← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

أبوا عليك فقاتلهم، فأقبل عمر بشيء من نار على أن يُضْرِم الدار، فَلَقِيَتْهُ فاطمة، فقالت: إلى أيْنَ يابن الخطاب، أجِئْتَ لتحرق علينا دارنا؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دَخَلَتْ فيه الأمة. فخرج علي حتى أتى أبا بكر فبايعه (١). كذا نقل ابن واصل. واسنده إلى ابن عبد ربه المغربي. وروى الزهري عن عائشة قالت: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها ﷺ ، فأرسل علي إلى أبي بكر ﵄، فأتاه في منزله فبايع. وقال عليّ له: ما نَفَسْنا عليك ما ساقه الله إليك من فضل وخير، ولكنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئًا، فاستبددت دوننا، وما نُنْكِرُ فَضْلَك (٢). ولما (٣) تولى أبو بكر كان أسامة بن زيد مبرزًا، وكان عمر بن الخطاب من جملة جيش أسامة على ما عينه رسول الله ﷺ ، فقال عمر لأبي بكر: إن الأنصار تطلب رجلًا أسَنَّ من أسامة، فوثب أبو بكر وكان جالسًا، فأخذ بلحية عمر وقال: ويحك اسْتَعْمَلَهُ رسول الله ﷺ ، وتأمرني بعزله، ثم خرج أبو بكر إلى جيش أسامة، فأَشْخَصَهُم وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن، فقال أبو بكر: والله لا تنزل ولا أركب، وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُغبر قدمي ساعة في سبيل الله، ولما أراد الرجوع، قال أبو بكر لأسامة: إن رأيت أن تعينني بعمر، فافعل، فأذن أسامة لعمر في المقام. وفي خلافة (٤) أبي بكر، ادعت سجاح بنت الحارث التميمية النبوة وتبعها بنو تميم، وأخوالها من بني تغلب، وغيرهم من بني ربيعة، وقصدت مسيلمة الكذاب، ولما وَصَلَتْ إليه، قصدت الاجتماع به فقال لها: ابعدي اصحابك ففعلت، ونزل وضَرَب لها قبة وطيبها بالبخور، واجتمع بها، وقالت له: بماذا أوحي إليك؟ فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخْرَجَ منها نسمةً تسعى من بين صفاق وغشا، قالت: وماذا أنزل عليك أيضًا؟ قال: ألم تر إلى ربك كيف خلق الناس أفواجا، وجَعَلَ الله لهنّ

стр. 8612

أزواجًا، فيولج فيهنّ إيلاجا، ثم يخرج منها ما شاء إخراجا، فينتجن لنا إنتاجا. فقالت: أشهد أنك نبي، فقال: هل لك أن أتزوجك؟ فقالت نعم. فقال لها (١): [من الهزج] ألا قُومِي إلى النيكِ … فقد هُيِّي لك المَضْجَع فإن شِئتِ سَلَقْناك … وإن شِئتِ على أربع وإن شئت بثلثيه … وإن شئت به أجمع فقالت: بل به أجمع، فإنه (اجمع) للشمل يا رسول الله، فقال: بذلك أوحي الي. فأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم انصرفت الى قومها، ولم تزل سجاح في أخوالها من تغلب حتى نفاهم معاوية عام بويع فيه، فأسلمت سجاح وحَسُنَ إِسلامها وانتقلت إلى البصرة، وماتت بها. وفي (٢) أيام أبي بكر ﵁ قتل مسيلمة الكذاب، وكان أبو بكر ﵁ قد أرسل إلى قتاله جيشًا، وقدم عليه خالد بن الوليد، فجرى بينهم قتال شديد وآخره انتصر المسلمون، وهزم الله المشركين، وقَتَلَ مسيلمة وحشي بالحربة التي قتل بها حمزة عم رسول الله ﷺ وشاركه في قتله رجلٌ من الأنصار، وعبد الله بن زيد بن عاصم (٣)، وكان مقام مسيلمة باليمامة. وكان مسيلمة قد قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني حنيفة، فأسلم ثم ارتد، وادعى النبوة استقلالًا، ثم مشاركة مع النبي ﷺ ، وقتل من المسلمين في حرب مسيلمة جماعة من القراء من المهاجرين والأنصار. ولما رأى أبو بكر كثرة من قتل أمر بجمع القرآن من أفواه الرجال، وكَتَبَهُ في جريد النخل والجلود، وجعل ذلك المكتوب عند حفصة بنت عمر زوج النبي ﷺ ، ولما تولى عثمان رأى اختلاف الناس في القراءات فكتب من ذلك المكتوب الذي عند حفصة نُسخًا وأرسلها إلى الأمصار،

стр. 8613

وأبطل ما سواها. وفي (١) أيام أبي بكر ﵁: مَنَعَتْ بنو يربوع الزكاة، وكان كبيرهم مالك بن نويرة (٢)، وكان مالك فارسًا مطاعًا، قَدِم إلى رسول الله ﷺ ، فأسلم، فولاه صدقة قومه، فلما منع الزكاة أرسل أبو بكر إلى مالك خالد بن الوليد في معنى الزكاة، فقال مالك: إني آتي بالصلاة دون الزكاة. فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا، لا تُقبل واحدة دون الأخرى، فقال مالك: قد كان صاحبكم يقول ذلك. فقال خالد أو ماتراه لك صاحبًا. والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجاولا في الكلام، فقال له خالد: إني قاتلك، فقال له: وبذلك أمرك صاحبك، فقال خالد: وهذه بعد تلك؟ وكان عبد الله بن عمر، وأبو قتادة الأنصاري، فكلّما خالدًا في أمره فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالد، ابْعَثْنا إلى أبي بكر، فيكون هو الذي يحكم بيننا، فقال خالد: لا أقالني الله إن أقَلْتُك، وتقدم إلى ضرار بن الأزور (٣) بضرب عنقه، فالتفت مالك إلى زوجته، وقال لخالد: هذه التي قتلتني، وكانت في غاية الجمال، فقال خالد بل الله قتلك برجوعك عن الاسلام، فقال مالك: أنا على دين الاسلام، فقال خالد يا ضرار اضرب عنقه، فضرب عنقه، وكان رأسه اثفية القدر، وكان من أكثر الناس شعرًا، وقبض خالد امرأته، وقيل: إنه اشتراها من الفيء وتزوّج

стр. 8614

بها، وقيل: إنها اعتدت بثلث حيض، وتزوّج بها. وقال لابن عمر وأبي قتادة احضرا النكاح، فأبيا، وقال له ابن عمر: تكتب إلى أبي بكر وتعلمه بأمرها، وتتزوج بها، فأبى وتزوّجها، وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي (١): [من الطويل] ألا قُلْ لحي أوطئوا بالسنابك … تطاول هذا الليل من بعد مالك قضى خالد بغيًا عليه بعرسه … وكان له فيها هوى قبل ذلك فأمضى هواه خالدٌ غير عاطفٍ … عِنان الهوى عني ولا متمالك فأصبح ذا أهل وأصبح مالك … إلى غير أهل هالكًا في الهوالك ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر، قال عمر لأبي بكر: إن خالدًا قد زني فارجمه، قال: ما كنت لأرجمه، فإنه تأوَّلَ فأخطأ. قال: فإنه قد قتل مسلمًا فاقتله، قال: ما كنت لأقتله؛ لأنه تأوّل فأخطأ. قال: فاعْزِلْهُ، قال: ما كنت أُغْمِدُ سيفًا سَلَّه الله. ولما بلغ متمم (٢) بن نويرة مقتل مالك أخيه نَدبَهُ بالأشعار الكثيرة، فمن ذلك قوله في قصيدته المشهورة. منها (٣): [من الطويل] وكنّنا كندماني جذيمة حقبَةٌ … مِنَ الدهرِ حتى قبل لن يتصدّعا وعشنا بخير في الحياة وقبلنا … أصاب المنايا رهط كسرى وتُبعا فلما تفرّقنا كأني ومالكًا … لطول اجتماع لم نَبِتْ ليلة معا وفي أيام أبي بكر ﵁، فتحت الحيرة بالأمان على الجزية (٤). سنة اثنتي عشرة سنة وثلاث عشرة سنة للهجرة كانت فيها: وقعة اليرموك (٥)، وهي الوقعة العظيمة التي كانت سبب فتوح الشام، وكانت سنة ثلاث عشرة لهجرة، وكان هرقل إذ ذاك بحمص، فلما بَلَغَهُ هزيمة الروم باليرموك رحل عن حمص وجعلها بينه وبين المسلمين.

стр. 8615

ولما فَرَغَ خالد بن الوليد وأبو عبيدة من وقعة اليرموك، وقصدا دمشق فجمع صاحب بصرى الجموع للملتقى، ثم إنّ صاحب بصرى طَلَبَ الصلح فصولح على كل رأس دينار وجريب حنطة. وفاة أبي بكر ﵁: (١) وقد أختلف في سبب موته، فقيل: إن اليهود سمته في أُرز، وقيل في حَسْوِ، فأكل هو والحارث بن كلدة (٢)، فقال الحارث أكلنا طعامًا مسمومًا، سم سنة، فماتا بعد سنة. وعن عائشة ﵂ (٣)، أنّه اغتسل، وكان يومًا باردًا، فَحُمَّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى الصلاة، وأمر عمر أن يصلي بالناس، وعهد إليه بالخلافة ثم توفي مساء ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء، لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. فكانت (٤) خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وعمره ثلاث وستين سنة (٥). وغسلته زوجته أسماء بنت عُميس، وحُمِل على السرير الذي حمل عليه رسول الله ﷺ ، وصلّى عليه عمر في مسجد رسول الله ﷺ ، يبن القبر والمنبر، وأوصى أن يُدفن إلى جانب رسول الله ﷺ ، فَحُفِر له، وجعل رأسه عند كتفي رسول الله ﷺ (٦). وكان (٧) حسن القامة، خفيف العارضين، معروق الوجنة غائر العينين ناتيء الجبهة، أجنأ (٨)، عارى الأشاجع، يخضب بالحناء والكتم. خلافة عمر بن الخطاب ﵁ (٩):

стр. 8616

بويع في الخلافة في اليوم الذي دُفن (١) فيه أبو بكر. وأول خطبة خطبها قال: يا أيها الناس، والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ له من القوي، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ للضعيف منه الحق. ثم أن أول شيء أمر به أن عزل خالدًا عن الإمرة (٢)، وولّى أبا عبيدة على الجيش والشام، وأرسل بذلك إليهما، وهو أوّل من سمّي بأمير المؤمنين، وكان أبو بكر يخاطب بخليفة رسول الله. ثم سار أبو عبيدة ونازل دمشق، وكانت مَنْزِلُهُ من جهة باب الجابية ونزل خالد من جهة باب توما ونزل عمرو بن العاص بناحية أُخرى، وحاصرها قريبًا من سبعين ليلة، وفتح خالد ما يليه بالسيف، فخرج أهل دمشق، وبذلوا الصلح لأبي عبيدة من الجانب الآخر وفتحوا له الباب، فآمنهم ودخل، والتقى مع خالد في وسط البلد وبعث أبو عبيدة بالفتح إلى عمر (٣). وفي أيامه فتح العراق. سنة أربع عشرة للهجرة (٤) فيها: في المحرم أمر عمر ببناء البصرة، فاختطت (٥)، وفيها توفي أبو قحافة (٦) أبو أبي بكر الصديق ﵁ وعمره سبع وتسعون، فكانت وفاته بعد ابنه أبي بكر ﵁. سنة خمس عشرة للهجرة فيها: فتحت (٧) حمص، بعد دمشق، بعد حصار طويل، حتى طلب الروم

стр. 8617

الصلح، فصالحهم أبو عبيدة على ما صالح عليه أهل دمشق، ثم سار إلى حماة. قال القاضي جمال الدين (١) بن واصل في التاريخ المظفري الذي نقلنا هذا منه: إن (٢) حماة كانت في زمن داود وسليمان ﵉، مدينة عظيمة قال: وجدتُ ذكرها في أخبار داود وسليمان في أسفار الملوك الذي بأيدي اليهود (٣). وكذلك في زمن اليونان، إلا أنها في زمن الفتوح وقبله كانت صغيرة، وهي وشيزر (٤)، وكانا من عمل حمص، وكانت حمص كرسي مملكة هذه البلاد، وقد ذكرهما امرؤ القيس في قصيدته التي أولها: [من الطويل] سَمَالك شَوْقُ بعد ما كان أقصرا (٥) ومن جملتها: نقطع أسباب الملامة (٦) والهوى … عشيّة جاوزنا حماة وشَيْزَرا ولما وصل أبو عبيدة إلى حماة، خرجت الروم التي بها إليه، يطلبون الصلح، فصالحهم على الجزية لرؤوسهم، والخراج على أرضهم، وجَعَل كنيستهم العظمى جامعًا، وهو جامع سوق الأعلى من حماة، ثم جدد في خلافة المهدي من بني العباس، وكان على لوح منه مكتوب: إنه جدد من خراج حمص. ثم سار أبو عبيدة إلى شيزر، فصالحه أهلها على ما صالح عليه أهل حمص وكذلك أهل المعرّة، وكان يقال لها معرّة حمص، ثم قيل لها معرة النعمان بن بشير الأنصاري؛ لأنها كانت مضافة إليه مع حمص في خلافة معاوية ثم سار (٧) أبو عبيدة إلى اللاذقية، ففتحها عنوة (٨)، وفتح جبلة (٩) وإنطرسوس (١٠) ثم سار الى

стр. 8618

قِنَّسْرِين (١)، وكانت كُرْسِيّ المملكة المنسوبة اليوم إلى حلب، وكانت حلب من جُملة أعمالها، ولما نَازَلَها أبو عُبيدة هو وخالد بن الوليد، كان بها جمع عظيم من الروم، فجرى بينهم قتال شديد، انتصر فيه المسلمون، ثم بعد ذلك طلب أهلُها الصلح على صلح أهل حمص، فأجابهم على أن يُخَرِّبوا المدينة، فَخُرِّبَت ثم فتح بعد ذلك حلب وأنطاكية (٢) ومِنْبَج (٣) ودلوك، وسَرْمِين وتِنِّزِين وعزاز واستولى على الشام من هذه الناحية. ثم سار خالد إلى مَرْعَش ففتحها وأجْلَى أهلها، وأخربها، وفتح حِصْن الحَدَث، وفي سنة خمس عشرة المذكورة (٤) أَيَّسَ هِرَقْل من الشام، وسار (٥) إلى قُسْطَنْطِينِيَّة من الرُّهَا، ولما سار هرقل علا على نَشَرٍ من الأرض وثم التفت إلى الشام. وقال: السلام عليك يا سوريا، سلام لا اجتماع بعده أبدًا، ولا يعود إليك رومي أبدًا إلا خائفًا حتى يولد المشؤوم وليته لم يُولد، فما أجل فِعْلُه على الروم وأمر فتنته. ثم فتحت قيسارية (٦)، وصَبَسْطِية (٧)، وبها قبر يحيى بن زكريا، ونابلس ويافا، وتلك البلاد جميعها، وأما بيت المقدس، فطال حصاره، وطلب أهله من أبي عبيدة أن يصالحهم على صلح أهل الشام بشرط أن يكون عمر بن الخطاب متولي الصلح، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فقدم عمر بن الخطاب ﵁ إلى القدس، وفتحها (٨)،

стр. 8619

واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب ﵁. وفي هذه السنة، أعني سنة خمس عشرة، وضع عمر الدواوين (١)، وفرض العطاء للمسلمين، ولم يكن قبل ذلك: فقيل له: ابدأ بنفسك، فامتنع من ذلك، وبدأ بالعباس عم رسول الله ﷺ ، ففرض له خمسة وعشرين ألفًا، ثم بدأ بالأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ ، وفَرَضَ لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف. وفرض لمن بعدهم إلى الحديبية وبيعة الرضوان، إلى أربعة آلاف. ثم لمن بعدهم ثلاثة آلاف، وفرض لأهل القادسية وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفًا ألفًا، ولروادِفِهم خمسمائة خمسمائة، ثم ثلثمائة ثلثمائة، ثم مائتين وخمسين. [سنة خمس عشرة] وكان في هذه السنة، أعني سنة خمس عشرة، وقعة القادسية، وكان المتولي لحرب الاعاجم (فيها سعد بن أبي وقاص، وكان مقدم العجم رستم وجرى بين المسلمين وبين الاعاجم إذا ذاك قتال) (٢) عظيم، دام أيامًا، وكان اليوم الأول يوم أغواث (٣). ثم يوم عماس، ثم ليلة الهرير، لتركهم الكلام فيها، وكانوا يهرون هريرًا حتى أصبح الصباح، ودام القتال إلى الظهيرة، وهبت ريح عاصفة ومال الغبار على المسلمين، وانتهى القعقاع (٤) وأصحابه إلى سرير رستم، وقد قام رستم وأستظل عنه تحت بغال عليها وَصَلَتْ من كسرى للنفقة، ولما شدّوا على رستم هرب، ولحقه هلال بن علقمة فَقَتَلَهُ، ثم جاء به ورم به بين أرجل البغال وصعد السرير ونادى: قتلت رستمًا ورب الكعبة، وتمت الهزيمة على العجم، وقتل منهم ما لا يُحصى، ثم ارتحل سعد ونزل دجلة على

стр. 8620

بهرسير (١) قبالة مدائن كسرى وإيوانه المشهور، ولما شاهد المسلمون إيوان كسرى كبروا، وقالوا هذا أبيض كسرى، وهذا ما وعد الله ورسوله. سنة ست عشرة وأقام سعد على بهرسير إلى أيام صفر، ثم عبر دجلة، وهربت من المدائن نحو حلوان وكان يزدجرد قد قدم عياله إلى حلوان، وخرج هو ومن معه بما قدروا عليه من المتاع، ودخل المسلمون المدائن، وقتلوا كل من وَجَدُوه، وأحاطوا بالقصر الأبيض فنزل به سعد، واتخذ إيوان كسرى مصلى، واحتاط على أموال من الذهب والثياب تخرج عن الاحصاء، وأدرك بعض المسلمين بغلًا وقع في الماء عليه حلية كسرى من التاج والمنطقة، والدرع وغير ذلك، مكللًا بالجوهر، ووجدوا أشياء يطول شرحها، وكان لكسرى بساط طوله ستون ذراعًا في ستين ذراعًا، كان على هيأة روضة، قد صوّرت فيه الزهور بالجوهر على قصبات الذهب، فاستوهب سعد ما يخص أصحابه منه وبعث به إلى عمر، فقطعه عمر وقسمه بين المسلمين، فأصاب علي بن أبي طالب منه قطعة، فباعها بعشرين ألف درهم، وأقام سعد بالمدائن وأرسل جيشًا إلى جلولاء، وكان قد اجتمع بها جمع من الفرس، فانتصر المسلمون وقتلوا منهم جماعة، وهي الوقعة المعروفة بوقعة جلولاء (٢). وكان يزدجرد بحلوان، فسار عنها وقصدها المسلمون، واستولوا عليها، ثم فتح المسلمون تكريت والموصل، ثم فتحوا ماسبذان عنوةً، وكذلك قرقيسياء. وفي هذه (٣) السنة، أعنى سنة ست عشرة/ ١٦٠/ قدم جبلة (٤) بن الأيهم الغساني على عمر بن الخطاب، فتلقاه جماعة من المسلمين، ودخل في زي حسن، وبين يديه

стр. 8621

جنائب مقادة، ولبس أصحابه الديباج، ثم خرج عمر إلى الحج في هذه السنة، فحج جَبَلَة معه، فبينا جَبَلَة طائفًا، إذ وطئ رداءه رجل من فزارة، فلطمه جبلة فهشم أنفه، فأقبل الفزاري على عمر وشكاه، فأحْضَرَهُ عمر وقال: افتد نفسك وإلا أمرته أن يلطمك، فقال جبلة: كيف ذلك وأنا ملك وهو سوقة، فقال عمر: إن الاسلام جمعكما، وسوّى بين الملك والسوقة في الحد، فقال جبلة: كنت أظنّ أنّي في الإسلام أَعَزَّ مني في الجاهلية، فقال عمر: دَع عنك هذا، فقال جَبَلَة: أَتَنَصَّر، فقال عمر: إِنْ تنصرت ضربتُ عنقك، فقال: انظرني ليلتي هذه، فأنظره، فلما جاء الليل، سار جبلة بخيله ورجله إلى الشام، ثم سار إلى قسطنطينة، وتبعه خمسمائة رجل من قومه، فتنصروا عن آخرهم، وفرح بهم هرقل، ثم ندم جَبَلَة على فِعْلِهِ ذلك وقال (١): [من الطويل] تنصرت الأشراف من عار لطمة … وما كان فيها لو صبرتُ بها ضَرَرْ تكنّفني فيها لجاج ونخوة … وبعتُ بها العين الصحيحة بالعور وكان قد مضى رسول عمر إلى هرقل وشاهد حال جبلة، وما حصل عنده من النعمة فأرسل جبلة خمسمائة دينار لحسان بن ثابت، وأوصلها عمر إليه، ومدحه حسان بأبيات منها (٢): [من الكامل] إن ابن جفنة من بقية معشر … لم تعرهم آباؤهم باللوم لم يَنْسَني بالشامِ إذ هو ربّها … كلًا ولا مُتَنصرًا بالروم يُعطي الجزيل ولا يراه عندَهُ … إلا كبعض عطية المذموم سنة سبع عشرة (٣) فيها: اختطت الكوفة، وتحول سعد إليها. (٤). وفي هذه السنة: اعتمر (٥) عُمَر وأقام بمكة عشرين ليلة، ووسع في المسجد

стр. 8622

الحرام، وهَدَمَ منازل قوم أبو أن يبيعوها، وجعل أثمانها في بيت المال، وتزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة ﵍ (١). وفي هذه السنة كانت (٢) واقعة المغيرة بن شعبة، وهي أن عمر ولاه البصرة، وكان في قبالة العلية التي للمغيرة بن شعبة، علية فيها أربعة، وهم: أبو بكرة مولى رسول الله ﷺ ، وأخوه لأمه زياد ابن أبيه، ونافع بن كلدة وشبل بن معبد. فرفعت الريح الكوة عن العلية، فنظروا إلى المغيرة وهو على أم جميل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة، وكانت تغشى المغيرة، فكتبوا إلى عمر بذلك، فعزل المغيرة واستقدمه والشهود، وولى البصرة أبا موسى الأشعري، فلما قدموا على عمر شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزني، وأما زياد ابن أبيه فلم يفصح بشهادة الزنى، وكان عمر قد قال عنه قبل أن يشهد: أرى رجلا أرجو أن لا يفضَحَ الله به رجلا مِنْ أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال زياد: رأيته جالسًا بين رجلي امرأة، ورأيتُ رِجلين مرفوعين كاذني حمار، ونَفَسًا يعلو واستًا تنبو عن ذكر، ولا أعرف ما وراء ذلك. فقال عمر: هل رأيت الميل في المكحلة؟ قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا، ولكن اشبهها، فأمر عمر بالثلاثة فحدوا حد القذف، فحلف أبو (٣) بكرة ألا يكلم زيادًا أبدًا. وفيها (٤): فتح المسلمون الأهواز، وكان قد استولى عليها الهرمزان، ثم فتحوا رام هرمز وتستر وتحصن الهرمزان في قلعة الأهواز وحاصروه، فطلب الصلح على حكم عمر، فأنزل على ذلك، وأرسلوا به إلى عمر مع وفد منهم: أنس بن مالك (٥)، والأحنف (٦) بن قيس، ولما وصلوا إلى المدينة ألْبَسُوه كسوة من الديباج المذهب،

стр. 8623

ووضعوا على رأسه تاجه وهو مكلّل بالياقوت ليراه عمر والمسلمون فطلبوا عمر فلم يجدوه، فسألوا عنه فقيل جالس في المسجد، فأتوه وهو نائم، فجلسوا دونه، فقال الهرمزان: أين هو عمر؟ قيل: هو ذا، قال: فأين حرسه وحُجّابه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، واستيقظ عمر، ونظر إلى الهرمزان، وقال: الحمد لله الذي أَذَلَّ بالإسلام هذا وأشياعه، وأمر بنزع ما عليه، فنزعوه، وألبسوه ثوبًا ضعيفًا، فقال له عمر: كيف كان عاقبة أمر الله؟ فقال الهرمزان: نحن وإياكم في الجاهلية لما خلا الله بيننا وبينكم غلبناكم ولما كان الله الآن معكم غلبتمونا، ودار بينهما الكلام، فطلب الهرمزان ماء، فأتي به، فقال: أخاف أن تقتلني وأنا أشرب، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشرب فرمى الاناء فانكسر، فقصد عمر قتله، فقال الصحابة: إنك أمنته بقولك لا بأس عليك إلى أن تشرب، ولم يشرب، وآخر الأمر أن الهرمزان أسلم وفرض له عمر ألفين. سنة ثمان عشرة (١) فيها: حصل في المدينة والحجاز قحط عظيم (٢)، فكتب إلى سائر الأمصار يستعينهم فكان ممن قدم عليه أبو عبيدة من الشام بأربعة آلاف راحلة من الزاد، فقسم عمر ذلك على المسلمين حتى رخص الطعام بالمدينة، ولما اشتد القحط خرج عمر ومعه العباس، وجمع الناس، واستسقى مستشفعًا بالعباس، فما رجع حتى تداركت الأمطار، وأقبل الناس يتمسحون بأذيال العباس ﵀. وفي هذه السنة كان: طاعون عمواس (٣) بالشام ومات فيه أبو عبيدة، واسمه عامر بن الجراح الفهري، أحد العشرة، واستخلف أبو عبيدة على الناس معاذ بن جبل الأنصاري، فمات أيضًا بالطاعون، واستخلف عمرو بن العاص، ومات من الناس في

стр. 8624

هذا الطاعون خمسة وعشرون ألفًا، وطال مكثه شهرًا، وطمع العدو في المسلمين، وأصاب الناس في البصرة مثله. وفي هذه السنة: سار عمر إلى الشام ليقسم مواريث الذين ماتوا، ورجع إلى المدينة في ذي القعدة (١). سنة تسع عشرة وعشرين (٢) فيها: فتحت مصر والاسكندرية (٣) على يد عمرو بن العاص والزبير بن العوام، فنازلا عين شمس، وهي بقرب المطرية (٤)، وكان بها جمعهم، ففتحاها وبعث عمرو بن العاص إبرهة بن الصباح (٥) إلى الفرما (٦). وضرب عمرو فسطاطه موضع جامعه بمصر الآن، وبنى الجامع المعروف، ثم توجه إلى الاسكندرية ففتحها عنوة بعد قتال كبير. وفيها: أعني سنة عشرين، توفي بلال ابن حمامة (٧)، واسم أبيه رباح، مؤذن رسول الله ﷺ (٨)، وطلب من أبي بكر أن يرسله في الجهاد، فسأله أبو بكر أن يقيم معه، فأقام حتى تولّى عمر، فسأله ذلك، فأبى بلال، وسار إلى دمشق، وأقام بها حتى مات ودفن عند الباب الصغير. سنة إحدى وعشرين (٩) فيها: كانت وقعة نهاوند مع الأعاجم (١٠)، وكان قد اجتمعوا في مائة ألف

стр. 8625

وخمسين ألفًا، ومقدمهم الفيرزان، فجرى بينهم وبين المسلمين حروب كثيرة آخرها أن المسلمين هزموا الأعاجم، وأفنوهم قتلًا، وهرب مقدهم الفيرزان، فلما وصل إلى همدان، وَجَدَ بغالًا عليهن عسل، فلم يقدر على المضي، فنزل عن فرسه وهرب في الجبل، فتبعه القعقاع راجلًا، فقتله فقال المسلمون: إن الله جنودًا من عسل (١). وفيها: فُتحت الدنيور والصيمرة وهمدان وأصبهان (٢). وفيها: توفّي خالد بن الوليد، (واختلف في موضع قبره، فقيل بحمص وقيل بالمدينة) (٣). سنة اثنتين وعشرين (٤) فيها: فتحت أذربيجان والري وجرجان وقزوين وزنجان و طبرستان (٥). وفيها: سار عمرو بن العاص إلى برقة، فصالحه أهلها على الجزية، ثم سار إلى طرابلس الغرب، فحاصرها وفتحها عنوة (٦). وفيها (٧): غزا الأحنف بن قيس خراسان، وحارب يزدجرد، وافتتح هراة ثم سار إلى مرو، وكتب يزدجر إلى ملك الترك وإلى ملك الصغد وملك الصين، وانهزم يزدجرد إلى بلخ، وتبعه المسلمون، فهزموه، وعبر يزدجرد نهر جيحون، ثم إن يزدجرد اختلف هو وعسكره، فإنه أشار بالمقام مع الترك، وأشار عسكره بمصالحة المسلمين والدخول تحت حكمهم، فأبى يزدجرد ذلك، فطرده عسكره، وأخذوا خزائنه، وسار يزدجرد مع (ملك) الترك في حاشيته، وأقام بفرغانة ما بقي من عمره،

стр. 8626

وبقى عسكره في أماكنهم وصالحوا المسلمين. وفيها: توفي أبي بن كعب (١). من ولد (٢) مالك بن النجار، وكا يكنى أبا المنذر وهو أحد كتاب وحي رسول الله ﷺ ، وأمر الله رسوله ﷺ أن يقرأ عليه. وقال: اقرأوكم أبي (٣)، وقيل: إنه مات سنة ثلاثين في خلافة عثمان. سنة ثلاث وعشرين (٤) مقتل عمر ﵁: في هذه السنة طَعَنَ أبو لؤلؤة واسمه فيروز عبد المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب بخنجر وهو في الصلاة في خاصرته، وتحت سرته، وذلك لست بقين من ذي الحجة بالسنة المذكورة، وتوفي يوم السبت سلخ ذي الحجة، ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين، ودفن عند رسول الله ﷺ وأبي بكر الصديق ﵄، وعهد بالخلافة إلى النفر الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وهم: علي وعثمان، وطلحة والزبير وسعد، بعد أن عرضها على عبد الرحمن بن عوف فأبى. وكان عمر (٥) طويل القامة، أبيض، أصلع أشيب، وعمره خمس وخمسون سنة وقيل ثلاث وستون، وكان له من الفضل والزهد والعدل والشَّفَقَة على المسلمين القدر الوافر، فمن ذلك (٦) أنه جاء إلى عبد الرحمن بن عوف وهو يصلّي في بيته ليلًا، فقال عبد الرحمن: ما جاء بك يا أمير المؤمنين في هذه الساعة؟ فقال: إن رفقة نزلوا في ناحية السوق، خشيت عليهم سُرّاق المدينة، فانطلق لنحرسهم، فأتيا السوق، وقعدا على نَشَرٍ من الأرض يتحدثان ويُحْرِسانهم.

стр. 8627

وعمر أول من كتب التاريخ، وأرّخ به من السنة التي هاجر فيها رسول الله ﷺ ، وأوّل من عسَّ بالليل، ونهى عن بيع أمهات الأولاد، وأوّل من جمع الناس على إمام يصلّي التراويح في رمضان، وكتب بذلك إلى سائر البلدان وأمر بالدرة وحملها وضرب بها. وخطب الناس وعليه إزار فيه اثنتي عشرة رقعة. وكان مرّة في بعض حجاته، فلما مر بضجنان (١)، قال: لا إله إلا الله المعطي ما شاء لمن شاء، كنت أرعى إبل الخطاب في هذا الوادي، وكان فضًا يرعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أصبحت وليس بيني وبين الله أحد، وفضائله ﵁ لا تحصى. سنة أربع وعشرين (٢) فيها: عقيب موت عمر ﵁، اجتمع أهل الشورى (٣) (وهم من قدمنا ذكرهم) وطال الأمر بينهم، وكان قد جعل لهم عمر مدة ثلاثة أيام، قال: لا يمضي اليوم الرابع إلا ولكم أمير، وإن اختلفتم فكونوا مع الذين معهم عبد الرحمن، فمضى علي إلى العباس ﵄، فقال: عَدَل عنا لأن سعد لا يخالف عبد الرحمن إذ هو ابن عمه وعثمان صهر عبد الرحمن فلا يختلفون، فيوليها أحدهم الآخر، فقال العباس لعلي: لم أدْفَعَك (٤) عن شيء إلا رَجَعْتَ إليَّ مستأخرًا، أشَرْتُ عليك قبل وفاة رسول الله ﷺ أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت، وأشرتُ عليك بعد وفاته أن تعاجل هذا الأمر فأبيت، وأشرْتُ عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل فيهم، فأبيت، وهذا الرهط لا يزالون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يناله غيرنا، وايم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه خير. ثم جمع عبد الرحمن الناس بعد أن أخرج نفسه من الخلافة، فدعا عليًا وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، فقال: أرجو أن أفعل وأعمل جهد علمي وطاقتي ودعا عثمان،

стр. 8628

وقال له مثل ذلك، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، وقال: اللهم اسمع واشهد، إني جعلت ما في عنقي من ذلك في عنق عثمان، وبايعه فقال عليّ: لَيْسَ هذا أوّل يوم تظاهرتم علينا فيه، فصبر جميل، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كلّ يوم لهو في شان، فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك حجة، وسبيلًا، فخرج عليّ، وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد بن الأسود لعبد الرحمن: والله لقد تركته، وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون. فقال: يا مقداد قد اجتهدت المسلمين (١)، فقال المقداد: إني لأعجب من قريش، تركوا رجلًا ما أقول ولا أعلم أنّ رجلًا أقضى بالحق منه، فقال عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله فإني أخاف عليك الفتنة (٢). ثم لما أحْدَثَ عثمان ما أحدث من تولية الأمصار للأحداث من أقاربه روي أنه قيل لعبد الرحمن بن عوف: هذا كله فعلك، فقال: لم أظن هذا به، ولكن الله عليّ أن لا أكلمه أبدًا، ومات عبد الرحمن وهو مهاجر لعثمان ﵄، ودخل عثمان عائدًا عبد الرحمن في مرضه، فحوّل وجهه إلى الحائط، ولم يكلمه (٣). خلافة عثمان ﵁ (٤): بويع لثلاث مضين من المحرم سنة أربع وعشرين، وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة. ولما بويع رقى المنبر، وقام خطيبا فارتج عليه، (٥)، فقال: ان أول كل أمر صعب، وإن أعش فستأتيكم الخطب على وجهها، ثم نزل، وأقر ولاة عمر سنة واحدة؛ لأن عمر أوصى بذلك، ثم عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وولاها سعد بن أبي

стр. 8629

وقاص، ثم عزله وولى الوليد بن عقبة بن أبي معيط (١)، وكان أخا عثمان من أُمّه. سنة خمس وعشرين (٢) فيها: توفي أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري (٣)، وكان بالشام ينكر على معاوية جمع المال، ويتلو: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤)، فكتب إليه عثمان أن أقدم المدينة، فقدم المدينة، واجتمع الناس إليه، فصار يذكر ذلك ويكثر الشناعة على كانزي الذهب والفضة، فنفاه عثمان إلى الربذة، فمات بها. سنة ست وعشرين (٥) فيها: عَزَل عثمان عمرو بن العاص عن مصر، وولاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري (٦)، وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكان رسول الله ﷺ قد أَهْدَرَ دَمَهُ يوم الفتح، وشفع فيه عثمان حتى أطلقه النبي ﷺ . وفي أيام عثمان فتحت إفريقية (٧)، وكان المتولي لذلك عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وبعث بالخمس إلى عثمان، فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دنيار، فوضعها عند عثمان. وهذه من الأمور التي أَنْكَرَتْ عليه، ولما فتحت إفريقية أمر عثمان عبد الله بن نافع بن الحصين، أن يسير إلى جهة الأندلس، فغزا (٨) تلك الجهة وعاد عبد

стр. 8630

الله بن نافع إلى إفريقية، فأقام بها من جهة عثمان، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر. سنة سبع وعشرين وثمان [وعشرين] فيها: استأذن معاوية عثمان في غزو البحر (١)، فأذن له، فسير معاوية إلى قبرس جيشًا، وسار إليها أيضًا عبد الله بن سعد من مصر، فاجتمعوا عليها وقاتلوا أهلها، ثم صولحوا على جزية سبعة آلاف دينار في كل سنة، وكان هذا الصلح بعد سبي وقتل كثير من أهل قبرس. سنة تسع وعشرين (٢) فيها: عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، وَوَلاها ابن خاله عبد الله بن عامر بن كريز (٣)، ثم عزل الوليد بن عقبة عن الكوفة بسبب أنه شرب الخمر، وصلّى بالمسلمين الفجر أربع ركعات وهو سكران، ثم التفت إلى الناس وقال: هل أزيدكم، فقال ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادة مُذ اليوم، وفي ذلك يقول الحطيئة (٤): [من الكامل] شَهِدَ الحُطَيْئَةُ يَومَ يَلْقَى رَبَّهُ … أَنَّ الوَلِيدَ أَحَقُّ بِالعُذْرِ نادى وقد فرغت صلاتُهُمُ … أأزيدُكُمْ سُكرًا وَمَا يَدْرِي فأبوا أبا وهب ولو أذنوا … لَقَرَنْتَ بَيْنَ الشَّفْعِ والوَثْرِ سنة ثلاثين (٥) فيها: بَلَغَ عثمان ما وقع (٦) في أمر القرآن من أهل العراق، يقولون قرآننا أصح من قرآن أهل الشام؛ لأننا قرأنا على أبي موسى الأشعري، وأهل الشام يقولون قرآننا أصح لأنا قرأنا على المقداد بن الأسود، وكذلك غيرهم من الأمصار، فأجمع رأيه ورأي

стр. 8631

الصحابة على أن يحمل الناس على المصحف الذي كتب في خلافة أبي بكر ﵁. وكان مُوْدَعًا عند حفصة بنت عمر زوج نبي الله ﷺ ، وبحرق ما سواه من المصاحف التي بأيدي الناس، ففعل ذلك، ونسخ من ذلك المصحف، مصاحف وحمل كل واحد منها إلى مِصْرٍ من الأمصار، وكان الذي تولى نسخ المصاحف العثمانية بأمر عثمان، زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. وقال عثمان: إذا اخْتَلَفْتُم في كلمة فاكتبوها بلسان قريش، فإنما نزل القرآن بلسانهم، وفي هذه السنة سقط من (١) عثمان خاتم النبي ﷺ ، وكان من فضة فيه ثلاثة أسطر، محمد سطر، ورسول سطر، وللجلالة سطر، وكان النبي ﷺ يَختم به الكتب التي كان يرسلها إلى الملوك، ثم يختم به أبو بكر ثم عمر، وسقط في بئر أريس. سنة إحدى وثلاثين (٢) مهلك يزدجرد (٣): وفي هذه السنة هلك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز وهو آخر ملوك الفرس، وقد اختلف في ذلك: فقيل إنه نزل بمرو فثار عليه أهلها وقتلوه، وقيل بل بيته الترك وقتلوا أصحابه فهرب يزدجرد إلى بيت رجل ينقر الارحاء، فقتله. واتبع الفرس أثره إلى بيت النقار، فعذبوه فأقر بقتله فقتلوه. وفيها: عَصَتْ خراسان، واجتمع أهلها في خَلْقٍ عظيم، وسار إليها المسلمون ففتحوها فتحًا ثانيًا، وذلك في أيام عثمان. وفيها: مات أبو سفيان بن حرب، أبو معاوية. سنة اثنتين وثلاثين (٤) وفيها: توفي عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ من ولد مدركة بن الياس، وفي مدركة يجتمع مع رسول الله ﷺ ، وقد جاء في بعض الروايات أن عبد الله بن مسعود أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والذي روى أنه من العشرة أسقط أبا عبيدة بن الجرح. وكان جليل القدر عظيمًا في الصحابة، وهو أحد القراء ﵀ ورضي عنه (٥).

стр. 8632

سنة ثلاث وثلاثين (١) فيها (٢): تكلم جماعة من الكوفة في حق عثمان، بأنه ولى جماعة من أهل بيته لا يصلحون للولاية، فكتب سعيد بن العاص والى الكوفة من قبل عثمان بذلك، فكتب إليه (عثمان) أن يسيّر الذين تكلّموا بذلك إلى معاوية بالشام، فأرسلهم وفيهم الحارث بن مالك (٣) المعروف بالأشتر النخعي، وثابت بن قيس النخعي وكميل (٤) بن زياد وزيد (٥) بن صوحان العبدي، وأخوه صعصعة (٦)، وجندب بن زهير (٧)، وعروة بن الجعد (٨)، وعمرو بن الحمق (٩)، فقدموا على معاوية وجرى بينهم كلام كثير (١٠)، وحذرهم

стр. 8633

الفتنة، فوثبوا وأخذوا بلحية معاوية ورأسه فكتب بذلك إلى عثمان، فكتب إليه عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص فردّهم إلى سعيد، فأطلقوا ألسنتهم في عثمان، واجتمع إليهم أهل الكوفة. سنة أربع وثلاثين (١) فيها: قدم (٢) سعيد على عثمان، وأخْبَرَهُ بما فعل أهل الكوفة، وأنهم يختارون أبا موسى الأشعري، فولاه عثمان عليهم، فخطبهم أبو موسى، وأمرهم بطاعة عثمان، فأجابوه، وتكاتب نَفَرٌ من الصحابة أن أقدموا، فالجهاد عندنا، كتب بذلك بعضهم إلى بعض، ونال الناس من عثمان، وليس أحد من الصحابة ينهى عن ذلك ولا يذبّ إلا نفر منهم: زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت. ومما نقم الناس عليه: ردّ (٣) أبي العاص طريد رسول الله ﷺ ، وطريد أبي بكر وعمر، وإعطاؤه مروان بن الحكم خُمْسَ غنائم إفريقية وهو خمسمائة ألف دينار (٤)، وفي ذلك يقول عبد الرحمن الكندي (٥): [من المتقارب] سأحلف بالله جُهْدَ اليمين … ما ترك الله أمرًا سُدى (٦) ولكن خُلِقَتْ لنافتنةٌ … لكي تُبتلى بك أو تُبتلى دعوت اللعين فأدنيتَهُ … خِلافًا لسنّةِ مَنْ قد مضى وأعطيت مروان خمس العباد … ظلمًا لهم وحَمَيْتَ الحمى وأقطع ابن الحكم فدك (٧)، وهي صدقة رسول الله ﷺ التي طلبتها فاطمة

стр. 8634

ميراثا، فروى أبو بكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. ولم تزل فدك في يد مروان وبنيه إلى أن تولّى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من أهله وردها صدقة. وفيها: توفي المقداد (١) بن الأسود، ولم يكن في يوم بدر من المسلمين صاحب فرس غيره في قول، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها ومات وعمره نحو سبعين سنة. سنة خمس وثلاثين (٢) وفيها: قدم من مصر جمع قيل ألف وقيل سبعمائة، وقيل أقل (٣)، وكذلك قدم من الكوفة والبصرة جمع، وكان هوى المصريين مع علي، وهوى البصريين مع طلحة، وهوى الكوفيين مع الزبير، فدخلوا المدينة، ولما جاءت الجمعة التي تلي دخولهم خرج عثمان فصلّى بالناس، ثم قام على المنبر، وقال للجموع المذكورة: يا هؤلاء، الله يعلم أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ (٤)، فقام محمد بن مسلمة الأنصاري (٥) وقال: أنا أشهد بذلك. وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحُصِب عثمان حتى خرّ مغشيًا عليه، فأدخل داره، وقاتل جماعة من أهل المدينة عن عثمان، منهم سعد بن أبي وقاص والحسن بن علي وزيد بن ثابت ﵃ وأبو

стр. 8635

هريرة، فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف فانصرفوا، وصلّى عثمان بالناس بعدما نزلت الجموع المذكورة بالمسجد ثلاثين يومًا، ثم منعوه الصلاة، فصلّى بالناس أميرهم الغافقي (١)، أمير جمع مصر، ولزم أهل المدينة بيوتهم، وعثمان محصور في داره، ودام ذلك أربعين يومًا وقيل خمسين، ثم إن (٢) عليًا اتفق مع عثمان على ما يطلبه الناس منه من عزل مروان عن كتابته، وابن أبي السرح عن مصر، فأجاب عثمان إلى ذلك، وفرّق علي الناس عنه، وولى عوض ابن أبي سرح محمد بن أبي بكر الصديق، وتوجه مع محمد بن أبي بكر عدّة من المهاجرين والأنصار، فبينما هم في أثناء الطريق وإذا هم بعبدٍ على هجين يُجْهِدُه، فقالوا له: إلى أين؟ فقال: إلى العامل بمصر، فقالوا: هذا عامل مصر، يعنون محمدًا، فقال: بل العامل الآخر، يعني ابن أبي سرح، فأمسكوه وفتشوه، فوجدوا مَعَهُ كتابًا مختومًا بختم عثمان يقول: إذا جاءك محمد بن أبي بكر ومن معه بأنك معزول فلا تقبل واحتل لقتلهم، وأبطل كتابهم، وقرّ في عملك، فرجع محمد من معه من المهاجرين والأنصار إلى المدينة، وجمعوا الصحابة وأوقفوهم على الكتاب وسألوا عثمان عن ذلك فاعترف بالختم، وخط كاتبه، وحَلَفَ بالله أنَّهُ لم يأمر بذلك، فطلبوا منه مروان ليسلمه إليهم بسبب ذلك فامتنع، فازداد حنق الناس عليه، وجدوا في قتاله، فأقام علي ابنه الحسن يذب عنه، وأقام الزبير ابنه عبد الله، وطلحة ابنه محمدًا، بحيث جُرح الحسن وانصبغ بالدم، وآخر الحال أنهم تسوروا على عثمان من دارٍ إلى جانب داره، ونزلت عليه جماعة فيهم محمد بن أبي بكر فقتلوه، وكان عثمان ﵁ حين قتل صائمًا يتلو في المصحف، وكان قتله لثماني عشرة ليلة خَلَتْ من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. (وكانت مدة خلافته اثنى عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا، واختلف في عمره، فالصحيح أنه اثنان وثمانون سنة) (٣) ومَكَثَ ثلاثة أيام لم يُدفن، لأن المحاربين له منعوا من ذلك، ثم أمر علي بدفنه.

стр. 8636

وكان (١) عثمان معتدل القامة، حسن الوجه، بوجهه أثر جدري، عظيم اللحية أسمر اللون، أصلع يصفر لحيته. وتزوج ابنتي رسول الله ﷺ وبسببهما قيل له: ذو النورين. وكان كاتبه مروان بن الحكم بن العاص ابن عمه، وقاضيه زيد بن ثابت. وأما فضائله، فإنه الذي جهز جيش العسرة بجملة من المال، وكان أصاب الناس مجاعة في غزوة تبوك، فاشترى عثمان طعاما يصلح العسكر، وجهز به عيرًا فلما وصل ذلك إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارض عنه. وروى الشعبي أن عثمان دخل على نبي الله ﷺ فجعل ثوبه عليه وقال: كيف لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة. أخبار علي بن أبي طالب ﵁ (٢): واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب جد رسول الله ﷺ ، وأم علي فاطمة بنت أسد، فهو هاشمي ابن هاشميين (٣). بويع (٤) بالخلافة يوم قتل عثمان، وقد اختلف في كيفية بيعته، فقيل اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم طلحة والزبير، فأتوا عليا وسألوه البيعة له، فقال: لا حاجة لي في أمركم، من اخترتم رضيت به، قالوا: ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارًا، وقال: أكون وزيرًا خيرًا من أن أكون أميرًا، فأبوا عليه، فأتى المسجد فبايعوه، وأوّل من بايعه طلحة وكانت يده شلاء من نوبة أحد، فقال حبيب (٥) بن ذؤيب: إنا لله أوّل يد بايعته يد مشلولة، لا يتم هذا الأمر، وبايعه الزبير، وقال لهما: إن أحببتما أن تُبايعا بايعا، وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك، ثم قال بعد ذلك: إنّما بايعنا خشية على نفوسنا، ثم هربا إلى مكة بعد مبايعة علي بأربعة أشهر، وجاؤا (٦) بسعد بن أبي وقاص، فقال له علي:

стр. 8637

بايع فقال: لا حتى يجتمع الناس، والله ما عليك منّي بأس، فقال: خلّوا سبيله، وكذلك تخلف عن البيعة عبد الله بن عمر. وبايعته الأنصار إلا قليلًا، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير ومحمد بن مسلمة، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، وزيد بن ثابت، وكان هؤلاء قد ولاّهم عثمان على الصدقات وغيرها (١). وكذلك لم يبايع عليًّا سعيد بن زيد وعبد الله بن سلام وصهيب، وأسامة بن زيد وقدامة بن مظعون (٢) والمغيرة بن شعبة وسمّى هؤلاء المعتزلة، لاعتزالهم بيعة عليّ، وسار النعمان بن بشير إلى الشام، ومعه ثوب عثمان ملطخ بالدم، فكان معاوية يعلّق قميص عثمان على المنبر ليحرّض أهل الشام على قتال علي وأصحابه، وكلّما رأوا أهل الشام ذلك ازدادوا غيظًا. وقد روي في بيعة عليّ غير ذلك، فقيل (٣): لما قتل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام والغافقي أمير المصريين ومن معه يلتمسون من يقوم بالأمر فلا يجدونه، ووجدوا سعدًا والزبير قد خرجوا من المدينة، ووجدوا بني أمية قد هربوا، وأتى المصريون عليًّا فباعدهم، وأتى الكوفيون الزبير والبصريون طلحة فباعداهم، وكانوا مع اجتماعهم على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة حتى غشي الناس عليًّا، وقالوا نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به، فامتنع عليّ فألحوا عليه، فأجابهم وقال لهم: إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت البيعة، فبعث المصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة (٤) ومعه

стр. 8638

نفر فجاؤا بالزبير كرهًا بالسيف، فبايع، وبعثوا إلى طلحة الاشتر ومعه نفر، فأتوا بطلحة وبايع، ولما أصبح الناس يوم الجمعة اجتمعوا في المسجد وصعد علي المنبر، واستعفى من ذلك، فلم يعفوه، فبايعه طلحة وكانت يد طلحة شلاء، وبايعه المهاجرون والأنصار خلا مَنْ ذكرنا، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ثم فارقه طلحة والزبير، ولحقا بمكة، واتفقا مع عائشة، وكان قد مَضَتْ إلى الحج وعثمان محصور، وكانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه، وكانت تخرج قميص رسول الله ﷺ وشعره وتقول: هذا قميصه وشعره لم يبل، وقد بلى دينه، لكنّها لم تظنّ أن الأمر ينتهي إلى ما انتهى إليه. وكان (١) ابن عباس بمكة لما قُتل عثمان، ثم قدم المدينة بعد البيعة لعلي، فوجد المغيرة مستخليًا بالمسجد مع علي، قال: فسألته ما قال له، قال علي: أشار علي بإقرار معاوية وغيره من عمال عثمان إلى أن يبايعوا ويستقر الأمر، فأبيت، ثم أتاني الآن، وقال: الرأي ما رأيته، فقال ابن عباس: نَصَحَكَ أولًا وغشك ثانيًا، وأنّي لأخشى أن ينتقض عليك الشام، مع أني لا آمن طلحة والزبير، وأنا أُشير عليك أن تقر معاوية، فإن بايع لك، فَعَلَيّ أن أقْتَلِعَهُ فقال علي: والله ما أعطيه إلا السيف، ثم تمثل: [من الطويل] وما ميتة إن متها (٢) غير عاجز … بعار إذا ما غالتِ النفس غُولُها فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، ولست صاحب رأي، فقال علي: إذا عصيتك فأطعني، فقال ابن عباس: أفعل، أيسر مالك عندي الطاعة، وخرج المغيرة ولحق بمكة. سنة ست وثلاثين فيها: أرسل (٣) عليّ إلى البلاد عماله، فبعث إلى الكوفة عمارة بن شهاب (٤)

стр. 8639

وكان من المهاجرين، وولى عثمان بن حنيف الأنصاري البصرة، وعبيد الله بن عباس اليمن، وكان من المشهورين بالجود وولى قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري مصر، وسهل بن حنيف الأنصاري الشام، فلمّا وَصَلَ تبوك لحقته خيول من الشام، فقالوا: من أنت؟ قال: أمير على الشام، فقالوا: إن كان بعثك غير عثمان فارجع، قال: أوَمَا سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى، فمضى إلى عليّ، ورجع قيس بن سعد فوليها، فاعتزلت عنه فرقة كانوا عثمانية وأبو إلا أن يقتلوا قاتل عثمان. ومضى عثمان بن حنيف إلى البصرة، فدخلها واتبعته فرقة وخالَفَتْه فرقة، ومضى عمارة إلى الكوفة فلقيه طليحة بن خويلد الأسدي الذي كان ادّعى النبوة. فقال له: إن أهل الكوفة لا يستبدلون بأميرهم، فرجع عمارة إلى عليّ، وكان على الكوفة من قبل عثمان أبو موسى الأشعري، ومضى عبيد الله إلى اليمن وكان العامل عليها يعلى بن مُنْية (١)، فخرج منها وأخذ ما كان حاصلًا من المال ولحق بمكة، وصار مع عائشة وطلحة والزبير، وسلّم إليهم المال. مسير عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة (٢): ولما بَلَغَ عائشة مقتل عثمان، أعْظَمَتْ ذلك، وَدَعَتْ إلى الطلب بدمِهِ، وساعدها على ذلك طلحة والزبير وعبد الله بن عامر وجماعة من بني أُميّة، وجمعوا جَمْعَهُم، ومضوا إلى البصرة للاستيلاء عليها، وقالوا: معاوية بالشام قد كفانا أمرها، وكان عبد الله بن عمر قد قدم من المدينة فدعوه إلى المضي معهم فامتنع، وساروا، وأعطى يعلى بن منية لعائشة الجمل عسكر، اشتراه بمائة دينار، فركبته، ومروا في طريقهم بماء يقال له الحوأب (٣)، فنبحتهم كلابه، فقالت عائشة: أي ماء هو هذا؟ فقيل: هذا ماء الحوأب، فَصَرَخَتْ بأعلى صوتها، وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعت رسول الله ﷺ يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكنّ تنبحها كلاب الحوأب، ثم

стр. 8640

ضربت عضد بعيرها، وقالت: ردّوني، أنا والله صاحبة ماء الحوأب، فأناخوا يومًا وليلة، وقال لها عبد الله بن الزبير: كذب الذي قال إنّ هذا ماء الحوأب، ولم يَزَلْ بها وهي تمتنع، ثم صاح: النجاء النجاء، فقد أدرككم علي بن أبي طالب، فارتحلوا نحو البصرة، فاستولوا عليها بعد قتال مع عثمان بن حنيف فقتل من أصحاب عثمان أربعون رجلًا (١)، وأُمسك عثمان بن حنيف، فتتفت لحيته وحواجبه وسجن، ثم أطلقته. مسير علي إلى البصرة (٢): ولما بلغ عليا مسير عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة، سار نحوهم في أَرْبَعةِ آلاف من المدينة، فيهم أربعمائة ممن بايع تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار والراية مع ابنة محمد ابن الحنفية، وعلى ميمنته الحسن وعلى ميسرته الحسين وعلى الخيل عمار بن ياسر وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر، وكان على مقدمته عبد الله بن العباس، واتفق مسيره في ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، ولما وصل علي إلى ذي قار، أتاه عثمان بن حنيف فقال: يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية وجئتك أمرد. فقال: أصبت أجرًا وخيرًا. وقال علي (٣): إن الناس وليهم قبلي رجلان، فعملا بالكتاب والسنّة، ثم وليهم ثالث، فقالوا في حقه وفعلوا، ثم بايعوني وبايعني طلحة والزبير، وقد نَكَثا، ومن العَجَب انقيادهما لأبي بكر وعمر وعثمان وخلافهما عَلَيَّ، والله يعلم أنهما ليعلمان أني لست دون أحد ممن تقدم. وقعة الجمل (٤): واجتمع إلى علي من أهل الكوفة جمع، واجتمع إلى عائشة وطلحة والزبير جمع، وسار بعضهم إلى بعض، والتقوا بمكان يقال له الخريبة في النصف من جمادى

стр. 8641

الآخرة من هذه السنة. ودعا (١) عليٌّ الزبير إلى الاجتماع، فاجتمعا، فقال له عليٌّ أتذكر يومًا مررت مع رسول الله ﷺ في بني غنم، فنظرتما إليّ وضحكتما لي وضحكت أنا أيضًا، فقلت: لا يَدَعُ ابن أبي طالب زَهْوَهُ، فقال لك رسول الله ﷺ : إنه ليس بِمُزْهِ، والله لتقاتِلَنَّهُ وأنت له ظالم. فقال الزبير: اللهم نعم، ولو ذكرته ما سرتُ مسيري هذا، واعتزل القتال وقيل بَلْ عيّره ولده عبد الله، وقال: خِفْتَ من رايات علي، فقال: لا ولكنّي حَلَفْتُ ألا أقاتل، فقال له ابنه: كفّر عن يمينك وقاتل، فأعتق غلامه مكحولًا وقاتل، ووقع الكتاب، وعائشة راكبة الجمل عسكر في هودج وقد صار كالقنفذ من النشاب، فتمت الهزيمة على أصحاب عائشة، ورمى (٢) مروان بن الحكم طلحة بسهم فقتله، وكلاهما كانا مع عائشة، ونَسَبَهُ إلى أنّه أعان على عثمان فقتله طالبًا لثأر عثمان، وانهزم الزبير قاصدًا المدينة وقطعت على خطام الجمل أيد كثيرة، وقتل أيضًا بين الفريقين خَلْق عظيم ولما كثر القتل على خطام الجمل، قال علي: اعقروا الجمل، فضربه رجل، فسقط فبقيت عائشة في هودجها إلى الليل وأدخلها محمد بن أبي بكر أخوها إلى البصرة، وأنزلها في دار عبد الله بن خلف، وطاف عليٌّ على القتلى من أصحاب الجمل وصلّى عليهم ودَفَنَهم، ولما رأى طلحة قتيلًا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كنت أكره أن أرى قريشًا صرعى، ثم أنشد: فتى كان يُدينه الغِنَى مَنْ صديقه … إذا ما هو استغنى ويُبعِدُهُ الفَقْرُ وصلّى عليه، ولم ينقل عنه أنه صلّى على أهل صفين. ولما انصر (٣) الزبير من وقعة الجمل طالبًا المدينة مر بماء لبني تميم، وبه الأحنف بن قيس، فقيل للأحنف، وكان به نازلًا معتزلًا للقتال: هذا الزبير قد أقبل، فقال: قد جمع بين هذين الغارين، يعني العسكرين وتركهم فأقبل وفي مجلسه عمرو بن جرموز المجاشعي، فلما سمع كلامه قام من مجلسه وتبع الزبير حتى وَجَدَهُ بوادي السباع نائمًا، فقتله، ثم أقبل برأسه إلى علي بن أبي طالب فقال علي: سمعت رسول

стр. 8642

الله ﷺ يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار. فقال عمرو بن جرموز المذكور: أتيتُ عليًا برأس الزبير … وقد كنتُ أحسَبُها زُلْفَة (١) فبشَّرَ بالنارِ قبلَ العَيانِ … فبئس البشارة والتحفة وسيان عندي قتل الزبير … وضرطةُ عَنْزِ بذي الجحفة ثم أمر علي عائشة بالرجوع إلى المدينة وأن تقرَّ ببيتها، فسارت مستهل رجب من هذه السنة، وجهزها علي بما احتاجت إليه، وسير معها أولاده مسيرة يوم، وتوجهت إلى مكة فأقامت للحج تلك السنة، ثم رجعت إلى المدينة. وقيل كان عدد القتلى يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، واستعمل على البصرة عبد الله بن عباس، وسار علي إلى الكوفة فنزلها، وانتظم له الأمر بالعراق ومصر واليمن والحرمين وفارس وخراسان، ولم يبق خارج عنه إلا الشام، وفيه معاوية وأهل الشام مطيعون له فأرسل إليه علي جرير بن عبد الله البجلي ليأخذ البيعة على معاوية، ويطلب منه الدخول فيما دَخَل فيه الناس (٢)، فسار جرير إلى معاوية فما طله معاوية، وكان عمرو بن العاص بفلسطين، فقدم (٣) على معاوية، ورأى أهل الشام يحظون على الطلب بدم عثمان، فقال لهم عمرو: أنتم على الحق، واتفق عمرو ومعاوية على قتال علي، وشرط عمرو على معاوية إذا ظفر أن يوليه مصر، فأجابه إلى ذلك، وكان قيس بن سعد بن عبادة متوليًا مصر (٤) من جهة علي وقد اعتزل عنه جماعة عثمانية إلى قرية يقال لها خربتا، وكان قيس المذكور من دهاة العرب، فرأى من المصلحة مداهنة المذكورين، وكف الحرب عنهم لئلا ينضموا إلى معاوية، وكتب معاوية إلى قيس يستميله ويبذل له الولايات العظام، فلم يفد فيه، فزوّر عليه معاوية

стр. 8643

كتابًا، وقرأه على الناس يوهمهم أنَّ قيسًا معهم، ولذلك لم يقاتل المعتزلين عنه بخربتا، فبلغ عليًا، فعزل قيسًا عن مصر وولى عليها محمد بن أبي بكر، ولحق قيس بالمدينة، ثم بعلي وحضر معه حرب صفين، وحكى له ما جرى له مع معاوية، فعلم صحة ذلك، وبقي قيس المذكور مع علي ثم مع الحسن بعد وفاة علي إلى أن سلّم الأمر إلى معاوية. وأما (١) محمد بن أبي بكر، فوصل إلى مصر وتولّى عليها، وأوصاه قيس ألا يتعرّض إلى أهل خربتا، فلم يقبل، وبعث إلى أهل خربتا يأمرهم بالدخول في البيعة والخروج من أهل مصر، فقالوا: لا نَفْعَل ودعنا ننظر إلى ما يصير إليه أمرنا، فأبى عليهم. وقعة صفين (٢): ولما قدم عمرو على معاوية، واتفقا على حرب علي قدم جرير على علي فأعلمه ذلك، فسار عليّ من الكوفة إلى جهة معاوية، وقدم عبد الله بن عباس ومن معه من أهل البصرة، فقال علي ﵁: [من الرجز] لأصبحن العاصي بن العاصي … سبعين ألفا عاقدي النواصي (٣) مجنبينَ الخيل بالقلاص … مُستحقبينَ حَلَقَ الدُّلاصِ وحدا بعلي نابغة (٤) بني جعد الشاعر، فقال: [من الرجز] قد عَلِمَ المصران والعراق … أنَّ عليا فحلها العتاق أبيضُ جَحْجَاح له رواقُ … أن الألى حاروك لا أفاقوا لكم سياق ولهم سياق … قد علمت ذلكم الرفاق وسار عمرو ومعاوية من دمشق بأرض الشام إلى جهة (علي) (٥) وتأنى معاوية في مسيره حتى اجتمعت الجموع بصفين، وخرجت سنة ست وثلاثين والأمر على ذلك.

стр. 8644

سنة سبع وثلاثين دَخَلَتْ والجيشان بصفين، ومضى المحرم وليس بينهم قتال، بل مراسلات يطول ذكرها، ولما دخل صفر وقع بينهما القتال فيه، وكانت بينهما بصفين وقعات كثيرة، قيل كانت تسعين وقعة، وكان مدة مقامهم بصفين مائة وعشرة أيام، وكانت عدّة القتلى بصفين من أهل الشام خمسة وأربعين ألفًا ومن أهل العراق خمسة وعشرين ألفًا، منهم ستة وعشرون من أهل بدر. وكان علي قد تقدّم إلى أصحابه أن لا يقاتلوهم حتى يبدؤهم بالقتال، وأن لا يقتلوا مدبرًا ولا يأخذوا شيئًا من أموالهم. قال معاوية (١): أردت الانهزام بصفين، فتذكرت قول ابن الاطنابة (٢) فثبت، وكان جاهليًا، والأطنابة امرأة، وهو قوله (٣): [من الوافر] أَبَتْ لي هِمَّتِي وَأَبَى بَلائِي … وَأَخْذِي الْحَمْدَ بَالْثَّمَنِ الرَّبِيحِ وَإِعْطَائِي عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي … وَإِقْدَامِي علَى الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشِأْتُ وجاشت … رُوَيْدَكِ (٤) تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي وقاتل عمار بن ياسر (٥) مع علي قتالًا كثيرًا، وكان قد نيّف عمره تسعين سنة وكانت الحربة في يَدِهِ، ويده ترعد، وقال: هذه راية قاتلت مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات، وهذه الرابعة، ودعا بقدح من لبن فشربه، وقال: صدق الله ورسوله: [من المجتث] اليوم ألقى الأحبة … مُحَمَّدًا وحِزْبَه (٦) قال رسول الله ﷺ إن آخر رزقي من الدنيا ضيحة لبن، والضيح اللبن الرقيق الممزوج، ورؤي أنه كان يرتجز ويقول: [من الرجز] نحنُ قتلناكم على تأويله … كما قَتَلْناكُم على تنزيله (٧)

стр. 8645

ضربًا يزيلُ الهامَ عن مَقيلِهِ … ويُذهِلُ الخليلَ عن خَليلِهِ ولم يزل عمار يقاتل حتى استشهد ﵁. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «تقتل عمار الفئة الباغية»، وقتله أبو غادية (١) برمح فسقط عمار فجاء آخر فاحتز رأسه، وجاءا (٢) يختصمان إلى عمرو بن العاص ومعاوية وكل يقول: أنا قتلته، فقال عمرو: إنكما في النار، فلما انصرفا قال معاوية لعمرو: ما رأيت مثلما صرفت قومًا بذلوا أنفسهم دوننا، فقال عمرو: هو والله ذاك إنك لتعلمه، ولوددت أنّي مت قبل هذا بعشرين سنة. وبعد قتل عمار انتدب علي اثني عشر ألفًا، وحمل بهم على عسكر معاوية، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض، ويقول علي: [من الرجز] أقتلهم ولا أرى مُعاوِيَة … الجاحظ العين العظيم الحاوية (٣) ثم قال: يا معاوية علام يقتل الناس، هلم أحاكمك إلى الله، فأيهما قتل صاحبه استقام له الأمر، فقال عمرو: أَنْصَفَكَ ابْنُ عمّك، فقال معاوية: ما أنصف، إنك لتعلم أن أحدًا ما بارز عليًا وخَلَصَ من مخالبه، فقال عمرو: ما يحسن بك ترك مبارزته، فقال معاوية: طمعت في الأمر بعدي. ثم تقاتلوا ليلة الهرير، شبّهت بليلة القادسية، وكانت ليلة الجمعة، وأستمر القتال إلى الصبح، وقد قيل: إن عليًا كبّر تلك الليلة أربعمائة تكبيرة، وكانت عادته أنّه كلّما قَتَلَ قتيلًا كبّر، ودام القتال إلى ضحى يوم الجمعة، وقاتل الأشتر قتالًا عظيمًا حتى وصل إلى معسكرهم وأمده علي بالرجال، ولما رأى عمر و ذلك قال لمعاوية: هلم نرفع المصاحف على الرماح ونقول كتاب الله بيننا وبينكم، ففعلوا ذلك (٤)، ولما رأى أهل العراق ذلك قالوا لعلي: ألا تجيب إلى كتاب الله؟ فقال لهم: امضوا على حقكم وصدقكم في جهاد عدوّكم، فإنهم ليسوا بأصحاب دين، وأنا أعرف بهم منكم، ويحكم والله ما رفعوها إلا خديعة، قالوا: لا يسعنا (٥) أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى، فقال علي: إنما قاتلتهم ليدينوا بكتاب الله، فإنهم قد عصوا

стр. 8646

الله فيما أمرهم به، فقال عبد الله (١) بن فدك التميمي، وزيد بن حصين الطائي (٢) في عصابة ممن صاروا خوارج: يا علي، أحب إلى كتاب الله، وإلا دفعناك برمتك إلى القوم، ونفعل بك ما فعلنا بابن عفّان، فقال علي: إن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك فبعث إليه، فقال الأشتر: ليس هذا وقت استدعائي، فرجع الرسول، وأخبر الخبر، وارتفعت الأصوات، وكثر الرهج من جهة الأشتر، فقالوا لعلي: ما نراك أمَرْتَه إلا بالقتال، فقال: هل رأيتموني ساررت الرسول فقالوا: ابعث إليه ليأتينك، وإلا اعتزلناك، فرجع الرسول إلى الأشتر فأعلمه، فقال: قد علمت والله أن رفع المصاحف يوقع اختلافًا، وأنها مشورة ابن العاهرة، فرجع الأشتر إلى علي، وقال: خدعتم فانخدعتم وكان غالب تلك العصابة الذين نهوا عن القتال قرّاء، ولما كفّوا عن القتال سألوا معاوية لأي شيء رفعت المصاحف؟ فقالوا: انصبوا حكمًا منكم وحكمًا منا، فنأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فوقعت الإجابة على ذلك، فقال الأشعث بن قيس، وهو أكبر الخوارج: إنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري، فقال علي: قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الآن لا أرى أن أولي أبا موسى ذلك، فقالوا: لا نرضى إلا به، فقال: إنه ليس بثقة، قد فارقني وخذل عنّي الناس، ثم هرب مني حتى أمنته، ولكن ابن عباس أولى، فقالوا: إنّه ابن عمك، ولا نريد إلا رجلًا هو منك ومعاوية سواء، ثم قال علي: فالأشتر، فأبوا وقالوا: أسعرها الأشتر، فاضطر علي إلى موافقتهم، وأخرج معاوية عمرو بن العاص واجتمع الحكمان عند علي رضي عنه، وكتب بحضوره: كتاب القضية (٣): بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي، فقال عمرو،

стр. 8647

هو أميركم، وأما أميرنا فلا، فقال الأحنف: لا تمح هذا الاسم، فقال الاشعث امحه، فمحاه علي وقال: الله أكبر (سنة فسنة) (١)، والله (إني) (٢) لكاتب رسول الله يوم الحديبية فكتبت محمدا رسول الله، فقالوا: لست برسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله ﷺ بمحوه، فقلت: لا أمحوك فقال: أرني فأريته، فمحاه بيده، وقال لي: إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب، فقال عمرو: سبحان الله أتشبهنا بالكفار ونحن مؤمنون، فقال علي ﵁: يابن النابغة، ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم، فقال علي: أرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك، وكتب الكتاب ومنه: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم، أنا ننزل عند حكم الله وكتابه، نحيي من أحيا، وتُميتُ ما أمات، فما وَجَدَ الحكمان في كتاب الله، وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عَمَلا به وما لَمْ يجدانه عملا بالسنة العادلة. وأَخَذَ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين المواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذين يتقاضيان عليه. وأجلا القضاء إلى رمضان هذه السنة، وأن أحبّا أن يؤخرا ذلك أخراه، وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة مضت من صفر من سنة سبع وثلاثين، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، فإن لم يجتمعا كذلك اجتمعا في العام المقبل، بأذرح، وشهد معهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة. ثم سار علي إلى العراق، وقدم الكوفة، ولم يدخل الخوارج معه واعتزلوه. وفي هذه السنة بعث علي للميعاد أربعمائة رجل فيهم أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس ليصلّي بهم، ولم يحضر علي واجتمعوا بأذرح، والتقى الحكمان فدعا عمرو أبا موسى إلى أن يجعل الأمر إلى معاوية، فأبى وقال: لم أكن لأوليه وأدع المهاجرين

стр. 8648

الأولين، ودعا أبو موسى عمرو إلى أن يجعل الأمر إلى عبد الله بن عمر وأبي، ثم قال عمرو: ما ترى أنت؟ فقال أبو موسى: أرى خلع علي ومعاوية، وأن يجعل الأمر شورى بين المسلمين، فأظهر له عمرو أن هذا هو الرأي، ووافقه عليه، ثم أقبلا إلى الناس وقد اجتمعوا، فقال أبو موسى: إنَّ رأينا قد اتفق على أمر نرجوا به صلاح هذه الأمة، فقال عمرو: صدق، تقدم فتكلّم يا أبا موسى فلما تقدّم لحقه عبد الله بن عباس وقال: ويحك، والله إني أظنّ أنه قد خَدَعك، إن كنتما اتفقتما على أمرٍ فَدَعْهُ يتقدّم قبلك، فقال أبو موسى: إنا قد اتفقنا، ثم تقدم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إنا لم نَرَ أصْلَح لهذه الأمة من أمر قد أجمع عليه رأيي ورأي عمرو، وهو أن نَخْلَع عليًا ومعاوية ونجعل الأمر شورى، وإني قد خَلَعْتُ عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا مَنْ أحْبَبْتُم، ثم تنحى، وقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه، فقال: إن هذا قد قال ما سمعتم، وقد خَلَعَ صاحِبَهُ، وأنا أخلع صاحِبَهُ كما خَلَعَهُ، وأُثبت صاحبي فإنّه ولي عثمان والطالب بِدَمِهِ، وأَحَقُّ الناس بمقامِهِ، فقال أبو موسى: ما لك لا وفقك الله، غَدَرْت، وفَجَرْتَ، وركب أبو موسى ولحق بمكة حياءً من علي (١)، وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلّموا عليه بالخلافة، ومن ذلك الوقت أخَذَ أَمْرُ علي في الضعف وأمر معاوية في القوة. ولما اعتزلت الخوارج عليا، دعاهم إلى الحق فامتنعوا، وقتلوا كلّ من أرسَلَهُ إليهم، فساروا إليهم وكانوا أربعة آلاف، فوعظهم ونهاهم، فتفرقت منهم طائفة وبقي مع عبد الله بن وهب جماعة على ضلالتهم، وقاتلوا فقتلوا عن آخرهم، ولم يُقْتَل من أصحاب علي سوى سبعة أنْفُس (٢) أو أولهم يزيد بن نويرة (٣) شهد مع رسول الله ﷺ غزوة أحد. ولما رَجَعَ علي إلى الكوفة حضّ الناس على قتال معاوية، فتقاعدوا وقالوا نستريح ونصلح عدّتنا، فاحتاج لذلك إلى دخول الكوفة.

стр. 8649

سنة ثمان وثلاثين (١) فيها: جهز (٢) معاوية عمرو بن العاص بعسكر إلى مصر، وكتب محمد بن أبي بكر يستنجد عليًا، فأرسل الأشتر، فلما وَصَلَ إلى القلزم سقاه رَجُلٌ عسلًا مسمومًا فمات منه فقال معاوية: إن الله جندًا من عسل، وسار عمرو حتى وصل إلى مصر وقاتله أصحاب محمد بن أبي بكر فهزمهم عمرو وتفرّق عن محمد بن أبي بكر أصحابه، وأقبل محمد يمشي حتى انتهى إلى خربة، فقبض عليه، وأتوا به إلى قاسم (٣) بن حديج فقتله وألقاه في جيفة حمار وأحرقه بالنار، ودخل عمرو مصر، وبايع أهلها معاوية. ولما بلغ عائشة مقتل أخيها محمد جَزَعت عليه، وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية وعمرو، وضمت عيال أخيها إليها، ولما بلغ عليًا مقتله جَزَعَ عليه وقال: عند الله نحتسبه، وكان ذلك في هذه السنة. ثم (٤) بثّ معاوية سراياه بالغارات إلى أعمال عليّ، فبعث النعمان بن بشير (٥) إلى عين التمر، فنهبها وهزم أصحاب علي منها (٦).

стр. 8650

وبعث سفيان بن عوف (١) إلى هيت (٢) والأنبار والمدائن، فنهب وحمل ما كان بالأنبار من المال ورجع إلى معاوية. وبعث عبد الله بن مسعدة الفزاري (٣) إلى الحجاز، فجهز إليه علي خيلًا، فالتقوا فيها، وانهزم أصحاب معاوية، ولحقوا بالشام، وتتابعت الغارات على أعمال علي ﵁، وهو في ذلك يخطب الناس الخطب البليغة، ويجتهد على الخروج إلى قتال معاوية، فيتقاعد عنه عسكره.
следующие страницы →