← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

ودَخَلَتْ سنة سبع، ففيها (١): حاصر طاهر وهرثمة بالعساكر الذين معهما بغداد، وحصروا الأمين، ووقع في بغداد النهب والحريق، ومنع طاهر دخول الميرة إلى بغداد فَعَلَتْ بها الأسعار، ودام الحصار إلى أن انقضت هذه السنة. وفيها (٢): توفي إبراهيم بن الأغلب عامل إفريقية. وقد تقدم ذكر ولايته في سنة أربع وثمانين ومائة. ولما توفي تولّى على إفريقية بعده ولده أبو العباس عبد الله. استيلاء طاهر على بغداد في سنة ثمان (٣) هجم طاهر على بغداد بعد قتال شديد، فنادى مناديه: من لزم بيته فهو آمن. وأَخَذَ الأمين أمه وأولاده إلى عنده بمدينة المنصور، وتحصن، وتفرق عنه عامة جنده، وحصره طاهر هناك، وأخذ عليه الأبواب. ولما أشرف على أخذه طلب الأمين الأمان من هرثمة. وأن يطلع عليه، فروجع في الطلوع إلى طاهر، فأبى ذلك، فلما كانت ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم خرج الأمين بعد العشاء الآخرة وعليه ثياب بيض، وطليسان أسود، فأرسل إليه هرثمة يقول: إني غير مستعد لحفظك. وأخشى أن أغْلَب عليك، فأقم إلى الليلة القابلة. فأبى الأمين إلا الخروج تلك الليلة، ثم دعا الأمين بابنيه وضمهما إليه، وبكى وقبلهما، ثم جاء راكبًا إلى الشط، فوجد حراقة هر ثمة، فصعد إليها، فاحتضنه هر ثمة، وضمه إليه. وقبل رجليه. ثم شد أصحاب طاهر على حراقة هرثمة حتى غرّقوها. فأخرج الملاح هرثمة من الماء. وأما الأمين، فلما سقط في الماء، شقّ ثيابه، ثم (بعض) (٤) أصحاب طاهر الأمين وهو عريان (ليه) (٥) بسراويل وعمامة. فأمر به طاهر فحبس في بيت، فلما انتصف الليل أرسل إليه طاهر قومًا من العجم فقتلوه، وأخذوا رأسه، ومضوا به إلى طاهر، فنصبه على برج من أبرجة بغداد (٦) وأهل بغداد ينظرون (إليه) (٧). وأرسل طاهر رأس الأمين إلى المأمون، وكتب بالفتح (٨). وأرسل البردة والقضيب. ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، وصلّى بالناس،

стр. 8752

وخطب للمأمون. وكان قتل الأمين لست بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وكانت مدة خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وكسرًا وعمره ثمانيًا وعشرين سنة، وكان سبطًا أنزع صغير العينين، أقنى جميلًا طويلًا. وكان منهمكًا في اللذات وشرب الخمر، حتى أرسل إلى جميع البلاد في طلب الملهين، وضمهم إليه. واحتجب عن أهل بيته، وقسم الأموال في خواصه وفي الخصيان والنساء. وعمل خمس حراقات في دجلة على صورة الأسد والعقاب وعلى صورة الحية والفرس (وابن آدم) (١) وأنفق في عملهم أموالًا عظيمة، وفي ذلك يقول أبو نواس في شعره (٢): [من الخفيف] سَخَّرَ اللهُ للأمين مَطَايَا … لم تُسَخَّر لِصَاحِب المِحْراب فإذا ما رِكَابُهُ سِرْنَ بَرًّا … سارَ في البحر (٣) راكبًا لَيث غاب عَجِبَ الناسُ إذْ رَأَوكَ عليه … كيف لو أبْصَروكَ فوقَ العُقاب (٤) ذَات سُورٍ ومِنْسَرٍ وجَنَا … حِينَ تَشُقُّ العُبَابَ بعد العُبَاب بَارَكَ اللهُ للأمين (٥) وأبْقَا … هـ وأبْقى له رِداءَ الشَّبَاب (٦) ولما قتل الأمين استوسق الأمر في المشرق والمغرب للمأمون. فولى الحسن بن سهل على كور العراق وفارس والحجاز واليمن. سنة تسع وتسعين وسنة مائتين في سنة تسع: ظهر ابن طباطبا العلوي، وهو محمد (٧) بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن (بن الحسن) (٨) بن علي بن أبي طالب بالكوفة يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ . وكان القيم بأمره أبو السرايا السري (٩) بن منصور. وبايعه أهل الكوفة.

стр. 8753

واستوسقوا له، فأرسل إليه الحسن بن سهل زهير بن المسيب الضبي في عشرة آلاف مقاتل. فهزمهم ابن طباطبا واستباحهم، وكانت الوقعة في جمادى الآخرة من هذه السنة، فلما كان مستهل رجب مات إبراهيم بن طباطبا، فجأةً، سمه أبو السرايا ليستبد بالأمر؛ لأنه علم أنه لا حكم له مع ابن طباطبا. وأقام أبو السرايا غلامًا يقال له محمد بن زيد (١) من ولد علي بن أبي طالب صورة مكان ابن طباطبا، ثم استولى أبو السرايا على البصرة وواسط. وجرى بينه وبين عساكر المأمون عدة وقائع. وفي هذه السنة: توفّي (٢) والد طاهر بن الحسين بن مصعب بخراسان، وأرسل المأمون يعزي طاهرًا فيه. وفيها (٣): توفي عبد الله بن غير الهمداني (٤)، وكنيته أبو هاشم، وهو والد محمد بن عبد الله بن نمير شيخ البخاري. وفي (٥) سنة مائتين: هرب أبو السرايا في المحرم من الكوفة في ثمانمائة فارس بعد أن حاصره هر ثمة. ودَخَلَ هر ثمة الكوفة وآمن أهلها، وسار أبو السرايا إلى جلولاء، فتفرق عنه أصحابه، فظفر به حماد الكُنْدُغُوش، فأمسكه ومن معه فأتى به الحسن بن سهل وهو بالنهروان، فقتله وبعث برأسه إلى المأمون، وكان بين خروجه وقتله عشرة أشهر. وفيها (٦): ظهر إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي باليمن، وفيها إسحاق بن موسى بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عاملًا للمأمون، فهرب

стр. 8754

من إبراهيم. واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمّى الجزار لكثرة من قتل وسبى. وفيها (١): سار هرثمة من الكوفة بعد فراغه من أبي السرايا إلى جهة المأمون ووردت عليه كتب المأمون بالمسير إلى الشام والحجاز، فحملته الدالة وكثرة المناصحة على القدوم على المأمون ومخالفة مرسومِهِ، وكان بينه وبين الحسن بن سهل عداوة، فدس الحسن أصحاب المأمون بالحض (٢) على هرثمة، وكان يظن هرثمة أن قوله هو المقبول على الحسن بن سهل، وقدم على المأمون بمرو في ذي القعدة من هذه السنة، فلما حضر بين يدي المأمون ضربه وحبسه ثم دس إليه مَنْ قَتَلَهُ. وفيها (٣): أمر المأمون أن يحصى بنو العباس، فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا ما بين ذكر وأثنى. وفيها (٤): قتل الروم ملكهم إليان (٥) وملكوا ميخائيل. وفيها (٦): توفي معروف (٧) الكرخي الزاهد، صاحب الكرامات، وكان أبوه نصرانيًا. سنة إحدى ومائتين فيها: اشتدَّ أذى فسّاق بغداد وشطارها على الناس حتى قطعوا الطرق وأخذوا النساء علانية، ونهبوا القرى مكابرةً، وبقي الناس معهم في بلاء عظيم، فتجمع بعض أهل المحال ببغداد مع رجل يقال له خالد بن الدريوس (٨) فشدوا على الفساق، فمنعوهم وطردوهم، وقام بعده رجل يقال له سهل بن سلامة الأنصاري (٩) وردع الفساق، واجتمع إليه جمع عظيم من أهل بغداد، وعلّق مصحفًا في عنقه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فقبل الناس منه، وكان قيام سهل المذكور لأربع خَلَوْنَ من

стр. 8755

رمضان، وقيام الدريوس قبله بثلاثة أيام. وفيها (١): جعل المأمون علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولي عهد المسلمين والخليفة من بعده، ولقبه الرضا من آل محمد. وأَمَرَ جنده بطرح السواد ولبس الخضرة. وكتب به إلى الآفاق. وذلك لليلتين خلتا من رمضان من هذه السنة وصَعُبَ ذلك على بني العباس، وكان أشدهم في ذلك منصور وإبراهيم ابنا المهدي (٢)، وامتنع أهل بغداد عن البيعة، وكان المتحدث في أخذ البيعة ببغداد لعلي الرضا عيسى بن محمد بن أبي خالد. وفيها (٣): في ذي الحجة خاض الناس ببغداد في أخذ البيعة لإبراهيم بن المهدي بالخلافة وخلع المأمون؛ لأنهم نقموا على المأمون توليته الحسن بن سهل وجعله الخلافة في آل علي بن أبي طالب، فأظهر العباسيون الخلاف لخمس بقين من ذي الحجة ووضعوا يوم الجمعة رجلًا يقول: إنا نريد أن ندعوا للمأمون، وبعده لإبراهيم بن المهدي ووضعوا آخرا بجنبه يقول: إنا لا نرضى إلا بمبايعة إبراهيم بن المهدي، وبعده الإسحاق بن موسى الهادي وتخلعوا المأمون. ففعلوا ذلك، وتفرق الناس من الجامع ولم يصلوا جمعة. وفيها (٤): توفي عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية، وتولى بعده زيادة الله بن إبراهيم. وفيها (٥): افتتح عبد الله بن خرداذبه والي طبرستان (جبال طبرستان) (٦) وأنزل شهرار (بن شهرار) (٧) بن شروين عنها. وأسر أبا ليلى ملك الديلم. سنة اثنتين ومائتين بيعة إبراهيم بن المهدي (٨): بايعه أهلُ بغداد بالخلافة في المحرم من هذه

стр. 8756

السنة، ولقب بالمبارك بعد أن خلع المأمون، وكان المتولي لبيعته المطلب بن عبد الله بن مالك، واستولى إبراهيم على الكوفة، وعسكر بالمدائن، واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس بن موسى الهادي ولما تولّى العباس ظفر بسهل بن سلامة الذي ظهر لقمع الفسّاق، فتفرق عنه أصحابه، وأمسكه وبعث به إلى إبراهيم بن المهدي إلى المدائن فضربه وحبسه (١). مسير المأمون إلى العراق وقتله ذا الرئاستين (٢) وفي هذه السنة: سار المأمون من مرو إلى العراق، واستخلف على خراسان غسان بن عبّاد، وكان سبب مسيره ما وقع في العراق من الفتن لبيعة إبراهيم. ولما وصل المأمون سرخس، وثب أربعة أنفس بالفضل بن سهل فقتلوه في الحمام (٣) لليلتين خلتا من شعبان من هذه السنة. وكان عمره ستين سنة. وجعل المأمون لمن أمسكهم عشرة آلاف دينار. فأمسكهم العباس بن الهيثم الدينوري، وأحضرهم إلى المأمون، فقالوا: أنت أمرتنا بقتله، فضرب أعناقهم، ورحل المأمون طالبًا (٤) العراق، وبلغ إبراهيم بن المهدي والمطلب بن عبد الله قدوم المأمون، فتمارض المطلب وراح إلى بغداد، وسعى في الباطن في أخذ البيعة للمأمون وخلع إبراهيم. وبلغ ذلك إبراهيم، فرحل إلى بغداد، فأرسل يطلب المطلب، فامتنع عليه، فأمر بنهبه فنهبوه، ولم يظفروا به. وذلك في صفر من هذه السنة. وفيها (٥): عقد المأمون العقد على بوران بنت الحسن بن سهل. وزوج المأمون ابنته من علي بن موسى الرضا. وفيها (٦): توفي أبو محمد اليزيدي، وهو يحيى (٧) بن المبارك بن المغيرة المقرئ صاحب أبي عمرو بن العلاء. وإنما قيل له اليزيدي؛ لأنه صحب يزيد بن منصور خال المهدي، وكان يعلم ولده.

стр. 8757

سنة ثلاث ومائتين فيها (١): في صفر مات علي بن موسى الرضا بأن أكل عنبًا كثيرًا فمات فجأة بطوس، وصلّى عليه المأمون، ودفنه عند قبر أبيه الرشيد. وكان مولد علي بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة. ولما مات كتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم بموته، وقال: إنما نقمتم علي بسببه وقد مات. وكان يقال لعلي المذكور علي الرضا، وهو ثامن (٢) الأئمة الاثنى عشر، وهو علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي ﵃ أجمعين. وفيها (٣): خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي. ودعوا للمأمون بالخلافة وتخلّى عن إبراهيم أصحابه، ففارق إبراهيم مكانه. واختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشر مضت (٤) من ذي الحجة (من هذه السنة) (٥). وأحدق (حميد) (٦) أحد قواد المأمون بدار إبراهيم بن المهدي فلم يجده، ولم يزل إبراهيم مختفيًا حتى قدم المأمون بغداد. وكانت ولاية إبراهيم سنة وأحد عشر شهرًا. وفيها (٧): غلبت السوداء على الحسن بن سهل، وتغيّر عقله حتى شدّ في الحديد وحبس، وكتب قواد العسكر الذين كانوا مع الحسن بذلك إلى المأمون. * * *

стр. 8758

ذكر ابتداء دولة بني زياد ملوك اليمن (١) وكان ابتداؤها في هذه السنة من تاريخ اليمن لعمارة اليمني (٢)، قال: كان شخص من بني زياد ابن أبيه يقال له محمد بن إبراهيم بن عبيد الله بن زياد مع جماعة من بني أمية قد سلّمهم المأمون للفضل بن سهل ذي الرئاستين. وبلغ المأمون اختلال اليمن فأثنى الفضل على محمد المذكور، فأرسله المأمون فحج وسار إلى اليمن، وفتح تهامة بعد حروب جرت بينه وبين العرب. واستقرت قدمه باليمن، وبنى مدينة زبيد واختطها في هذه السنة. وأرسل ابن زياد مولاه جعفر بهدايا جليلة إلى المأمون، فقدمها جعفر للمأمون في خمس ومائتين، وعاد جعفر إلى اليمن سنة ست ومائتين ومعه من جهة المأمون ألفا (٣) فارس، فعظم أمر ابن زياد وملك إقليم اليمن بأسره، وتقلد جعفر الجبال وبنى بها مدينة يقال لها المدعرة، والبلاد التي كانت لجعفر تسمّى اليوم مخلاف جعفر، والمخلاف عبارة عن قطر واسع، وكان هذا جعفر من الكفاة الدهاة. وبه تمت دولة بني زياد. حتى قتل ابن زياد بجعفر (٤). وبقي محمد بن زياد كذلك حتى توفي. ثم ملك بعده أخوه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم، وطالَتْ مدّته وأسنّ، وتوفي سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، ولما مات خلف طفلًا يقال له زياد. وتولّت كفالته أخته هند بنت إسحاق، وتولى معها عبد لأبي الجيش اسمه رشد وبقي رشد على ولايته حتى مات، فتولّى عبده

стр. 8759

حسين بن سلامة، ونشأ حسين خادمًا عفيفًا إلى الغاية، وصار وزيرًا لهند ولأخيها، حتى ماتا. ثم انتقل ملك اليمن إلى طفل من آل زياد. وقام بأمر عمته عبد لحسين بن سلامة اسمه مرجان، وكان لمرجان عبدان قد تغلبا على أموره، اسم أحدهما قيس، والآخر نجاح، وهو جد ملوك زبيد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. فوقع التنافس بين قيس ونجاح على الوزارة، وكان قيس عسوفًا ونجاح رؤوفًا، وكان سيدهما مرجان يميل مع قيس على نجاح، وكانت عمة الطفل تميل إلى نجاح، فشكا قيس ذلك إلى مرجان، فقبض مرجان على الملك الطفل إبراهيم، وعلى عمته فسلّمهما إلى قيس، فبنى قيس على إبراهيم وعمته جدارًا وختمه عليهما، وكان إبراهيم المذكور آخر ملوك اليمن من آل زياد. وكان قبض مرجان على إبراهيم وعمته سنة سبع وأربعمائة، فيكون مدة ملك بني زياد اليمن مائتي سنة وأربع سنين. لأنهم نزلوا من قبل المأمون سنة ثلاث ومائتين، وزال ملكهم سنة سبع وأربعمائة، وانتقل ملكهم إلى عبيد عبيدهم؛ لأن الملك صار إلى نجاح على ما سنذكره، ولما قتل قيس إبراهيم وعمته تملك فعظم ذلك على نجاح، واستنصر نجاح الأسود والأحمر وقصد قيسًا في زبيد، وجرى بينهما حروب مرة آخرها أن قيسًا قتل على باب زبيد، وفتح نجاح زبيد في ذي القعدة سنة اثني عشر وأربعائة، وقال نجاح لسيده مرجان ما فعلت بمواليك وموالينا؟ فقال: هم في ذلك الجدار. فأخرج إبراهيم وعمته ميتين وصلّى عليهما. ودفنهما وبنى عليهما مسجدًا، وجعل نجاح سيده مرجان موضعهما، ووضع معه جثة قيس، وبنى عليها الجدار وتملك نجاح وركب بالمظلة، وضرب السكة باسمه، واستقل بملك اليمن على ما سنذكره إن شاء الله في سنة اثني عشر وأربعمائة. سنة أربع ومائتين في هذه السنة (١): قدم المأمون بغداد، وانقطعت الفتن بقدومه، وان لباس المأمون ولباس أصحابه لما دخل بغداد الخضرة، وكانوا يحرقون كل ملبوس يرونه من السواد، ودام ذلك ثمانية أيام، ثم تكلّم بنو العباس وقواد خراسان في ذلك، فترك الخضرة وأعاد لبس السواد. وفاة الإمام الشافعي (٢) وفي هذه السنة: توفي، وهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. وهذا شافع المنسوب

стр. 8760

إليه لقي النبي ﷺ وهو مترعرع، وأبو السائب أسلم يوم بدر. والشافعي شقيق رسول الله ﷺ في نسبه، يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف، وكانت زوجة هاشم بن المطلب بنت عمه الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف فولد منها عبد يزيد جد الشافعي. فالشافعي إذن ابن عم رسول الله ﷺ وابن عمته؛ لأن الشفاء أخت عبد المطلب جد رسول الله ﷺ . وولد الشافعي سنة خمسين ومائة بغزة على الصحيح، وأخذ العلم من مالك بن أنس (١) ومسلم بن خالد الزنجي (٢)، وسفيان بن عيينة (٣)، وسمع الحديث عن إسماعيل ابن علية (٤) وعبد الوهاب (٥) بن عبد المجيد الثقفي ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم. قال الشافعي: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن خمس عشر، وقدمتُ على مالك وأنا ابن خمس عشرة سنة. وقال: رأيت علي بن أبي طالب في منامي فصافحني ووضع خاتمه في إصبعي، ففسرته أن مصافحته لي أمان من العذاب، ووضعه الخاتم في إصبعي أن سيبلغ اسمي ما بلغ اسمه في الشرق والغرب. وناظر الشافعي محمد بن الحسن بالرقة بين يدي الرشيد، فقطعه الشافعي وكان الشافعي حافظًا للشعر، قال الأصمعي: قرأت ديوان الهذليين على الشافعي. وقال أبو عثمان المازني: قرأت ديوان الشنفرى على الشافعي بمكة. وقال أحمد بن حنبل: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالستُ الشافعي. وقدم الشافعي إلى بغداد مرتين، مرةً في سنة خمس وسبعين ومائة، وأخرى سنة ثمان وسبعين ومائة. وناظر بشر المريسي (٦) المعتزلي ببغداد.

стр. 8761

وناظر حفص الفرد بمصر، فقال حفص: القرآن مخلوق واستدل عليه فتجاريا في الكلام حتى كفّره الشافعي. ومما استدل به الشافعي وقد رواه البويطي (١) عنه، قال: سمعتُ الشافعي يقول: إنما خلق الله الخلق بِكُنْ، فإذا كانت «كُنْ» مخلوقة فكان مخلوقًا خلق بمخلوق، قال ابن بنت الشافعي: حدثنا أبي، قال: كان الشافعي ينظر في النجوم وهو حدث. وما نظر في شيء إلا فاق فيه. فجلس يومًا وامرأته تطلق، فحسب وقال: تلد جارية عوراء على فرجها خال أسود، تموت كذا وكذا، وكان كما قال. فجعل على نفسه أن لا ينظر فيه بعدها، ودفن الكتب التي كانت عنده في النجوم. وكان الشافعي ينكر على أهل الكلام ومن يشتغل فيه. وللشافعي شعر فائق، فمنه: [من الكامل] وأحقُّ خلق الله بالهم أمرهٌ … ذُو همَّةٍ يبلى بعيش ضيق (٢) وله أيضًا: [من الكامل] رَعَتِ النسور بقُوَّةٍ جِيَفَ الفَلا … ورعى الذباب الشَّهْد وهو ضعيف (٣) وفيها (٤): مات الحسن بن زياد اللؤلؤي (٥) الفقيه صاحب أبي حنيفة. وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي (٦) صاحب المسند، ومولده سنة ثلاث وثلاثين ومائة. وفيها (٧): توفي النضر (٨) بن شميل بن خرشة البصري النحوي، سار إلى خراسان من البصرة، ولما خرج من البصرة مسافرًا خرج لوداعه ثلاثة آلاف رجل من أعيان أهل البصرة، فقال النصر: والله لو أن لي كل يوم كيلجة باقلا ما فارقتكم، فلم

стр. 8762

يكن فيهم أحد يتكلف ذلك له، وأقام بمرو من خراسان وصار ذا مال طائل. وصحب الخليفة المأمون، وحظي عنده، فقال المأمون يومًا: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز بفتح سين سداد، فأعاد النصر الحديث بكسر السين، فاستوى المأمون جالسًا، وقال: يا نصر تلحنني فقال: إنما لحن هشيم، وكان لحنةً فتبع أمير المؤمنين لفظه، فقال: ما الفرق بينهما؟ قال: السَّداد بالفتح القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكسر البلغة، وكلّما سددت به شيئًا فهو سداد بكسر السين، وأنشد من أبيات عمرو بن عمرو بن عثمان بن عفان المعروف بالعرجي: الشاعر قوله: [الوافر] أضاعوني وأي فتى أضاعوا … ليوم كرية وسدادِ ثَغر فأمر له المأمون بخمسين ألف درهم، وكان النضر من أصحاب الخليل بن أحمد وهو بفتح النون وسكون الضاد، وشميل بضم الشين. وخرشة بفتح الخاء المعجمة، والعرج بفتح العين وسكون الراء عقبة بين مكة والمدينة. سنة خمس ومائتين فيها (١): استعمل المأمون طاهر بن الحسين على الجانب الشرقي من مدينة السلام إلى أقصى عمل الشرق. وفيها (٢): توفي يعقوب (٣) بن إسحاق بن زيد البصري القارئ. أحد القراء العشرة. وله رواية مشهورة. قرأ على سلمان بن سليمان الطويل. وقرأ سلمان على عاصم بن أبي النجود، وقرأ عاصم على أبي عبد عبد الرحمن السلمي، وقرأ عبد الرحمن على علي بن أبي طالب ﵁، وقرأ علي على رسول الله ﷺ . سنة ست ومائتين فيها (٤): مات الحكم بن هشام صاحب الأندلس لأربع بقين من ذي الحجة.

стр. 8763

وكانت ولايته في صفر سنة ثمانين ومائة. ولما تولى كان عمره اثنتين وخمسين سنة، وخلَّف من الولد تسعة عشر ذكرًا، ولما مات قام بالملك بعده ابنه عبد الرحمن. وفيها (١): توفي محمد بن المستنير المعروف بقطرب النحوي (٢)، أخذ النحو عن سيبويه، وكان يبكر بالحضور إلى سيبويه للاشتغال عليه قبل الصبح فقال له: ما أنت إلا قطرب، فغلب ذلك عليه. وفيها (٣): توفي أبو عمرو إسحاق الشيباني (٤) اللغوي. سنة سبع ومائتين فيها (٥): توفي طاهر بن الحسين في جمادى الأولى من حمى، وكان في آخر جمعة صلاها ترك الدعاء للمأمون وقصَدَ أن يخلعه (٦)، فمات، وكان أعور ويلقب ذا اليمينين، وفيه يقول بعضهم (٧): [من الرجز] ياذا اليمينين وعين واحده … نقصان عن ويمين زائده وفيها (٨): توفي بشر بن عمرو الزاهد الفقيه. وفيها (٩): توفي محمد بن عمر بن واقد الواقدي (١٠)، وعمره ثمان وسبعون سنة وكان عالمًا بالمغازي واختلاف العلماء، ضعيفًا في الحديث، وله عدة مصنفات، وكان المأمون يكرمه، وكان يتولى القضاء بالجانب الشرقي من بغداد. وفيها (١١): توفي محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى (١٢)، المعروف بابن كناسة

стр. 8764

وهو ابن أخت إبراهيم بن أدهم، وكان عالمًا بالعربية والشعر وأيام الناس. وفيها (١): توفي أبو زكريا يحيى بن زياد المعروف بالفراء (٢) الديلمي الكوفي أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب. قال الجاحظ: دخلت بغداد سنة أربع ومائتين حين قدم إليها المأمون، وكان الفراء يجيئني ويشتهي أن يتعلم شيئًا من علم الكلام، فلم يكن له فيه طبع واتخذ المأمون الفراء معلّما لأولاده. وللفراء عدة مصنفات منها، كتاب الحدود وكتاب المعاني، وكتابان في الشكل، وغير ذلك، وكانت وفاته بطريق مكة حرسها الله. وعمره ثلاث وستون سنة. ولم يكن الفراء بمعنى الفراء وإنما كان يفري الكلام. في (٣) سنة ثمان وتسع وعشر ومائتين سنة ثمان: توفي الفضل بن الربيع. وفي تسع (٤): هلك ميخائيل ملك الروم، وكان ملكه تسع سنين. وملك بعده ابنه توفيل. وفيها (٥): توفي أبو عبيدة (٦) محمد بن حمزة (٧) اللغوي، وكان يميل إلى رأي الخوارج وعمره تسع وتسعون سنة، وكان مفننًا في العلوم، وكان مع كمال فضائله إذا أنشد الشعر كسره ولا يحسن يقيم وزنه. وبلغت مصنفاته نحو مائتي مصنف. وفي سنة عشر ومائتين: ظفر (٨) المأمون بإبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام، وكان يعرف بابن عائشة، ومعه جماعة من الأعيان الذين سعوا في بيعة

стр. 8765

إبراهيم بن المهدي، فحبسهم وصَلَبَ ابن عائشة. وهو أول عباسي صلب. ثم أنزل وكفن وصلّي عليه ودفن. ثم ظفر (١) المأمون بإبراهيم بن المهدي في هذه السنة، أمسكه حارس أسود وهو متنقب مع نساء (٢)، وأحضر بين يدي المأمون على حالته تلك، فأطلقه بشفاعة بوران. وفيها (٣): دخل المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل وكان الحسن مقيمًا بفم الصلح، فسار المأمون إليها، ودخَلَ بها، ونثرت عليه جدة بوران ألف درة (٤) وأوقدت شمعة عنبر فيها أربعون رطلًا (٥)، وكتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع ونثرها على القواد، فمن وقع (له) (٦) رقعة أخذ الضيعة المسماة (فيها) (٧). أقول (٨): قد تقدم في سنة ثلاث ومائتين أن الحسن تغيّر عقله من السوداء وقيد وحبس، لكنه تعافى بعد ذكره وعاد إلى منزلته (٩). وفيها (١٠): ماتت علية (١١) بنت المهدي، ومولدها سنة ستين ومائة. وكان زوجها موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. سنة إحدى واثنتين وثلاث وأربع عشرة ومائتين في سنة إحدى عشرة: أمر (١٢) المأمون مناديًا يقول: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، أو فضله على أحد من الصحابة. وفيها (١٣): مات أبو العتاهية، إسماعيل بن القاسم (١٤) الشاعر.

стр. 8766

وفيها (١): توفي أبو الحسن سعيد بن مسعدة (٢) الأخفش، النحوي، البصري. أخَذَ النحو عن سيبويه، وكان أكبر من سيبويه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئًا إلا بعد عرضه عليَّ، وللأخفش عدة مصنفات، وهو الذي زاد في العروض بحر الخَبَبْ. والذين يسمون بالأخفش ثلاثة أوَّلَهُم الأخفش الأكبر. وهو أبو الخطاب عبد الحميد من أهل هجر، وكان نحويًا أيضًا، ثم الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة. ثم الأخفش الأصغر المتأخر علي بن سليمان بن الفضل، وكان نحويًا أيضًا، وتوفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة. وفيها (٣): توفي عبد الرزاق (٤) الصنعاني، المحدّث، وهو من مشايخ أحمد بن حنبل. وكان متشيّعًا. وفي سنة اثنتي عشرة (٥): أظهر المأمون القول بخلق القرآن وتفضيل علي بن أبي طالب على جميع الصحابة، وأنه أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ . وفيها (٦): توفي محمد بن يوسف الضبي (٧) وهو من مشايخ البخاري. وفي سنة ثلاث عشرة (٨): ولى المأمون ابنه العباس الجزيرة والثغور (٩). وولى أخاه أبا (١٠) إسحاق (المعتصم) (١١) الشام ومصر. وولى غسان بن عباد السند.

стр. 8767

وفيها (١): توفي إبراهيم (٢) الموصلي المغني، وكان كوفيًا، سافر إلى الموصل وعاد، فقيل له الموصلي. وفيها (٣): مات علي بن جبلة (٤) الشاعر. وأبو عبد الرحمن (٥) المقرئ المحدث. وفيها (٦): توفي في مصر أبو محمد عبد الملك (٧) بن هشام بن أيوب الحميري. وهو الذي جمع سيرة رسول الله ﷺ من المغازي والسير لابن إسحاق (٨) وهذبها وشرحها السهيلي (٩)، وكان ابن هشام من أهل مصر، وأصله من البصرة. وفي سنة أربع عشر ومائتين: استعمل (١٠) المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان. وفيها (١١): صُلّح حال أبي دلف (١٢) مع المأمون، وكان من أصحاب الأمين. وقدم على المأمون خائفًا فأكرمه.

стр. 8768

وفيها (١): توفي إدريس (٢) بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب، بالمغرب وقام بعده ابنه محمد بفاس والبربر، وولّى أخاه القاسم طنجة وما يليها، وأخاه عمر صنهاجة وغمارة، وولّى أخاه داود هوارة باسليب. وولّى أخاه يحيى مدينة داني، واستعمل باقي إخوته على ملك البربر، وسنذكر (٣) أخبار الأدارسة في سنة سبع عشرة وثلاثمائة. وفيها (٤): توفي أبو عاصم (٥) بن مخلد الشيباني، الإمام في الحديث. سنة خمس وست وسبع وثمان عشرة ومائتين في سنة خمس: سار (٦) المأمون لغزو الروم، ووصل إلى إنطاكية والمصيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى الأولى، ففتح حصونًا وعاد إلى دمشق. وفيها (٧): توفي أبو سليمان (٨) الداراني الزاهد بداريا. ومكي (٩) بن إبراهيم البلخي، وهو من مشايخ البخاري. وأبو زيد سعيد (١٠) النحوي اللغوي وعمره ثلاث وتسعون سنة.

стр. 8769

وفيها (١): توفي أبو سعيد الأصمعي (٢)، اللغوي، البصري، واسمه عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن صالح. وعمره ثمان وثمانون سنة. نسبه إلى جده أصمع. وكان إمامًا في الأخبار والنوادر واللغة. وله عدة مصنفات. منها: كتاب خلق الإنسان وكتاب الأجناس وكتاب الأنواء، وكتاب الصفات، وكتاب الميسر والقداح، وكتاب خلق الفرس، وكتاب خلق الإبل، وكتاب الشاء وكتاب جزيرة العرب، وغير ذلك. وقريب بضم القاف وفتح الراء وبالباء. وفي سنة ست: سار (٣) المأمون إلى بلاد الروم فقتل وسبى وفتح عدة حصون، وعاد إلى دمشق، وسار من دمشق إلى مصر. وفيها (٤): ماتت أم جعفر زبيدة ببغداد. وفي سنة سبع: عاد (٥) المأمون من مصر إلى الشام، ودخل بلد الروم. وأناخ على لؤلؤة مائة يوم ثم رحل عائدًا. وبعث توفيل ملك الروم يطلب المهادنة فما أجيب (٦). وفي سنة ثمان (٧): كتب المأمون إلى عامله ببغداد إسحاق بن إبراهيم أن يمتحن القضاة وجميع أهل العلم بالقرآن، فَمَنْ أقرّ أنه مخلوق محدث خلى سبيله، ومَنْ أبي يُعلمه به ليرى فيه رأيه. فجمع أهل العلم الذين ببغداد. منهم قاضي القضاة بشر بن الوليد الكندي، ومقاتل (٨) وأحمد بن حنبل، وقتيبة وعلي بن الجعد وغيرهم. وكتب أسماءهم وقرأ عليهم كتاب المأمون وقال لبشر: ما تقول في القرآن؟ قال بشر: كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شيء. قال: أمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق. قال:

стр. 8770

ليس عن هذا أسألك (أمخلوقٌ هو) (١)؟ قال: ما أحسن غيره. قال إسحاق للكاتب: اكتب ما قال. ثم سأل غيره وغيره. ويجيبون قريبًا مما أجاب به بشر. فقال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. لا أزيد غيرها. ثم سأل قتيبة وعبد المنعم بن إدريس ابن بنت وهب بن منبه. فأجابوا: إن القرآن مجعول لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢). والقرآن محدث لقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٣) قال إسحاق: فالمجعول مخلوق. قالوا: نعم، قال: فالقرآن مخلوق. قالوا: لا نقول مخلوق بل مجعول، فكتب مقالتهم ومقالة غيرهم رجلًا رجلًا، ووجهت إلى المأمون. فورد جواب المأمون إلى إسحاق أن يُحضر قاضي القضاة بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي، فإن قالا أن القرآن مخلوق وإلا ضُرِبَتْ أعناقهما. وأما غيرهم فيحملوا إليه موثقين في الحديد، فجمعهم إسحاق وعرض عليهم ذلك، فقالوا كلهم بخلق القرآن إلا أربعة نفر، وهم: أحمد بن حنبل والقواريري (٤)، وسجادة (٥)، ومحمد بن نوح (٦)، فأقر بهم إسحاق، فشدّوا في الحديد، ثم سألهم فأجاب سجادة والقواريري إلى القول بخلق القرآن، فأطْلَقَهما، وأصر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، فوجههما إلى طرسوس، ثم ورد كتاب المأمون يقول: بلغني أن بشر بن الوليد وجماعة معه إنما أجابوا بتأويل الآية التي أنزلها في عمار بن ياسر ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾ (٧) وقد أخطأوا التأويل. فإن الله تعالى عنى بهذه الآية مَنْ كان مُضمرًا للإسلام ومظهرًا للشرك. فأما مَنْ كان مظهرًا للشرك مضمرًا للإيمان فليس هذا له. فأشخصهم إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم. فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.

стр. 8771

وفي هذه السنة (١): مرض المأمون لثلاث عشرة خَلَتْ من جمادى الآخرة. وكان (٢) سببه ما حكاه سعيد بن العلاف قال: دعاني المأمون وهو وأخوه المعتصم جالسين على شاطئ نهر البدندون. وقد وضعا أرجلهما في الماء، فقال: أي شيء يؤكل لنشرب عليه من هذا الماء الذي هو نهاية في الصفاء والعذوبة؟ قال: أمير المؤمنين أعلم. فقال: الرطب، وبينما هما في الحديث إذ وصَلَتْ بغال البريد، عليها الحقائب، وفيها الألطاف، فقال لخادم له: انظر إن كان في هذه الألطاف رطب. فنظر فإذا رطب أزاد (٣) فشكر الله تعالى وعجبنا من ذلك وأكل وأكلنا وشربنا من ذلك الماء، فما قام أحد منا إلا وهو محموم. ولم يزل المعتصم مريضًا حتى دخل العراق، فلما (مرض المأمون) (٤) مرض الموت أوصى إلى أخيه أبي إسحاق بحضرة ابنه العباس بتقوى الله وحسن سياسة الرعية في كلام حسن طويل. ثم قال للمعتصم: عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله لتقومن بهذا الأمر. ولتؤثرن طاعة الله على معصيته إذا أنا نقلتها من غيرك إليك. قال: اللهم نعم، قال: هؤلاء بنو عمك ولد أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه، أَحْسِنْ صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، ولا تغفلن عن صلاتهم في كل سنة. وتوفي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، وحَمَلَه (٥) ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس فدفناه بدار جلعان خادم الرشيد. وصلّى عليه المعتصم. وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا سوى أيام دعي له بالخلافة وأخوه الأمين محصور ببغداد. وكان مولده النصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وكانت كنيته أبا العباس. وكان ربعةً أبيض جميلًا طويل اللحية دقيقها. قد وَخَطَهُ الشيب، بخده خال أسود. بعض سيرته (٦): لما كان بدمشق قل المال الذي بصحبته حتى ضاق وشكا ذلك إلى المعتصم فقال له: يا أمير المؤمنين. كأنك بالمال قد وافاك بعد جمعة. وحمل إليه المعتصم ثلاثين ألف ألف دينار من خراج ما يتولاه له، فلما ورد ذلك قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر هذا المال. فخرجا ونظرا إليه. وقد هيئ بأحسن هيأة.

стр. 8772

وحُلِّيَتْ أباعره فاستكثر المأمون ذلك واستحسنه والناس ينظرون ويتعجبون، فقال المأمون: يا أبا محمد. نتصرف بالمال ويرجع أصحابنا خائبين، إن هذا للؤم. ودعا محمد بن داود (١) فقال له: وقع لآل فلان بألف ألف. ولآل فلان بمثلها حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف. ورجله في الركاب. وكان المأمون ينظم الشعر فمما يروى له: [من الطويل] بعثتُكَ مُرتادًا ففزت بنظرة … وأغفلتني حتى أسأتُ بك الظنا (٢) فناجيتَ مَنْ أهوى وكنت مُباعِدًا … فيا ليتَ شِعْري عن دنوك ما أغنى أرى أثرًا منها بعينيك لم يكن (٣) … لقد سرقت عيناك (٤) من وجهها (٥) حسنا وكان المأمون شديد الميل إلى العلويين. وكثير الإحسان (إليهم) (٦) رحمه الله تعالى. وردَّ فَدَك (٧) على ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وسلمها إلى محمد بن يحيى بن الحسن (٨) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ليفرّقها على مستحقيها من ولد فاطمة. وكان المأمون فاضلًا مشاركًا في علوم كثيرة. خلافة المعتصم بالله ثامن بني العباس (٩) بويع لأبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد بالخلافة بعد موت المأمون، ولما بويع شغب الناس ونادوا باسم أبي العباس بن المأمون، فأرسل المعتصم إليه فأحضره، فبايعه (العباس) (١٠) ثم خرج إلى الناس فقال: قد بايَعْتُ عمّي، فَسَكَنُوا، وانصرف المعتصم إلى بغداد، ومَعَهُ العباس بن المأمون، فقدمها مستهل رمضان.

стр. 8773

سنة تسع وسنة عشرين وإحدى واثنتين وثلاث وعشرين ومائتين في سنة تسع: أحضر (١) المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه في القرآن فلم يَقُلْ بخلقه فجلده حتى غاب عقله وتقطع جلده وقيد وحبس. وفيها (٢): توفي أبو نعيم الفضل (٣) التيمي، وهو من مشايخ البخاري ومسلم. وكان مولده سنة ثلاثين (٤) ومائة، وكان شيعيًا. وفي سنة عشرين ومائتين: خرج (٥) المعتصم لبناء سامراء، فخرج إلى القاطول (٦) واستخلف على بغداد ابنه الواثق. وفيها (٧): قبض المعتصم على وزيره الفضل بن مروان (٨)، وكان قد استولى على الأمور، بحيث لم يبق للمعتصم معه أمر، وولى المعتصم مكانه محمد بن عبد الملك الزيات (٩). وفيها (١٠): توفي محمد الجواد بن علي الرضا بن (١١) موسى الكاظم بن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين، أحد الأئمة الاثني عشر. وفي (١٢) سنة إحدى وعشرين: توفي قاضي القيروان أحمد (١٣) بن محرز،

стр. 8774

وكان (١) من العلماء الزاهدين. وفيها (٢): توفي أبو إياس (٣) العسقلاني. وهو من مشايخ البخاري. وفي (٤) سنة ثلاث: خرج ملك الروم توفيل في مائة ألف، فبلغ زبطرة (٥) وقتل وسبى ومثل بمن بقي (٦) في يده من المسلمين. ولما بلغ المعتصم ذلك. وأن امرأةً هاشمية صاحت وهي بأيدي الروم وامعتصماه. استعظمه ونهض من وقته، وجمع العساكر لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وبلغه أنَّ عمورية عين النصرانية، وهي أشرف عندهم من قسطنطينية وإنه لم يتعرض إليها أحد منذ كان الإسلام. وتجهز جهازًا لم يعهد قبله مثله من السلاح وحياض الأدم وغير ذلك، وسار حتى نزل على نهر (٧) بين طرسوس وبينه يوم، وجعل عسكره ثلاث فرق فرقة مع الأفشين حيدر (٨) بن كاوس ميمنة، وفرقة مع اشناس الحاجب ميسرة. وفرقة مع المعتصم في القلب وبين كل فرقة وفرقة فرسخان، وأمرهم المعتصم بتخريب القرى وبلاد الروم، ففعلوا ذلك حتى وصلوا إلى عمورية. فأوّل مَنْ قدمها أشناس، ثم المعتصم، ثم الأفشين فأحدقوا بها. وكان نزوله عليها لست خلونَ من رمضان من هذه السنة. ونصب عليها المنجنيقات، وجرى بين المسلمين والروم عليها قتال شديد آخرها أن المسلمين خربوا في السور مواضع بالمنجنيقات، وهجموا البلد، وقتلوا أهله، ونهبوا الأموال والنساء، وأقبل الناس بالأموال والسبايا إلى المعتصم من كل جهة. وأمر بعمورية فهدمت وأحرقت، وكان مقامه على عمورية خمسة وخمسين يومًا، ثم ارتحل راجعًا إلى الثغور. فلما كان في بعض الطريق بلغه أن العباس بن المأمون بايَعَهُ جماعةٌ من القواد (٩) وهو يريد أن يثب عليه بالخلافة (١٠)، فدعا المعتصم بالعباس بن المأمون، فأمسكه

стр. 8775

وسلّمه إلى الأفشين، فلما وصل العباس إلى منبج (١) طلب العباس الأكل، فأكل ومنع من الماء حتى مات، وصلّى عليه بعض إخوته، وأتم المعتصم السير إلى سامراء. وفيها (٢): توفي ملك إفريقية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، وتولى أخوه أبو عفان (٣)، الأغلب بن إبراهيم. سنة أربع وخمس وست وسبع وعشرين ومائتين في سنة أربع (٤): مات إبراهيم بن المهدي في رمضان، وصلى عليه المعتصم. وفيها (٥): توفي أبو عبيد القاسم (٦) بن سلام، الإمام اللغوي، و (كان) (٧) عمره سبعًا وستين سنة. وفي خمس: توفي أبو دلف العجلي (٨). وفي سنة ست: غضب (٩) المعتصم على الأفشين حيدر بن طاوس وحبسه حتى مات في حبسه، وأخرج فَصُلب وأحرقت جثته. والأفشين هو الذي قاتل بابك المجوسي (١٠) الذي استولى على جبال أذربيجان عشرين سنة. وعظم جمعه، وهزم عساكر المعتصم مرارًا حتى انتدب له المعتصم الأفشين. فانتصر عليه الأفشين وخرّب مدينته البد (١١) وأسره وأحضره إلى المعتصم، فقتله. وفيها (١٢): توفي (أبو) (١٣) الهذيل محمد بن الهذيل العلاف البصري، شيخ المعتزلة وقد نيف على مائة سنة.

стр. 8776

وفيها (١): توفي أبو عفان (٢) الأغلب صاحب إفريقية، وتولى بعده أخوه أبو العباس محمد بن إبراهيم، فكانت ولاية أخيه سنتين وتسعة أشهر. وفي سنة سبع: توفي (٣) المعتصم بن الرشيد لثماني عشرة مضت من ربيع الأول بسامراء، وكانت (٤) خلافته ثمان سنين وثمانية أشهر ويومين. وكان مولده سنة سبع وتسعين (٥) ومائة، وهو ثامن الخلفاء والثامن من ولد العباس، ومات عن ستة عشر ولدًا، بصفين. وكان أصهب اللحية طويلها، مربوع، مشرب اللون بحمرة. وهو أول من أضيف إلى لقبه اسم الله تعالى، وأول من لبس التاج من الخلفاء. وكان طيب الخلفاء ولكنه إذا غَضِبَ لا يبالي من قتل وما فعل. وقد حكي (٦) أنه انفرد عن أصحابه في يوم مطير، فبينا هو يسير إذ رأى شيخًا معه حمار عليه حمل شوك وقد توحل الحمار ووقع الحمل، وهو ينتظر من يمر به ويساعده على ذلك. فنزل المعتصم عن دابته وخلّصه ورفع الحمل على الحمار ثم لحقه أصحابه، فأمر لصاحب الحمار بأربعة آلاف درهم. وقال ابن أبي داود: تصدق المعتصم على يدي بمائة ألف ألف درهم. خلافة الواثق بالله هارون تاسع بني العباس (٧) بويع له في اليوم الذي مات فيه أبوه، وذلك يوم الخميس لثماني عشرة مضت من ربيع الأول من هذه السنة، وأم الواثق رومية اسمها قراطيس. وفيها (٨): هلك توفيل ملك الروم، وملك بعده امرأته بدورة (٩) وابنها ميخائيل بن توفيل.

стр. 8777

ولما (١) مات المعتصم ثارت القيسية بدمشق، وأفسدوا، وحصروا أميرهم بدمشق، فبعث إليهم الواثق عسكرًا مع رجاء بن أيوب، فقاتلهم وكانوا مجتمعين بمرج راهط. فقتل منهم (نحو) (٢) ألف وخمسمائة. وانهزم الباقون، وصلح أمر دمشق. وفيها (٣): توفي بشر (٤) الحافي الزاهد في ربيع الأول. سنة ثمان وتسع وسنة ثلاثين وإحدى وثلاثين واثنتين وثلاثين ومائتين في (٥) سنة ثمان: فتحت (٦) المسلمون عدة أماكن من جزيرة صقلية، وكان الأمير على صقلية محمد بن عبد الله بن الأغلب (٧)، وكانت إمارته تسع عشرة سنة. وتوفي سنة سبع وثلاثين ومائتين في رجب (على ما سنذكره إن شاء الله تعالى) (٨). وفيها (٩): مات أبو تمام حبيب بن أوس الطائي الشاعر. وفيها (١٠): أعطى الواثق أشناس تاجًا ووشاحين. وفي (١١) سنة تسع: حبس الواثق الكتاب، وألزموا أموالًا عظيمة. وفيها (١٢): توفي خلف (١٣) بن هشام البزار المقرئ.

стр. 8778

وفي (١) سنة ثلاثين: خرجت المجوس في أقاصي بلد الأندلس (في البحر) (٢) إلى بلاد المسلمين. وجرى بينهم وبين المسلمين بالأندلس عدّة وقائع انهزم فيها المسلمون وساروا يقتلون المسلمين حتى دخلوا حاضر إشبيلية. ووافاهم عسكر عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس، فهزموهم وأخذوا لهم أربعة مراكب بما فيها، وهربت المجوس في مراكبهم إلى بلادهم. وفيها (٣): مات اشناس الحاجب التركي بعد عبد الله بن طاهر (٤) بتسعة أيام. وفي (٥) إحدى وثلاثين: مات أبو يعقوب يوسف (٦) بن يحيى البويطي الفقيه صاحب الشافعي. وكان قد حبس في المحنة بالقول بخلق القرآن الحبيب. ولم يجب إلى ذلك. وكان من الصالحين. منسوب إلى بويط قرية من قرايا مصر. وفيها (٧): توفي محمد (٨) بن زياد المعروف بابن الأعرابي الكوفي، صاحب اللغة، وكان أبوه سنديًا، أخَذَ الأدب عن المفضل الضبي، صاحب المفضليات، ولابن الأعرابي عدة مصنفات. منها: كتاب «النوادر» وكتاب «الأنوار» و «تاريخ القبائل» وغير ذلك وولد في الليلة التي توفي فيها أبو حنيفة سنة خمسين ومائة، والأعرابي منسوب إلى الأعراب، يقال: رجل أعرابي إذا كان بدويًا وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي منسوب إلى العرب، وإن لم يكن بدويًا، ويقال له أعجم وعجمي إذا كان في لسانه عُجْمَة، وإن كان من العرب، ورجل أعجمي منسوب إلى العجم وإن لم يكن منهم إلا فصيحًا. هكذا ذكر محمد بن سعيد السجستاني في كتابه الذي فسر فيه غريب القرآن. وفي سنة اثنتين وثلاثين: مات الواثق (٩).

стр. 8779

توفي (١) الواثق في هذه السنة لست بقين من ذي الحجة. بالاستسقاء. وعولج بالاقعاد في تنور مسخّن. ووَجَدَ عليه خفّة، فعاوده، وشدّد سخونته، وقعد فيه أكثر من اليوم الأول، فحمي عليه. وأخرج في محفّة، فمات فيها. ودفن بالهاروني، ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين، فنظروا في مولده، فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام (٢). وكان أبيض (٣)، مشربًا بالحمرة، وفي عينه اليسرى نكتة بياض وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وكسرًا وعمره اثنتان وثلاثون سنة. وكان يبالغ في إكرام العلويين، وفرق في الحرميين أموالًا عظيمة حتى إنه لم يبق بالحرمين في أيام الواثق سائل (٤)، ولما بلغ أهل المدينة موته حزنوا عليه، وعملوا مأتَمَهُ في البقيع، وسلك الواثق مذهب أبيه المعتصم وعمه المأمون في القول بخلق القرآن، وأن الله لا يُرى بالآخرة بالأبصار. خلافة المتوكل على الله جعفر عاشر بني العباس (٥) بويع له لما مات أخوه الواثق، ولما مات الواثق عزم كبراء الدولة على بيعة محمد بن الواثق، فألبسوه قلنسوة ودراعة سوداء، وهو أمرد قصير. فلم يروا ذلك مصلحة، وتناظروا فيمن يولونه، وذكروا عدة من بني العباس، فقام أحمد بن أبي دؤاد، وألبس المتوكل سواد الواثق، وقبل بين عينيه، وقام بين يديه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فبويع بالخلافة، وكان عمره لما بويع ستًا وثلاثين (٦) سنة. سنة ثلاث وثلاثين إلى سنة أربعين ومائتين في سنة ثلاث في صفر: قبض (٧) المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات الوزير وحبسه، وأخذ جميع أمواله. وعذَّبَهُ بالسهر، ثم جعله في تنور خشب فيه مسامير حديد أطرافها إلى داخل التنور، تمنع من يكون فيه من الحركة، فبقي كذلك

стр. 8780

أيامًا، ثم مات لاثنتي عشرة ليلةً بقيت من ربيع الأول من السنة. وكان ابن الزيات هو الذي عمل هذا التنور وعذب فيه ابن أسباط (١) المصري، وأخذ أمواله، وكان ابن الزيات صديق إبراهيم الصولي (٢)، فلما ولي ابن الزيات الوزارة صادره بألف ألف درهم، فقال الصولي: [من المتقارب] وكنت أذم إليك الزمان … فأصبحتُ منك أذم الزمانا (٣) وكنت أعدك للنائبات … فها أنا أطلب منك الأمانا وفيها (٤): ولى المتوكل ابنه المنتصر الحرمين واليمن والطائف. وفيها (٥): توفي أبو زكريا يحيى (٦) بن معين بن عون بن زياد بن بسطام المري البغدادي المشهور، وهو صاحب الجرح والتعديل، وكان أحمد بن حنبل صاحبه (٧). وكانا مشتركين في الاشتغال بالحديث. وذكره الدارقطني فيمن روى عن الإمام الشافعي. وولد سنة ثمان وخمسين ومائة. وتوفي هذه السنة في ذي الحجة ﵀. وفي سنة أربع (٨): توفي علي بن عبد الله بن جعفر المعروف بابن المدائني (٩) الحافظ. وهو إمام ثقة. وفي (١٠) سنة خمس: ظهر بخراسان رجل يقال له محمود بن فرج. وادعى النبوة.

стр. 8781

وسمى نفسه ذا القرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلًا. فأتي به وبأصحابه إلى المتوكل، فأمر أصحابه، فصَفَعَهُ كلُّ واحدٍ عَشْرَ صفعات، وضُرب حتى مات من الضرب، وحبس أصحابه. وفيها (١): مات إسحاق بن إبراهيم (٢) الموصلي، صاحب الغناء (٣) والألحان. وفيها (٤): توفي عبد السلام (٥) بن رغبان (بالغين المنقوطة) الشاعر الحمصي المعروف بديك الجن، وكان يتشيع، وعاش بضعًا وسبعين سنة، ومن جيد شعره، أبياته التي منها (٦): [من الطويل] وقمْ أنتَ فاحثت كأسَها غير صاغر … ولا تسق إلا خمرها وعقارها مشعشعةً من كف ظبي كأنما … تناولها من خدّه وأدارها وفي سنة ست: أمر (٧) المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، وهدم ما حوله من المنازل، ومنع الناس من إتيانه، وكان المتوكل شديد البغض لعلي ﵁. وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث. وكان يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة. ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص، وكان يجالس بغضاء علي مثل ابن الجهم الشاعر وأبي السمط من (٨) ولد مروان بن أبي حفصة. فغطى ذمه لعلي على حسناته. وإلا كان من أحْسَنِ الخلفاء سيرةً. ومنع الناس من القول بخلق القرآن. وفيها (٩): توفي منصور بن المهدي.

стр. 8782

وفي سنة سبع: مات (١) محمد بن عبد الله أمير صقلية. وتولّى موضعه العباس بن الفضل بن فزارة (٢)، وفتح قصريانه. مدينة عظيمة (وهي) دار ملك صقلية. وكان الملك قبلها يسكن مرقوسة. فلما أخذ المسلمون بعض الجزيرة انتقل الملك إلى قصريانه لحصانتها، ففتحها العباس هذه السنة يوم الخميس منتصف شوال، وبنى فيها مسجدًا، ونصب فيه منبرًا، وخَطَبَ وصلّى فيه الجمعة. وفيها (٣): توفي حاتم الأصم (٤) الزاهد البلخي. سمي أَصَمًّا؛ لأن امرأة جاءت تسأله عن مسألة، فخرج منها ريح، فخجلت. فأوهمها أنه أصم، وقال: ارفعي صوتك، فسرت المرأة ظنًّا منه أنه لم يسمع ضرطتها، فَغَلبَ عليه هذا الاسم. وفي سنة ثمان: مات (٥) عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل ابن معاوية بن هشام الأموي، صاحب الأندلس في ربيع الآخر. وكان مولده سنة ست وسبعين ومائة. وولايته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر. وكان أسمر طويلًا، عظيم اللحية، يخضّب بالحناء، وخلّف خمسة وأربعين ابنًا. ولما مات ملك بعده ابنه محمد بن عبد الرحمن. وفي سنة تسع (٦): توفي (محمود) (٧) بن غيلان المروزي، وهو من مشايخ البخاري ومسلم.

стр. 8783

وفي سنة أربعين (١): توفي أبو ثور إبراهيم (٢) بن خالد بن أبي اليمان الكلبي الفقيه البغدادي، صاحب الإمام الشافعي وناقل أقواله القديمة عنه. وكان على مذهب أهل الرأي، حتى قدم على الشافعي، فاتبعه. سنة إحدى واثنتين وثلاث وأربع وخمس وأربعين ومائتين في سنة إحدى وأربعين (٣): توفي الإمام أحمد (٤) بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس ينسب إلى معد بن عدنان، وكانت وفاته في ربيع لأول، وروى عنه مسلم والبخاري وأبو داود، وكان مجتهدًا ورعًا. قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلَّفْتُ بها أحدًا أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل. وفي سنة اثنتين وأربعين: مات (٥) أبو العباس محمد بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية، وولي بعده ابنه أبو إبراهيم أحمد. وفيها (٦): توفي يحيى (٧) بن أكثم بن محمد بن قطن، من ولد أكثم بن صيفي التميمي وكان يحيى عالمًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام. وهو من أصحاب الشافعي. وهو الذي ردّ المأمون عن القول بالمتعة. وقال ابن أكثم لبعض الفضلاء الذين كانوا يعاشرون المأمون: بكروا غدًا إليه، فإن وجدتم للقول وجهًا فقولوا، وإلا فاسكتوا، حتى أدخل، قال أبو العيناء، فدخلنا على المأمون وهو يسأل (٨) وهو مغتاظ؛ متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر ﵁ وأنا أنهى عنهما. ومَنْ أنت يا جعل حتى تنهى عن فعل رسول الله ﷺ . فأوجم أولئك حتى دخل يحيى بن أكثم فقال له المأمون: أراك متغيّرًا فقال: هو غم لما حدث من تحليل الزني يا أمير المؤمنين،

стр. 8784

فقال المأمون: الزنى؟ فقال يحيى: نعم المتعة زنى، فقال: من أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله، وحديث رسول الله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ (٢)، يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي ترث وتورث؟ قال: لا (قال) (٣): وهذا الزهري روى عن عبد الله والحسن بن محمد ابن الحنفية عن أبيهما عن علي بن أبي طالب، قال: أمرني رسول الله ﷺ (أن) (٤) أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان أقرّ بها. قال المأمون: أمحفوظ هذا عن الزهري؟ قال: نعم. رواه عنه جماعةٌ منهم مالك ﵀، فقال المأمون: أستغفر الله، فأمر فنودي بتحريم المتعة. ولم يكن في يحيى بن أكثم ما يُعاب به سوى ما كان يتهم (به) (٥) من محبّة الصبيان. وقد قيل فيه بسبب ذلك أشعار (٦) منها: [من الطويل] وكنا نرجّي أن نرى العدل ظاهرًا … فأعقبنا بعد الرجاء قنوط (٧) متى تصلح الدنيا ويصلُحُ أهلُها … وقاضي قضاة المسلمين يلوط ولأحمد بن نعيم (٨): [من المنسرح] انطقني الدهر بعد إخراسِ … لنائبات أطلن وسواسي لا أفلحتْ أمةٌ وحُقّ لها … بطول نكس وطول اتعاس ترضى بيحيى يكون سائسها … وليس يحيى لها بسواس قاض يرى الحد في الزناء ولا … يرى على مَنْ يلوطُ مِنْ باسِ يحكم للأمرد الغرير على … مثلِ جرير ومثل عباس فالحمد لله كيف قد ذهب الـ … عدل وقل الوفاء في الناس أميرنا يرتشي وحاكمنا … يلوطُ والراس شر ما راس لا أحسب الجور ينقضي وعلى … الأمة وال من آل عباس

стр. 8785

وفي سنة ثلاث وأربعين (١): سار المتوكل إلى دمشق في ذي القعدة. وفيها (٢): مات إبراهيم (٣) بن العباس بن محمد بن صول الصولي. وفيها (٤): توفي الحارث (٥) بن أسد المحاسبي الزاهد، وكان قد هجره أحمد بن حنبل لأجل علم الكلام، فاختفى لتعصب العامة لأحمد فلم يُصلّ عليه غير أربعة أنفس. وفي سنة أربع وأربعين: وصل (٦) المتوكل إلى دمشق، ودخل في صفر، وعزم على المقام بها، ونقل دواوين الملك إليها، فقال يزيد بن محمد المهلهبي (٧): [من الوافر] أظنُّ الشام يشمتُ بالعراق … إذا عزم الإمام على الطلاق فإن تدع العراق وساكنيه … فقد تبكي المليحة بالطلاق ثم استوبأ المتوكل دمشق، واستثقل ماءها فرجع إلى سامراء، وكان مقامه بدمشق شهرين وأيامًا. وفيها (٨): غضب المتوكل على بختيشوع (٩) الطبيب وقبض ماله ونفاه إلى البحرين. وفيها (١٠): قتل المتوكل أبا يوسف يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت صاحب كتاب إصلاح المنطق في اللغة وغيرها. وكان إمامًا في اللغة والأدب قتله

стр. 8786

المتوكل لأنه قال له: أيما أحبّ إليك، ابناي المعتز والمؤيد أم الحسن والحسين، فغض ابن السكيت من ابنيه، وذكر الحسن والحسين بما هما أهله، فأمر مماليكه (فداسوا ببطنه) (١) وحمل إلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم، وقيل: إن المتوكل لما سأل ابن السكيت عن ابنيه وعن الحسن والحسين قال ابن السكيت: والله إن قنبر خادم علي خير منك ومن أولادك، فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك، ومات لساعته في رجب، وكان عمره ثمانيًا وخمسين سنة. وفي سنة خمس وأربعين: توفي (٢) ذو النون المصري (٣) في ذي القعدة، وأبو (علي) (٤) الحسين المعروف بالكرابيسي صاحب الشافعي: سنة ست وأربعين إلى سنة خمسين ومائتين في سنة ست: تحوّل (٥) المتوكل إلى الجعفرية، وكان قد ابتدأ في عمارته سنة خمس وأربعين ومائتين، وأنفق عليه أموالًا تجل عن الحصر. وفيها (٦): توفي دعبل (٧) بن علي الخزاعي، الشاعر، وكان مولده سنة ثمان وأربعين ومائة. وكان يتشيع. وفي سنة سبع: قتل المتوكل. مقتل المتوكل (٨) قتل بالسيوف. باتفاق من ابنه المنتصر وبغا الشرابي الصغير وقتل في مجلس

стр. 8787

شرابه، وقتل ومعه وزيره الفتح بن خاقان، وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال. وكانت (١) خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، وعمره نحو أربعين سنة. وكان أسمر خفيف العارضين. خلافة المنتصر بالله محمد، حادي عشر بني العباس (٢) لما أصبح نهار الأربعاء صبيحة قتل المتوكل حضر الناس والقواد والعساكر إلى الجعفرية فخرج أحمد بن الخصيب إلى الناس. وقرأ عليهم كتاب المنتصر: إن الفتح بن خاقان قتل أبي، فقتلته به، فبايعه الناس. وفيها (٣): توفي العباس أمير صقلية. وتولى عليهم ابنه عبد الله، ثم ورد من إفريقية خفاجة بن سفيان أميرا على صقلية، ففتح في جزيرة صقلية، ثم اغتاله رجل من عسكره، فقتله وهرب إلى المشركين، ولما قتل استعمل الناس ابنه محمدا ثم أقره على ولايته محمد بن أحمد بن الأغلب صاحب القيروان. وبقي محمد بن خفاجة أميرا على صقلية إلى سنة سبع وخمسين ومائتين. فقتله خدمه الخصيان وهربوا، فأدركهم الناس وقتلوهم، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة: توفي (٤) أبو عثمان بكر (٥) بن محمد المازني النحوي الإمام في العربية. وفي سنة ثمان: توفي (٦) المنتصر بن المتوكل، يوم الأحد بسامراء لخمس خلون من ربيع الأول. بالذبحة (٧)، وكانت مدة علته ثلاثة أيام وعمره خمسا وعشرين سنة وستة

стр. 8788

أشهر. وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وكان أعين أقنى قصيرًا، مهيبًا، عظيم (اللحية) (١)، راجح العقل، كثير الإنصاف. وأمر الناس بزيارة قبر الحسين (بن) (٢) علي ﵄، وآمن العلويين، وكانوا خائفين زمن أبيه. خلافة المستعين بالله أحمد، ثاني عشر خلفاء بني العباس (٣) وهو أحمد بن المعتصم، ولما توفي المنتصر اتفق كبراء الدولة على المستعين وكرهوا إقامة ولد المتوكل لكونهم قتلوا أباههم، فبايعوا المستعين ليلة الاثنين لست خلون من ربيع الآخر، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس. وفيها: ورد (٤) الخبر على المستعين بوفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان في رجب فعقد المستعين لولده محمد بن طاهر على خراسان. وفيها: مات (٥) بغا الكبير، فجعل المستعين ولده موسى بن بغا مكانه. وفيها: شَغَب (٦) أهل حمص على كيدر (٧) عاملهم وأخرجوه عنهم. وفيها: تحرك (٨) يعقوب بن الليث الصفار من سجستان وسار نحو هراة. وفي سنة تسع: كان بين المسلمين والروم وقعة بمرج الأسقف، قتل فيها مقدم المسلمين عمرو بن الأقطع (٩)، وكان شجاعًا، وانهزمت (١٠) المسلمون، وقتل منهم جماعة، وأغارت الروم على الثغور الجزرية. وفيها: شغب (١١) الجند الشاكرية والعامة ببغداد على الأتراك بسبب استيلائهم

стр. 8789

على أمور المسلمين، يقتلون مَنْ شاؤوا من الخلفاء، ويحكمون (١) من أحبوا بغير ديانة. ثم وقعت بسامراء فتنة من العامة، ففتحوا السجون وأطلقوا المسجونين، ثم ركب الأتراك وقتلوا من العامة جماعة فسكنت الفتنة. وفيها: ثارت (٢) الموالي بأتامش فقتلته، ونهبوا من داره؛ لأن المستعين أطلق يد والدته، ويد أتامش ويد شاهك الخادم في بيوت الأموال. فكانوا يأخذون الأموال دون غيرهم، فقتل أتامش لذلك. وفيها (٣): توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية فولي بعده أخوه زيادة الله وكنيته أبو محمد. وفي سنة خمسين: ظهر (٤) يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن زين العابدين، ويكنى أبا الحسين بالكوفة، وكثر جمعُه، واستولى على الكوفة فوجه إليه محمد بن طاهر جيشًا فخرج يحيى بجمعه، فقتل وانهزم أصحابه وحمل رأسه إلى المستعين. وفيها: ظهر (٥) الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن (٦) (بن الحسن) (٧) بن علي ﵃ بطبرستان، وكثر جمعه. وفيها: وثب (٨) أهل حمص على عاملهم الفضل أخي مازبار فقتلوه، فأرسل المستعين ليهم موسى بن بغا الكبير، فحاربوه بين حمص والرستن، فهزمهم وافتتح حمص وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وأحرقها. وفيها (٩): توفي زيادة الله بن محمد أمير إفريقية، وكانت ولايته سنة وستة أشهر

стр. 8790

وتولى بعده ابن أخيه أبو عبد الله محمد بن أحمد المذكور. وفيها (١): مات الحسين (٢) بن الضحاك، الخليع الشاعر. وكان مولده سنة اثنتين وستين ومائة. سنة إحدى وخمسين واثنتين وثلاث إلى خمس وخمسين ومائتين في سنة إحدى: اتفق (٣) بغا ووصيف وقتلا باغر التركي، فشغب الأتراك، وحصروا المستعين وبغا ووصيفًا في القصر بسامراء، فهربوا في حراقة (٤) وانحدروا إلى بغداد، واستقر بها المستعين، وبعد مسيره إلى بغداد، خاف الأتراك فأخرجوا المعتز بالله ابن المتوكل، وكان محبوسًا فبايعوه، واستولى على الأموال التي كانت بسامراء للمستعين، ثم عقد المعتز لأخيه أبي أحمد طلحة، وهو الموفق لسبع بقين من المحرم وجهزه في خمسين ألف من الأتراك إلى حرب المستعين، فتحصن المستعين ببغداد، فجرى بين الفريقين حروب ثم اتفق كبراء الدولة ببغداد على خلع المستعين فخلعوه. وفي هذه السنة: مات (٥) سري السقطي (٦). خلافة المعتز بالله الزبير، ثالث عشر بني العباس (٧) ولما جرى من أمر المعتز والمستعين ما ذكرنا، خلع المستعين نفسه وبايع المعتز ابن أخيه، وخُطب له ببغداد يوم الجمعة رابع محرم في هذه السنة. ثم نقل المستعين من الرصافة إلى (قصر الحسن بن سهل) (٨) بعياله وأهله، وأخذت منه البردة
следующие страницы →