← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

المتوكل لأنه قال له: أيما أحبّ إليك، ابناي المعتز والمؤيد أم الحسن والحسين، فغض ابن السكيت من ابنيه، وذكر الحسن والحسين بما هما أهله، فأمر مماليكه (فداسوا ببطنه) (١) وحمل إلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم، وقيل: إن المتوكل لما سأل ابن السكيت عن ابنيه وعن الحسن والحسين قال ابن السكيت: والله إن قنبر خادم علي خير منك ومن أولادك، فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك، ومات لساعته في رجب، وكان عمره ثمانيًا وخمسين سنة. وفي سنة خمس وأربعين: توفي (٢) ذو النون المصري (٣) في ذي القعدة، وأبو (علي) (٤) الحسين المعروف بالكرابيسي صاحب الشافعي: سنة ست وأربعين إلى سنة خمسين ومائتين في سنة ست: تحوّل (٥) المتوكل إلى الجعفرية، وكان قد ابتدأ في عمارته سنة خمس وأربعين ومائتين، وأنفق عليه أموالًا تجل عن الحصر. وفيها (٦): توفي دعبل (٧) بن علي الخزاعي، الشاعر، وكان مولده سنة ثمان وأربعين ومائة. وكان يتشيع. وفي سنة سبع: قتل المتوكل. مقتل المتوكل (٨) قتل بالسيوف. باتفاق من ابنه المنتصر وبغا الشرابي الصغير وقتل في مجلس

стр. 8787

شرابه، وقتل ومعه وزيره الفتح بن خاقان، وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال. وكانت (١) خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، وعمره نحو أربعين سنة. وكان أسمر خفيف العارضين. خلافة المنتصر بالله محمد، حادي عشر بني العباس (٢) لما أصبح نهار الأربعاء صبيحة قتل المتوكل حضر الناس والقواد والعساكر إلى الجعفرية فخرج أحمد بن الخصيب إلى الناس. وقرأ عليهم كتاب المنتصر: إن الفتح بن خاقان قتل أبي، فقتلته به، فبايعه الناس. وفيها (٣): توفي العباس أمير صقلية. وتولى عليهم ابنه عبد الله، ثم ورد من إفريقية خفاجة بن سفيان أميرا على صقلية، ففتح في جزيرة صقلية، ثم اغتاله رجل من عسكره، فقتله وهرب إلى المشركين، ولما قتل استعمل الناس ابنه محمدا ثم أقره على ولايته محمد بن أحمد بن الأغلب صاحب القيروان. وبقي محمد بن خفاجة أميرا على صقلية إلى سنة سبع وخمسين ومائتين. فقتله خدمه الخصيان وهربوا، فأدركهم الناس وقتلوهم، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة: توفي (٤) أبو عثمان بكر (٥) بن محمد المازني النحوي الإمام في العربية. وفي سنة ثمان: توفي (٦) المنتصر بن المتوكل، يوم الأحد بسامراء لخمس خلون من ربيع الأول. بالذبحة (٧)، وكانت مدة علته ثلاثة أيام وعمره خمسا وعشرين سنة وستة

стр. 8788

أشهر. وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وكان أعين أقنى قصيرًا، مهيبًا، عظيم (اللحية) (١)، راجح العقل، كثير الإنصاف. وأمر الناس بزيارة قبر الحسين (بن) (٢) علي ﵄، وآمن العلويين، وكانوا خائفين زمن أبيه. خلافة المستعين بالله أحمد، ثاني عشر خلفاء بني العباس (٣) وهو أحمد بن المعتصم، ولما توفي المنتصر اتفق كبراء الدولة على المستعين وكرهوا إقامة ولد المتوكل لكونهم قتلوا أباههم، فبايعوا المستعين ليلة الاثنين لست خلون من ربيع الآخر، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس. وفيها: ورد (٤) الخبر على المستعين بوفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان في رجب فعقد المستعين لولده محمد بن طاهر على خراسان. وفيها: مات (٥) بغا الكبير، فجعل المستعين ولده موسى بن بغا مكانه. وفيها: شَغَب (٦) أهل حمص على كيدر (٧) عاملهم وأخرجوه عنهم. وفيها: تحرك (٨) يعقوب بن الليث الصفار من سجستان وسار نحو هراة. وفي سنة تسع: كان بين المسلمين والروم وقعة بمرج الأسقف، قتل فيها مقدم المسلمين عمرو بن الأقطع (٩)، وكان شجاعًا، وانهزمت (١٠) المسلمون، وقتل منهم جماعة، وأغارت الروم على الثغور الجزرية. وفيها: شغب (١١) الجند الشاكرية والعامة ببغداد على الأتراك بسبب استيلائهم

стр. 8789

على أمور المسلمين، يقتلون مَنْ شاؤوا من الخلفاء، ويحكمون (١) من أحبوا بغير ديانة. ثم وقعت بسامراء فتنة من العامة، ففتحوا السجون وأطلقوا المسجونين، ثم ركب الأتراك وقتلوا من العامة جماعة فسكنت الفتنة. وفيها: ثارت (٢) الموالي بأتامش فقتلته، ونهبوا من داره؛ لأن المستعين أطلق يد والدته، ويد أتامش ويد شاهك الخادم في بيوت الأموال. فكانوا يأخذون الأموال دون غيرهم، فقتل أتامش لذلك. وفيها (٣): توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية فولي بعده أخوه زيادة الله وكنيته أبو محمد. وفي سنة خمسين: ظهر (٤) يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن زين العابدين، ويكنى أبا الحسين بالكوفة، وكثر جمعُه، واستولى على الكوفة فوجه إليه محمد بن طاهر جيشًا فخرج يحيى بجمعه، فقتل وانهزم أصحابه وحمل رأسه إلى المستعين. وفيها: ظهر (٥) الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن (٦) (بن الحسن) (٧) بن علي ﵃ بطبرستان، وكثر جمعه. وفيها: وثب (٨) أهل حمص على عاملهم الفضل أخي مازبار فقتلوه، فأرسل المستعين ليهم موسى بن بغا الكبير، فحاربوه بين حمص والرستن، فهزمهم وافتتح حمص وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وأحرقها. وفيها (٩): توفي زيادة الله بن محمد أمير إفريقية، وكانت ولايته سنة وستة أشهر

стр. 8790

وتولى بعده ابن أخيه أبو عبد الله محمد بن أحمد المذكور. وفيها (١): مات الحسين (٢) بن الضحاك، الخليع الشاعر. وكان مولده سنة اثنتين وستين ومائة. سنة إحدى وخمسين واثنتين وثلاث إلى خمس وخمسين ومائتين في سنة إحدى: اتفق (٣) بغا ووصيف وقتلا باغر التركي، فشغب الأتراك، وحصروا المستعين وبغا ووصيفًا في القصر بسامراء، فهربوا في حراقة (٤) وانحدروا إلى بغداد، واستقر بها المستعين، وبعد مسيره إلى بغداد، خاف الأتراك فأخرجوا المعتز بالله ابن المتوكل، وكان محبوسًا فبايعوه، واستولى على الأموال التي كانت بسامراء للمستعين، ثم عقد المعتز لأخيه أبي أحمد طلحة، وهو الموفق لسبع بقين من المحرم وجهزه في خمسين ألف من الأتراك إلى حرب المستعين، فتحصن المستعين ببغداد، فجرى بين الفريقين حروب ثم اتفق كبراء الدولة ببغداد على خلع المستعين فخلعوه. وفي هذه السنة: مات (٥) سري السقطي (٦). خلافة المعتز بالله الزبير، ثالث عشر بني العباس (٧) ولما جرى من أمر المعتز والمستعين ما ذكرنا، خلع المستعين نفسه وبايع المعتز ابن أخيه، وخُطب له ببغداد يوم الجمعة رابع محرم في هذه السنة. ثم نقل المستعين من الرصافة إلى (قصر الحسن بن سهل) (٨) بعياله وأهله، وأخذت منه البردة

стр. 8791

والقضيب والخاتم، فطلب المستعين أن يكون مقامه بمكة فمنع، فاختار البصرة فوكل به جماعة انحدروا به إلى واسط وقتلوه بها. وحمل سعيد بن صالح الحاجب رأسه إلى المعتز، فأمر بدفنه. وكانت (١) مدة خلافته إلى أن خُلع ثلاث سنين وتسعة أشهر وكسرًا، وعمره أربعًا وعشرين (٢) سنة. وفي هذه السنة: عقد (٣) لعيسى بن الشيخ على الرملة، فبعث له نائبًا عليها يسمى أبا المعتز. وكان عيسى شيباني. وهو عيسى بن الشيخ بن (السليك) (٤) من ولد جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، فلما كان من فتنة الأتراك ما كان بالعراق تغلب ابن الشيخ على دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يُحمل من الشام إلى الخليفة واستبد بالأموال. وفيها (٥): توفي محمد بن بشار (٦) ومحمد بن المثنى (٧) البصريان. فكلاهما من مشايخ البخاري ومسلم في الصحيح. وفي سنة ثلاث: شَغَبَ (٨) الجند بسبب طلب رزق أربعة أشهر، فلم يجبهم وصيف فوثبوا على وصيف فقتلوه، فجعل المعتز ما كان لوصيف إلى بغا الشرابي. وفيها: مات (٩) محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر. وفيها: مَلَكَ (١٠) يعقوب الصفار هراة ويوشنج، وعظم أمره، وهابه أمير خراسان وغيره. وفي سنة أربع: قتل (١١) بغا الشرابي الصغير تحت الليل. وكان خرج من بين

стр. 8792

أصحابه وجنده، ومعه خادمان، وقصد الركوب في زورق. فأعلم المتوكلون بالجسر. المعتز بخبره، فأمرهم بقتله، فقتلوه وحملوا رأسه إليه. وفيها (١): في جمادى الآخرة توفي علي الزكي (٢)، أحد الأئمة الاثنى عشر ابن محمد الجواد، المقدم ذكره (٣) سنة عشرين ومائتين. وكان علي المذكور سُعي به إلى المتوكل أن عنده كتبًا وسلاحًا. فأرسل المتوكل جماعة من الترك فهجموا عليه ليلًا على غفلة. فوجدوه في بيت مغلق، وعليه مدرعة شعر، مستقبل القبلة، يترنم بالقرآن، في الوعد والوعيد، وليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل. فحمل على هيأته إلى المتوكل، والمتوكل يستعمل الشراب، وبيده الكأس فلما رآه المتوكل أعظمه وأجْلَسَهُ إلى جانبه، وناولَهُ الكأس، فقال: يا أمير المؤمنين والله ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني منه، فأعفاه، وقال: أنشدني شعرًا، فقال: إني لقليل الرواية للشعر، فقال المتوكل: لا بد من ذلك (٤) فأنشده: [من البسيط] باتوا على قُلَل الأجبال تحرسهم … غُلْبُ الرجال فما أغنتهم القُلَل (٥) فاستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم … وأودعوا حُفَرًا يا بئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما قُبروا … أينَ الأسرة والتيجانُ والحُلَلُ أين الوجوه التي كانت منعمةً … من دونها تضرب الأستار والكلل فأفصح القبر عنهم حين ساءَلَهُمْ … تلك الوجوه عليها الدود يقتتل قد طالما أكلوا دهرًا وما شربوا … فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلُوا فبكى المتوكل وأمر برفع الشراب، وقال: يا أبا الحسن أعليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فدفعها وردّه إلى منزله مكرّمًا. وكانت ولادة علي المذكور في رجب سنة أربع عشرة ومائتين، وتوفي لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين بسامراء، ويقال له العسكري لسكناه بسامراء لأنها جعلت لسكنى العسكر (وهو (٦) عاشر الأئمة الاثنى عشر).

стр. 8793

وهو والد الحسن العسكري، والحسن (١) حادي عشر الأئمة الاثنى عشر. وهو الحسن بن علي الزكي، بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. وكانت ولادة الحسن العسكري سنة ثلاثين ومائتين. وتوفي سنة ستين ومائتين. في ربيع الأول بسامراء وإلى جانب أبيه دفن، والحسن (٢) العسكري والد محمد المنتظر صاحب السرداب (٣)، وهو ثاني عشر الأئمة (٤). ولد المنتظر سنة خمس وخمسين ومائتين (٥)، والشيعة يقولون: دخل السرداب بدار أبيه بسر من رأى، وأمه تنظر إليه، ولم يعد يخرج وكان عمره حينئذ تسع سنين (٦)، وذلك سنة خمس وستين ومائتين، وفيه خلاف. وفيها: توفي (٧) أحمد بن الرشيد عم الواثق. وفيها (٨): ولي أحمد بن طولون على مصر. وفي سنة خمس وخمسين: استولى (٩) يعقوب بن الليث الصفار على كرمان. ثم استولى على فارس. ودخل شيراز، ونادى الأمان، وكتب إلى الخليفة بطاعته وأهدى هدية جليلة، منها عشرة بزاة بيض، ومائة رطل مسك (١٠) ومسجد فضة مخلع. وفي هذه السنة: يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب، خُلع (١١) المعتز بالله الزبير. ويكنى أبا عبد الله (١٢)، ومولده بسر من رأى في ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وأمه أم ولد تُدعى قبيحة لحسنها، ولليلتين خَلَتا من شعبان ظهر موته. وكان سبب ذلك أن الأتراك طلبوا أرزاقهم، فلم يكن عند المعتز مال، فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار

стр. 8794

فأرسل المعتز وسأل أُمَّه قبيحة في ذلك، فقالت ما عندي شيء. فاتفق الأتراك والمغاربة والفراغنة على خلع المعتز. فصاروا إلى بابه وقالوا: اخرج إلينا، فقال: شربت دواء، وقد أفرط في العمل. فإن كان لابد من الاجتماع فليدخل بعضكم إلي، فدخل إليه جماعة منهم، فجروا برجله إلى باب الحجرة، وضربوه بالدبابيس، وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس. وكان يرفع رجلًا ويضع أخرى لشدة الحر. وبقي بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده وأدخلوه حجرة وأحضروا القاضي ابن أبي الشوارب (١) وجماعة فأشهدوهم على خَلْعِهِ ثم سلّموا المعتز إلى مَنْ يعذبه، ومنعوه الطعام والشراب ثلاثة أيام. ثم أدخلوه سردابًا، وجَصَّصوه عليه فمات. ودفن (٢) بسامراء مع المنتصر. وكانت خلافته منذ بويع بسامراء إلى أن خلع أربع سنين وسبعة أشهر إلا سبعة أيام، وكان عمره أربعًا وعشرين سنة وثلاث وعشرين يومًا، وكان أبيض اللون أسود الشعر (٣) جميل الصورة جدًا ﵀. خلافة المهتدي بالله محمد بن الواثق رابع عشر بني العباس (٤) بويع يوم الأربعاء لثلاث بقين من رجب من هذه السنة، ولقب المهتدي بالله، وكنيته أبو عبد الله، وأُمه رومية اسمها قرب. وفيها: في رمضان. ظهرت (٥) قبيحة أم المعتز، وكانت قد اختفت لما قُتل ابنها. وكان لقبيحة أموال عظيمة ببغداد، وكان لها ياقوت كثير مطمور لا يوجد مثله. ونبش ذلك كله، وحمل جميعه إلى صالح بن وصيف، فقال: قبح الله قبيحة، عرضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذه الأموال كلّها، ثم سارت قبيحة إلى مكة، فكانت تدعو بصوت عالٍ على صالحبن وصيف وتقول: هتك ستري، وقتل ولدي وأخذ مالي، وغربني عن بلدي. وفي هذه السنة: كان (٦) أول ظهور صاحب الزنج، وهو علي بن محمد، ونسبه

стр. 8795

إلى عبد القيس، فجمع الزنج الذين كانوا يكسحون (١) السباخ في جهة البصرة. وادعى أنه من ولد علي بن أبي طالب. ولما اجتمعت عليه الزنج عبر دجلة ونزل الديناري (٢)، وكان قبل ذلك متصلًا بحاشية المنتصر، يمدحهم بالشعر، ثم إنه شخص من سامراء سنة تسع وأربعين ومائتين، فادعى نسب العلويين، وصار إلى البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين، وخرج في هذه السنة واستفحل أمره، وبثَّ أصحابه يمينًا وشمالًا للإغارة والنهب. وفيها (٣): توفي سفيان بن خفا. خفاجة (٤) أمير صقلية. وولي بعده ابنه محمد. وفيها (٥): توفي محمد (٦) بن كرام صاحب المقالة في التشبيه. وكان موته بالشام وهو من سجستان. وفيها (٧): توفي عبد الله (٨) بن عبد الرحمن الدارمي صاحب المسند وعمره خمس وسبعون سنة. وفيها (٩): توفي أبو عثمان عمرو (١٠) بن بحر الجاحظ، صاحب التصانيف المشهورة. خالط الخلفاء ونادمهم، وأخذم العلم عن النظام (١١) المتكلم. وكان قد تعلق بأسباب ابن الزيات. فلما قتل ابن الزيات، قيد الجاحظ وسجن، ثم أطلق، وصنف الجاحظ كتبًا كثيرة منها (البيان والتبيين) جمع فيه من المنثور والمنظوم. وكتاب (الحيوان) وكتاب (الغلمان) وكتاب في الفرق الإسلامية. وكان جاحظ العين كاسمه.

стр. 8796

قال المبرد: دخلت على الجاحظ في مرضه فقلت: كيف أنت؟ قال كيف يكون مَنْ نصفه مفلوج، ولو نشر ما أحسَّ (به). ونصفه منقرس. لو طار الذباب به لآلمه، وقد جاوز التسعين (١)! ثم أنشد: [من المتوافر] أترجو أن تكون وأنتَ شيخ … كما قد كنت أيام الشباب لقد كذبتك نفسك ليس ثوبٌ … دَرِيس كالجديد من الثياب وقد قيل: إن موته كان بوقوع مجلدات عليه. وكان من عادته أن يصفها قائمةً كالحائط محيط به. وهو جالس إليها، وكان عليلًا فسقطت عليه فقتلته في محرم هذه السنة. وفي سنة خمس (٢): قدم موسى بن بغا من فارس ليقتل صالح بن وصيف لقتله المعتز، فهرب منه صالح، فظفر به موسى وقتله. وفي هذه السنة: في منتصف رجب، خلع محمد (٣) المهتدي، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة مضت منه في هذه السنة. وكان سببه أنه قصد قتل موسى بن بغا وكان موسى المذكور معسكرًا قبالة بعض الخوارج. وكتب بذلك إلى بايكال. وكان أحد مقدمي الترك، أن يقتل موسى بن بغا ويصير موضعه. فأطلع بايكال موسى على ذلك، فاتفقا على قتل المهتدي، وسارا إلى سامراء، ودخل بايكال إلى المهتدي فقتله المهتدي، وخرج لقتال موسى بن بغا، ففارقت الأتراك المهتدي، وصاروا مع موسى. فضعف المهتدي، وهرب، ودخل بعض الدور، فأمسك وسألوه الخلع، فأبى، فلم تزل الأتراك تمرس خصيتيه حتى مات. ودفن (٤) بمقبرة المنتصر. وكانت خلافته أحد عشر شهرًا ونصفًا وعمره ثمانيًا وثلاثين سنة. وكان المهتدي أسمر بطينًا، طويل اللحية. ومولده بالقاطول. وكان ورعًا كثير العبادة. قصد أن يكون في بني العباس كعمر بن عبد العزيز في بني أمية. خلافة المعتمد على الله أحمد بن المتوكل، خامس عشر بني العباس (٥) لما قتل المهتدي، أخرج كبراء الدولة المعتمد من الحبس، وبايعه الناس بالخلافة. ولقب وكنيته أبو العباس، واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان.

стр. 8797

وفي هذه السنة: ملك (١) صاحب الزنج الابلة عنوة، وقتل من أهلها خلقًا وأحرقها، وكانت مبنية بالساج. فأسرعت فيها النيران، ثم استولى على عبادان بالأمان. واستولى على الأهواز بالسيف. وفيها (٢): عزل عيسى بن الشيخ عن الشام، وكان قد استولى عليها وقطع الحمل عن بغداد، فعقد له على أرمينية. وولي أماجور (٣) الشام، فسار واستولى عليه بعد أن جرى بينه وبين أصحاب عيسى قتال انتصر فيه ماجور واستقر أميرًا بالشام. وفيها (٤): توفي الإمام محمد (٥) بن إسماعيل البخاري الجعفي، صاحب المسند الصحيح الذي هو الدرجة العالية من الصحة، رَحَلَ في طلب الحديث إلى الأمصار. ومولده سنة أربع وتسعين ومائة لثلاث عشرة خلت من شوال. قال البخاري: ألهمت حفظ الحديث، وأنا في الكتاب ابن عشر سنين، فلما بلغت ثماني (٦) عشرة ة سنة صنفت قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب التاريخ عند قبر رسول الله ﷺ ، قال: وخرجت الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، إلا ما صح، وورد مرّةً إلى بغداد، فعمد أهل الحديث إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، ووضعوا عشرة أنفس. فأوردوا أخذ الأحاديث المذكورة والبخاري يقول في كل حديث منها: لا أعرفه، فلما فرغوا قال: أما الحديث الأول فهو كذا، وردّه إلى حقيقته. والثاني كذا حتى أتى على المائة حديث. ووقع بين البخاري وأمير بخارى وهو خالد بن يزيد (٧) وحشة، فدس خالد مَنْ يقول: إن البخاري يقول بخلق الأفعال للعباد، وبخلق القرآن، فتبرأ البخاري من ذلك، وأنكره وأرتحل عنه ونزل عند بعض أقاربه في قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها اسمها خرشك فمات بها ليلة عيد الفطر من هذه السنة.

стр. 8798

سنة ست وخمسين إلى سنة ستين ومائتين في سنة سبع: أخذ (١) الزنج البصرة، وقتلوا أهلها وخربوها. وفيها (٢): ملك يعقوب الصفار (٣) بلخ واستولى على كابل، وأرسل هدية إلى الخليفة. وفيها (٤): قصد الحسن العلوي صاحب طبرستان جرجان وملكها. وفيها (٥): قتل محمد بن خفاجة أمير صقلية غلمانه، واستعمل محمد بن أحمد الأغلبي على صقلية أحمد بن يعقوب. وفيها (٦): توفي العباس (٧) بن الفرج الرياشي اللغوي. وفي سنة ثمان: أرسل (٨) المعتمد أخاه الموفق لقتال الزنج. وفي سنة تسع: ملك (٩) يعقوب الصفار نيسابور. وفيها (١٠): توفي محمد (١١) بن موسى بن شاكر، أحد الإخوة الثلاثة الذين

стр. 8799

ينسب إليهم جبل بني موسى المشهورين، واسم أخويه أحمد والحسين، وكان لهم همم عالية في تحصيل العلوم القديمة، وكان الغالب عليهم الهندسة والموسيقة. ولما بلغ المأمون من كتب الأوائل أن دور الأرض أربعة وعشرون ألف ميل أمر (١) بني موسى لتحرير ذلك، فسألوا عن الأراضي المتساوية. فأخبروا بصحراء سنجار ووطأة الكوفة، فأرسل المأمون معهم جماعة يثق بأقوالهم، فساروا إلى وطأة سنجار وحققوا ارتفاع القطب الشمالي، وضربوا هناك وتدًا وربطوا فيه حبلًا طويلًا، ومشوا إلى الجهة الشمالية على الاستواء من غير انحراف حسب الإمكان، وبقي كلما فرغ حبل ضربوا وتدًا آخر ونصبوا فيه حبلًا آخر حتى انتهوا إلى مواضع قد زاد فيه ارتفاع القطب الشمالي درجة محققة. وقسموا ذلك القدر فكان ستة وخمسين (٢) ميلًا وثلثي ميل، ثم وقفوا عند موقفهم الأول وربطوا في الوتد حبلًا ومشوا إلى جهة الجنوب من غير انحراف، وفعلوا ما شرحناه حتى انتهوا إلى موضع قد انحط فيه ارتفاع القطب الشمالي درجة، ومسحوا ذلك القدر فكان ستة وخمسين ميلًا، ثم عادوا إلى المأمون وأخبروه بذلك، فأراد المأمون تحقيقه في موضع آخر. فسيرهم إلى أرض الكوفة، وفعلوا فيها كما فعلوا في أرض سنجار فتوافق الحسابان، وعادوا إلى المأمون، فتحقق صحة ذلك. وفي سنة ستين: توفي (٣) مالك بن طوق التغلبي بالرحبة، وهو الذي بناها، فيقال: رحبة مالك. وفيها (٤): توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي (٥) بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو المعروف بالعسكري. أحد الأئمة الاثني عشر، والد محمد المنتظر، وقد تقدم مولده. وفيها (٦): توفي الحسن (٧) بن الصباح الزعفراني الفقيه، وهو من أصحاب الشافعي.

стр. 8800

وفيها (١): توفي حُنين (٢) بن إسحاق الطبيب العبادي وهو الذي نقل كتب الحكماء اليونانية إلى العربية، وكان عالمًا بها، وعرّب كتاب إقليدس، وكتاب بطليموس المجسطي وعرّبها. والعبادي بكسر العين نسبة إلى عباد الحيرة. وهم عدة بطون من قبائل شتى، ونزلوا الحيرة، وكانوا نصارى، وينسب إليهم عدي (٣) بن زيد العبادي. سنة إحدى وستين إلى سنة خمس وستين ومائتين ولاية أحمد الساماني ما وراء النهر (٤) وفي سنة إحدى وستين: استُعمل نصر بن أحمد بن أسد بن سامان حذاه بن جثمان بن طمغان بن نوشرد بن بهرام جور. وهو بهرام الذي تقدم ذكره في أخبار كسرى أبرويز. وكان لأسد بن سامان أربعة أولاد وهم نوح وأحمد ويحيى وإلياس. وكانوا في خراسان حين تولّى عليها المأمون، فأكرم المأمون أولاد أسد بن سامان الأربعة، وقدمهم واستعملهم، ولما رجع المأمون إلى العراق استعمل على خراسان غسان بن عباد فولى غسان أحمد بن أسد فرغانة في سنة أربع ومائتين، وإلياس هراة ويحيى الشاش وأشروسنة ونوح سمرقند، ولما تولّى طاهر بن الحسين خراسان أقرهم على هذه الأعمال. ثم مات نوح بسمرقند، ومات إلياس بهراة. فاستقر على عمله محمد بن إلياس. وكان لأحمد بن أسد سبعة بنين وهم: نصر ويعقوب ويحيى وأسد وإسماعيل وإسحاق وحميد، ثم مات أحمد فاستخلف ابنه نصر على أعماله، وكان إسماعيل بن أحمد يخدم أخاه نصرًا، فولاه نصر بخارى في هذه السنة ثم بعد ذلك سعت السعاة بينه وبين نصر فأفسدوا ما بينهما حتى اقتتلا سنة خمس وسبعين ومائتين، فظفر إسماعيل بأخيه نصر، فلما حمل إليه ترجّل له إسماعيل، وقبّل يده، وردّه إلى موضعه، واستمر إسماعيل ببخارى. وكان إسماعيل رجلًا خيرًا يحبّ أهل العلم ويكرمهم، فلذلك دام ملكه وملك أولاده. وطالت أيامهم على ما سنذكر إن شاء الله تعالى.

стр. 8801

وفيها (١): عصى أهل برقة على أحمد بن طولون، فجهز إليهم جيشًا فحاصروا برقة وفتحوها وقبضوا على جماعة من رؤسائهم. وفيها (٢): توفي محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الأغلب صاحب إفريقية في جمادى الأولى، وكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر ونصفًا، وتولى بعده أخوه إبراهيم فسار إلى صقلية وفتح الفتوحات العظيمة، وجاهد في الله حق جهاده. وتوفي بالدرب ليلة السبت، لإحدى عشرة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين بصقلية. وحُمِلَ إلى إفريقية في تابوت ودفن بالقيروان، وكانت ولايته خمسًا وعشرين سنة. وتصدق بجميع ماله. وفيها (٣): توفي الحسن بن عبد الملك بن أبي الشوارب (٤)، قاضي القضاة، وهو من ولد عتاب بن أسيد الذي ولاه رسول الله ﷺ مكة، وأسيد بفتح الهمزة. وفيها (٥): توفي أبو يزيد البسطامي (٦) الزاهد، واسمه طيفور بن عيسى بن سروبيان، وكان سروبيان مجوسيًا فأسلم. وفيها (٧): توفي أبو الحسين مسلم (٨) بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري صاحب المسند الصحيح، ورحل إلى الأمصار في طلب الحديث، وقال: صنعت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. ولما قدم البخاري إلى نيسابور لازمه مسلم. ولما وقعت للبخاري مسألة خلق اللفظ انقطع الناس عنه إلا مسلمًا، وقال مسلم للبخاري: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين. وفي سنة اثنتين وستين: أرسل (٩) صاحب الزنج جيشًا إلى بطائح واسط فقتلوا وسبوا وأحرقوا.

стр. 8802

وفي سنة ثلاث وستين: استولى (١) يعقوب الصفار على الأهواز. وفي سنة أربع وستين. مات أماجور (٢) صاحب دمشق، وسار أحمد بن طولون إلى دمشق وحمص وحماة وحلب فملكهم جميعًا، ثم سار إلى إنطاكية ودعا سيما (٣) الطويل إلى الدخول في طاعته، فأبى، فقاتله وملك أنطاكية وقتل سيما. ثم رحل أحمد إلى طرسوس، وعزم على المقام بها للجهاد، فغلا بها السعر فرجع إلى الشام. وفيها (٤): خرج بالصين خارجي مجهول النسب والاسم، وعظم جمعه وقصد مدينة خانقو من الصين ففتحها عنوة، وقتل أهلها، واستولى على شيء كثير من بلاد الصين، ثم عُدم الخارجي في حرب ملك الصين وانهزمت أصحابه. وفيها (٥): فرغ إبراهيم بن أحمد بن محمد الأغلبي من بناء مدينة رقادة. وانتقل إليها وسكنها، وكان قد ابتدأ في بنائها سنة ثلاث وستين ومائتين. وفيها (٦): ماتت قبيحة أم المعتز. وفيها (٧): مات أبو إبراهيم (٨) المزني، صاحب الشافعي. وفيها (٩): توفي في مصر يونس (١٠) بن عبد الأعلى، أحد أصحاب الشافعي. وكان مولده سنة تسعين ومائة. وكان يروي للشافعي: [من الكامل] ما حَكَّ جِلدَكَ مِثلُ ظُفرِكَ … فَتَولَّ أنتَ جميعَ أَمرِكْ (١١) وإذا قَصَدتَ لِحاجةٍ … فاقصد لِمُعتَرفِ بِقَدْرِكْ وقال: سمعت الشافعي يقول: رضا الناس غاية لا تدرك، فانظر ما فيه صلاح

стр. 8803

نفسك من دينك ودنياك فالزمه. وعبد الرحمن مؤلف تاريخ مصر هو ابن يونس هذا (١). وفي سنة خمس وستين: دخل (٢) الزنج النعمانية وأحرقوها، ثم صاروا إلى جرجرايا، ودخل أهل السواد بغداد. وفي هذه السنة: مات (٣) يعقوب بن الليث الصفار، تاسع عشر شوال بجندي سابور من كور الأهواز، وكانت علته القولنج، فوصف له الحكماء الحقنة فلم يحتقن. وكان المعتمد قد أرسل إليه رسولًا وكتابًا (٤) يستميله، وهو مريض، فجعل عنده سيفًا ورغيفًا من الخشكار وبصلًا، وقال: قل للخيفة إن من فقد استراح مني واسترحت منه، وإن عوفيت فليس بيني وبينه إلا السيف، وإن كسرني وأفقرني عدتُ إلى أكل هذا الخبز وهذا البصل. وكان يعقوب قد افتتح الرخج، وقيل ملكها وأسلم أهلها على يده، وكان ملك الرخج يجلس على سرير ذهب، ويدعي الإلوهية. وكان يعقوب حازمًا، عاملًا يعمل الصفر في مبتدأ أمره، فقيل له الصفار لذلك، وصحب في حداثته رجلًا من أهل سجستان كان مشهورًا بالتطوع في قتال الخوارج يقال له صالح بن نضر الكناني، ثم هلك فتولى مكانه درهم بن الحسن، فصار يعقوب مع درهم، كما كان مع صالح، وكان درهم غير ضابط الأمور العسكر، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه اجتمعوا على يعقوب بن الليث الصفار، وملكوه أمرهم فلما تبين ذلك لدرهم لم ينازعه، فاستبد يعقوب بالأمر، فقويت شوكته واستولى على البلاد، ولما مات يعقوب قام بالأمر بعده عمرو بن الليث، وكتب إلى الخليفة بالسمع والطاعة، فولاه الموفق خراسان وأصفهان وسجستان والسند وكرمان، وسير إليه الخلع بولاية ذلك. وفيها (٥): توفي إبراهيم (٦) بن هاني بن إسحاق النيسابوري، وكان من الأبدال. سنة ست وستين إلى سنة سبعين ومائتين في سنة ست: قتل (٧) أهل حمص عاملهم عيسى الكرخي. وفيها (٨): كان الناس في البلاد التي تحت حكم الخليفة في شدّة عظيمة بسبب

стр. 8804

تغلب القواد والأجناد لقلة خوفهم، وأمنهم من الإنكار على ما يفعلونه. لانشغال الموفق بقتال صاحب الزنج، ولعجز الخليفة المعتمد واشتغاله بغير تدبير المملكة. وفي سنة سبع: كان (١) بين الموفق أخي الخليفة وبين صاحب الزنج حروب وكشف الزنج عن الأهواز واستولى عليها، ثم سار الموفق إلى مدينة صاحب الزنج وكان قد جعلها في غاية التحصين وسماها المختارة، فحصرها الموفق، فخرج أكثر الزنج إليه بالأمان. فضعف الباقون عن حفظ المدينة فسلّموها بالأمان. وفيها (٢): ولي صقلية الحسن بن العباس، فبث السرايا في كل ناحية. وفي سنة تسع وستين: خالف (٣) لؤلؤ غلام أحمد بن طولون على مولاه، وكان في يد لؤلؤ حلب وحمص وقنسرين وديار مصر من الجزيرة. وكاتب الموفق وسار إليه. وفيها (٤): أمر المعتمد بلعن أحمد بن طولون على المنابر لكونه قطع خطبة الموفق وأسقط اسمه من الطرر، وإنما أمر المعتمد بذلك مكرهًا، لأن هواه كان مع ابن طولون. ولم يكن للمعتمد من الأمر شيء، بل كان الأمر كله للموفق. وكان المعتمد قصد (٥) اللحوق بابن طولون بمصر لينجده على أخيه الموفق. وسار عن بغداد لما كان أخوه مشتغلًا بقتال صاحب الزنج. فأمسك إسحاق بن كنداج القواد الذين صحبوا المعتمد وأرسلهم إلى بغداد، وتقدم إلى المعتمد بالرد فلم يمكنه مخالفته بعد إمساك قواده، فرجع إلى سامراء. وفي سنة سبعين ومائتين: قتل (٦) صاحب الزنج بعد أن قتل غالب أصحابه، وقطع رأسه، وطيف به على رمح وكثر ضجيج الناس بالتحميد. ورجع الموفق إلى موضعه والرأس بين يديه. وأتاه من الزنج عالم عظيم، يطلبون الأمان، فآمنهم، ثم بعث برأس الخبيث إلى بغداد. وكان خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، فكانت أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام.

стр. 8805

وفيها (١): توفي الحسن (٢) بن زيد العلوي صاحب طبرستان في رجب، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر. وولي مكانه أخوه محمد بن زيد. وفي هذه السنة: توفي (٣) أحمد بن طولون صاحب مصر والشام بعد رجوعه من طرسوس ولما وصل إلى إنطاكية قدم له لبن جاموس. فأكثر منه فأصابته تخمة، واتصلت به حتى صار منها ذرب (٤) ومات. وكانت إمارته نحو ست وعشرين سنة. وكان حازمًا عاقلًا. وهو الذي بنى قلعة يافا. ولم يكن لها قبل ذلك قلعة. وبنى بين مصر والقاهرة الجامع المعروف به، وولي بعده ابنه خمارويه. وفيها (٥): توفي محمد (٦) بن إسحاق بن جعفر الصاغاني. وداود (٧) بن علي الأصفهاني إمام أصحاب الظاهر. وكان مولده سنة اثنتين ومائتين. وكان إمامًا مجتهدًا زاهدًا، وسمي هو وأصحابه بأهل الظاهر لأخذهم بظاهر الآثار والأخبار. وإعراضهم عن التأويل وكان داود لا يرى القياس في الشريعة. ثم اضطر إليه فسماه دليلًا. وله أحكام خالف فيها الأئمة الأربعة، منها: أنه قال: الشرب خاصة في آنية الذهب والفضة حرام، ويجوز الأكل والتوضؤ وغيرهما من الانتفاعات بها؛ لأن النبي ﷺ إنما قال: الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم، وله مثل ذلك كثير. سنة إحدى وسبعين إلى سنة ثمانين ومائتين في سنة إحدى وسبعين: وَقَعَتْ وقعةٌ (٨) بين ابن الموفق وهو المعتضد وبين خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر. آخرها أن المعتضد انهزم هو وأصحابه.

стр. 8806

وكانت الوقعة بين دمشق والرملة، وانهزم خمارويه إلى حدود مصر. وثبت عسكره ولم يعلموا بهزيمته. وانهزم المعتضد ولم يعلم بهزيمة خمارويه. وفي سنة ثلاث وسبعين: توفي (١) محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام الأموي. صاحب الأندلس سلخ صفر، وكان عمره خمس وستين سنة. وولايته أربعًا وثلاثين سنة وأحد عشر شهرًا، وخلّف ثلاثًا وثلاثين ذكرًا. ولما مات ولي بعده المنذر بن محمد، بويع (له) بعد موت أبيه بثلاث ليال. وفيها (٢): مات أبو داود سليمان (٣) بن الأشعث السجستاني صاحب كتاب السنن. وفيها (٤): توفي خالد بن أحمد السدوسي (٥) أمير خراسان، وكان قد قصد الحج فقبض عليه المعتمد وحبسه فمات في الحبس. وهو الذي أخرج البخاري صاحب الصحيح من بخارى. فدعا عليه البخاري. فأدركته الدعوة. وفيها (٦): توفي الحافظ محمد (٧) بن يزيد بن ماجه القزويني المشهور، وصنف كتاب السنن في الحديث. وكان إمامًا عارفًا في الحديث. ارتحل إلى الأمصار في طلبه. وله تفسير القرآن العظيم، وتاريخ (٨)، وكتابه في الحديث أحد الكتب الستة الصحاح، وكانت ولادته سنة تسع ومائتين. وفي سنة خمس وسبعين: قبض (٩) الموفق على ابنه أحمد، واستمر في الحبس حتى خرج في مرض أبيه الذي مات فيه.

стр. 8807

وفيها (١): توفي أبو سعيد الحسين (٢) بن الحسن البكري النحوي اللغوي، المشهور، صاحب التصانيف. وفي سنة ست وسبعين (٣): مات عبد الملك (٤) بن محمد الرقاشي. وفيها (٥): توفي عبد الله (٦) بن مسلم بن قتيبة، صاحب كتاب أدب الكاتب. وفي سنة سبع وسبعين (٧): مات يعقوب (٨) بن سفيان النسائي، الإمام، الشيعي. وفيها (٩): توفيت عريب (١٠) المغنية المأمونية. وفي سنة ثمان وسبعين: توفي (١١) أبو أحمد طلحة الموفق بالله بن جعفر المتوكل. وكان قد حصل في رجليه داء الفيل، وطال به، وضجر منه، فقال يومًا: قد اشتمل ديواني على مائة ألف مرتزق. وما فيهم أسوأ حالًا مني. ومات يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر، وكان الموفق قد بويع له بولاية العهد بعد المفوّض ابن المعتمد، فلما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس المعتضد بولاية العهد بعد المفوض، واجتمع عليه أصحاب أبيه وتولى ما كان أبوه يتولاه. وفي هذه السنة: تحرك (١٢) بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة. * * *

стр. 8808

ابتداء أمر القرامطة كان الشخص الذي دعاهم إلى مذهبه ودينه قد مرض بقرية من سواد الكوفة فحمله رجل من أهل القرية يقال له كرمينة، فلما تعافى شيخ القرامطة سمى كرميتة باسم ذلك الرجل، ثم قالوا قرمط، ودعا قومًا من أهل السواد والبادية إلى دينه، فأجابوا إليه، وكان مما دعاهم إليه أنه جاء بكتاب يقول به: بسم الله الرحمن الرحيم (١). يقول الفرج بن عثمان، وهو من قرية يقال لها نصرانة أن داعية المسيح عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو جبرئيل، وهو أحمد بن محمد ابن الحنفية، وأن المسيح تصور في جسم إنسان، وقال: إنك الداعية وإنك الحجة. وإنك الدابة وإنك يحيى بن زكريا، وإنك روح القدس. وعرفه أن الصلوات أربع ركعات. ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها. وأن الأذان في كل صلاة أن يقول المؤذن: الله أكبر ثلاث مرات أشهد أن لا إله إلا الله مرتين. أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحًا رسول الله. أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن عيسى روح الله رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. أشهد أن أحمد بن محمد ابن الحنفية رسول الله، والقبلة إلى بيت المقدس، والجمعة يوم الاثنين، لا يعمل فيها شيئًا ويقرأ في كل ركعة الاستفتاح وهو المنزل على أحمد بن محمد ابن الحنفية، وهو: الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المنجد لأوليائه بأوليائه، قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها، ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام وباطنها لأوليائي الذين عرفوا عبادي سبيلي. واتقوني يا أولي الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وأنا العزيز الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي فمن صبر أدْخَلْته جنتي، وأخْلَدْتُه في نعمتي، ومَنْ زال عن أمري وكذب رسلي أخلدته مُهانًا في عذابي، وأظهرت أمري على لسان رسلي. وأنا الذي لم يَعْلُ جبار (٢) إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وبئس الذي (٣) أصر على أمره ودام على جهالته. وقال (٤): لن نبرح عليه عاكفين، وأولئك هم الكافرون، ثم

стр. 8809

يركع. ومن شرائعه أن يصوم يومين من السنة، وهما المهرجان (١) والنيروز (٢). وأن النبيذ حرام والخمر حلال، ولا غسل من جنابة، ولكن وضوء كوضوء الصلاة، وأن لا يؤكل كل ذي ناب ولا مخلب. وفي سنة تسع: خلع (٣) المعتمد ابنه جعفر المفوّض من ولاية العهد وجعل المعتضد ابن أخيه ولي العهد بعده. وفي هذه السنة: توفي (٤) أحمد المعتمد بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم لإحدى عشرة بقيت من رجب ببغداد، وكان قد شرب على الشط (٥) وتعشى. وأكثر من الشراب والأكل، فمات ليلًا، وأحضر المعتضد القضاة، فنظروا إليه وحمل إلى سامراء فدفن بها. وكان (٦) عمره خمسين سنة ونصف وكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة ونصف (٧)، وكان في خلافته قد تحكم عليه أخوه الموفق حتى احتاج إلى ثلثمائة دينار فلم يجدها في ذلك الوقت فقال: [من الوافر] أليس من العجائب أنَّ مثلي … يَرَى ما قَلَّ ممتنعًا عليهِ وتؤخَذُ باسمه الدنيا جميعًا … وما من ذاك شيء في يديه خلافة المعتضد بالله أبي (٨) العباس أحمد، سادس عشرهم وفي صبيحة الليلة التي مات فيها المعتمد بويع المعتضد بالله بن الموفق طلحة بن المتوكل. وفيها (٩): توفي نصر بن أحمد الساماني، فقام بما كان إليه من العمل بما وراء

стр. 8810

النهر أخوه إسماعيل. وفيها (١): قدم الحسين بن الجصاص من مصر بهدايا عظيمة من خمارويه بن أحمد بن طولون بسبب تزويج المعتضد ببنته. وفيها (٢): توفي أبو عيسى محمد (٣) بن عيسى بن سودة الترمذي السلمي، بمدينة ترمذ في رجب، وكان إمامًا حافظًا، له تصانيف حسنة. منها الجامع الكبير في الحديث، وكان ضريرًا، وهو من أئمة الحديث المشهورين، وهو تلميذ البخاري وشاركه في بعض شيوخه مثل قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر. وفي سنة ثمانين: توفي (٤) جعفر بن المعتمد، المفوض. من سنة إحدى وثمانين ومائتين إلى سنة خمس وفي سنة إحدى وثمانين: سار (٥) المعتضد إلى ماردين، فهرب صاحبها (٦) وخلف ولده (٧) بها، فقاتله المعتضد وأخذها منه. وفيها (٨): دخل طغج بن جف، وكان عاملًا على دمشق من طرسوس إلى بلاد الروم من قبل خمارويه، فقتل وسبى. وفيها (٩): توفي عبد الله (١٠) بن محمد بن أبي الدنيا صاحب التصانيف المشهورة.

стр. 8811

وفي سنة اثنتين (١): أمر المعتضد بافتتاح الخراج في النيروز المعتضدي للرفق بالناس وهو في حزيران عند كون الشمس في آخر الجوزاء. وفيها (٢): قتل خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر، ذبحه بعض خدمه على فراشه في ذي الحجة بدمشق، وكان سببه أنه نُقل إلى خمارويه أن جواريه قد أخذت كل واحدة خصيًا وجعلته لها كالزوج، فقصد خمارويه تقرير الجواري على مثل ذلك فاتفق الخدام على قتله، ثم قتل من خدمه الذين اتهموا بذلك نيفًا وعشرين نفسًا. ولما مات خمارويه بايع قواده جيش بن خمارويه، وكان صبيًا. وفي سنة ثلاث: خلع (٣) طغج بن جف جيش بن خمارويه لصباه وتقريبه الأراذل وتهديده قواد أبيه، فثاروا به فقتلوه، ونهبوا مصر وأحرقوها، وأقعدوا أخاه هرون بن خمارويه في الولاية، وكانت ولاية جيش تسعة أشهر. وفيها (٤): مات الوليد بن عبادة البحتري الشاعر بمنبج، وكان مولده سنة ست ومائتين. وفيها (٥): توفي علي بن العباس الرومي الشاعر. وفيها (٦): أمر المعتضد أن يكتب إلى الأمصار بردّ الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام، وأبطل ديوان المواريث. وفيها (٧): أمر بالطعن في معاوية وابنه وأبيه، وإباحة لعنهم، وكان من جملة ما كتب (٨) في ذلك بعد حمد الله والصلاة على نبيه، وإنه لما بعثه الله رسولًا كان أشد الناس في مخالفته بنو أمية وأعظمهم في ذلك أبو سفيان بن حرب وشيعته من بني أمية. قال الله تعالى في كتابه العزيز: والشجرة الملعونة، اتفق المفسرون أنه أراد بها بني أمية.

стр. 8812

ورأى النبي ﷺ أبا سفيان مُقبلًا ومعاوية يقوده، ويزيد أخو معاوية يسوق به، فقال: لعن الله القائد والراكب والسائق. وقد روي أن أبا سفيان قال: يا بني عبد مناف تلقفوها تلقف الكرة، فما هناك جنة ولا نار، وطلب رسول الله ﷺ معاوية ليكتب له، فتأخر واعتذر بطعامه فقال النبي ﷺ : لا أشبع الله له بطنًا، وكان يقول: لا أترك الطعام شبعًا، وإنما أتركه إعياء، وكان النبي ﷺ يقول: إذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه، وأطال في ذلك، وأمر أن يقال (ذلك) في البلاد، ويلعن معاوية على المنابر، فقال له وزيره (١): إن في ذلك استطالة للعلوية، وهم في كل وقت يخرجون على السلطان، ويحصل بهم الفتن فأمسك عن ذلك. وفي سنة أربع: أخبر (٢) المنجمون الناس بغرق أكثر الأقاليم، وأن ذلك يكون بسبب كثرة الأمطار، وزيادة الأنهار، فتحفّظ الناس، فقلت الأمطار، وغارت المياه حتى استسقوا ببغداد مرارًا. وفيها: اختل (٣) حال هارون بن خمارويه بمصر، وانحل نظام مملكته، وكان على دمشق من جهته طغج بن جف. وفي سنة خمس: سار (٤) المعتضد إلى آمد، فافتتحها بالأمان، وكان صاحبها محمد بن أحمد بن عيسى بن الشيخ. ثم سار إلى قنسرين وتسلمها، وتسلّم العواصم من نواب هارون بن خمارويه صاحب مصر، وكان هارون سأل المعتضد في أن يتسلّم هذه البلاد منه. سنة ست وثمانين ومائتين إلى تسعين في سنة ست: ظهر (٥) رجل من القرامطة بالبحرين يعرف بأبي سعيد الجنابي وكثر جمعه وقتل جماعة بالقطيف وغيرها.

стр. 8813

وفيها (١): توفي المبرّد (٢)، أبو العباس محمد بن عبد الله (٣)، الإمام في النحو واللغة. وله التصانيف المشهورة، منها: كتاب الكامل والروضة والمقتضب وغير ذلك. أخذ الأدب عن أبي عثمان المازني، وأخَذَ عنه نفطويه. ولد سنة سبع ومائتين، والمبرد لقب غَلَبَ عليه. قيل: إنه كان عند بعض أصحابه، وأن صاحب الشرطة طلبه للمنادمة، فكره المبرد المصير إليه، وألح الرسول في طلبه، وكان هناك مزملة (٤) لتبريد الماء فارغة، فدخل المبرد فيها، واختفى في غلاف تلك المزملة، ودخل رسول صاحب الشرطة تلك الدار، وفتش على المبرد، فلم يجده فلما مضى جعل صاحب الدار يصفّق وينادي على المزملة المبرد المبرد، وتسامع الناس بذلك، فلهجوا به، وصار لقبًا عليه. وفي سنة سبع: استولى (٥) إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب ما وراء النهر على خراسان بعد قتال شديد، وأسَرَ أمير خراسان عمرو بن الليث الصفار وأرسله إلى المعتضد ببغداد، فحبس عمرو بها فلم يزل محبوسًا حتى قتل سنة تسع وثمانين في الحبس. وفيها (٦): سار محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان إلى خراسان لما بَلَغَهُ أمر الصفار ليستولي عليها، فجرى بينه وبين عسكر إسماعيل الساماني قتال، انهزم فيه عسكر العلوي، وجرح جراحات عظيمة عديدة، ثم مات محمد بن زيد المذكور من تلك الجراحات بعد أيام، وأسر ابنه زيد في الوقعة، وحمل إلى إسماعيل الساماني فأكرمه ووسع عليه، وكان محمد بن زيد أديبًا فاضلًا، شاعرًا، حسن السيرة ﵀. وفيها (٧): مات علي بن عبد العزيز (٨) البغوي بمكة.

стр. 8814

وفي سنة ثمان وتسع: كانت حروب بالشام بين طغج أمير دمشق والقرامطة. وفي سنة تسع (١): توفي أبو العباس أحمد المعتضد، ودفن (٢) ليلًا في دار محمد بن طاهر، وكان مولده في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ومائتين. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا، وخلّف من الذكور: علي المكتفي وجعفر المقتدر وهارون. وإحدى عشرة بنتًا. ولما حضرت المعتضد الوفاة، أنشد أبياتًا منها (٣): ولا تأمننّ الدهر إني أمنتُهُ … فلم يُبقِ لي خِلا (٤) ولم يرْعَ لي حَقًّا قتلت صناديد الرجال ولم أدَعْ … عدوًّا ولم أُمهل على ظنّة (٥) خَلْقا وأخليت دار المُلكِ مِنْ كلّ نازع (٦) … فشردتُهم (٧) غربًا ومزقتهم شرقا فلما بَلَغْتُ النجم عزًّا ورفعةً … وصارت (٨) رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردى سهمًا فأخْمَدَ جمرتي … فها أنا ذا في حفرتي عاجلًا ألقى وكان (٩) المعتضد شهمًا، مهيبًا عند أصحابه، يتقون سطوته، ويكفون عن المظالم خوفًا منه، وكان فيه من الشح، وكان عفيفًا. حكى القاضي ابن إسحاق (١٠)، قال: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فأطلتُ النظر إليهم، فلما قمت أمرني بالقعود، فجلستُ، فلمّا تفرق الناس قال لي: يا قاضي، والله ما حللت سراويلي على حرام قط. خلافة المكتفي بالله علي سابع عشر بني العباس (١١) لما توفي المعتضد بايع الناس أبو (١٢) الحسن علي وكان بالرقة، فكتب

стр. 8815

الوزير (١) إليه بوفاة المعتضد وأخذ البيعة له، ولما وصله الخبر أخَذَ البيعة على من عنده أيضًا، وسار إلى بغداد، فدخلها لثمان خلون من جمادى الأولى. وفيها (٢): توفي إبراهيم بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الأغلب، صاحب إفريقية، (كما تقدم ذكره في سنة إحدى وستين ومائتين) (٣) وملك بعده ابنه عبد الله بن إبراهيم، (ثم قتل عبد الله على ما سنذكره سنة ست وتسعين ومائتين) (٤) وكانت سكني عبد الله وقتله بمدينة تونس، وكان كثير العدل، حسن السيرة. وفي سنة تسعين: حضرت (٥) القرامطة دمشق بعد أن هزموا جيش أميرها طغج بن جف، ثم اجتمعت عليهم العساكر، وقتلوا مقدمهم يحيى المعروف بالشج، ولما قتل مقدم القرامطة يحيى، قام فيهم أخوه الحسين، وتسمّى باحمد، وأظهر شامة في وجهه أنها آيته، وكثر جمعه فصالحه أهل دمشق على مال دفعوه إليه، وانصرف عنهم إلى حمص، فَغَلَب عليها، وخطب له على منابرها، وتسمى المهدي أمير المؤمنين، وعهد إلى ابن عمه عبد الله ولقبه المدثر، وزعم أنه المدثر الذي في القرآن، ثم سار إلى حماة والمعرة، فقتل أهلها حتى قتل الأطفال والنساء. وسار إلى سلمية (٦)، فأخذها بالأمان، ثم قتل أهلها حتى قتل صبيان المكتب. ولما اشتد أمره خرج المكتفي من بغداد، ونزل الرقّة وأرسل إليه الجيوش (٧). سنة إحدى وتسعين ومائتين إلى خمس ففي سنة إحدى وتسعين واقعت (٨) عساكر الخليفة صاحب الشامة القرمطي على حماه (٩) لست خَلَوْنَ من المحرم، فانهزمت القرامطة، وتبعهم العسكر يقتلونهم، وهرب صاحب الشامة ومعه ابن عمه المدثر، وغلام له رومي، فأمسكوا في

стр. 8816

البرية، وأحضروا إلى المكتفي وهو بالرقة. فسار بهم إلى بغداد، وقتلهم، وطيف برأس صاحب الشامة. ومن كتاب الشريف العابد: إن الوقعة كانت في مكان اسمه تمنع، أقول (١): وهي قرية من بلاد المعرة على الطريق الآخذة من حماة إلى حلب. وفيها (٢): توفي أبو العباس أحمد بن يحيى (٣) بن زيد المعروف بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة، وكان صالحًا، ولد في سنة مائتين. وفي سنة اثنتين وتسعين (٤): بعث المكتفي جيشًا مع محمد بن سليمان، فاستولى على دمشق، وسار حتى قرب من مصر، وصاحبها هارون بن خمارويه، ففارقه غالب قواده، ولحقوا بقواد الخليفة، وخرج هارون فيمن معه، وجرى بينه وبين محمد بن سليمان وقعات، ثم وقع في عسكرهم خصومة، أدّت إلى قتال، فركب هارون يسكن الفتنة، فَزَرقَهُ بعض المغاربة بمزراق وقتله، فقام مكانه عمه شيبان، وطلب الأمان من محمد بن سليمان، فآمنه، ثم هرب شيبان تحت الليل، فلم يوجد، واستولى محمد بن سليمان على مصر، وأمسك بني طولون وكانوا بضعة عشر رجلًا، واستصفى مالهم، وحملهم إلى بغداد، وكتب إلى الخليفة بالفتح، وكان ذلك من صفر في هذه السنة. وفي سنة ثلاث وتسعين: خرج (٥) بمصر خارجي يقال له الخلنجي (٦)، وقويت شوكته، فسار إليه أحمد بن كيغلغ عامل دمشق، فطمعت القرامطة في دمشق لغيبة عاملها، وقصدوها، ونهبوها، ونهبوا طبرية، وساروا إلى جهة الكوفة فسير إليهم المكتفي مؤنس المعتضدي (٧)، فاقتتلوا وانهزم جيش الخليفة، فقتل منهم خلق كثير، وغنمت القرامطة منهم شيئًا كثيرًا، فتقووا به.

стр. 8817

وفيها (١): توفي عبد الله بن محمد الناشيء (٢) الشاعر، ونصر بن أحمد الحافظ (٣). وفيها: توفي أحمد (٤) بن يحيى الزنديق المعروف بابن الراوندي، المتكلّم، صنف عدة كتب في الكفر منها: «قضيب الذهب» وكتاب «الدامغ» (٥) و «الفرند» وكتاب «الزمردة» وغير ذلك، وقد أجاب العلماء عن كل ما قاله من معارضة القرآن وغيره من كفرياته، وبينوا وجه فساد ذلك بالحجج البالغة. فمن قوله أبعده الله في كتاب الزمردة: إنا نجد في كتاب أكثم (٦) بن صيفي ما هو أحسن من قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٧). وقال: إن الأنبياء وقعوا بطلسمات جذبوا بها دواعي الخلق كما يجذب المغناطيس الحديد، ووضع كتابًا لليهود والنصارى يتضمن مناقضة دين الإسلام. وقال لليهود: قولوا عن موسى بن عمران إنه قال: لا نبي بعدي، وقال في كتاب الفريد: إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن (٨) الذي تحدّى به النبي ﷺ ، فلم يقدر العرب على معارضته، فيقال لهم: أخبرونا لو ادعى مدع لمن تقدم من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن فقال الدليل على صدق بطليموس وإقليدس. أن إقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه. أكانت نبوته تثبت، وقال: قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (٩). أي ضعف به وقد أخرج آدم من الجنة. وله من هذا شيء كثير أضربنا عن ذكره. وكان موته برحبة مالك بن طوق، وعمره ستًا وثلاثين سنة، وهكذا وجدته في

стр. 8818

تاريخ ابن خلكان (١) وتاريخ شهاب الدين بن أبي الدم الحموي. وفي سنة أربع وتسعين: أخذت (٢) القرامطة الحجاج بطريق مكة، وقتلوهم، عن آخرهم، وكانت عدّة القتلى عشرين ألفًا، وأخذوا منهم أموالًا عظيمة. وكان كبير القرامطة زكرويه، فجهز المكتفي إليهم عسكرًا، واقتتلوا فانهزمت القرامطة، وقتل منهم خلق كثير وأسر زكرويه مجروحًا، فبقي ستة أيام، ومات، وقدم العسكر برأسه إلى بغداد فطيف به. وفيها (٣): توفي محمد (٤) بن نصر المروزي بسمرقند، وله تصانيف كثيرة. وفي سنة خمس وتسعين: توفي (٥) إسماعيل بن أحمد الساماني صاحب ما وراء النهر وخراسان، وولي بعده ابنه أبو نصر أحمد، وارسل له المكتفي التقليد. وفيها (٦): لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة، توفي المكتفي، أبو الحسن علي، وقيل: أبو محمد بن المعتضد. وكانت (٧) خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يومًا، وكان عمره ثلاث وثلاثين سنة، وكان ربعة جميلًا، رقيق السمرة، حسن الوجه والشعر، وافر اللحية، وأمه أم ولد تركية، تدعى ججك، وطالت مرضته عدة شهور، و دفن بدار محمد بن طاهر. خلافة المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ثامن عشر بني العباس (٨) وأمه أم ولد تُدعى شغب، بويع بالخلافة يوم موت المكتفي، وكان عمره يوم بويع ثلاث عشرة سنة.

стр. 8819

وفيها (١): توفي المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام الأموي صاحب الأندلس، فبويع لأخيه عبد الله بن محمد يوم موته، وذلك لثلاث عشرة بقيت من صفر. وفي المحرم منها: توفي (٢) أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي الفقيه الشافعي المحدث، روي عن يحيى بن بدير المصري ويوسف بن عدي وكثير بن يحيى وغيرهم، وروى عنه أحمد بن كامل الشافعي وغيره، وكان مولده سنة مائتين. في سنة ست وتسعين إلى سنة ثلثمائة في سنة ست: خلع (٣) القضاة والقواد المقتدر، وبايعوا عبد الله بن المعتز، ولقبوه المنتصف بالله، وجرى بين أصحابه وأصحاب المقتدر حروب، وآخر ذلك أن ابن المعتز انهزم، ثم أمسك وحبس ليلتين، ثم خنق. وكان مولده لسبع بقين من شعبان سنة سبع وأربعين ومائتين، وكان فاضلًا شاعرًا، أَخَذَ العلم عن المبرد وثعلب، وتولى الخلافة يومًا واحدًا، وقال حين تولى: قد آن للحق أن يتضح وللباطل أن يفتضح، وله الكلام البديع فمنه: أنفاس الحي خطاه إلى أجله. وبما أورد الطمع ولم يصدر يكفيك من الحاسد أن يغتم عند سرورك. وكان عبد الله بن المعتز آمنًا في سِرْبِهِ، منعكفًا على طلب العلم، وكان اشتهر عند الخلفاء أنه لا يؤهّل نفسه للخلافة، وكان مستريحًا إلى أن حمله على تولية الخلافة مَنْ خَذَلَه بعد بيعته، وقد رثاه علي بن محمد بن بسام (٤) فقال: [من البسيط] لله دُرُّكَ مِنْ مَلْكِ بمضيعَةٍ … ناهيك في العلم والآداب والحَسَبِ ما فيه لولا ولا ليت لتنقصه … وإنما أدركته حرفة الأدب وقد روي عنه أنه كان يقول: إن ولأني الله لأفنين جميع بني علي بن أبي طالب فبلغهم ذلك، فكانوا يدعون عليه.

стр. 8820

ذكر ولاية زيادة الله بإفريقية (١) كان زيادة الله (٢) قد حبسه أبوه على شرب الخمر، فاتفق مع ثلاثة من خدم أبيه الصقالبة على قتل أبيه فقتلوه، وأحضروا رأسه إلى زيادة الله وهو في الحبس، فلما تولّى زيادة الله أمر بهم فقتلوا، وهو الذي كان أمرهم بذلك. ولما تولّى على إفريقية انعكف على اللذات وملازمة المضحكين، وأهمل أمور المملكة، وقتل من الأغالبة كل من قدر عليه من أعمامه وإخوته، وفي أيامه قوي أمر أبي عبد الله الشيعي القائم بدعوة العلوية الفاطمية بالمغرب، فأرسل إليه زيادة أربعين ألفًا مع ابن عمه، فهزمهم الشيعي، ولما رأى زيادة الله هزيمة عسكره من بين يدي الشيعي، جمع ما كان معه من الأموال وسار إلى الشرق، فقدم مصر وبها النوشري عاملًا. فكتب بأمره إلى المقتدر. ثم سار زيادة الله إلى الرقة، فأمره المقتدر بالعود إلى المغرب لقتال الشيعي، وكتب إلى النوشري عامل مصر بإمداده بالعساكر والأموال، فقدم إلى مصر، فأمره النوشري بقبض ما يحتاج إليه من الأموال والرجال، وجعل النوشري يمطله وزيادة الله مع ذلك يلازم شرب الخمر واستماع الملاهي، فطال مقامه هناك، فتفرق عنه أصحابه، وتتابعت به الأمراض، وسقط شعر لحيته، وأيس من النوشري، فسار إلى القدس فمات بالرملة، ودفن بها، ولم يبق بالمغرب من بني الأغلب أحد، وكان مدّة ملكهم مائة سنة، واثنتي عشرة سنة بالتقريب؛ لأنه قد تقدم أن الرشيد ولى إبراهيم بن الأغلب على إفريقية سنة أربع وثمانين ومائة، فسبحان من لا يزول ملكه. * * *

стр. 8821

ذكر ابتداء الدولة الفاطمية (١) وفي سنة ست وتسعين: كان ابتداء ملك الخلفاء العلويين بإفريقية، وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستين وخمسمائة (على ما نذكره إن شاء الله تعالى) (٢) وأوّل من ولي منهم، أبو محمد عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وقد اختلف العلماء في نسبه وصحته (٣)، فقال القائلون بإمامته أن نسبه صحيح، ولم يرتابوا فيه، وذهب كثير من العلويين العالمين بالأنساب إلى صحته أيضًا، وشاهده ما قاله الشريف الرضي: [من الخفيف] ما مَقَامي على الهوان وعندي … مِقْوَلٌ صارم وأنفٌ حَمِيّ (٤) أَلْبَسُ الذُّلَّ في بلاد الأعادي … وبمصر الخليفة العلوي مَنْ أبوه أبي ومولاه مولا … يَ ومَنْ جَده وجدي النبي (٥) لُفَّ عِرْقِي بعرقه سيدا … الناس جميعًا محمد وعلي وذهب آخرون إلى أن نسبه غير صحيح، وذهبوا إلى أن نسبهم في اليهود فقالوا لم يكن اسم المهدي عبيد الله، بل كان اسمه سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان، وقيل فيه: سعيد بن الحسين، وأن الحسين قدم إلى سلمية، فتزوج امرأة يهودي، وكان لها من اليهودي ولد فأحبّه الحسين وأدبه، ومات الحسين ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودي، وهو المهدي عبيد الله، وعرَّفَهُ أسرار الدعوة، وأعطاه الأموال والعلامات، فدعى له الدعاة، وقد اختلف المؤرخون في قصة عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان المذكور. ونحن نشير إلى ذلك مختصرًا قالوا (٦): ابن ديصان المذكور هو صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة، وكان يظهر التشيع لآل

стр. 8822

النبي ﷺ . ونشأ لميمون بن ديصان (ولد يقال له) (١) عبد الله القداح؛ لأنه كان يعالج العيون ويقدحها، وتعلم من أبيه الحيل وأطلعه على أسرار الدعاة لآل البيت، ثم سار عبد الله القداح من نواحي كرج وأصبهان إلى الأهواز والبصرة وسلمية من أرض حمص يدعو الناس إلى آل البيت، ثم توفي عبد الله القداح، وقام ابنه أحمد مقامه، وصحبه إنسان يقال له: رستم بن الحسين بن حوشب (٢) النجار، من أهل الكوفة. فأرسله أحمد إلى الشيعة باليمن، وأن/ ٩١/ يدعو الناس إلى المهدي (٣) .. من آل محمد ﷺ ، فسار رستم إلى اليمن، ودعا الشيعة إلى المهدي، فأجابوه، وكان أبو عبد الله الشيعي من أهل صنعاء، وسمع بقدوم ابن حوشب إلى اليمن، وأنه يدعو الناس إلى المهدي، فسار إليه من صنعاء، وكان رستم بعدن، فصحبه، وصار من كبار أصحابه، وكان لأبي عبد الله الشيعي علم ودهاء، وكان قد أرسل ابن حوشب قبل ذلك دعاة إلى أرض المغرب، فأجابه أهل كتامة، ولما علم ابن حوشب دهاء أبي عبد الله الشيعي، أرسله إلى كتامة، وأرسل (معه) (٤) جملة من المال، فسار أبو عبد الله إلى مكة، فلما قدمها اجتمع بالمغاربة من أهل كتامة (٥)، فرآهم مجيبين إلى ما يختار، فسار معهم إلى كتامة، فقدمها منتصف ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين وأتاه البربر من كل مكان، وعظم أمره، وكان اسمه عندهم المشرقي، وبلغ أمره إلى إبراهيم بن أحمد الأغلبي أمير إفريقية، فاستحقره، ثم مضى أبو عبد الله إلى مدينة تاهرت، فَعَظُم شأنه، وأتته القبائل من كل مكان، وبقي كذلك حتى تولّى أبو مضر زيادة الله آخر من ملك من الأغلبية، وكان عم زيادة الله يعرف (٦) بالأحول قبالة أبي عبد الله يقاتله، فلما تولى زيادة الله أحضر عمه وقتله، فَصَفَتْ البلاد لأبي عبد الله الشيعي. ذكر اتصال أبي عبد الله الشيعي بعبد الله المهدي (٧) كانت الدعاة بالمغرب يدعون إلى محمد والد المهدي، وكان بسلمية،

стр. 8823

فلما توفي أوصى إلى ابنه المهدي، وأطلعه على حال الدعاة، وشاع ذلك أيام المكتفي (١)، وطلب فهرب هو وابنه أبو القاسم محمد الذي ولى بعد المهدي، وتلقب بالقائم، وتوجها نحو المغرب، ووصل عبيد الله إلى مصر في زي التجار. وكان عامل مصر حينئذ عيسى النوشوي (٢)، وقد كتب إليه الخليفة بطلب عبيد الله المهدي والتوقع عليه، فجد المهدي (٣) في الهرب، وقدم طرابلس الغرب، وزيادة الله بن الأغلب متوقع عليه، وقد كتب إلى عماله بإمساكه متى ظفروا به، فهرب من طرابلس إلى سجلماسة، فأقام بها وكان صاحب سجلماسة يسمى اليسع بن مدرار (٤)، فهادنه المهدي على أنه رجل تاجر قد قدم إلى تلك البلاد، فوصل كتاب زيادة الله إلى اليسع يقول فيه: إن هذا الرجل هو الذي يدعو أبو عبد الله الشيعي إليه، فقبض اليسع على عبيد الله وحبسه بسجلماسة، ولما كان من قتل زيادة الله عمه الأحول، وهرب زيادة الله استيلاء أبي عبد الله الشيعي على إفريقية. سار أبو عبد الله الشيعي من رقاده في رمضان هذه السنة إلى سجلماسة، واستخلف على رقادة أخاه أبا العباس، فلما قرب من سجلماسة (٥)، خرج صاحبها اليسع وقاتله، فرأى ضعفه عنه فهرب اليسع تحت الليل، ودخل أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة، وأخرج المهدي وولده من السجن، وأركبهما ومشى هو ورؤوس القبائل بين أيديهما. وأبو عبد الله يشير إلى المهدي ويقول: هذا هو مولاكم والمهدي يبكي من الفرح (٦)، حتى وصل إلى فسطاط نصب له. ولما استقر المهدي فيه، أمر بطلب اليسع صاحب سجلماسة، فأدرك وأحضر بين يديه فقتله، وأقام المهدي بسجلماسة أربعين يومًا، وسار إلى إفريقية، فنزل، رقادة في ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، فدوّن الدواوين، وجبى الأموال، وبعث العمال إلى سائر البلاد، واستعمل على جزيرة صقلية الحسن بن أحمد بن أبي حفترير وزال بملك المهدي ملك بني الأغلب وملك بني مدرار أصحاب سجلماسة. وكان آخرهم اليسع، وكان مدة ملك بني مدرار مائة سنة وثلاثين سنة، وزال ملك بني رستم (٧) من تاهوت،

стр. 8824

وكانت مدة ملكهم مائة سنة وستين. ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي (١) ولما استقرت قدم المهدي في المملكة باشر الأمور بنفسه، ولم يبق لأبي عبد الله الشيعي ولا لأخيه أبي العباس مع المهدي حُكم، والفطام صعب، فشرع أبو العباس أخو (أبي) عبد الله يندم أخاه ويقول: أنت أخرجت الأمر عنك وسلمته لغيرك وأخوه ينهاه عن قوله إلى أن أحْنَقَهُ، وبلغ المهدي ذلك، وشرع يقول لرؤوس القبائل ليس هذا المهدي الذي دعوناكم إليه، فطلبهما المهدي وقتلهما، كذا ذكر ابن الأثير في الكامل (٢)، ومقتل أبي عبد الله الشيعي سنة ست وتسعين ومائتين. (وهو الأصح عندي، وكذلك ذكر مقتله) (٣) ابن خلكان (٤): أنه كان سنة ثمان وتسعين. وفي سنة سبع وثمان: توفي (٥) أبو القاسم جنيد (٦) بن محمد الصوفي، وكان إمام وقته، أخَذَ العلم عن أبي ثور صاحب الشافعي، وأخذ التصوف عن سري السقطي. وفي سنة تسع: قبض (٧) المقتدر على وزيره أبي الحسين (٨) بن الفرات، ونهب داره، وهتك حُرَمَهُ، وولي الوزارة أبا علي محمد بن يحيى بن عبيد الله ابن خاقان. وكان ضجورًا، وتحكمت عليه أولاده، فكل منهم يسعى لمن يرتشي وكان يولي العمل الواحد عدّة من العمال في الأيام القليلة، حتى إنه ولى مياه الكوفة في فرد شهر (٩) سبعة من العمال فقيل له: [من الوافر]

стр. 8825

وزير قد تكامل في الرَّقاعة … يولّي ثم يعزل بعد ساعه (١) وإن أهل (٢) الرشا اجتمعوا إليه … فخير (٣) القوم أوفرهم بضاعه والخليفة مع ذلك يتصرف على مقتضى إشارة النساء والخدام، فخرجت الممالك وطمع العمال في الأطراف. وفيها (٤): توفي أبو الحسن محمد (٥) بن أحمد بن كيسان النحوي، وكان عالمًا بنحو الكوفيين والبصريين. وفي سنة ثلثمائة: عزل (٦) المقتدر الخاقاني عن الوزارة، وولاها علي بن عس (٧). وفيها (٨): توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأموي المرواني في ربيع الأول (وكان) (٩) عمره اثنتين وأربعين سنة (١٠)، وكان أبيض أصهب، أزرق، يخضب بالسواد وكانت ولايته خمس سنين وأحد عشر شهرًا (١١)، ورزق أحد عشر ولدًا ذكرًا أحدهم محمد الذي قتله أبوه في حد من الحدود. ولما توفي عبد الله ولي ابن ابنه عبد الرحمن بن محمد المقتول ولقبه الناصر. وتولى الناصر بحضرة أعمامه وأعمام أبيه ولم يختلفوا عليه. سنة إحدى وثلثمائة إلى سنة خمس في سنة إحدى: قتل (١٢) الأمير أحمد بن إسماعيل الساماني، صاحب خراسان
следующие страницы →