطاوس (٢)، ثم ملك بعده لاوسيس (٣) ثم ملك بعده قرطبوس (٤)، ثم ملك بعده فروطاوس (٥)، ثم ملك بعده قراقيس ثم ملك بعده بوليس قنطروس، ثم ملك بعده هيقلس، ثم هلك وملك بعده سموجد (٦)، ثم ملك بعده، مردوج (٧)، ثم ملك بعده سنحاريب. قلت: وهو الذي غزا القدس، ثم ملك بعده متوسا، ثم ملك بعده بخت نصر (٨) الجبار وقد تقدم ذكره في ذكر ملوك الفرس، وتقدم القول إنه لم يكن ملكًا، وإنما كان مرزبانًا لملوك الفرس الأول، إلا أن يكون هذا غير ذاك. قلت: وهذا هو الأظهر؛ لأن ذاك غزا القدس بعد استخفاف بني إسرائيل بالأنبياء ﵈، ودولة الفرس كانت قبل كثرتهم ﵈، والنبط قبلهم، فتبين أن هذا ليس بذاك والله أعلم. ثم ملك بعده بيطسقر (٩)، ثم ملك بعده دارنوس (١٠)، ثم ملك بعده كسرجوس (١١)، ثم ملك بعده قرطياسة (١٢)، ثم ملك بعده فنحمسنة (١٣)، ثم ملك بعده احرست (١٤)، ثم ملك بعده سعا (١٥)، ثم ملك بعده دارنوس (١٦)، ثم ملك بعده انطجست (١٧) ثم ملك بعده اليسع (١٨). وقد قال المسعودي (١٩): وهؤلاء الملوك الذين أتينا على أسمائهم وذكرنا مدة ملكهم، هم الذين شيدوا البنيان، ومدنوا المدن، وكوّروا الكور وحفروا الأنهار،

стр. 8543

وغرسوا الأشجار، واستنبطوا المياه، وأثاروا الأرض (١) وعَمَرُوها (٢)، واستخرجوا المعادن من الحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك، وطبعوا السيوف، واتخذوا عدة الحرب (٣)، وأسسوا (٤) قوانين الحروب (٥)، ورتبوا الميمنة والميسرة، والأجنحة والقلب، وجعلوا ذلك مثال أجزاء (٦) أعضاء الإنسان، ورتبوا الأعلام (٧): فجعلوا أعلام القلب على صفة (٨) الفيلة والنسور وما عظم من أجناس الحيوان، وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع (٩)، وجعلوا الأجنحة أمثال ما لطف منها كالنمر والذئب (١٠)، وجعلوا في الطلائع كصور الحيات (١١)، وما خفي فعله من هوام الأرض، وتغلغل القوم هذه المعاني وهذا الذي ذكرناه في أخبارهم هو بعض/ ٨٥/ المشهور عنهم. ذكر أخبار ملوك الروم وهم طائفتان، الأولى والثانية. فالأولى: عباد الأصنام، وكانوا رومية، والثانية المتنصرة وكانوا بالقسطنطينية اختلف الناس في معنى تسميتهم الروم. فقيل لانتسابهم إلى مدينة رومية، واسمها بالرومية دماس (١٢)، ويؤيد هذا أن خلّص الروم يسمون أنفسهم بالرومية (١٣)، وميس (١٤)

стр. 8544

منهم من يقول: هو اسم أبيهم الأول وهو روم بن شماخلين بن هوبان (١) بن علقا (٢) بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. ومنهم من قال: إنما هو رومس (٣) بن ليسطي (٤) بن نويفل (٥) بن رومي (٦) بن الأصفر بن النفر بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهذا القول أنسب لتسميتهم لأنفسهم رومس، وهو مناسبة لتسمية من سماهم الروم. وتكون النسبة إلى رومي والأصفر. وكل هذه الأقوال تخالف قول الفرس إنه من ولد سلم بن أفريدون كما قدمنا ذكره. وهو الأظهر. أنهم ليسوا من ولد أفريدون، وإنما بدر من خرافات الفرس. ولما غلبوا على اليونان ملك منهم ملوك الروم عباد الأصنام، وكان أول من ملك منهم طوخاس (٧)، وهو جانيوس الأصغر بن روم بن سماحليق ويلقب بقيصر محرب. عادة كل ملك منهم يسمى قيصر، وملك بعده قيصر واسمه غالوس بن أولوس (٨)، وقيل: بل أول من ملك منهم غالوس بن أدلوس. وأنه هو أول من ملك بعد اليونانيين برومية. تلقب بقيصر، وقال (٩): رومية بنيت قبل ملوك (١٠) الروم بأربعمائة سنة، وهذا يؤيد قول من يقول: إنهم نسبوا إلى اسم الأب الأول (المدنية) (١١) ثم ملك بعده توليس، ثم ملك بعده ابنه أغسطس (١٢)، ويقال: إن هذا هو أول من تلقب بقيصر، ومعناها بقر. قالوا: لأن أمه ماتت وهو حمل في بطنها فبقر جنبها وأخرج منه، وكان يفخر بهذا ويقول: إن النساء لم تلده، وقيل: إن معنى قيصر جيشر (١٣)؛ لأنه ولد بشعر يبلغ عينيه، واسم الشعر بالعجمية حسارية، وقيل جسارية، فعرب فقيل قيصر، وهو الذي أراد الزواج بقلوبطرة ملكة اليونان، وقد تقدم حديثهما هناك، وعاش بقية عمره وقد بطل شقه بما أصابه ضربة الحية المقدمة الذكر، ثم ملك بعده طباريس (١٤)، ولثلاث سنين.

стр. 8545

بقيت من ملكه رفع المسيح ﷺ ، واختلفت الروم بعده، وبقيت تتنازع الملك قريب ثلاثمائة سنة (١) ولا لهم نظام يضمهم ولا ملك يجمعهم، ثم ملكوا عليهم طباريس بن عابس (٢)، ثم ملك بعده قلورس (٣)، وهو أول من تابع (٤) المسيح ﷺ من ملوك الروم، وقتل خلقًا ممن خالفه، وكانت الروم قبله تعبد التماثيل، واجتمع الحكماء بعده على نيرون، ورغب في عبادة التماثيل والأصنام، ثم ملك بعده ططس (٥)، واسباثرس (٦) مشتركين في الملك، وسار إلى الشام، وكانت لمملكته حروب عظيمة مع بني إسرائيل، فقتلا منهم ثلاثمائة ألف وخربا البيت المقدس، وأزالا رسمه. قال المسعودي (٧): وذكر في بعض التواريخ: أنّ الله عاقب الروم من ذلك اليوم بأن يسبى منهم كل يوم سبي، ولا يوم إلا والسَّبْي واقع فيهم، قل ذلك أو كثر. ثم ملك بعدهما دومطياس (٨)، ثم ملك بعده تبسرنوس، ثم ملك بعده طريابوس ثم ملك بعده أذريالس (٩)، وأخرب سائر ما بقي بالشام لبني إسرائيل، ثم ملك بعده ابطونيس (١٠)، وبنى البيت المقدس وسماه ايليا، ثم ملك بعده فرمودش (١١). ثم ملك بعده سريوس، ثم ملك بعده ابنه أنطويس، ثم ملك بعده ابنه أنطويس (١٢) ابن انطويس، ثم ملك بعده الاسكندر مامياس، وتفسيره الفاجر (١٣)، ثم ملك بعده عردياس (١٤)، ثم ملك بعده دقيانوس، وقيل: ديقيونس، وقيل: دقيوس وكان يعبد الأصنام هو ومَنْ تقدّم خلا فلورس المتابع للمسيح ﵇، فأمعن في قتل النصارى، وهرب للخوف منه أصحاب الكهف، وكانوا من أبناء الملوك يوحدون الله ويؤمنون بالمسيح ﷺ ، وقصتهم مشهورة، وقد تقدم في هذا الكتاب ذكر الكهف فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرهم، ثم هلك دقيانوس الملك الجبار وملك بعده قلطيانس (١٥)، ثم لم يكن بعده إلا ملوك الروم المتنصرة.
следующие страницы →