← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

النبط، والفرس من قبل زمن إبراهيم ﵇ ويزيد هذا القول تأكيدًا أن النبط تدعي أنها ملكت الأرض دهرًا طويلًا، ومدّة لا يسعه مدة ما بين إبراهيم ونبينا محمد ﷺ أن تنقضي فيه دولة النبط الكلدانيين. ثم دولة الفرس، وكل دولة مهما دامت زمانًا كبيرًا وعبرت آلاف السنين لا سيما وقد حول نمرود، وهو أول الكلدانيين، وإبراهيم ﷺ ولد في زمان النمرود، محقق، فتعيّن أن هذا النمرود ليس بذاك قطعًا. قالوا (١): ونمرود هذا هو الذي احتفر أنهار العراق، أخذه من الفرات ويقال إن منها نهر كوئ (٢) على طريق الكوفة، وهو من قصر ابن هبيرة (٣) وبغداد. ثم هلك وملك بعده أبولس (٤)، وكان عظيمًا جبارًا في الأرض. ثم ملك بعده سوسوس (٥)، ثم هلك وملك بعده كورس (٦)، ثم ملك بعده اذفرنجو، ثم ملك بعده سيهزم، ثم ملك بعده قوسيس، ثم ملك بعده انبوس (٧)، ثم ملك بعده ايلاوس. (٨) ثم ملك بعده انجلوس (٩)، ثم ملك بعده أوموس (١٠) ثم ملك بعده بعنكلوس (١١)، ثم ملك بعده ما سفر من (١٢) ثم ملك بعده رسطاليم (١٣) ثم ملك بعده اسطوس (١٤) ثم ملك بعده العداس (١٥)، ثم ملك بعده أطيروس (١٦)، ثم ملك بعده ساوساس (١٧)، ثم ملك بعده ناربنوس (١٨) ثم ملك بعده شورا أدرموس (١٩) ثم

стр. 8542

ملك بعده لعروس (١)، ثم ملك بعده طاطاوس (٢)، ثم ملك بعده لاوسيس (٣) ثم ملك بعده قرطبوس (٤)، ثم ملك بعده فروطاوس (٥)، ثم ملك بعده قراقيس ثم ملك بعده بوليس قنطروس، ثم ملك بعده هيقلس، ثم هلك وملك بعده سموجد (٦)، ثم ملك بعده، مردوج (٧)، ثم ملك بعده سنحاريب. قلت: وهو الذي غزا القدس، ثم ملك بعده متوسا، ثم ملك بعده بخت نصر (٨) الجبار وقد تقدم ذكره في ذكر ملوك الفرس، وتقدم القول إنه لم يكن ملكًا، وإنما كان مرزبانًا لملوك الفرس الأول، إلا أن يكون هذا غير ذاك. قلت: وهذا هو الأظهر؛ لأن ذاك غزا القدس بعد استخفاف بني إسرائيل بالأنبياء ﵈، ودولة الفرس كانت قبل كثرتهم ﵈، والنبط قبلهم، فتبين أن هذا ليس بذاك والله أعلم. ثم ملك بعده بيطسقر (٩)، ثم ملك بعده دارنوس (١٠)، ثم ملك بعده كسرجوس (١١)، ثم ملك بعده قرطياسة (١٢)، ثم ملك بعده فنحمسنة (١٣)، ثم ملك بعده احرست (١٤)، ثم ملك بعده سعا (١٥)، ثم ملك بعده دارنوس (١٦)، ثم ملك بعده انطجست (١٧) ثم ملك بعده اليسع (١٨). وقد قال المسعودي (١٩): وهؤلاء الملوك الذين أتينا على أسمائهم وذكرنا مدة ملكهم، هم الذين شيدوا البنيان، ومدنوا المدن، وكوّروا الكور وحفروا الأنهار،

стр. 8543

وغرسوا الأشجار، واستنبطوا المياه، وأثاروا الأرض (١) وعَمَرُوها (٢)، واستخرجوا المعادن من الحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك، وطبعوا السيوف، واتخذوا عدة الحرب (٣)، وأسسوا (٤) قوانين الحروب (٥)، ورتبوا الميمنة والميسرة، والأجنحة والقلب، وجعلوا ذلك مثال أجزاء (٦) أعضاء الإنسان، ورتبوا الأعلام (٧): فجعلوا أعلام القلب على صفة (٨) الفيلة والنسور وما عظم من أجناس الحيوان، وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع (٩)، وجعلوا الأجنحة أمثال ما لطف منها كالنمر والذئب (١٠)، وجعلوا في الطلائع كصور الحيات (١١)، وما خفي فعله من هوام الأرض، وتغلغل القوم هذه المعاني وهذا الذي ذكرناه في أخبارهم هو بعض/ ٨٥/ المشهور عنهم. ذكر أخبار ملوك الروم وهم طائفتان، الأولى والثانية. فالأولى: عباد الأصنام، وكانوا رومية، والثانية المتنصرة وكانوا بالقسطنطينية اختلف الناس في معنى تسميتهم الروم. فقيل لانتسابهم إلى مدينة رومية، واسمها بالرومية دماس (١٢)، ويؤيد هذا أن خلّص الروم يسمون أنفسهم بالرومية (١٣)، وميس (١٤)

стр. 8544

منهم من يقول: هو اسم أبيهم الأول وهو روم بن شماخلين بن هوبان (١) بن علقا (٢) بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. ومنهم من قال: إنما هو رومس (٣) بن ليسطي (٤) بن نويفل (٥) بن رومي (٦) بن الأصفر بن النفر بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهذا القول أنسب لتسميتهم لأنفسهم رومس، وهو مناسبة لتسمية من سماهم الروم. وتكون النسبة إلى رومي والأصفر. وكل هذه الأقوال تخالف قول الفرس إنه من ولد سلم بن أفريدون كما قدمنا ذكره. وهو الأظهر. أنهم ليسوا من ولد أفريدون، وإنما بدر من خرافات الفرس. ولما غلبوا على اليونان ملك منهم ملوك الروم عباد الأصنام، وكان أول من ملك منهم طوخاس (٧)، وهو جانيوس الأصغر بن روم بن سماحليق ويلقب بقيصر محرب. عادة كل ملك منهم يسمى قيصر، وملك بعده قيصر واسمه غالوس بن أولوس (٨)، وقيل: بل أول من ملك منهم غالوس بن أدلوس. وأنه هو أول من ملك بعد اليونانيين برومية. تلقب بقيصر، وقال (٩): رومية بنيت قبل ملوك (١٠) الروم بأربعمائة سنة، وهذا يؤيد قول من يقول: إنهم نسبوا إلى اسم الأب الأول (المدنية) (١١) ثم ملك بعده توليس، ثم ملك بعده ابنه أغسطس (١٢)، ويقال: إن هذا هو أول من تلقب بقيصر، ومعناها بقر. قالوا: لأن أمه ماتت وهو حمل في بطنها فبقر جنبها وأخرج منه، وكان يفخر بهذا ويقول: إن النساء لم تلده، وقيل: إن معنى قيصر جيشر (١٣)؛ لأنه ولد بشعر يبلغ عينيه، واسم الشعر بالعجمية حسارية، وقيل جسارية، فعرب فقيل قيصر، وهو الذي أراد الزواج بقلوبطرة ملكة اليونان، وقد تقدم حديثهما هناك، وعاش بقية عمره وقد بطل شقه بما أصابه ضربة الحية المقدمة الذكر، ثم ملك بعده طباريس (١٤)، ولثلاث سنين.

стр. 8545

بقيت من ملكه رفع المسيح ﷺ ، واختلفت الروم بعده، وبقيت تتنازع الملك قريب ثلاثمائة سنة (١) ولا لهم نظام يضمهم ولا ملك يجمعهم، ثم ملكوا عليهم طباريس بن عابس (٢)، ثم ملك بعده قلورس (٣)، وهو أول من تابع (٤) المسيح ﷺ من ملوك الروم، وقتل خلقًا ممن خالفه، وكانت الروم قبله تعبد التماثيل، واجتمع الحكماء بعده على نيرون، ورغب في عبادة التماثيل والأصنام، ثم ملك بعده ططس (٥)، واسباثرس (٦) مشتركين في الملك، وسار إلى الشام، وكانت لمملكته حروب عظيمة مع بني إسرائيل، فقتلا منهم ثلاثمائة ألف وخربا البيت المقدس، وأزالا رسمه. قال المسعودي (٧): وذكر في بعض التواريخ: أنّ الله عاقب الروم من ذلك اليوم بأن يسبى منهم كل يوم سبي، ولا يوم إلا والسَّبْي واقع فيهم، قل ذلك أو كثر. ثم ملك بعدهما دومطياس (٨)، ثم ملك بعده تبسرنوس، ثم ملك بعده طريابوس ثم ملك بعده أذريالس (٩)، وأخرب سائر ما بقي بالشام لبني إسرائيل، ثم ملك بعده ابطونيس (١٠)، وبنى البيت المقدس وسماه ايليا، ثم ملك بعده فرمودش (١١). ثم ملك بعده سريوس، ثم ملك بعده ابنه أنطويس، ثم ملك بعده ابنه أنطويس (١٢) ابن انطويس، ثم ملك بعده الاسكندر مامياس، وتفسيره الفاجر (١٣)، ثم ملك بعده عردياس (١٤)، ثم ملك بعده دقيانوس، وقيل: ديقيونس، وقيل: دقيوس وكان يعبد الأصنام هو ومَنْ تقدّم خلا فلورس المتابع للمسيح ﵇، فأمعن في قتل النصارى، وهرب للخوف منه أصحاب الكهف، وكانوا من أبناء الملوك يوحدون الله ويؤمنون بالمسيح ﷺ ، وقصتهم مشهورة، وقد تقدم في هذا الكتاب ذكر الكهف فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرهم، ثم هلك دقيانوس الملك الجبار وملك بعده قلطيانس (١٥)، ثم لم يكن بعده إلا ملوك الروم المتنصرة.

стр. 8546

وهذه أخبار ملوك الروم المتنصرة (١) وهم ملوك القسطنطينية، وكان أول من ملك منهم قسطنطين (٢)، وكان برومية، ثم بنى بوزنطيا، وهي القسطنطينية، وانتقل إليها، وكان خروجه من رومية، وسكنه بها، وانتقاله إلى دين النصرانية لست خَلَتْ من ملكه (٣). وخرجت أُمُّه (هلاني) إلى أرض الشام (٤) وبنت الكنائس، وبنت كنيسة حمص على أربعة أركان، وأتت بيت المقدس وطلبت الخشبة التي زعم النصارى أن المسيح ﷺ صُلب عليها. فلما ظفرت بتلك الخشبة حلّتها بالذهب والفضة، واتخذت يوم وجودها عيدًا، وهو يوم الصليب. لأربع عشرة ليلة خلت من أيلول، واستخرجت الدفائن بمصر والشام وصرفتها في بناء الكنائس، وتشييد دين النصرانية، فكل كنيسة بمصر والشام من بناء (هلاني) الملكة المذكورة، ولسبع عشرة سنة خلت من ملك قسطنطين اجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا بمدينة نيقية (٥) بأرض الروم. فأقاموا دين النصرانية. وهذا الاجتماع هو أول الاجتماعات الستة التي تذكرها الروم في كلامهم وتسميها القوانين، وتقول السنودسات (٦) وأحدها سندس (٧). الأول: بنيقية، وكان الاجتماع فيه على أرنوس، وهذا (اتفاق) من سائر أهل دين النصرانية (٨). والثاني بقسطنطينية على مقدونس، وعدة المجتمعين فيه من الأساقفة مائة وخمسون رجلًا. والثالث بأفسس (٩) وعدة من اجتمع فيه من الأساقفة مائة رجل. والرابع بخلقونية (١٠). وعدة من اجتمع فيه من الأساقفة ستمائة وستون رجلًا. والخامس بقسطنطينية، وعدد من اجتمع فيه من الأساقفة مائة وتسعة وأربعون رجلًا. والسادس كان في مملكة المدن (١١) وعدة من اجتمع فيه من الأساقفة مائتان وتسعة وثمانون رجلًا.

стр. 8547

قال (١): وكان السبب في دخول قسطنطين في دين النصرانية، أنه كان قد خرج في بعض حروب برجان (٢) فكانت الحرب بينهم سجالًا نحوًا من سنة. وكانت آخرها عليه قُتل فيها خلق من أصحابه وخاف البوار، فأُري في منامه كأن رماحًا نزلت من السماء، فيها أعلام، على رؤوسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس وأنواع الجواهر والخشب، وقيل له: خُذْ هذه الرماح وقاتل بها عدوّك تنتصر فجعل يحارب بها في النوم (٣)، فرأى عدوّه قد انهزم، فاستيقظ من نومه فدعا بالرماح فركب عليها الصلبان مثل ما رأى، وحملها في عسكره، وزَحَف على عدوّه فكسرهم وأخذهم بالسيف، ورجع إلى مدينة نيقية (٤) وسأل عن تلك الصلبان. وهل يعرفونها في شيء من الآراء والنحل؟ فقيل له: إنّ بأرض الشام وبيت المقدس قومًا هذا رأيهم ومذهبهم، وأخبروه بما فعله من كان قبله من الملوك المتنصرة (٥)، فبعث إلى الشام وبيت المقدس، فأحضر ثلثمائة وثمانية عشر أسقفًا أتوه بنيقية، فقَصَّ عليهم أمره، فشرعوا له دين النصرانية، فهذا هو السنودس الأول. وقيل: إن أمه كانت قد تنصرت قبل ذلك، وأخفَتْ هذا عنه، فلما رأى تلك الرؤيا أظْهَرَتْ له دينها. فبايعها. ثم هلك لتمام إحدى وثلاثين سنة (٦) من أول ملكه، وقيل لتمام خمس وعشرين سنة. وملك بعده ابنه قسطنطين (٧) بن قسطنطين، فبنى الكنائس وشيد دين النصرانية، ثم ملك بعده ابن عمه (بوليانس) (٨) المعروف بالحنيفي، ويسمى بالرباط (٩)، ولما ملك رجع عن دين النصرانية، وغيّر رسومها وغزا العراق في ملك سابور بن أزدشير، فأتاه سهم غرب فذبحه، فلما هلك فَزَع من كان معه من الملوك والبطارقة إلى بطريق كان

стр. 8548

معظمًا عندهم اسمه يونِيَاس (١)، كان كاتبًا للملك الماضِي، فأبى عليهم إلا أن يرجعوا إلى دين النصرانية فأجابوه إلى ذلك، وملك عليهم يونِياس. وكانت له مع سابور مُراسلات ومهادنة، واجتماع، ثم انصرف بالجُيُوش مُوادعًا لسابور، وأخلف عليه ما أتلف يُولِيانس من أَرْضِهِ بأموال حملها إليه، وهدايا (من) لطائف الروم. وجدد النصرانية، وشيَّد معالمها، وكان مُلكه سنة واحدة. ثم ملك بعده أوالس، وكان على دين النصرانية، ثم رجع عنه وهلك في بعض حروبه، وكان مُلكه (٢) أربع عشرة سنة. وقيل في أيامه استيقظ أهل الكهف (٣). ثم ملك بعده غراطيالس (٤)، وكانت مُدة ملكه خمس عشرة سنة، ولسنة من مُلكه كان اجتماع النصرانية، وهو آخر الاجتماعات، فأتموا القوى في روح القدس وهو السنودس الثاني. ثم ملك بعده برامسيس (٥)، وتفسير هذا الاسم عطية الله، فقام بدين النصرانية، وعظم أمره، وابتنى الكنائس، ولم يكن في الروم ولا من أهل بيت المقدس، بل كان أصله من الأشبان، وهم بعض الأمم الأول السالفة ممن كانت ملكت الروم ومصر والمغرب والأندلس والأشهر أنهم من ولد يافث بن نوح وهم اللذارقة، وملوك الأندلس، واحدهم لذريق، وقيل: كانوا على دين المجوس وقيل: بل كانوا صابئة وعباد أصنام، وكان مُدة ملكه تسع عشرة سنة (٦) ثم هلك. وملك (٧) بعده أُوقَادِيس، وكان مُدّة ملكه اربع عشرة سنة، ثم ملك بعده تدوسيس (٨)، وسكن مدينة أفسيس، وجمع مائتي أسقف، وهو الإجماع الثالث من

стр. 8549

الاسنودسات، ولعن فيه نسطورس البطريك. وإليه (تنسب) (١) النصارى النسطورية، وكانت مدة ملكه اثنتين وأربعين سنة، ثم هلك. وملك بعده مرقياقس (٢)، وهو زوج باباريا، وكان ملكهما سبع سنين وفي أيامهما كان حرب اليعاقبة ووقوع الخلاف بينهم في الثالوث ثم هلكا. وملك بعدهما إليون الأصغر (٣) وكان مدة ملكه ست عشرة سنة، وأخرج (٤) مسعرة اليعقوبي بطريك الاسكندرية، واجتمع له من الأساقفة ستمائة وثلاثون أسقفًا. وفي تاريخ الروم أنهم ستمائة وستون رجلًا. وذلك بخلقدونية (٥). وهذا الاجتماع، وهو السندوس الرابع عند الملكية. واليعاقبة لا تعتد بهذا السنودس واليعاقبة أضيفت إلى يعقوب البرذعاني (٦)، وبه عُرفت. وكان من أهل أنطاكية يعمل بها البراذع. ثم ملك بعده ابن له (٧) لم يعرف اسمه على دين الملكية وكانت مدة ملكه إلى أن هلك سنة ثم هلك. وملك بعده بير (٨)، وهو من بلاد الأرميان (٩)، وكان يميل إلى رأي اليعاقبة، وله حروب مع خوارج خرجوا عليه، وكان له الظفر عليهم، وكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة. ثم ملك بعده نسطاس، وكان يذهب إلى (مدينة) (١٠) اليعاقبة، وهو الذي بنى مدينة عمورية، وأصاب كنوزًا ودفائن عظيمة، وكانت مدة ملكه تسعًا وعشرين سنة. ثم ملك بعده توسطيانس (١١) تسع سنين. ثم ملك بعده سطانس (١٢)، وكانت مدة ملكه تسعًا وثلاثين سنة، وقيل بل كانت أربعًا وثلاثين سنة، وأظهر دين الملكية وشيده، وبنى كنيسة الرها، وكانت أحد مباني

стр. 8550

العالم العجيبة، وكان بها منديل تعظمه النصارى وتقول: إن اليسوع الناصري يعني المسيح ﵇، نشف به لما خرج من ماء المعمودية، ولم يزل بها إلى أن اشتد (١) أمر الروم على المسلمين في محاصرة الرها (٢) فصالحوهم به، ووقعت عليه الهدنة، وفرح به الروم فرحًا كاد يذهب بعقولهم، ثم هلك. وملك بعده ابن أخيه قوسطيس، وكان ملكه ثلاث عشرة سنة، ثم هلك وملك بعده طباريس، وكان ملكه أربع سنين، وأظهر في ملكه أنواعًا من اللباس والآلات وآنية الذهب والفضة، وغير ذلك مما تداولت الملوك العمل به بعده (٣)، ثم ملك بعده قرقاس (٤)، وكان ملكه ثمان سنين، ثم ملك بعده هرقل. وكان بطريقًا في بعض الجزائر قبل ذلك. ولما مَلَكَ عمّر بيت المقدس، وكان ذلك بعد انكشاف الفرس عن الشام، وبنى الكنائس، ولسبع سنين خلت من ملكه كانت هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة. وأما ملوكهم بعد الإسلام فسنذكرهم (٥): قال المسعودي (٦): وجدت في كتب التواريخ تنازعًا في مولد النبي ﷺ وفي عصر من كان من ملوك الروم. فمنهم من ذهب إلى ما قدمناه. ومنهم (من رأى) أن مولده كان في (ملك) يوسطينوس، وكان ملكه سبعًا (٧) وعشرين سنة. ثم ملك بعده يوسطينوس الثاني، وكان ملكه عشرين سنة، ثم ملك بعده هرقل بن توسطينوس، وهو الذي ضرب الدنانير والدراهم الهرقلية، وكان ملكه خمس عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه مورق (٨) بن هرقل، وهو الذي كتب الزيجات في النجوم وعليه يعمل أصحاب الحساب (فيمن سلف وخلف أن الملك للروم) (٩) كان في وقت ظهور الإسلام وخلافة أبي بكر وعمر وهرقل. وليس هذا الترتيب فيما عداها من كتب تواريخ أصحاب السير. وفي تواريخ

стр. 8551

أصحاب السير أن رسول الله ﷺ هاجر وملك الروم قيصر بن مُورِق (١). ثم ملك (٢) بعده قيصر بن قيصر، وذلك في أيام أبي بكر ﵁. ثم ملك بعده هرقل بن قيصر في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. وهو الذي حاربه أمراء الإسلام الذين فتحوا الشام. ثم ملك بعده مُورِق (٣) بن هرقل في خلافة عثمان بن عفان ﵁. ثم ملك بعده مُورِق (٤) بن مورق في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، ثم ملك بعده قلفط (٥) بن مُورِق بقية أيام معاوية، وكانت بينهما معاملات ومهادنات وأيام يزيد بن معاوية ومن بعده إلى صدر من خلافة عبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز، ثم اضطرب ملك الروم لما كان من أمر مسلمة بن عبد الملك وغزو المسلمين لهم في البر والبحر، فملكوا عليهم رجلًا من غير بيت الملك من أهل مرعش (٦)، اسمه جُرْجُس (٧)، وكان ملكه تسع عشرة سنة. ولم يزل ملك الروم في اضطراب إلى أن ملك قسطنطين بن أليون في خلافة السفاح والمنصور. ثم ملك بعده ابنه اليون وكانت أمه أرسى (٨) ملكةً معه ومشاركة له في الملك أيام المهدي والهادي. ثم ملك بعده ابنه قسطنطين، وكانت أمه مشاركةً له، ثم سُمِلَت عيناها بعد موته. ثم ملك بعده نقفور بن استبراق (٩). وغزاه الرشيد فأعطى القود من نفسه، فانصرف عنه، ثم غدر نقفور فكتم الرشيد (١٠) أمره لعارض علّة وجدها بالرقة (١١) ثم تجهز وغزاه فنزل على هر قلة سنة سبعين (١٢) ومائة فحاصرها سبعة عشر يومًا، ثم فتحها عنوة.

стр. 8552

ثم ملك ابنه استبراق (١) أيام الأمين، ثم غلب عليه قسطنطين بن فلقط (٢) فملك (٣) توفيل في خلافة المأمون، ثم ملك بعده ابنه ميخائيل بن توفيل في خلافة المعتصم بعد فتح عمورية، ثم ملك بعده ابنه ميخائيل في خلافة الواثق والمتوكل والمنتصر والمستيعن. ثم كان بين الروم تنازع فملكوا عليهم بصيل الصقلي (٤) ولم يكن من أهل بيت الملك أيام المعتز والمهتدي والمعتمد، وصدرًا من أيام المعتضد. ثم ملك بعد ابنه الاسكندروس فلم يحمده الروم، فخلعوه وملكوا أخاه لاوي بن اليون بقية أيام المعتضد والمتكفي وصدرًا من خلافة المقتدر. ثم هلك وخلف ولدًا صغيرًا اسمه، قسطنطين، فملك وغلب على مشاركته أرمنوس بطريق البحر، فتزوج قسطنطين بابنته، ودام بقية أيام المقتدر والقاهر والراضي والمتقي إلى اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. قال المسعودي (٥): وملوك الروم في هذا الوقت يعني وقت تاريخه وهو السنة المذكورة ثلاثة، فالمدبّر للأمور أرمنوس المتغلّب، والمُلْك الوارث للملك قسطنطين بن لاوي المذكور، والثالث ابن الأرمنوس البطريق المتغلّب اسمه اسطفانوس، يخاطب بالملك، وجعل أرمنوس له ابنًا آخر على الكرسي بالقسطنطينية يخاطب بالبطريق لا بالملك، كان قد خصاه قبل ذلك، وقربه إلى الكنيسة، وعنه يأخذون دينهم. فعدة المتنصرة من قسطنطين بن هلاني مظهر دين النصرانية بالروم إلى وقت المسعودي أحد وأربعون ملكًا لا يعد أرمنوس (٦) فيهم، ومدة ملكهم خمسمائة سنة وسبع سنين. وأما الروم الأول برومية إلى قسطنطين المذكور فعدتهم تسعة (٧) وأربعون ملكًا

стр. 8553

ومدتهم على ما ذكر من الخلاف أربعمائة سنة وست وثلاثون سنة وسبعة أشهر وستة أيام (١). ذكر ملوك الإفرنجة قال المسعودي (٢): لا خلاف أنَّ الإفرنجة والجلالقة والصقالبة والنوكبرد، والإشبان والترك، والخزر والبرجان واللآن ويأجوج ومأجوج وغير هؤلاء ممن سكن بلاد الشمال من ولد يافث بن نوح. والإفرنجة أشد هؤلاء بأسًا، وأمنعهم، وأكثرهم عدّة وأوسعهم ملكًا، وأحسنهم نظامًا وانقيادًا لملوكهم وأكثرهم طاعةً. قلت: وعلى المسعودي ردّ في هذا القول: فإن الترك أوسع ملكًا، وهم أكثر انقيادًا وطاعة لملوكهم من الفرنج بلا خلاف. وقال (٣): والجلالقة أشدّ من الإفرنجة وأعظم منهم نكاية. والرجل الواحد منهم يقاوم عدة من الإفرنجة. وفي هذا نظر (٤). وكان أوّل مبدأ الإفرنج قبل ظهور الإسلام، ومن جزيرة رودس (٥)، وجزيرة إقريطش (٦)، ثم ملكوا في الغرب، واستولوا على معظمه، وأول ملوكهم كان اسمه قلوبا (٧) وكان مجوسيًا، فَنَصَّرَته (٨) امرأة، وعرضت له ذلك وحسنته له فوافقها، ثم ملك

стр. 8554

بعده (١) ابنه دَقَشْرَت (٢)، ثم ملك بعده ابنه قارله، ثم ملك بعده ابنه بيبق، ثم ملك بعد ابنه قارله، وكان في أيامه الحكم صاحب الأندلس، وتدافع أولاده بعده، واقتتلت حتى كادت الفرنج تتفانى (٣)، ثم ملك لذريق بن قارله، ثم ملك بعده ابنه قارلة بن لذريق، ثم ملك بعده لذريق بن قارلة، ثم خرج عليه قائد الفرنج اسمه نوسة (٤)، وصالح المجوس على ستمائة رطل ذهب، وستمائة رطل فضة، يوفيها إليهم ثم ملك بعده قارلة بن لذريق بن قارلة (٥)، ثم ملك بعده ابنه لذريق بن قارلة. هذا آخر ما ذكره إلى سنة ست وثلاثين وثلثمائة (٦). ثم اتسعت بعد ذلك ممالكهم ولم يحرّر لنا أسماء من ملك منهم، وإنما ذكرت جملة من أخبار الفرنج عقب ذكر الأقاليم، وفيه كفاية. ذكر ملوك السودان قال المسعودي (٧): لما تفرّق ولد نوح في الأرض، سار ولد كوش بن كنعان بن حام نحو المغرب، حتى قطعوا نيل مصر، ثم افترقوا فسارت طائفة مشرقين (٨) وهم النوبة والحبشة (٩) والزنج، وسارت طائفة مغربين، فهم الزنج (من) (١٠) المكير والمشكر وبربرا، وغيرهم من هذه الأنواع، وافترقت النوبة فرقتين شرقي النيل وغربه، وأناخت على شطّيه واتصلت ديارها بديار مصر (١١) (وكانت بلادها مصعدةً، ومدة ملك هذه

стр. 8555

الفرقة والفريق الآخر يقال له علوة (ومدينة ملكها سرية) (١). وأما البجة (٢)، فنزلت بين بحر القلزم ونيل مصر، وملكوا عليهم ملوكًا، وفي أرضهم معادن ذهب، وقد انضافت إليهم طائفة من العرب من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، تزوجوا من البجة وزوجوهم، واختلطوا بهم حتى بقوا كالشيء الواحد. وأما (٣) الحبشة وهم أجل هذه الطوائف وأعلاهم قدرًا، وأفخرهم جنسًا، وخيار بلادهم اليمن، وأقرب عرض البحر بينهما ما بين ساحل مدينة الأوقة (٤) من بلاد الحبشة ومن ساحل زبيد وهو ثلاثة أيام، وهو أول عرض هذا البحر ومنه عبرت الحبشة إلى اليمن حين ملكه أيام أبي نواس. قال المسعودي (٥): وهناك جزائر بين الساحلين منها جزيرة العقل، فيها ماء يشرب منه فيفعل في القرائح والذكاء فعلًا جميلًا، وعامة (٦) الحبشة امتدت مغربة، فمنهم الزغاوة والكَوْكَوْ، وقاقو (٧) ومديدة وسروس (٨)، والملانة، والقوماطي (٩) ودويلة والقرمة، ولكل طائفة من طوائف الحبشة هؤلاء وغيرهم ملوك يرجعون إليهم (١٠)، وصاحب (أحمره) (١١) الآن هو الحاكم على ملوك الحبشان. ذكر أخبار ملوك قحطان (١٢) كان من ملك حمير باليمن سُمِّي ملكًا، وكانت ملوكهم ربما ساحوا في الأرض ومنهم أسعد أبو كرب من بلغ المغرب توغل في المشرق ومرّ بأطراف الهند. ويقال: إِنَّه ما تجاوز سمرقند، وأول ملوك قحطان عبد شمس، وهو سبأ بن يعرب (١٣) بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقيل: إن قحطان هو أول من

стр. 8556

ملك، وإنه أوّل من نطق بالعربية، وحيّاه أهله بتحية الملك، وهي قولهم: أبيت اللعن، وأنعم صباحًا (١). والأكثر على أنه عبد شمس، ثم ملك ابنه حمير بن سبأ، وكان يلقب بالعرنجج (٢). وقيل: إنه سمّي حمير لكثرة لباسه الأحمر، وكان في زمان قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم، ثم ملك أخوه كهلان، ثم أبو مالك (وعسكر بن سبأ) (٣)، ثم كهلان الرائش، وقيل: إنما ملك بعد كهلان كهلان الرائش، وهو الحارث بن شداد، وهو أول من غزا منهم، ومات في أيامه لقمان النسور ولهذا كهلان الرائش شعر ذكر فيه رسول الله ﷺ منه (٤): [من الوافر] ويملك بعدهم رجل عظيم … نبيُّ لا يُرخِّصُ في الحَرام يُسمّى أحمدًا ياليت أنّي … أُعمَّر بعد مَخْرَجِهِ بعامِ وقيل: إِنَّ حمير إنما عهد إلى ابن ابنه الملطاط بن عمرو بن حمير وفي أيامه انقرض ملك صحار وجاسم ابني دارم. قالوا: ثم ملك (٥) ابنه أبرهة ذو المنار، سمي بذي المنار؛ لأنه لما أوْغَلَ في المغرب أمر بمنائر عملت في الطريق ليهتدي بها في مرجعه. وقال المسعودي (٦): إن الذي ملك بعد الرائش جبار بن غالب بن زيد بن كهلان، ثم ملك بعده ابنه إفريقش ذو الأذعار (٧)، وقال إنه هو الذي نفى البربر من أرض فلسطين إلى الغرب، وكانوا بقية من قتل (٨) يوشع ﵇. ثم ملك ابنه العبد (٩) ويكون ذا الشناتر، ويقال: إنما ملك إفريقش أخوه العبد بن أبرهة، ثم ملك بعده الهدهاد بن عمرو بن شرحبيل (١٠)، وقال: ابن قتيبة: هداد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وهو أبو بلقيس صاحبة سليمان ﵇. واختلف

стр. 8557

فيمن بعده، فقال المسعودي: تبع الأول، وقال ابن قتيبة: إنما ملك بعده ابنته بلقيس، ثم عمها ياسر (١) بن عمرو بن شرحبيل، ويعرف تاشو (٢) انعم، وسار إلى الغرب وانتهى إلى وادي الرمل (٣)، ثم ملك أبو كرب شمر بن إفريقش واسمه أسعد، ويسمّى برعش لارتعاش كان به، وخرج إلى العراق، ويقال: إن يستاسف أعطاه [الطاعة] (٤) وهو أحد ملوك العالم الذين طافوا الأرض، ثم ملك ابنه أبو مالك، ثم ملك بعده ابنه تبع الأقرن، وفي أوانه كان بوارطسم وجديس وسيل العرم، وتفرّق سبأ. ثم ملك بعده أسعد بن عمرو، وأتى مكة، وكسى البيت وعلّق عليه بابًا من الذهب، ثم ملك بعده ابنه مرثد بن عبد كلال بن تبع الأقرن ويعرف بذي الأعواد ثم ملك بعده أولاده وكانوا أربعة، وكانوا مشتركين (٥)، وخرجوا إلى مكة ليقلعوا الحجر الأسود، ويبتنوا بيتًا بصنعاء يكون حج الناس إليه، فأجمعت كنانة، وقلدوا أمرهم فهر بن مالك، فالتقوا فقتل ثلاثة من الملوك وأسروا الرابع (٦). ثم ملكت بعدهم أختهم أبضعة بنت ذي الأعواد، وكانت فاجرة فقتلها قومها، ثم ملك كرب بن عمرو بن أسعد (٧) بن عمرو. ثم ملك ابنه أسعد (٨) وغزا بني معد طالبًا بدم الملوك الثلاثة (٩) فاجتمعوا وقلدوا أمرهم لأمية (١٠) بن عوف الكناني المعروف بالعنسي (١١)، ثم قعدت ربيعة لكون الرئيس من مضر، فصالحوه وودوا له الملوك لكل واحد ألف ناقة، وهكذا كانت دية الملوك في الجاهلية، ومن ذلك اليوم وقع الشريين ربيعة ومضر. وغزا الهند في البحر، ثم ملك ابنه حسان وأتى مدن الحجاز وله شعر يذكر فيه النبي ﷺ ، ومنه: [المتقارب] شهدت على أحمد أنه … رسول من الله باري النسم (١٢)

стр. 8558

فلو مُدَّ عُمري إلى عمره … لكنت وزيرًا له وأبن عم وقصد العراق بعد موت هرمز وسابور ذو الأكتاف صغير، فأعطوه الطاعة والخراج. وقال ابن مسكويه (١): كان ملك الفرس قباذ، ثم ملك بعده أخوه عمرو، وكان قتل أخاه، وقتل في قومه، وملك ربيعة بن نصر ثم ملك حمير بعده إبرهة بن الصباح بن لهيعة بن شيبة الحمد بن مرثد بن الحير بن سيف بن مصلح بن عمرو بن مالك بن زيد بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سعد بن زُرْعة بن ذي النار. ثم ملك بعده عمه صهبان بن محرّث، واستعمل (علي) (٢) ولد معد بن عدنان ابن خالة الحارث بن عمرو آكل المرار جد امرئ القيس الشاعر، فقسم الحارث ملكه بين ولده، وكانوا ثلاثة فملك ابنه حجرًا على أسد وكنانة وشرحبيل على قيس وتميم، (وملك سلمة على ربيعة) (٣). ثم قتل صهبان بن محرث، وملك بعده الصباح بن إبرهة (٤) بن الصباح، ثم ملك بعده ابن عمّ لَهُ (٥)، ثم ملك بعده ذو نواس زُرْعة، ولما ملك تهود، وقتل قومًا صاروا باليمن على دين المسيح ﷺ ، وفي أيامه كان أصحاب الأخدود وهو آخر ملوك قحطان باليمن. ثم استولت الحبشة على ملك اليمن، واستولى عليها إبرهة، وهو الذي قصد البيت الحرام وصدعه، ثم ملك بعده ابنه مسروق ثم زال ملكه على يد سيف بن ذي يزن وعاد الملك إلى حمير، وكان قد أتى القسطنطينية، ثم تقصر (٦) فقال لا أنجدك على الحبشة؛ فإنهم على ديني، فأتى كسرى فاستنجده، فنصره. ذكر أخبار ملوك جفنة (٧) وهم من قحطان وأولهم الحارث (٨) بن عمرو بن عامر بن حارثة بن زيد بن

стр. 8559

كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان يُكنى بأبي شمر ثم تداولها منهم سبعة وثلاثون (١) ملكًا ومدة ملكهم ستمائة سنة وستة عشر سنة. وكان آخرهم جبلة بن الأيهم المتنصر على عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقصته معروفة (٢). ذكر أخبار ملوك الحيرة وهم من قحطان (٣)، وأولهم مالك (٤) بن فهم بن دوس بن الأزد بن الغوث (٥) بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان ربيعة بن نصر قد بعثهم إلى سابور، فأسكنهم الحيرة، ثم ملك بعده ابنه جذيمة الوضاح وهو الذي قتلته الزباء (٦)، وقصته المعروفة، ثم ملك ابن أخته عمرو بن عدي بن ربيعة وهو الذي أخذ ثأر خاله الوضاح، وفيه قيل: لأمر ما جدع قصير أنفه، وفيه قيل شب عمرو عن الطوق، وكل ذلك في حكاية مع الزباء لأخذ ثأر الوضاح. ثم ملك امرؤ القيس (٧) وأمه مارية المضروب المثل بقرطها، وهو الذي أنخلع من ملكه ولبس المسوح وساح (٨)، وقال فيه عدي بن زيد (٩) الأبيات

стр. 8560

المشهورة (١) وقد تقدم. ثم ملك بعده المنذر بن الأسود، ويقال: إن الأسود هو الذي انتصر على غسان، وقَتَلَ عدّةً من ملوكهم، وأراد العفو عنهم فقال ابن عمه (٢): [من البسيط] ما كلُّ يوم ينالُ المرءُ ما طَلَبَا … ولا يُسوّغه المقدارُ ما وَهَبَا وأحزمُ الناس مَنْ إِنْ فُرصَةٌ عَرَضَتْ … لم يجعل السبب الموصول مُنقَضِبَا (٣) وأنْصَفُ الناس في كل المواطن مَنْ … يسقي (٤) المُعادي بالكأس الذي شربا وليس يظلمهم من راح يضربهم … بحدّ سيف بهِ مِنْ قبلهم ضُربا والعفو إلا عن الأكفاء مكرمةٌ … مَنْ قال غير الذي قد قلتُهُ كَذبا قتلت عمرًا وتستبقي يزيد لقد … رأيتَ رَأْيًا يجرُّ الويل والحربا لا تقطعن (٥) ذَنَبَ الأفعى وتُرسِلَها … إِنْ كنت شَهْما فاتبع رأسها الذنبا هم جردوا السيف فاجعلهم له جَزَرًا … وأوقدوا النار فأجعلهم لها حطبا إن تعفُ عنهم يقول الناسُ كلُّهمُ … لم يعفُ حِلْمًا ولكن عفوة رهبا وكان أحْسَنُ من ذا العفو لو هربوا … لكنهم أنفوا مِنْ مثلك القربا (٦) هم (٧) أهلةُ غسان ومجدُهُمُ … عالٍ فإِن حاولوا ملكًا فلا عجبا وعرضوا بفداء واصفين لنا … خيلًا وإبلًا تروقُ العُجْم والعربا أيحلبون دمًا منا ونحلِبُهُم … رُسلًا (٨) لقد شرفونا في الورى حَلَبَا علام نَقْبَل منهم فدية (٩) وهُمُ … لا فِضَةً قَبلوا منا ولا ذهبا

стр. 8561

ثم ملك بعده ابنه عمرو، ثم ملك بعده أخوه النعمان بن المنذر، وهو آخر مَنْ ملك منهم، ثم ملك بعد إياس بن قبيصة، وأتى الله الإسلام. وأما: أيام العرب: فمن ذلك وقعة طسم وجديس (١)، وطسم هو ابن لاوذ بن ارم بن سام وجديس بن عابد بن ارم بن سام، وهم العرب العاربة، ومنزلهم اليمامة، وكان ملكهم عملوق بن طسم، وهو الذي كان يبدأ بالأبكار فيقبضهنّ إليه، ثم يُزْفَفْنَ إِلى بعولتهن، وغَبَرَ على هذا دهرًا حتى أهديت إليه عُفَيرة بن بنت غفار الجديسية أخت غفار سيد جديس، ويقال اسمها الشموس فلما افترعها خرجت على قومها في دمائها شاقة جيبها عن قبلها ودبرها وهي تقول (٢): [من الرجز] لا أحدٌ أذلّ من جديس … أهكذا يُفْعَلُ بالعَرُوس يرضى بهذا بالقومي حُرُّ … هذا وقد أعطى وسيق المهر لأخذَةُ الموتِ كذا لنفسه … خيرٌ منَ أن يُفعل ذا بعرسه ثم قالت تحرض جديس على طسم (٣): [الطويل] أيصلح ما يُؤتى إلى فتياتكم … وأنتم رجال فيكمو عدد الرمل (٤) أيصلح تمشي في الدما فتياتِكُمْ (٥) … صبيحة زُفَتْ في النساء إلى البعل فإن أنتم لا تغضبوا عند هذه … تكونوا نساء لا تُفيقُ (٦) مِنَ الكحل ودونكم طيب العروس فإنما … خلقتم لأبواب (٧) العرائس والغسل فلو أنّنا كنا رجالًا وكنتم … نساء لكنا لا نَقَرُّ (٨) على الذل فَقُبْحًا وسكنا (٩) للذي ليس دافعًا … ويختال يمشي بيننا (١٠) مِشْيَةَ الفحل

стр. 8562

فموتوا كرامًا وأصبروا لعدوّكم … لحرب تلقى بالضرامِ مِنَ الجزل (١) ولا تجزعوا في الحرب يا قوم إنها … تقوم بأقوام كرام على رجل فاجتمعت جديس. فجمعهم الأسود بن غفار، ودعا طسمًا إلى ضيافة أعدها لهم. ودفنوا سيوفهم في الرمل، فلما أتوهم استثارت (٢) جديس سيوفها، وشدّوا عليهم فما أفلت إلا رياح بن مرّة، ومرّ إلى حسان بن تبع (٣) واستعان به، فأمر بالمسير لأخذ ثارهم، فلما كانوا على ثلاثة أيام من اليمامة قال له رياح: أيها الملك إن لي أختًا مزوجة فيهم، تنظر إلى الراكب - يعني الزرقاء - على مسيرة ثلاث ليال، وأخاف أن تنذر قومها، فأمر كلّ أحد أن يقتلع شجرة من الأرض ويجعلها أمامه، فنظرت فقالت: يا جديس، لقد سارت إليكم الشجر. فقالوا لها: وما ذاك؟ قال: أرى شجرًا من ورائه بشرًا. وأني لأرى رجلًا من وراء الشجرة ينهش كتفًا (٤) ويخصف نعلًا، فكذبوها، وغفلوا عن أخذ الأهبة، حتى صبحتهم حمير، واستباحوا اليمامة قتلًا وسبيًا، وهرب الأسود حتى نزل طيئ فأجاروه وقبيله (٥) فيهم [مذكورة] (٦)، ثم أُخِذَت الزرقاء وَسُمِلَتْ. ذكر حروب قيس (٧):

стр. 8563

فمنها يوم منعج (١) وكان لغني على (عبس) (٢)، ويسمى يوم الردهة (٣)، وفيه قتل شاس بن زهير (٤) بن جذيمة بن رواحة العبسي، قتله رياح بن الأسد الغنوي. ويوم النقراوات (٥)، وكان لبني عامر على عبس، وفيه قتل زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، وقتله خالد بن جعفر بن الكلابي (٦). ويوم بطن عاقل (٧)، ويوم رحرحان (٨)، وكان أقام على تميم، ويوم شعب جبلة (٩)، وكان لعامر وعبس على ذبيان وتميم، وكان من أعظم أيام العرب.

стр. 8564

يوم الخريبة (١)، وفيه قتل الحارث بن ظالم، وهو قاتل خالد بن جعفر. وحرب داحس والغبراء (٢)، هي من حروب قيس، قال أبو عبيدة حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابني بغيض بن ريث بن غطفان. وكان السبب الذي هاجها أن قيس بن زهير (٣) وحمل (٤) بن بدر تراهنا على داحس والغبراء أيهما يكون له السبق، وكان داحس فحلًا لقيس بن زهير، والغبراء حجرًا لحمل بن بدر فتواضعا الرهان على مائة بعير، وجعلا منتهى الغاية مائة غلوة (٥). والمضمار أربعين ليلة. ثم قاداهما إلى رأس الميدان بعد أن ضمراهما أربعين ليلة. وكان في طرف الغابة شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر في تلك الشعاب فتيانًا على طريق الفرسين، وأمرهم إن جاء داحس سابقًا أن يردّوه عن الغابة، ثم أرسلوهما، فلما أحضرا خرجت الأنثى عن الفحل، فقال حمل بن بدر سبقتك (٦) يا قيس، فقال قيس، رويدًا يعدوان الجود إلى الوغث، وترشح أعطاف الفحل. فلما أوغلا في (٧) الجدد وخرجا إلى الوعث، بَرَزَ داحس عن الغبراء، فقال قيس جري المذكيّات غلاب (٨) فذهبت مثلًا، فلما شارف داحس الغاية ودنا من الفتية، وثبوا في وجه داحس فردّوه عن الغابة، ففي ذلك يقول قيس بن زهير (٩): [الوافر] وما لَاقَيْتُ مِنْ حَمَلٍ بن بدر … وإخوته على ذات الإصاد هُمُ فخروا عليَّ بغيرِ فخرٍ … وردُّوا دونَ غايه جوادي وثارت الحرب بين عيسى وذبيان ابني بغيض فركدت (١٠) أربعين سنة، لم تنتج

стр. 8565

ناقة ولا فرس فيها لاشتغالهم بالحرب، فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكًا (١) إلى قيس بن زهير يطلب من حق السبق، فقال قيس لا مطلتك به، ثم أخذ الرمح فطعنه، فدق صلبه (٢)، ورجعت فرسه غائرة (٣)، واجتمع الناس فحملوا دية مالك مائة ناقة عشراء، وزعموا أن الربيع بن زياد العبسي حملها وحده، فقبضها حذيفة، وسكن الناس، ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة (٤) من أرض الشريَّة (٥)، فأخبر حذيفة بمكانه، فعدا عليه فقتله، ففي ذلك يقول عنترة (٦): [من الطويل] فللهِ عَينا من رأى مثل مالكٍ … عقيرةَ قوم إن جَرَى فرسان فليتهما لم يجريا قيدَ غَلُوةٍ … وليتَهما لم يُرسلا لرهان فقالت بنو عبس (٧)، ومالك بن زهير لمالك بن حذيفة، ردوا علينا ما لنا، فأبى حذيفة أن يردّ شيئًا، وكان الربيع بن زياد مجاورًا لبني فزارة قال: فلما قتل مالك بن زهير جعل بنو فزارة يتساءلون ويقولون: ما فعل حماركم؟ قالوا: صدناه، فقال لهم الربيع: ما هذا الوحي؟ قالوا: قتلنا مالك بن زهير. قال: بئس ما فعلتم بقومكم قبلتم الدية ورضيتم بها، ثم غرزتم! قالوا: لولا أنك جار لقتلناك وكانت حفرة الجار ثلاثًا، فقالوا: لك ثلاث ليال أخرج عنها، فخرج واتبعوه فلم يلحقوه، حتى لحق بقومه، وأتاه قيس بن زهير فعاقده. ثم نهضت بنو عبس وحلفاؤهم، وهم بنو عبد الله بن غطفان إلى بني فزارة وذبيان ورئيسهم الربيع بن زياد، ورئيس بني فزارة حذيفة بن بدر (٨). ويوم المريقب (٩)، وكان لبني عبس على ذبيان. ويوم حسا (١٠) وكان لذبيان على عبس.

стр. 8566

ويوم اليعمرية (١)، وكان لعبس على ذبيان. ويوم الهباءة (٢)، وكان لعبس على ذبيان. ويوم الفروق (٣)، وكان لبني عبس. ثم يوم قطر (٤)، ثم يوم غدير قلبي (٥). قال أبو عبيدة: فاصطلح الحيان إلا ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فأنهم أبوا ذلك، وقالوا: لا نرضى حتى تودى قتلانا، ويُهْدَرَ دَمُ من قَتَلْنا، فخرجوا من قطن حتّى ورَدُوا غدير قلهى، فسبقهم بنو عَبْسٍ إِلى الماء فَمَنعوهم حتى كادوا يموتون عطشًا، فأصلح بينهم عَوْفُ ومعقل ابنا سبيع من بني ثعلبة، وإياهما يعني زهير بقوله (٦): [من الطويل] تداركْتُما عبسًا وذبيان بعدما … تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم فوردوا حربًا، وخرجوا عنه سلمًا. ثم خبر داحس والغبراء. ويوم الرقم (٧)، كان لغطفان على بني عامر. ويوم الشُّتاءة (٨)، كان لعبس على بني عامر. ويوم شواحط (٩) كان لبني محارب على بني عامر.

стр. 8567

ويوم حوزة الأول، وكان لسليم على غطفان (١)، ويوم حوزة الثاني (٢)،، ويوم اللوى (٣) وكانا لغطفان على هوازن، ويوم الصَّلْعاء (٤) وكان لهوازن على غطفان. ذكر حروب قيس وكنانة: فمنها يوم الكديد (٥)، وكان لسليم على كنانة، ويوم كنانة (٦)، وكان لكنانة على سليم. ويوم الفيفاء (٧) وكان لسليم على كنانة. ذكر حروب قيس وتميم: فمنها يوم السوبان (٨)، وكان لبني عامر على تميم. ويوم أقرن (٩)، وكان لبني عبس على بني دارم. ويوم المروت (١٠)، وكان لبني عنبر على بني قشير. ويوم دارة مأسل (١١)، وكان لبني تميم على قيس.

стр. 8568

ويوم النباج وثيتل (١) وكان لتميم على بكر، ويوم زرود (٢) وكان لبني يربوع على بني تغلب. وهذا هو يوم زرود الثاني، أما الأول فسيأتي ذكره. ويوم ذي طلوح (٣)، وكان لبني يربوع على بكر. ويوم الحائر (٤) ويعرف بيوم ملهم، وكان لبني يربوع على بكر. ويوم القحقح (٥) وهو يوم مالة، وكان لبني يربوع على بكر. ويوم رأس العين (٦) وكان لبني يربوع على بكر. ويوم العظال (٧) ويسمى يوم الأفاقة. ويوم الإياد. ويوم أعشاش (٨). ويوم مليحة، وكان لبني يربوع على بكر. ويوم الغبيط ويقال له يوم سفوان (٩). قال أبو عبيدة: التقت بنو مازن وبنو شيبان

стр. 8569

على ماء يقال له سَفَوان، فَزَعَمتْ بنو شيبان أنَّهُ لهم، وأرادوا أن يجلوا تميمًا عنه فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وظهرت عليهم بنو تميم، وساقوهم حتى بلغوا المحدث. وكانوا قبل ذلك يتواعدون بنو مازن، فقال في ذلك الوداك (١) المازني: [من الطويل] رويدًا بني شيبان بعض وعيدكم … تُلاقوا غدًا (٢) على سَفَوانِ تلاقوا جيادًا لا تحيد عن الوغى … إذا الخيلُ جَالَتْ في القنا المُتَدانِي عليها الكُماة الغُرُّ من آل مازن … ليوث (٣) طعان كل يوم طعان مقاديم وصالون في الروع خطوهم … بكلِّ رقيق الشفرتين يماني إذا استنجدوا (٤) لم يَسْأَلُوا مَنْ … دَعَاهُم لأية أرض أو لأي مكان ويوم الشقيقة (٥)، وهو يوم نقا الحسن. وكان لبني ضبة على بني شيبان. وفيه قتل بسطام بن قيس، وأُسر أخوه نجاد بن قيس في سبعين من بني شيبان. فقال شمعلة (٦) بن الأخضر بن هبيرة (٧): [من الوافر] ويوم شقيقة (٨) الحسنين لاقَتْ … بنو شبان آجالًا قصارا شككنا بالرماح وَهُنّ زورٌ (٩) … صماخي كبشهم حتى استدارا ذكر أيام بكر على تميم: فمنها يوم الزويرين (١٠). وكان لبكر على تميم. ويوم الشيطين (١١)، وكان لبكر على تميم.

стр. 8570

ويوم صُعْفوق (١)، وكان لبكر على تميم. ويوم مُبايض (٢)، وكان لبكر على تميم. ويوم فيحان (٣)، وكان لبكر على تميم. ويوم ذي قار الأول (٤)، وكان لبكر على تميم. قال: فخرج عتيبة (٥) في نحو خمسة عشر فارسًا من بني يربوع فكمن في حمى ذي قار حتى مرّت بهم إبل بني الحصين، وهي بالعدوانة اسم ماء لها، فصاحوا بمن فيها من الحامية والرعاء، ثم استاقوها من الحامية والرعاء، ثم استاقوها، فأخلف للربيع ما ذهب له وقال (٦): [من الوافر] ألَمْ تَرَني أفأتُ على ربيع … جِلادًا في مُبَاركِها وخورا وأني قد تركت بني حُصَينٍ … بذي قار يَرمُّونَ الأمورا (٧) ويوم: الحاجر (٨)، وكان لبكر على تميم. ويوم الشقيق (٩) وكان لبكر على تميم. وفيه قتل كليب وائل (١٠)، وقتلته شيبان. ويوم النهى (١١)، وكان لبني تغلب (١٢) على بني شيبان.

стр. 8571

ويوم واردات (١). وكان لبني تغلب على بني شيبان. ويوم تحلاق اللمم (٢). وكان لبني شيبان على تغلب. ويوم عنيزة (٣) وكان لبني تغلب على بني شيبان. ويوم قضة (٤) وكان لبني شيبان على تغلب. ويوم الكلاب الأول (٥): وكان من حديثه، قال أبو عبيدة: لما تسافَهَتْ (٦) بكر وائل، وغلبها سفاؤها، وتقاطعت أرحامها، ارتأى رؤساؤهم فقالوا: إن سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا، فأكل القوي الضعيف، فنرى أن نملك علينا ملكًا نعطه الشاة والبعير، فيأخذ للضعيف من القوي، ويرد على المظلوم من الظالم، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا، فيأباه الآخرون، فيفسد ذات بيننا، ولكنا نأتي تُبَّعًا فنملكه علينا، فأتوه فملك عليهم الحارث بن عمرو (٧) آل المرار الكندي فقدم فنزل بطن عاقل. ثم غزا بكر بن وائل حتى انتزع عامة ما في أيدي ملوك الحيرة اللخميين، وملوك الشام الغسانيين، وردّهم إلى قاصي أعمالهم، ثم طعن من نيطة (٨) فمات فدفن ببطن عاقل، فاختلف ابناه شرحبيل وسلمة في الملك، فتواعدا الكلاب، فأقبل شرحبيل في ضبة والركاب (٩) كلها (١٠) وبني يربوع وبكر بن وائل، وأقبل سلمة في تغلب والنمر وبهراء ومن تبعه من بني مالك بن

стр. 8572

حنظلة، وعليهم سفيان بن مجاشع، وعلى تغلب السفاح لأنه سفح أسقية قومه، وقال لهم: أبدروا إلى ماء الكلاب، فسبقوا عليه، وإنما خرجت بكر مع شرحبيل لعداوتها لبني تغلب، فالتقوا على الكلاب واستمر القتل في بني يربوع، وشد أبو حنش على شرحبيل فقتله، وكان شرحبيل قتل ابنه حنشًا، فأراد أبو حنش أن يأتي برأسه إلى سلمة، فخافه فبعثه مع عسيف له، فلما رآه سلمة دَمَعَتْ عيناه. وقال له: أنت قتلته؟ قال: لا ولكنه قتله أبو حنش، فقال: إنما أدفع الثواب إلى قاتله، فهرب أبو حنش عنه، فقال سلمة في ذلك: [من الوافر] ألا أبلغ أبا حنش رَسُولًا … فمالك لا تجيء إلى الثواب (١) تعلم أن خير الناس ميتًا … قتيلًا بين أحجار الكلاب ويوم الكلاب (٢) الثاني (٣): وكان من خبره أن كسرى كان قد أوقع ببني تميم بمدينة هجر لإغارتهم على لطيمة له فيها مسك وعنبر وجوهر كثير، ثم خافوا طمع العرب فيهم لأجل إيقاع كسرى بهم، فارتحلوا، فنزلوا الكلاب إلى قدَّة (٤) فمر بهم ذو العينين، فأتى أهل هجر، فدلهم عليه، فخرج إليه اليزيدون يزيد بن هوبر ويزيد (٥) بن عبد المدان، ويزيد بن المأموم (٦)، ويزيد بن المخرّم (٧)، وكلهم حارثيون (٨) ومعهم عبد يغوث الحارثي (٩)، حتى أتوا بلاد باهلة فدس جزء بن جزء الباهلي ابنه إلى تميم فأعلمهم الخبر، فاعتدوا لهم، وتلاقوا فكانت الدائرة على الحارثيين، ومن معهم. ويوم طخفة (١٠): قال: كانت الردافة (١١)، ردافة الملوك لعتاب بن هرم بن رياح

стр. 8573

ثم كانت لقيس بن عتاب، فسأل حاجب بن زرارة النعمان أن يجعلها للحارث بن قرط بن سفيان بن مجاشع، فسألها النعمان بني (١) يربوع، وقال: أعقبوا إخوتكم في الردافة، قالوا: إنهم لا حاجة لهم فيها، وإنما سألها حاجب حسدًا لنا. وأبوا عليه، فقال الحارث بن شهاب، وهو عند النعمان: إن بني يربوع لا يسلمون ردافتهم إلى غيرهم، وقال حاجب: إن بعث الملك إليهم جيشًا يمنعوه ولم يمتنعوا، فبعث النعمان إليهم قابوسًا ابنه، وحسان بن المنذر، وكان قابوس على الناس، وحسان على المقدمة. وبعث معهم الصنائع والوضائع. والصنائع ما كان يأتيه من العرب، والوضائع المقيمون بالحيرة، فالتقوا بطخفة (٢)، فهزم قابوس ومَنْ مَعَهُ، وضرب طارق أبو عميرة فرس قابوس فَعَقَرَهُ، وأخذه ليجز ناصيته. فقال قابوس: إن الملوك لا تُجَزُّ نواصيها، فَجَزَّهُ وأرسله إلى أبيه، وأما حسان بن المنذر فأسَرَهُ بشر بن عمرو الرياحي، ثم مَنَّ عليه وأرسله، ففي ذلك يقول مالك بن نويرة (٣): [من الطويل] ونحنُ عقرنا مُهر قابوس بعدما … رأى القومُ منه الموت والخيلُ تُلْحِبُ عليه دلاص ذات نسج وسيفُهُ … جُرانٌ مِنَ الهندي أبيض مقضب ويوم فيف الريح (٤): وكان قد تجمعت فيه قبائل مذحج على بني عامر بن صعصعة، وعلى بني عامر، عامر (٥) بن مالك ملاعب الأسنة، فارفضت قبائل عامر، وثبتت بنو نمير وفيها يقول مسهر (٦): [من الطويل] وهَصْتُ (٧) بخرص الرمح مُقْلَةَ عامرٍ … فأضحى بخيصًا في الفوارس أعورا وغادر فينا رُمْحَهُ وسِلاحَهُ … وأَدْبَرَ يدعو في الهوالكِ جَعْفَرا

стр. 8574

وَكُنّا إِذا قَيسِيَّةٌ ذَهَبَتْ (١) بِنَا … جَرَى دَمعُهَا مِنْ عَينِهَا مُتَحَدِّرَا (٢) مَخَافَةَ مَا لَاقَتْ خَلِيلَةُ عَامِرٍ … مِنَ الشَّرِّ إِذْ سِربَالُهَا قَدْ تَعَفَّرَا قال: وكانت هذه الوقعة، وقد بعث رسول الله ﷺ بمكة. وأدرك مسهر بن يزيد الإسلام، فأسلم (٣). ويوم زرود الأول (٤): وكان قد غزا الحوفزان على نعم لبني عبس، وأتى الصريخ بني عبس فلحقوا الحوفزان، ثم كان الظفر له. ويوم كنهل (٥): وكان قد نزل ابنا هجيمة من غسان في جيش، فنزلا ببني يربوع، فأغار عليهم أناس من ثعلبة بن يربوع، فاستاقوا نعمهم. وأسروا من كان في النعم، فركب قيس بن هجيمة حتى أدرك بني ثعلبة فكر عليه عتيبة بن الحارث، وتبارزا، فقتل (عتيبة) (٦) بن الحارث بن قيس (هجيمة) (٧) فأتى أخوه الهرماس بن هجيمة، فوقف على أخيه قتيلًا، ثم قال (لعتيبة بن الحارث) (٨): هل لك في البراز، فقال: لعل الرجعة خير لك، قال: أبعد قيس، ثم شدّ عليه وضربه على البيضة فخلص إلى رأسه، وضربه عتيبة بن الحارث فقتله. ويوم الجبابات (٩): وكان لبني بكر بن وائل على بني ثعلبة بن يربوع. ويوم الشعب (١٠)، وكان لبني تغلب على بني يربوع. ويوم غول الثاني (١١)، وكان لبني تميم على بكر بن وائل.

стр. 8575

ويوم الخندمة (١)، كان رجل (٢) من مشركي قريش يحدّ حربة يوم فتح مكة، فقالت له امرأته: ما تصنع بهذه، قال: أعددتها لمحمد وأصحابه، فقال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعض نسائهم، وأنشأ يقول: [من الرجز] إن يُقبلوا اليوم فمالي علَّه هذا سلاح كامل وألَّه (٣) وذو غرارين سريع السلة فلما لقيهم خالد يوم الخندمة انهزم الرجل لا يلوي على شيء، فلامته امرأته في ذلك. فقال: [من الرجز] إنك لو شهدت يوم الخندمة … إِذْ فرَّ صفوان (٤) وفرَّ عِكْرِمة (٥) ولقيتنا بالسيوف المسلمهُ … يَفلقنَ كلَّ ساعد وجمجمه ضربًا فلا تُسْمِعُ إِلا غمغمة … لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة وهذه القصة تذكر إن شاء الله تعالى في أثناء السيرة النبوية يوم فتح مكة. ويوم اللهيماء (٦): وكان (بين عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل) (٧) من بني عبد بن عدي بن الدول بن بكر بن عبد مناة. ويوم خزاز (٨): وكان الرجل من أهل اليمن يجيء ومعه كاتب (٩) وطنفسة يقعد عليها، فيأخذ من أموال نزار ما شاء كعمال صدقاتهم اليوم، وكان أول يوم امتنعت فيه مَعَد عن ملوك حِمْيَر، وكانت نزار لم تكثر بعد، فأوقدوا نارًا على خزاز ثلاث ليال، ودخنوا ثلاثة أيام. فقيل له وما خزاز. قال (١٠): هو جبل خلفه صخر منعج (١١)، ففي ذلك اليوم

стр. 8576

امتنعت نزار من أهل اليمن. قال عمرو بن كلثوم (١): [من الوافر] ونحن غداة أوقد في خزاز … رفدنا (٢) فوق رفد الرافدينا فكنا الأيمنين إذا التقينا … وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولة فيما يليهم … وصلنا صولة فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا … وأبنا بالملوك مصفدينا قال عمرو بن العلاء: ولو كان جده كليب وائل قائدهم ورئيسهم ما ادعى الرفادة وترك الرئاسة. ويوم النسار (٣): وكان قد اجتمعت أسد وطيئ وغطفان وضبة وعدي فغزوا بني عامر، وقتلوهم قتلا ذريعا، ثم انتصرت تميم لعامر، فقتلوا أشد من قتل عامر. ويوم ذات الشقوق (٤): وسببه أن ضميرة بن ضمرة النهشلي قال: الخمر علي حرام حتى يكون لنا يوم نكافئه فيه، فأغار عليهم يوم ذات الشقوق فقتلهم. ويوم خو (٥): أغارت بنو (٦) أسد على بني يربوع، فاكتسحوا إبلهم، فأتى الصريخ الحي، فلم يتلاحقوا إلا مساء بموضع يقال له خو، وكان ذؤاب بن ربيعة بن الأشتر على فرس أنثى فكان عتيبة بن الحارث بن شهاب على حصان يستنشق ريح الأنثى في سواد الليل، ويتبعها، فلم يعلم عتيبة إلا وقد أقحم فرسه على ذؤاب بن ربيعة، وعتيبة غافل لا يبصر ما بين يديه. فرآه ذؤاب فطعنه في نحره فقتله، ولحق الربيع بن عتيبة فشد على ذؤاب فأسره وهو لا يعلم أنه قاتل أبيه، فلم يزل عنده أسيرا حتى فاداه أبوه ربيعة بإبل قاطعه عليها، وتواعدا (٧) سوق عكاظ في الأشهر الحرام، أن يأتي هذا بالإبل (٨)، وشغل الربيع بن عتيبة فلم يحضر سوق عكاظ فظن ربيعة بذؤاب، أن ذؤابا قتل بعتيبة فقال يرثيه (٩): [من الكامل] أبلغ قبائل جعفر مخصوصة … ما إن أحاول جعفر بن كلاب

стр. 8577

إِنَّ المودَّةَ والهوادةَ بيننا … خَلْقٌ كَسُحْق الريطة المنجاب ولقد علمت على التجلد والأسى … أَنَّ الرزية كان يوم ذُؤاب إن يقتلوك فقدْ هَتَكتَ بيوتَهُم … بعتيبة بن الحارث بن شهاب بأحبّهم فقدًا إلى أعدائه … وأشدهم فقدًا على الأصحاب فلما بلغ إليهم الشعر قتلوا ذؤاب بن ربيعة. أيام الفجار (١): الفجار الأول (٢): قال أبو عبيدة: أيام الفجار عدّة، فأولها بين كنانة وهوازن، وكان الذي هاجَهُ إِنْ بدر بن معشر أحد بني غفار (٣) بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة جعل له مجلسًا بسوق عكاظ، وكان منيعًا في نفسه، فقام في المجلس، وقام على رأسه قائم، وأنشأ يقول: [من الرجز] نحنُ بنو مُدْرِكةَ بن خندفِ … مَنْ يطعنوا في عينه لا يطرفِ (٤) ومن يكونوا قومَه يُغَطِّرِفِ … كأنهم لُجَّةُ بَحْرٍ مُسْدَفِ قال: ومد رجليه وقال: أنا أعَزُّ العرب، فمن زَعَمَ أنه أعزّ مني فليضربها فضربها الأحيمر بن مازن أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية فأندرها من الركبة. وقال: خذها إليك أيها المخندف. قال أبو عبيدة: إنما حرصها حريصة يسيرة. وقال في ذلك: [من الرجز] نحن بنو دهمان ذو التغطرفِ … بحرٌ لِبَحْرِ رَاخِرِ لَمْ يُنْزَف قال أبو عبيدة: فتحاور الحيان عند ذلك حتى كاد يكون بينهم (الدماء) (٥). فقال: ثم تراجعوا ورأوا أن الخطب يسير. الفجار الثاني (٦): قال: كان الفجار الثاني بين قريش وهوازن، وكان الذي هاجه

стр. 8578

أنّ فتية من بني قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة وضيئة بسوق عكاظ، وقالوا بل أطاف بها شباب من كنانة، وعليها برقع فسألوها أن تُسفر عن وجهها، فأبَتْ عليهم، فأتى أحدهم من خَلْفِها فشدّ برد (١) درعها بشوكة إلى ظهرها، وهي لا تدري، فلما قامت. تقلّص الدرع عن دبرها (٢)، وقالوا: مَنَعتْنَا النظر إِلى وَجْهِها، فقد رأينا دبرها، فنادت المرأة: يا لعامر فتحاور الناس، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة. فحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم. الفجار الثالث (٣): وهو بين كنانة وهوازن، وكان الذي هاجه أن رجلًا من بني كنانة، كان عليه دين لرجل من نصر بن معاوية، فأعدم الكناني، فوافى النصري بسوق عكاظ، بقرد فوقفه في سوق عكاظ فقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان حتى أكثر في ذلك. وإنما فعل ذلك تعييرًا للكناني ولقومه، فمر به رجل من بني كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله، فهتف النصري يالهوازن! وهتف الكناني يا لكنانة، فتهايج الناس، حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم رأوا الخطب يسيرًا فتراجعوا. قال أبو عبيدة: إنما سميت هذه الأيام بالفجار؛ لأنها كانت في الحرم، وهي الشهور التي يحرمونها، وهذه يقال لها: أيام الفجار الأول. الفجار الآخر (٤): وهو بين قريش وكنانة كلّها وبين هوازن، وإنما هاجها البراض (٥) بقتله عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، فأبَتْ أن تقتل بعروة البراض؛ لأن عروة سيد هوازن، والبراض خليع من بني كنانة. وأرادوا أن يقتلوا سيدًا من قريش وهذه الحرب كانت قبل مبعث النبي ﷺ بست وعشرين سنة، وقال رسول الله ﷺ : كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة، يعني أناولهم النبل، وكان سبب هذه الحرب: أن النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة كان يبعث لسوق عكاظ في كل يوم بلطيمة في جوار رجل شريف من أشراف العرب، يجيرها له حتى تباع هنالك، ويشتري له بها من أدم الطائف ما يحتاج إليه، وكانت سوق عكاظ تقوم في أوّل

стр. 8579

يوم من ذي القعدة، فيتسوقون إلى حضور الحج ثم (١) يحجون فجهز النعمان عير اللطيمة، ثم قال: من يجيرها؟ فقال البراض بن قيس الضمري (٢): أنا أجيرها على بني كنانة، فقال النعمان: ما أُريد إلا رجلًا يجيرها على أهل نجد وتهامة فقال عروة (٣)، وهو يومئذ رجل هوازن: أكَلب خليع يجيرها لك أبيت اللعن؟ أنا أجيرها لك على أهل الشيح والقيصوم من أهل نجد وتهامة، فقال البراض: أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة، قال: وعلى الناس كلهم فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها، وتبعه البراض، وعروة لا يخشى منه شيئًا، إلى أن نزل بأرض يقال لها أوارة (٤) فشرب من الخمر، وغنته قينته، ثم قام، فجاء البراض فدخل عليه، فناشَدَهُ عروة، قال: كانت مني زلة وكانت الفعلة (٥) مني ضلّة فقتله (٦) وخرج وهو يرتجز ويقول: [من الرجز] قد كانت الغفلة مني ضلّه هلًا على غيري جَعَلْت الزَّله فسوف أعلو بالحسام القلة وقال (٧): [من الوافر] وداهية يهال الناس منها … شددت لها بني (بكر) (٨) ضلوعي هتكت بها بيوت بني كلاب … وأرضعت الموالي بالضروع (٩) جَمَعْتُ لهُ يديَّ بنصل سيف أفل (فخر) كالجدع الصريع (١٠) واستاق اللطيمة إلى خيبر واتبعه المساور بن مالك الغطفاني وأسد بن خيثم (١١) الغنوي حتى دخلا خيبر، فكان البراض أوّل مَنْ لقيهما، فقال لهما: من الرَّجُلان؟ قالا: من غطفان وغني. قال البراض: ما شأن غطفان وغني بهذا البلد؟ قالا: ومن أنت؟ قال: من أهل خيبر، قالا: ألك علم بالبراض؟ قال: دخل علينا طريدًا خليعًا

стр. 8580

فلم يؤوه أحد بخيبر، ولا أدْخَلَهُ بيتًا. قالا: فأين يكون؟ قال: وهل لكما (به) (١) طاقة إِنْ دَلَلْتُكُما عليه؟ قالا: نعم، قال: فأنزلا فنزلا وعقلا راحلتيهما، قال: أيكما أجرأ عليه، وأمضى مقدمًا، وأحَدُّ سيفًا؟ (قال) (٢) الغطفاني: أنا. قال: فانطلق أدلك عليه. فانطلقا حتى انتهيا إلى خربة في جانب خيبر خارجة عن البيوت، فقال البراض: هو في هذه الخربة، وإليها يأوي، فأنظرني حتى أنظر، أثم هو أم لا، فوقف له، ودخل البراض، ثم خرج إليه، وقال: هو نائم في البيت الأقصى خلف هذا الجوار، فهل عندك سيفك صرامة (٣)، قال: نعم، قال: هات سيفك أنظر إليه، أصارم هو، فأعطاه سيفه، فهزه البراض ثم ضربه فقتله، ثم وضع السيف خلف الباب، وأقبل إلى الغنوي، فقال: ما وراءك؟ قال: لم أرَ! أجبن من صاحبك (٤)، تركته قائمًا في البيت الذي فيه الرجل، والرجل نائم، لا يتقدم إليه ولا يتأخر، قال الغنوي: يا لهفاه، لو كان لي من ينظر راحلتينا/ ١١٨/ قال البراض: هما علي إن ذهبتا، فانطلق الغنوي والبراض خلفه حتى جاوز (٥) الغنوي باب الخربة، أخذ البراض السيف من خلف الباب ثم ضربه حتى قتله، وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما وانطلق، وبلغ قريشًا خبر البراض بسوق عكاظ. فخلصوا نجيًا، واتبعتهم قيس لما بَلَغَهُم أنَّ البراض قتل عروة الرحال وعلى قيس أبو براء عامر بن مالك، فأدركوهم، وقد دخلوا الحرم، فنادوهم، يا معشر قريش، إنَّا نعاهد الله، ألا يطل دم عروة أبدًا، أو نقتل عظيمًا منكم، وميعادنا معكم هذه الليالي من العام القابل، فقال حرب بن أمية لأبي سفيان ابنه، قل لهم إن موعدكم قابل في هذا اليوم. فقال خداش بن زهير في هذا اليوم، وهو يوم نخلة من أبيات أولها (٦): [من البسيط] يا شِدَّةً ما شَدَدْنا غير كاذبة … على سخينة لولا الليل والحرم وكانت العرب تسمي قريشًا سخينة لأكلها السخن. يوم شمظة (٧): وهو يوم نخلة من الفجار الآخر، قال: فجمعت كنانة قريشها وعبد مناتها والأحابيش، ومن لحق بهم من بني أسد بن خزيمة، وألْبَسَ يومئذ عبد الله بن
следующие страницы →