← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

امتنعت نزار من أهل اليمن. قال عمرو بن كلثوم (١): [من الوافر] ونحن غداة أوقد في خزاز … رفدنا (٢) فوق رفد الرافدينا فكنا الأيمنين إذا التقينا … وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولة فيما يليهم … وصلنا صولة فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا … وأبنا بالملوك مصفدينا قال عمرو بن العلاء: ولو كان جده كليب وائل قائدهم ورئيسهم ما ادعى الرفادة وترك الرئاسة. ويوم النسار (٣): وكان قد اجتمعت أسد وطيئ وغطفان وضبة وعدي فغزوا بني عامر، وقتلوهم قتلا ذريعا، ثم انتصرت تميم لعامر، فقتلوا أشد من قتل عامر. ويوم ذات الشقوق (٤): وسببه أن ضميرة بن ضمرة النهشلي قال: الخمر علي حرام حتى يكون لنا يوم نكافئه فيه، فأغار عليهم يوم ذات الشقوق فقتلهم. ويوم خو (٥): أغارت بنو (٦) أسد على بني يربوع، فاكتسحوا إبلهم، فأتى الصريخ الحي، فلم يتلاحقوا إلا مساء بموضع يقال له خو، وكان ذؤاب بن ربيعة بن الأشتر على فرس أنثى فكان عتيبة بن الحارث بن شهاب على حصان يستنشق ريح الأنثى في سواد الليل، ويتبعها، فلم يعلم عتيبة إلا وقد أقحم فرسه على ذؤاب بن ربيعة، وعتيبة غافل لا يبصر ما بين يديه. فرآه ذؤاب فطعنه في نحره فقتله، ولحق الربيع بن عتيبة فشد على ذؤاب فأسره وهو لا يعلم أنه قاتل أبيه، فلم يزل عنده أسيرا حتى فاداه أبوه ربيعة بإبل قاطعه عليها، وتواعدا (٧) سوق عكاظ في الأشهر الحرام، أن يأتي هذا بالإبل (٨)، وشغل الربيع بن عتيبة فلم يحضر سوق عكاظ فظن ربيعة بذؤاب، أن ذؤابا قتل بعتيبة فقال يرثيه (٩): [من الكامل] أبلغ قبائل جعفر مخصوصة … ما إن أحاول جعفر بن كلاب

стр. 8577

إِنَّ المودَّةَ والهوادةَ بيننا … خَلْقٌ كَسُحْق الريطة المنجاب ولقد علمت على التجلد والأسى … أَنَّ الرزية كان يوم ذُؤاب إن يقتلوك فقدْ هَتَكتَ بيوتَهُم … بعتيبة بن الحارث بن شهاب بأحبّهم فقدًا إلى أعدائه … وأشدهم فقدًا على الأصحاب فلما بلغ إليهم الشعر قتلوا ذؤاب بن ربيعة. أيام الفجار (١): الفجار الأول (٢): قال أبو عبيدة: أيام الفجار عدّة، فأولها بين كنانة وهوازن، وكان الذي هاجَهُ إِنْ بدر بن معشر أحد بني غفار (٣) بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة جعل له مجلسًا بسوق عكاظ، وكان منيعًا في نفسه، فقام في المجلس، وقام على رأسه قائم، وأنشأ يقول: [من الرجز] نحنُ بنو مُدْرِكةَ بن خندفِ … مَنْ يطعنوا في عينه لا يطرفِ (٤) ومن يكونوا قومَه يُغَطِّرِفِ … كأنهم لُجَّةُ بَحْرٍ مُسْدَفِ قال: ومد رجليه وقال: أنا أعَزُّ العرب، فمن زَعَمَ أنه أعزّ مني فليضربها فضربها الأحيمر بن مازن أحد بني دهمان بن نصر بن معاوية فأندرها من الركبة. وقال: خذها إليك أيها المخندف. قال أبو عبيدة: إنما حرصها حريصة يسيرة. وقال في ذلك: [من الرجز] نحن بنو دهمان ذو التغطرفِ … بحرٌ لِبَحْرِ رَاخِرِ لَمْ يُنْزَف قال أبو عبيدة: فتحاور الحيان عند ذلك حتى كاد يكون بينهم (الدماء) (٥). فقال: ثم تراجعوا ورأوا أن الخطب يسير. الفجار الثاني (٦): قال: كان الفجار الثاني بين قريش وهوازن، وكان الذي هاجه

стр. 8578

أنّ فتية من بني قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة وضيئة بسوق عكاظ، وقالوا بل أطاف بها شباب من كنانة، وعليها برقع فسألوها أن تُسفر عن وجهها، فأبَتْ عليهم، فأتى أحدهم من خَلْفِها فشدّ برد (١) درعها بشوكة إلى ظهرها، وهي لا تدري، فلما قامت. تقلّص الدرع عن دبرها (٢)، وقالوا: مَنَعتْنَا النظر إِلى وَجْهِها، فقد رأينا دبرها، فنادت المرأة: يا لعامر فتحاور الناس، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة. فحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم. الفجار الثالث (٣): وهو بين كنانة وهوازن، وكان الذي هاجه أن رجلًا من بني كنانة، كان عليه دين لرجل من نصر بن معاوية، فأعدم الكناني، فوافى النصري بسوق عكاظ، بقرد فوقفه في سوق عكاظ فقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان حتى أكثر في ذلك. وإنما فعل ذلك تعييرًا للكناني ولقومه، فمر به رجل من بني كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله، فهتف النصري يالهوازن! وهتف الكناني يا لكنانة، فتهايج الناس، حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم رأوا الخطب يسيرًا فتراجعوا. قال أبو عبيدة: إنما سميت هذه الأيام بالفجار؛ لأنها كانت في الحرم، وهي الشهور التي يحرمونها، وهذه يقال لها: أيام الفجار الأول. الفجار الآخر (٤): وهو بين قريش وكنانة كلّها وبين هوازن، وإنما هاجها البراض (٥) بقتله عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، فأبَتْ أن تقتل بعروة البراض؛ لأن عروة سيد هوازن، والبراض خليع من بني كنانة. وأرادوا أن يقتلوا سيدًا من قريش وهذه الحرب كانت قبل مبعث النبي ﷺ بست وعشرين سنة، وقال رسول الله ﷺ : كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة، يعني أناولهم النبل، وكان سبب هذه الحرب: أن النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة كان يبعث لسوق عكاظ في كل يوم بلطيمة في جوار رجل شريف من أشراف العرب، يجيرها له حتى تباع هنالك، ويشتري له بها من أدم الطائف ما يحتاج إليه، وكانت سوق عكاظ تقوم في أوّل

стр. 8579

يوم من ذي القعدة، فيتسوقون إلى حضور الحج ثم (١) يحجون فجهز النعمان عير اللطيمة، ثم قال: من يجيرها؟ فقال البراض بن قيس الضمري (٢): أنا أجيرها على بني كنانة، فقال النعمان: ما أُريد إلا رجلًا يجيرها على أهل نجد وتهامة فقال عروة (٣)، وهو يومئذ رجل هوازن: أكَلب خليع يجيرها لك أبيت اللعن؟ أنا أجيرها لك على أهل الشيح والقيصوم من أهل نجد وتهامة، فقال البراض: أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة، قال: وعلى الناس كلهم فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها، وتبعه البراض، وعروة لا يخشى منه شيئًا، إلى أن نزل بأرض يقال لها أوارة (٤) فشرب من الخمر، وغنته قينته، ثم قام، فجاء البراض فدخل عليه، فناشَدَهُ عروة، قال: كانت مني زلة وكانت الفعلة (٥) مني ضلّة فقتله (٦) وخرج وهو يرتجز ويقول: [من الرجز] قد كانت الغفلة مني ضلّه هلًا على غيري جَعَلْت الزَّله فسوف أعلو بالحسام القلة وقال (٧): [من الوافر] وداهية يهال الناس منها … شددت لها بني (بكر) (٨) ضلوعي هتكت بها بيوت بني كلاب … وأرضعت الموالي بالضروع (٩) جَمَعْتُ لهُ يديَّ بنصل سيف أفل (فخر) كالجدع الصريع (١٠) واستاق اللطيمة إلى خيبر واتبعه المساور بن مالك الغطفاني وأسد بن خيثم (١١) الغنوي حتى دخلا خيبر، فكان البراض أوّل مَنْ لقيهما، فقال لهما: من الرَّجُلان؟ قالا: من غطفان وغني. قال البراض: ما شأن غطفان وغني بهذا البلد؟ قالا: ومن أنت؟ قال: من أهل خيبر، قالا: ألك علم بالبراض؟ قال: دخل علينا طريدًا خليعًا

стр. 8580

فلم يؤوه أحد بخيبر، ولا أدْخَلَهُ بيتًا. قالا: فأين يكون؟ قال: وهل لكما (به) (١) طاقة إِنْ دَلَلْتُكُما عليه؟ قالا: نعم، قال: فأنزلا فنزلا وعقلا راحلتيهما، قال: أيكما أجرأ عليه، وأمضى مقدمًا، وأحَدُّ سيفًا؟ (قال) (٢) الغطفاني: أنا. قال: فانطلق أدلك عليه. فانطلقا حتى انتهيا إلى خربة في جانب خيبر خارجة عن البيوت، فقال البراض: هو في هذه الخربة، وإليها يأوي، فأنظرني حتى أنظر، أثم هو أم لا، فوقف له، ودخل البراض، ثم خرج إليه، وقال: هو نائم في البيت الأقصى خلف هذا الجوار، فهل عندك سيفك صرامة (٣)، قال: نعم، قال: هات سيفك أنظر إليه، أصارم هو، فأعطاه سيفه، فهزه البراض ثم ضربه فقتله، ثم وضع السيف خلف الباب، وأقبل إلى الغنوي، فقال: ما وراءك؟ قال: لم أرَ! أجبن من صاحبك (٤)، تركته قائمًا في البيت الذي فيه الرجل، والرجل نائم، لا يتقدم إليه ولا يتأخر، قال الغنوي: يا لهفاه، لو كان لي من ينظر راحلتينا/ ١١٨/ قال البراض: هما علي إن ذهبتا، فانطلق الغنوي والبراض خلفه حتى جاوز (٥) الغنوي باب الخربة، أخذ البراض السيف من خلف الباب ثم ضربه حتى قتله، وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما وانطلق، وبلغ قريشًا خبر البراض بسوق عكاظ. فخلصوا نجيًا، واتبعتهم قيس لما بَلَغَهُم أنَّ البراض قتل عروة الرحال وعلى قيس أبو براء عامر بن مالك، فأدركوهم، وقد دخلوا الحرم، فنادوهم، يا معشر قريش، إنَّا نعاهد الله، ألا يطل دم عروة أبدًا، أو نقتل عظيمًا منكم، وميعادنا معكم هذه الليالي من العام القابل، فقال حرب بن أمية لأبي سفيان ابنه، قل لهم إن موعدكم قابل في هذا اليوم. فقال خداش بن زهير في هذا اليوم، وهو يوم نخلة من أبيات أولها (٦): [من البسيط] يا شِدَّةً ما شَدَدْنا غير كاذبة … على سخينة لولا الليل والحرم وكانت العرب تسمي قريشًا سخينة لأكلها السخن. يوم شمظة (٧): وهو يوم نخلة من الفجار الآخر، قال: فجمعت كنانة قريشها وعبد مناتها والأحابيش، ومن لحق بهم من بني أسد بن خزيمة، وألْبَسَ يومئذ عبد الله بن

стр. 8581

جدعان (١) مائة كَميّ السلاح بأداة كاملة سوى ما أَلْبَسَ مِنْ قومه والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة. قال: وجمعت سليم وهوازن جموعها وأحلافهما غير كلاب وبني كعب، فإنهما لم يشهدا يومًا من أيام الفجار غير يوم نخيلة، فاجتمعوا بِشَمْطَةَ من عُكاظ في هذه الأيام التي تواعدوا فيها على قرن الحول وعلى كل قبيلة من قريش وكنانة سيدها، وكذلك كل قبائل قيس، غير أن أمر كنانة كلّها إلى حرب بن أمية، وعلى إحدى مجنبتيها عبد الله بن جدعان، وعلى الأخرى كريز بن ربيعة. وحرب بن أمية في القلب. وأمر هوازن كلّها إلى مسعود بن معتب الثقفي، فزحف بعضهم إلى بعض، فكانت الدائرة في أول النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان من آخر النهار تداعت هوازن، وصابرت وانكشفت كنانة، فاستمر القتل فيهم. فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، ويقال ثمانون ولم يقتل من قريش أحد يُذكر، فكان هذا اليوم لهوازن على كنانة. يوم العبلاء (٢): قال: ثم رجع هؤلاء وأولئك، فالتقوا على قرن الحول من يوم عكاظ والرؤساء عليهم الذين ذكرنا في يوم شمطة، فكان هذا اليوم أيضًا لهوازن على كنانة، وفي هذا اليوم قتل العوام بن خويلد (والد) الزبير، قتله مرة بن معتب الثقفي، فقال رجل من ثقيف: [من البسيط] منا الذي تَرَك العوام مُنْجدِلًا … تنتابه الطير لحمًا بين أحجار يوم شرب (٣): ثم جمع هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول في اليوم الثالث من أيام عكاظ، فالتقوا بِشُرْب، وهو أعظم أيامهم والرؤساء عليهم وعلى المجنبتين من ذكرنا، وحمل ابن جدعان يومئذ مائة رجل على مائة بعير، ممن لم تكن لهم حمولة، فالتقوا. وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان، يوم شمطه والعبلاء، فحميت قريش وكنانة، وصابرت بنو مخزوم وبنو بكر فانهزمت هوازن، وقُتلت قتلًا ذريعًا، فقال عبد الله بن الزبعرى (٤) يمدح بني المغيرة: [الهزج]

стр. 8582

ألا الله قومٌ وَلَدَتْ … أختُ بني سهم (١) هشام وأبو عبد منافٍ … مِدْرَهُ الخم وذو الرمحين أشباك … من القوة والحزم فهذان يذودان وذا … من كب يرمي وأبو عبد مناف: هاشم بن المغيرة (٢)، وذو الرمحين: أبو ربيعة بن المغيرة. قاتل يوم شرب برمحين. وأمهم ريطة (٣) بنت سعيد بن سهم، فقال في ذلك جذل الطعان (٤): [من البسيط] جاءت هوازن أرسالًا وإخوتها … بنو سليم فهابوا الموت وانصرفوا فاستقبلوا بضراب فض جمَعُهُم … مثل الحريق، فما عاجوا ولا عطفوا يوم الحريرة: ثم جمع هؤلاء وأولئك، والتقوا على راس الحول بالجريرة، وهي حرة إلى جنب عكاظ، والرؤساء على هؤلاء الذين كانوا في سائر الأيام. وكذلك على المجنبتين. إلا أن أبا مساحق (٥) بن قيس اليعمري قد كان مات، فكان بعده على بكر بن عبد مناة ابن كنانة أخوه جثامة بن قيس، فكان يوم الحريرة لهوازن على كنانة، وهو آخر الأيام الخمسة التي تزاحفوا فيهنّ، فقُتل يومئذ أبو (٦) سفيان ابن أمية أخو حرب بن أمية، وقتل من بني كنانة ثمانية نفر، قتلهم عثمان بن أسيد (٧) بن مالك من (٨) عامر بن صعصعة، وقتل جماعة أخر (٩)، فقال خداش بن زهير: [من البسيط] إني منَ النَّفَرِ المحمرّ أعْيُنُهُمْ … أهل السوام وأهل الصخر واللوب الطاعنين نحور الخيل مُقْبِلةً … بكلِّ سمراء لم تُغلب ومغلوب وقد بلؤتم وأبلوكم بلاءَهم … يوم الحريرة ضربًا غير تكذيب (١٠)

стр. 8583

لَاقَيْتُمُ (١) منهم أَسَادَ مَلْحَمَةٍ … ليسوا بُورَاعَةَ (٢) عُوجَ العَرَاقِيبِ فالآنَ إِنْ تَقْبَلُوا نَأْخُذْ نُحُورَكُمْ … وَإِنْ تُبَاهُوا فَإِنِّي غَيْرُ مَغْلُوبِ وقال الحارث بن كلدة الثقفي: [من الوافر] تَرَكْتُ الفَارِسَ البُذَّاخَ منهمْ … تَتَجُّ (٣) عُرُوقُهُ عَلَقًا عَبِيطَا دَعَسْتُ لُبانَهُ بالرُّمحِ حتى … سَمِعْتُ لَمْتَنَهُ فيهِ أَطِيطَا لقدْ أَرْدَيْتَ قَوْمَكَ بابْنِ صَخْرٍ … وَقَدْ جَشَّمْتُمُ أمَمًا سَلِيطَا وَكَمْ أَسْلَمْتُ منكمْ كَمِيٌّ … جَرِيحًا قدْ سَمِعْتُ له غَطِيطَا مضت أيام الفجار الآخر، وهي خمسة أيام في أربع سنين، قال أبو عبيدة: ثم تداعى الناس إلى السلم على أن بذروا الفضل ويتعاهدوا ويتواثقوا. يوم عين أباغ (٤): قال أبو عبيدة: كان ملك العرب المنذر الأكبر بن ماء السماء، ثم مات فملك بعده ابنه عمرو. ثم هلك، فملك أخوه قابوس، ثم مات، فملك أخوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء، وذلك في مملكة كسرى بن هرمز. فغزاه الحارث الغساني وكان بالشام من جهة قيصر، فالتقوا بعين أباغ، فقُتل المنذر، فولى كسرى النعمان بن المنذر، وقد سعي إلى كسرى في النعمان فقتله، وقد تقدم ذكر سبب ولايته ومقتله، وكان النعمان لما تحقق غضب كسرى عليه، هرب ثم علم أنه لا منجى له من يد كسرى، فقدم إليه فقتله، واستعمل كسرى على العرب إياس بن قبيصة الطائي، وكان النعمان لما شخص إلى كسرى أودع حلقته - وهي ثمانمائة درع وسلاحًا كثيرًا - هاني بن مسعود الشيباني. وجعل عنده ابنته هند التي تُسمَّى حرقة، فلما قتل النعمان، قالت فيه الشعراء، فقال زهير بن أبي سلمى من أبيات (٥): [من الطويل] أَلَمْ تَرَ لِلنُّعْمَانِ كَانَ بِنَجْوَةٍ … مِنَ الشَّرِّ لَوْ أَنَّ امرءًا كَانَ نَاجِيا (٦) فلم أر مخذولًا له مثلُ مُلْكِهِ … أقل صَدِيقًا بَاذِلًا ومُواسِيا (٧) يوم ذي قار (٨): قال أبو عبيدة: يوم ذي قار هو يوم الحنو، ويوم قراقر. ويوم

стр. 8584

الجبايات، ويوم ذات العجرم، ويوم بطحاء (١) ذي قار. قال أبو عبيدة: ولم يكن هاني بن مسعود المستودع حلقة النعمان، وإنما هو ابن ابنه، واسمه هاني بن قبيصة بن هاني بن مسعود؛ لأن وقعة ذي قار كانت وقد بعث النبي ﷺ ، وخبر أصحابه بها، فقال: اليوم أول يوم انتصف فيه العرب من العجم، وبي نصروا. ولما قتل النعمان كتب كسرى إلى إياس قبيصة يأمره أن يضم ما كان للنعمان، فأبى هاني بن قبيصة أن يسلم ذلك إليه، فغضب كسرى وأراد استئصال بكر بن وائل، فقدم عليه النعمان بن زرعة التغلبي، فقال: يا خير الملوك ألا أدلك على غرة بكر بن وائل؟ قال: نعم. قال: أقرها وأظهر الإضراب عنها. حتى يجليها القيظ ويدنيها منك، فأقرهم حتى إذا فاضوا نزلت بكر حنو ذي قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيرهم بين ثلاث خصال، إما أن يسلموا الحلقة (٢)، وإما أن يعروا الديار، وإما أن يأذنوا بحرب! فتنازعت بكر بينها، ففهم هاني بن قبيصة بركوب الفلاة، وأشار به على بكر وقال: لا طاقة لكم بجموع الملك. فلم تر من هاني سقطة قبلها، وقال حنظلة بن ثعلبة (بن) (٣) سيار العجلي: لا أرى غير القتال، فإنا إن ركبنا الفلاة متنا عطشا، وإن أعطينا بأيدينا تقتل مقاتلتنا وتسبى ذرارينا، فراسلت بكر بينها، وتوافت بذي قار، ولم يشهدها أحد من بني حنيفة. ورؤساء بكر يومئذ ثلاثة نفر: هاني بن قبيصة الشيباني، ويزيد بن مسهر الشيباني، وحنظلة بن ثعلبة العجلي، فقال ثعلبة (٤) لهانئ بن قبيصة: يا أبا أمامة إن ذمتكم ذمتنا عامة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرقها بين قومك، فإن تظفر فسترد عليك، وإن تهلك فأهون مفقود، ففرقها فيهم، وقال للنعمان (٥): لولا أنك رسول ما أبت إلى قومك سالما، قال: فعقد كسرى للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر. وعقد لخالد بن زيد البهراني على قضاعة وإياد. وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه الشهباء ودوس، وعقد للهامرز التستري على ألف من الأساورة. وكتب إلى قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين، وكان

стр. 8585

عامله على طف سفوان (١)، يأمره أن يوافي إياس بن قبيصة فسار إليه، وسار إياس بمن معه من الجند وغيرهم، فلما دنوا من بكر انسل قيس بن مسعود إلى قومه ليلًا فأمرهم بالصبر، ثم رجع فلما التقى الزحفان وتقرب القوم، قام حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي، فقال: يا معشر بكر (إن نشاب الأعاجم تفرقهم) (٢)، فعاجلوهم إلى اللقاء، وابدؤهم بالشدّة. وقال هانيء بن مسعود: يا قوم هلك مغرور خير من منجي مقدور. إنّ الجزع لا يردّ (٣) القدر، وإِنَّ الصبر من أسباب الظفر، المنية خير من الدنية، واستقبال المنية خير من استدبارها، فالجدّ الجدّ، فما من الموت بد. ثم قام حنظلة بن ثعلبة، فقطع وضن النساء، فسقطن إلى الأرض، قال: ليقاتل كل رجل عن حليلته، فسمّى مقطع (٤) الوضن قال: وقطع يومئذ سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبها (٥) لتخف أيديهم بضرب السيوف، فتجالد القوم، وقتل يزيد (٦) بن حارثة اليشكري الهامرز مبارزة، ثم قتل يزيد (٧) بعد ذلك، وصرف الله وجوه الفرس فانهزموا، واتبعتهم بكر حتى دخلوا السواد في طلبهم. وأسر النعمان بن زرعة التغلبي، ونجا إياس بن قبيصة على فرسه الحمامة. وكان أوّل من انصرف إلى كسرى بالهزيمة هو، وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش (٨) إلا نزع كتفيه، فلما أتاه إياس بن قبيصة سأله عن الجيش، فقال: هزمنا بكر بن وائل، وأتيناك ببناتهم، فأعجب بذلك كسرى، وأمر له بكسوة، ثم استأذنه إياس، فقال: أخي قيس بن قبيصة مريض بعين التمر فأردت أن آتيه، فأذن له، ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة بالخورنق، فسأل هل دَخَلَ على الملك أحد. فقالوا: إياس، فظنّ أنّه قد حدثه الخبر، فدخل عليه وأخبره بهزيمة القوم وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه، وقد أكثر الشعراء في يوم ذي قار، فمن ذلك ما قاله أعشى بكر (٩) من قصيدة: [من البسيط]

стр. 8586

لو أنَّ كلَّ معدّ كان شاركنا … في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف لما أمالوا إلى النشاب (١) أيديَهُمْ … مِلنا بَبيض وظل الهام يُختطف بطارق وبنو ملك مرازبة … من الأعاجم في آذانها النطف كأنما الآل في حافاتِ جمعِهم … والبيض برق بدا في عارض يكف ما في الخدود صدود عن سيوفهم … ولا عن الطعن في الليات منحرف وقال الأعشى يلوم قيس من أبيات (٢): [من الطويل] أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد … وأنتَ أمرو ترجو شبابك وائل رحلت ولم تنظر وأنت عَميدُهُمْ … فلا يبلُغَني عنك ما أنت فاعل فعريت من أهل ومالٍ جَمَعْتَهُ … ... كما عُرِّيَتْ من ما تمر المغازِلُ شفى النفس قتلًا لم توسد خدودها … وسادًا ولم تعظظ عليها الأنامل لعلك يوم الحنو إذ صبَّحْتَهُمُ … كتائب تعصك (٣) بهن العواذل قال: ولما بلغ كسرى خبر قيس بن مسعود بما فعل مع قومه حبسه حتى مات في حبسه، وفيه قال الأعشى: [من الطويل] وعريت من أهل ومال جمعته … . . . . . . . . . . . . . . البيت. * * *

стр. 8587

[حوادث تاريخ الإسلام]

стр. 8588

السنة الأولى وأولها قدوم النبي ﷺ في ربيع الأول (١): فيها: أتمّت (٢) صلاة الحضر، بعد مقدمه بشهر روى البخاري من رواية أبي معمر عن الزهري عن عائشة: فُرِضَتْ الصلاة ركعتين ركعتين، ثم هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ففرضت أربعًا، هكذا لفظ حديثه. وروى ابن أبي شيبة عن الشعبي: أول ما فُرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين. فلما أتى النبي ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب. وروى أحمد بن سعيد الرباطي بسنده عن مسروق عن عائشة: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما أقام رسول الله ﷺ بالمدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها، والمغرب؛ لأنها وتر النهار. وهذا يرفع الاحتمال في حديث عائشة، حيث تقول: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر؛ لأنه يحتمل أنه زيد فيها حين أكملت خمسًا، وكانت الزيادة في عدد الصلوات وفي الركعات. ويكون قولها: فرضت الصلاة ركعتين أي قبل الإسراء، وقد قال بهذا طائفة من السلف. ويجوز أن يكون معنى قولها فرضت الصلاة أي ليلة الإسراء حين فرضت الخمس فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر بعد ذلك، وهذا مروي عن بعض رواة هذا الحديث عن عائشة. ورواه هكذا الشعبي والحسن: أن الزيادة في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة. فالذي قدّمنا يرفع الاحتمال الأول ويؤيد الثاني والله أعلم. وفيها: آخي (٣) النبي بين المهاجرين والأنصار في شوال واتخذ علي بن أبي طالب أخًا، وكان علي يقول على منبر الكوفة أيام خلافته أنا عبد الله وأخو رسول الله ﷺ . وصار أبو بكر الصديق وخارجة بن زيد بن أبي زيد الأنصاري (٤)

стр. 8589

أخوين، وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ الأنصاري (١) أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين (٢)، وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن الربيع أخوين، وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت الأنصاري أخوين، وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك الأنصاري أخوين (٣)، وسعيد بن زيد وأبي بن كعب الأنصاري أخوين (٤). وفيها (٥) في شوال بنى بعائشة بنت أبي بكر ﵄، وكان تزوجها بمكة (٦) ولها ست سنين أو سبع، وله خمسون سنة وأشهر، ولم يتزوّج بكرًا غيرها وكان تزوج قبلها بشهر سودة بنت زمعة (٧) في رمضان تلك السنة. وفيها: غزا غزوة الأبواء، وهي غزوة ودان في صفر (٨). وصلى الجمعة ببني سالم حين ارتحل من قباء إلى المدينة، وهي أول جمعة صلاها وخطبة خطبها (٩)، وبنى مسجده ومساكنه ومسجد قبا. وفيها: أُري عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الأذان (١٠) فأمر أن يُعلِّمه بلالًا، والسبب في ذلك أن رسول الله ﷺ شاور أصحابه في الأذان بالصلاة فقال بعضهم: ناقوس كناقوس النصارى، وقال بعضهم بوق كبوق اليهود، وذكروا أيضًا القنع وهو القرن، وقال بعضهم: بل نوقد نارًا أو نرفعها، فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة، وقال بعضهم: بل نبعث رجالًا ينادون بالصلاة، فبينا هم في ذلك أُري عبد الله بن زيد الأذان، فأخبر به النبي ﷺ ، فأمره أن يُلقيه على بلال، فقال عبد الله بن زيد: أنا رأيتها، وأنا كنت أحبها لنفسي. فقال: ليؤذن بلال ولتقم أنتَ. قال أبو داود: وتزعم الأنصار أن عبد الله بن زيد حين أري النداء كان مريضًا، ولولا ذلك لأمره النبي ﷺ بالأذان. وروى الحارث في مسنده: أن رسول الله ﷺ قال: أول من أذن بالصلاة

стр. 8590

جبرئيل، أذن بها في السماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالًا إلى رسول الله ﷺ وأخبره بها، فقال ﵇ لبلال: سبقك بها عمر. قال السهيلي: وظاهر هذا الحديث أن عمر سمع ذلك في اليقظة، وكذلك رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان، رآها وهو بين النائم واليقظان. قال: ولو شئت قلتُ يقظان. قال السهيلي: والجملة في تخصيص الأذان، بأن يراه رجل من المسلمين، ولم يكن عن وحي أن رسول الله ﷺ قد أُرِيَهُ ليلة الإسراء، وأسمعه مشاهدة من فوق سبع سماوات، وهذا أقوى من الوحي، فإنما تأخر فرض الأذان إلى المدينة، وأرادوا إعلام الناس بوقت الصلاة، تلبَّثَ الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا، فوافقت ما رأى رسول الله ﷺ ، فلذلك قال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله. وعلم حينئذ أن مراد الله تعالى بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض، وقوى ذلك عنده موافقة رؤيا عمر لعبد الله بن زيد، واقتضت الحكمة أن يكون الأذان على لسان غير النبي ﷺ من المؤمنين لما فيه من التنويه من الله لعبده والدفع لذكره فلا يكون ذلك على لسان غيره أنوه به وأفخم لشأنه (١). وفيها: أسلم عبد الله بن سلام (٢). ومات أسعد بن زرارة (٣)، أبو أمامة، وقبله كلثوم بن الهدم (٤)، أبو قيس. وهو الذي نزل عليه النبي ﷺ حين قدم المدينة، وجنازته هي التي قال فيها سلمان الفارسي: فأتيت رسول الله ﷺ وهو في جنازة لبعض أصحابه. ذكر ذلك سلمان في حديثه الطويل (٥).

стр. 8591

السنة الثانية فيها غزا غزوة بواط (١)، وغزوة طلب كرز بن جابر (٢)، وكان أغار على سرحه ﵇. وهي غزوة بدر الأولى، كلتاهما في ربيع الأول، وغزوة ذي العشير (٣) بالمعجمة، وقيل بالمهملة، وقيل: العشيرة بالهاء، وقيل العشيرا بألف. في جمادى الآخرة. وصرفت القبلة يوم الاثنين، وكان من خبرها (٤) أن النبي ﷺ لما هاجر صلّى قبل بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، وصلت الأنصار إليه قبل أن يهاجر إليهم بسنتين فذلك قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (٥) وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى النبي ﷺ ، فقالت اليهود: يزعم أنه نبي وما نراه أحدث في نبوّته شيئًا، أليس يصلي نحو قبلتنا، ويستن بسنتنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فاشتد ذلك عليه، وازداد شوقًا إلى قبلة الكعبة، فلما أتاه جبريل، قال: يا جبريل وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. فقال جبريل: أنا عبد مثلك ليس لي من الأمر شيء، فاسأل ربك، ثم عرج جبريل إلى السماء، فجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأل فأنزل الله عند صلاة الظهر في رجب قبل بدر بشهرين: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (٦) لأن الكعبة كانت أحب القبلتين إلى رسول الله ﷺ ، فكانت ناسخة ما قبلها من استقبال بيت المقدس، وصارت الكعبة قبلة المسلمين إلى يوم الدين، واختلف في أي صلاة حوّلت القبلة، وفي أي يوم وفي أي شهر. فالأكثرون على أنها حوّلت في صلاة الظهر يوم الاثنين للنصف من شهر رجب. وهو قول البراء بن عازب (٧) ومعقل بن يسار (٨) وغيرهما، وقال سعيد بن أبي

стр. 8592

عروبة (١) فيما روي عن قتادة: أنها حوّلت يوم الثلاثاء للنصف من شعبان، وفيه رواية شاذة رواها إبراهيم الحربي أنها حوّلت في جمادى الآخرة. وفيها: فرض صوم رمضان نصف شعبان (٢). وغزا غزوة بدر العظمى في رمضان (٣). وفرض زكاة الفطر قبل العيد بيومين (٤). وتوفي عثمان بن مظعون (٥). وبنى علي بفاطمة (٦) كلاهما في ذي الحجة. وغزا غزوة بني قينقاع (٧) بضم النون وقيل بكسرها في شوال. وغزوة السويق (٨) في طلب أبي سفيان في ذي الحجة، وغزوة قرقرة الكدر (٩)، وقيل قرارة في المحرّم. وضحى رسول الله ﷺ بكبشين. وتوفيت ابنته رقية (١٠)، وولد النعمان بن بشير وعبد الله بن الزبير (١١).

стр. 8593

وفيها: كانت الوقعة (١) بذي قار بين بكر بن وائل وبين جيش كسرى أبرويز، واقتتلوا قتالًا شديدًا. وانهزمت الفرس ومن كان معهم من العرب. وفيها: هلك (٢) أمية بن أبي الصلت عبد الله بن ربيعة، كان من رؤساء الكهان. وكان قد قرأ الكتب واطلع على بعثة النبي ﷺ ، وكفر به حسدًا، وكان يرجى أن يكون هو المبعوث، وكان قد سافر إلى الشام وعاد إلى الحجاز عقب وقعة بدر، ولما وصل إلى القليب أنشد يرثي قتلى بدر من قصيدة طويلة (٣): [مجزوء الكامل] ألا بكيت على الكرا … م بني الكرام أولى الممادح كَبُكا الحمام على غصو … ن (٤) الدوح في الغصن الجوانح أمثالهنَّ الباكيات … المعولات من النوائح ماذا ببدر والعقنقل … (٥) من مرازبةٍ جماجح شُمط وشبان بها … لَيل مغاوير وحاوح (٦) إن قد تغيّر بطنُ مَكَّـ … ـةَ فهي موحشة الأباطح السنة الثالثة فيها: بعث سرية كعب بن الأشرف (٧)، وغزا غزوة غطفان وهي غزوة أنمار وذي أمر (٨)، كلاهما في ربيع الأول، وغزوة بني سليم ببحران في جمادى الأولى. وتزوج (٩) عثمان بن عفان بابنته ﷺ أم كلثوم، ودخل بها في جمادى الآخرة. وتزوج رسول الله ﷺ بحفصة في شعبان (١٠)، وتزوج ﷺ بزينب بنت خزيمة

стр. 8594

الهلالية (١). وولد الحسن بن علي كلاهما في رمضان (٢). وغزا غزوة أحد (٣)، وغزوة حمراء الأسد (٤)، كلتاهما في شوّال. وحرمت الخمر، وقيل في ربيع الأول من الرابعة (٥). وفيها: قتل كعب بن الأشرف قتله محمد بن مسلمة الأنصاري (٦). وفيها: في صفر قدم على النبي ﷺ ناس من عضل والقارة (٧) وطلبوا (٨) منه أن يبعث معهم من يُفَقه قومهم في الدين، فبعث معهم ستة نفر وهم: [عاصم] (٩) بن ثابت بن أبي الأقلح وخُبيب بن عدي، ومرثد بن أبي مرثد، وخالد بن البكير، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق فلما وصلوا الرجيع، وهو ماء لهذيل على أربعة عشر من عسفان غدروا بهم، وقتلوا منهم ثلاثة وأسروا ثلاثة، وهم زيد بن الدثنة وخُبيب وعبد الله بن طارق، فأخذوهم إلى مكة. وانفلت عبد الله بن طارق، فقاتل إلى أن قتلوه بالحجارة. وباعوا الرجلين اللذين بقيا بمكة فقتلتهما قريش صبرًا. وفيها: قدم أبو براء عامر (١٠) بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على النبي ﷺ فلم يُسلم ولم يبعد عن الإسلام. وقال للنبي ﷺ : لو بعثت من أصحابك رجالًا إلى أهل نجد يدعونهم رجوتُ أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله ﷺ : أخاف عليهم يومًا كيوم هذيل، فقال أبو براء: أنا جارهم، فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو الأنصاري في

стр. 8595

أربعين (١) رجلًا من خيار المسلمين. فيهم عامر بن فهيرة (٢) مولى أبي بكر الصديق فمضوا ونزلوا بئر معونة (٣) على أربع مراحل من المدينة. وبعثوا كتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل فقتل الذي أحضر الكتاب (٤). وجمع الجموع وقصد أصحاب رسول الله ﷺ ، فتقاتلوا وقتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد، فإنه بقي فيه رمق وتوارى بين القتلى، ثم لحق بالنبي ﷺ واستشهد يوم الخندق. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجلٌ من الأنصار. فرأيا الطيور تحوم حول العسكر. فقاتل الأنصاري وقتل، وأما عمرو بن أمية الضمري فأخذ مقيّدًا، وأطلقه عامر بن الطفيل لكونه من مضر، ولحق برسول الله ﷺ ، وأخبره الخبر فشق عليه. السنة الرابعة فيها: غزا غزوة بني النضير في ربيع الأول (٥)، وتوفيت زينب الهلالية (٦) آخر ربيع الآخر، وغزا غزوة الخندق (٧)، وهي الأحزاب، وتزوّج أم سلمة (٨) هند كلاهما في شوال. وغزا غزوة بدر الموعد (٩)، وهي الصغرى في ذي القعدة، وتزوج زينب بنت

стр. 8596

جحش (١) في هذا الشهر على الأصح، ولها خمس وثلاثون سنة. وقيل في الخامسة. وتوفيت سنة عشرين، ودفنت في البقيع، وهي أول من مات من زوجاته بعده وأول من حمل على نعش. وغزا غزوة ذات الرقاع في المحرّم (٢)، وفي هذه الغزوة صلى صلاة الخوف، وقصرت الصلاة، ونزلت آية التيمم. وفي هذه السنة: ولد الحسين (٣)، ورجم صلى الله اليهودي واليهودية، ونزل الحجاب، وقيل الحجاب وصلاة الخوف في الخامسة (٤). السنة الخامسة فيها: غزا غزوة دومة الجندل (٥) (بضم الدال) في ربيع الأول، وغزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق (٦) في شعبان، وفي هذه الغزوة حديث الإفك، وغزوة بني قريظة في ذي القعدة (٧)، وتزوج جويرية (٨) بنت الحارث ولها عشرون سنة، وريحانة

стр. 8597

بنت زيد القرظية (١)، وقيل كان يطأها بملك اليمين، وسابق بين الخيل. السنة السادسة فيها: غزا غزوة بني لحيان (٢)، وغزوة الغابة وهي غزوة ذي قرد (٣)، كلتاهما في ربيع الأول. وقحط الناس فاستسقى لهم في رمضان. وخرج ليعتمر فَصُدَّ من الحديبية، فحل ونحر. وبايع بيعة الرضوان (٤). كلتاهما في ذي القعدة. وبنى بريحانة (٥)، وفرض الحج. السنة السابعة فيها: غزا غزوة خيبر (٦)، في جمادى الأولى، وقال ابن إسحاق في المحرم. قلت: فتكون في سنة ست على ما قرّرنا، وبعد خيبر سمته زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم في الشاة (٧). وتزوج ميمونة (٨) بنت الحارث في شوّال بسرف - ماء على تسعة أميال من مكة - وبنى بها فيه، وماتت فيه سنة ثلاث وستين، وهي آخر من تزوّج وآخرهن وفاة.

стр. 8598

واعتمر عمرة القضاء في ذي القعدة (١). وكان معه سبعون بدنة، ولما قرب من مكة خرجت له قريش عنها، وتحدثوا أن النبي ﷺ في جهة وعسر، فاصطفوا له عند دار الندوة، فلما دخل المسجد اضطجع بأن جعل وسط ردائه لجنبه الأيمن ثم قال: رحم الله امرءًا أظهر من نفسه جلدًا ( … ... ) (٢) بالطواف، ثم خرج إلى الصفا والمروة. وبعث رسول الله ﷺ رسله إلى الملوك، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد في المحرم. عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم واسمه هرقل. وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس ملك الاسكندرية، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء من الشام، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، باليمامة. وتزوج صفية بنت حيي (٣)، وأم حبيبة رملة (٤) بنت أبي سفيان وهي بالحبشة. وولى نكاحها عثمان، وقيل خالد بن سعيد، وأصدقها عنه النجاشي، أربعمائة دينار. وقدم حاطب (٥) من عند المقوقس بمارية بنت شمعون أم إبراهيم ﵇، وأختها شيرين وبغلته دُلدُل وحماره يعفور، فوهب ﷺ شيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن. وقدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة (٦). وأسلم أبو هريرة (٧) وعمران بن حصين (٨)، وحرم الحمر الأهلية، ومتعة النساء.

стр. 8599

السنة الثامنة فيها: بعث سرية مؤتة (١) وهي أول الغزوات بين المسلمين والروم، وكانت في جمادى الأولى، وأصيب بها زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة. وغزا غزوة الفتح في (٢) رمضان، وغزوة حنين وهي غزوة هوازن (٣)، وغزا غزوة الطائف (٤)، كلتاهما في شوّال، واعتمر من الجعرانة (٥) في ذي القعدة. وولد إبراهيم (٦) ابن النبي ﷺ في ذي الحجة، وعمل منبره ﷺ من أثل الغابة، وتوفيت ابنته زينب، ووهبت سودة (٧) أم المؤمنين يومها لعائشة حين قصد طلاقها. وحج عتاب بن أسيد (٨) بالناس. السنة التاسعة فيها: غزا غزوة تبوك في رجب (٩)، وقدم منها في رمضان، فهدم مسجد

стр. 8600

الضرار (١) بالمدينة. ومات عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق في شوال (٢)، وقال المسعودي (٣): في ذي القعدة. ولم يصل النبي ﷺ بعده على منافق. وحج أبو بكر بالناس (٤)، وأمر ﷺ عليًا أن يقرأ على الناس سورة براءة وأن ينادي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وهي آخر حجّة حجّها المشركون. وآلى من نسائه. وتوفيت ابنته أم كلثوم (٥)، وصلّى على النجاشي يوم مات (٦)، وتتابعت إليه الوفود (٧)، وكانت تسمى سنة الوفود. السنة العاشرة فيها: مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، في ربيع الأول وله سبعة عشر وقيل ثمانية عشر شهرًا، ودفن بالبقيع (٨)، وفيها: يوم موت إبراهيم كُسِفَتْ الشمس، فقالوا: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب النبي ﷺ ، وحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده. وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته. وفيها: أسلم جرير بن عبد الله البجلي (٩). إرسال علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن.

стр. 8601

روي أن النبي ﷺ بعث عليًا كرم الله وجهه إلى اليمن، وقرأ كتاب رسول الله ﷺ على أهل اليمن، فأسلمت همدان كلّها في يوم واحد (١) وكتب بذلك إلى رسول الله، فسجد شكرًا الله، ثم أمر عليًا بأخذ صدقات نجران وجزيتهم ففعل، وعاد فلقى رسول الله ﷺ بمكة في حجة الوداع. حجة الوداع (٢): وخرج رسول الله ﷺ حاجًا لخمس بقين من ذي الحجة، وقد اختلف في حجه، هل كان قارنًا أم متمتعًا، أم مُفْردًا، والأظهر أنَّه كان قارنًا، وحج رسول الله ﷺ بالناس، ولقي علي بن أبي طالب ﵁ محرمًا، فقال: حل كما حلّ أصحابك، فقال: إِني أَهْلَلْتُ بما أهل به رسول الله ﷺ فبقي على إحرامه، ونحر رسول الله ﷺ الهدي عنه. وعلم رسول الله ﷺ الناس مناسك الحج والسنن، ونزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣) فبكى أبو بكر لما سمعها، وكأنه استشعر أنَّه ليس بعد الكمال إلا النقص. وأَنَّه نُعيت إلى نبي الله ﷺ نفسه. وخطب رسول الله ﷺ الناس خطبة بين فيها الأحكام، منها (٤): يا أيها الناس، ﴿إِنَّمَا النَّسِيء زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (٥)، وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خَلَقَ الله السماوات والأرض، و ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (٦)، وتمم حجَّهُ، وسميت حجة الوداع، لأنه لم يحج بعدها، ثم رجع رسول الله إلى المدينة وأقام بها حتى خرجت السنة. سنة إحدى عشرة من الهجرة وفيها: توفي رسول الله ﷺ لما قدم رسول الله ﷺ من حجة الوداع، أقام

стр. 8602

بالمدينة حتى ابتدأ به ﷺ المرض (١) في أواخر صفر، قيل لليلتين بقيتا منه، وهو في بيت زينب بنت جحش، وكان يدور على نسائه حتى اشتدّ مرضه وهو في بيت ميمونة بنت الحارث، فجمع نساءه، واستأذنهنَّ في أن يمرض في بيت عائشة، فأذِنَّ له، فانتقل إليه وكان قد جهز جيشًا مع مولاه أسامة بن زيد، وأكد في سيره في مرضه (٢). وروى عن عائشة ﵂ قالت (٣): جاء رسول الله ﷺ وبي صداع، وأنا أقول، وارأساه فقال: بل أنا والله يا عائشة أقول ذلك، ثم قال: ما ضرك لو مُت قبلي فقُمْتُ عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟ فقالت كأني بك والله وقد فعلت ذلك ورجعت إلى بيتي لعرست ببعض نسائك، فتبسم رسول الله ﷺ . وفي أثناء مرضه وهو في بيت عائشة خرج بين الفضل والعباس وعلي بن أبي طالب، وجلس على المنبر، فحمد الله، ثم قال: أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري، ومن كنت شتمته فهذا عرضي. ومن أخذتُ له مالًا فهذا مالي، فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني، ثم نزل فصلى الظهر، ورجع إلى المنبر فقال مثل مقالته، فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: ألا أن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، ثم صلى على أصحاب أحد، واستغفر لهم، ثم قال: إِنَّ عبدًا خيره الله تعالى بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر، ثم قال: فديناك بأنفسنا. ولما اشتد به وجعه، قال (٤): ائتوني بدواة وبيضاء فاكتب لكم [كتابًا] (٥) لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا، فقال: لا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: إن رسول الله ﷺ يهجر، وكان في أيام مرضه يصلي بالناس وإنما انقطع ثلاثة أيام، فلما أذن بالصلاة أول ما انقطع قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، وتزايد به مرضه، حتى توفي يوم الاثنين، ضحوة النهار وقيل نصفه.

стр. 8603

قالت (١) عائشة ﵂: رأيت رسول الله ﷺ وهو يموت وعنده قدح ماء يدخل يده في القدح ثم يمسح وَجْهَهُ بالماء، ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت، قالت: وثقل في حجري، فذهبتُ أنظر في وجهِهِ، وإذا ببصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى. قالت: فلما قبض، وضعتُ رأسه على وسادة ثم قمتُ ألْتَدِم مع النساء وأضرب وجهي. وكانت وفاته ﷺ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فعلى هذه الرواية يكون يوم وفاته موافقًا ليوم مولده. ولما مات (٢) ارتدت العرب إلا أهل المدينة ومكة والطائف، فإنه لم يدخلها ردة، وكان عامل رسول الله ﷺ على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، فاستخفى خوفًا على نفسه، وارتجت مكة، وكاد أهلها يرتدون فقام سهيل بن عمرو (٣) على باب الكعبة، وصاح بقريش وغيرهم فاجتمعوا إليه فقال: يا أهل مكة، كنتم آخر من أسلم فلا تكونوا أول من ارتد، والله ليتمنَّ الله هذا الأمر كما قال رسول الله ﷺ ، فامتنع أهل مكة من الردّة. وحكى القاضي (شهاب الدين) (٤) بن أبي الدم (في تاريخه) (٥) قال: فاقتحم جماعة على النبي ﷺ ينظرون إليه، وقالوا: كيف يموت وهو شهيد علينا، لا والله ما مات، بل رفع كما رفع عيسى. ونادوا على الباب لا تدفنوه، فإن رسول الله ﷺ لم يَمُتْ. فتربّصوا به حتى ربا بطنه، وخرج عمه العباس، فقال: والله الذي لا إله غيره، لقد ذاق رسول الله ﷺ الموت. ودفن رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، ثاني يوم موته، وقيل ليلة الأربعاء، وهو الأصح، وكان الذي تولّى غَسْلَهُ علي بن أبي طالب والعباس والفضل وقثم ابنا العباس، وأسامة بن زيد وشقران موليا رسول الله ﷺ ، فكان العباس وابناه يقلبون، وأسامة بن زيد وشقران يصبّان الماء، وعلي يغسله وعليه قميصه، وهو يقول: بأبي أنت، طبت حيًا وميتًا. ولم يُرَ منه ما يُرى من الميت.

стр. 8604

وكفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب، ثوبين صحاريين، وبرد حبرة، ودرج فيها أدراجًا ودفن تحت فراشه الذي مات عليه. وحفر له أبو طلحة الأنصاري. ونزل في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم ابنا العباس. وقد اختلف في مدة عمره، فالمشهور أنه ثلاث وستون سنة، لأنه بعث لأربعين سنة، وأقام بمكة يدعو إلى الإسلام ثلاث عشرة سنة، وأقام بالمدينة بعد الهجرة قريبًا من عشر سنين، فذلك ثلاث وستون سنة وكسور (١). صفته ﷺ : وصفه (٢) علي ﵁ فقال: كان ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير، ضخم الرأس، كث اللحية، شئن الكفين والقدمين ضخم الكراديس مشوبا وجهه حمرة، أدعج العين، سبط الشعر، سهل الخدين، كأن عُنقه إبريق فضة. وقال أنس: (٣) لم يشنه الله بالشيب، وكان في مقدّم لحيته عشرون شعرة بيضاء، وفي مفرق رأسه شعرات بيض. وروي انه كان يخضب بالحنّاء والكتم، وكان بين كتفيه خاتم النبوة وهو بضعة ناتئة حولها شعر، مثل بيضة الحمامة، تشبه جسده وقيل كان لونه أحمر. قال القاضي شهاب الدين بن أبي الدم في تاريخ المظفري (٤): وكان أبو رثمة طبيبًا في الجاهلية، فقال: يا رسول الله، إني أُداوي فدعني أطب ما بكتفيك، فقال: يداويها الذي خَلَقَها. خلقه ﷺ (٥): كان ﷺ ، أرجح الناس عقلًا، وأفضلهم رأيًا، يكثر الذكر، ويقل اللغو، دائم البشر، يطيل (٦) الصمت، وكان عنده القريب والبعيد والقوي والضعيف في الحق

стр. 8605

سواء، يحب المساكين، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب غنيًا لغناه (١). يؤلف قلوب أهل الشرف ويُصابر من جالسه، ويحلب العنز، ويجلس على الأرض، ويلبس المخصوف والمرقوع. عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران، لا يوقد في بيوتهم نار، وكان يربط على بطنه الحجر من الجوع، وما عسى أن يقول الانسان في خلائق سيد ولد آدم ﷺ ، وهو المتمم لمكارم الأخلاق. أولاده ﷺ - (٢): وكل أولاده من خديجة إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية، وولد إبراهيم في سنة ثمان وتوفي سنة عشر. قال المسعودي في الاشراف (٣): عاش إبراهيم سنة وعشرة شهور، وكان أولاده الذكور من خديجة القاسم وبه يكنّى، والطيب والطاهر وعبد الله ماتوا صغارًا، والأناث أربع، فاطمة زوج علي ﵄ وزينب زوج أبي العاص، وفرق رسول الله ﷺ (بينهما) (٤) ثم ردها بالنكاح الأول، لما أسلم، ورقية وأم كلثوم تزوج بهما عثمان ﵁ واحدة بعد أخرى. زوجاته ﷺ (٥): وتزوج ﷺ خمس عشرة امرأة، دَخَل بثلاث عشرة، وجمع بين إحدى عشرة، وقيل دخل بإحدى عشرة، ولم يدخل بأربع، وتوفي عن تسع غير مارية والتسع هنّ: عائشة بنت ابي بكر، وحفصة بنت عمر، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت جحش، وميمونة بنت الحارث، وصفية بنت حيي، وجويرية، وأم حبيبة، وأم سلمة ﵅. وكان يكتب له عثمان أحيانًا، وعلي بن أبي طالب، وكتب له خالد (٦) بن سعيد

стр. 8606

ابن العاص، وأبان بن (١) سعيد، والعلاء بن الحضرمي. وأول (٢) من كتب له أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن أبي السرح (٣)، وارتد ثم أسلم يوم الفتح، ومعاوية بن أبي سفيان أيضًا كتب له. وكان لرسول الله ﷺ من السلاح (٤)، سيفه المسمى ذا الفقار غنمه يوم بدر، وكان لمنبه (٥) بن الحجاج السهمي، وسمّى ذا الفقار الحفر فيه، وغنم من بني قينقاع ثلاثة أسياف، وقدم معه إلى المدينة لما هاجر سيفان، شهد بأحدهما بدرًا، وكان له أرماح ثلاثة، وثلاثة قسيّ، ودرعان غَنَمهما من بني قينقاع، وكان له ترس، وفيه تمثال، فأصبح وقد أَذْهَبَهُ الله. عدد غزواته ﷺ -. (٦) قيل: تسع عشرة غزوة، وقيل: ست وعشروين، وقيل: سبع وعشرون، وآخرها غزوة تبوك، وقع القتال منها في تسع: بدر وأحد، والخندق، وقريظة والمصطلق، وخيبر، وحنين، والطائف، وباقي الغزوات لم يجر فيهنّ قتال. وأما السرايا والبعوث، فقيل هي خمس وثلاثون، وقيل ثمان وأربعون. أصحابه ﷺ - (٧).

стр. 8607

وقد اختلف الناس فيمن يطلق عليه صحابي، وكان سعيد بن المسيب (١) لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة وأكثر، وغزا معه وقال بعضهم: كل من أَدْرَكَ الحلم وأسلم ورأى النبي ﷺ ، فهو صحابي ولو أنه صحب رسول الله ﷺ ساعة. وقال بعضهم: لا يكون صحابيا إلا من تخصص به الرسول ﷺ وتخصص هو بالرسول ﷺ ، بأن رسول الله ﷺ بسريرته، ويلازم هو رسول الله ﷺ في السفر والحضر. والأكثر: على أنّ الصحابي من أسلم ورأى النبي ﷺ ولو أقل زمان. وأما عددهم على هذا القول الأخير، فقد روي أن النبي ﷺ سار في عام فتح مكة في عشرة آلاف مسلم، وسار إلى العدو الذين تجمعوا بحنين في اثني عشر ألفًا، وسار إلى حجة الطائف في أربعين ألفًا، وأنهم كانوا عند وفاته مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا. وأما مراتبهم: فالمهاجرون أفضل من الأنصار على الاجمال، وأما على التفصيل، فَسُبّاق الأنصار أفضل من متأخري المهاجرين. وقد رتب أصحاب التواريخ الصحابة على طبقات: الطبقة الاولى: أول الناس إسلامًا كخديجة وعلي وزيد وأبي بكر ومن تلاهم ولم يتأخر إلى دار الندوة. الثانية: أصحاب دار الندوة، وفيها أسلم عمر ﵁. الثالثة: المهاجرون إلى الحبشة. الرابعة: أصحاب العقبة الأولى، وهم سباق الأنصار ﵃. الخامسة: أصحاب العقبة الثانية. السادسة: اصحاب العقبة الثالثة، وكانو سبعين ﵃. السابعة: المهاجرون الذين وصلوا إلى النبي ﷺ بعد هجرته وهو بقباء قبل بناء مسجده.

стр. 8608

الثامنة: أهل بدر الكبرى. التاسعة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية. العاشرة: أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة. الحادية عشرة: الذين هاجروا بعد الحديبية، وقبل الفتح. الثانية عشرة: الذين أسلموا يوم الفتح. الثالثة عشرة: صبيان أدركوا النبي ﷺ ورأوه. ومن الصحابة: أهل الصفة، وكانو أناسًا لا منازل لهم ولا عشائر ينامون على عهد رسول الله ﷺ في المسجد، ويظلون فيه، وكانت صفة المسجد مثواهم، فنسبوا إليها، وكان إذا تعشى النبي ﷺ يدعو منهم طائفة يتعشون معه، ويُفرَّق الباقون على الصحابة، وكان من مشاهيرهم أبو هريرة (١)، وواثلة (٢) بن الأسقع، وأبو ذر ﵃. خبر الأسود العنسي (٣): وفي مدة مرض رسول الله ﷺ ، قتل الأسود العنسي، واسمه عبهلة بن كعب، ويقال له ذو الخمار؛ لأنه كان يقول: يأتيني ذو خمار، وكان الأسود يُشَعْبِدُ ويُري الجهال الأعاجيب، ويسبي بمنطقه قلب من يسمعه، وهو ممن ارتد وتنبأ من الكذابين، وكاتبه أهل نجران، وكان هناك من المسلمين عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاص، فأخرجهما أهل نجران، وسلّموهما إلى الأسود ثم سار الأسود من نجران إلى صنعاء فملكها، وصفا له اليمن، واستفحل أمره، وكان خليفته في مذحج عمرو بن معدي كرب، فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك، بعث رسولًا إلى الأبناء (٤)، وأمرهم أن يجاولوا الأسود إما

стр. 8609

غيلة أو مصادمة وأن يستنجدوا رجالًا من حمير وهمدان، وكان الأسود قد تغيّر على قيس بن عبد يغوث (١) فاجتمع به جماعة ممن كاتبه رسول الله ﷺ ، وتحدثوا معه في قتل الاسود فوافقهم، واجتمعوا بامرأة الاسود، وكان الأسود قد قَتَلَ أباها، فقالت: إنه أبغض الناس إليَّ، ولكن الحرس محيطون بقصره، فانقبوا عليه بالبيت فواعدوها على ذلك، ونقبوا عليه البيت، ودخل عليه شخص اسمه فيروز، فقتل الأسود واحتزّ رأسه، فخار خوار الثور، فابتدر الحرس الباب، فقالت: النبي يوحى إليه، فلما طلع الفجر أذن المؤذن، وقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، وأنَّ عبهلة كذاب (٢). وكتب أصحاب النبي بذلك، فورد الخبر من السماء إلى النبي ﷺ ، وأعلم أصحابه بقتل الأسود المذكور، ووصل الكتاب بقتل الأسود في خلافة أبي بكر ﵁ (٣)، فكان كما أخبر رسول الله ﷺ . روى عبد الله بن أبي بكر (٤): أن رسول الله ﷺ قال: أيها الناس إني قد رأيت ليلة القدر ثم انتزعت منّي، ورأيتُ في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما، فنفحتهما، فطارا، فأولتهما هذين الكذابين، صاحب اليمامة، وصاحب صنعاء، ولن تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالًا كل منهم يزعم أنه نبي. وكان قتل الأسود قبل وفاة رسول الله ﷺ بيوم وليلة، وكان أول خروج الأسود إلى أن قتل أربعة أشهر. (٥) وأما مسيلمة (٦) فيذكر في خلافة أبي بكر ﵁.

стр. 8610

أخبار أبي بكر الصديق ﵁ وخلافته (١): ولما قبض الله نبيه ﷺ ، قال عمر بن الخطاب ﵁، مَنْ قال أن رسول الله ﷺ قد مات عَلَوْتُ رأسَهُ بسيفي هذا، وإنما ارتفع إلى السماء، فقرأ أبو بكر: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ .. إلى قوله ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢). وبادروا سقيفة بني ساعدة، فبايع عمر أبا بكر ﵄، وانثال الناس عليه يبايعونه في العشر الأوسط من ربيع الأول سنة إحدى عشرة، خلا جماعة من بني هاشم والزبير وعتبة بن أبي لهب، وخالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن عمرو الكندي وسلمان الفارسي وأبو ذر وعمار بن ياسر والبراء بن عازب، وأبي بن كعب، ومالوا مع علي بن أبي طالب ﵁ (٣). وقال في ذلك عتبة بن أبي لهب (٤): [من البسيط] ما كنتُ أحسب أنَّ الأمر منصرف … عن هاشم ثم منهم عن أبي الحسن عن أوّل الناس إيمانًا وسابقةً … وأعْلَم الناس بالقرآن والسُّنَنِ وآخر الناس عهدًا بالنبي ومَنْ … جبريل عون له في الغسل والكَفَنِ من فيه ما فيهم لا يمترون به … وليس في القوم ما فيهِ مِنَ الحَسَنِ وكذلك تخلّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب (٥). ثم إن أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى عليّ ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة ﵂، وقال: إن

стр. 8611

أبوا عليك فقاتلهم، فأقبل عمر بشيء من نار على أن يُضْرِم الدار، فَلَقِيَتْهُ فاطمة، فقالت: إلى أيْنَ يابن الخطاب، أجِئْتَ لتحرق علينا دارنا؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دَخَلَتْ فيه الأمة. فخرج علي حتى أتى أبا بكر فبايعه (١). كذا نقل ابن واصل. واسنده إلى ابن عبد ربه المغربي. وروى الزهري عن عائشة قالت: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها ﷺ ، فأرسل علي إلى أبي بكر ﵄، فأتاه في منزله فبايع. وقال عليّ له: ما نَفَسْنا عليك ما ساقه الله إليك من فضل وخير، ولكنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئًا، فاستبددت دوننا، وما نُنْكِرُ فَضْلَك (٢). ولما (٣) تولى أبو بكر كان أسامة بن زيد مبرزًا، وكان عمر بن الخطاب من جملة جيش أسامة على ما عينه رسول الله ﷺ ، فقال عمر لأبي بكر: إن الأنصار تطلب رجلًا أسَنَّ من أسامة، فوثب أبو بكر وكان جالسًا، فأخذ بلحية عمر وقال: ويحك اسْتَعْمَلَهُ رسول الله ﷺ ، وتأمرني بعزله، ثم خرج أبو بكر إلى جيش أسامة، فأَشْخَصَهُم وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن، فقال أبو بكر: والله لا تنزل ولا أركب، وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُغبر قدمي ساعة في سبيل الله، ولما أراد الرجوع، قال أبو بكر لأسامة: إن رأيت أن تعينني بعمر، فافعل، فأذن أسامة لعمر في المقام. وفي خلافة (٤) أبي بكر، ادعت سجاح بنت الحارث التميمية النبوة وتبعها بنو تميم، وأخوالها من بني تغلب، وغيرهم من بني ربيعة، وقصدت مسيلمة الكذاب، ولما وَصَلَتْ إليه، قصدت الاجتماع به فقال لها: ابعدي اصحابك ففعلت، ونزل وضَرَب لها قبة وطيبها بالبخور، واجتمع بها، وقالت له: بماذا أوحي إليك؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخْرَجَ منها نسمةً تسعى من بين صفاق وغشا، قالت: وماذا أنزل عليك أيضًا؟ قال: ألم تر إلى ربك كيف خلق الناس أفواجا، وجَعَلَ الله لهنّ

стр. 8612

أزواجًا، فيولج فيهنّ إيلاجا، ثم يخرج منها ما شاء إخراجا، فينتجن لنا إنتاجا. فقالت: أشهد أنك نبي، فقال: هل لك أن أتزوجك؟ فقالت نعم. فقال لها (١): [من الهزج] ألا قُومِي إلى النيكِ … فقد هُيِّي لك المَضْجَع فإن شِئتِ سَلَقْناك … وإن شِئتِ على أربع وإن شئت بثلثيه … وإن شئت به أجمع فقالت: بل به أجمع، فإنه (اجمع) للشمل يا رسول الله، فقال: بذلك أوحي الي. فأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم انصرفت الى قومها، ولم تزل سجاح في أخوالها من تغلب حتى نفاهم معاوية عام بويع فيه، فأسلمت سجاح وحَسُنَ إِسلامها وانتقلت إلى البصرة، وماتت بها. وفي (٢) أيام أبي بكر ﵁ قتل مسيلمة الكذاب، وكان أبو بكر ﵁ قد أرسل إلى قتاله جيشًا، وقدم عليه خالد بن الوليد، فجرى بينهم قتال شديد وآخره انتصر المسلمون، وهزم الله المشركين، وقَتَلَ مسيلمة وحشي بالحربة التي قتل بها حمزة عم رسول الله ﷺ وشاركه في قتله رجلٌ من الأنصار، وعبد الله بن زيد بن عاصم (٣)، وكان مقام مسيلمة باليمامة. وكان مسيلمة قد قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني حنيفة، فأسلم ثم ارتد، وادعى النبوة استقلالًا، ثم مشاركة مع النبي ﷺ ، وقتل من المسلمين في حرب مسيلمة جماعة من القراء من المهاجرين والأنصار. ولما رأى أبو بكر كثرة من قتل أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال، وكَتَبَهُ في جريد النخل والجلود، وجعل ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوج النبي ﷺ ، ولما تولى عثمان رأى اختلاف الناس في القراءات فكتب من ذلك المكتوب الذي عند حفصة نُسخًا وأرسلها إلى الأمصار،

стр. 8613

وأبطل ما سواها. وفي (١) أيام أبي بكر ﵁: مَنَعَتْ بنو يربوع الزكاة، وكان كبيرهم مالك بن نويرة (٢)، وكان مالك فارسًا مطاعًا، قَدِم إلى رسول الله ﷺ ، فأسلم، فولاه صدقة قومه، فلما منع الزكاة أرسل أبو بكر إلى مالك خالد بن الوليد في معنى الزكاة، فقال مالك: إني آتي بالصلاة دون الزكاة. فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا، لا تُقبل واحدة دون الأخرى، فقال مالك: قد كان صاحبكم يقول ذلك. فقال خالد أو ماتراه لك صاحبًا. والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجاولا في الكلام، فقال له خالد: إني قاتلك، فقال له: وبذلك أمرك صاحبك، فقال خالد: وهذه بعد تلك؟ وكان عبد الله بن عمر، وأبو قتادة الأنصاري، فكلّما خالدًا في أمره فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالد، ابْعَثْنا إلى أبي بكر، فيكون هو الذي يحكم بيننا، فقال خالد: لا أقالني الله إن أقَلْتُك، وتقدم إلى ضرار بن الأزور (٣) بضرب عنقه، فالتفت مالك إلى زوجته، وقال لخالد: هذه التي قتلتني، وكانت في غاية الجمال، فقال خالد بل الله قتلك برجوعك عن الاسلام، فقال مالك: أنا على دين الاسلام، فقال خالد يا ضرار اضرب عنقه، فضرب عنقه، وكان رأسه اثفية القدر، وكان من أكثر الناس شعرًا، وقبض خالد امرأته، وقيل: إنه اشتراها من الفيء وتزوّج

стр. 8614

بها، وقيل: إنها اعتدت بثلث حيض، وتزوّج بها. وقال لابن عمر وأبي قتادة احضرا النكاح، فأبيا، وقال له ابن عمر: تكتب إلى أبي بكر وتعلمه بأمرها، وتتزوج بها، فأبى وتزوّجها، وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي (١): [من الطويل] ألا قُلْ لحي أوطئوا بالسنابك … تطاول هذا الليل من بعد مالك قضى خالد بغيًا عليه بعرسه … وكان له فيها هوى قبل ذلك فأمضى هواه خالدٌ غير عاطفٍ … عِنان الهوى عني ولا متمالك فأصبح ذا أهل وأصبح مالك … إلى غير أهل هالكًا في الهوالك ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر، قال عمر لأبي بكر: إن خالدًا قد زني فارجمه، قال: ما كنت لأرجمه، فإنه تأوَّلَ فأخطأ. قال: فإنه قد قتل مسلمًا فاقتله، قال: ما كنت لأقتله؛ لأنه تأوّل فأخطأ. قال: فاعْزِلْهُ، قال: ما كنت أُغْمِدُ سيفًا سَلَّه الله. ولما بلغ متمم (٢) بن نويرة مقتل مالك أخيه نَدبَهُ بالأشعار الكثيرة، فمن ذلك قوله في قصيدته المشهورة. منها (٣): [من الطويل] وكنّنا كندماني جذيمة حقبَةٌ … مِنَ الدهرِ حتى قبل لن يتصدّعا وعشنا بخير في الحياة وقبلنا … أصاب المنايا رهط كسرى وتُبعا فلما تفرّقنا كأني ومالكًا … لطول اجتماع لم نَبِتْ ليلة معا وفي أيام أبي بكر ﵁، فتحت الحيرة بالأمان على الجزية (٤). سنة اثنتي عشرة سنة وثلاث عشرة سنة للهجرة كانت فيها: وقعة اليرموك (٥)، وهي الوقعة العظيمة التي كانت سبب فتوح الشام، وكانت سنة ثلاث عشرة لهجرة، وكان هرقل إذ ذاك بحمص، فلما بَلَغَهُ هزيمة الروم باليرموك رحل عن حمص وجعلها بينه وبين المسلمين.

стр. 8615

ولما فَرَغَ خالد بن الوليد وأبو عبيدة من وقعة اليرموك، وقصدا دمشق فجمع صاحب بصرى الجموع للملتقى، ثم إنّ صاحب بصرى طَلَبَ الصلح فصولح على كل رأس دينار وجريب حنطة. وفاة أبي بكر ﵁: (١) وقد أختلف في سبب موته، فقيل: إن اليهود سمته في أُرز، وقيل في حَسْوِ، فأكل هو والحارث بن كلدة (٢)، فقال الحارث أكلنا طعامًا مسمومًا، سم سنة، فماتا بعد سنة. وعن عائشة ﵂ (٣)، أنّه اغتسل، وكان يومًا باردًا، فَحُمَّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى الصلاة، وأمر عمر أن يصلي بالناس، وعهد إليه بالخلافة ثم توفي مساء ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء، لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. فكانت (٤) خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وعمره ثلاث وستين سنة (٥). وغسلته زوجته أسماء بنت عُميس، وحُمِل على السرير الذي حمل عليه رسول الله ﷺ ، وصلّى عليه عمر في مسجد رسول الله ﷺ ، يبن القبر والمنبر، وأوصى أن يُدفن إلى جانب رسول الله ﷺ ، فَحُفِر له، وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ﷺ (٦). وكان (٧) حسن القامة، خفيف العارضين، معروق الوجنة غائر العينين ناتيء الجبهة، أجنأ (٨)، عارى الأشاجع، يخضب بالحناء والكتم. خلافة عمر بن الخطاب ﵁ (٩):
следующие страницы →