← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

ذكر ابتداء الدولة الفاطمية (١) وفي سنة ست وتسعين: كان ابتداء ملك الخلفاء العلويين بإفريقية، وانقرضت دولتهم بمصر سنة سبع وستين وخمسمائة (على ما نذكره إن شاء الله تعالى) (٢) وأوّل من ولي منهم، أبو محمد عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن ميمون بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، وقد اختلف العلماء في نسبه وصحته (٣)، فقال القائلون بإمامته أن نسبه صحيح، ولم يرتابوا فيه، وذهب كثير من العلويين العالمين بالأنساب إلى صحته أيضًا، وشاهده ما قاله الشريف الرضي: [من الخفيف] ما مَقَامي على الهوان وعندي … مِقْوَلٌ صارم وأنفٌ حَمِيّ (٤) أَلْبَسُ الذُّلَّ في بلاد الأعادي … وبمصر الخليفة العلوي مَنْ أبوه أبي ومولاه مولا … يَ ومَنْ جَده وجدي النبي (٥) لُفَّ عِرْقِي بعرقه سيدا … الناس جميعًا محمد وعلي وذهب آخرون إلى أن نسبه غير صحيح، وذهبوا إلى أن نسبهم في اليهود فقالوا لم يكن اسم المهدي عبيد الله، بل كان اسمه سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان، وقيل فيه: سعيد بن الحسين، وأن الحسين قدم إلى سلمية، فتزوج امرأة يهودي، وكان لها من اليهودي ولد فأحبّه الحسين وأدبه، ومات الحسين ولم يكن له ولد، فعهد إلى ابن اليهودي، وهو المهدي عبيد الله، وعرَّفَهُ أسرار الدعوة، وأعطاه الأموال والعلامات، فدعى له الدعاة، وقد اختلف المؤرخون في قصة عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان المذكور. ونحن نشير إلى ذلك مختصرًا قالوا (٦): ابن ديصان المذكور هو صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة، وكان يظهر التشيع لآل

стр. 8822

النبي ﷺ . ونشأ لميمون بن ديصان (ولد يقال له) (١) عبد الله القداح؛ لأنه كان يعالج العيون ويقدحها، وتعلم من أبيه الحيل وأطلعه على أسرار الدعاة لآل البيت، ثم سار عبد الله القداح من نواحي كرج وأصبهان إلى الأهواز والبصرة وسلمية من أرض حمص يدعو الناس إلى آل البيت، ثم توفي عبد الله القداح، وقام ابنه أحمد مقامه، وصحبه إنسان يقال له: رستم بن الحسين بن حوشب (٢) النجار، من أهل الكوفة. فأرسله أحمد إلى الشيعة باليمن، وأن/ ٩١/ يدعو الناس إلى المهدي (٣) .. من آل محمد ﷺ ، فسار رستم إلى اليمن، ودعا الشيعة إلى المهدي، فأجابوه، وكان أبو عبد الله الشيعي من أهل صنعاء، وسمع بقدوم ابن حوشب إلى اليمن، وأنه يدعو الناس إلى المهدي، فسار إليه من صنعاء، وكان رستم بعدن، فصحبه، وصار من كبار أصحابه، وكان لأبي عبد الله الشيعي علم ودهاء، وكان قد أرسل ابن حوشب قبل ذلك دعاة إلى أرض المغرب، فأجابه أهل كتامة، ولما علم ابن حوشب دهاء أبي عبد الله الشيعي، أرسله إلى كتامة، وأرسل (معه) (٤) جملة من المال، فسار أبو عبد الله إلى مكة، فلما قدمها اجتمع بالمغاربة من أهل كتامة (٥)، فرآهم مجيبين إلى ما يختار، فسار معهم إلى كتامة، فقدمها منتصف ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين وأتاه البربر من كل مكان، وعظم أمره، وكان اسمه عندهم المشرقي، وبلغ أمره إلى إبراهيم بن أحمد الأغلبي أمير إفريقية، فاستحقره، ثم مضى أبو عبد الله إلى مدينة تاهرت، فَعَظُم شأنه، وأتته القبائل من كل مكان، وبقي كذلك حتى تولّى أبو مضر زيادة الله آخر من ملك من الأغلبية، وكان عم زيادة الله يعرف (٦) بالأحول قبالة أبي عبد الله يقاتله، فلما تولى زيادة الله أحضر عمه وقتله، فَصَفَتْ البلاد لأبي عبد الله الشيعي. ذكر اتصال أبي عبد الله الشيعي بعبد الله المهدي (٧) كانت الدعاة بالمغرب يدعون إلى محمد والد المهدي، وكان بسلمية،

стр. 8823

فلما توفي أوصى إلى ابنه المهدي، وأطلعه على حال الدعاة، وشاع ذلك أيام المكتفي (١)، وطلب فهرب هو وابنه أبو القاسم محمد الذي ولى بعد المهدي، وتلقب بالقائم، وتوجها نحو المغرب، ووصل عبيد الله إلى مصر في زي التجار. وكان عامل مصر حينئذ عيسى النوشوي (٢)، وقد كتب إليه الخليفة بطلب عبيد الله المهدي والتوقع عليه، فجد المهدي (٣) في الهرب، وقدم طرابلس الغرب، وزيادة الله بن الأغلب متوقع عليه، وقد كتب إلى عماله بإمساكه متى ظفروا به، فهرب من طرابلس إلى سجلماسة، فأقام بها وكان صاحب سجلماسة يسمى اليسع بن مدرار (٤)، فهادنه المهدي على أنه رجل تاجر قد قدم إلى تلك البلاد، فوصل كتاب زيادة الله إلى اليسع يقول فيه: إن هذا الرجل هو الذي يدعو أبو عبد الله الشيعي إليه، فقبض اليسع على عبيد الله وحبسه بسجلماسة، ولما كان من قتل زيادة الله عمه الأحول، وهرب زيادة الله استيلاء أبي عبد الله الشيعي على إفريقية. سار أبو عبد الله الشيعي من رقاده في رمضان هذه السنة إلى سجلماسة، واستخلف على رقادة أخاه أبا العباس، فلما قرب من سجلماسة (٥)، خرج صاحبها اليسع وقاتله، فرأى ضعفه عنه فهرب اليسع تحت الليل، ودخل أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة، وأخرج المهدي وولده من السجن، وأركبهما ومشى هو ورؤوس القبائل بين أيديهما. وأبو عبد الله يشير إلى المهدي ويقول: هذا هو مولاكم والمهدي يبكي من الفرح (٦)، حتى وصل إلى فسطاط نصب له. ولما استقر المهدي فيه، أمر بطلب اليسع صاحب سجلماسة، فأدرك وأحضر بين يديه فقتله، وأقام المهدي بسجلماسة أربعين يومًا، وسار إلى إفريقية، فنزل، رقادة في ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، فدوّن الدواوين، وجبى الأموال، وبعث العمال إلى سائر البلاد، واستعمل على جزيرة صقلية الحسن بن أحمد بن أبي حفترير وزال بملك المهدي ملك بني الأغلب وملك بني مدرار أصحاب سجلماسة. وكان آخرهم اليسع، وكان مدة ملك بني مدرار مائة سنة وثلاثين سنة، وزال ملك بني رستم (٧) من تاهوت،

стр. 8824

وكانت مدة ملكهم مائة سنة وستين. ذكر قتل أبي عبد الله الشيعي (١) ولما استقرت قدم المهدي في المملكة باشر الأمور بنفسه، ولم يبق لأبي عبد الله الشيعي ولا لأخيه أبي العباس مع المهدي حُكم، والفطام صعب، فشرع أبو العباس أخو (أبي) عبد الله يندم أخاه ويقول: أنت أخرجت الأمر عنك وسلمته لغيرك وأخوه ينهاه عن قوله إلى أن أحْنَقَهُ، وبلغ المهدي ذلك، وشرع يقول لرؤوس القبائل ليس هذا المهدي الذي دعوناكم إليه، فطلبهما المهدي وقتلهما، كذا ذكر ابن الأثير في الكامل (٢)، ومقتل أبي عبد الله الشيعي سنة ست وتسعين ومائتين. (وهو الأصح عندي، وكذلك ذكر مقتله) (٣) ابن خلكان (٤): أنه كان سنة ثمان وتسعين. وفي سنة سبع وثمان: توفي (٥) أبو القاسم جنيد (٦) بن محمد الصوفي، وكان إمام وقته، أخَذَ العلم عن أبي ثور صاحب الشافعي، وأخذ التصوف عن سري السقطي. وفي سنة تسع: قبض (٧) المقتدر على وزيره أبي الحسين (٨) بن الفرات، ونهب داره، وهتك حُرَمَهُ، وولي الوزارة أبا علي محمد بن يحيى بن عبيد الله ابن خاقان. وكان ضجورًا، وتحكمت عليه أولاده، فكل منهم يسعى لمن يرتشي وكان يولي العمل الواحد عدّة من العمال في الأيام القليلة، حتى إنه ولى مياه الكوفة في فرد شهر (٩) سبعة من العمال فقيل له: [من الوافر]

стр. 8825

وزير قد تكامل في الرَّقاعة … يولّي ثم يعزل بعد ساعه (١) وإن أهل (٢) الرشا اجتمعوا إليه … فخير (٣) القوم أوفرهم بضاعه والخليفة مع ذلك يتصرف على مقتضى إشارة النساء والخدام، فخرجت الممالك وطمع العمال في الأطراف. وفيها (٤): توفي أبو الحسن محمد (٥) بن أحمد بن كيسان النحوي، وكان عالمًا بنحو الكوفيين والبصريين. وفي سنة ثلثمائة: عزل (٦) المقتدر الخاقاني عن الوزارة، وولاها علي بن عس (٧). وفيها (٨): توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأموي المرواني في ربيع الأول (وكان) (٩) عمره اثنتين وأربعين سنة (١٠)، وكان أبيض أصهب، أزرق، يخضب بالسواد وكانت ولايته خمس سنين وأحد عشر شهرًا (١١)، ورزق أحد عشر ولدًا ذكرًا أحدهم محمد الذي قتله أبوه في حد من الحدود. ولما توفي عبد الله ولي ابن ابنه عبد الرحمن بن محمد المقتول ولقبه الناصر. وتولى الناصر بحضرة أعمامه وأعمام أبيه ولم يختلفوا عليه. سنة إحدى وثلثمائة إلى سنة خمس في سنة إحدى: قتل (١٢) الأمير أحمد بن إسماعيل الساماني، صاحب خراسان

стр. 8826

وما وراء النهر، ذبحه في الليل جماعة من غلمانه على سريره وهربوا ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة، وكان قد خرج إلى البرّ متصيدًا فحمل إلى بخارى ودفن بها. وظفروا ببعض أولئك الغلمان فقتلوهم، وولي الأمر بعده ولده أبو الحسن نصر وهو ابن ثمان سنين. وفيها (١): قتل أبو سعيد الحسين بن بهرام الجنابي كبير القرامطة، قتله خادم له صقلابي (٢) في الحمام، ولما قتله استدعى رجلًا آخر من أكابر رؤسائهم وقال له: الرئيس يستدعيك، فلما (دخل) قتله. فعل كذلك حتى قتل أربعة أنفس من كبرائهم، ثم علموا به فقتلوه، وكان أبو سعيد الجنابي قد جعل وَلَدَهُ الأكبر سعيد (ولي عهده) فتولى بعده، وعجز عن القيام بالأمر، فغلبه أخوه أبو طاهر سليمان، وكان شهمًا شجاعًا، ولما قتل أبو سعيد كان مستوليًا على هجر والاحساء والقطيف، وسائر بلاد البحرين. وفيها: جهز (٣) المهدي العلوي جيشًا مع ولده أبي القاسم محمد إلى ديار مصر فاستولى على الاسكندرية والفيوم، فجهز إليهم المقتدر مع مؤنس الخادم جيشًا فأجلاهم عن ديار مصر، وعادوا إلى المغرب. وفي سنة اثنتين: قبض (٤) المقتدر على الحسين بن عبد الله الجصاص الجوهري، وأخَذَ منه من صنوف الأموال ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار. وفيها (٥): جَهَّز المهدي العلوي جيشًا مع مقدم يقال له جاشة (٦) في البحر فاستولى على الاسكندرية، وأرسل المقتدر جيشًا مع مؤنس (٧) الخادم، فاقتتلوا وانهزمت المغاربة، فعادوا إلى بلادهم. وفيها (٨): توفي علي (٩) بن أحمد بن منصور، الشاعر البسامي، وكان من أعيان

стр. 8827

شعراء الهجاء، هجا أباه وإخوته وأهل بيته، وعمل في القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد (١): [من مخلع البسيط] قُلْ لأبي القاسم المرزي … (٢) قاتلك (٣) الدهرُ بالعجائب مات لك ابنٌ وكَانَ زَينًا … وعاشَ ذو الشِّين والمعائب حياةُ هذا كموت هذا … فلستَ تخلو من المصائب وله في المتوكل حين هدم قبر الحسين بن علي ﵄، ومنع الناس من زيارته: [الكامل] تاللهِ إِنْ كانت أميةُ قدْ أَتَتْ … قتلَ ابن بنت نبيِّها مظلوما (٤) فلقد أتاه بنو أبيه بمثلِهِ … هذا لعمرُكَ قبرُهُ مَهْدُوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتلِهِ فتتبعوهُ رَمِيما وفي سنة ثلاث: اختار (٥) المهدي موضع المهدية (٦) على ساحل البحر، وهو جزيرة متصلة بالبر كهيأة كف متصل بزند فبناها وجعل لها سورًا محكمًا وأبوابًا عظيمة، وزن كل مصراع مائة قنطار، وكان بناؤها يوم السبت لخمس خلون من ذي القعدة، ولما تم بناؤها قال المهدي: الآن آمنتُ على الفاطميات. وفيها (٧): أغارت الروم على الثغور الجزرية فغنموا وسبوا. وفيها (٨): توفي (أبو) (٩) عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي، صاحب كتاب السنن بمكة، ودفن بين الصفا والمروة، وكان إمامًا حافظًا محدثًا، رحل إلى نيسابور، ثم إلى العراق، ثم إلى الشام ومصر، ثم عاد إلى دمشق، فامتحن في معاوية، وسُئل أن يروي شيئًا في فضائله فقال: ما يرضى معاوية أن يكون رأسًا برأس حتى يُفضّل، فقيل: إنه وقع في حقه مكروه، وحمل إلى مكة فتوفي بها. وفي سنة أربع: توفي (١٠) الناصر العلوي صاحب طبرستان، وعمره تسع

стр. 8828

وسبعون ويسمى الأطروش، وهو الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكان ملكه طبرستان سنة إحدى وثلثمائة. وفيها (١): توفي يوسف (٢) بن الحسين بن علي الرازي صاحب ذي النون المصري، وهو صاحب قصة الغار معه. وفي سنة خمس: توفي (٣) أبو جعفر محمد بن عثمان العسكري المعروف بالعمري، رئيس الإمامية، وكان يدعي أنه الباب إلى الأمام المنتظر. وفيها: قدم (٤) رسل ملك الروم إلى بغداد، فلما استحضروا، عبّى لهم العسكر وصفت دار الخليفة بالأسلحة وأنواع الزينة، وكان جملة العسكر المصفوف حينئذ مائتي ألف (٥) راكب، وقف الغلمان الحجرية بالمناطق المحلاة والسيوف، ومن الخدام الخصيان كذلك، وكانوا سبعة آلاف، أربعة (٦) آلاف خادم أبيض، وثلاثة آلاف سود، ووقف ألف وسبعمائة (٧) حاجب ورئيسهم نصر المسوري (٨)، وألقيت المراكب والزبازب (٩) في دجلة بأعظم زينة، وزينت دار الخلافة، فكانت الستور مائة ألف ستر (١٠)، منها ديباج مكلل ستة وثلاثون ألفًا (١١)، وكانت البسط المذهبة المرصعة أربعين ألف (١٢) بساط غير الصوف الرومي، وكان هناك ألف أسد مع ألف سباع (١٣) ومثلها فيلة، وكان في جملة الزينة شجرة ذهب في وسط دار الخلافة، وأوراق الشجر من الزمرد، والأغصان تتمايل بحركات (موضوعة) (١٤) تغرّد عليها الطيور عليها (١٥) من

стр. 8829

فضة بحركة، وشاهد الرسول من العظمة ما يطول شرحه. وأُحضر بين يدي المقتدر، والمقتدر جالس وراء ستر شعر مكلّل، والوزير يبلغ عنه الرسل وله عن الرسل، وأمر (١) المقتدر فنثر على الرسول مائة ألف دينار، فلقطوها. سنة ست وثلثمائة إلى سنة عشر في سنة ست: جعل (٢) على شرطة بغداد نجح (٣) الطولوني، فجعل على الأرباع فقهاء يكون عمل أصحاب الشرطة بفتواهم، فَضَعُفَتْ هيبة السلطة بذلك، وطمع اللصوص والعيارون، وكثرت الفتن. وفيها: جهز (٤) المهدي جيشًا كثيفًا مع ابنه القائم إلى مصر، فوصل إلى الاسكندرية واستولى عليها، ودخل الأشمونين (٥)، وملك غالب الصعيد، وبعث المقتدر/ ٩٩/ مؤنسًا الخادم، وجرى بينهما عدّة وَقَعات، ووصل من إفريقية إلى الاسكندرية ثمانون مركبًا نجدةً للقائم، وأرسل المقتدر مراكب من طرسوس لقتال مراكب القائم، فاقتتلوا في البر والبحر، وانهزمت عساكر المهدي إلى إفريقية بعد أن قتل منهم وأسر. وفيها (٦): توفي القاضي محمد (٧) بن خلف بن حيان الضبي المعروف بوكيع، وكان عالمًا بأخبار الناس وله تصانيف حسنة. وفيها (٨): توفي الإمام أبو العباس أحمد بن سريج (٩) الفقيه الشافعي، وكان من أئمة المسلمين، ويقال له الباز الأشهب، وولي القضاء بشيراز، وكانت مصنّفاته أربعمائة مصنّف، ومنه انتشر مذهب الشافعي، وكان يقال في عصره: إن الله أظهر

стр. 8830

عمر بن عبد العزيز على رأس المائة من الهجرة، فأظهر السنة، وأخفى البدعة، ثم مَنَّ الله بالشافعي على رأس المائتين فأظهر السنة وأخفى البدعة، ثم مَنَّ الله بابن سريج على راس الثلثمائة، فأحيا السنّة وأضعف البدعة. وفي سنة سبع وثلثمائة: انقرضت (١) دولة الأدارسة العلويين. أقول (٢): كنا سقنا أخبارهم إلى محمد بن إدريس بن إدريس سنة أربع عشرة ومائتين، وأن محمدًا لما تولّى فرق غالب بلاده على إخوته حسبما تقدم. ولما توفي محمد قام بعده ابن أخيه علي بن عمر الذي أعطاه محمد صنهاجة، وكانت إمامة علي مضطربة. لم يتم له فيها أمر، فخلع وولي بعده ابن أخيه يحيى بن إدريس بن عمر. وهذا يحيى هو آخر أئمتهم بفاس، وانقرضت دولتهم في هذه السنة، وتغلب عليهم فضالة بن حيوس، ثم ظهر من الأدارسة حسن بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس، ورام رد الدولة وقد أخذتْ في الاختلال، ودولة المهدي عبيد الله في الإقبال، فملك عامين لم يتم له مطلب، وانقرضت دولتهم من المغرب. وحمل غالب الأدارسة إلى المهدي إلا مَنْ اختفى في الجبال إلى أن ثار بعد الأربعين وثلثمائة إدريس من ولد محمد بن القاسم، فأعاد الإمامة لهذا البيت، وتغلب على بر العدوة عبد الملك بن منصور وخطب لبني أمية، ثم رجع عبد الملك إلى الأندلس فاضطربت ببر العدوة دولته، فتغلب على فاس بنو أبي العافية الزناتيون حتى ظهر يوسف بن تاشفين أمير المسلمين واستولى على تلك البلاد. وفي سنة ثمان (٣): قتل حسين الحلاج (٤). كان الحسين بن منصور الحلاج الصوفي يظهر (الزهد) (٥) والتصوف والكرامات، ويخرج للناس فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس ويمد يده إلى الهواء ويخرج يَدَهُ ملانة (٦) دراهم، مكتوب عليها: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. ويسميها دراهم القدرة، ويخبر الناس بما أكلوه وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلّم بما في ضمائرهم، فافتتن به خلق كثير، واعتقدوا فيه الحلول، واختلف

стр. 8831

الناس فيه. كاختلافهم في عيسى ابن مريم، فمن قائل: إنه حلَّ فيه جزء إلهي، ومَنْ قائل: ولي، وما يظهر منه كراماته، ومن قائل: إنه ساحر كذاب. وقدم من خراسان إلى العراق، وسار إلى مكة، وأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف، وكان يصوم الدهر، ويفطر على ماء، ويأكل ثلاث عضات من [قرص] (١) حسب، ثم عاد الحلاج إلى بغداد، فالتمس حامد (٢) الوزير من المقتدر أن يسلّم إليه الحلاج، فأمر بتسليمه إليه، وكان حامد يخرج الحلاج إلى مجلسه، ويستنطقه، فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة، وحامد مجد في أمره ليقتله، وآخر الأمر إن الوزير رأى له كتابًا يقول فيه: إن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أَفْرَدَ بيتًا نظيفًا من النجاسات، ولا يدخله أحد، وإذا حضرت أيام الحج طاف حوله، وفعل ما يفعله الحجاج بمكة، ثم يجمع ثلاثين يتيمًا، ويعمل (طعامًا) (٣) يمكنه، ويطعمهم في ذلك البيت، ويكسوهم ويعطيهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمن حجّ، فأمر الوزير بقراءة ذلك قدام القاضي أبي عمر، فقال القاضي للحلاج، من أين لك هذا؟ فقال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري، فقال القاضي: كذبت يا حلال الدم. قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا، فطالب الوزير القاضي أن يكتب خطه بما قاله أنه حلال الدم، فكتب بإباحة دم الحلاج، وكتب بعده مَنْ حَضَر المجلس، فلما سمع الحلاج ذلك قال: ما يحل لكم دمي وديني الإسلام، ومذهبي السنّة، ولي فيها كتب موجودة، فالله الله في دمي. وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله، وأرسل إليه الفتاوى، فأذن المقتدر في ذلك. فضرب ألف سوط، ثم قطعت يده ورجله، ثم قتل وأحرق بالنار. ونُصب رأسه ببغداد. وفيها (٤): توفي أبو العباس أحمد (٥) بن محمد بن سهل بن عطاء الصوفي، من كبار علماء الصوفية. وفي سنة عشر وثلثمائة (٦): توفي أبو جعفر محمد (٧) بن جرير الطبري ببغداد،

стр. 8832

ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين بآمل طبرستان، وكان حافظًا للكتاب عارفًا للقراءات، مجتهدًا من غير تقليد، عارفًا بأقاويل الصحابة، وله التاريخ المشهور (١) ابتدأ فيه من أول الزمان إلى آخر سنة اثنتين وثلثمائة، وكتاب حسن في التفسير (٢) وله في أصول الفقه، وفروعِهِ (٣) كتب كثيرة، ولما مات تعصّبتْ عليه العامة ورموه بالرفض، وما كان سببه إلا أنه صنّف كتابًا في اختلاف الفقهاء، ولم يذكر أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك فقال: لم يكن أحمد بن حنبل فقيهًا، وإنما كان محدّثًا، فاشتد ذلك على الحنابلة. وكانوا لا يُحصون كثرةً ببغداد فشنعوا عليه بما أرادوه. سنة إحدى عشرة إلى خمس عشرة في سنة إحدى [عشرة]: كبس (٤) أبو طاهر القرمطي البصرة ليلًا، وعلت القرامطة على أسوارها، وقتلوا عاملها، وأقاموا سبعة عشر يومًا يقتلون الناس ويحملون الأموال. وفيها (٥): توفي أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين (٦) الجريري بضم الجيم، وهو من مشايخ الصوفية. وإبراهيم بن السري (٧)، الزجاج النحوي، صاحب كتاب معاني القرآن. وفيها (٨): توفي محمد (٩) بن زكريا الرازي الطبيب المشهور. وكان في شبيبته يضرب بالعود، فلما التحى قال: كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستحسن

стр. 8833

فتركه وأقبل على دراسة كتب الطب والفلسفة، وقد جاوز الأربعين سنة، وطال عمره، وبلغ في معرفة علوم الطب غاية ما يكون، وصنّف في الطب كتبًا نافعة، فمنها الحاوي ثلاثين مجلدًا، وكتاب المنصوري، وهو مختصر نافع، صنّفه لبعض الملوك السامانية ملوك ما وراء النهر. وفي سنة اثنتي عشرة: أخذَ (١) أبو طاهر القرمطي الحجاج، وأخذ منهم أموالًا عظيمة، وهلك أكثرهم بالجوع والعطش. وفيها (٢): قبض المقتدر على وزيره (أبي) (٣) الحسن بن الفرات، ثم سعوا في قتله، فقتل هو وولده المحسن، وكان عمر ابن الفرات إحدى وسبعين سنة، وعمر المحسن ثلاث وثلاثين سنة، واستوزر المقتدر بعده أبا القاسم ابن الخاقاني (٤). وفيها (٥): سار أبو طاهر القرمطي إلى الكوفة، ودخلها بالسيف، وقتل خلقًا وحمل أموالًا، وأقام فيها ستة أيام، يدخل الكوفة نهارًا ويخرج منه ليلًا. وفي سنة ثلاث عشرة: توفي (٦) عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، وكان عمره مائة سنة وسنتين. وفي سنة أربع عشرة: قلد (٧) المقتدر يوسف بن أبي الساج نواحي المشرق وأمره بالسير إلى واسط لمحاربة القرامطة. وفيها: استولى (٨) نصر بن أحمد الساماني على الري، وهلك بها (٩)، وقيل لم يهلك وإنما مرض فسار إلى خراسان. وفي سنة خمس عشرة: وصلت (١٠) القرامطة إلى الكوفة، فسار إليهم يوسف بن أبي الساج من واسط بأربعين الف فارس، وكانت القرامطة ألف وخمسمائة رجل منهم

стр. 8834

سبعمائة فارس، وثمنمائة (١)، راجل، فلما رآهم ابن أبي الساج احتقرهم وقال: اكتبوا إلى الخليفة بالفتح، واقتتلوا فحملت القرامطة، وانهزم عسكر الخليفة وأخذ يوسف بن أبي الساج أسيرًا، ثم قتله أبو طاهر القرمطي، واستولى على الكوفة، وأخَذَ منها أموالًا كثيرة، ثم جهز المقتدر إلى القرامطة مؤنسًا الخادم في عساكر كثيرة. فانهزم أكثرهم قبل الملتقى، ثم التقوا فانهزمت عساكر الخليفة، ووقع الجفل في بغداد خوفًا من القرامطة، ونهبت القرامطة غالب البلاد الفراتية، ثم عادوا إلى هجر بالغنائم. وفيها: ظفر (٢) عبد الرحمن الناصر بن محمد الأموي صاحب الأندلس بأهل طليطلة بعد حصارها مدةً لخلافهم عليه. سنة ست عشرة وثلثمائة إلى سنة عشرين في سنة ست عشرة: دخلت (٣) القرامطة إلى الرحبة، فنهبوا وسبوا، وغادروا إلى الرقة، فنهبوا وسبوا، ثم ساروا إلى سنجار فنازلوها، وطلب أهلها الأمان فآمنوهم، ونهبوا الجبال وغيرها من البلاد، وعادوا إلى هجر. وفيها (٤): عزل المقتدر علي بن عيسى عن الوزارة، وقبض عليه وولى أبا علي بن مقلة. ذكر ابتداء أمر مرداويج (٥) كان قد استولى على جرجان أسفار بن شرويه (٦) سنة خمس عشرة وثلثمائة. وكان من أصحابه قائد كبير يقال له مرداويج بن زيار من الديلم، فخرج على أسفار بعد أن بايع غالب عسكره في الباطن، وهرب أسفار، وطلبه مرداويج فأدركه وقتله. وابتدأ أمر مرداويج في تلك البلاد من هذه السنة، فملك قزوين والري وهمدان وكنكور والدينور وبروجرد وقم وقاشان وأصفهان وجرباذقان، وعمل سريرًا من ذهب

стр. 8835

يجلس عليه، ويقف عسكره صفوفًا بالبعد عنه، ولا يخاطبه أحد إلا الحجاب، ثم استولى مرداويج على طبرستان. وفيها: وصل (١) الدمستق في جيش كبير من الروم، وحصروا خلاط، فطلبوا (٢) الصلح، فأجابهم على أن يقلع منبر الجامع ويعمل موضعه صليبًا، فأجابوا إلى ذلك، وأخرجوا المنبر، وجعلوا مكانه صليبًا، ثم سار إلى بدليس، وفعل ذلك (٣). والدمستق اسم لنائب البلاد الشرقية من الخليج القسنطيني. وفي سنة سبع عشرة: خُلع (٤) المقتدر بالله من الخلافة بسبب استيلاء النساء على الأمور، وكثرة ما أخذوا من الأموال والضياع، وانضم إلى ذلك وحشة مؤنس الخادم من المقتدر، واجتمعت العساكر إلى مؤنس وقصدوا الخليفة، وأخرجوا المقتدر ووالدته وخالته وخواص جواريه وأولاده من دار الخلافة إلى دار مؤنس، واعتقلوه بها، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد ولقبوه القاهر بالله، بعد أن ألزموا المقتدر بالخلع، فأشهدوا عليه القاضي أبا عمر ونهبت دار الخلافة، وأخذوا من أم المقتدر ستمائة ألف دينار، فلما كان السبت سابع عشر المحرم ثالث يوم خلع المقتدر بكر الناس إلى دار الخلافة حتى امتلأت الرحاب لكونه يوم موكب، ولم يحضر مؤنس المظفر ذلك اليوم (و حضرت) (٥) الرجالة المصافية بالسلاح يطالبون بحق البيعة، وارتفعت زعقاتهم، فخرج ياروك التركي من عند القاهر ليطيب خاطرهم، فرأى في أيديهم السيوف المسلولة فخافهم ورجع، فتبعوه وقتلوه في دار الخلافة، وصرخوا مقتدر يا منصور وهجموا على القاهر، فهرب واختفى، وتفرّق عنه الناس، ولم يبق بدار الخلافة أحد، ثم قصد الرجالة المصافية دار مؤنس المظفر، وطلبوا المقتدر منه، فأخرجه وسلّمه إليهم، فحمله الرجالة على رقابهم، وأدخلوه دار الخلافة ثم أرسل المقتدر خلف أخيه القاهر بالأمان، وأحضره وقال: قد علمت أنه لا ذنب لك، فقبل القاهر يد أخيه، ثم حبس القاهر عند السيدة والدة المقتدر، فأحسنت إليه، ووسَّعَتْ عليه، واستقر المقتدر في الخلافة، وسكنت الفتنة، وكان أشار مؤنس إعادة المقتدر إلى

стр. 8836

الخلافة وإنما خَلَعَهُ موافقةً للعسكر. وفيها (١): وافى أبو طاهر القرمطي مكة يوم التروية، وكان الحجاج قد وصلوا إلى مكة سالمين، فنهب القرمطي أموالهم وقتلهم حتى في المسجد الحرام وداخل الكعبة، وقَلَعَ الحجر الأسود من الركن، ونَقَلَهُ إلى هجر، وقتل أمير مكة، وقُلع باب البيت، وطلع أحدهم ليقلع ميزاب الكعبة، فسقط ومات وأخذ كسوتها، فقسمه بين أصحابه. وفيها: وقع (٢) بسبب تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ببغداد فتنة عظيمة بين الحنابلة وغيرهم، دخل فيها الجند والعامة، واقتتلوا، فقتل بينهم قتلى كثيرة، فقال أبو بكر المروزي وأصحابه من الحنابلة: إن تفسير ذلك أن الله تعالى يقعد النبي ﷺ معه على العرش. وقالت الطائفة الأخرى: إِنَّما هي الشفاعة، فاقتتلوا بسبب ذلك. وفيها (٣): توفي محمد (٤) بن جابر بن سنان الحراني الأصل، الحاسب، المنجم، صاحب الزيح الصابئ، واسمه يدلّ على إسلامه، وكذلك خطبته في زيجه، قال ابن خلكان (٥)، ولم أعلم أنه أسلم، وله الأرصاد المتقنة، وابتدأ بالرصد سنة أربع وستين ومائتين إلى سنة ست وثلثمائة. وأثبت الكواكب الثابتة في زيجه لسنة تسع وتسعين ومائتين، وزيجه نسختان أولى وثانية، والثانية أجود. وفيها (٦): توفي نصر (٧) بن أحمد بن نصر البصري الشاعر، المعروف بالخبز أرزي، وكان أديبًا راوية للشعر، وكان أميًا لا يعرف أن يتهجى، ولا يكتب، وكان يخبز خبز الأرز بمربد البصرة وله الأشعار الفائقة، منها: [من الطويل]

стр. 8837

خليلي هل أبصرتُما أو سمعتُما … بأحسنَ مِنْ مَولى تمشى إلى عبد (١) أتى زائري مِنْ غير وعد وقال لي … أجلك عن تعليق قلبك بالوعد فما زال نجم الوصل بيني وبينه … يدور بأفلاك السعادة والسعد فطورًا على تقبيل نرجس ناظر … وطورًا على تقبيل تفاحة الخد وفي سنة ثمان عشرة (٢): أخرجت الرجالة المصافية من بغداد، فإنهم استطالوا بالكلام والفعل (من) (٣) حين أعادوا المقتدر إلى الخلافة، فجرى بينهم وبين الجند وقعة، هرب فيها الرجالة إلى واسط واستولوا عليها، فسار إليهم مؤنس المظفر، وشرد منهم وقتلهم. وفيها (٤): توفي أبو بكر الحسن (٥) بن علي بن أحمد بن بشار المعروف بابن العلاف الضرير النهرواني، وعمره مائة سنة، وهو ناظم مراثي الهر ومنها (٦): [من المنسرح] ياهر فارقتنا ولم تعد … وكنت منا (٧) بمنزل الولد وكان قلبي عليك مرتعدًا … وأنتَ تنساب غير مرتعد تدخل برج الحمام متئدًا … وتبلع الفرح غير مُتئدِ صادوك غيظًا عليك وانتقموا … منك وزادوا ومَنْ يَصَدْ يُصَدِ ولم تزل للحمامِ مُرْتَصِدًا … حتى سقيت الحمام بالرَّصَدِ يا من لذيذ الفراخ أَوْقَعَهُ … وَيْحَكَ هلا قنعت بالغُدَدِ لا بارك الله بالطعام إذا … كان هلاك النفوس في المعَدِ كمْ دَخَلَتْ لقمة حشاشَرِهِ … فَأخرجَتْ رُوحَهُ مِنَ الجَسَدِ

стр. 8838

ما كان أغناك عن تسلُّقك الـ … ـبرج ولو كان جنَّة الخلد وهي قصيدة مشهورة طويلة، واختلف في سبب عملها، فقيل: كان له قط قتله الجيران فرثاه، وقيل: بل رثى بها ابن المعتز ولم يذكره خوفًا من المقتدر، فَوَرى بالقط. وفي سنة تسع عشرة: أرسل (١) المقتدر عسكرًا لقتال مرداويج، فالتقوا بنواحي همدان، فانهزم عسكر الخليفة، واستولى مرداويج على بلاد الجبل جميعها وبلغت عساكره في النهب إلى نواحي حلوان. ثم ملك مرداويج أصبهان. وفي ذي الحجة منها (٢): تأكدت الوحشة بين مؤنس والمقتدر. وفي سنة عشرين وثلثمائة: سار (٣) مؤنس إلى الموصل مغاضبًا للمقتدر واستولى المقتدر على إقطاعه وأملاكه وأملاك أصحابه، وكتب إلى بني حمدان أمراء الموصل بصد مؤنس عن الموصل، فجرى بينهم وبين مؤنس قتال، انتصر فيه مؤنس واستولى على الموصل، واجتمعت عليه العساكر من كل جهة، فأقام بالموصل تسعة أشهر، ولما اجتمعت العساكر عليه بالموصل سار بهم إلى بغداد، فوصل إلى باب الشماسية (٤)، ولما رأى المقتدر ضعفه، وانعزال العسكر عنه قصد الانحدار إلى واسط، ثم اتفق من بقي معه على قتال مؤنس، فخرج المقتدر إلى قتال مؤنس وهو كاره، وبين يدي المقتدر الفقهاء والقراء، ومعهم المصاحف منشورة، وعليه البردة، فوقف على تل، ثم ألح عليه أصحابه بالتقدم إلى القتال فتقدم، وانهزمت (٥) أصحابه، فلحقهم قوم من المغاربة، فقال لهم: ويحكم أنا الخليفة، فقال له بعضهم: قد عرفناك يا سفلة، أنت خليفة إبليس، وضربه بالسيف، فسقط إلى الأرض، وذبحوه، وكان المقتدر ثقيل البدن، عظيم الجثة، فرفعوا رأسه على خشبة، وهم يكبرون ويلعنونه، وأخذوا ما عليه حتى سراويله، ثم حفروا له في موضعه وعفي قبره، وحمل رأسه إلى مؤنس، وهو بالراشدية، لم يشهد الحرب، فلما رأى رأس المقتدر لطم وبكى، وكان المقتدر قد أهْمَلَ أحوال الخلافة، وحكم فيها النساء والخدم، وفرط في الأموال وكانت (٦) مدة

стр. 8839

خلافته أربعًا وعشرين سنة وأحد عشر شهرًا، وعمره ثمانيًا وثلاثين سنة. خلافة القاهر بالله محمد تاسع عشر بني العباس (١) وكان مؤنس قد أشار بإقامة ولد المقتدر أبي العباس فاعترض عليه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي، بأن هذا صبي ولا نولي الأمر إلا مَنْ يدبر نفسه ويدبرنا، وكان في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفِهِ، فإن القاهر قتل النوبختي فيما بعد (٢)، فأحضروا القاهر بن المعتضد وبايعوه لليلتين بقيتا من شوال، ثم أحضر القاهر أم المقتدر، وسألها عن الأموال فاعترفت بما عندها من المصاغ والثياب فقط، فضربها أشدَّ ما يكون من الضرب، وكانت مريضة، ثم علقها برجلها، فحلفت أنها ما تملك غير ما أطلعته عليه. واستوزر القاهر أبا علي بن مقلة (٣)، وعزل وولّى، وقبض على جماعة من العمال. وفيها (٤): توفي القاضي أبو عمرو (٥)، وأبو الحسين بن صالح (٦) الفقيه الشافعي وكان عابدًا. وأبو نعيم عبد الملك (٧) الشافعي الجرجاني، المعروف بالأشتر الأستراباذي. سنة إحدى وعشرين وثلثمائة إلى سنة خمس في سنة إحدى وعشرين في جمادى الأولى: ماتت (٨) شغب جارية المعتضد أم

стр. 8840

المقتدر، ودفنت بتربتها بالرصافة. وفيها: حصلت (١) الوحشة بين مؤنس، والقاهر، وكان مؤنس قد أقام بليق (٢) حاجبًا وجَعَلَ أمر دار الخلافة إليه، فضيّق على القاهر، ومنع دخول امرأة إلى دار الخلافة حتى يعرف من هي، فإنّ القاهر استمال جماعة في الباطن بالقبض على مؤنس وبليق واتفق رئيس الحجرية (٣) واسمه طريف البكري مع القاهر على ذلك. وفي (٤) أول شعبان من هذه السنة: قبض القاهر على مؤنس وبليق وابنه؛ لأنهما اتفقا على خلع القاهر وإقامة أحمد بن المكتفي، واتفق معهم الوزير بن مقلة على ذلك، فاستمال القاهر طريف البكري، واتفق معه ومع الغلمان الساجية (٥) على قبض مؤنس وبليق وأكمنهم في الدهليز والممرات، وحضر ابن بليق بجماعة وقصد الاجتماع بالخليفة، وأظهر أنه يريد الاجتماع به بسبب القرامطة، وإنما أراد أن يقبض على الخليفة، ولم يعلم بما أعتد له القاهر به (٦). فلما دَخَلَ دار الخلافة قبض عليه، وبلغ أباه بليق، وكان منقطعًا في داره بسبب مرض فركب وحضر دار الخلافة بسبب ذلك فقبض عليه أيضًا، ثم أرسل القاهر يستدعي مؤنسًا، فامتنع عن الحضور، فحلف له أنه آمن، وإنما يريد يعرفه اتفاق بليق وابنه على خلعه، فإذا كان ذلك كذبًا أفرج عنهما، وما زال يردّد الرسل إلى مؤنس حتى حضر فقبض عليه أيضًا، وعزل أبا علي بن مقلة واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم (٧)، ثم جد في طلب أبي أحمد بن المكتفي، فظفر به، فبني عليه حائطًا، فمات. ولما أمسك القاهر المذكورين شغب غالب العسكر، وكانوا أصحاب مؤنس بسبب حبس مؤنس، وطلبوا إطلاقه، فعمد القاهر إلى ابن بليق وذبحه، وجعل رأسه في طست، وكان حبسهم متفرقين، ثم أحضر الرأس في طست إلى أبيه بليق، فبكى، وجعل يرشف

стр. 8841

الرأس، ثم قتله القاهر، وجعل رأسه مع ولده في الطست وأحضرهما إلى مؤنس فلما رأى الرأسين تشاهد ولعن قاتلهما، فأمر القاهر أن يجر برجله إلى بالوعة فيذبح وهو (١) يقول: يا محروق، يا معيوب مثلك يقتل الخلفاء، وأطلعت ثلاثة (٢) رؤوسهم وطيف بها في بغداد ينادى عليها: هذا جزاء من يخون الإمام، ثم استخرج أدمغتهم وجعلها في خزانة الرؤوس، وعزل القاهر وزيره أبا جعفر، وولى الخصيبي (٣) الوزارة، ثم قبض على طريف البكري الذي اتفق معه على قبض مؤنس ولولاه لم يقدر القاهر بفعل ما فعل. * * *

стр. 8842

ذكر ابتداء ملك بني بويه (١) كان بويه رجلًا متوسطًا من الديلم، وكنيته أبو شجاع، ولما عظمت مملكة بني بويه اشتهر نسبهم، فقيل بوه بن فناخسرة بن تمام بن كوهي بن شيرزير الأصفر ابن شير كندة بن شيرزير الأكبر بن شيران شاه بن شرفنه بن بستان شاه بن شر فروز ابن شيروزيك سبسذ بن بهرام جور الملك، وباقي النسب إلى أردشير بن بابك، وقد تقدم في أخبار ملوك الفرس. وكان لبويه المذكور ثلاثة أولاد وهم: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن (٢) ومعز الدولة أبو الحسين أحمد. وكانوا في خدمة ما كان بن كاكي الديلمي. ولما ملك من الديلم اسفار بن شيرويه ومرداويج، ملك ما كان ابن كاكي الديلمي طبرستان وأولاد بويه الثلاثة من جملة عسكره، متقدمين عنده، فلما استول مرداويج على ما كان بيد ما كان بن كاكي من طبرستان، سار ما كان عن طبرستان، واستولى على الدامغان، ثم انهزم ما كان وعاد إلى نيسابور، وأولاد بويه الثلاثة معه، فلما رأوا عجزه عن قتال مرداويج، قالوا: نحن معنا جماعة، وأنت مضيق، والأصلح أن نفارقك، لتخف المؤونة عنك، فإذا صلح أمرك عُدنا إليك، فأذن لهم، ففارقوه ولحقوا بمرداويج، وتبعهم في ذلك جماعة من قواد ما كان، فأحسن إليهم مرداويج. وقلّد عماد الدولة كرج، فلما استقر فيها كَثُر جمعه، وقوي، ثم أطلق مرداويج لجماعة من قواده مالًا على كرج، فلما وصلوها أحسن إليهم عماد الدولة علي واستمالهم، فأحبّوه وأطاعوه، وبلغ ذلك مرداويج فاستوحش من عماد الدولة، فقصد عماد الدولة أصفهان وبها أبو بكر محمد بن ياقوت الحجري (٣)، فاقتتلوا، فانهزم ابن ياقوت، واستولى ابن بويه على أصفهان، وكان أصحابه تسعمائة رجل، وأصحاب ابن ياقوت عشرة آلاف، فلما هزم عماد الدولة بتسعمائة عشرة آلاف عظم في عيون

стр. 8843

الناس، وبقي مرداويج يراسله ويستدعيه بالملاطفة وهو يعتذر ولا يحضر، وأقام بأصبهان شهرين، وجبى أموالها، وارتحل إلى أرجان في ذي الحجة سنة عشرين، وكان قد انهزم إليها أبو بكر بن ياقوت، فانهزم من بين يدي ابن بويه من غير قتال، فاستولى عماد الدولة على أرجان في ذي الحجة سنة عشرين وثلاثمائة، ثم سار إلى النوبندجان (١) واستولى عليها في ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، ثم أرسل عماد الدولة أخاه ركن الدولة إلى كازرون وغيرها من أعمال فارس، فاستخرج أموالها، ثم كان منهم ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي (٢) هذه السنة: توفي أبو بكر محمد بن دريد (٣) اللغوي، في شعبان وولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين. أَخَذَ العلم عن أبي حاتم السجستاني وأبي الفضل الرياشي وغيرهما، وكان فاضلًا شاعرًا، نظم قصيدته المقصورة المعروفة بمقصورة ابن دريد، وله تصانيف كثيرة في النحو واللغة منها: كتاب «الجمهرة» وكتاب «الخيل» وكان ابن دريد قد ابتلي بشرب النبيذ وسماع الغناء. قال الأزهري: دخلت على ابن دريد فوجدته سكران، فلم أعد بعدها إليه، قال ابن شاهين: كنا ندخل عل ابن دريد، فنستحي منه مما نرى من العيدان المعلّقة والشراب المصفّى، وكان قد جاوز التسعين. وفيها (٤): توفي أبو هاشم بن (أبي) (٥) علي الجبائي المعتزلي، ومولده سنة سبع وتسعين ومائتين، أخَذَ العلم عن أبيه، واجتهد حتى صار أفضل من أبيه وكان أبوه أكبر منه باثنتي عشرة سنة، وكان موت أبي هاشم وابن دريد في يوم واحد، فقال الناس: اليوم دفن علم الكلام وعلم اللغة، ودفنا بمقابر الخيزران ببغداد.

стр. 8844

وفيها (١): توفي محمد (٢) بن يوسف بن مطر الفربري، ومولده سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وهو الذي روي صحيح البخاري عنه، وكان قد سمعه من البخاري عشرات ألوف، وهو منسوب إلى فربر بالفاء والراء المفتوحتين، ثم باء موحدة من تحتها ساكنة وبعدها راء مهملة. وفربر قرية ببخارى، كذا نقل ابن الأثير في تاريخه. وقد ذكر القاضي شمس الدين بن خلكان أن فربر بلدة على طرف جيحون. وفيها (٣): توفي بمصر أبو جعفر أحمد بن (٤) محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، الفقيه الحنفي، انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، وكان شافعي المذهب. وقرأ على المزني، فقال: والله لا جاء منك شيء، فغضب الطحاوي، واشتغل بمذهب أبي حنيفة، وبرع فيه، وصنّف كتبًا مفيدةً، منها: (إحكام القرآن)، و (اختلاف العلماء)، ومعاني الآثار، وله تاريخ كبير، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين. وفي سنة اثنتين وعشرين: استولى (٥) عماد الدولة على شيراز. وفيها: في جمادى الأولى: خُلع القاهر بسبب ما ظهر منه من الغدر بطريف السكري، وحنثه في اليمين بالأمان للذين (٦) قتلهم، وكان ابن مقلة مستترًا من القاهر، ويجتمع بالقواد ويغريهم به، وكان يظهر تارة بزي مكدي وزي أعجمي، وأعطى للمنجمين مائة دينار ليقولوا للقواد إن عليهم قطعًا من جهة القاهرة، وكذلك أعطى لبعض معبّري المنامات الذين كانوا يعبرون لسيما القائد إنه إذا قص عليهم سيمامنا ما يعبّره له بما يخوّفه من القاهر [ففعلوا ذلك، فاستوحش سيما مقدم الساجية وغيره من القاهر، واتفقوا على القبض على القاهر، فاجتمعوا] (٧) وحضروا إليه، وكان القاهر قد بات يشرب أكثر ليلته وهو سكران نائم، فأحدقوا بالدار، واستيقظ القاهر مخمورًا، وأوثقت عليه الأبواب، فهرب إلى سطح حمام هناك، فتبعوه وأخذوه، وأتوا

стр. 8845

به إلى الموضع الذي فيه طريف السَّبْكَرِي، فأَخْرَجُوه وحبسوا القاهر موضعه، ثم سملوا عيني القاهر. وكانت (١) خلافته سنة وستة أشهر وثمانية أيام. خلافة الراضي بالله أحمد، العشرون من خلفاء بني العباس (٢) لما قبض القاهر، كان أبو العباس أحمد بن المقتدر ووالدته محبوسين، فأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر، وسلموا عليه بالخلافة، ولقبوه الراضي، بويع يوم الأربعاء (٣) لست خلون من جمادى الأولى من سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة وأشار سيما القائد بوزارة ابن مقلة، فاستوزره الراضي، وراودوا القاهر أن يشهد عليه بالخلع، فامتنع وهو في الحبس أعمى. ذكر وفاة المهدي العلوي صاحب إفريقية وولاية ولده (٤)، القائم أبي القاسم محمد وفي هذه السنة: في ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، توفي المهدي عبيد الله الفاطمي بالمهدية، وأخفى ولده القائم موته سنة لتدبير ما كان له، وعمر المهدي ثلاث وستين سنة، وكانت ولايته أربعًا وعشرين سنة، وشهرًا وعشرين يومًا. ولما أظهر ابنه القائم وفاته بايعه الناس بالخلافة. وفي هذه السنة: قتل (٥) محمد بن علي الشلمغاني، وشلمغان قرية بنواحي واسط. وأحْدَثَ مذهبًا مداره على حلول الإلهية والتناسخ والتشيع. وقيل إنه اتبعه على ذلك الحسين بن القاسم بن عبيد الله وزير المقتدر، واتبعه أبو جعفر وأبو علي ابنا بسطام وإبراهيم بن أبي عون وأحمد بن محمد بن عبدوس. وكان الشلمغاني وأصحابه مستترين، فظهر في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة فأمسكه ابن مقلة الوزير، فأنكر الشلمغاني مذهبه، وكان أصحابه يعتقدون فيه الإلهية، فأمسك وأحضر إلى الراضي،

стр. 8846

وأمسك معه ابن أبي عون وابن عبدوس فأمروهما بصفع الشلمغاني، فامتنعا، ثم صفعه ابن عبدوس، وأما ابن أبي عون فإنه مدّ يده ليصفعه، فارتعدت يده، فقبل لحيته وقال: إلهي وسيدي ورازقي، فقالوا للشلمغاني: أما قلت أنك لم تدع الإلهية، فقال: إني ما ادعيتها قط وما عليّ من قول هذا؟ ثم صرفا وأحضرا في ذي القعدة وأحرقا بالنار. فمن مذهبه أن الله يحلّ في كل شيء على قدر ما يحمله ذلك الشيء، وإذا الله خَلَقَ الضد ليدل به على الضد، فخلق آدم وإبليس كلاهما ضدًّا لصاحبه، ومن مذهبه أن الدليل على الحق أفضل من الحق، وإن الضدّ أقرب إلى الشيء من شبهه، وأن الله إذا دخل في جسد ناسوتي أظهر فيه من القدرة ما يدل على أنه هو، وأن الإلهية اجتمعت في نوح وإبليسه. ثم افترقت بعده، ثم اجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة، ثم افترقت بعده واجتمعت في إبراهيم وإبليسه نمرود، ثم افترقت بعدهما، وكذلك القول في موسى وهارون وفرعون، ثم في سليمان وإبليسه، وعيسى وإبليسه، ثم تفرقت في الحواريين، ثم اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه. ومن مذهبه أن من احتاج الناس إليه فهو إله. ومن مذهبه أن موسى ومحمدًا خائنين؛ لأنهما أرسلاهما فخاناهما (١)، وأن عليًا أمهل محمدًا ﷺ عدة سني أصحاب الكهف وهي ثلثمائة وخمسون سنة إذا انقضت انتقلت الشريعة. ومن مذهبه ترك الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات ويبيحون الفروج، وأن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه، وأنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول، ليتولج النور فيه، وإنه من امتنع من ذلك قلب في الدور الثاني امرأة (٢)؛ لأن مذهبهم التناسخ (٣). ولعل هذه المقالة هي مقالة النصيرية. وفيها (٤): قتل القاهر إسماعيل بن إسحاق النوبختي قبل خلعه، وهو (الذي) أشار بخلافته. وفيها (٥): سار الدمستق إلى بلاد الإسلام، ففتح ملطية بالأمان، وأخرج أهلها إلى مأمنهم، وذلك مستهل جمادى الآخرة، وفعل الروم الأفعال القبيحة بالمسلمين، وصارت أكثر البلاد في أيديهم. وفي سنة ثلاث وعشرين: قتل (٦) مرداويج بن زبار الديلمي، وسببه أنه لما كان

стр. 8847

ليلة الميلاد أمر أن تجمع الأحطاب وتلبس الجبال والتلال، وخرج إلى ظاهر أصفهان لأجل ذلك. وجمع ألفي طائر من الغربان ليعمل في أرجلها النفط ويشعله ليلة الميلاد. وأمر بعمل سماط عظيم فيه ألف فرس وألفا رأس بقر، ومن الغنم والحلواء شيء كثير. فلما استوى ذلك كله استحقره وغضب على أهل دولته، وكان كثير الإساءة إلى الأتراك الذين في خدمته، فلما انقضى السماط وإيقاد النيران وأصبح ليدخل إلى أصفهان اجتمعت جنده للخدمة وكثرت الخيل حول خيمته وصار لها صهيل وغلبة (١) حتى سمعها فاغتاظ وقال: لمن هذه الخيل القريبة؟ قالوا: للأتراك، فأمر أن توضع سروجها على ظهورهم، وأن يدخلوا البلد كذلك، ففعل بهم ذلك، فكان له منظر قبيح، استقبحه الديلم والترك، فازداد حنق الأتراك عليه، ودخل مرداويج إلى أصبهان وهو غضبان فأمر صاحب حرسه أن لا يتبعه ذلك اليوم، ودَخَل الحمام، فانتهزت الأتراك الفرصة، ودخلوا عليه الحمام هجمًا فقتلوه، وكان مرداويج قد تجبّر وعتا، وعمل لأصحابه كراسي فضة يجلسون عليها، وعمل لنفسه تاجًا مرصّعًا على صفة تاج كسرى، وكان يروم أن يعيد ملك العراق إلى كسرى. وملك بعده أخوه وشمكير بن زبار. وفي هذه السنة (٢): عظم أمر الحنابلة على الناس، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة، فإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا (مغنيةً ضربوها) (٣) وكسروا آلتها وضربوا واعترضوا في البيع والشراء (وفي) (٤) مشي الرجال مع النساء والصبيان. فنهاهم صاحب الشرطة، فلم يسمعوا فخرج توقيع الخليفة ينهاهم فيه ويوبخهم ويقول فيه: أراكم تزعمون أن وجوهكم القبيحة على مثال رب العالمين، وهيأتكم كهيئته، وتذكرون له الشعر القطط والصعود إلى السماء والنزول إلى الدنيا وعدد فيه قبائح مذهبهم، وفي آخره إن أمير المؤمنين يقسم بالله قسمًا عظيمًا لئن لم تنتهوا ليستعملن السيوف في رقابكم والنار في منازلكم وممالككم. وفي هذه السنة: تولّى (٥) الإخشيد محمد (٦) بن طغج بن جف مصر من قبل

стр. 8848

الراضي، وكان الإخشيد قد تولّى مدينة الرملة سنة ست عشرة وثلثمائة من جهة المقتدر، وأقام بها إلى سنة ثماني عشرة وثلثمائة، فوردت تواقيع المقتدر له بدمشق فسار إليها وتولاها، وكان حينئذ المتولي على مصر أحمد بن كيغلغ، فلما تولى الراضي عزله. وولى الإخشيد وضمّ إليه الشام، فسار الإخشيد من الشام إلى مصر، واستقر بها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان. ذكر قتل أبي العلاء بن حمدان (١) (أمير الموصل وديار ربيعة) كان ناصر الدولة الحسن (٢) بن عبد الله بن حمدان أمير الموصل وديار ربيعة وكان أول من تولّى الموصل منهم أبو ناصر الدولة عبد الله، وكنيته أبو الهيجاء ولاه المكتفي، وقتل ببغداد في المدافعة عن القاهر، وكان ابنه ناصر الدولة نائبًا عنه بالموصل، واستمر بها إلى هذه السنة، فضمن عمه أبو العلاء بن حمدان ما بيد ابن أخيه من ديوان الخليفة بمال يحمله، وسار إلى الموصل، فقتله ابن أخيه ناصر الدولة، فلما بلغ الخليفة ذلك أرسل عسكرًا إلى ناصر الدولة مع الوزير ابن مقلة (٣)، فهرب ناصر الدولة، ولم (يدركه) (٤) فأقام ابن مقلة بالموصل مدة وعاد إلى بغداد، فعاد ناصر الدولة إلى الموصل وكتب إلى الخليفة يسأله الصفح، وضمن الموصل بمال يحمله، فأجيب (إلى ذلك) (٥). وفيها (٦): جهز القائم العلوي صاحب إفريقية جيشًا في البحر ففتحوا مدينة جنوة (٧) وأوقعوا بأهل سرداينة وعادوا سالمين.

стр. 8849

وفيها (١): استولى عماد الدولة بن بويه على أصفهان وبقي هو ووشكمير يتنازعان في البلاد وهي أصبهان وهمدان وقم وقاشان وكرج (٢) والدي وكنكور وقزوين. وفي جمادى الأولى منها (٣): شغب الجند ببغداد، ونقبوا دار الوزير ابن مقلة وهرب الوزير وابنه، ثم أرضوهم فسكنوا. وفيها (٤): توفي إبراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه النحوي الواسطي وله مصنفات. وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة، ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وفيه يقول الشيخ محمد بن زيد بن علي المتكلم: [من السريع] مَنْ سَرَّهُ أَنْ لا يَرَى فَاسِقًا … فليجتهد أن لا يَرَى نفطويه (٥) أحرقه الله بنصف اسمه … وصيّر الباقي صُراخًا عليه وفي سنة أربع وعشرين: قبض (٦) الحجرية والمظفر بن ياقوت على الوزير ابن مقلة لما حضر إلى دار الخلافة على العادة، وأرسلوا أعلموا الخليفة فاستحسن ذلك، واتفقوا على وزارة علي (٧) بن عيسى فامتنع، فولوا أخاه عبد الرحمن بن عيسى، ثم قبض عليه، وولّوا أبا جعفر محمد بن قاسم الكرخي (٨). وفيها (٩): قطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البريدي حمل الأهواز وأعمالها، فضاقت أموال بغداد، وعجز الوزير (١٠) فعزلوه، وكانت ولايته ثلاثة أشهر

стр. 8850

ونصفًا) وولّوا سليمان بن الحسن، ودام الحال على توقفه، فراسل الخليفة محمد بن رائق (١) (وهو بواسط) (٢) يستقدمه (٣) ليقوم بالجيش (٤)، وقلّده إمرة الأمراء وأمر أن يخطب له على المنابر. وقدم ابن رائق بغداد في أواخر ذي الحجة من هذه السنة. وكان ابن رائق قد أمسك الساجية قبل دخوله بغداد، فاستوحشت الحجرية منها، وحين دخل بغداد بطلت الوزارة من بغداد، وبقي ابن رائق هو الناظر في الأمور جميعها، وتقلب عمال الأطراف عليها، ولم (يبق) (٥) للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم فيها لابن رائق. وأما باقي الأطراف، فكانت البصرة بيد ابن رائق المذكور، وخوزستان بيد البريدي، وفارس بيد عماد الدولة بن بويه، و كرمان بيد محمد بن الياس والري وأصفهان والجبل بيد ركن الدولة بن بويه ووشمكير (٦) بن زيار (أخي مرداويج) يتنازعان فيها، والموصل وديار بكر وربيعة بيد بني حمدان، ومصر والشام بيد الإخشيد محمد بن طغج، والمغرب وإفريقية بيد القائم العلوي بن المهدي والأندلس بيد الناصر عبد الرحمن بن محمد الأموي، وخراسان وما وراء النهر بيد نصر بن أحمد الساماني، وطبرستان وجرجان بيد الديلم، والبحرين واليمامة (٧) بيد أبي طاهر القرمطي. وفي هذه السنة: استقدم (٨) ابن رائق الفضل (٩) بن جعفر بن الفرات وكان على خراج مصر والشام، فدخل بغداد، وتولى الوزارة لابن رائق والخليفة.

стр. 8851

وفيها: ولد (١) عضد الدولة، أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة بأصفهان. وفي سنة خمس وعشرين: أشار (٢) محمد بن رائق على الراضي بالمسير معه إلى واسط لحرب ابن البريدي، فأجابه وسار معه، فصالحهم ابن البريدي، فعاد إلى بغداد، ثم نكث أبو عبد الله بن البريدي عما أجاب إليه، فأرسل ابن رائق عسكرًا مع بجكم (٣) التركي، فاقتتلا وانهزم ابن البريدي إلى عهد الدولة بن بويه، وأطمعه في العراق، وهوّن عليه أمر الخليفة. وفيها (٤): عَصَتْ مدينة جرجنت (بملك القسطنطينية) (٥) ومن صقلية على سالم بن راشد (٦) عامل صقلية، فكتب بذلك إلى القائم، فجهز إليه عسكرًا فحاصروها فاستنجد أهل جرجنت بملك (٧) القسطنطينية، فأنجدهم. ودام الحصار إلى سنة تسع وعشرين، فنزلوا بالأمان فغرقوا عن آخرهم (٨). سنة ست وعشرين إلى ثلاثين وثلثمائة في سنة ست: سار (٩) معز الدولة بأمر أخيه عماد الدولة إلى الأهواز وأعمالها واستولى عليها، وكان سبب ذلك مسير ابن البريدي إلى عماد الدولة كما أشرنا إليه. وفيها (١٠): قطعت يد الوزير أبي علي بن مقلة، وكان سببه أنه سعى في القبض

стр. 8852

على ابن رائق وإقامة بحكم موضعه، وعلم ابن رائق بذلك فحبسه الراضي لأجل ابن رائق، وترددت الرسل بين الراضي وبين ابن رائق مرات آخرها أنهم أخرجوا ابن مقلة وقطعوا يده في منتصف شوال، وعولج فبرئ وعاد يسعى في الوزارة وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب به، ثم بلغ ابن رائق سعيه وأنه يريد أن يدعو عليه وعلى الراضي فأمر بقطع لسانه، فقطع وضيق عليه في الحبس، ثم [ان] ابن مقلة مع ما فيه الذرب، ولم يكن عنده في الحبس من يخدمه، فقاسى شدّة إلى أن مات في الحبس في شوال سنة ثمان وعشرين وثلثمائة. ودفن بدار الخليفة، ثم إن أهله سألوا فيه فنبش وسلم إليهم. ومن العجائب أنه ولي الوزارة ثلاث مرات، ووزر لثلاث من الخلفاء، المقتدر والقاهر والراضي، وسافر ثلاث مرات، اثنتين إلى شيراز (١) وأخرى في وزارته إلى الموصل، ودفن بعد موته ثلاث مرات ونبش. وفي هذه السنة (٢): سار بجكم من واسط إلى بغداد غرة ذي القعدة، وجهز ابن رائق إليه عسكرًا فهزمهم بحكم، ولما قرب من بغداد هرب ابن رائق إلى عكبرا، واستتر ودخل بجكم إلى بغداد ثالث عشر ذي القعدة، فخلع عليه الخليفة، وجعله أمير الأمراء، فكانت مدة إمارة ابن رائق سنة وعشرة أشهر وستة عشر يومًا. وكان بجكم مملوكًا لوزير ما كان بن كاكي الديلمي، فأخذه ما كان منه، ثم إنه فارق ما كان مع من فارقه ولحق بمرداويج، ثم كان من جملة من قتل مرداويج من الأتراك، وسار إلى العراق، واتصل بخدمة ابن رائق وانتسب إليه حتى كتب على رايته (٣) الرائقي. وجهزه ابن رائق إلى الأهواز، وطرد عنها ابن البريدي، ثم لما استولى ابن بويه على الأهواز سار بجكم إلى واسط، ثم سار إلى بغداد وطرد ابن رائق واستولى على حضرة الخليفة. وفيها: فسد (٤) حال القرامطة، ووقعت بينهم الفتن، فاستقروا بهجر. وفي سنة سبع وعشرين: سار (٥) الراضي وبجكم إلى الموصل فهرب ناصر الدولة عنها، ثم حمل مالًا واستقر الصلح معه، وعاد الخليفة إلى بغداد، فظهر ابن

стр. 8853

رائق ببغداد، وخافه الخليفة وبجكم، ثم استقر الحال على أن يولّى على الثغور الجزرية والشامية فسار إليها واستولى عليها. وفي سنة ثمان وعشرين استولى (١) ابن رائق على الشام، وطرد نائب (٢) الإخشيد، وسار حتى بلغ العريش يريد الديار المصرية، فخرج إليه الإخشيد، وجرى بينهما حروب، انهزم ابن رائق فيها إلى دمشق، ثم جهز إليه الإخشيد جيشًا مع أخيه (٣)، فانهزم عسكر الإخشيد وقتل أخوه، فأرسل ابن رائق يعزّي الإخشيد في أخيه، ويعلمه أنه ما قتل برضاه، وأرسل إليه ابنه مزاحم، وقال: إِنْ َأحْبَبْتَ فاقتل ولدي بأخيك، فخلع الإخشيد على مزاحم وأعاده لأبيه واستقرت مصر للإخشيد، والشام لابن رائق. وفيها (٤): قتل طريف السبكري بالثغر. وفيها (٥): توفي أبو بكر محمد (٦) بن القاسم الأنباري، مؤلف كتاب الوقف والابتداء الإمام المشهور في النحو والأدب، وكان ثقة ولد سنة إحدى وسبعين ومائتين. وفيها (٧): توفي أبو عمر أحمد (٨) بن عبد ربه بن جليب القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس الأموي، وكان من العلماء المكثرين من المحفوظات، وصنف كتاب (العقد الفريد) وهو من الكتب النفيسة، ومولده سنة ست وأربعين ومائتين. وفي منتصف ربيع الأول سنة تسع وعشرين: توفي (٩) الراضي بالله أبو العباس

стр. 8854

أحمد بن المقتدر جعفر، وكانت (١) خلافته ست سنين وعشرة أيام، وعمره اثنتين وثلاثين سنة، وكان مرضه الاستسقاء وكان أديبيًا شاعرًا، فمن شعره: [من السريع] يصفر وجهي إذا تأمَّلَهُ … طَرْفي فيحمر وجهه خجلا (٢) حتى كأن الذي بوجنتِهِ … مِنْ دم وجهي إليه قدْ نُقلا ومن شعره أيضًا من أبيات: [من المجتث] كلُّ صَفْو إلى كَدَرْ … كلُّ أمن إلى حذر (٣) أيها الآمن الذي … تاه في لُجِّةِ الغَرَرْ أين من كان قبلنا … دارس العين والأثر دَرَّ دَرُّ المشيبِ مِنْ … واعظ يُنْذِرُ البَشَرْ وكان الراضي سخيًا يحب الفضلاء، وكان أسمر خفيف العارضين وأمه أم ولد اسمها ظلوم، وهو آخر خليفة له شعر، وآخر خليفة خَطَبَ كثيرًا على منبر، وآخر خليفة جالس الجلساء، وآخر خليفة كانت نفقته وجراياته ومطابخه على ترتيب الخلفاء المتقدمين. خلافة المتقي لله إبراهيم (٤) حادي عشرين بني العباس ولما مات الراضي بقي الأمر موقوفًا انتظارًا لأبي عبد الله الكوفي كاتب بجكم، وكان بواسط، وكان بجكم بها أيضًا، واحتيط على دار الخلافة، فورد كتاب بحكم مع الكوفي يأمر فيه أن يجتمع مع أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الراضي، ويجمع وجوه بغداد ويشاورهم فيمن ينصب للخلافة (٥)، فاتفقوا على إبراهيم بن المقتدر، وبويع بالخلافة في العشرين من ربيع الأول، ولما بويع جهز الخلع واللواء إلى بحكم وهو بواسط (٦)، فجعل سلامة الطولاني حاجب المتقي، وأقرّ سليمان بن الحسن على

стр. 8855

وزارته، ولم يكن له في الوزارة إلاّ الاسم، والتدبير إلى الكوفي كاتب بجكم. وكان (١) ما كان بن كاكي قد استولى على جرجان، فقصده أبو علي (بن) (٢) محمد بن مظفر بن محتاج قائد السامانية، فهزم ما كان عن جرجان، فقصد ما كان طبرستان وأقام بها، ثم سار أبو علي بن محتاج إلى الري ليستولي عليها وفيها وشمكير بن زبار أخو مرداويج بن زبار، فأرسل وشمكير يستنجد ما كان من طبرستان، فقدم عليه، وقاتلهما أبو علي بن محتاج، فجاء سهم غرب فنفذ في خوذة ما كان إلى جبينه حتى طلع من قفاه، فوقع ما كان ميتًا وهرب وشمكير إلى طبرستان. واستولى ابن محتاج على الري. وفيها (٣): كان بحكم أرسل جيشًا إلى أبي عبد الله البريدي، ثم سار من واسط على أثرهم، وأتاه الخبر بنصرة عسكره، فقصد الرجوع إلى واسط، وجعل يتصيد في طريقه حتى بلغ نهر جور جور، فسمع أن هناك أكرادًا لهم (مال وثروة) (٤)، فشرهت نفسه إليه، فقصدهم في جماعة قليلة، وأوقع بهم، فهربوا بين يديه، وجاء صبي من الأكراد من خلف بجكم فطعنه برمح في خاصرته وهو لا يعلم من هو، فمات ولما بلغ قتله المتقي استولى على داره، وأخذ منها أموالًا عظيمة، وأكثرها كانت مدفونة، وفرح البريدي بقتل بجكم. وكانت مدة إمارة بحكم سنتين وثمانية أشهر وأيامًا، ولما مات بجكم سار البريدي إلى بغداد واستولى على الأمر أيامًا، ثم أَخْرَجَهُ العامة عنها لسوء سيرته (٥)، ثم استولى كورتكين (٦) على الأمر، فسار ابن رائق من الشام إلى بغداد واستخلف على الشام أحمد بن علي بن مقاتل، ولما وصل ابن رائق إلى بغداد جرى بينه وبين كورتكين قتال آخره أن ابن رائق انتصر، وظفر بكورتكين فحبسه، وقلّد المتقي لابن رائق إمرة الأمراء ببغداد. وفيها (٧): توفي متى (٨) بن يونس الحكيم الفيلسوف.

стр. 8856

وفي سنة ثلاثين: عاد (١) ابن البريدي، واستولى على بغداد، وهرب ابن رائق والخليفة المتقي إلى الموصل، ونهب البريدي بغداد وحصل منه من الظلم والجور والعسف ما لا زيادة عليه. ولما وصل ابن رائق إلى تكريت هو والخليفة كاتبا ناصر الدولة (٢) بن حمدان يستمدّانه، وقدما الموصل، فخرج عنها ناصر الدولة إلى الجانب الآخر، فأرسل المتقي إليه ابنه أبا منصور وابن رائق، فأكرمهما ناصر الدولة، ونثر على ابن الخليفة دنانير، ولما أراد الانصراف أمر ناصر الدولة أصحابه بقتل ابن رائق، فقتلوه، ثم سار إلى المتقي، فخلع عليه وجعله أمير الأمراء، وذلك في مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبي الحسن علي ولقبه (٣) سيف الدولة، وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لتسع بقين من رجب. ولما بلغ الإخشيد صاحب مصر قتل ابن رائق سار إلى دمشق واستولى عليها. ثم سار المتقي وناصر الدولة إلى بغداد فهرب البريدي، ونهب الناس بعضهم بعضًا ببغداد، وكان مقام البريدي ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يومًا، ودخل المتقي إلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة في شوال من هذه السنة. ولما بلغ ناصر الدولة بغداد أمر بإصلاح الدنانير، وكان الدينار بعشرة دراهم، فبيع الدينار بثلاثة عشر درهمًا. وفيها (٤): مات أبو بكر محمد بن عبد الله المحاملي (٥)، الفقيه الشافعي، ومولده سنة خمس وثلاثين ومائتين. وفيها (٦): توفي أبو الحسن علي (٧) بن إسماعيل بن أبي يسر الأشعري.

стр. 8857

وكان مولده سنة ستين ومائتين ببغداد، ودفن بمشرعة الروايا، ثم طمس قبره خوفًا عليه (لئلا تنبشه) (١) الحنابلة وتحرقه، فإنهم عزموا على ذلك مرارًا عديدة ويردهم السلطان عنه. وهو من ولد أبي موسى الأشعري واشتغل بعلم الكلام على مذهب المعتزلة زمانًا طويلًا، ثم خالف المعتزلة والمشبهة فكانت مقالته متوسطة، وناظر أبا علي الجبائي في وجوب الأصلح على الله، فأثبته الجبائي على قواعد مذهبه، فقال الأشعري: ما تقول في ثلاثة صبية اخترم الله أحدهم قبل البلوغ وآمن الآخر وكفر الآخر، ما العلة في اخترام الصغير؟ فقال الجبائي: إنما اخترمه؛ لأنه علم أنه لو بلغ لكفر، فكان اخترامه أصلح له. فقال له الأشعري: فقد أحيا أحدهما فكفر، فقال الجبائي: إنما أحياه ليعرضه لإعلاء المراتب، فقال الأشعري: فلم لا أحيا الذي اخترمه ليعرضه لإعلاء المراتب؟ فقال الجبائي: وسوست. فقال الأشعري: ما وسوستُ ولكن وقف حمار الشيخ على القنطرة، يعني أنه انقطع. ثم أظهر الأشعري مذهبه وقرره وصارت مقالته أظهر المقالات حتى طبق الأرض ذكرها، ومعظم الحنابلة يحكمون بكفره ويستبيحون دمه ودم من يقول بقوله، وذلك لجهلهم، وكان أبو علي الجبائي زوج أم أبي الحسن الأشعري. سنة إحدى وثلاثين إلى خمس وثلاثين وثلثمائة في سنة إحدى وثلاثين: سار (٢) ناصر الدولة عن بغداد إلى الموصل. وثارت الديلم ونهبت داره، وكان أخوه سيف الدولة بواسط فثارت عليه الأتراك الذين معه، وكبسوه (ليلًا) (٣) في شعبان فهرب إلى أخيه ناصر الدولة ولحق به، ثم قدم سيف الدولة إلى بغداد، وطلب من المتقي مالًا ليفرقه في العسكر، ويمنع تورون (٤) والأتراك من دخول بغداد، فأنفذ له المتقي أربع مائة ألف دينار، ففرّقها في أصحابه، ولما وصل تورون إلى بغداد هرب سيف الدولة عنها، ودخل تورون بغداد في الخامس والعشرين من رمضان هذه السنة، فخلع المتقي عليه، وجعله أمير جميع الأمراء، وبقي

стр. 8858

المتقي خائفًا منه، وتورون بتاء مثناة من فوقها مضمومة وواو ساكنة وراء مهملة مضمومة وواو ثم نون. وفيها (١): توفي نصر بن أحمد الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وكان مرضه السل، فبقي مريضًا ثلاثة عشر شهرًا، وكانت ولايته ثلاثين سنة وشهرًا، وعمره ثمانيًا وثلاثين سنة، وكان حليمًا كريمًا، ولما مات ولي بعده ابنه نوح، وبايعه الناس، وحلفوا له في شعبان، واستقر ملكه على خراسان وما وراء النهر. وفيها (٢): أرسل ملك الروم يطلب من المتقي منديلًا، زعم أن المسيح مسح به وَجْهَهُ، فصار صورة وجهه فيه، وأن هذا المنديل في بيعة الرها، وإنه إن أرسله أطلق عددًا كبيرًا من أسارى المسلمين، فأحضر المتقي القضاة والفقهاء واستفتاهم في ذلك، فاختلفوا، فقال بعضهم: دفعه إليهم وإطلاق الأسارى أولى، وقال بعضهم: إن هذا المنديل لم يزل في بلاد الإسلام، ولم يطلبه ملك منهم، ففي دفعه إليهم غضاضة، وكان في الجماعة علي بن موسى الوزير فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر أولى من حفظ هذا المنديل، فأمر الخليفة بدفعه إليهم وأرسل من يتسلم الأسرى، فأطلقوا. وفيها (٣): توفي محمد بن إسماعيل الفرغاني الصوفي أستاذ أبي بكر الدقاق. وفيها (٤): مات سنان بن ثابت بن قرة بعلة الذرب، وكان حاذقًا بالطب ولم يغن عنه. وفي سنة اثنتين وثلاثين: سار (٥) المتقي عن بغداد خوفًا من تورون وابن شيرزاد إلى جهة الموصل (٦)، فلما وصل إلى تكريت خرج بنو حمدان إلى لقائه، وساروا معه إلى الرقة، وأقاموا بها، ثم (٧) ظهر للخليفة تضجر بني حمدان منه، وإيثارهم مفارقته، فكتب إلى تورون يسأله الصلح ليقدم (إلى) (٨) بغداد.

стр. 8859

وفيها (١): خرجت طائفة من الروس في البحر، وطلعوا منه في نهر الكر فانتهوا إلى مدينة بردعة (٢) فاستولوا عليها، وقتلوا ونهبوا، ثم عادوا إلى المراكب في بلادهم. وفيها (٣): مات أبو طاهر القرمطي بالجدري. وفيها (٤): كان ببغداد غلاء عظيم. وفيها (٥): استعمل ناصر الدولة بن حمدان محمد بن علي بن مقاتل على قنسرين والعواصم ثم استعمل بعده ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان. وفي سنة ثلاث وثلاثين: كتب (٦) المتقي إلى الإخشيد صاحب مصر يشكو إليه حاله، فسار الإخشيد من مصر إلى الرقة واجتمع به، وحمل إليه هدايا عظيمة، واجتهد به أن يسير معه إلى مصر ليكون بين يديه فلم يفعل، ثم أشار عليه بالمقام في الرقة وخوفه من تورون فلم يفعل، وكان قد أرسل المتقي إلى تورون في الصلح كما ذكرنا، فحلف تورون للمتقي على ما أراده، فانحدر المتقي لأربع خَلَوْنَ من المحرّم إلى بغداد، وعاد الإخشيد إلى مصر، ولما وصل المتقي إلى هيت أرسل فجدّد اليمين على تورون، فحلف وسار تورون من بغداد لملتقى الخليفة، فالتقاه بالسندية، وقبل الأرض بين يديه، وضرب له مضرب، فأنزله فيه وضُرب بالدبادب على باب المضرب (٧)، وسمل عين المتقي فأعماه، وانحدر به إلى بغداد وهو أعمى، وكانت خلافته ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يومًا، وأمه (٨) اسمها خلوب.

стр. 8860

خلافة المستكفي بالله أبي القاسم عبد الله ابن المكتفي، ثاني عشرين بني العباس (١) ولما قبض تورون على المتقي بايع المستكفي بالله، وأحضره غلى السندية وبايعه عامة الناس. وبايعه المتقي أيضًا كرهًا. وكانت بيعته يوم خلع المتقي في صفر هذه السنة. وفيها (٢): اشتدت شوكة أبي يزيد الخارجي بالقيروان، وهزم الجيوش. وهو من زناتة (٣)، واسم أبيه كنداد من بلاد توزر من أعمال قسطيلية، فولد أبو يزيد بتوزر من جارية سوداء (٤)، وانتشأ أبو يزيد في توزر، وتعلم القرآن وسار إلى تاهرت، وصار على مذهب النكارية، وهو تكفير أهل الملة واستباحة أموالهم ودمائهم، ودعا أهل تلك البلاد فأطاعوه، فحصر قسطيلية في هذه السنة، وكان قصيرًا قبيح الصورة، يلبس جبّة صوف، ثم فتح تبسة (٥) ثم سبتيّة (٦)، وقتل عاملها، ثم فتح الإربس (٧)، فأخرج القائم جيوشًا لحفظ رقادة، ثم سار أبو يزيد إلى القائم (٨)، فجهز إليه القائم جيوشًا انهزمت بين يدي أبي يزيد، وسار أبو يزيد، وحصر القائم في المهدية في جمادى الأولى من هذه السنة، وضايقها وغلا بها السعر، ودام محاصرها حتى خرجت هذه السنة، ثم رحل عن المهدية في صفر سنة أربع وثلاثين، وسار إلى القيروان
следующие страницы →