← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

وفيها: حج (١) المنصور، وتوجه إلى البيت المقدس، ثم إلى الرقة، وعاد إلى هاشمية الكوفة. وفيها: أمر المنصور بعمارة سور المصيصة وبنى بها مسجدًا جامعًا وأسكنها ألف جندي، وسماها المعمورة (٢). سنة إحدى وأربعين ومائة (٣) فيها: كان خروج الراوندية على المنصور (٤)، وهم قوم من أهل خراسان على مذهب أبي مسلم الخراساني، يقولون بالتناسخ، فيزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك (٥)، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو الخليفة، فلما ظهروا وأتوا إلى قصر المنصور قالوا: هذا قصر ربنا، فحبس المنصور رؤساءهم، وهم مائتان، فغضب أصحابهم، وأخذوا نعشًا، وحملوه، ومشوا به على أنهم ماشون في جنازة، حتى بلغوا باب الحبس، فرموا بالنعش، وكسروا باب السجن، وأخرجوا رؤساءهم، ثم قصدوا المنصور وهم نحو ستمائة رجل، فتنادى الناس، وأُغْلِقَتْ الأبواب في المدينة، وخرج المنصور ماشيًا، واجتمع إليه الناس، وكان معن بن زائدة الشيباني مستخفيًا من المنصور، فَحَضَر وقاتل الراوندية بين يدي المنصور، فعفا عنه، وقتل في ذلك اليوم الراوندية جميعهم. سنة اثنتين وأربعين ومائة إلى سنة خمس وأربعين (٦) فيها، أي اثنتين: مات عم المنصور سليمان بن علي (٧).

стр. 8717

وفي سنة خمس: حبس المنصور من بني الحسن بن علي أحد عشر رجلًا وقيدهم (١). وفيها: مات عبد الله بن شبرمة بن عبيد المعتزلي الزاهد، وعقيل بن خالد صاحب الزهري. وفي سنة خمس: ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ﵃ (٢)، واستولى على المدينة تبعه أهلها، فأرسل المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى إليه، فوصل المدينة وخَنْدَق محمد على نفسه موضع خندق رسول الله ﷺ للأحزاب، وجرى بينهما قتال آخره أن محمد بن عبد الله قتل هو وأصحابه، وأخذ (٣) من سلم منهم، وكان محمد سمينًا أسمر شجاعًا كثير الصيام والصلاة، وكان يلقب المهدي والنفس الزكية. ولما قتل أقام عيسى بن موسى أيامًا بالمدينة، ثم سار عنها في أواخر رمضان إلى مكة. وفي هذه السنة (٤): ابتدأ المنصور في بناء بغداد، وسبب ذلك أن المنصور كره سكنى الهاشمية التي بناها بنواحي الكوفة، لما ثار عليه الراوندية، وكرهها أيضًا لجوار أهل الكوفة، فإنه كان لا يأمن على نفسه منهم، فخرج يرتاد موضعًا، فاختار موضع بغداد، وابتدأ في بنائها سنة خمس وأربعين ومائة. ظهور ابراهيم العلوي (٥): وفي هذه السنة، في رمضان ظهر ابراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن (٦).

стр. 8718

علي بن أبي طالب أخو محمد النفس الزكية، وكان مستخفيًا هاربًا من بلد إلى بلد والمنصور يجتهد على الظفر به، فقدم البصرة، ودعا الناس إلى نفسه فبايعه جماعة منهم: مرة العبشمي (١)، وعبد الواحد بن زياد (٢)، وعمرو (٣) بن سلمة الهجيمي، وعبد الله بن يحيى الرقاشي (٤)، وأجابه جمع من الفقهاء وأهل العلم حتى احصى ديوانه أربعة آلاف (٥)، وكان أمير البصرة سفيان بن معاوية (٦) فلما رأى اجتماع الناس على ابراهيم تحصن في دار الامارة بجماعة، فقصده ابراهيم محاصرًا له، فطلب سفيان الأمان فآمنه ابراهيم، ودخل ابراهيم القصر، فجاء يجلس على حصير فرش هناك، فقلبتها الريح، فتطير الناس، فقال: إنا لانتطيّر، وجلس عليها مقلوبة، وَوَجَدَ ابراهيم في بيت المال ألفي ألف درهم، فاستعان بها، وفرض لأصحابه خمسين خمسين، ومضى ابراهيم بنفسه إلى دار زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين، فنادى هناك لأهل البصرة بالأمان، وأن لا يتعرض إليهم أحد، ولما استقرّت البصرة لابراهيم، أرسل جماعة فاستولوا على الأهواز، ثم أرسل هارون بن سعد العجلي (٧)، في سبعة عشر الفًا إلى واسط، فملكها، ولم يزل كذلك يفرق العمال والجيوش حتى أتاه الخبر بمقتل أخيه قبل عيد الفطر بثلاثة أيام ثم ان ابراهيم أجْمَعَ على المسير إلى الكوفة، وسار من البصرة وقد أحصى ديوانه مائة ألف حتى نزل باخمرا

стр. 8719

وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخًا. وكان المنصرو قد استدعى عيسى بن موسى من الحجاز، فحضر وجعله في جيش قبالة ابراهيم، وجرى بينهما قتال شديد انهزم فيها غالب عسكر عيسى بن موسى، ثم تراجعوا ووقعت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، وثبت هو في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة، فجاء سهم في حلقوم إبراهيم فتنحى عن موقفه، وقال: اردنا أمرًا وأراد الله غيره، واجتمع عليه أصحابه وأنزلوه، واجتمع عليه عسكر عيسى ففرّقوا اصحابه، واحتروا رأسه وأتوا به عيسى فسجد شكرًا الله تعالى، وبعث به إلى المنصور وكان مقتله في خامس عشر ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة وعُمر ثمانيًا وأربعين سنة. سنة ست وأربعين ومائة (١) فيها: تحول المنصور إلى بغداد ليكمل عمارتها، واستشار أصحابه ومنهم خالد بن برمك في نقض إيوان كسرى (٢) والمدائن، ونقل ذلك إلى بغداد، فقال خالد: لا أرى ذلك فإنه من أعلام المسلمين (٣)، فقال المنصور: مِلْتَ يا خالد إلى اصحابك العجم، وأمر المنصور بنقض القصر الأبيض، فنقضت ناحية منه فكان ما يغرمون على نقضه أكثر من قيمة المنقوض، فتركه، فقال خالد: فإني لا أرى إبطال نقضه لئلا يقال: إنك عجزت عن تخريب ما بناه غيرك، فلم يلتفت المنصور وترك هدمه، ونقل المنصور أبواب مدينة واسط إلى بغداد. وجعل المنصور مدينة بغداد مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وبنى قصره في وسطها، والجامع إلى جانب القصر. سنة سبع وأربعين إلى خمسين (٤) وفيها: خلع المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس من ولاية العهد، وبايع لابنه المهدي محمد (٥)

стр. 8720

وفي سنة ثمان ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك (١). وفيها: ولى المنصور خالد بن برمك الموصل، وكان ولد الفضل قبل مولد الرشيد بتسعة أيام، فأرضعته خيزران أم الرشيد. وفيها: توفي جعفر الصادق بن (محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وجعفر الصادق) (٢) أحد الأئمة الاثني عشر (٣) على رأي الامامية فإنه قد تقدم علي بن أبي طالب ثم ابناه الحسنان ثم زين العابدين والباقر ثم جعفر الصادق وسنذكر (٤) الباقين إن شاء الله تعالى، وسمى الصادق لصدقه، وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر والفأل وولد سنة ثمانين، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة بالمدينة (٥)، ودفن بالبقيع (٦)، وأمه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ اجمعين. وفيها: توفي أبو محمد عبد الرحمن أبو ليلى القاضي (٧). وفي سنة تسع واربعين: مات مسلم بن قتيبة بالري، وكان مشهورًا عظيم القدر وفيها: مات كهمس بن الحسن التميمي البصري (٨)، وعيسى بن عمر الثقفي (٩) وعنه أخَذَ الخليل النحو.

стр. 8721

وفي سنة خمسين ومائة (١) بنى عبد الرحمن الأموي سور قرطبة. وفيها: مات جعفر بن أبي جعفر المنصور (٢). وفيها: مات أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زوطا مولى تيم الله بن ثعلبة. وكان زوطا من أهل كابل، وقيل: بابل (٣) وهو الذي مسّه الرق فأعتق، وولد له ثابت على الاسلام، وقال اسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: ما وقع علينا رق قط وروى أن ثابتًا أبا أبي حنيفة أتى إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو صغير فدعا له بالبركة وفي ذريته، وقيل في نسب أبي حنيفة غير ذلك، فقيل هو النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، فإن جده النعمان بن المرزبان أهدى إلى علي ﵁ يوم المهرجان فالوذجًا، فقال له علي: مهرجونا في كل يوم. وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصحابة، وهم، أنس بن مالك (٤)، وعبد الله بن أبي أوفى (٥) بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي (٦) بالمدينة، وابو الطفيل عامر (٧) بن واثلة بمكة ولم يلق أحدًا (منهم ولا) أخَذَ عنه، وأصحابه يقولون لقى جماعة من الصحابة وأخَذَ عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل. وكان أبو حنيفة عالمًا زاهدًا وَرِعًا، راوده أبو جعفر المنصور في ولاية القضاء فامتنع، وكان حسن الوجه، ربعة، وقيل طويلا حسن المنطق، قال الشافعي لمالك:

стр. 8722

هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم (رأيت) (١) رجلًا لو كلمته في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته. وكان يصلي غالب الليل، حتى قيل: إنه صلى الصبح بوضوء عشاء الآخرة أربعين سنة، وختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة، وكان يُعاب بقلة العربية. وولادته سنة ثمانين للهجرة، وقيل سنة إحدى وستين، وكانت وفاته ببغداد في السجن ليلي القضاء، فلم يَفْعَل، وقيل كانت وفاته يوم ولد الشافعي/ ٢٦٨/ وذلك في رجب من هذه السنة، وقبره ببغداد مشهور. وفيها: مات محمد بن إسحاق (٢) صاحب المغازي، وكان ثبتًا في الحديث عن اكثر العلماء، وقد ذكره البخاري في تاريخه ولم يرو عنه. وكذلك مسلم لم يخرج عنه إلا حديثًا واحدًا في الرجم، وإنما لم يرو عنه البخاري لطعن الامام مالك بن أنس فيه (٣)، وكانت وفاة ابن اسحاق ببغداد. وفيها: مات مقاتل (٤) بن سليمان البلخي المفسر. سنة إحدى وخمسين إلى ستين ومائة (٥) في سنة احدى وستين ولي المنصور هشام بن عمر التغلبي على السند، وكان عليها عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة الأزدي، فعزله وولاه إفريقية، وكان يلقب عمر بن حفص هزار مرد أي ألف رجل (٦).

стр. 8723

وفيها: بنى المنصور الرصافة للمهدي ابنه (١)، وهي في الجانب الشرقي من بغداد، وحوّل إليها قطعة من جيشه. وفيها: قتل معن بن زائدة الشيباني بسجستان في بست (٢)، وكان المنصور قد استعمله (٣)، وقتله جماعة من الخوارج، وهجموا عليه في بيته وهو يحتجم، وقام بالأمر من بعده ابن أخيه يزيد بن مزيد الشيباني (٤). وفي سنة اثنتين وخمسين (٥): غزا حميد بن قحطبة كابل، وكان أمير خراسان (٦). وفي سنة أربع: توفي بالكوفة أبو عمرو (٧) بن العلاء بن عمار من ولد الحصين التميمي المازني البصري، وكانت ولادته سنة سبعين (٨)، واسمه كنيته، وهو أحد القراء السبعة، وكان أعلم الناس بالقرآن الكريم. وفيها: سار المنصور إلى الشام، وجهز جيشًا إلى المغرب لقتال الخوارج بها (٩). وفيها: مات أشعب الطامع (١٠).

стр. 8724

وفيها: مات وهيب بن الورد المكي (١) الزاهد. وفي سنة خمس وخمسين (٢): عمل المنصور لبلدي الكوفة والبصرة سورين وخندقين وجعل ما أنفق فيه من أموال أهلها، ولما أراد المنصور معرفة عددهم أمر أن يقسم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم، ثم جبى منهم أربعين فقال شاعرهم: [من مجزوء الرمل] يا لَقَومي ما لَقينا … مِنْ أَميرِ المُؤمنينا (٣) قَسَمَ الخَمسَةَ فينا … وَجَبانا أربَعينا وفي سنة ست وخمسين (٤): توفي حمزة بن حبيب بن عمارة الكوفي المعروف بالزيات (٥)، أحد القراء السبعة، وعنه أَخَذَ الكسائي القراءة، وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان ويحلب الجوز (٦) من حلوان إلى الكوفة، فقيل له الزيات لذلك. وفي سنة سبع وخمسين: مات الأوزاعي (٧) الفقيه واسمه عبد الرحمن بن عمرو وعمره سبعون سنة وكنيته أبو عمرو، وكان يسكن بيروت وبها توفي وولد ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، وكان يخضب بالحناء، وكان إمام أهل الشام. قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وقبره في قرية على باب بيروت يقال لها: خنتوس، وأهل القرية لا يعرفونه، وإنما يقولون: ههنا رجل صالح، والأوزاعي منسوب إلى وازع بطن من ذي كلاع، وقيل بطن من همدان.

стр. 8725

موت المنصور (١): وفي سنة ثمان وخمسين: مات المنصور، وهو المنصور بالله عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. (وكانت وفاته في هذه السنة لست خلون من ذي الحجة ببئر ميمونة) (٢). وكان (٣) قد خرج من بغداد للحج، فسار معه ابنه المهدي فقال له المنصور: إني ولدت في ذي الحجة، ووليت في ذي الحجة، وهجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، وهو الذي حدا بي إلى الحج فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، ووصاه وصية طويلة، ثم ودّعه وبكيا، وسار إلى الحج. ومات (٤) ببئر ميمونة محرما في التاريخ الذكور، وكان مرضه القيام، وكان عمره ثلاثا وستين سنة، ومدة خلافته اثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر وكسرًا، وكان المنصور اسمر نحيفًا، خفيف العارضين، ولد بالحميمة من أرض الشراة، ودفن بمقابر دار المعلى، وبقي أثر الاحرام، فدفن ورأسه مكشوف (٥). ومما يحكى (٦) عنه في حجة. قيل: بينا الخليفة المنصور يطوف في بالكعبة ليلًا إذ سمع قائلًا يقول: اللهم إني اشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. فخرج المنصور ودعا القائل وسأله عن قوله، فقال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني أنبأتك بالأمور على جليتها وأصولها، فأمنه، فقال: إن الذي دَخَلَهُ الطمع حتى حال بين الحق وأهله هو أنت يا أمير المؤمنين، فقال المنصور: ويحك، كيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ فقال الرجل: إن الله استرعاك المسلمين وأموالهم. فجعلت بينك وبينهم حجابًا من الجص والآجر وأبوابًا من الحديد، وحجابًا معهم الأسلحة، وأمرتهم أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف ولا الجائع والعاري وما

стр. 8726

أحَدٌ إِلا وَلَهُ من هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وأمرتهم على رعيتك تجبي الأموال فلا تقسمها (١)، قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه، وقد سخر لنا نفسه، فاتفقوا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا نفوه (٢) حتى تسقط منزلته ويصغر قدره، فلما انتشر ذلك عنهم وعنك عظمهم الناس وهابوهم، وكان أوّل من صانعهم عمالك بالهدايا ليتقوّوا بهم على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والقوة (٣) من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلمًا (٤) وصار هؤلاء القوم شركاؤك في سلطانك، وأنت غافل، فإن جاء متظلم، حيل بينه وبينك، لأنك قد منعت من ذلك، وجعلت رجلًا يتحدث في المظالم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه وهو يدافعه خوفًا من بطانتك، فإذا صرخ بين يديك، ضُرب ضربًا شديدًا، ليكون نكالًا لغيره، وأنت تنظر ولا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا، فإن كنت (٥) تجمع المال لولدك، فقد أراك الله في الطفل يسقط من بطن أمه وما له في الأرض، مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى يعظم رغبة الناس إليه، ولست الذي يعطي وإنما الله تعالى يعطي من يشاء بغير حساب. وإن قلت: إنما أجمع المال لتسديد الملك وتقويته، فقد أراك الله بني أمية ما أغنى عنهم ماجمعوه من الذهب والفضة، وما أعدوه من الرجال والسلاح حتى (٦) أراد الله تعالى لهم ما أراد، وإن قلت إنما أجمعه لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فوالله مافوق منزلتك إلا منزلة لا تُنال بخلاف ما أنت عليه (فاستحسن المنصور كلامه) (٧). وكان المنصور أحسن الناس خلقًا في الخلوة حتى يخرج إلى الناس. وكان له من الأولاد: المهدي وجعفر الأكبر مات في حياة أبيه وسليمان وعيسى ويعقوب وجعفر الأصغر، وصالح المسكين. خلافة المهدي بالله (٨) محمد بن المنصور، وهو ثالث بني العباس.

стр. 8727

ووصل إليه الخبر بوفاة أبيه وبالبيعة له في منتصف ذي الحجة؛ لأن القاصد وصل من مكة إلى بغداد في أحد عشر يومًا، فبايعه أهل بغداد. وفي سنة ستين: أمر المهدي بردّ نسب آل زياد الذي استلحقه معاوية إلى عبيد الرومي، وأخرجهم من قريش فأخرجوا من ديوان قريش وردوهم إلى ثقيف (١). وفيها: حج المهدي وفرق في الناس أموالًا عظيمة، ووسع مسجد رسول الله ﷺ ، وحمل الثلج إلى مكة (٢). وفيها: مات داود الطائي (٣) الزاهد من أصحاب أبي حنيفة. وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي (٤). وفيها: توفي الخليل بن أحمد البصري (٥) النحوي أستاذ سيبويه. آخر (٦) السفر الخامس والعشرين من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر السادس والعشرين سنة احدى وستين ومائة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين حسبنا الله ونعم الوكيل ***

стр. 8728

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين. وبعد، فهذا هو الجزء السادس والعشرون من موسوعة ابن فضل الله العمري: (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار). ويعتبر هذا الجزء مكملًا لجزئي الموسوعة (٢٤) و (٢٥) ومتصلًا بما يليه، وقد اختصت هذه الأجزاء بتاريخ ما قبل الإسلام وامتدت إلى عصر المؤلف. أرخ هذا الجزء الفترة من سنة ١٦١ هـ وسنة ٥٤٠ هـ، وقد تحدث خلاله عن البرامكة والإيقاع بهم، وابتداء دولة بني زياد في اليمن والقرامطة، والدولة الفاطمية بمصر، وملك بني بويه، ثم السلاجقة، ودولة الملثمين، وبيت خوارزم شاه، وأمر ابن تومرت، وعبد المؤمن، وهو بذلك يؤرخ للخلافة الإسلامية في حاضرتها بغداد، ثم للدول التي ظهرت في أطراف العالم الإسلامي منفصلة عن الخلافة أو متصلة بها بالاسم. اعتمد المؤلف في تدوين الأحداث على تاريخ أبي الفداء الذي نقل أغلب تاريخه عن الكامل في التاريخ لأبن الأثير، وبذلك فقد اتبع طريقة الحوليات، إلا أنه خرج عنها في مواضع كثيرة، حين تحدث على الدول التي ظهرت في أطراف الدولة الإسلامية، فاسترسل في سرد الأحداث ولم يقف عند أحداث سنة بعينها. كما أنه أضاف على ما أورده أبو الفدا بعض النصوص الأدبية التي قيلت في بعض المناسبات. النسخ المعتمدة: اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على نسختين: الأولى: النسخة التي نشرها الدكتور فؤاد سركين مصورة عن مخطوطة يازمه

стр. 8729

باغشلر تحت رقم ١٩١٧ - مكتبة السليمانية - استانبول. وهي نسخة تامة كتبت بخط واضح مقروء، وبقلم واحد، وحروفها معجمة ولم يتخللها سقط أو بياضات. وتقع في ٣٧٩ صفحة تشتمل الصفحة على (١٩) سطرًا، وفي نهايتها اسم الناسخ وهو محمد بن شكر الشافعي، وتاريخ النسخ وهو ٧٤٦ هـ، فالنسخة إذن كتبت في حياة المؤلف. وقد شطب على كثير من الأخبار التي تضمنتها أحداث السنين، وواضح أن المؤلف أراد أن يؤرخ الأحداث السياسية وما يتصل بها من معارك ونزاعات وتحركات ذوي المناصب والمهام السياسية، فشطب على ما لا يتصل بالسياسية، فقد شطب على وفيات الأعلام من فقهاء ومحدثين وأدباء وشعراء، كما شطب على ما لا يتصل بالسياسية من أخبار أرباب الدول وذوي المناصب وقد سميت هذه النسخة بالأصل. النسخة الثانية: نسخة مصورة عن مكتبة أحمد الثالث - استانبول تحت رقم ٣٤٣٨ وهي مكتوبة بخط واضح جميل، وأكاد أجزم أنها منقولة عن النسخة الأصل، ودليلي على ذلك أن الناسخ حذف الأخبار المشطوب عليها في الأوراق الأولى من الجزء، ثم شطب عليها أيضًا فيما بعد، كما أن الناسخ رسم الكلمات المصحفة في الأصل التي لم يستطيع قراءتها مثلما وردت في الأولى دون محاولة فهم معانيها. وبذلك لم تفدني هذه النسخة في ضبط النص كثيرا. وقد رمزت لها بحرف (خ). ان النسخة الأصل كتبت في عصر المؤلف، وأحسب أن المؤلف طلب من الناسخ أن ينتسخ له أحداث هذا الجزء من تاريخ أبي الفداء، وحين أعاد هو النظر فيه شطب على ما لم يرد إثباته فيه من أحداث. منهجي في التحقيق: ولم يكن الناسخ ضليعًا في اللغة، ويبدو كذلك أنه كان على عجلة من أمره، فسقطت جراء عجلته كلمات كثيرة، وربما تجاوزت السطر، وقد أكملت السقط من مصادر الخبر، كما حاولت الإشارة إلى ما جانب فيه قواعد اللغة وأشرت إلى مصادر الأخبار وعرفت بالأعلام والمواضع والمصطلحات ما وجدت إلى ذلك سبيلا. أرجو أن أكون قد وفيت هذا الجزء حقه من الضبط والتحقيق. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المسيب - العراق مهدي ع. الحسين النجم ٢٠ محرم ١٤٢٥ هـ ١١/¬٣/¬٢٠٠٤ م

стр. 8730

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ يسِّر سنة إحدى وستين ومائة فيها (١): أمر المهدي (٢) باتخاذ المصانع في طريق مكة، وبتجديد الأميال والبرك، وبحفر الركايا، وبتقصير المنابر، وجعلها بقدر منبر رسول الله ﷺ . وفيها (٣): جَعَلَ المهدي يحيى (٤) بن خالد بن برمك مع ابنه هارون، وجعل مع موسى الهادي أبان (٥) بن صدقة. وفيها (٦): توفي سفيان (٧) الثوري ومولده سنة سبع وتسعين. وفيها (٨): توفي إبراهيم (٩) بن أدهم بن منصور الزاهد، وكان مولده ببلخ، وانتقل إلى الشام، فأقام به مرابطًا، وهو من بكر بن وائل. قال إبراهيم بن يسار: سألت إبراهيم بن أدهم، كيف كان بدء أمرك حتى صرت إلى هذا؟ قال: غير هذا أولى بك. فما زلت ألح عليه حتى قال: إني من ملوك خراسان، وكان قد حبّب إلي الصيد، فبينا

стр. 8731

أنا راكب فرسًا، وكلبي معي. إذْ تحركت على صيد، فسمعت نداءً من ورائي: يا إبراهيم، ليس لهذا خُلِقْتَ [ولا بِهِ أمرت فوقفت مقشعرًا أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدًا] (١) فقلتُ لعن الله إبليس. ثم حركت فرسي. فسمعتُ من قربوس سرجي: يا إبراهيم ليس لهذا ولا بِهِ أمرت. [فوقفت] (٢) وقلت: هيهات، جاءني النذير من رب العالمين. والله لا عصيت ربي. فتوجهت إلى أهلي وجئت إلى بعض الرعاة (٣)، فاخذتُ جبته وكساءه، وألقيت إليه بثيابي، ثم سرتُ حتى صرتُ إلى العراق، ثم صرتُ إلى الشام. ثم قدمت إلى طرسوس (٤)، فاستأجرني شخص ناطورًا لبستان. فمكثتُ أيامًا كثيرة فلما اشتهرت، استترتُ من الناس. وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده وحفظ البساتين. ﵀. سنة اثنتين وثلاث وستين ومائة في (٥) سنة ثلاث: تجهز المهدي لغزو الروم، وجمع العساكر (٦) وعسكر بالبردان (٧) وسار عنها، وكان استخلف في بغداد موسى الهادي، واستصحب معه هارون الرشيد ولَدَهُ الآخر، فلما وَصَلَ المهدي إلى حلب بَلَغَه أن فيها زنادقة فجمعهم وقتلهم وقطع كتبهم، وسار إلى جيحان وجهز ابنه هارون بالعسكر إلى الغزو، فتغلغل هارون في بلاد الروم. وفتح فتوحًا كثيرة، ثم عاد منتصرًا. وفيها (٨): قتل المقنع الخراساني، واسمه عطا، وكان من حديثه: أنه كان رجلًا ساحرًا خيل للناس صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين. وإلى هذا أشار ابن سناء الملك (٩) بقوله (١٠): [من الطويل]

стр. 8732

إليكَ فما بَدْرُ المُقَنَّعِ طالِعًا … بأَسْمَرَ مِنْ أَلْحَاظِ بَدْرِي المُعَمَّمِ وادَّعى المُقَنَّعُ الربوبية، وأطاعه جماعة كثيرة، وقال: إنَّ اللهَ حلَّ في آدم، ثم في نوح، ثم في نبي بعد آخر حتى حلَّ فيه، وعمر قلعة تسمى سنامًا (١) بما وراء النهر من رستاق كيش (٢)، وتحصن بها، ثم اجتمع عليه الناس، وحصروه في قلعته، فسقى نساءه سمًا فمتن، ثم تناول منه فمات، في السنة المذكورة، أخزاه الله تعالى. فدخل المسلمون قلعته، وقتلوا أشياعه وكان المقنّع في مبدأ أمره من أهل مرو. وكان مشوّه الخلق أعور قصيرًا. وكان لا يسفر عن وجهه. بل اتخذ له وجهًا من ذهب. فتقنع به. سنة أربع وخمس وستين ومائة في (٣) سنة أربع: مات عم المنصور عيسى (٤) بن علي وعمره ثمان وستون سنة. وفي سنة خمس: قبض (٥) المهدي وزيره يعقوب بن داود بن طهمان، وكان قبل أن يتولى وزارة المهدي يكتب لنصر بن سيار. ثم بقي بطالًا واتصل بالمهدي واستوزره وصارت الأمور إليه. وتمكّن فحسده أصحاب المهدي وسعوا فيه حتى أمسكه في هذه السنة] (٦)، وحبسه، ولم يزل محبوسًا إلى خلافة الرشيد، فأخرجه وقد عمي،. فلحق بمكة، وقد تقدم ذكره مع الوزراء [وكان أصحاب المهدي يشربون عنده، وكان يعقوب ينهى المهدي عن ذلك، فضيّق على المهدي حتى أمسكه المهدي وحبسه، وفيه يقول بشار بن برد: [من البسيط] بَني أُمَيَّةَ هُبُّوا طالَ نَوْمُكُمُ … إنَّ الخليفةَ يعقوبُ بْنُ داودِ (٧) ضَاعَتْ خِلافَتُكُمْ ياقومُ فالْتَمِسُوا … خَليفةُ اللهِ بينَ النايِ والعودِ] (٨).

стр. 8733

وفي هذه السنة (١): أقام المهدي بريدًا بين مكة والمدينة واليمن بغالًا وإبلًا. وفيها (٢): قتل بشار بن برد على الزندقة. وكان أعمى ممسوح العينين، ولما قتل كان قد نيف على التسعين. وكان بشار يفضل النار على الأرض، ويصوّب رأي إبليس في امتناعه عن السجود لآدم. سنة ست وسبع وستين ومائة فيها (٣): توفي عيسى (٤) بن موسى ابن أخي السفاح والمنصور، وهو الذي أوصى له السفاح بالخلافة بعد المنصور، ثم خَلَعَهُ المنصور وولى ابنه المهدي (وكان عمر عيسى خمسًا وستين سنة) (٥). وفي هذه السنة: زاد المهدي في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ -. سنة ثمان وستين وتسع وستين ومائة في سنة تسع: توفي المهدي محمد بن عبد الله المنصور (٦) بماسبذان في المحرم لثمان بقين منه. وكانت خلافته عشر سنين وشهرًا، وعمره ثلاث وأربعون (٧) سنة. ودفن تحت جوزة، وصلى عليه ابنه الرشيد. وكان المهدي يجلس للمظالم ويقول: أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ردّي للمظالم إلا الحياء منهم. خلافة الهادي رابع بني العباس وكان (٨) مقيمًا بجرجان يحارب أهل طبرستان. فبويع له في الخلافة في عسكر

стр. 8734

المهدي في اليوم الذي مات فيه المهدي. ولما وصل الرشيد وعسكر المهدي إلى بغداد راجعين من ماسبذان أخذت البيعة ببغداد للهادي أيضًا. وكتب الرشيد إلى الآفاق بوفاة المهدي وأخذ البيعة للهادي. ولما وصل الخبر إلى الهادي بجرجان بموت أبيه وبيعة الناس له بالخلافة، سار على البريد مجدًا. فدخل بغداد في عشرين يومًا. واستوزر الربيع (١). ظهور الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي ﵃ وفي (٢) هذه السنة: ظهر الحسين بمدينة الرسول ﵊. وكان معه جماعة من أهل بيته منهم: الحسن (٣) بن محمد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي. وعبد الله المذكور هو ابن عاتكة (٤). واشتد أمر الحسين المذكور، وجرى قتال بينه وبين عامل الهادي على المدينة وهو عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وانهزم عمر وبايع الناس الحسين على كتاب الله وسنة نبيه للرضى من آل محمد. وأقام الحسين بالمدينة يتجهز أحد عشر يومًا. ثم خرج لست بقين من ذي القعدة ووصل الحسين إلى مكة. ولحق به جماعة من عبيد مكة. وكان قد حجّ تلك السنة جماعة من بني العباس

стр. 8735

وشيعتهم. فمنهم سليمان بن أبي جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد بن علي، وانضم إليهم مَنْ حجّ من شيعتهم ومواليهم وقوادهم، واقتتلوا مع الحسين يوم التروية، فانهز أصحاب الحسين، وقتل الحسين واحتزّ رأسه. وجمع بنو العباس والحجاج رؤوس أصحاب الحسين ما يزيد عن مائة رأس، وفيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب. واختلط المنهزمون بالحجاج. وكان مقتلهم بموضع يقال له «وج» (١)، وهو عن مكة إلى جهة الطائف. ووج الذي ذكره النميري (٢) في شعره فقال: [من الطويل] تضوع مسكًا بطنُ نعمان إذ مَشَتْ … به زينب في نسوة خَفِراتِ مَرَرْنَ بوجٌ ثم قُمْنَ عشيّة … يلبين للرحمان معتمرات وفي قتلى المذكورين بوج (٣) قول بعضهم (٤): [المتقارب] فلأبكين على الحسيـ … ـن بعولة وعلى الحسن وعلى ابن عاتكة الذي … واروه ليس له كَفَن وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد الله بن الحسن (٥) بن الحسن بن علي بن أبي طالب. فأتى مصر وعلى بريدها واضح مولى بني العباس. وكان شيعيًا. فحمل إدريس المذكور على البريد إلى الغرب حتى انتهى إلى أرض طنجة. ولما بلغ الهادي ذلك ضرب عنق واضح (٦)، وبقي إدريس بتلك البلاد حتى أرسل الرشيد الشماخ النامي (٧) مولى السندي فاغتاله بالسم. ولما مات إدريس كانت حظيته حُبلى، فولَدَتْ ولدًا ذكرًا فسمته إدريس باسم أبيه وبقي حتى كبر، واستقل بملك تلك البلاد.

стр. 8736

وحمل رأس الحسين وأصحابه إلى الهادي. فأنكر الهادي عليهم حمل رأس الحسين، ولم يعطهم جوائزهم غضبًا عليهم (١)، وكان الحسين شجاعًا كريمًا قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها ببغداد والكوفة وخرج من الكوفة ما يملك ما يلبسه إلا فروة ليس تحتها قميص (٢). وفي هذه السنة: مات مطيع بن إياس (٣) الشاعر. وفيها: توفي نافع (٤) بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أحد القراء السبعة. وفيها: مات الربيع بن يونس حاجب المنصور ومولاه. سنة سبعين ومائة وفاة الهادي (٥): وفي هذه السنة: توفي موسى الهادي بن محمد ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول. وكانت (٦) خلافته سنة وثلاثة أشهر. وكان عمره ستًا وعشرين سنة، قيل إن أمه الخيزران قتلته بأن أَمَرَتْ الجواري بأن غَمَّيْنَ وجهه وهو مريض فمات ودفن بعيساباذ الكبرى في بستانه، وكان طويلًا جسيمًا، وكان بشفته العليا تقلّص (٧)، كان له سبعة بنين وابنتان. خلافة (٨) الرشيد هارون بن المهدي، خامس بني العباس بويع له سنة سبعين ومائة في الليلة التي مات فيها المهدي، وكان (٩) عمر الرشيد حين ولي اثنتين وعشرين سنة، وأمه خيزران أم الهادي، وكان مولد الرشيد بالري في آخر ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة. ولما مات الهادي بعيساباذ (١٠) صلّى

стр. 8737

عليه الرشيد وسار إلى بغداد. وفي (١) هذه السنة في شوال: ولد الأمين محمد بن الرشيد من زبيدة. واستوزر الرشيد يحيى بن خالد وألقى إليه مقاليد الأمور (٢). وفي (٣) هذه السنة: عزل الرشيد الثغور كلّها من الجزيرة وقنسرين. وجعلها حيزًا واحدًا وسميت العواصم. وأمر بعمارة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس. وفي (٤) هذه السنة: أمر عبد الرحمن الأموي المستولي على الأندلس بعمارة جامع قرطبة، وكان موضعه كنيسة. وأنفَق عليه مائة ألف دينار. سنة إحدى وسبعين ومائة فيها (٥): توفي عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، صاحب الأندلس، توفي بقرطبة في ربيع الآخر. [وكان مولده بدمشق سنة ثلاث عشرة ومائة، ومدة ملكه الأندلس ثلاث وثلاثون سنة؛ لأنه تولى الأندلس سنة تسع وثلاثين ومائة] (٦). ولما مات ملك بعده ابنه هشام، [وكان عبد الرحمن أصهب خفيف العارضين، طويلًا، نحيفًا، أعور، وقصده بنو أمية من المشرق، والتجأوا إليه] (٧). سنة اثنتين وثلاث وأربع وخمس وست وسبعين ومائة في (٨) سنة اثنتين: توفي أبو زيد (٩) رياح اللخمي الزاهد، بمدينة القيروان، وكان مجاب الدعوة. وفي (١٠) ثلاث: ماتت الخيزران أم الرشيد. وفيها (١١): حج الرشيد وأحرم من بغداد.

стр. 8738

وفي (١) سنة خمس: صار يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب إلى الديلم، فتحرك هناك. وفيها (٢): وُلِدَ إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب. وإدريس بن عبد الله هو الذي سلم بانهزامه لما قتل أهل بيته يوم التروية بظاهر مكة. وكان قد توفي وله جارية حبلى، فولدت بعد موته في ربيع الآخر ولده إدريس المذكور، فبقي حتى كبر واستقل بالملك. وفي (٣) سنة ست: ظهر أمر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالديلم. واشتدت شوكته. ثم إن الرشيد جهز إليه الفضل بن يحيى (٤) في جيش كثيف. وكاتبه الفضل. وبذل له الأمان وما يختاره، فأجاب يحيى إلى ذلك وطلب يمين الرشيد، وأن يكون بخطه ويشهد فيه الأكابر. وفي (٥) هذه السنة: هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي (٦)، فجمع الرؤساء، وسعوا في الصلح بينهم. فأجابوا، وأتوا اليمانية وكلّموهم في الصلح، فقالوا: انصرفوا عنّا حتى ننظر. ثم سارت اليمانية إلى بني القين (٧) فقتلوا منهم نحو ستمائة رجل. فاستنجدت بنو القين قضاعة وسليمًا فلم ينجدوهم، فاستنجدوا قيسًا فأجابوهم وساروا معهم إلى العواليك من أرض البلقاء فقتلوا من اليمانية ثمانمائة، وكثر القتال بينهم. وعزل الرشيد عبد الصمد عن دمشق وولاها إبراهيم بن صالح بن علي (٨)، ودام

стр. 8739

القتال بين المذكورين نحو سنتين. وكان سبب الفتنة بين المضرية واليمانية أن رجلًا من بني القين أتى رحى بالبلقاء ليطحن فيه. فمر بحائط رجل من لخم (١) وفيه بطيخ، فتناول منه فَشَتَمَهُ صاحبه وتضاربا، واجتمع قوم من اليمانيين، فضربوا القيني، فأعانه جماعة (٢) فقتل رجل من اليمانيين، وكان ذلك سبب الفتنة. وفي (٣) سنة سبع وثمان وتسع وسبعين ومائة: توفي بالكوفة القاضي شريك (٤)، ولاه المهدي القضاء. ثم عزله الهادي، وكان عالمًا عادلًا كثير الصواب. قيل: إنه ذكر معاوية بن أبي سفيان عنده بالحلم، فقال شريك: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل علي بن أبي طالب. وكان مولده ببخارى سنة خمس وتسعين. وفي (٥) سنة تسع: توفي مالك بن أنس (٦)، الإمام المعروف، وكان مولده سنة خمس وتسعين، وأخَذَ القراءة عن نافع بن أبي نُعَيم، وسمع الزهري، وأخذ العلم عن ربيعة الرأي. قال الشافعي ﵁: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالكًا، قال: قلتُ: على الإنصاف؟ قال: نعم. قال، قلتُ: فأنشدك بالله مَنْ أعلم بالقرآن، صاحبنا أم صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قال، قلتُ: أنشدك الله مَنْ أَعْلَمُ بالسنة؟ قال: اللهم صاحبكم قال، قلتُ: أنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين؟ قال: اللهم صاحبكم، قال الشافعي. فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء. وسعي بمالك إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو ابن عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له إنه لا يرى الإيمان ببيعتكم هذه بشيء؛ لأن يمين المكره عنده ليست بلازمة، فغضب جعفر ودعا بمالك وجرده وضربه بالسياط ومُدَّتْ يده حتى

стр. 8740

انخلعت كتفه، وارتكب منه أمرًا فظيعًا. فلم يَزَلْ بعد ذلك الضرب في علوّ ورفعة. وتوفي مالك بالمدينة، ودفن بالبقيع، وكان شديد البياض إلى الشقرة، طويلًا. وفيها (١): توفي مسلم (٢) بن خالد الزنجي، الفقيه المكي، وكان الشافعي قد صحبه قبل مالك وأخذ عنه الفقه، وكان أبيض مشربًا بحمرة، ولذلك قيل له الزنجي. وفيها (٣): توفي السيد الحميري (٤) الشاعر، واسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. أكثر من الشعر. وكان شيعيًا كثير الوقيعة في الصحابة كثير المدح لآل البيت كثير الهجو لعائشة أم المؤمنين ﵂، فمن ذلك قوله في مسيرها إلى البصرة لقتال علي من قصيدة طويلة: [من السريع] كأنها في فعلها حيَّةٌ … تريد أن تأكل أولادها ومن قوله فيها وفي حفصة أبيات منها: [من الكامل] إحداهما نمت عليه حديثَهُ … وَبَغَتْ عليه بغيةً إحداهما سنة ثمانين ومائة فيها (٥): مات هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، صاحب الأندلس. (وكانت إمارته سبع سنين وسبعة أشهر وثمانية أيام. وعمره تسع وثلاثون سنة وأربعة أشهر) (٦)، واستخلف بعده ابنه الحكم. ولما ولي الحكم خرج عليه عماه سليمان وعبد الله ابنا عبد الرحمن، وكانا في برّ العدوة. فتحاربا مدةً والظفر للحكم. وظفر بعمه سليمان فقتله سنة أربع وثمانين ومائة. فخاف عبد الله منه وصالحه سنة ست وثمانين. ولما اشتغل الحكم بقتال عميه اغتنمت الفرنج الفرصة، فقصدوا بلاد الإسلام، فأخذوا مدينة برشلونة سنة خمس وثمانين ومائة. وفي سنة ثمانين ومائة: سار (٧) جعفر بن يحيى بن خالد إلى الشام فسكن الفتنة التي كانت بالشام.

стр. 8741

وفيها (١): هدم الرشيد سور الموصل بسبب العصيان الذي يقع من أهلها في كل وقت. وفيها (٢): توفي سيبويه (٣) النحوي بقرية يقال لها البيضاء من قرى شيراز، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر. وكان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، وجميع كتب الناس في النحو عائلة على كتاب سيبويه، واشتغل على الخليل بن أحمد. وعمره لما مات نيفًا وأربعين سنة. وقيل توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة (٤)، وقال أبو الفرج بن الجوزي: توفي سيبويه سنة أربع وتسعين ومائة وعمره اثنان وثلاثون سنة بمدينة ساوة. وذكر خطيب بغداد عن ابن دريد أن سيبويه مات بشيراز وقبره بها. وكان سيبويه كثيرًا ما ينشد: [من الطويل] إِذا بُلَّ مِنْ داءٍ بِهِ ظَنَّ إِنَّهُ … نَجَا وِبِهِ الدَّاءُ الَّذي هُوَ قَاتِلُهْ وسيبويه لقبه، وهو لفظ فارسي معناه بالعربية: رائحة التفاح. وقيل إنما لقب به لأنه كان جميل الصورة، ووجنتاه كأنهما تفاحتان. وجرى له مع الكسائي البحث المشهور في قولك: كنتُ أظنّ لسعة العقرب أشدّ من لسعة الزنبور، فإذا هو هي، قال الكسائي: فإذا هو إياها. وانتصر الخليفة (٥) للكسائي، فحمل سيبويه من ذلك همًا فترك العراق ودخل إلى شيراز وتوفي هناك. سنة إحدى واثنتين وثلاث وثمانين ومائة في سنة إحدى: غزا الرشيد أرض الروم فافتتح حصن الصفصاف (٦). وفيها (٧): توفي عبد الله (٨) بن المبارك المروزي في رمضان، وعمره ثلاث وستون سنة.

стр. 8742

وفيها (١): توفي مروان (٢) بن أبي حفصة الشاعر، وكان مولده سنة خمس ومائة. وفيها (٣): توفي أبو يوسف القاضي، واسمه يعقوب بن إبراهيم من ولد سعد بن خيثمة، وسعد صحابي من الأنصار، وهو سعد بن بجير، واشتهر بأمه خيثمة، وأبو يوسف أكبر أصحاب أبي حنيفة. وفي سنة اثنتين: مات جعفر (٤) الطيالسي المحدث. وفي سنة ثلاث: توفي موسى (٥) الكاظم (بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين) ببغداد في حبس الرشيد، وحبسه في بيت السندي بن شاهك. وتولى خدمته في الحبس أخت السندي. وحَكَتْ عنه أنه كان إذا صلّى العتمة حمد الله ومجده ودعاه إلى أن يزول الليل، ثم يقوم ويصلي إلى أن يطلع الفجر. فيصلي الصبح ويذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ويرقد، ثم يستيقظ قبل الزوال. ويتوضأ ويصلّي حتى يصلّي العصر، ثم يذكر الله حتى يصلّي المغرب، ويصلي ما بين المغرب والعشاء حتى مات ﵀. وكان يلقب بالكاظم لأنه كان يحسن إلى من يسيء إليه (وهو سابع الأئمة الاثنى عشر على رأي الإمامية) (٦). وولد (الكاظم) (٧) سنة تسع وعشرين ومائة، وتوفي في هذه السنة لخمس بقين من رجب ببغداد (٨)، وقبره مشهور هناك وعليه مشهد عظيم في الجانب الغربي من بغداد. وفي (٩) هذه السنة: توفي يونس (١٠) بن حبيب النحوي المشهور. وأخذ العلم عن

стр. 8743

أبي عمرو بن العلاء. وكان عمره قد زاد على مائة سنة. وروى سيبويه عنه. وله قياس في النحو. ومذاهب تفرد بها. سنة أربع وخمس وست وسبع وثمانين ومائة في (١) سنة أربع: ولى الرشيد حماد البربري اليمن ومكة. وولى داود بن يزيد بن (مرشد) (٢) بن حاتم المهلبي السند. وولى يحيى الحرشي الجبل (٣)، وولى مهرويه الرازي طبرستان (٤). وولّى إبراهيم بن الأغلب إفريقية (وكان) (٥) على الموصل (وأعمالها) (٦) يزيد بن مزيد (٧) بن زائدة الشيباني. وفي (٨) سنة خمس: مات عم المنصور عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس وكان بالقرب إلى عبد مناف بمنزلة يزيد بن معاوية. وبين موتهما ما يزيد على مائة وعشرين سنة. وفيها: توفي يزيد بن مزيد (٩) بن زائدة الشيباني ابن أخي معن. * * *

стр. 8744

وفي سنة سبع: أوقع الرشيد بالبرامكة. ذكر الإيقاع بالبرامكة (١) وفي هذه السنة: أوقع بهم الرشيد، وقتل جعفر، واختلف في سبب ذلك فالأكثر على أن ذلك بسبب العباسة أخت الرشيد. لأنه زوجه بها ليحل له النظر إليها، وشرط عليه أن لا يقربها، فوطئها، وحَبَلَتْ منه، وجاءت بولد. وقيل بل الرشيد حبس يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عند جعفر، فأطلقه جعفر، وقيل: بل لما عظم أمر البرامكة واشتهر، وأحبّهم الناس والملوك لا تصبر على مثل ذلك فنكبهم لأجل ذلك. وقيل غير ذلك. وكان قتل جعفر بالأنبار مستهل صفر من هذه السنة عند عود الرشيد من الحج. وبعد أن قتل جعفر أرسل (إلي) (٢) فأحاط به وبولده، وأخَذَ ما وجَدَهُ من أموالهم وأرسل إلى سائر البلاد، فقبض أموالهم ووكلاءهم. وأرسل رأس جعفر وجيفته إلى بغداد، فنصب رأسه على الجسر، ونُصبت جيفته على الجسر الآخر، ولم يتعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده وأسبابه، لبراءته مما دَخَلَ فيه أخوه يحيى وولده. وكان عمر جعفر لما قتل سبعًا وثلاثين سنة. وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة. وفي ذلك يقول الرقاشي (٣)، وقيل أبو نواس: [من الطويل] الآن استَرَحْنا واستراحت ركائنا … وأمسكَ مَنْ يجدي ومَنْ كَانَ يَجْتَدي فَقُلْ للمطايا قد أمنت مِنَ السُّرى … وطيّ الفيافي فدفدًا بعد فَدْفَدِ وقُل للعطايا بعد فضل تعطلي … وقل للرزايا كل يوم تجددي ودونك سيفًا برمكيًا مهنّدًا … أصيب بسيف هاشمي مهند وقال يحيى بن خالد لما نكب: الدنيا تكون دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة.

стр. 8745

وفي هذه السنة (١): خلع الروم ملكتهم، وكانت امرأة تدعى زمني (٢). وملّكوا تففور (٣) فكتب إلى الرشيد: من تففور ملك الروم إلى هارون ملك العرب. أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليكم من أموالها ما كنت حقيقًا أن تحمله إليها. لكن ذلك من حمق النساء وضعفهن فإذا وصل إليك كتابي هذا فاردد إليّ ما كنت أخذْتَهُ من مالها، وإلا فما لك عندي إلا السيف. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزّه الغضب، وكتب على ظهر الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى تففور كلب الروم، وقد قرأت كتابك يا بن الكافرة. والجواب ما تراه لا ما تسمعه. ثم سار الرشيد من يومه فنزل على هرقلة، ففتحها وخرّبها. فسأله تففور الصلح على مائتي ألف دينار (٤) كل سنة فأجابه. وفي هذه السنة: هاجت (٥) الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية. فأرسل الرشيد وأصلح بينهم. وفيها (٦): توفي الفضل (٧) بن عياض الزاهد، وكان مولده بسمرقند، وانتقل إلى مكة ومات بها. وفيها (٨): توفي أبو مسلم، معاذ الفراء (٩) النحوي، وعنه أخَذَ الكسائي النحو، وولد أيام يزيد بن عبد الملك (١٠).

стр. 8746

سنة ثمان (١) وتسع وثمانين ومائة في (٢) سنة ثمان: توفي العباس (٣) بن الأحنف الشاعر. وفي (٤) سنة تسع: توفي أبو الحسن علي (٥) بن حمزة بن عبد الله بن فيروز المعروف بالكسائي في الري. وهو أحد القراء السبعة. وكان إمامًا في النحو واللغة. وقيل له الكسائي؛ لأنه دخل الكوفة وأتى إلى حمزة بن حبيب الزيات ملتقًا بكساء. وفيها (٦): سار الرشيد إلى الري وأقام به أربعة أشهر. ورجع إلى العراق، ودخل بغداد في آخر ذي الحجة. وأمر بإحراق جثة جعفر، وكانت مصلوبة على الجسر، ولم ينزل ببغداد ورحل من فوره إلى الرقة، فقال في ذلك بعض شعرائه (٧): [من الخفيف] ما أنخنا حتى ارتحلنا فما نفـ … ـرق بين المناخ والارتحال ساءلونا عن حالنا إذْ قَدِمْنا … فَقَرَنَا وداعهم بالسؤال وقال الرشيد: والله إني أعلم أنه ما في الشرق والغرب مدينة أيمن ولا أيسر من بغداد، وإنها دار مملكة بني العباس، ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق، والبغض لأئمة الهدى والحب لشجرة اللعنة بني أمية، ولولا ذلك ما فارقت بغداد. وفي (٨) هذه السنة: مات محمد (٩) بن الحسن الشيباني، الفقيه صاحب أبي حنيفة، وكان والده الحسن من أهل قرية حرستا من غوطة دمشق، فسار إلى العراق وأقام بواسط فولد له ولده محمد، ونشأ بالكوفة، وصَحِبَ أبا حنيفة، وتفقه على أبي يوسف وصنف

стр. 8747

عدة كتب مثل (الجامع الكبير) و (الجامع الصغير) في فقه أبي حنيفة وغير ذلك. سنة تسعين ومائة فيها (١): سار الرشيد في أربعمائة ألف فارس (٢) حتى نزل على هرقلة وحَصَرَها عشرين يومًا (٣)، وفتحها في شوال من هذه السنة، وسبى أهلها وبثّ عساكره في بلاد الروم ففتحوا ملقونية واصطنبول (٤)، وخرّبوا ونهبوا، وبعث نقفور بالجزية عن رعيته، وعن رأسه أيضًا، ورأس ولديه وبطارقته. وفيها (٥): نَقَضَ أهل قبرس العهد فغزاهم معتوق بن يحيى، وكان عاملًا على مداخل مصر والشام، فسبى أهل قبرس. وفيها (٦): أسلم الفضل بن سهل (٧) على يد المأمون وكان مجوسيًا. وفيها (٨): توفي أسد بن عمرو بن عامر الكوفي صاحب أبي حنيفة. وفيها (٩): توفي يحيى بن خالد بن برمك محبوسًا بالرقة في المحرم وعمره سبعون سنة. سنة إحدى واثنتين وثلاث وتسعين سنة في سنة اثنتين (١٠): سار الرشيد من الرقة إلى خراسان فنزل بغداد، ورحل عنها إلى النهروان لخمس خَلَوْنَ من شعبان، واستخلف على بغداد ابنه الأمين محمد، وفي سنة ثلاث، مات (١١) الفضل بن يحيى البرمكي في حبس الرقة في المحرم، وعمره

стр. 8748

خمس وأربعون سنة، وكان من محاسن الدنيا، لم ير في وقته مثله. وفاة الرشيد (١) وفي هذه السنة، توفي لثلاث خَلَوْنَ من جمادى الأخر، (وكان به مرض من حين ابتدأ بسفره، فاشتدّ عليه بجرجان في صفر، فسار إلى طوس، فمات بها في التاريخ المذكور) (٢). وكان قد سيّر الرشيد ابنه المأمون إلى مرو، وحفر الرشيد قبره موضع الدار التي كان نازلًا بها، وأنزل فيه قومًا ختموا فيه القرآن وهو في محفّة على شفير القبر، وكان يقول في تلك الحال: واسوأتاه من رسول الله ﷺ ، ولما دَنَتْ منه الوفاة غشي عليه، ثم أفاق فرأى الفضل بن الربيع عند رأسه، فقال: يا فضل: [من الطويل] أحينَ دنا ما كنتُ أخشى دنوّه … رمتني عيون الناس من كل جانب فأصبحتُ مرحومًا وكنتُ محسّدًا … فصبرًا على مكروه مر العواقب سأبكي على الوصل الذي كان بيننا … وأندب أيام السرور الذواهب ثم مات وصلى عليه ابنه صالح، وحضر وفاته الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح، ومسرور السياف (٣). وكانت (٤) خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يومًا. وكان عمره سبعًا وأربعين سنة، وخمسة أشهر وخمسة أيام، وكان جميلًا أبيض قد وَخَطَهُ الشيب. وكان له من البنين: الأمين من زبيدة والمأمون من أم ولد اسمها مراجل. والقاسم المؤتمن، والمعتصم محمد وصالح وأبو عيسى محمد، وأبو يعقوب (محمد) (٥)، وأبو العباس محمد، وأبو سليمان محمد وأبو علي محمد، وأبو محمد وهو اسمه، وأبو أحمد محمد، كلهم لأمهات أولاد وخمس عشرة بنتًا، وكان الرشيد يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم. وعهد بالخلافة إلى الأمين، ومن بعده إلى المأمون، وكتب بينهما عهدًا (٦) بذلك وجعله في الكعبة، وكان جعل ابنه القاسم المؤتمن ولي العهد بعد المأمون، وجعَلَهُ

стр. 8749

معزولًا برأي المأمون، وإن شاء أثبته وإن شاء عَزَلَهُ. خلافة الأمين بالله سادس بني العباس (١) لما توفي الرشيد بويع الأمين في عسكر الرشيد، وكتب صالح إلى أخيه، الأمين بوفاة الرشيد مع رجاء الخادم، وأرسل معه خاتم الخلافة والبردة والقضيب وراية رسول الله ﷺ ولما وصل الخبر إلى بغداد أخذت البيعة له ببغداد، وتحوّل إلى قصر الخلافة، ثم قدمت عليه زبيدة أُمّه من الرقة ومعها خزائن الرشيد، فتلقاها ابنها الأمين بالأنبار ومعه وجوه بغداد (٢). وفي هذه السنة: قتل (٣) نففور ملك الروم في حرب برجان وكان ملكه سبع سنين. سنة أربع وخمس وست وسبع وثمان وتسعين ومائة في (٤) سنة أربع: اختلف أهل حمص على عاملهم إسحاق بن سليمان، فانتقل عنهم إلى سلمية (٥)، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي، فقاتل أهل حمص حتى سألوا الأمان فأمنهم. وفيها (٦): قتل شقيق (٧) البلخي الزاهد في غزاة كولان (٨) من بلاد الترك. وفي (٩) سنة خمس: أبطل الأمين اسم المأمون من الخطبة، وخطب لابنه موسى بن الأمين، ولقبه الناطق بالحق. وكان موسى طفلًا صغيرًا، ثم جهز الأمين جيشًا

стр. 8750

لحرب المأمون بخراسان وقدم عليهم (علي بن) (١) عيسى بن ماهان في خمسين ألفًا، وجهز المأمون طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي في أربعة آلاف فأرسل، فكبس جيش علي بن عيسى. وقتل منهم مقتلة عظيمة، وكان مقتل (علي بن) (٢) عيسى بالري من هذه السنة، وخَلَعَ طاهر الأمين، وبايع للمأمون بالخلافة وبعث رأس علي إلى المأمون وهو بخراسان. وفي (٣) هذه السنة: توفي أبو نواس الحسن بن هاني (٤) الشاعر، وكان عمره تسعًا وخمسين سنة. وفي (٥) سنة ست: سير الأمين جيشًا صحبة أحمد بن مرثد (٦) وعبد الله بن حميد بن قحطبة مع كل واحد عشرون ألفًا، فساروا إلى حلوان لحرب طاهر، فلما وصلوا إلى خانقين وقع الاختلاف بينهم، فرجعوا من خانقين من غير أن يلقوا طاهرًا. وتقدّم طاهر فنزل حلوان، ولحقه هرثمة بن أعين بجيش من عند المأمون وكتاب يأمره فيه أن يسلّم ما حوى من المدن والكُوَر إلى هرثمة وأن يتوجه طاهر إلى الأهواز، ففعل ذلك واقام هرثمة بحلوان، ولما تحقق المأمون قتل ابن ماهان وانهزام عسكر الأمين أمر أن يخطب له بإمرة المؤمنين، وأن يخاطب بأمير المؤمنين، وعقد للفضل بن سهل على المشرق من جبل همدان إلى التبت طولًا ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضًا. ولقبه ذا الرئاستين، رئاسة الحرب والقلم (٧)، وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج وذلك كله في هذه السنة. ثم (٨) استولى طاهر على الأهواز، ثم على واسط، ثم على المدائن (٩)، ثم نزل صرصر (١٠).

стр. 8751

ودَخَلَتْ سنة سبع، ففيها (١): حاصر طاهر وهرثمة بالعساكر الذين معهما بغداد، وحصروا الأمين، ووقع في بغداد النهب والحريق، ومنع طاهر دخول الميرة إلى بغداد فَعَلَتْ بها الأسعار، ودام الحصار إلى أن انقضت هذه السنة. وفيها (٢): توفي إبراهيم بن الأغلب عامل إفريقية. وقد تقدم ذكر ولايته في سنة أربع وثمانين ومائة. ولما توفي تولّى على إفريقية بعده ولده أبو العباس عبد الله. استيلاء طاهر على بغداد في سنة ثمان (٣) هجم طاهر على بغداد بعد قتال شديد، فنادى مناديه: من لزم بيته فهو آمن. وأَخَذَ الأمين أمه وأولاده إلى عنده بمدينة المنصور، وتحصن، وتفرق عنه عامة جنده، وحصره طاهر هناك، وأخذ عليه الأبواب. ولما أشرف على أخذه طلب الأمين الأمان من هرثمة. وأن يطلع عليه، فروجع في الطلوع إلى طاهر، فأبى ذلك، فلما كانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم خرج الأمين بعد العشاء الآخرة وعليه ثياب بيض، وطليسان أسود، فأرسل إليه هرثمة يقول: إني غير مستعد لحفظك. وأخشى أن أغْلَب عليك، فأقم إلى الليلة القابلة. فأبى الأمين إلا الخروج تلك الليلة، ثم دعا الأمين بابنيه وضمهما إليه، وبكى وقبلهما، ثم جاء راكبًا إلى الشط، فوجد حراقة هر ثمة، فصعد إليها، فاحتضنه هر ثمة، وضمه إليه. وقبل رجليه. ثم شد أصحاب طاهر على حراقة هرثمة حتى غرّقوها. فأخرج الملاح هرثمة من الماء. وأما الأمين، فلما سقط في الماء، شقّ ثيابه، ثم (بعض) (٤) أصحاب طاهر الأمين وهو عريان (ليه) (٥) بسراويل وعمامة. فأمر به طاهر فحبس في بيت، فلما انتصف الليل أرسل إليه طاهر قومًا من العجم فقتلوه، وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر، فنصبه على برج من أبرجة بغداد (٦) وأهل بغداد ينظرون (إليه) (٧). وأرسل طاهر رأس الأمين إلى المأمون، وكتب بالفتح (٨). وأرسل البردة والقضيب. ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، وصلّى بالناس،

стр. 8752

وخطب للمأمون. وكان قتل الأمين لست بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وكانت مدة خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وكسرًا وعمره ثمانيًا وعشرين سنة، وكان سبطًا أنزع صغير العينين، أقنى جميلًا طويلًا. وكان منهمكًا في اللذات وشرب الخمر، حتى أرسل إلى جميع البلاد في طلب الملهين، وضمهم إليه. واحتجب عن أهل بيته، وقسم الأموال في خواصه وفي الخصيان والنساء. وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد والعقاب وعلى صورة الحية والفرس (وابن آدم) (١) وأنفق في عملهم أموالًا عظيمة، وفي ذلك يقول أبو نواس في شعره (٢): [من الخفيف] سَخَّرَ اللهُ للأمين مَطَايَا … لم تُسَخَّر لِصَاحِب المِحْراب فإذا ما رِكَابُهُ سِرْنَ بَرًّا … سارَ في البحر (٣) راكبًا لَيث غاب عَجِبَ الناسُ إذْ رَأَوكَ عليه … كيف لو أبْصَروكَ فوقَ العُقاب (٤) ذَات سُورٍ ومِنْسَرٍ وجَنَا … حِينَ تَشُقُّ العُبَابَ بعد العُبَاب بَارَكَ اللهُ للأمين (٥) وأبْقَا … هـ وأبْقى له رِداءَ الشَّبَاب (٦) ولما قتل الأمين استوسق الأمر في المشرق والمغرب للمأمون. فولى الحسن بن سهل على كور العراق وفارس والحجاز واليمن. سنة تسع وتسعين وسنة مائتين في سنة تسع: ظهر ابن طباطبا العلوي، وهو محمد (٧) بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن (بن الحسن) (٨) بن علي بن أبي طالب بالكوفة يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ . وكان القيم بأمره أبو السرايا السري (٩) بن منصور. وبايعه أهل الكوفة.

стр. 8753

واستوسقوا له، فأرسل إليه الحسن بن سهل زهير بن المسيب الضبي في عشرة آلاف مقاتل. فهزمهم ابن طباطبا واستباحهم، وكانت الوقعة في جمادى الآخرة من هذه السنة، فلما كان مستهل رجب مات إبراهيم بن طباطبا، فجأةً، سمه أبو السرايا ليستبد بالأمر؛ لأنه علم أنه لا حكم له مع ابن طباطبا. وأقام أبو السرايا غلامًا يقال له محمد بن زيد (١) من ولد علي بن أبي طالب صورة مكان ابن طباطبا، ثم استولى أبو السرايا على البصرة وواسط. وجرى بينه وبين عساكر المأمون عدة وقائع. وفي هذه السنة: توفّي (٢) والد طاهر بن الحسين بن مصعب بخراسان، وأرسل المأمون يعزي طاهرًا فيه. وفيها (٣): توفي عبد الله بن غير الهمداني (٤)، وكنيته أبو هاشم، وهو والد محمد بن عبد الله بن نمير شيخ البخاري. وفي (٥) سنة مائتين: هرب أبو السرايا في المحرم من الكوفة في ثمانمائة فارس بعد أن حاصره هر ثمة. ودَخَلَ هر ثمة الكوفة وآمن أهلها، وسار أبو السرايا إلى جلولاء، فتفرق عنه أصحابه، فظفر به حماد الكُنْدُغُوش، فأمسكه ومن معه فأتى به الحسن بن سهل وهو بالنهروان، فقتله وبعث برأسه إلى المأمون، وكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر. وفيها (٦): ظهر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي باليمن، وفيها إسحاق بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عاملًا للمأمون، فهرب

стр. 8754

من إبراهيم. واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمّى الجزار لكثرة من قتل وسبى. وفيها (١): سار هرثمة من الكوفة بعد فراغه من أبي السرايا إلى جهة المأمون ووردت عليه كتب المأمون بالمسير إلى الشام والحجاز، فحملته الدالة وكثرة المناصحة على القدوم على المأمون ومخالفة مرسومِهِ، وكان بينه وبين الحسن بن سهل عداوة، فدس الحسن أصحاب المأمون بالحض (٢) على هرثمة، وكان يظن هرثمة أن قوله هو المقبول على الحسن بن سهل، وقدم على المأمون بمرو في ذي القعدة من هذه السنة، فلما حضر بين يدي المأمون ضربه وحبسه ثم دس إليه مَنْ قَتَلَهُ. وفيها (٣): أمر المأمون أن يحصى بنو العباس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا ما بين ذكر وأثنى. وفيها (٤): قتل الروم ملكهم إليان (٥) وملكوا ميخائيل. وفيها (٦): توفي معروف (٧) الكرخي الزاهد، صاحب الكرامات، وكان أبوه نصرانيًا. سنة إحدى ومائتين فيها: اشتدَّ أذى فسّاق بغداد وشطارها على الناس حتى قطعوا الطرق وأخذوا النساء علانية، ونهبوا القرى مكابرةً، وبقي الناس معهم في بلاء عظيم، فتجمع بعض أهل المحال ببغداد مع رجل يقال له خالد بن الدريوس (٨) فشدوا على الفساق، فمنعوهم وطردوهم، وقام بعده رجل يقال له سهل بن سلامة الأنصاري (٩) وردع الفساق، واجتمع إليه جمع عظيم من أهل بغداد، وعلّق مصحفًا في عنقه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فقبل الناس منه، وكان قيام سهل المذكور لأربع خَلَوْنَ من

стр. 8755

رمضان، وقيام الدريوس قبله بثلاثة أيام. وفيها (١): جعل المأمون علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، ولقبه الرضا من آل محمد. وأَمَرَ جنده بطرح السواد ولبس الخضرة. وكتب به إلى الآفاق. وذلك لليلتين خلتا من رمضان من هذه السنة وصَعُبَ ذلك على بني العباس، وكان أشدهم في ذلك منصور وإبراهيم ابنا المهدي (٢)، وامتنع أهل بغداد عن البيعة، وكان المتحدث في أخذ البيعة ببغداد لعلي الرضا عيسى بن محمد بن أبي خالد. وفيها (٣): في ذي الحجة خاض الناس ببغداد في أخذ البيعة لإبراهيم بن المهدي بالخلافة وخلع المأمون؛ لأنهم نقموا على المأمون توليته الحسن بن سهل وجعله الخلافة في آل علي بن أبي طالب، فأظهر العباسيون الخلاف لخمس بقين من ذي الحجة ووضعوا يوم الجمعة رجلًا يقول: إنا نريد أن ندعوا للمأمون، وبعده لإبراهيم بن المهدي ووضعوا آخرا بجنبه يقول: إنا لا نرضى إلا بمبايعة إبراهيم بن المهدي، وبعده الإسحاق بن موسى الهادي وتخلعوا المأمون. ففعلوا ذلك، وتفرق الناس من الجامع ولم يصلوا جمعة. وفيها (٤): توفي عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية، وتولى بعده زيادة الله بن إبراهيم. وفيها (٥): افتتح عبد الله بن خرداذبه والي طبرستان (جبال طبرستان) (٦) وأنزل شهرار (بن شهرار) (٧) بن شروين عنها. وأسر أبا ليلى ملك الديلم. سنة اثنتين ومائتين بيعة إبراهيم بن المهدي (٨): بايعه أهلُ بغداد بالخلافة في المحرم من هذه
следующие страницы →