← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

الله فيما أمرهم به، فقال عبد الله (١) بن فدك التميمي، وزيد بن حصين الطائي (٢) في عصابة ممن صاروا خوارج: يا علي، أحب إلى كتاب الله، وإلا دفعناك برمتك إلى القوم، ونفعل بك ما فعلنا بابن عفّان، فقال علي: إن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فافعلوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك فبعث إليه، فقال الأشتر: ليس هذا وقت استدعائي، فرجع الرسول، وأخبر الخبر، وارتفعت الأصوات، وكثر الرهج من جهة الأشتر، فقالوا لعلي: ما نراك أمَرْتَه إلا بالقتال، فقال: هل رأيتموني ساررت الرسول فقالوا: ابعث إليه ليأتينك، وإلا اعتزلناك، فرجع الرسول إلى الأشتر فأعلمه، فقال: قد علمت والله أن رفع المصاحف يوقع اختلافًا، وأنها مشورة ابن العاهرة، فرجع الأشتر إلى علي، وقال: خدعتم فانخدعتم وكان غالب تلك العصابة الذين نهوا عن القتال قرّاء، ولما كفّوا عن القتال سألوا معاوية لأي شيء رفعت المصاحف؟ فقالوا: انصبوا حكمًا منكم وحكمًا منا، فنأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله، ثم نتبع ما اتفقا عليه، فوقعت الإجابة على ذلك، فقال الأشعث بن قيس، وهو أكبر الخوارج: إنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري، فقال علي: قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الآن لا أرى أن أولي أبا موسى ذلك، فقالوا: لا نرضى إلا به، فقال: إنه ليس بثقة، قد فارقني وخذل عنّي الناس، ثم هرب مني حتى أمنته، ولكن ابن عباس أولى، فقالوا: إنّه ابن عمك، ولا نريد إلا رجلًا هو منك ومعاوية سواء، ثم قال علي: فالأشتر، فأبوا وقالوا: أسعرها الأشتر، فاضطر علي إلى موافقتهم، وأخرج معاوية عمرو بن العاص واجتمع الحكمان عند علي رضي عنه، وكتب بحضوره: كتاب القضية (٣): بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي، فقال عمرو،

стр. 8647

هو أميركم، وأما أميرنا فلا، فقال الأحنف: لا تمح هذا الاسم، فقال الاشعث امحه، فمحاه علي وقال: الله أكبر (سنة فسنة) (١)، والله (إني) (٢) لكاتب رسول الله يوم الحديبية فكتبت محمدا رسول الله، فقالوا: لست برسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله ﷺ بمحوه، فقلت: لا أمحوك فقال: أرني فأريته، فمحاه بيده، وقال لي: إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب، فقال عمرو: سبحان الله أتشبهنا بالكفار ونحن مؤمنون، فقال علي ﵁: يابن النابغة، ومتى لم تكن للفاسقين وليا وللمؤمنين عدوا فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم، فقال علي: أرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك، وكتب الكتاب ومنه: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم، أنا ننزل عند حكم الله وكتابه، نحيي من أحيا، وتُميتُ ما أمات، فما وَجَدَ الحكمان في كتاب الله، وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس، وعمرو بن العاص عَمَلا به وما لَمْ يجدانه عملا بالسنة العادلة. وأَخَذَ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين المواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذين يتقاضيان عليه. وأجلا القضاء إلى رمضان هذه السنة، وأن أحبّا أن يؤخرا ذلك أخراه، وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة مضت من صفر من سنة سبع وثلاثين، على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، فإن لم يجتمعا كذلك اجتمعا في العام المقبل، بأذرح، وشهد معهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة. ثم سار علي إلى العراق، وقدم الكوفة، ولم يدخل الخوارج معه واعتزلوه. وفي هذه السنة بعث علي للميعاد أربعمائة رجل فيهم أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس ليصلّي بهم، ولم يحضر علي واجتمعوا بأذرح، والتقى الحكمان فدعا عمرو أبا موسى إلى أن يجعل الأمر إلى معاوية، فأبى وقال: لم أكن لأوليه وأدع المهاجرين

стр. 8648

الأولين، ودعا أبو موسى عمرو إلى أن يجعل الأمر إلى عبد الله بن عمر وأبي، ثم قال عمرو: ما ترى أنت؟ فقال أبو موسى: أرى خلع علي ومعاوية، وأن يجعل الأمر شورى بين المسلمين، فأظهر له عمرو أن هذا هو الرأي، ووافقه عليه، ثم أقبلا إلى الناس وقد اجتمعوا، فقال أبو موسى: إنَّ رأينا قد اتفق على أمر نرجوا به صلاح هذه الأمة، فقال عمرو: صدق، تقدم فتكلّم يا أبا موسى فلما تقدّم لحقه عبد الله بن عباس وقال: ويحك، والله إني أظنّ أنه قد خَدَعك، إن كنتما اتفقتما على أمرٍ فَدَعْهُ يتقدّم قبلك، فقال أبو موسى: إنا قد اتفقنا، ثم تقدم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إنا لم نَرَ أصْلَح لهذه الأمة من أمر قد أجمع عليه رأيي ورأي عمرو، وهو أن نَخْلَع عليًا ومعاوية ونجعل الأمر شورى، وإني قد خَلَعْتُ عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا مَنْ أحْبَبْتُم، ثم تنحى، وقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه، فقال: إن هذا قد قال ما سمعتم، وقد خَلَعَ صاحِبَهُ، وأنا أخلع صاحِبَهُ كما خَلَعَهُ، وأُثبت صاحبي فإنّه ولي عثمان والطالب بِدَمِهِ، وأَحَقُّ الناس بمقامِهِ، فقال أبو موسى: ما لك لا وفقك الله، غَدَرْت، وفَجَرْتَ، وركب أبو موسى ولحق بمكة حياءً من علي (١)، وانصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلّموا عليه بالخلافة، ومن ذلك الوقت أخَذَ أَمْرُ علي في الضعف وأمر معاوية في القوة. ولما اعتزلت الخوارج عليا، دعاهم إلى الحق فامتنعوا، وقتلوا كلّ من أرسَلَهُ إليهم، فساروا إليهم وكانوا أربعة آلاف، فوعظهم ونهاهم، فتفرقت منهم طائفة وبقي مع عبد الله بن وهب جماعة على ضلالتهم، وقاتلوا فقتلوا عن آخرهم، ولم يُقْتَل من أصحاب علي سوى سبعة أنْفُس (٢) أو أولهم يزيد بن نويرة (٣) شهد مع رسول الله ﷺ غزوة أحد. ولما رَجَعَ علي إلى الكوفة حضّ الناس على قتال معاوية، فتقاعدوا وقالوا نستريح ونصلح عدّتنا، فاحتاج لذلك إلى دخول الكوفة.

стр. 8649

سنة ثمان وثلاثين (١) فيها: جهز (٢) معاوية عمرو بن العاص بعسكر إلى مصر، وكتب محمد بن أبي بكر يستنجد عليًا، فأرسل الأشتر، فلما وَصَلَ إلى القلزم سقاه رَجُلٌ عسلًا مسمومًا فمات منه فقال معاوية: إن الله جندًا من عسل، وسار عمرو حتى وصل إلى مصر وقاتله أصحاب محمد بن أبي بكر فهزمهم عمرو وتفرّق عن محمد بن أبي بكر أصحابه، وأقبل محمد يمشي حتى انتهى إلى خربة، فقبض عليه، وأتوا به إلى قاسم (٣) بن حديج فقتله وألقاه في جيفة حمار وأحرقه بالنار، ودخل عمرو مصر، وبايع أهلها معاوية. ولما بلغ عائشة مقتل أخيها محمد جَزَعت عليه، وقنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية وعمرو، وضمت عيال أخيها إليها، ولما بلغ عليًا مقتله جَزَعَ عليه وقال: عند الله نحتسبه، وكان ذلك في هذه السنة. ثم (٤) بثّ معاوية سراياه بالغارات إلى أعمال عليّ، فبعث النعمان بن بشير (٥) إلى عين التمر، فنهبها وهزم أصحاب علي منها (٦).

стр. 8650

وبعث سفيان بن عوف (١) إلى هيت (٢) والأنبار والمدائن، فنهب وحمل ما كان بالأنبار من المال ورجع إلى معاوية. وبعث عبد الله بن مسعدة الفزاري (٣) إلى الحجاز، فجهز إليه علي خيلًا، فالتقوا فيها، وانهزم أصحاب معاوية، ولحقوا بالشام، وتتابعت الغارات على أعمال علي ﵁، وهو في ذلك يخطب الناس الخطب البليغة، ويجتهد على الخروج إلى قتال معاوية، فيتقاعد عنه عسكره.

стр. 8651

سنة تسع وثلاثين (١) فيها: سيّر عبد الله بن العباس وهو عامل البصرة زيادًا إلى فارس (٢) وكانت قد اضطربت لما حصل من قتال علي ومعاوية، وصار إليها زياد وضبطها أحسن ضبط، حتى قالت الفرس: ما رأينا مثل سياسة أنوشرورن إلا سياسة هذا العربي. سنة أربعين (٣) دَخَلَتْ ومعاوية بالشام، وعليّ بالعراق، وكان عليّ يقنت في الصلاة ويدعو على معاوية وعمرو (٤) والضحاك بن قيس (٥) والوليد بن عقبة، والأعور (٦) السلمي، ومعاوية يقنت في الصلاة ويدعو على علي والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر. وفي هذه السنة (٧): سير معاوية بسر بن أرطاة (٨) في عسكر إلى الحجاز فأتى المدينة وعليها أبو أيوب الأنصاري عاملًا لعلي، فهرب ولحق بعلي ودخل بسر المدينة وسفك فيها الدماء، وأكره الناس على البيعة لمعاوية، ثم سار إلى اليمن، وقتل ألوفًا من الناس، فهرب منه عبيد الله بن عباس عامل علي باليمن، فَوَجَد لعبيد الله ابنين صبيين، فذبحهما وأتى في ذلك بعظيمة، فقالت أمهما وهي عائشة بنت عبد الله بن عبد

стр. 8652

المدان في ذلك تبكيهما (١): [من البسيط] هامَنْ أحسَّ بابنيَّ اللذين هما … كالدزتين تشظى عنهما الصَّدَفُ هامَنْ أحسَّ بابنيَّ اللذين هما … قلبي وسمعي، فقلبي اليوم مختطف مَنْ دَلَّ والهةً حيرى مُدَلَّهَةٌ (٢) … على صبيين ذلا إذْ غدا السَّلَف خُبِّرتُ بُسْرًا وما صدقت إذ زعموا … من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا أنحى على وَدَجى ابنيَّ مُرْهَفَةٌ … مشحوذةً وكذا الآثام تُقتَرفُ مقتل علي ﵁: قيل (٣) اجتمع ثلاثة من الخوارج منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي وعمرو بن بكر التميمي، والبرك بن عبد الله التميمي، ويقال اسمه الحجاج، فذكروا إخوانهم من المارقة المقتولين بالنهروان، فقالوا: لو قتلنا أئمة الضلالة أرحنا منهم البلاد، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أكفيكم عليًّا، وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاهدوا أن لا يفرّ أحد منهم عن صاحبه الذي توجهوا إليه، واستصحبوا سيوفًا مسمومة، وتواعدوا لسبع عشرة ليلة تمضي من رمضان من سنة أربعين. أن يثب كل منهم بصاحبِهِ واتفق مع ابن ملجم رجلان، أحدهما يقال له وردان (٤) من تيم الرباب، والآخر شبيب (٥) من أشْجَع، ووثبوا على علي وقد خرج لصلاة الغداة، فضربه شبيب فوقف سيفه في الطاق وهرب، وضربه ابن ملجم في جبهته، وأما وردان فَهَرَبَ ولم يضربه، وأُمْسِك ابن ملجم، وأحضر مكتوفًا إلى بين يدي علي، ودعا علي الحسن والحسين وقال: أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا، ولا تبكيا على ما زوى عنكم منها، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض ﵁. وأما البرك فوثب على معاوية في تلك الليلة فوقع سيفه في ألية معاوية وأُمْسِك

стр. 8653

البرك، فقال لمعاوية: إني أُبشرك فلا تقتلني، فقال: بماذا؟ قال: إن رفيقي قتل عليا هذه الليلة، فقال معاوية: لعله لم يقدر عليه، قال: بلى إن عليًا ليس معه من يَحْرِسُه، فقتله معاوية. وأما عمرو بن بكر فإنه جلس لعمرو بن العاص تلك الليلة، فلم يخرج عمرو إلى الصلاة وكان قد أمر خارجة بن (أبي حبيبة) (١) صاحب شرطته أن يصلي بالناس، فخرج خارجة ليصلي فشدّ عليه عمرو فقتله، وهو يظنّ أنّه عمرو بن العاص، فأخَذَه الناس وأتوا به عمرًا، فقال: مَنْ ذا؟ قال: عمرو بن العاص قال: وأنا من قتلت؟ قالوا: خارجة، فقال عمرو بن بكر: أرَدْتُ عمرًا وأراد الله خارجة. ولما مات علي صلوات الله عليه، أخرج عبد الرحمن بن ملجم من الحبس فقطع عبد الله بن جعفر يده ثم رجله وكحل عينيه بمسمار محمى وقطع لسانه وأحرق، ولعمران بن حطان (٢) يرثي عبد الرحمن بن ملجم: [من البسيط] الله در المرادي الذي فتكتْ … كفّاهُ مهجة شر الخلق إنسانا يا ضَرْبَةً مِنْ ولي ما أراد بها … إلاّ ليبلغ مِنْ ذي العرش رضوانا إني لأذكرُهُ يومًا فأحْسَبُهُ … أوفى الخليقة عند الله ميزانا واختلف في عمر علي ﵁، فقيل ثلاثًا وستين (وهو الأصح المشهور) (٣) وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وكان قتله (كما ذكرنا صبيحة الجمعة لسبع عشرة خَلَوْنَ من رمضان سنة أربعين) (٤) وقد اختلف في موضع قبره، فقيل دفن ما يلي قبلة المسجد بالكوفة وقيل عند قصر الامارة، وقيل حوله ابنه الحسن إلى المدينة، والاصح الذي ارتضاه ابن الأثير وغيره: أن قبره بالنجف، وهو الذي يُزار اليوم. وأما (٥) صفته، فكان ﵁ شديد الأدمة، عظيم العينين، بطينًا أصلع،

стр. 8654

عظيم اللحية، كثير شعر الصدر، مائلًا إلى القصر، حسن الوجه، لا يغير شيبه، كثير التبسم. وكان حاجبه قنبر (١) مولاه، وصاحب شرطته معقل بن (٢) قيس الرياحي وقاضيه شريحًا، وكان ولاه عمر قضاء الكوفة ولم يَزَلْ بها قاضيًا إلى زمن الحجاج بن يوسف. وأوّل (٣) زوجة تزوجها علي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولم يتزوج غيرها في حياتها، وَوُلِدَ له منها: الحسن والحسين ومحسن مات صغيرًا وزينب وأم كلثوم التي تزوجها عمر بن الخطاب. ثم بعد موت فاطمة تزوّج أم البنين بنت حزام الكلابيّة فَوُلِدَ له منها، العباس وجعفر وعبد الله وعثمان، قُتل هؤلاء الأربعة مع أخيهم الحسين بكربلاء ولم يُعقب منهم غير العباس. وتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلي التميمي، وولد له منها: عبيد الله وأبو بكر، قتلا مع الحسين أيضًا (٤). وتزوج أسماء بنت عميس، وولد له منها: محمد الأصغر ويحيى ولا عقب لهما (٥) وولد له من الصهباء بنت ربيعة التغلبية، وهي من السبي الذين أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر، عمر ورقية، وعاش عمر المذكور حتى بلغ من العمر خمسًا وثمانين سنة، وحاز نصف ميراث أبيه علي، ومات بينبع، وله عقب. وتزوج عليّ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن مناف وأمها زينب بنت رسول الله، وولد له منها محمد الأوسط ولا عقب له.

стр. 8655

وولد له من خولة بنت جعفر الحنفية محمد الأكبر المعروف بابن الحنفية وله عقب. وكانت له بنات من أمهات شتى، منهنَّ: أم الحسن، ورملة الكبرى من أم سعيد بنت عروة (١)، ومن بناته أم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأميمة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة (٢)، فجميع بنيه المذكورون أربعة عشر (٣) ولم يعقب منهم إلا الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية والعباس وعمر. أما فضائله، فمشهورة، فمن ذلك مشاهده بين يدي رسول الله ﷺ وأخوة رسول الله ﷺ وسبقه إلى الاسلام، وقول رسول الله ﷺ : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه (٤)، وقول رسول الله ﷺ في غزوة خيبر (٥): لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبُّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. وقوله له (٦): ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وقوله: أقضاكم علي والقضاء يستدعي (معرفة) (٧) أبواب الفقه كلها، بخلاف قوله: أفرضكم زيد وأقرأكم أبي بن كعب. ولم يبن علي بناءً أصلًا. وكان قد ضاع لعلي درع فَوَجَدَهُ مع نصراني فأقبل به إلى شريح القاضي، وجلس إلى جانبه، وقال: لو كان خصمي مسلمًا لساويته، وقال: هذه درعي، فقال النصراني: ما هي إلا دِرْعي، فقال شريح لعلي: ألك بينة؟ قال: علي لا وهو يضحك، فأخذ النصراني الدرع ومشى يسيرًا ثم عاد، وقال: أشهد ان

стр. 8656

هذه (١) أحكام الأنبياء، ثم أسلم واعترف أن الدرع سقطت من علي عند مسيره إلى صفين، ففرح علي بإسلامه ووهبه الدرع وفرسًا وشهد مع علي قتال الخوارج فَقُتِل ﵀. وحمل علي في مَلْحَفِته تمرًا اشتراه بدرهم، فقيل له يا أمير المؤمنين ألا نَحْمِلْهُ عنك؟ فقال: أبو العيال أحَقُّ بحمله. وكان يُقْسِم ما في بيت المال كل جمعة حتى لا يترك فيه شيئًا. وَدَخَل مرّةً إلى بيت المال فوجَدَ الذهب والفضة، فقال: يا صفراء اصفري ويا بيضاء ابيضي، وغرّي غيري لاحاجة لي فيك، وقصده أخوه لابيه عقيل بن أبي طالب يسترفده؛ فلم يجد عنده ما يطلب، ففارقه ولحق بمعاوية، حبًّا للدنيا، وكان مع معاوية يوم صفين، فقال له معاوية يمازحه: يا أبا يزيد أنت اليوم معنا، فقال: ويوم بدر كنت معكم أيضًا. وكان يوم بدر مع المشركين هو وعمه العباس. أخبار الحسن (٢): ولما توفى علي ﵁ بايع الناسُ ابنه الحسن، وكان عبد الله بن عباس قد فارق عليًا قبل مقتله، وأخَذَ من البصرة مالًا وَذَهَبَ به إلى مكة، وجَرَت بينه وبين علي مكاتبات في ذلك (٣)، ولما تولى الحسن الخلافة كتب إليه ابن عباس يقوي عزيمته على جهاد عدوه. وكان أوّل من بايع الحسن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، فقال له: ابسط يدك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال المخالفين، فقال الحسن: على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما ثابتان (٤)، وكان الحسن يشترط أنهم سامعون مطيعون يسالمون من سالم، ويحاربون من حارب، فارتابوا من ذلك وقالوا: ما هذا لكم بصاحب، ولا يريد القتال (٥).

стр. 8657

سنة إحدى وأربعين تسليم الحسن الأمر إلى معاوية (١): قيل: إن علي قبل موته قد بايَعَهُ أربعون ألفًا من عسكره على الموت، وأخذ في التجهيز إلى قتال معاوية، فاتفق مقتله، ولما بويع الحسن بَلَغَهُ مسير أهل الشام إليه مع معاوية، فجهز الحسن في ذلك الجيش الذي كانوا قد بايعوا أباه (٢)، وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية، ووصل إلى المدائن، وجعل على مقدمته قيس بن سعد في اثني عشر الفًا، وقيل: بل الذي جعله على مقدمته عبيد الله بن عباس (٣)، وجرى بين أصحاب الحسن فتنة حتى نازعوا الحسن بساطًا كان تحته، فدخل إلى المقصورة البيضاء بالمدائن، وازداد لذلك المعسكر بغضًا، ولما رأى الحسن ذلك كتب إلى معاوية يشترط عليه شروطًا، وقال: إن أجبت إليها فأنا سامع مطيع، فأجاب معاوية وكان الذي طلبه الحسن أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة وخراج دارا بجرد من فارس (٤) وأن لا يسب عليًا، فلم يجبه إلى الكف عن سبّ عليّ، فطلب الحسن أن لا يشتم علي وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك، ثم لم يف له بهِ. وقيل أنه وَصَلَهُ بأربعمائة ألف ولم يعطه من خراج دارا بجرد شيئًا، ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس وكتب الحسن إلى قيس بن سعد وأمره بالدخول في طاعة معاوية، ثم جرت بين قيس وعبيد الله بن عباس وبين معاوية مراسلات، وآخر الأمر أنهما بايعا ومن معهما وشرطا ألا يطالبا بمال أو دم (٥)،

стр. 8658

ووفي لهما معاوية بذلك، ولحق الحسن بالمدينة. وقيل: كان تسليم الحسن للأمر إلى معاوية في ربيع الأول سنة إحدى واربعين وهو الأصح (١). روى سفيان أن النبي ﷺ قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا عضوضًا، وقيل: آخر الثلاثين يوم خلع الحسن نفسه من الخلافة. وأقام الحسن بالمدينة إلى أن توفّي في ربيع الأول سنة تسع وأربعين. وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة، وهو أكبر من الحسين بسنة، وتزوّج الحسن كثيرًا من النساء، وكان مطلاقًا، وكان له خمسة عشر وَلَدًا ذكرًا، وثماني بنات. وكان يشبه جده رسول الله من سُرّته إلى قدمه (٢). وتوفى الحسن من سم سقته زوجته جعدة بنت الأشعث، قيل: فَعَلَتْ ذلك بأمر معاوية (٣)، وقيل بأمر يزيد بن معاوية، ووعدها أنّه يتزوجها، إن فعلت ذلك، فلما قتلت الحسن طالبته أن يتزوجها فأبى. وكان الحسن أوصى أن يدفن عند جده رسول الله ﷺ ، فلما توفي أرادوا ذلك، وكان على المدينة مروان بن الحكم من قبل معاوية، فمنع من ذلك، وكاد أن تقع بين بني أمية وبني هاشم فتنة، فقالت عائشة: البيت بيتي، ولا آذن أن يُدفن فيه (٤)، فدفن بالبقيع. ولما بَلَغَ معاوية موت الحسن خر ساجدًا (٥) فقال بعض (٦) الشعراء: [من الرمل] أصْبَحَ اليوم ابن هند شامتًا … ظاهر النخوة إذ مات الحسن

стр. 8659

يا بن هند إن تذُق كأس الردى … تَكُ في الدهر كشيء لم يكن لست بالباقي فلا تشمت به … كلُّ حَيٍّ للمنايا مُرْتَهن وأما (١) فضائل الحسن، ففي الصحيح قول النبي ﷺ : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما. وروي أنه ﷺ قال عن الحسن: إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين. وروي أنه ﷺ مرّ بالحسن والحسين وهما يلعبان، فطأطأ لهما وحملهما، وقال: نعم المطية مطيتهما، ونعم الراكبان هما. خلفاء بني أمية (٢): وهم أربعة عشر خليفة، أولهم معاوية وآخرهم مروان الجعدي، وكانت مدة ملكهم نيفًا (٣) وثمانين سنة، وهي ألف شهر تقريبًا. قال (القاضي جمال الدين) بن واصل ﵀ (٤): إن ابن الأثير قال (٥): (في تاريخه الكبير إنه) لما سار الحسن من الكوفة عَرَضَ لَهُ رَجُل فقال: يا مسود وجوه المؤمنين، فقال: لا تعذلني، فإن رسول الله ﷺ رأى في منامه ان بني أمية ينزون على منبره رجلًا رجلًا، فساءَه ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٦) و ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ (٧) يملكها بعده بنو أمية. أخبار معاوية بن أبي سفيان (٨): ابن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هند بنت عتبة ويكنى أبو عبد الرحمن، وبويع بالخلافة يوم اجتماع الحكمين، وقيل ببيت المقدس بعد قتل علي، وبويع البيعة التامة لما خَلَعَ الحسن نَفْسَه واستمر معاوية في الخلافة.

стр. 8660

سنة اثنتين وثلاث وأربعين (١) فيها: توفي عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن (سعيد) (٢) بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي، وعمرو المذكور أحد الثلاثة الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ وهم: عمرو بن العاص، وأبو سفيان بن حرب وعبد الله بن الزبعرى، وكان يجيبهم عن رسول الله ﷺ ثلاثة أيضًا وهم: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك. وكانت مصر طعمة لعمرو من معاوية بعيد رزق جندها حسبما كان اتفق مع معاوية لما كانا يحاربان عليا ﵁، وفي ذلك يقول عمرو (٣): [من الطويل] معاوي لا أُعطيك ديني ولم أَنَلْ … دُنيا فانظرن كيفَ تَصْنَعُ فإن تُعطني مصرًا فتربح بصفقة … أخَذْتَ بها شيخًا يضرُّ وينفع ولما مات عمرو وولى معاوية ابنه عبد الله بن عمرو ثم عزله عنها. سنة أربع وأربعين وفي (٤) هذه السنة: اسْتَلْحَق معاوية زياد ابن سميّة، وكانت سمية جارية للحارث بن كلدة الثقي. فزوجها بعبد له رومي يقال له عبيد فولدت سمية زيادًا على فراشه، فهو ولد عبيد شرعًا، وكان أبو سفيان قد سار في الجاهلية إلى الطائف، فنزل على إنسان يقال له أبو مريم، أسلم بعد ذلك، وكانت له صحبة، (وكان إذ ذاك خمارًا) (٥) فقال له أبو سفيان: إني اشتهيت النساء فقال له أبو مريم: هل لك في سمية؟ فقال أبو سفيان: هاتها على طول ثدييها، وذفر إبطيها، فأتاه بها، فوقع عليها، فيقال: إنها عَلِقَتْ منه بزياد، ثم وضعته في السنة التي هاجر فيها رسول الله ﷺ ، ونشأ زياد فصيحًا، وحَضَر زياد يومًا بمحضر من جماعة من الصحابة في خلافة عمر، فقال عمرو بن العاص: لو كان أبو هذا الغلام من قريش لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان لعلي بن أبي طالب: إني لأعرف مَنْ وَضَعَهُ في رحم أمه، فقال له علي

стр. 8661

فما يمنعك من استلحاقه؟ فقال أخاف الأصلع يعني عمر ﵁ أن يقطع إهابي بالدّرة، ثم لما كان قضية الشهود (١) على المغيرة بالزنى وجلدهم (٢) وامتناع زياد عن التصريح كما ذكرنا، اتخذ المغيرة لزياد بذلك يدًا، ثم لما ولي علي بن أبي طالب ﵁ الخلافة استعمل زيادًا على فارس، فقام بولايتها أحسن قيام، ولما سلّم الحسن الأمر إلى معاوية امتنع زياد بفارس، ولم يُطع (٣) معاوية وأهم معاوية أمره، وخاف أن يدعو إلى أحَدٍ من بني هاشم ويعيد الحرب، وكان معاوية قد ولى المغيرة بن شعبة الكوفة، فقدم المغيرة على معاوية سنة اثنتين وأربعين، فشكا معاوية إليه امتناع زياد بفارس، فقال المغيرة: أتأذن لي في المسير إليه، فأذن له وكتب معاوية لزياد أمانًا، فتوجه المغيرة إليه لما بينهما من المودة، ولم يزل عليه حتى أحضره إلى معاوية، وبايعه، وكان المغيرة يكرم زيادًا ويعظمه من حين الشهادة (٤)، فلما كانت هذه، أعني سنة أربع وأربعين استلحق معاوية زيادًا، فأحضر الناس، وحضر مَنْ يَشْهَدُ لزياد بالنسب، وكان ممن حضر لذلك أبو مريم الخمار، الذي أحْضَر سمية إلى أبي سفيان بالطائف فشهد بنسب زياد من أبي سفيان، فقال: إني رأيت أسكتي سمية يقطران من مني أبي سفيان، فقال (٥): رويدك، طلبت شاهدًا ولم تُطلب شتامًا. فاستلحقه معاوية. وهي (٦) أول قضية خُولف فيها حكم الشريعة علانية لصريح قول النبي ﷺ : الولد للفراش، وللعاهر الحجر. وأعظم الناس ذلك وأنكروه خصوصًا بنو أمية لكون زياد بن عبيد الرومي صار من بني أمية بن عبد شمس (٧). وقال عبد الرحمن بن الحكم (٨)، أخو مروان في ذلك: [من الوافر]

стр. 8662

الا أبلغ معاوية بن صخر … لقد ضاقت بما تأتي اليدان (١) أتغضب إذْ يُقالُ أبوكَ عَفٌ … وترضى أن يقال أبوك زاني وأشْهَدُ أنَّ رحمكَ مِنْ زياد … كرحم الفيل من ولد الأتان ثم ولى معاوية زياد البصرة، واضاف إليه خراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان. وفيها (٢): - أعني سنة أربع وأربعين - توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ . سنة خمس وأربعين فيها (٣): قدم زياد البصرة، فشدّد أمر السلطنة، وأكد الملك لمعاوية، وجرد السيف وأخذ بالظنة، وعاقب على الشبهة، فخافه الناس خوفًا عظيمًا. وذكر أنه لم يخطب أحد بعد علي بن أبي طالب مثل زياد. ولما مات المغيرة بن شعبة سنة خمسين، وكان عاملًا لمعاوية على الكوفة، ولى معاوية الكوفة أيضًا زيادًا، فسار زياد إليها، واستخلف على البصرة سمرة بن جندب (٤)، فحذا حذوه في سفك الدماء، وكان زياد يقيم بالكوفة ستة أشهر، وفي البصرة مثلها، وهو أوّل من سير بين يديه بالحراب والعمد، واتخذ الحرس بخمسمائة لا يفارقون مكانه. وكان معاوية وعماله يدعون لعثمان في الخطبة والجمعة ويسبون عليًا ويقعون فيه. ولما (٥) كان المغيرة متولي الكوفة كان يفعل ذلك طاعة لمعاوية، وكان يقوم

стр. 8663

حجر (١) وجماعة معه يردّون عليه سبه لعلي ﵁، وكان المغيرة يتجاوز عنه، فلما ولي زياد دعا لعثمان وسب عليًا، وما كانوا يذكرون عليًا باسمه ولكن يسمونه بأبي تراب، وكان عليّ يحبّ هذه الكنية؛ لأن رسول الله ﷺ كناه بها، وقام حجر، وقال: كما كان يقول من الثناء على عليّ، فغضب زياد وأمسكه وأوثقه بالحديد وثلاثة عشر رجلًا معه وأرسلهم إلى معاوية، فَشَفَعَ في ستة نفر منهم عشائرهم، وبقي ثمانية منهم حجر، فأرسل معاوية من قتلهم بعذراء، وهي قرية ظاهر دمشق ﵃ وكان حجر من أعظم الناس صلاة (٢)، فأرسلت عائشة تشفع فيه، فلم يصل رسولها إلا بعد قتله. قال القاضي جمال الدين بن واصل، وروى ابن الجوزي باسناده عن الحسن البصري أنه قال (٣): اربع خصال كُنَّ في معاوية، لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة، أولها أخذه الخلافة بالسيف من غير مشاورة وفي الناس بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه يزيد، وكان سكيرًا خَميرًا، يلبس الحرير ويضرب الطنابير، وادعاؤه زيادًا. وقد قال رسول الله ﷺ الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجر بن عدي الكندي فيا ويلًا له من حجر بن عدي وأصحاب حجر، وروي عن الشافعي ﵁ أنه أسر إلى الربيع أن لا يقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد ابن سمية (٤). وفيها (٥): أعنى سنة خمس وأربعين توفي عبد الرحمن (٦) بن خالد بن الوليد، وكان

стр. 8664

أهل الشام قد مالوا إليه جدًا، فدس إليه معاوية نصرانيًا يقال له أثال ومعه سم فاغتاله. سنة ست وأربعين وفيها (١): توفي قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر، وإليه ينسب فيقال المنقري، وفد على النبي ﷺ في وفد بني تميم فأسلم، وكان قيس المذكور موصوفًا بمكارم الأخلاق. سنة ثمان وأربعين غزوة القسطنطينية (٢): سير معاوية جيشًا كثيفًا مع سفيان بن عوف إلى القسطنطنية فأوغلوا في بلاد الروم وحاصروا القسطنطينية، وكان في الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وتوفي أبو أيوب الانصاري في مدة الحصار ودفن بالقرب من سورها، وشهد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ بدرًا واحدًا وشهد مع علي صفين وغيرها من حروبه. سنة تسع وأربعين فيها (٣): بنيت القيروان، وكل بناؤها في سنة خمس وخمسين وكان من حديثها أن معاوية ولى عقبة بن نافع إفريقية، وكان عقبة صحابيًا (٤) من الصالحين، فوضع السيف في أهل أفريقية؛ لأنهم كانوا يرتدون إذا فارقهم العسكر، وكان مقام الولاة

стр. 8665

بزويلة وبرقة، فرأى عقبة أن يتخذ مدينة بتلك البلاد، تكون مقرًا للعسكر، واختار موضع القيروان، وكان دحلة مشتبكة فقطع أشجارها وبناها مدينة، وهي مدينة القيروان. [سنة خمسين] وفيها (١): أعني سنة خمسين، توفي دحية الكلبي (٢)، وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة، منسوب إلى كلب بن وبرة، أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا، قال النبي: أشبه من رأيت بجبريل دحية الكلبي. سنة احدى وخمسين فيها (٣): توفي سعيد بن زيد (٤) آخر (٥) العشرة المشهود لهم بالجنّة ﵃. سنة اثنتين وثلاث وخمسين (٦) فيها: هلك (٧) زياد ابن أبيه في رمضان من أكلة في إصبعه، وكان مولده عام الهجرة. سنة أربع وخمس وست وخمسين (٨) فيها: ولى معاوية سعيد بن عثمان (٩) خراسان، فقطع نهر جيحون إلى سمرقند

стр. 8666

والصغد وهزم الكفار، وسار إلى ترمذ ففتحها صلحًا. وممن قتل في هذه الغزوة قُثم بن العباس (١) ودفن بسمرقند. ومات أخوه عبد الله بن العباس بالطائف، و (الفضل) (٢) بالشام، و (معبد) (٣) بإفريقية فلم ير قبور إخوة أبعد من هؤلاء الإخوة بني العباس. وفي هذه السنة، أغني سنة ست بايع معاوية الناس لابنه يزيد بولاية العهد بعده (٤)، وبايعه أهل الشام والعراق، وكان المتولي على المدينة من جهة معاوية مروان ابن الحكم، فأراد البيعة له فامتنع من ذلك الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير، وامتنع الناس لامتناعهم، وآخر الأمر أن معاوية قدم بنفسه إلى الحجاز ومعه ألف فارس وتحدث مع عائشة في أمرهم (فلم تردّ عليه وشتمته) (٥)، ثم بايع أهل الحجاز وامتنع المذكورون. ويرو (٦) أن معاوية قال لابنه يزيد: إني قد مهدت لك الأمور، ولم يبق أحد لم يبايعك غير هؤلاء الأربعة، فأما عبد الرحمن فرجل كبير هامة اليوم أو غد، وأما ابن عمر فرجَلٌ قد غَلَبَ عليه الورع، وأما الحسين فَلَهُ قرابة، فإن ظفرت به فاصفح عنه، واما ابن الزبير، فإن ظفرت به فقطعه إربا إربًا. سنة سبع وثمان وتسع وخمسين (٧) في سبع: توفيت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ (وفيها توفي) (٨) أخوها عبد الرحمن.

стр. 8667

[سنة تسع وخمسين] وفي تسع: توفي سعيد بن العاص بن أمية (١). ولد عام الهجرة وقتل أبوه العاص ببدر كافرًا، وكان سعيد من أجواد بني أمية. وفيها (٢): مات الحطيئة، واسمه جرول بن مالك (٣)، ولقب الحطيئة لقصره. أسلم ثم ارتد ثم أسلم، وقال عند موت النبي ﷺ وارتداد العرب: [من الطويل] أطعنا رسول الله ما كان بيننا … فيالعباد الله ما لأبي بَكْرِ أيورثها بكرًا إذا مات بعده … وتلك لعمر الله قاصمة الظهر وفيها: توفي أبو هريرة (٤)، واختلف في اسمه ونسبه، وهو ممن لازم رسول الله ﷺ وروى عنه كثيرًا فاتهمه بعض الناس لكثرة ما روى عنه من أحاديث والأكثر يصححون روايته ولا يشكون فيها. سنة ستين (٥) وفاة معاوية: فيها: في رجب توفي معاوية بن أبي سفيان، وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وسبعة وعشرين يومًا، منذ اجتمع له الأمر وبايعه الحسن بن علي. وكان عمره خمسًا وسبعين وقيل سبعين، وقيل غير ذلك (٦).

стр. 8668

فأنشد معاوية وقد تجلّد للعائدين (١): [من الكامل] وتجلّدي للشامتين أُرِيهُمُ … أني لريب الدهر لا اتضعضع فقال له بعضهم (٢): [من الكامل] وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيتَ كلّ تميمةٍ لا تنفع ولما توفى معاوية خرج الضحاك بن قيس (٣) حتى أتى المنبر، فصعده ومعه أكفان معاوية، فأثنى على معاوية وأعلم الناس بموته، وأن هذه أكفانه ثم صلّى عليه الضحاك، وكان يزيد غائبًا بقرية حوارين من عمل حمص، فكتبوا إليه فطلبوه، فحضر بعد دفن أبيه وصلى على قبره. أخبار معاوية (٤): أسلم مع أبيه عام الفتح، واستكتبه النبي ﷺ ، واستعمله عمر على الشام أربع سنين من خلافته، وأقره عثمان مدة خلافته نحو اثنتي عشرة سنة، وتغلب على الشام (٥) نحو أربعين. وكان حليمًا حازمًا داهية، عالمًا بسياسة الملك، وكان حلمه قاهرًا لغَضَبِهِ، وجوده غالبًا على منعه (٦). ويحكى (٧) عن حلمه من تاريخ القاضي جمال الدين بن واصل أن أروى (٨) بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم دخلت على معاوية، وهي عجوز كبيرة فقال لها معاوية: مرحبًا بك ياخالة، كيف أنت؟ فقالت: بخير يابن أختي، لقد كفرت النعمة،

стр. 8669

وأسأت لابن عمّك الصنيعة (١)، وتسمّيت بغير اسمك، وأخذت غير حقّك، وكنّا أهل البيت أعظم الناس بلاءً في هذا الدين حتّى قبض الله نبيّه مشكورًا سعيه مرفوعًا منزلته، فوثَبَتْ بعده علينا تيم وعدي وأميّة، فابتزونا حقّنا، ووليتم علينا، فكنا فيكم بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون. وكان عليّ بن أبي طالب بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى، فقال لها عمرو بن العاص: كفّي أيتها العجوز الضالة واقصري عن قولك مع ذهاب عقلك، فقالت: وأنت يابن النابغة (٢) تتكلّم وامّك كانت أشهر بغي بمكة وأرْخَصُهُنَّ اجرة وادعاك خمسة من قريش فسئلت أمّك عنهم، فقالت: كلّهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به فَغَلَبَ عليك شبه العاص بن وائل، فألحقوك به، فقال معاوية: عفا الله عما سلف وهاتي حاجتك، فقالت: (أريد) (٣) ألفي دينار اشتري بها عينا فوارة في أرض خرارة تكون لفقراء بني الحارث بن عبد المطلب، وألفي دينار أخرى أزوّج بها فقراء بني الحارث، وألفي دينار استعين بها على شدة الزمان، فأمر لها بستة آلاف دينار فقبضتها وانصرفت (٤). ومعاوية (٥) أول خليفة بايع لولده. وأوّل من وضع البريد، وأول من عمل المقصورة في المسجد، وأوّل من خطب جالسًا في قول بعضهم. وكان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يرى سماع الأوتار والغناء وهو رأي أهل المدينة، وكان معاوية ينكر ذلك عليه، فدخل عبد الله بن جعفر يوما على معاوية ومعه بديح المغنّي، فقال ابن جعفر البديح: غنّ فغنّى بشعر كان يحبه معاوية. وهو (٦): [مِنَ المديد] يا لَبينَا أُوقِدِي النّارا … إِنَّ مَنْ تَهْوَينَ قَدْ حَارا رب نار بت أرمقُها … تَقَضَّمُ الهِنْدِيُّ والغَارا وبها ظبي يُؤجِّجُها … عاقِدٌ في الخَصْرِ زُنّارا

стр. 8670

فطرب معاوية وتحرّك، وضرب برجله الأرض، فقال ابن جعفر: مه يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: إن الكريم طروب. وقال معاوية: أُعِنْتُ على عليّ بثلاث، كان رجلا عَلَنَةً ظَهَرةً، وكنت كتومًا لسري، وكان في أخبث جند وأكثره خلافًا، وكنت في أطوع جند وأقله خلافًا (١)، وخلا بأصحاب الجمل فقلت: إن ظفر بهم اعْتَدَدْتُ ذلك عليه وهنًا، وإن ظفروا به كانوا أهون (٢) علي منه. أخبار يزيد بن معاوية (٣): وهو ثاني خلفائهم (وأم يزيد ميسون بنت بحدل الكلبية) (٤). بويع بالخلافة لما مات أبوه في رجب سنة ستين، ولما استقر يزيد (٥) في الخلافة أرسل إلى عامله بالمدينة (٦) بإلزام الحسين وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة فأما ابن عمر فقال: إن أجمع الناس على بيعته بايعته، وأما الحسين وابن الزبير فسارا إلى مكة ولم يبايعا، وأرسل عامل المدينة جيشًا مع عمرو بن الزبير أخي عبد الله بن الزبير - وكان شديد العداوة لأخيه - لقتال أخيه عبد الله فانتصر عبد الله بن الزبير، وهزم الجيش (٧)، وأمسك أخاه عمرًا فحبسه حتى مات في حبسه. مسير الحسين إلى الكوفة (٨): وورد على (٩) الحسين مكاتبات أهل الكوفة يحثونه على المسير إليهم ليبايعوه وكان العامل عليها النعمان بن بشير فأرسل الحسين إلى الكوفة ابن عمه مسلم بن عقيل

стр. 8671

ليأخذ البيعة عليهم. فوصل إلى الكوفة وبايعه فيها نحو ثلاثين (١) الفًا، وبلغ يزيد عن النعمان بن بشير كلامًا (٢) فعزله، وولى عبيد الله بن زياد، وكان واليًا على البصرة، فقدم الكوفة، ورأى ما الناس عليه، فخطبهم وحثهم على طاعة يزيد بن معاوية، واستمر مسلم بن عقيل عند قدوم عبيد الله بن زياد على ما كان ثم اجتمع إلى مسلم بن عقيل من كان بايعه للحسين وحصروا عبيد الله بقصره، ولم يكن مع عبيد الله في القصر غير ثلاثين رجلًا، ثم إن عبيد الله أمر أصحابه أن يشرفوا من القصر ويُمنّوا أهل الطاعة، ويخذلوا أهل المعصية حتى ان المرأة تأتي ابنها وأخيها فتقول: انصرف إن الناس يكفونك، فتفرق الناس عن مسلم، ولم يبق معه غير ثلاثين رجلًا، فانهزم واستتر، ونادى منادي عبيد الله بن زياد من أتى بمسلم بن عقيل فله ديته، فأُمْسِك مسلم وأحضر إليه، ولما حَضَر مسلم بين يدي عبيد الله شَتَمَهُ وشَتَم الحسين وعليا وضرب عنقه في تلك الساعة، ورميت جيفته من القصر، ثم أحضر هاني بن عروة، وكان ممن أخذ البيعة للحسين فضرب عنقه أيضًا وبعث برأسيهما إلى يزيد بن معاوية. وكان مقتل مسلم لثمانٍ مَضَيْنَ من ذي الحجة سنة ستين (٣)، وأخذ الحسين وهو بمكة في التوجه إلى العراق، وكان عبد الله بن عباس يكره ذهاب الحسين إلى العراق خوفًا عليه (٤) وقال للحسين: يابن العم إني أخشى عليك أهل العراق فإنهم قوم غُدُر، أقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز، وإن ابيت إلا أن تخرج فَسِرْ إلى أهل اليمن، فإن بها شيعة لأبيك، وفيها حصون وشعاب، فقال الحسين: والله إني أعلم أنك لي ناصح مشفق. ولقد أزْمَعْت وأجمعت، ثم خرج ابن عباس من عنده، وخرج الحسين من مكة يوم التروية سنة ستين، واجتمع إليه جمائع من العرب، ثم لما بلغه مقتل مسلم بن عقيل وتخاذل الناس عنه أعْلَم الحسين مَنْ معه بذلك، وقال: مَنْ أَحَبَّ أن ينصرف فلينصرف فتفرق الناس عنه يمينًا وشمالًا، ولما وصل الحسين إلى موضع يقال له سراف (٥) وصل إليه

стр. 8672

الحر بن يزيد الرياحي صاحب شرطة (١) عبيد الله بن زياد في ألف (٢)، فارس، حتى وقفوا مقابل الحسين في حرّ الظهيرة، فقال لهم الحسين: ما أتيتُ إلا بكتبكم فإن رجعتم رجعت، فقال له الحرّ: إنا أمرنا أن لا نفارقك حتى نوصلك الكوفة (٣) فقال الحسين: الموت أهون من ذلك (٤). سنة إحدى وستين (٥) مقتل الحسين ﵁: ولما سار الحسين مع الحرّ، وَرَدَ كتاب ابن زياد ان ينزلهم على غير ماء فانزلوهم الموضع المعروف بكربلاء، وذلك يوم الخميس ثاني المحرم من سنة إحدى وستين. ولما كان من الغد قدم من الكوفة عمرو (٦) بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف فارس لقتال الحسين، فسأله الحسين في أن يمكن من العود من حيث أتى أو أن يجهز إلى يزيد بن معاوية، أو أن يلحق بالثغور (٧) فكتب عمرو بن سعد إلى عبيد الله بذلك فغضب فقال: لا ولا كرامة، وأرسل مع شمر بن ذي الجوشن إلى عمرو بن سعد إما أن تقاتل الحسين وتقتله وتطأ الخيل جثته، وإما أن تعتزل ويكون الأمير على الجيش الشمر، فقال عمرو (٨) بن سعد: بل أقاتله، ثم نهض عشية الخميس تاسع المحرم من هذه السنة والحسين جالس أمام بيته بعد صلاة العصر، فلما قرب الجيش منه سألهم على أخيه العباس أن يمهلوه إلى الغد، وأن يجيبهم إلى مايختارونه فأجابوه، فقال

стр. 8673

الحسين لأصحابه: إنّي قد اذنتُ لكم فتفرقوا في سواد هذا الليل في سوادكم ومدائنكم، فقال أخوه (١): لم نفعل ذلك، لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدًا، ثم تكلم إخوته وبنو أخيه وبنو عبد الله بن جعفر بنحو ذلك. وكان الحسين وأصحابه يصلّون الليل كله ويدعون، فلما أصبحوا ركب عمر بن سعد في أصحابه، وذلك يوم عاشوراء من السنة المذكورة، وعبّى الحسين أصحابه، وهم اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا ثم حملوا على الحسين واصحابه واستمر القتال إلى وقت الظهر من ذلك اليوم، فصلى الحسين وأصحابه صلاة الخوف، واشتدّ بالحسين العطش، فتقدم ليشرب فرمي بسهم فوقع في فمه، ونادى شمر ويلكم ما تنظرون بالرجل اقتلوه، فضربه زرعة بن شريك على كفه وضربه آخر على عاتقه، وطعنه سنان بن أنس النخعي بالرمح فوقع، فنزل إليه فذبحه واحتزّ رأسه (شمر) (٢)، وجاء به إلى عمر بن سعد، فأمر عمر جماعة فوطئوا صدر الحسين وظهره بخيولهم، ثم بعث بالرؤوس والنساء والاطفال إلى عبيد الله بن زياد فجعل ابن زياد يقرع فم الحسين بقضيب في يده، فقال له زيد بن أرقم (٣): ارفع هذا القضيب فوالذي لا اله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين. ثم بكي (ويروى هذا عن يزيد بن معاوية) وان الذي نهاه (بردة (٤) الأسلمي). وقتل مع الحسين من أولاد علي أربعة وهم: العباس وجعفر ومحمد وأبو بكر ومن أولاد الحسين أربعة، وقتل عدة من أولاد عبد الله بن جعفر، ومن أولاد عقيل، ثم بعث ابن زياد بالرؤوس والنساء والاطفال إلى يزيد بن معاوية، فوضع يزيد رأس

стр. 8674

الحسين بين يديه، وأحضر النساء والأطفال، وأمر النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يُصْلِحَهُم، وأن يبعث معهم أمينًا يوصلهم إلى المدينة، فجهزهم إلى المدينة، ولما وصلوها لقيهم نساء بني هاشم حاسرات وفيهن ابنة عقيل بن أبي طالب، وهي تقول (١): [من البسيط] ماذا تقولون إن قال النبي لكم … ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي … منهم أسارى ومنهم (٢) ضُرّجوا بدم ما كان هذا جزائي أن نصحت لكم … أنْ تُخْلِفوني بسوء في ذوي رحمي واختلف في موضع رأس الحسين، فقيل: جهز إلى المدينة ودفن عند أُمه وقيل: بباب الفراديس، وقيل: إن خلفاء مصر نقلوا رأسًا من عسقلان إلى القاهرة، ودفن بها وبنوا عليه مشهدًا يعرف بمشهد الحسين. واختلف في عمره، والصحيح أنه خمس وخمسون سنة وأشهر، وقيل حجّ الحسين خمسًا وعشرين حجة ماشيًا، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، وأما عبد الله بن الزبير، فإنه استمر بمكة ممتنعًا عن الدخول في طاعة يزيد بن معاوية. سنة اثنتين وستين وثلاث وستين (٣) فيها: اتفق أهل المدينة (٤) على خلع يزيد بن معاوية، وأخرجوا نائبه عثمان بن محمد بن أبي سفيان منها، فجهز يزيد جيشًا مع مسلم بن عقبة المري (٥)، وأمَرَهُ أن يقاتل أهل المدينة، فإذا ظفر بهم أباحها للجند ثلاثة أيام يسفكون فيها الدماء وينهبون

стр. 8675

الأموال، ويبايعهم على أنهم خول وعبيد يزيد بن معاوية، فإذا فرغ من المدينة يسير إلى مكة، فسار مسلم في عشرة آلاف من أهل الشام حتى نزل على المدينة من جهة الحرّة، وأصر أهل المدينة من المهاجرين والانصار وغيرهم على قتاله، فاقتتلوا، فقتل الفضل (١) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بعد أن قاتل قتالًا عظيمًا، وكذلك قتل جماعة من الأنصار والأشراف، ثم انهزموا وأباح مسلم بن عقبة مدينة نبي الله ﷺ ، يقتلون الرجال ويأخذون الأموال ويفسقون بالنساء. ويروى عن الزهري أن قتلى الحرة كانوا سبعمائة من قريش، ووجوه المهاجرين والأنصار، وعشرة آلاف من وجوه الموالي (٢)، وكانت الموقعة لثلاث بقين من ذي الحجة من سنة ثلاث وستين (٣)، ثم إن مسلمًا بايع من بقي من الناس على أنهم خول وعبيد للفاسق يزيد ولما فرغ مسلم من المدينة، سار بالجيش إلى مكة. سنة أربع وستين حصار الكعبة (٤): ولما سار مسلم من المدينة إلى مكة هلك قبل وصوله إلى مكة شرفها الله تعالى، وأقام على الجيش مقامه الحصين (٥) بن نمير السكوني، وذلك في المحرم من هذه السنة، فقدم الحصين مكة، وحاصر عبد الله بن الزبير أربعين يومًا حتى جاءهم الخبر بموت يزيد بن معاوية (على ما سنذكره) (٦) بعد رمي البيت الحرام بالمنجنيق وإحراقه بالنار، ولما علم الحصين بموت يزيد قال لعبد الله بن الزبير: من الرأي أن تدع دماء القتلى بيننا، واقبل الأبايعك، وأقدم بك إلى الشام، فامتنع عبد الله بن الزبير، وارتحل

стр. 8676

الحصين راجعًا إلى الشام، ثم ندم عبد الله على عدم الموافقة، وسار مع الحصين من كان بالمدينة من بني أمية وقدموا الشام (١). هلاك يزيد بن معاوية: هلك (٢) بحوارين من عمل حمص لأربع عشرة ليلة خَلَتْ من ربيع الأول سنة أربع وستين (٣)، وكانت (٤) مدة خلافته ثلاث سنين وستة أشهر، وكان آدم جعدًا أخور العينين، بوجهه أثر الجدري، حسن اللحية طويلًا (٥) وخلّف عدة بنين وبنات، وكانت أمه ميسون بنت بحدل الكلابي، أقام يزيد معها بين أهلها في البادية، وتعلّم الفصاحة ونظم الشعر هناك في بادية بني كلب، وكان سبب إرساله مع أمه هناك، ان معاوية سمع ميسون تنشد: [الوافر] للبس عباءة وتقر عيني … أَحَبُّ إليَّ مَنْ لبس الشفوف وبيت تخفق الأرواح فيهِ … أَحَبُّ إليَّ مِنْ قصر منيف وبكر يتبع الأضعانَ صَعْبٌ … أَحَبُّ إليَّ من بغل زفوف وكلب ينبح الأضياف دوني … أحب إلي من هر ألوف وخرق من بني عمي فقير … أحبُّ إليَّ مِنْ عِلْج عنيف فقال لها معاوية: ما رضيت يا ابنة بحدل حتى جعلتني علجًا عنيفًا (٦). الحقي بأهلك فمضت إلى بادية بني كلب ويزيد معها. أخبار معاوية بن يزيد بن معاوية: وهو (٧) ثالث خلفائهم، ولما توفي يزيد بويع في الخلافة في رابع عشر ربيع الأول من هذه السنة، وكان شابًا دينا، فلم تكن ولايته غير ثلاثة أشهر، وقيل: أربعون يومًا، ومات وعمره إحدى وعشرون سنة، وفي آخر أيامه جمع الناس وقال: قد ضعفتُ

стр. 8677

عن أمركم، ولم أجد لكم (١) مثل عمر بن الخطاب فاستخلفه عليكم، ولا مثل أهل الشورى، فأنتم أولى بأمركم، فاستخلفوا من شئتم (٢) ثم دخل منزله، وتغيب فيه حتى مات، وقيل: إنه أوصى أن يصلي بالناس الضحاك بن قيس حتى يقوم لهم خليفة. بيعة عبد الله بن الزبير (٣): ولما مات يزيد بن معاوية بايع الناس بمكة عبد الله بن الزبير، وكان مروان بن الحكم بالمدينة، فقصد المسير إليه ومبايعته، ثم توجه مع من توجه من بني أمية إلى الشام، وقيل: بل ان ابن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن لا يترك من بني أمية بها أحدًا، ولو سار ابن الزبير مع الحصين بن نمير إلى الشام أو صانع بني أمية ومروان استقر أمره، ولكن لا مرد لما قدره الله تعالى. ولما بويع عبد الله بن الزبير بمكة، وكان عبيد الله بن زياد بالبصرة، فهرب إلى الشام (٤)، وبايع أهل البصرة لابن الزبير، واجتمعت له الحجاز والعراق واليمن، وبعث إلى مصر فبايع له أهلها، وبايع في الشام سرًا الضحاك بن قيس، وبحمص النعمان بن بشير الأنصاري، وبقنسرين زفر بن الحارث الكلابي (٥)، وكاد الأمر يتم له، وكان عبد الله بن الزبير شجاعًا كثير العبادة (وكان به البخل وضعف الرأي) (٦). أخبار مروان بن الحكم: وهو (٧) رابع خلفائهم، وقام بالشام في أيام ابن الزبير، واجتمعت له الناس وبنو أمية، وكان الناس في الشام فرقتين اليمانية مع مروان، والقيسية مع الضحاك بن قيس (٨)، وهم لابن الزبير، وجرت أمور يطول شرحها.

стр. 8678

وقعة مرج راهط (١): وآخر ذلك أن الفريقين التقوا بمرج راهط في غوطة دمشق، واقتتلوا وكانت الكرة على الضحاك والقيسية (٢)، وانهزموا وقتل الضحاك بن قيس الفهري وجماعة من فرسان قيس، ولما انهزمت قيس يوم المرج نادى منادي مروان أن لا يتبع أحد ودخل مروان دمشق، ونزل في دار معاوية بن صخر (٣)، واجتمع عليه الناس، وبلغ ذلك أهل حمص وعليها النعمان بن بشير الأنصاري، فخرج هاربًا بامرأته وأَهْلِهِ، فخرج أهل حمص، وقتلوا النعمان بن بشير وردّوا رأسه إلى حمص (٤)، ولما بلغ زفر بن الحارث وهو بقنسوين يدعو لابن الزبير خرج من قنسرين وأتى قرقيسياء، فَغَلَب عليها، واستوسق الشام لمروان، ثم خرج إلى جهة مصر، وبعث قدامه عمرو بن سعيد بن العاص (٥)، فدخل مصر وطرد عامل (٦) ابن الزبير عنها، وبايع فيها لمروان، ولما ملك مروان مصر رجع إلى دمشق، وخرجت سنة ست وستين ومروان خليفة بالشام ومصر، وابن الزبير خليفة في الحجاز والعراق واليمن، وفي سنة أربع وستين هدم ابن الزبير الكعبة، وكانت حيطانها قد مالت من رمي المنجنيق فَهَدَمها وحفر أساسها وأدخل الحجر فيها وأعادها إلى ماكانت عليها أولًا (٧). سنة خمس وستين وفاة (٨) مروان بن الحكم وذلك أن زوجته أم خالد بن يزيد بن معاوية خنقته وصاحت مات فجأة، وذلك لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين. ودفن بدمشق، وعمره (٩) ثلاث وستون سنة، وكانت مدة خلافته تسعة أشهر وثمانية عشر يومًا.

стр. 8679

أما أخباره (١): فكان أبوه الحكم طريد رسول الله ﷺ ولم يزل طريدًا في أيام أبي بكر وعمر حتى ردّه عثمان. ومروان هو الذي قتل طلحة بن عبيد الله بسهم نشاب في حرب الجمل. أخبار عبد الملك بن مروان (٢): وهو خامس خلفائهم، لما مات مروان بويع ابنه عبد الملك في ثالث شهر رمضان سنة خمس وستين، واستثبت له الأمر بالشام ومصر، وقيل: إنه لما أتته الخلافة كان قاعدًا والمصحف في حجرته، فأغلقه وقال: هذا آخر العهد بك. سنة ست وستين خروج المختار بن أبي عبيدة الثقفي (٣): وفي هذه السنة: خرج المختار بالكوفة طالبًا بثأر الحسين. واجتمع إليه جمع كثير واستولى على الكوفة، وبايعه الناس بها على كتاب الله وسنة رسوله والطلب بدم أهل البيت، وتجرّد المختار لقتل قتلة الحسين، وطلب شمر بن ذي الجوشن حتى ظفر به وقتله، وبعث إلى خولي الأصبحي، وهو صاحب رأس الحسين، واحتاط بداره، وقتله وأحرقه بالنار، ثم قتل عمرو (٤) بن سعد بن أبي وقاص (٥) الذي أمر أن يداس صدر الحسين وظهره بالخيل، وقتل حفصًا ابنه، وبعث برأسيهما إلى محمد ابن الحنفية بالحجاز، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة. ثم إن المختار اتخذ كرسيًا (٦)، وذكر أنه لهم بمنزلة تابوت بني اسرائيل، ولما أرسل المختار الجنود لقتال عبيد الله بن زياد خرج بالكرسي على بغل فَحَمَلَه على بغل.

стр. 8680

سنة سبع وستين مقتل عبيد الله بن زياد (١): وفي المحرم من هذه السنة: أرسل المختار الجنود للقاء عبيد الله بن زياد، وكان قد استولى على الموصل، وقدم على الجيش ابراهيم بن الأشتر النخعي، فاقتتلوا، وانهزمت (٢) أصحاب ابن زياد، وقَتَلَ ابراهيم بن الأشتر عبيد الله بن زياد في المعركة، وأخذ رأسه وأحرق جثته، وغرق من أصحاب ابن زياد المنهزمين أكثر من المقتولين، وكان (٣) عدة جيش ابن زياد ثمانون ألفًا، وعدة جيش المختار ثلاثة وأربعون الفًا، وقتل من أصحاب ابن زياد وغرق تسعة وسبعون ألفًا، وقتل من أصحاب المختار عشرة آلاف فارس (٤) وبعث ابراهيم برأس ابن زياد ورؤس أصحابه إلى المختار، وانتقم الله للحسين بالمختار ولم تكن نية المختار جميلة. وفي سنة سبع وستين: ولّى (٥) عبد الله بن الزبير أخاه مصعبًا البصرة، ثم سار مصعب من البصرة بعد أن طلب المهلب بن أبي صفرة من خراسان، فقدم إليه بمال وعسكر كثير، فسارا جميعًا إلى قتال المختار بالكوفة، وجمع المختار جموعه والتقيا وتمت الهزيمة بعد قتال شديد على المختار وأصحابه (٦)، وانحصر المختار في قصر الإمارة بالكوفة، ودخل مصعب الكوفة، وحاصر المختار، وما زال المختار يقاتل حتى، قتل ثم نزل أصحابه من القصر على حكم مصعب، فقتلهم كلهم وكانوا سبعة آلاف نفس (٧)، وكان مقتل المختار في رمضان سنة سبع وستين، وعمره سبع وستون سنة. وفي هذه السنة، أعني سنة سبع وستين، توفي الضحاك بن قيس بن معاوية كنيته أبو بحر، ولقبه الأحنف وهو المشهور في الحلم، وتوفي بالكوفة، وكان سيد قومه في الفضل والدهاء والحلم والذكاء، أدرك عهد رسول الله ﷺ ، ولم يصحبه، ووفد على عمر بن الخطاب في أيام خلافته، وكان من كبار التابعين، وشهد مع علي وقعة صفين دون وقعة

стр. 8681

الجمل، والأحنف، المائل يسمى بذلك؛ لأنه كان أحنف الرجل يطأ على جانبها الوحشي، وقدم (١) على معاوية في خلافته وحضر عنده في وجوه الناس، فدخل رجل من أهل الشام وكان خطيبًا، كان آخر كلامه: لعن الله علي بن أبي طالب. فأطرق الناس وتكلّم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين فعل (٢)، فاتق الله وَدَع عنك عليًا، فإنه قد لقي ربه وأفْرِدَ في قبره، وكان والله الميمونة نقيبته. العظيمة مصيبته، فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضيتُ على القذى، وايم الله لتصعدنّ المنبر وَلَتَلْعَنَّنه طوعًا أو كرهًا، فقال: أو تعفيني فهو خير لك. فألح عليه معاوية، فقال لمعاوية: أما والله لأنصفنّك في القول، فقال معاوية: وماذا أنْتَ قائل؟ قال: أَحْمَدُ الله بما هو أهله، وأصلّي على رسوله، وأقول: أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليًا، وأن معاوية وعليا اختلفا واقتتلا، وادعى كل منهما أنه مبغي عليه، فإذا دعوت فأمنوا ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية اللهم العنهم لعنًا كبيرًا. أمنوا رحمكم الله، يا معاوية أقولُه ولو كان فيه ذهاب روحي فقال معاوية: إذن نعفيك من ذلك. سنة ثمان وستين وفيها (٣): توفي عبد الله بن عباس بالطائف (٤)، وكان محمد ابن الحنفية مقيما بالطائف ايضًا، فصلّى على ابن عباس وأقام بالطائف إلى أن قدم الحجاج بن يوسف إلى مكة، وكان مولد ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنين. ودعا له النبي ﷺ وقال: اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل، فكان كذلك، وكان يسمى الحبر لكثرة علومه. سنة تسع وستين وما بعدها إلى سنة إحدى وسبعين مقتل مصعب بن الزبير: في سنة إحدى وسبعين: تجهز (٥) عبد الملك وسار إلى العراق، وتجهز مصعب لملتقاه، واقتتل الجمعان، وكان أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك فصاروا معه في الباطن،

стр. 8682

فتحوّلوا عن مصعب وقاتل مصعب حتى قتل هو وولده، وكان مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل، وكان عمره ستًا وثلاثين، ومقتله في جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعين. وكان مصعب صديق عبد الملك بن مروان قبل خلافته، وتزوج مصعب سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وجمع بينهما في عقد نكاحه، ثم دخل عبد الملك الكوفة وبايعه الناس واستوسق له ملك العراقين. سنة اثنتين وسبعين فيها (١): جهز عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير، فسار الحجاج في جمادى الأولى من هذه السنة، ونزل الطائف، وجرى بينه وبين أصحاب عبد الله بن الزبير حروب كانت الكرة فيها على أصحاب ابن الزبير، وأُحصر ابن الزبير في البيت الحرام ورماه بالمنجنيق. ودام الحصار حتى انقضت هذه السنة. سنة ثلاث وسبعين دَخَلَتْ (٢) والحجاج محاصر لابن الزبير، وأبي ابن الزبير أن يُسلّم نفسه، وقاتل حتى قتل في جمادى الآخرة من هذه السنة بعد قتال سبعة أشهر. وكان (٣) عمر ابن الزبير حين قتل ثلاث وسبعين سنة (٤) وهو أول من ولد من المهاجرين بعد الهجرة، وكانت مدة خلافته تسع سنين؛ لأنه بويع له سنة أربع وستين، لما مات يزيد بن معاوية، وكان عبد الله بن الزبير كثير العبادة. ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره. وفي (٥) هذه السنة: بعد مقتل ابن الزبير بويع لعبد الملك بالحجاز واليمن واجتمع الناس على طاعته، وفيها (٦): توفي عبد الله بن عمر ﵄، وكان موته بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وعمره سبع وثمانون سنة.

стр. 8683

سنة أربع وسبعين فيها (١): هدم الحجاج الكعبة وأخرج الحجر عن البيت، وبناه على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ وهو على ذلك إلى الآن. واستمر الحجاج أميرًا على الحجاز. سنة خمس وسبعين فيها (٢): أرسل عبد الملك إلى الحجاج بولاية العراق، فسار من المدينة إلى الكوفة. وخرج (٣) في أيام ولاية الحجاج بالعراق شبيب الخارجي (٤)، وكثرت جموعه وجرى له مع الحجاج حروب كثيرة آخرها أن جموع شبيب تفرّقت، وتردّى به فرسه من فوق جسر الفرات فسقط في الماء وغرق. وكذلك (٥) خرج على الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث. واستولى على خراسان ثم سار إلى العراق، وغَلَبَ على الكوفة، وكثرت جموعه، وقويت شوكته، وفي ذلك يقول بعض أصحابه (٦): [الرجز] شَطَتْ نوى مَنْ داره بالإيوان … إيوان كسرى في القرى والرَّيْحان (٧) من عاشق أضحى بزابلستان (٨) … إنَّ ثقيفًا منهم الكذابان كذابها الماضي وكذاب ثان … إنا سمونا للكفور الفتان

стр. 8684

حتى (١) طغى في الكفر بعد الإيمان … بالسيد الغطريف عبد الرحمان سار بجمع كالدبا مِنْ قحطان … بجحفل جم شديد الأركان فَقُلْ (٢) لحجاج ولي الشيطان … يثبت لجمع مَنْحِجٍ وهَمْدَان فأنهم ساقوه كأس الديفان … وملحقوه بقرى ابن مروان ثم أمد عبد الملك الحجاج بالجيوش من الشام فتفرّقت جيوش عبد الرحمن وانهزم ولحق بملك الترك وارسل الحجاج يطلبه من ملك الترك وتهدّده بالغزو ان أخره. فقبض ملك الترك على عبد الرحمن وعلى أربعين من أصحابه وجهزهم إلى الحجاج، فما وصل عبد الرحمن إلى الحجاج حتى مات (٣). سنة ست وسبعين وما بعدها إلى إحدى وثمانين فيها (٤): توفي أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية ﵁. سنة اثنتين وثمانين فيها (٥): توفي المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان من الأجواد المشهورين بالكرم والشهامة، وكان الحجاج قد ولاه خراسان فمات بمرو الروذ، واستخلف بعده يزيد بن المهلب، فلما دَنَت وفاة المهلب أخضر السهام لأولاده وقال: اتكسرونها مجتمعة؟ قالوا: لا، قال: تكسرونها متفرقة؟ قالوا: نعم، قال: هكذا أنتم. وفي (٦) هذه السنة، توفي خالد بن يزيد بن معاوية، وكان من المعدودين في بني أمية بالسخاء والفصاحة والعقل.

стр. 8685

سنة ثلاث وثمانين فيها (١): بنى الحجاج مدينة واسط. سنة أربع وخمس وثمانين في (٢) سنة خمس: توفي عبد العزيز بن مروان بمصر. سنة ست وثمانين وفاة عبد الملك بن مروان: في (٣) منتصف شوال من هذه السنة، وتوفي وعمره ستون سنة، وكانت مدة خلافته منذ قُتل ابن الزبير واجتمع له الناس ثلاث عشرة سنة واربعة أشهر تنقص سبع ليال، وكان شديد البخر، كنى لذلك بأبي الذبان، وكان يلقب لبخله برشح الحجر، وكان حازمًا عاقلًا فقيهًا، وكان دينا، فلما ولي الخلافة استهوته الدنيا فتغير عن ذلك، وفيه يقول الحسن البصري: ماذا أقول في رجل الحجاج سيئة من سيئاته. ولاية الوليد بن عبد الملك (٤): وهو سادس خلفائهم، لما توفي أبوه بويع بالخلافة في منتصف شوال من هذه السنة، بعهد من أبيه إليه، وكان مغرى بالبناء، واستوثقت له سائر الأمور (٥) وفتحت في أيامه الفتوحات الكثيرة من ذلك جزيرة الاندلس وماوراء النهر. وولى الحجاج خراسان مع العراقين، فتغلغل في بلاد الترك، وتغلغل مسلمة بن عبد الملك في بلاد الروم، ففتح وسبى، وفتح محمد بن القاسم بلاد الهند. وفي هذه السنة: ولى الوليد ابن عمه عمر بن عبد العزيز المدينة، فقدم إليها ونزل في دار جده مروان، ودعا عشرة من فقهاء المدينة، وهم عروة (٦) بن الزبير ابن العوام،
следующие страницы →