← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

الجمل، والأحنف، المائل يسمى بذلك؛ لأنه كان أحنف الرجل يطأ على جانبها الوحشي، وقدم (١) على معاوية في خلافته وحضر عنده في وجوه الناس، فدخل رجل من أهل الشام وكان خطيبًا، كان آخر كلامه: لعن الله علي بن أبي طالب. فأطرق الناس وتكلّم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين فعل (٢)، فاتق الله وَدَع عنك عليًا، فإنه قد لقي ربه وأفْرِدَ في قبره، وكان والله الميمونة نقيبته. العظيمة مصيبته، فقال معاوية: يا أحنف لقد أغضيتُ على القذى، وايم الله لتصعدنّ المنبر وَلَتَلْعَنَّنه طوعًا أو كرهًا، فقال: أو تعفيني فهو خير لك. فألح عليه معاوية، فقال لمعاوية: أما والله لأنصفنّك في القول، فقال معاوية: وماذا أنْتَ قائل؟ قال: أَحْمَدُ الله بما هو أهله، وأصلّي على رسوله، وأقول: أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليًا، وأن معاوية وعليا اختلفا واقتتلا، وادعى كل منهما أنه مبغي عليه، فإذا دعوت فأمنوا ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية اللهم العنهم لعنًا كبيرًا. أمنوا رحمكم الله، يا معاوية أقولُه ولو كان فيه ذهاب روحي فقال معاوية: إذن نعفيك من ذلك. سنة ثمان وستين وفيها (٣): توفي عبد الله بن عباس بالطائف (٤)، وكان محمد ابن الحنفية مقيما بالطائف ايضًا، فصلّى على ابن عباس وأقام بالطائف إلى أن قدم الحجاج بن يوسف إلى مكة، وكان مولد ابن عباس قبل الهجرة بثلاث سنين. ودعا له النبي ﷺ وقال: اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل، فكان كذلك، وكان يسمى الحبر لكثرة علومه. سنة تسع وستين وما بعدها إلى سنة إحدى وسبعين مقتل مصعب بن الزبير: في سنة إحدى وسبعين: تجهز (٥) عبد الملك وسار إلى العراق، وتجهز مصعب لملتقاه، واقتتل الجمعان، وكان أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك فصاروا معه في الباطن،

стр. 8682

فتحوّلوا عن مصعب وقاتل مصعب حتى قتل هو وولده، وكان مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل، وكان عمره ستًا وثلاثين، ومقتله في جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعين. وكان مصعب صديق عبد الملك بن مروان قبل خلافته، وتزوج مصعب سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وجمع بينهما في عقد نكاحه، ثم دخل عبد الملك الكوفة وبايعه الناس واستوسق له ملك العراقين. سنة اثنتين وسبعين فيها (١): جهز عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير، فسار الحجاج في جمادى الأولى من هذه السنة، ونزل الطائف، وجرى بينه وبين أصحاب عبد الله بن الزبير حروب كانت الكرة فيها على أصحاب ابن الزبير، وأُحصر ابن الزبير في البيت الحرام ورماه بالمنجنيق. ودام الحصار حتى انقضت هذه السنة. سنة ثلاث وسبعين دَخَلَتْ (٢) والحجاج محاصر لابن الزبير، وأبي ابن الزبير أن يُسلّم نفسه، وقاتل حتى قتل في جمادى الآخرة من هذه السنة بعد قتال سبعة أشهر. وكان (٣) عمر ابن الزبير حين قتل ثلاث وسبعين سنة (٤) وهو أول من ولد من المهاجرين بعد الهجرة، وكانت مدة خلافته تسع سنين؛ لأنه بويع له سنة أربع وستين، لما مات يزيد بن معاوية، وكان عبد الله بن الزبير كثير العبادة. ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره. وفي (٥) هذه السنة: بعد مقتل ابن الزبير بويع لعبد الملك بالحجاز واليمن واجتمع الناس على طاعته، وفيها (٦): توفي عبد الله بن عمر ﵄، وكان موته بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وعمره سبع وثمانون سنة.

стр. 8683

سنة أربع وسبعين فيها (١): هدم الحجاج الكعبة وأخرج الحجر عن البيت، وبناه على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ وهو على ذلك إلى الآن. واستمر الحجاج أميرًا على الحجاز. سنة خمس وسبعين فيها (٢): أرسل عبد الملك إلى الحجاج بولاية العراق، فسار من المدينة إلى الكوفة. وخرج (٣) في أيام ولاية الحجاج بالعراق شبيب الخارجي (٤)، وكثرت جموعه وجرى له مع الحجاج حروب كثيرة آخرها أن جموع شبيب تفرّقت، وتردّى به فرسه من فوق جسر الفرات فسقط في الماء وغرق. وكذلك (٥) خرج على الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث. واستولى على خراسان ثم سار إلى العراق، وغَلَبَ على الكوفة، وكثرت جموعه، وقويت شوكته، وفي ذلك يقول بعض أصحابه (٦): [الرجز] شَطَتْ نوى مَنْ داره بالإيوان … إيوان كسرى في القرى والرَّيْحان (٧) من عاشق أضحى بزابلستان (٨) … إنَّ ثقيفًا منهم الكذابان كذابها الماضي وكذاب ثان … إنا سمونا للكفور الفتان

стр. 8684

حتى (١) طغى في الكفر بعد الإيمان … بالسيد الغطريف عبد الرحمان سار بجمع كالدبا مِنْ قحطان … بجحفل جم شديد الأركان فَقُلْ (٢) لحجاج ولي الشيطان … يثبت لجمع مَنْحِجٍ وهَمْدَان فأنهم ساقوه كأس الديفان … وملحقوه بقرى ابن مروان ثم أمد عبد الملك الحجاج بالجيوش من الشام فتفرّقت جيوش عبد الرحمن وانهزم ولحق بملك الترك وارسل الحجاج يطلبه من ملك الترك وتهدّده بالغزو ان أخره. فقبض ملك الترك على عبد الرحمن وعلى أربعين من أصحابه وجهزهم إلى الحجاج، فما وصل عبد الرحمن إلى الحجاج حتى مات (٣). سنة ست وسبعين وما بعدها إلى إحدى وثمانين فيها (٤): توفي أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية ﵁. سنة اثنتين وثمانين فيها (٥): توفي المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان من الأجواد المشهورين بالكرم والشهامة، وكان الحجاج قد ولاه خراسان فمات بمرو الروذ، واستخلف بعده يزيد بن المهلب، فلما دَنَت وفاة المهلب أخضر السهام لأولاده وقال: اتكسرونها مجتمعة؟ قالوا: لا، قال: تكسرونها متفرقة؟ قالوا: نعم، قال: هكذا أنتم. وفي (٦) هذه السنة، توفي خالد بن يزيد بن معاوية، وكان من المعدودين في بني أمية بالسخاء والفصاحة والعقل.

стр. 8685

سنة ثلاث وثمانين فيها (١): بنى الحجاج مدينة واسط. سنة أربع وخمس وثمانين في (٢) سنة خمس: توفي عبد العزيز بن مروان بمصر. سنة ست وثمانين وفاة عبد الملك بن مروان: في (٣) منتصف شوال من هذه السنة، وتوفي وعمره ستون سنة، وكانت مدة خلافته منذ قُتل ابن الزبير واجتمع له الناس ثلاث عشرة سنة واربعة أشهر تنقص سبع ليال، وكان شديد البخر، كنى لذلك بأبي الذبان، وكان يلقب لبخله برشح الحجر، وكان حازمًا عاقلًا فقيهًا، وكان دينا، فلما ولي الخلافة استهوته الدنيا فتغير عن ذلك، وفيه يقول الحسن البصري: ماذا أقول في رجل الحجاج سيئة من سيئاته. ولاية الوليد بن عبد الملك (٤): وهو سادس خلفائهم، لما توفي أبوه بويع بالخلافة في منتصف شوال من هذه السنة، بعهد من أبيه إليه، وكان مغرى بالبناء، واستوثقت له سائر الأمور (٥) وفتحت في أيامه الفتوحات الكثيرة من ذلك جزيرة الاندلس وماوراء النهر. وولى الحجاج خراسان مع العراقين، فتغلغل في بلاد الترك، وتغلغل مسلمة بن عبد الملك في بلاد الروم، ففتح وسبى، وفتح محمد بن القاسم بلاد الهند. وفي هذه السنة: ولى الوليد ابن عمه عمر بن عبد العزيز المدينة، فقدم إليها ونزل في دار جده مروان، ودعا عشرة من فقهاء المدينة، وهم عروة (٦) بن الزبير ابن العوام،

стр. 8686

وعبيد الله (١) بن عتبة بن مسعود. وأبو بكر (٢) بن عبد الرحمن وأبو بكر (٣) بن سليمان، وسليمان (٤) بن يسار، والقاسم (٥) بن محمد بن ابي بكر الصديق، وسالم (٦) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبيد الله أخو سالم (٧)، وعبيد الله (٨) بن عامر بن ربيعة، وخارجة (٩) بن زيد، فقال لهم عمر بن عبد العزيز، أريد أن لا أقطع أمرًا إلا برأيكم، فما علمتموه من تعدي عامل فعرفوني به، فجزوه خيرًا. سنة سبع وثمان وثمانين فيها (١٠): كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم مسجد رسول الله

стр. 8687

وهدم بيوت أزواج النبي ﷺ ، وأن يدخل البيوت (في المسجد بحيث تصير مساحة المسجد مائتي ذراع في مائتي ذراع، وأن يضع أثمان البيوت في) (١) بيت المال، فأجابه أهل المدينة إلى ذلك، وقدمت الصناع (٢) من عند الوليد لعمارة المسجد، وتجرد عمر لذلك. [سنة ثمان وثمانين] وفي هذه السنة: - أعني سنة ثمان وثمانين - أمر الوليد ببناء جامع دمشق فأنفق عليه أموالًا عظيمة (٣). سنة تسع [وثمانين] إلى ثلاث وتسعين فيها (٤): عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن المدينة. سنة أربع وتسعين فيها: قتل الحجاج سعيد بن جبير (٥). بسبب أنه خَلَعَ الحجاج وصار مع ابن الأشعث، وكان سعيد قد هرب من الحجاج إلى مكة، فأرسل الحجاج يطلب من الوليد جماعة قد التجأوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى عامله على مكة، وهو خالد (٦) بن عبد الله القسري، يأمره بإرسال مَنْ يطلبه الحجاج، فطلب الحجاج سعيد بن جبير وغيره، فأرسل خالد بن عبد الله إلى الحجاج كل من طلب، فضرب عنق سعيد، وكان من أعلام التابعين، أخَذَ العلم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وروى القرآن عنه أبو

стр. 8688

عمرو (١)، وقال أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحدٌ إلا وهو مفتقر إلى علمه. وفي سنة أربع وتسعين ايضًا، توفي سعيد (٢) بن المسيب، وكان من كبار التابعين وفقهائهم. وفيها: توفي علي (٣) بن الحسين بن علي بن أبي طالب. زين العابدين. وكان مع أبيه الحسين لما قتل ولكنه سلم؛ لأنه كان مريضًا على الفراش، وتوفي بالمدينة ودفن بالبقيع وعمره ثمان وخمسون سنة، ﵁ وعن آبائه الطاهرين. سنة خمس وتسعين فيها (٤): توفي الحجاج بن يوسف الثقفي، وعمره أربع وخمسون سنة، وكانت مدة ولايته العراق نحو عشرين سنة. وكان الحجاج أَخْفَش دقيق الصوت في غاية الفصاحة، وكان جملة الذين قتلهم الحجاج، فكانوا (٥) نحو مائة الف وعشرين الفًا. سنة ست وتسعين وفاة الوليد (٦): وفي جمادى الآخرة سنة ست وتسعين توفي الوليد بن عبد الملك (وكانت مدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، وكانت وفاته (٧) بدير مرّان، ودفن بدمشق خارج الباب الصغير، وصلى عليه ابن عمه عمر بن عبد العزيز، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وستة أشهر) (٨) وكان سائل الأنف جدًا، وكان له من الولد ثمانية عشر (٩)، وهو الذي بني مسجد دمشق، ونقل له الصناع من بلاد الروم ومن سائر بلاد الاسلام،

стр. 8689

وكان في جانب الجامع كنيسة قد سلمت للنصارى بسبب انها في نصف البلد الذي أخذ بالصلح، وكانت تعرف بكنيسة ماريحنا فهدمها الوليد وأدخلها في الجامع. وكان الوليد لحانًا، دخل عليه أعرابي يشكو صهرًا له، فقال له الوليد: ما شانك بفتح النون، فقال الأعرابي: أعوذُ بالله من الشَّيْنِ، فقال له سليمان بن عبد الملك: أمير المؤمنين يقول لك ما شأنك بضم النون؟ فقال الأعرابي: ختني ظلمني، فقال الوليد: مَنْ خَتَنَك، بالفتح، فقال الأعرابي: إنما ختنني الحجام، فقال سليمان: أمير المؤمنين يقول: من خَتْنُك، بالضم، فقال: هذا وأشار إلى خصمه وكان أبوه عبد الملك فصيحًا، وعرف بلحن ابنه فقال: يابني أنك لا تصلح للولاية على العرب وأَنْتَ تلحن، وجعله في بيت، وجَعَل عنده من يعلمه الإعراب فمكث الوليد كذلك مدة، ثم خرج وهو أجهل مما دخل. أخبار سليمان بن عبد الملك (١) بن مروان: وهو سابعهم، بويع لما مات الوليد في جمادى الآخرة من سنة ست وتسعين، وكان سليمان لما مات الوليد في بلد الرملة، فلما وَصَلَ إليه الخبر بعد سبعة أيام سار إلى دمشق وَدَخَلها، وأحسن السيرة، وردّ المظالم، واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز وزيرًا. وفي هذه السنة: غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم (٢). سنة سبع وثمان وتسعين فيها (٣): خرج سليمان بن عبد الملك بالجيوش لغزو قسطنطينية، ونزل مرج دابق (٤) وسيّر أخاه مَسْلَمة إليها، وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها، فشتى مسلمة

стр. 8690

بالقسطنطينية (وبنى قبالتها مدينة تسمى مدينة القهر) (١)، وزرع فيها الزروع والأشجار وأقام مسلمة قاهرًا لأهل قسطنطينية حتى بلغه موت سليمان. وفيها (٢): أعني سنة ثمان وتسعين: فتح يزيد بن المهلب، الوالي على خراسان من قبل سليمان جرجان وطبرستان. سنة تسع وتسعين وفاة (٣) سليمان بن عبد الملك: في هذه السنة في صفر توفي. (وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر، وعمره خمس وأربعون سنة وتوفي) (٤) بدابق من أرض قنسرين مرابطًا، وأخوه مسلمة منازلًا لقسطنطينية. وكان سليمان طويلًا أسمر جميل الصورة أعرج، وكان حسن السيرة، مغرى بالنساء، كثير الأكل، حجّ مرة وكان الحر في الحجاز شديدًا، فتوجه إلى الطائف طلبًا للبرودة، وأتى برمان، فأكل سبعين زمانة، ثم أتى بجدي وست دجاجات، فأكلها، ثم أتي بزبيب من زبيب الطائف فأكله، ونعس فنام، ثم انتبه، فأتوه بالغداء، فأكل على عادته. وقيل: كان سبب موته أنه أتاه نصراني وهو نازل على دابق بزنبلن مملوئين تينًا وبيضًا، فأمر من يقشر له البيض. (وجعل يأكل) (٥) بيضة وتينة حتى أتى على الزنبيلين، ثم أتوه بمخ وسكر، فأكله فأتخم ومات (٦). وصلى عليه عمر بن عبد العزيز ودفن، وكان شديد الغيرة، أمر بخصي المخنثين الذين كانوا بالمدينة، فخصاهم عامله على المدينة، وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو الأنصاري. أخبار عمر بن عبد العزيز بن مروان ﵁ (٧): وهو ثامن خلفائهم (وأمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب) (٨) وأوصى له سليمان

стр. 8691

بالخلافة لما اشتدَّ مرضه بدابق، وبويع عمر بن عبد العزيز بالخلافة في صفر سنة تسع وتسعين من بعد موت سليمان. إبطال عمر سب علي ﵁ على المنابر (١): كان خلفاء بني أمية يسبّونه من سنة إحدى وأربعين وهي السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة إلى أول سنة تسع وتسعين آخر أيام سليمان بن عبد الملك، فلما ولي عمر أبطل ذلك وكتب إلى نوابه بإبطاله ولما خَطَبَ يوم الجمعة أبْدَلَ السبّ في آخر الخطبة بقراءة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى … (٩٠)﴾ الآية (٢) واستمرت الخطباء على قراءة هذه الآية. ومدحه كثير بن عبد الرحمن الخزاعي (٣) فقال (٤): [من الطويل] وليت فلم تشتم عليًا ولم تُخف … بريًا ولم تتبع سجيّة مجرم وقلت فصدقت الذي قلت بالذي … فعلت فأضحى راضيًا كلُّ مسلم سنة مائة وسنة إحدى ومائة (٥) وفاة عمر بن عبد العزيز ﵁: في سنة إحدى ومائة توفي لخمس بقين من رجب يوم الجمعة بخناصرة، ودفن بدير سمعان. قال (القاضي جمال الدين) (٦) بن واصل (مؤلف التاريخ المنقول هذا الكلام منه) (٧): والظاهر عندي ان دير سمعان هو المعروف الآن بدير النقيرة من عمل (معرة) (٨) النعمان، وإن قبره هو هذا المشهور، وكان موته بالسم عند أكثر أهل النقل، فإن بني أمية علموا انه أن امتدت أيامه خرج الأمر من أيديهم، وأنه لا يعهد بعده إلا لمن يصلح للأمر فعاجلوه، (وكان مولده بمصر سنة إحدى وستين، وكانت

стр. 8692

خلافته سنتين وخمسة أشهر، وكان عمره أربعين سنة (١) وأشهرًا، وكان في وجهه شجّة من رمح دابّة وهو غلام، ولهذا سمي أشجّ بني أمية، وكان متحريًا سيرة الخلفاء الراشدين) (٢). أخبار يزيد بن عبد الملك بن مروان (٣): وهو تاسعهم (وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان) (٤) بويع بالخلافة لما مات عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة بعهد من سليمان بن عبد الملك إليه بعد عمر، وفي أيام يزيد (المذكور) (٥) خرج يزيد بن المهلب (٦) بن أبي صفرة واجتمع إليه جمع، فأرسل إليه يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة فقاتله وقتله وجميع آل المهلب. وكانوا مشهورين بالكرم والشجاعة وفيهم يقول الشاعر (٧): [الطويل] نَزَلْتُ على آل المهلب شاتيًا … غريبًا عن الأوطان في زمن المحل فما زال بي إحسانهم وافتقادُهُمْ … وبِرُّهُمُ حتى حسبتهم أهلي سنة اثنتين ومائة فيها (٨): توفي عبيد الله (٩) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وعبيد الله المذكور، هو ابن أخي (١٠) عبد الله بن مسعود الصحابي، وهؤلاء

стр. 8693

السبعة هم الذين اشتهر عنهم الفقه، وقد نظم بعض الفضلاء اسماءهم فقال: [من الطويل] ألا كلُّ مَنْ لا يقتدي بأئمةٍ … فقسمتُهُ ضِيزَى عَنِ الحق خارجة فخذهم عبيد الله: عروة قاسم … سعيد سليمان أبو بكر خارجة أما عبيد الله فهو من أعلام التابعين، ولقي خلقًا كبيرًا من الصحابة. والثاني: عروة بن الزبير بن العوام القرشي، أبوه أحد العشرة، وأم عروة أسماء بنت أبي بكر الصديق وهو شقيق عبد الله الذي تولى الخلافة، وتوفي عروة سنة ثلاث وتسعين، وقيل سنة اربع وتسعين وكان مولده سنة اثنتين وعشرين. الثالث: قاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وكان أفضل أهل زمانه، وأبوه الذي قتل بمصر على ما شرحناه. الرابع: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي، جمع بين الحديث والفقه والزهد. ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وتوفي سنة أحدى وتسعين وفي ذلك خلاف. الخامس: سليمان بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، روى عن ابن عباس وأبي هريرة، وعن أم سلمة، وتوفي سنة سبع ومائة وعمره ثلاث وتسعون سنة. السادس: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي، وكنيته اسمه، وكان من سادات التابعين، وسمّي راهب قريش، وجده الحارث أخو أبي جهل، وتوفي أبو بكر سنة اربع وتسعين، وولد في خلافة عمر بن الخطاب. السابع: خارجة بن زيد بن ثابت الانصاري، وأبوه من أكابر الصحابة، الذي قال النبي ﷺ في حقه: أفرضكم زيد. وتوفي خارجة سنة تسع وتسعين وقيل سنة مائة بالمدينة، وأدرك زمن عثمان ﵁، فهؤلاء فقهاء المدينة السبعة المعروفون، وانتشرت عنهم الفتاوى والفقه وكان في زمانهم من هو في طبقتهم في الفضيلة، ولم يذكر معهم مثل سالم بن عبد الله بن عمر ﵃، وغيره، وتوفي سالم المذكور سنة ست ومائة، وكان من أعلام التابعين، وقد ذكر في مواضع أُخر وفاة بعض المذكورين، وإنما ذكرناهم (١) جملةً؛ لأنه أقرب للضبط.

стр. 8694

سنة ثلاث وأربع وخمس ومائة (١) وفاة يزيد بن عبد الملك: في سنة خمس ومائة لخمس بقين من شعبان، وتوفي وعمره أربعون سنة، وكانت مدة خلافته أربع سنين وشهرًا، وكان يزيد قد عهد بالخلافة إلى أخيه هشام، ثم من بعده إلى ابنه الوليد بن يزيد. (وكان (٢) يزيد صاحب لهو وطرب، وهو صاحب حبابة وسلامة القس (٣)، وكان مغرى بهما جدًا. وماتت حبابة فمات بعدها بسبعة عشر يومًا. وإنما سميت سلامة القس، لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمار (٤) كان يسمى القس لعبادته، وكان فقيهًا، فمر بمنزل إستاذ سلامة فسمع غناءها فهويها وهويته، واجتمعا فقالت له سلامة: إني أحبك، فقال: وأنا ايضًا فقالت: أشتهي أن أقبلك، فقال: وأنا أيضًا، قالت: فما يمنعك؟ قال: تقوى الله، وانصرف عنها، فسميت سلامة القس بسبب عبد الرحمن المذكور). أخبار هشام بن عبد الملك (٥): وهو عاشرهم، كان عمره لما ولي أربعًا وثلاثين سنة وأشهرًا وكان هشام بالرصافة لما مات يزيد بن عبد الملك في دويرة له صغيرة، فجاءته الخلافة على البريد فركب ودخل دمشق. سنة ست ومائة وما بعدها إلى عشر ومائة (٦) فيها: توفي الحسن بن أبي الحسن البصري (٧) وكان مولده في خلافة عمر رضي

стр. 8695

الله عنه وهو من أكابر التابعين. وفيها: توفي محمد بن سيرين (١)، وكان أبوه سيرين عبدًا لأنس بن مالك، وكاتبه أنس على مال، فحمله سيرين، واعتقه أنس (٢)، وكان من سبي خالد بن الوليد، وروى محمد بن سيرين عن جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وغيرهم، وكان من كبار التابعين، وله اليد الطولى في تعبير الرؤيا. فيها: توفي الباقر (٣) محمد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي ﵃ (٤)، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة (٥)، وأوصى أن يكفن في قميصه الذي كان يصلّى فيه، وقيل له الباقر لتبقره في العلم أي توسعه فيه، وولد سنة سبع وخمسين وكان عمره لما قتل جده الحسين ثلاث سنين (٦). وتوفي في الحميمة من الشراة ودفن بالبقيع. سنة سبع عشرة ومائة فيها: توفي نافع (٧) مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأصابه عبد الله بن عمر في بعض غزواته وكان نافع من كبار التابعين، سمع مولاه وأبا سعيد الخدري، وروى نافع عن الزهري ومالك بن أنس، وأهل الحديث يقولون، رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة.

стр. 8696

ستة ثماني وتسع وعشرة ومائة (١) فيها: غزا المسلمون بلاد الترك وانتصروا وغنموا وقتلوا من الأتراك (زهاء مائتي الف فارس) (٢)، وقتلوا خاقان الترك، وكان المتولي لحربهم أسد بن عبد الله القسري. سنة عشرين وإحدى وعشرين ومائة (٣) في سنة عشرين: توفي أبو سعيد عبد الله بن كثير (٤) أحد القراء السبعة. وفي سنة إحدى وعشرين غزا (٥) مروان بن محمد بن مروان، وكان (متولي) على الجزيرة وأرمينية بلاد صاحب السرير، فأجاب صاحب السرير إلى الجزية في كل سنة سبعين الف (٦) رأس يؤديها. وفيها (٧): غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فافتتح حصونًا كثيرة. وفيها (٨): غزا نصر بن سيار بلاد ما وراء النهر وقتل ملك الترك، ثم مضى إلى فرغانة فسبي سبيًا كثيرًا. وفيها (٩): خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ بالكوفة ودعا إلى نفسه، وبايعه جمع كبير، وكان الوالي على الكوفة من قبل هشام يوسف بن عمر الثقفي، فجمع العسكر وقاتل زيدًا، فأصاب زيدًا سهم في جبهته، فأدخل بعض الدور، ونزع السهم، ثم مات، ولما علم يوسف بن عمر (١٠) بمقتله تطلبه

стр. 8697

حتى دلّ فاستخرجه وصلب جثته، وبعث برأسه إلى هشام بن عبد الملك فامر بنصبه على (صور) (١) دمشق ولم تزل جثته مصلوبة حتى مات هشام وولي الوليد، فأمر بحرق جثته فأحرقت، وكان عمر زيد لما قتل اثنتين وأربعين سنة. سنة اثنتين وعشرين ومائة (٢) فيها: توفي إياس (٣) بن معاوية بن قرة المزني المشهور بالفراسة والذكاء، وكان ولي قضاء البصرة في أيام عمر بن عبد العزيز. سنة ثلاث وأربع وعشرين ومائة (٤) فيها: توفي محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي المعروف بالزهري (٥)، بضم الزاي، وعمره ثلاث وسبعون سنة، وهذه النسبة إلى زهرة بن كلاب بن مرة، وكان الزهري من كبار التابعين وأعلامهم. رأى عشرة من الصحابة وروى عنه جماعة من الأئمة مثل: مالك وسفيان الثوري وغيرهما. وكان الزهري إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله مشتغلًا بها عن كل أحد، فقالت له زوجته: والله هذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر. سنة خمس وعشرين ومائة وفاة (٦) هشام بن عبد الملك: وفي هذه السنة توفي هشام بالرصافة لست خلون من ربيع الأول، فكانت مدة

стр. 8698

خلافته تسع عشرة سنة وكسرًا، وكان مرضه بالذبحة وكان عمره خمسًا وخمسين سنة، ولما مات طلبوا له ما يسخنون به الماء، فلم يعطهم عياض كاتب الوليد فإنه ختم على جميع موجوده للوليد، فاستعاروا له من الجيران قمقمًا لتسخين الماء، ودفن بالرصافة، وكان أحول (١)، وخلّف عدة بنين منهم: معاوية أبو عبد الرحمن الذي دخل الأندلس وملكها. وكان هشام حازمًا سديد الرأي، غزير العقل عالمًا بالسياسة، واختار هشام الرصافة وبناها، وإليه تُنسب فيقال: رصافة هشام، وكانت مدينة رومية، ثم خربت، وهي صحيحة الهواء، وإنما اختارها؛ لأن خلفاء بني أمية كانوا يهربون من الطاعون ويقيمون في البرية، فأقام هشام بالرصافة وهي صحيحة الهواء (٢)، وابتنى بها قصرين. أخبار الوليد بن يزيد بن عبد الملك (٣): وهو حادي عشر خلفائهم، لما مات هشام نفذت الكتب إلى الوليد، وكان الوليد مقيمًا بالبرية بالأزرق خوفًا من هشام، وكان الوليد وأصحابه في ذلك الموضع بأسوأ حال، ولما اشتدَّ به الضيق أتاه الفرج (٤)، وكانت البيعة للوليد يوم الأربعاء لثلاث خَلَوْنَ من ربيع الآخر، سنة خمس وعشرين ومائة، وعكف الوليد على شرب الخمر وسماع الغناء ومعاشرة النساء، وزاد الناس في أعطياتهم عشرات، ثم زاد أهل الشام فوق تلك العشرات عشرةً أخرى، ولم يقل في شيء سُئله: لا. وفي هذه السنة: أعني سنة خمس وعشرين توفي القاسم بن أبي بزة (٥) وهو من المشهورين بالقرآن.

стр. 8699

سنة ست وعشرين ومائة فيها: سلّم الوليد خالد بن عبد الله القسري إلى يوسف بن عمر عامله على العراق فعذّبه وقتله (١). مقتل الوليد بن يزيد في هذه السنة (٢): قيل ان يزيد بن الوليد بن عبد الملك الذي كان يقال له الناقص، هو الذي قتله. وكان مقتله في جمادى الآخرة من هذه السنة، بسبب كثرة مجونه ولهوه وشربه الخمر ومنادمة الفساق، فثقل ذلك على الجند وآذى ابني عمه هشام والوليد فرموه بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه، ودعا يزيد إلى نفسه، واجتمعت اليمانية، فنهاه أخوه العباس بن الوليد عن ذلك وتهدده، فأخفى يزيد الأمر عن أخيه، وكان يزيد يقيم بالبادية لوخم دمشق، فلما اجتمع له أمْرُهُ، قصد دمشق متخفيًا في سبعة نفر وكان بينه وبينها (مسيرة) (٣) أربعة أيام. ونزل بجرود على مرحلة من دمشق، ثم دخل دمشق ليلًا وقد بايعه أكثر أهلها، وكان عامل الوليد على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج وجاء الوباء بدمشق، فخرج منها ونزل (قرية) (٤) قطنا وظهر يزيد بدمشق، واجتمعت عليه الجند وغيرهم، وأرسل إلى قطنا مائتي فارس أخذوا عامل الوليد وهو عبد الملك بن محمد بالأمان، ثم أرسل جيشًا إلى الوليد ومقدمهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ولما ظهر يزيد بدمشق، سار بعض موالي الوليد وأَعْلَمَهُ وهو بالأغدف من عمان فسار الوليد حتى أتى البحرة (٥)، إلى قصر النعمان بن بشير، فنزله، فنازَلَهُ عبد العزيز وجرى بينه وبين الوليد قتال. وقصد العباس بن الوليد بن عبد الملك اللحوق بالوليد ونصرته على أخيه، فأرسل عبد العزيز إلى العباس بن الوليد منصور بن جمهور

стр. 8700

فأخذه قهرًا، وأتى به إلى عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك، فبايع، ونصب عبد العزيز رايةً وقال: هذه راية العباس قد بايع لأمير المؤمنين يزيد، فتفرق الناس عن الوليد وركب الوليد بمن معه وقاتل، ثم انهزم عنه أصحابه فدخل القصر وأغْلَقَهُ، فحاصروه ودخلوا إليه واحتزّوا راسه وسيروه إلى يزيد بن الوليد، فسجد شكرًا الله تعالى، ووضع الرأس على رمح وطيف به في دمشق وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة (١). (وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وعمره اثنين واربعين) (٢) وكان الوليد من فتيان بني أمية وظرفائهم منهمكًا في اللهو والشرب وسماع الغناء. أخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك (٣): وهو ثاني عشر خلفائهم. استقرّ يزيد الناقص في الخلافة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وسمّي يزيد الناقص؛ لأنه نقص الناس العشرات التي زادها الوليد، وقرّرهم على ما كانوا عليه أيام هشام، ولما قتل الوليد وتولّى يزيد الخلافة خالفه أهل حمص (٤)، وهجموا دار أخيه العباس بحمص ونهبوا مابها، وسلبوا حرمه وأجمعوا على حرب يزيد، فأرسل إليهم يزيد عسكرًا، فالتقوا قرب ثنية العقاب (٥)، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وانهزم أهل حمص فأخذ عليهم يزيد البيعة، ثم اجتمع أهل فلسطين، فوثبوا على عامل (٦) يزيد. فأخرجوه، وأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم، ودعا الناس إلى قتال يزيد الناقص، فأجابوه إلى ذلك، وبلغ يزيد ذلك فأرسل إليهم جيشًا مع سليمان بن هشام بن عبد الملك، فَوَعَد كبراء فلسطين ومناهم فتخاذلوا عن يزيد بن سليمان، وأرسل سليمان جيشًا في أثر يزيد بن سليمان فنهبوه، وسار سليمان بن هشام حتى نزل طبرية، واخذ البيعة بها ليزيد

стр. 8701

النّاقص، ثمّ سار حتّى نزل الرملة، وأخذ البيعة بها. ثمّ إنّ يزيد عزل يوسف بن عمر (١) عن العراقين، واستعمل عليه منصور بن جمهور، ووضمَّ إليه مع العراق خراسان، فامتنع نصر بن سيّار عن ذلك (٢). ثمّ عزل يزيد منصور بن جمهور وولاّها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. وفي سنة ستّ وعشرين ومائة أظهر مروان بن محمد الخلاف على يزيد النّاقص. وفاة يزيد بن الوليد بن عبد الملك (٣): في هذه السنة توفّي لعشر بقين من ذي الحجّة (وكانت خلافته خمسة أشهر واثني عشر يومًا. وكان موته) (٤) بدمشق، وعمره ستًا وأربعين سنة. (وكان أسمر طويلا صغير الرّأس جميلا) (٥) ولما مات يزيد قام بعده إبراهيم أخوه، وهو ثالث عشر خلفائهم غير انه لم يتم له الأمر، وكان يسلّم عليه تارةً بالخلافة وتارة بالأمارة، فمكث أربعة أشهر. (وفي هذه السنة: توفّي عبد الرّحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق) (٦) وفيها: توفّي أبو جمرة (٧) صاحب ابن عبّاس، جمرة بالجيم والراء. سنة سبع وعشرين ومائة (٨) فيها: سار (٩) مروان بن محمد بن مروان أمير الجزيرة إلى الشام لخلع إبراهيم

стр. 8702

ولما وصَلَ إلى قنسرين اتفق معه أهْلُها وساروا معه، ولما وصل إلى حمص بايعه أهْلُها وصاروا معه أيضًا، ولما قرب من دمشق بعث إبراهيم الجنود إلى قتاله يقدمهم سليمان بن هشام، وكانت عدتهم مائة وعشرين ألفًا، وعدة عسكر مروان ثمانين ألفًا، فاقتتلوا من ارتفاع النهار إلى العصر، فانهزم عسكر إبراهيم، ووقع القتل فيهم والأسر، وهرب سليمان إلى دمشق، واجتمع مع إبراهيم، وقتلا ابني (١) الوليد بن يزيد، وكانا في السجن، ثم هرب إبراهيم واختفى، ونهب سليمان بن هشام بيت المال وقسمه في أصحابه وخرج من دمشق. بيعة مروان (بن محمد الحمار) (٢): وهو رابع عشر خلفائهم وآخرهم. وفي (٣) (هذه السنة: أعني) سنة سبع وعشرين ومائة، بويع لمروان المذكور في دمشق بالخلافة، ولما استقر له الأمر، رجع إلى منزله بحران وارسل إبراهيم المخلوع وسليمان بن هشام فطلبا من مروان أمانه، فأمنهما، فقدما عليه ومع سليمان إخوته وأهل بيته، فبايعوا مروان. وفي هذه السنة: عصى (٤) أهل حمص مروان فسار مروان إلى حمص وقد سدّ أهْلُها أبوابها، فأحدق بالمدينة، ثم فتحوا له الأبواب، واظهروا طاعته، ثم وقع بينهم قتال، فقتل من أهل حمص خلائق، وهدم بعض سورها وصلب جماعة من أهلها، ولما فتحت حمص جاء الخبر بخلاف أهل الغوطة وأنهم ولوا عليهم يزيد بن خالد القسري (٥)، وحاصروا دمشق، فأرسل مروان عشرة آلاف فارس مع أبي الورد بن الكوثر (٦) وعمرو بن الصباح (٧)، وسارا من حمص فلما قربا من أهل الغوطة حملا عليهم، وخرج مَنْ بالبلد أيضًا عليهم فانهزموا ونهبهم العسكر، وأحرقوا المزة وقرى غيرها. ثم عقب ذلك خالفت (٨) أهل فلسطين، ومقدمهم ثابت بن نعيم، فكتب مروان إلى

стр. 8703

أبي الورد يأمره بالمسير عليه، فسار إليه وهزمه على طبرية، ثم اقتتلوا على فلسطين، فانهزم أيضًا ثابت وتفرّق أصحابه، وأسر ثلاثة من ولده (١)، فبعث بهم أبو الورد إلى مروان، وأعلمه بالنصرة، ثم سار مروان إلى قرقيسيا، فخلعه (٢) سلمان بن هشام، واجتمع إليه من أهل الشام سبعون ألفًا، وعسكر بقنسرين. فسار عليه مروان والتقوا بقنسرين، فانهزم سليمان بن هشام وأصحابه، واتبعتهم خيل مروان يقتلون ويأسرون، فكانت القتلى من عسكر سليمان تزيد على ثلاثين ألفًا، ثم إن سليمان وصل إلى حمص واجتمع إليه أهلها، وبقية المنهزمين، فسار إليهم مروان وهزمهم ثانية، ومضى سليمان إلى تدمر (٣)، وعصى أهل حمص فحاصرهم مروان، ثم طلبوا الأمان وسلموا إلى مروان الوالي الذي عليهم من جهة سليمان بن هشام، فأجابهم مروان وآمنهم (وفي هذه (٤) السنة أعني سنة سبع وعشرين: توفي محمد (٥) بن واسع الأزدي الزاهد). وفيها: مات عبد الله بن اسحاق (٦) مولى الحضرمي من حلفاء عبد شمس، وكنيته أبو بحر، وكان إمامًا في النحو واللغة، وكان يعيب الفرزدق في شعره وينسبه إلى اللحن، فهجاه الفرزدق بقوله: [من الطويل] ولو كان عبد الله مولى هجوتُهُ … ولكنَّ عبد الله مَوْلَى مواليا) (٧) سنة ثمان وعشرين ومائة (٨) فيها: أرسل مروان يزيد بن هبيرة إلى العراق لقتال من به من الخوارج (٩)، وكان

стр. 8704

بخراسان نصر بن سيار والفتنة بها قائمة بسبب دعاة بني العباس. (وفيها: مات عاصم (١) بن أبي النجود الكوفي صاحب القراءة). سنة تسع وعشرين ومائة (٢) فيها: ظهرت دعوة بني العباس بخراسان وكان يختلف أبو مسلم الخراساني من خراسان إلى إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان يسمى ابراهيم الإمام ومنه الى خراسان ليستعلم إبراهيم منه الأحوال. فلما كانت (٣) هذه السنة استدعى إبراهيم أبا مسلم من خراسان، فسار إليه وارسل إليه إبراهيم أن أرسل إلي مامعك من المال مع قحطبة بن شبيب (٤) الطائي، وارجع إلي أمرك من حيث وافاك كتابي، فوافاه الكتاب بقوس (فأمسكه أبو مسلم) (٥) ورجع إلى خراسان فلما وصل إلى مرو أظهر الدعوة لبني العباس، فأجابه الناس، وأرسل إلى كورة خراسان بذلك، وذلك بعد أن سعى فيه مدة طويلة، ووافقه الناس في الباطن، وأظهروه في هذه السنة، وجرى بين أبي مسلم وبين نصر بن سيار مكاتبات ومراسلات (يطول شرحها) (٦) ثم جرى بينهما قتال شديد (٧). وكان أبو مسلم من أهل خطرنية من بلاد الكوفة وسوادها وكان قهرمانًا لإدريس بن معقل العجلي (٨)، إلى أن ولاه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس

стр. 8705

امر استدعاء الناس إلى الدعوة، ثما مات محمد فولاه ابنه ابراهيم الإمام ذلك، ثم الأئمة من ولد محمد، ولما قوى أبو مسلم على نصر إن كلّما لأمره في ازياد (١) وقوة، كتب إلى مروان بن محمد يكلمه بالحال، وأنه يدعو لإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وكتب شعرًا وهو (٢): [الوافر] أرى تحت الرماد وميضَ جَمْرٍ … ويوشك أن يكون له ضِرام (٣) وإن لم يطفها عقلاء قومٍ … يكونُ وقودها جثت وهام (٤) أقول من التعجب ليت شعري … أأيقاظ أمية أم نيام وكان مقام إبراهيم وأهله بالشراة من الشام بقرية يقال لها الحميمة (بضم الحاء وميم مفتوحة) وهي عن الشوبك أقل من يوم، وبينها وبين الشوبك وادي موسى، وهي قبلة الشوبك بغرب ولما بلغ مروان ذلك كتب إلى عامله بالبلقاء أن يسير إليه إبراهيم بن محمد المذكور، فشدّه وثاقًا وجهزه إليه. فأخذه مروان وحبسه في حران حتى مات، وكان مولده سنة اثنتين وثمانين. سنة ثلاثين ومائة (٥) فيها: دخل أبو مسلم قصر الامارة بمرو (٦) في ربيع الآخر، وهرب نصر بن سيار، ثم وصل قحطبة من عند الامام إبراهيم إلى أبي مسلم ومعه لواء عقده له ابراهم، فجعل ابو مسلم قحطبة على مقدمته، وجعل إليه العزل والاستعمال، وكتب إلى الجنود بذلك.

стр. 8706

وفيها (١): توفي ربيعة (٢) الرأي بن فروخ فقيه المدينة. أدرك جماعة من الصحابة وعنه أخذ العلم الإمام مالك بن أنس. سنة إحدى وثلاثين ومائة (٣) فيها: مات نصر بن سيار (٤) بساوة قرب الريّ. وعمره خمس وثمانون سنة. وفيها: توفي أبو حذيفة واصل (٥) بن عطاء الغزال المعتزلي، وكان مولده سنة ثمانين للهجرة، وكان يشتغل على الحسن البصري، ثم اعتزله وخالفه في قوله في أصحاب الكبائر من المسلمين أنهم ليسوا بمؤمنين ولا بكافرين، بل هم بين المنزلتين، فسمي وأصحابه معتزلة (٦) وكان واصل يلثغ بالراء ويتجنب اللفظ بها في كلامه حتى ذكر ذلك الشعراء. فمنه في المديح: [من البسيط] نعم تجنّب لا يوم العطاء كما … تجنّب ابن عطاء لثغة الراء (٧) ولم يكن واصل غزالًا. وإنما كان يلازم الغزالين ليعرف المتعففات من النساء فيحمل صدقته لهنّ. وفيها: أعني سنة احدى وثلاثين توفي بالبصرة مالك بن دينار (٨) من موالي بني سامة بن لؤي (٩) القرشي، العالم الناسك الزاهد، المشهور. وما أحسن ماورى باسم

стр. 8707

مالك المذكور واسم أبيه دينار بعض الشعراء (١) في ملك اقتتل مع أعدائه وانتصر عليهم واسر الرّجال وفرّق الأموال فقال: [من الكامل] اعتَقْتَ منْ أموالهم ما استعبدوا … ومَلَكْتَ رِقّهم وهم أحرار حتى غدا من كان منهم مالكًا … مُتَمنّيا لو أنه دينار سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٢) فيها: سار قحطبة بن شبيب في جيش كثيف من خراسان طالبًا يزيد بن هبيرة أمير العراق من جهة مروان، وسار حتى قطع الفرات (٣)، والتقيا فانهزم ابن هبيرة، وغرق قحطبة، وقام بالأمر بعده حسن بن قحطبة. وفي هذه السنة: بويع أبو العباس السفاح بالخلافة في ربيع الأول بالكوفة بعد مسيره من الحميمة. خلافة أبي العباس السفاح (٤): كان سبب مسيره من الحميمة أن إبراهيم الإمام لما أمْسَكَهُ مروان نعى نفسه إلى أهل بيته، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أبي العباس أخيه، وبالسمع والطاعة له، وأوصى إبراهيم بالخلافة إلى أخيه السفاح، وسارا أبو العباس بأهل بيته منهم المنصور أبو جعفر وغيره إلى الكوفة، فقدم إليها في صفر واستخفى إلى ربيع الأول، وسلّم عليه بالخلافة وعزّي في أخيه إبراهيم، وَدَخَل دار الامارة بالكوفة صبيحة يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول (من هذه السنة) ثم خرج إلى المسجد، فخطب وصلّى بالناس، ثم صعد المنبر، وصعد عمه داود بن علي، فقام دونه، وخطبا الناس (٥)، وحظاهم على الطاعة ثم نزلا، ودخل السفاح القصر، وأجلس (٦) أخاه أبا جعفر (٧) بالمسجد يأخذ له

стр. 8708

البيعة على الناس، ثم خرج السفاح فعسكر بحمام أعين واستخلف على الكوفة عمه داود بن علي، وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام، ثم بعث السفاح عمه عبد الله بن علي إلى شهرزور، واهلها مذعنون بالطاعة لبني العباس، فيها من جهتهم أبو عون عبد الملك (١) بن يزيد الأزدي. وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد إلى الحسن بن قحطبة وهو يومئذ محاصر يزيد بن هبيرة بواسط، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام إلى حميد بن قحطبة أخي الحسن بالمدائن وأقام السفاح في العسكر أشهرًا، ثم ارتحل إلى المدينة الهاشمية، وهي هاشمية الكوفة بقصر الامارة. هزيمة مروان بالزاب وأخباره إلى أن قتل (٢): كان مروان يقال له الجعدي وحمار (الجزيرة) (٣) بحران، فسار منها طالبًا أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي (٤)، المستولي على شهرزور من جهة أبي (٥) العباس، فلما وصل مروان إلى الزاب نزل به وحَفَرَ عليه خندقًا، وكان في مائة ألف وعشرين ألفًا (٦)، وسار أبو عون إلى الزاب بما معه من الجموع، وأرْدَفَهُ السفاح بعساكر في دفوع مع عدة مقدمين منهم سلمة بن عبد الله الطائي، وعمه عبد الله بن علي، ولما قدم عبد الله بن علي على أبي عون تحوّل أبو عون عن سرادقه، وخلاه له بما فيه، ثم إنّ مروان عقد جسرًا على الزاب وعبر إلى جهة عبد الله بن علي، فسار عبد الله بن علي إلى مروان وعلى ميمنته أبو عون الأزدي، وعلى ميسرته الوليد بن معاوية، وكان عسكر عبد الله عشرين ألفًا (٧)، والتقى الجمعان، واشتدّ بينهم القتال. وداخل عسكر مروان الفشل، وصار لا يريد أمرًا إلا دَخَلَهُ الخَلَل حتى تمّت الهزيمة على عسكره، فانهزموا وغرق من أصحابه عدة كثيرة. وكان ممن غرق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك

стр. 8709

المخلوع، وهو يومئذ مع مروان الحمار (١). وكتب عبد الله بن علي إلى السفاح بالفتح، وحوى من عسكر مروان سلاحًا كثيرًا وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة خَلَتْ من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٢)، ولما انهزم من الزاب إلى الموصل سبّه أهلها، وقالوا: الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا، فسار عنها حتى أتى حرّان، فأقام بها نيفًا وعشرين يومًا حتى دنا منه عسكر السفاح. فحمل مروان أهله وعياله ومضى منهزمًا إلى حمص، فقدم عبد الله بن علي حرّان، ثم سار مروان من حمص وأتى دمشق، وسار منها إلى فلسطين، وكان السفاح قد كتب إلى عمه عبد الله بن علي باتباع مروان، فسار في أثره إلى أن وصل دمشق، فحاصرها ودخلها عنوة يوم الأربعاء لخمس مضين من رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٣)، ولما فتح عبد الله بن علي دمشق أقام بها خمسة عشر يومًا، ثم سار عنها إلى فلسطين، فورد عليه كتاب السفاح أن يرسل أخاه صالح بن علي (ابن عبد الله بن عباس) (٤) في طلب مروان، فسار صالح في ذي القعدة من هذه السنة حتى نزل مصر، ومروان منهزم قدامه حتى أدركه في كنيسة بوصير من أعمال مصر، وطعن إنسان مروان فقتله (٥)، وسبق إليه رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتر رأسه، وكان قتله لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ولما أحضر رأسه بين يدي صالح بن علي أمر أن يُنْفَض فانقطع لسانه، فأخذته هرة، فأرسله صالح إلى السفاح، وقال: [من البسيط] قد فتح الله مصرًا عنوةً لكم … وأهلِكَ الفاجر الجعدي إذ ظلما وذاك مقوله هر يجرِّرُهُ … وكانَ رَبُّكَ في ذي الكفر منتقما ثم رجع صالح إلى الشام وخلّف أبا عون بمصر، ولما وصل الرأس إلى السفاح، وهو بالكوفة سجد شكرًا الله تعالى، ولما قُتل مروان هرب ابناه عبد الله وعبيد الله إلى أرض الحبشة فقاتلتهما الحبشة، فقتل عبد الله ونجا عبيد الله في عدة ممن كان معه، وبقي إلى خلافة المهدي، فأخذه نصر بن محمد بن الأشعث عامل فلسطين فبعث به إلى المهدي.

стр. 8710

ولما قُتل مروان حُمِلَتْ نساؤه وبناته إلى بين يدي صالح بن علي، فأمر بحملهنّ إلى حران، فلما رأين منازل مروان رفعن أصواتهن بالبكاء (١). (وكان عمر مروان لما قتل اثنتين وستين سنة، وكانت مدة خلافته خمس سنين وعشرة أشهر ونصفًا، وكان يكنى أبا عبد الملك، وكانت أمه ام ولد كردية، وكان يلقب الجعدي؛ لأنه تعلّم من الجعد بن درهم قوله بخلق القرآن والقدر، وكان مروان أبيض، أشهل، ضخم الهامة، كث اللحية، أبيضها، ربعة، وكان شجاعًا حازمًا وهو آخر الخلفاء من بني أمية) (٢). أخبار من قتل من بني أمية (٣): كان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد أمنه السفاح، وأكرمه، فدخل، سديف (٤) بن ميمون على السفاح وأنشده: [الخفيف] لا يغرنّك ما ترى من رجالٍ … إن تحت الضلوع داء دويا (٥) فضع السيف وارفع السوط (٦) … حتى لا تَرَى فوق ظهرها أمويا فأمر السفاح بقتل سليمان فقتل. وكان قد اجتمع عند عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس جماعة من بني أُميّة نحو تسعين رجلًا، فلما اجتمعوا عند حضور الطعام دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي عم السفاح وأنشده (٧): [الخفيف]

стр. 8711

أصبح الملك ثابت الأساس … بالبهاليل من بني العباس طلبوا وتر هاشم فشفوها … بعد ميلٍ مِنَ الزمان وياس لا تقيل عبد شمس عثارًا … واقطعَن كُلُّ رقلة (١) وغراس ذُلُّها أظهر التودد منها … وبها منكم كحد المواسي ولقد ساءني وساءَ سوائي … قربُهمْ مِنْ نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الله … بدار الهوان والاتعاس وأذكروا مصرع الحسين وزيد … وشهيد بجانب المهراس والقتيل الذي بحرانَ أَضحى … ثاويًا بينَ غُرْبةٍ وتناسي فأمر عبد الله بهم فضربوا بالعمد حتى وقعوا وبَسَطَ عليهم الانطاع ومد الطعام وأكل الناس وهم يسمعون أنينهم حتى ماتوا جميعهم. وأمر عبد الله بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن صخر وقبر ابنه يزيد وقبر عبد الملك بن مروان وقبر هشام بن عبد الملك، فوجد صحيحًا فأمر بصلبه، ثم أحرقه بالنار، وتتبع يقتل بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فلم يفلت منهم غير رضيع أو مَنْ هرب إلى بلاد الأندلس. وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس جماعة من بني أمية وألقاهم على الطريق فأكلتهم الكلاب، ولما رأى من بقي من بني أمية ذلك تشتتوا واختفوا في البلاد. وفي هذه السنة، أعني سنة اثنتين وثلاثين ومائة خلع أبو الورد ابن الكوثر، وكان من أصحاب مروان طاعة (٢) بني العباس، بعد أن كان دخل في طاعتهم فسار إليه عبد الله بن علي وهو بقنسرين في جمع عظيم، واقتتلوا قتالا شديدًا، فانهزم أبو الورد وأصحابه، ثم قُتل أبو الورد، ولما فرغ عبد الله من أبي الورد جدد البيعة على أهل قنسرين، ثم رجع إلى دمشق وقد خرج من بها عن الطاعة، ونهبوا أهل عبد الله بن

стр. 8712

علي، فلما قرب عبد الله بن علي من دمشق هربوا، ثم آمنهم. وفيها (١): ولى السفاح يحيى بن محمد أخاه الموصل، وكان أهلها قد أخرجوا الوالي الذي بها، فسار يحيى إلى الموصل وقَتَلَ من أهْلِها أحد عشر ألف رجل، وأمر بقتل نسائهم وصبيانهم، وكان مع يحيى قائد معه أربعة آلاف زنجي فاستوقفت امرأة من أهل الموصل يحيى وقالت له: ما تأنف للعربيات أن ينكحهن الزنوج، فعمل كلامها فيه، وجمع الزنوج فقتلهم عن آخرهم. وفي هذه السنة: أرسل السفاح أخاه أبا جعفر المنصور واليًا على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية (٢)، وولى عمه داود المدينة ومكة واليمن واليمامة (٣)، وولى ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الكوفة وسوادها (٤). وكان على الشام عمه عبد الله بن علي، وعلى مصر أبو عون بن يزيد، وعلى خراسان (٥) أبو مسلم. سنة ثلاث وثلاثين ومائة فيها (٦): استولى ملك الروم واسمه قسطنطين على ملطية وقاليقلا. وفيها (٧): ولى السفاح عمه سليمان البصرة وكور دجلة والبحرين وعمان. واستعمل عمه (٨) اسماعيل بن علي على الأهواز. وفيها (٩): مات عم السفاح دواد بن علي بالمدينة وولى السفاح مكانه زياد بن عبد الله الحارثي. وفيها (١٠): عزل السفاح أخاه يحيى بن محمد عن الموصل لكثرة قتله فيهم، وولى عليها عمه اسماعيل بن علي.

стр. 8713

سنة أربع وخمس وثلاثين ومائة (١) في سنة أربع: تحول السفاح من الحيرة وكان مقامه فيها إلى الانبار في ذي الحجة (٢). وفي سنة خمس: توفي يحيى أخو السفاح بفارس وكان قد ولاه إياها بعد عزله عن الموصل. سنة ست وثلاثين ومائة (٣) فيها: استأذن أبو مسلم السفاح في القدوم عليه وفي الحج، فإذن له، فحج وحج أبو جعفر المنصور أيضًا، وكان أبو جعفر هو الأمير (٤). موت السفاح (٥): وفي هذه السنة، أعني ست وثلاثين مات السفاح بالأنبار في ذي الحجة بالجدري (وعمره ثلاث وثلاثون سنة) (٦)، فمدة خلافته من لدن قتل مروان اربع سنين. وكان قد بويع له بالخلافة قبل قتل مروان بثمانية أشهر، وكان السفاح طويلا أقنى الأنف أبيض، حسن الوجه واللحية (٧)، وصلّى عليه عمه عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، ودفن بالأنبار العتيقة. خلافة المنصور (٨): وهو ثاني خلفاء بني العباس. كان السفاح قد عقد إلى أخيه أبي جعفر ثم من

стр. 8714

بعده إلى ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، فعقد العهد في ثوب وختم عليه ودفعه إلى عيسى بن موسى، ولما مات السفاح كان أبو جعفر في الحج، فأخذ له البيعة على الناس عيسى بن موسى، وأرسل يعلمه بذلك، وكان أبو مسلم مع أبي جعفر في الحج، فبايع أبو مسلم أبا جعفر وبايعه الناس (١). سنة سبع وثلاثين ومائة (٢) فيها: قدم أبو جعفر من الحج إلى الكوفة، فصلّى بأهلها الجمعة، وخطبهم وسار إلى الأنبار، وأقام بها. وفيها: بايع عبد الله بن علي لنفسه بالخلافة (٣)، وكان أبو مسلم قد قدم من الحج مع المنصور، فأرسله المنصور ومعه الجنود لقتال عمه عبد الله بن علي، وكان عبد الله بأرض نصيبين، فاقتتلا عدّة دفوع، واجتهد أبو مسلم بأنواع الخدائع في قتاله، وداموا كذلك مدّةً، آخرها انهزم عبد الله بن علي وأصحابه في جمادى الآخرة من هذه السنة إلى جهة العراق، واستولى أبو مسلم على عسكره، وكتب بذلك إلى المنصور. قتل أبي مسلم (٤): وفيها: قتل أبو جعفر أبا مسلم الخراساني بسبب وَحْشَةٍ جَرَت بينهما، فإن المنصور كتب إلى أبي مسلم بعد انهزام عبد الله بن علي بالولاية على مصر والشام وصرفه عن خراسان، فلم يُجب أبو مسلم وتوجه إلى خراسان، فسار المنصور من الأنبار إلى المدائن وكتب إلى أبي مسلم يطلبه، فاعتذر عن الحضور، وطالت بينهما مراسلات، وآخرها قدم أبو مسلم على المنصور في ثلاثة آلاف فارس وخلّف باقي عسكره بحلوان، ولما قدم أبو مسلم دَخَلَ على المنصور وقبّل يده وانصرف، فلما كان من الغد ترك المنصور بعض الخدم مع الربيع حاجبه خلف الرواق، وأمرهم إذا صفّق

стр. 8715

بيديه يخرجوا وليقتلوا أبا مسلم، ودعا أبا مسلم فلما حَضَر، جعل المنصور يعدّد ذنوبه وهو يعتذر، ثم صفق المنصور، فخرجوا وقتلوا ابا، مسلم، وكان قتله في شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة، وكان أبو مسلم قتل في مدة دولته ستمائة ألف صبرًا. سنة ثمان وثلاثين ومائة فيها (١): خرج قسطنطين ملك الروم إلى بلاد الاسلام، فأخذ ملطية عنوة وأخَذَ يهدم سورها، وعفا عمن فيها من المقاتلة (٢) (وقد مَرَّ فيما تقدم نحو ذلك) (٣). وفيها (٤): وسع المنصور في المسجد الحرام. سنة تسع وثلاثين ومائة ابتداء الدولة الأموية بالأندلس (٥): وفي هذه السنة: دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان إلى الاندلس (٦). فيها (٧): ظفر المنصور بعمه عبد الله بن علي وكان متخفيًا عن أخيه سليمان بن علي، فأعْدَمَة. سنة أربعين ومائة (٨) فيها: أرسل المنصور عبد الوهاب ابن أخيه إبراهيم الإمام والحسن بن قحطبة في سبعين ألف مقاتل ليعمروا ملطية، فعمروها في ستة أشهر (٩)، وسار إليهم ملك الروم في مائة ألف مقاتل حتى نزل على نهر جيحان فبلغه كثرة المسلمين فرجع.

стр. 8716

وفيها: حج (١) المنصور، وتوجه إلى البيت المقدس، ثم إلى الرقة، وعاد إلى هاشمية الكوفة. وفيها: أمر المنصور بعمارة سور المصيصة وبنى بها مسجدًا جامعًا وأسكنها ألف جندي، وسماها المعمورة (٢). سنة إحدى وأربعين ومائة (٣) فيها: كان خروج الراوندية على المنصور (٤)، وهم قوم من أهل خراسان على مذهب أبي مسلم الخراساني، يقولون بالتناسخ، فيزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك (٥)، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو الخليفة، فلما ظهروا وأتوا إلى قصر المنصور قالوا: هذا قصر ربنا، فحبس المنصور رؤساءهم، وهم مائتان، فغضب أصحابهم، وأخذوا نعشًا، وحملوه، ومشوا به على أنهم ماشون في جنازة، حتى بلغوا باب الحبس، فرموا بالنعش، وكسروا باب السجن، وأخرجوا رؤساءهم، ثم قصدوا المنصور وهم نحو ستمائة رجل، فتنادى الناس، وأُغْلِقَتْ الأبواب في المدينة، وخرج المنصور ماشيًا، واجتمع إليه الناس، وكان معن بن زائدة الشيباني مستخفيًا من المنصور، فَحَضَر وقاتل الراوندية بين يدي المنصور، فعفا عنه، وقتل في ذلك اليوم الراوندية جميعهم. سنة اثنتين وأربعين ومائة إلى سنة خمس وأربعين (٦) فيها، أي اثنتين: مات عم المنصور سليمان بن علي (٧).

стр. 8717

وفي سنة خمس: حبس المنصور من بني الحسن بن علي أحد عشر رجلًا وقيدهم (١). وفيها: مات عبد الله بن شبرمة بن عبيد المعتزلي الزاهد، وعقيل بن خالد صاحب الزهري. وفي سنة خمس: ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ﵃ (٢)، واستولى على المدينة تبعه أهلها، فأرسل المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى إليه، فوصل المدينة وخَنْدَق محمد على نفسه موضع خندق رسول الله ﷺ للأحزاب، وجرى بينهما قتال آخره أن محمد بن عبد الله قتل هو وأصحابه، وأخذ (٣) من سلم منهم، وكان محمد سمينًا أسمر شجاعًا كثير الصيام والصلاة، وكان يلقب المهدي والنفس الزكية. ولما قتل أقام عيسى بن موسى أيامًا بالمدينة، ثم سار عنها في أواخر رمضان إلى مكة. وفي هذه السنة (٤): ابتدأ المنصور في بناء بغداد، وسبب ذلك أن المنصور كره سكنى الهاشمية التي بناها بنواحي الكوفة، لما ثار عليه الراوندية، وكرهها أيضًا لجوار أهل الكوفة، فإنه كان لا يأمن على نفسه منهم، فخرج يرتاد موضعًا، فاختار موضع بغداد، وابتدأ في بنائها سنة خمس وأربعين ومائة. ظهور ابراهيم العلوي (٥): وفي هذه السنة، في رمضان ظهر ابراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن (٦).

стр. 8718

علي بن أبي طالب أخو محمد النفس الزكية، وكان مستخفيًا هاربًا من بلد إلى بلد والمنصور يجتهد على الظفر به، فقدم البصرة، ودعا الناس إلى نفسه فبايعه جماعة منهم: مرة العبشمي (١)، وعبد الواحد بن زياد (٢)، وعمرو (٣) بن سلمة الهجيمي، وعبد الله بن يحيى الرقاشي (٤)، وأجابه جمع من الفقهاء وأهل العلم حتى احصى ديوانه أربعة آلاف (٥)، وكان أمير البصرة سفيان بن معاوية (٦) فلما رأى اجتماع الناس على ابراهيم تحصن في دار الامارة بجماعة، فقصده ابراهيم محاصرًا له، فطلب سفيان الأمان فآمنه ابراهيم، ودخل ابراهيم القصر، فجاء يجلس على حصير فرش هناك، فقلبتها الريح، فتطير الناس، فقال: إنا لانتطيّر، وجلس عليها مقلوبة، وَوَجَدَ ابراهيم في بيت المال ألفي ألف درهم، فاستعان بها، وفرض لأصحابه خمسين خمسين، ومضى ابراهيم بنفسه إلى دار زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين، فنادى هناك لأهل البصرة بالأمان، وأن لا يتعرض إليهم أحد، ولما استقرّت البصرة لابراهيم، أرسل جماعة فاستولوا على الأهواز، ثم أرسل هارون بن سعد العجلي (٧)، في سبعة عشر الفًا إلى واسط، فملكها، ولم يزل كذلك يفرق العمال والجيوش حتى أتاه الخبر بمقتل أخيه قبل عيد الفطر بثلاثة أيام ثم ان ابراهيم أجْمَعَ على المسير إلى الكوفة، وسار من البصرة وقد أحصى ديوانه مائة ألف حتى نزل باخمرا

стр. 8719

وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخًا. وكان المنصرو قد استدعى عيسى بن موسى من الحجاز، فحضر وجعله في جيش قبالة ابراهيم، وجرى بينهما قتال شديد انهزم فيها غالب عسكر عيسى بن موسى، ثم تراجعوا ووقعت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، وثبت هو في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة، فجاء سهم في حلقوم إبراهيم فتنحى عن موقفه، وقال: اردنا أمرًا وأراد الله غيره، واجتمع عليه أصحابه وأنزلوه، واجتمع عليه عسكر عيسى ففرّقوا اصحابه، واحتروا رأسه وأتوا به عيسى فسجد شكرًا الله تعالى، وبعث به إلى المنصور وكان مقتله في خامس عشر ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة وعُمر ثمانيًا وأربعين سنة. سنة ست وأربعين ومائة (١) فيها: تحول المنصور إلى بغداد ليكمل عمارتها، واستشار أصحابه ومنهم خالد بن برمك في نقض إيوان كسرى (٢) والمدائن، ونقل ذلك إلى بغداد، فقال خالد: لا أرى ذلك فإنه من أعلام المسلمين (٣)، فقال المنصور: مِلْتَ يا خالد إلى اصحابك العجم، وأمر المنصور بنقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه فكان ما يغرمون على نقضه أكثر من قيمة المنقوض، فتركه، فقال خالد: فإني لا أرى إبطال نقضه لئلا يقال: إنك عجزت عن تخريب ما بناه غيرك، فلم يلتفت المنصور وترك هدمه، ونقل المنصور أبواب مدينة واسط إلى بغداد. وجعل المنصور مدينة بغداد مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وبنى قصره في وسطها، والجامع إلى جانب القصر. سنة سبع وأربعين إلى خمسين (٤) وفيها: خلع المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس من ولاية العهد، وبايع لابنه المهدي محمد (٥)

стр. 8720

وفي سنة ثمان ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك (١). وفيها: ولى المنصور خالد بن برمك الموصل، وكان ولد الفضل قبل مولد الرشيد بتسعة أيام، فأرضعته خيزران أم الرشيد. وفيها: توفي جعفر الصادق بن (محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وجعفر الصادق) (٢) أحد الأئمة الاثني عشر (٣) على رأي الامامية فإنه قد تقدم علي بن أبي طالب ثم ابناه الحسنان ثم زين العابدين والباقر ثم جعفر الصادق وسنذكر (٤) الباقين إن شاء الله تعالى، وسمى الصادق لصدقه، وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر والفأل وولد سنة ثمانين، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة بالمدينة (٥)، ودفن بالبقيع (٦)، وأمه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ اجمعين. وفيها: توفي أبو محمد عبد الرحمن أبو ليلى القاضي (٧). وفي سنة تسع واربعين: مات مسلم بن قتيبة بالري، وكان مشهورًا عظيم القدر وفيها: مات كهمس بن الحسن التميمي البصري (٨)، وعيسى بن عمر الثقفي (٩) وعنه أخَذَ الخليل النحو.
следующие страницы →