بلده، ولا نعرف له وارثًا بالجملة، ولا نعلم من يرثه إلا بيت المال، وتجارته تقارب ثمانمائة ألف درهم وقد مات منا وأنتم أحق به فغضب، وقال: لا والله نحن ما نأخذ إلا ميراث من مات من بلادنا ولا وارث له؛ وأما هذا فملك بلاده أحق بميراثه، خذوا المال فاحملوه إليه، قال: فأخذوه معهم إلى توريز وأعطوه لصاحبها؛ لأن الرجل كان منها.
ورأيت في كتاب آخر سمّاه مؤلّفه تفضيل الرحلة ألفه لبدر الدين لؤلؤ أيضًا، ولم يسم مؤلّفه نفسه، قال: وعبر في طريقنا إلى خان بالق ببلاد كثيرة أجلها ما وراء النهر، وهي مما تنفذ العبارة دونها ما شئت من حسن وإحسان، ومورد ولدان، وفاكهة صنوان وغير صنوان (١)، وماء كما قال عن برد إحسان، ملك كبير وخير كثير، وأقوام بهم يلذ العيش ويليق عند ثباتهم الطيش، قوم كرام لا يخف لهم أطواد أحلام، وفي بلادهم معادن أشرفها الرجال ومنها اللعل الأحمر، واللازورد الأزرق، وما هو من هذه الأمثال.
قلت: وبالغ في وصفها؛ وهي كذلك، وأما ما أشار إليه من المعادن فيها فهو بدخشان؛ وهي مع مملكة ما وراء النهر وليست حقيقة منه ولا من تركستان، بل هو إقليم قائم بدواته معدود للمجاورة مع أخواته قد حوى كل بديع من حيوانه ومعدنه ونباته.
قلت: وبلغني ممن أثق به منهم: أَنَّ من يسق ملوكهم إنه إذ راح من عساكرهم ألف فارس إلى مكان، وقتل منهم تسعمائة وتسع وتسعون فارسًا، وسلم ذلك الفارس الواحد، قتل ذلك الواحد لكونه لم يقتل مع البقية اللهم إلا إن حصل النصر لمن سلم.
وملوك هذه المملكة من بني جنكز خان، وقد قدمنا القول: أَنَّ أحوال بني جنكزخان متقاربة في ممالكهم لمشيهم على ياسة جنكز خان، ولا تكاد تمتاز أهل مملكة من ممالكهم عن الآخرين إلا فيما قلّ ومعاملة ممالك قسمي إيران هؤلاء وأهل خوارزم والقبجاق ومعظم إيران بالدينار الرائج - وهو ستة دراهم - وفي بعض هذه بالخراساني؛ وهو أربعة دراهم ودارهم هذه المملكة خاصة من فضة خالصة غير
стр. 912
مغشوشة؛ فهي وإن قل وزنها عن الدرهم معاملة مصر والشام فإنها تجوز مثل جوازها لخلوص هذه الدراهم وغش تلك لأن … (١)
ثم إن تلك الدراهم نوعان؛ درهم بثمانية فلوس، ودرهم بأربعة فلوس. ويوجد بهذه المملكة من الحبوب والقمح والشعير والحمص والأرز والدخن وسائر الحبوب خلا الفول، وأسعارها جميعًا رخية؛ فإذا غلت فيها الأسعار أغلى الغلو كانت مثل أرخص الرخص بمصر والشام وبها من الفواكه المنوعة الثمار؛ العنب، والتين، والرمان، والتفاح والكمثرى، والسفرجل، والخوخ، والعين، والمشمش، والتوت، والبطيخ الأصفر، والبطيخ الأخضر، والبطيخ الأصفر بهذه البلاد نهاية، والبخاري والسمرقندي أحسن أنواعه، وإن كان الخوارزمي يزيد عليه في الحسن واللذاذة على ما نذكره في مكانه.
وبها الخيار والقثاء واللفت والجزر والكرنب والباذنجان والقرع وسائر أنواع البقول، وأنواع الرياحين من الورد والنرجس والآس واللينوفر والحبق والبنفسج، وإن قل.
ولا يوجد بها الأترج والنارنج والليمون والليم ولا الموز ولا قصب السكر ولا القلقاس ولا الملوخيا؛ فإنها من ذلك عارية الحدائق خالية الدوح إلا يأتي من المحمضات إليها مجلوبًا.
فأما الدواب: الخيل والبغال والحمير والإبل البخت (٢) والبقر والغنم، وأقلها البغال والحمر، وأكثرها الأغنام؛ فإنَّها في هذه البلاد كما يقال أعوزتها الزرايب وبالمالق (٣) وما يليها يملأ الفضاء ويسد عين الشمس.
وهي بلاد قريبة من الاعتدال لا تفرط في حرّ ولا برد ذات عيون دافقة، وأنهار سارحة، ومراع متسعة مريعة، وخصب مفرط؛ يزكو حيوانها ونباتها ومعادنها.
قال لي الشيخان صدر الدين محمد ومحمد الخنديان الصوفيان بالخانقاه القوصية: إنه لولا موتان يقع في خيل المالق وأغنامها في بعض السنوات لما أبتيعت ولا يوجد من يشتريها لكثرتها وبركات نتاجها.
قالا: ومدينة بدخشان بها معدن اللعل البدخشاني؛ وهو المسمى في البلاد
стр. 913
بالبلخش، ومعدن اللازورد الفائق؛ وهما في جبل بها يحفر عليهما في معادنهما فيوجد اللازورد بسهولة ولا يوجد اللعل إلا بتعب كثير وإنفاق زائد وقد لا يوجد بعد التعب الشديد والإنفاق الكبير؛ ولهذا عزّ وجوده وغلت قيمته فكثر طالبه، والتقت الأعناق إلى التحلي به.
قلتُ: وأنفس قطعة وصلت إلى بلادنا من البلخش قطعة وصلت مع تاجر في الأيام العادلية الزينية، وأحضرت إلى العادل كتبغا وهو بدمشق إذ ذاك (١).
قال لي أحمد ناظر الصاغة: أحضرني الصاحب شهاب الدين أحمد الحنفي ومن يعرف الجوهر، وجماعة من الأكابر منهم نجم الدين الجوهري وأرانا تلك القطعة فرأيناها قطعة جليلة مثلثة على هيأة المشط زنتها خمسون درهمًا؛ وهي نهاية في الحسن وغاية في الجودة، كاد يضيء إليها المكان، وسألنا عن قيمتها كم تساوي؟ فأشرنا كلنا إلى نجم الدين الجوهري؛ لأنا لم يمكنا أن نتكلم بشيء قبله، فقال له: كم قيمة هذه القطعة يا نجم الدين؟ فقال: ما يعرف قيمة هذه إلا من ملك مثلها، أو رأى مثلها، وأنا وأنت والسلطان وجميع من حضر ما رأى مثلها ولا قريبًا منها فكيف نعرف قيمتها؟ فاستحسن هو وكل من حضر قوله، وصالحوا صاحبها.
وسنذكر جملة مما هي عليه قواعد هذه البلاد؛ وأول ما نبدأ بقرشا قاعدة الملك بها وإن لم تكن شيئًا مذكورًا. ولها شيء على اختلاف حالات الزمان شهرة تذكر، ولكن لما شملتها به في دولة ملوكها إلا من نظرات السعادة لنسبتها إلى أنها سكن لهم، وإن كانوا ليسوا بسكان جدار ولا متدبرين في ديار؛ ولكن لاسم وسمت به وسمت به.
<رمز> وأما بخارى </رمز>
فأم أقاليم ويم تقاسيم، وقد كانت للدولة السامانية قطب نجومهم السائرة، ومركز أفلاكهم الدائرة. وكانت تلك الممالك كلها تبعًا له. وكان السامان بها وإن لم يتسموا بالسلطنة، ولا وسموا بغير الإمرة كالخلفاء، ولا يباشر الأمور إلا نوابهم ولا يخرج إلى الحروب إلا قوادهم ودست (٢) قواعد دولتهم، وأذعنت لهم ملوك الأقطار، ولم تكن ملوك بني بويه (٣) على عظمة سلطانهم إلا كالأتباع لهم يحملون
стр. 914
إليهم الحمول والقماش المطرّز بأسمائهم وأسماء أرباب دولتهم كالوزير والحاجب.
وحكى أبو نصر العتبي (١): وكتب نوح بن [أسد] الساماني (٢) إلى ابن بويه كتابًا يهدده فيه؛ فكتب جوابه: ﴿يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣).
ثم لم يرسل هذا الجواب خوفًا لما وقر في صدورهم من مهابة آل سامان إلى أن قضى الله فيهم بأمره، وولّى زمانهم وجاء زمان سبكتكين على أثره.
قال العتبي: وحمدت تلك العلة.
قال صاحب كتاب «أشكال الأرض» (٤): ومقدارها: «لم أر ولم أسمع بظاهر بلد أحسن من بخارى؛ لأنك إذا علوت لم يقع نظرك من جميع النواحي إلا على خضرة تتصل خضرتها بلون السماء؛ فكأَنَّ السماء مكبة زرقاء على بساط أخضر تلوح القصور في ما بين ذلك التراس التبتية والحجب الملطية، أو كالكواكب العلوية بياضًا ونورًا بين أراض، وضياع مقسومة بالاستواء مهندمة كوجه المرآة بغاية الهندسة؛ وليس بما وراء النهر ولا غيرها من البلاد أحسن قيامًا العمارة للضياع منهم مع كثرة متنزهات في سعة المسافة، وفسحة المساحة متصلة بعضد سمرقند» (٥).
قال: ويحيط ببخارى وقراها ومزارعها سور (٦) نظره اثنا عشر فرسخًا في مثلها
стр. 915
كلها عامرة ناضرة زاهرة.
ولبخارى سبعة أبواب حديد؛ وهي باب المدينة، وباب بور، وباب حفرة، وباب الحديد، وباب قهندز (١)، وباب بني أسد (٢)، وباب بني سعد (٣).
ولقهندز هنا بابان أحدهما يعرف الريكستان (٤)، والأخرى باب الجامع (٥) يشرع إلى المسجد الجامع.
وعلى الربض دروب؛ فمنها درب يخرج إلى خراسان يعرف بدرب الميدان، ودرب يلي المشرق ويعرف بدرب إبراهيم، ويليه درب يعرف بالربعة، ويليه درب المردكسان (٦)، ويليه درب كلاباذ (٧)، ويليه درب الوفهار (٨)، ويليه درب سمرقند، ويليه درب بغاشلوز (٩)، ويليه درب الرامينية (١٠)، ويليه درب حدس (١١)، ويليه درب غشج (١٢).
وليس في مدينة بخارى ولا قهندز (١٣) ماء جار لارتفاعها، ومياهها من النهر الأعظم الجاري من سمرقند، ويتشعب من هذا النهر الأعظم في مدينة بخارى نهر يعرف بنهر فشيرديز (١٤) فيأخذ من نهر بخارى ويجري في درب المردكسان على حدّ
стр. 916
باب إبراهيم حتى ينتهي إلى باب البلعمي (١)، ويقع في نهر نوكندة (٢)، وعلى هذا النهر نحو ألفي بستان وقصور وأراض كثيرة شهرتها منه.
ومن فم هذا النهر إلى مغيضه نحو فرسخ ونهر يعرف بجوبار يكاد يأخذ من المذكور آنفًا في وسط المدينة بموضع يعرف بمسجد أحمد ويغيض بني كندة. وعلى هذا النهر شرب بعض الربض ونحو ألف بستان.
ونهر يعرف بجوبار القوارير يأخذ من النهر المذكور، وبموضع يعرف بمسجد العارض فيسقي بعض الربض؛ وهو أغزر وأعمر الأراضي من نهر بكار.
ونهر بنو كندة يأخذ من النهر المذكور ومن المدينة عند رأس سكة خنع فيسقي بعض الربض ويغيض في المفازة.
ويليه نهر الطاحونة يأخذ من النهر المذكور في المدينة بموضع يعرف بالنوبها (٣)، وعليه بيوت أهل الربض، ويدير أرحية كثيرة حتى ينتهي إلى بيكند (٤)، ومنه شرب أهل بيكند.
ونهر يعرف بنهر كشنة يأخذ من النهر في المدينة عند النوبهار، عليه شرب أهل النوبهار فيفضي إلى حصون وضياع وبساتين حتى يجاور كشنة.
ونهر يعرف بنهر تاج يأخذ من النهر المعروف بالريكسان، ويسقي بعض الربض وينتهي إلى قصر رباح؛ فيسقي نحو ألف بستان وقصورًا هناك وأراضي كثيرة دون البساتين.
ونهر الريكستان يأخذ من النهر المذكور يقرب إلى الريكستان ومنه يشرب الريكستان وأهل القهندز ودار الإمارة حتى ينتهي إلى قصور جلال ديزه.
ونهر يأخذ من النهر المذكور بقرب قنطرة حمدونة تحت الأرض إلى حياض بباب بني أسد، ويقع فضله في فارقين القهندز.
وهذه الأنهار طائفة ببخارى وجنانها.
стр. 917
ولها رساتق كثيرة ونواح نفيسة وأعمال جليلة وضياع ليس مثلها لأهل بلد، وإن كان لأهل ناحية أو إقليم ما يضاهي بعضها فليس كهي على وفورها وكثرتها» (١).
وجميع أبنية بخارى على اشتباك البناء والتقدير في المساكن وارتفاع أراضي الأبنية فهي مُحصّنة بالقهندزات، وليس في داخل هذا الحائط جبل ولا مغارة ولا أرض عامرة.
وأقرب الجبال إليها جبل وزكر، ومنه حجارة أبنيتهم وفرش أرضهم، ومنه طين الأواني والكلس والجص، ولهم خارج المدينة ملاحات.
ومحتطبهم من بساتينهم وما يحمل إليهم من المفاوز من الغضا والطرفاء.
وأراضي بخارى كلها قريبة من الماء؛ لأنها مغيض ماء السغد؛ ولذلك لا تثبت الأشجار العالية بها مثل المركب والجوز وما أشبهها؛ وإذا كان من هذا الشجر شيء فهو قصير غير تام.
ومن عمارة بخارى أَنَّ الرجل ربما أقام على الجريب (٢) الواحد من الأرض فيكون فيه معاشه وكفافه هو وجماعة أهله.
ولبخارى مدن في داخل حائطها وخارجه؛ فأما داخله فالطواويس (٣)، ومحلب، ومغركلس، وزبيدة، وحجارة (٤)، وهي كلها من داخل الحائط وكلها ذوات منابر ومن خارجه بيكند، وفرير، وكرمنينة، وجد منكن، وجز عامكث، ومديا محدث (٥).
وجميع المدن التي داخل الحائط متقاربة في القدر والعمارة، ولجميعها قهندزات
стр. 918
عامرة وأسواق جادة وبساتين كثيرة، سيما ما كان ببكند فإنَّ بها من الرباطات ما ليس ببلدان ما وراء النهر كرباط هوا وما يقاربه، ويقال: إنَّه كان بها ألف رباط، ولها سور عظيم حصين، ولها مسجد جامع قد تنوّق فيه وفي بنائه وزخرف محرابه، وليس بما وراء النهر أحسن زخرفة منه.
وفرير مدينة قريبة من جيحون؛ ولها قرى عامرة؛ وهي في نفسها حصينة مقصودة بفاخر المطاعم والمآكل الطيبة اللذيذة، وهي مدينة بقية الحفاظ قدوة أهل المشرق والمغرب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (١)، وكفى به فخرًا باقيًا، وذكرًا دائمًا.
وأهل بخارى يرجعون إلى أدب وعلم وفقه وديانة وأمانة، وحسن سيرة، ولجميل معاملة، وإفاضة خير، وبذل معروف، وسلامة/نية، ونقاء طوية.
ويتحدث أهل بخارى على قديم الأيام بطريف من أحاديثهم؛ وهو أَنَّهم يتفاوضون من غير خلاف.
إنَّ من بركة وقهندز أنه ما أخرج منها جنازة والقط، ولا عقد فيها لواء ولا راية خرجت منها.
وكان أول من اتخذها دارًا وجعلها قرارًا من آل سامان أبو إبراهيم إسماعيل بن
стр. 919
أحمد (١)؛ فإنه جاءته ولاية خراسان وهو مقيم بها، فنزل بساحتها واتخذها قاعدة له، ثم توالى عليها بنوه إلى آخر أيامهم، وانقضاء أحكامهم على ما قدمنا.
وأما سمرقند فإنها مدينة مرتفعة ولها قهندز، وربض يشرف الناظر بها على شجر أخضر وقصور تزهر وأنهار تطرد، وعمارة تتقد، لا يقع الطرف بها على مكان إلا ملأه، ولا على بستان إلا استحسنه» (٢).
قال صاحب كتاب أشكال الأرض: «وقد قصصت أشكال السرو فشهت بطرائف الحيوان من الأفيلة والإبل والبقر والوحوش المقبلة بعضها على بعض كالمتناجية؛ هذا إلى أنها تطرد، وبرك مبخورة ظريفة المعاني وقصور مستشرفات» (٣).
قال مسلم بن قتيبة: لما أشرفت على سمرقند شبهوها، فلم يأتوا بشيء، فقال: كأنها السماء في الخضرة، وكأنَّ قصورها النجوم الزاهرة، وكأن جداولها أنهار المجرة فاستحسنوا هذا التشبيه.
وبسمرقند حصن، ولها أربعة أبواب؛ باب مما يلي المشرق ويعرف بباب الصين مرتفع عن وجه الأرض، ينزل إليه بدرج كثيرة، مطل على وادي السغد؛ وباب مما يلي المغرب يعرف بباب النوبهار؛ وهو على نشر من الأرض؛ وباب مما يلي الشمال يعرف بباب بخارى، وباب مما يلي الجنوب يعرف بباب كش (٤).
وفي سمرقند ما في المدن العظام من الأسواق الحسان والحمامات والخانات (٥)
стр. 920
والمساكن، ولها مياه جارية تدخل إليها في نهر، وقد بني عليه مسناة عالية من الأرض، وفي بعض المواضع بل في وسط المشرق من حجارة يجري عليها الماء من موضع يُعرف بالصفارين (١) إلى أن يدخل باب المدينة خندق عظيم مستقل، فاحتيج إلى مسناة في هذا الخندق حتى يجري الماء إلى المدينة.
وهو نهر قديم جاهلي في وسط أسواقها بموضع يعرف برأس الطاق من أعظم موضع بسمرقند؛ ولهذا النهر على حاشية مستغلات موقوفة على مرماته ومصالحه وعليه الحفظة صيفًا وشتاءً الربض بها أبواب تغلق.
ويزعم بعض الناس: أنَّ تبعًا المسمى أسعد أبا كرب ابتنى مدينة سمرقند، وأنَّ ذا القرنين أتم بعض بنائها (٢).
قال صاحب كتاب أشكال الأرض: وأخبرني أبو بكر الدمشقي، قال: رأيت على بابها الكبير صفيحة حديد وعليها كتابة زعم أهلها أنها بالحميرية (٣)، وأنهم يتوارثون ذلك إنَّها من صنعة تُبّع (٤)، وبعض الكتابة: إنَّ من صنعاء إلى سمرقند ألف فرسخ.
قال: ثم وقعت الفتنة بسمرقند وأحرق الباب الذي كانت عليه هذه الصفيحة وأعاده أبو المظفر محمد بن لقمان بن نصر بن أحمد بن أسد (٥) حديدًا كما كان من حديد، ويعرف بالصفيحة.
قال بعض الأطباء: وتربة سمرقند صحيحة يابسة لولا كثرة البخارات من المياه الجارية في سكنهم ودورهم وكثرة أشجار الخلاف عندهم لأضر بهم فرط يبسها وبناؤها من طين وخشب.
وكان أهلها في إظهار المروءات أكثر ممن سواهم، والبلد كله طرقه وسككه وأسواقه وأزقته مفروشة بالحجارة.
ومياههم من وادي السغد وهذا الوادي من بلاد البتم على ظهر الصاغانيات وله
стр. 921
مجمع ماء يعرف بمحي مثل بحيرة. حواليها القرى. ومن مبدأ هذا الوادي إلى أن ينتهي إلى سمرقند أزيد من عشرين فرسخًا، فإذا جاوز سمرقند بنحو مرحلتين انشعب منه نهر يعرف بقي. وليس بالصغد نهر أوفر عمارة منه، ولا أعظم قصورًا وقرى وماشية.
ونهر قي هو ثلث السغد ويتشعب من هذا النهر المسمى في أنهار كثيرة، ويسقي زيادة على مرحلتين، ثم يتشعب من وادي الصغد أنهار كثيرة إلى حد بخارى حيث تأخذ منه أنهار بخارى المذكورة ستة مشتبكة القرى والبساتين والأنهار ولو اطلع مطلع من الجبل على وادي الصغد لرأى خضرةً متصلةً لا يرى في أضعافها غير قهندز أبيض أو قصر سامق مشيد؛ فأما فرجه منقطعة عن الخضرة أو أرض بائرة أو غامرة، فقل ما ترى» (١).
قال صاحب كتاب أشكال الأرض: «ومن حدّ بخارى إلى وادي السغد يمينًا وشمالًا ضياع تتصل إلى جبال المتم لا تنقطع خضرتها، ومقدارها في المسافة ثمانية أيام، مشتبكة البساتين، والخضرة والرياض محفوفة بالأنهار الجارية والأحواض في صدور رياضها ومبانيها مخضرة الأشجار والزروع ممتدة على جانبي واديها من وراء الخضرة، ومن وراء الخضرة على جانبي النهر مزارعها وقصورها والهندزات من كل مدينة ومدينة من كل مدينة، ومدينة تبصر في أضعاف خضرتها كأنها ثوب ديباج أخضر قد شهر بمجاري مياهها وزينت بين صيف قصورها في ارعى بلاد الله وأحسنها أشجارًا، وأطيبها ثمارًا.
وعامة مساكن سمرقند بالبساتين والحياض والمياه الجارية فما تخلو سكة ولا محلة ولا ناحية ولا سوق ولا دار ولا قصبة من نهر جار أو بركة واقفة، وبسائر ما وراء النهر من الأنهار المتخرقة، والرياض المتصلة، والأشجار الملتفة، والثمار الكثيرة ما لا يوجد مثله في سائر الأمصار لا دمشق ولا غيرها؛ وإن قيل: إنَّ متنزهات الدنيا أربعة؛ غوطة دمشق أحدها. وقال بعضهم: إنها أفضلها؛ ولكن سعد سمرقند أطول وأعرض وأفسح وأكثر ماءًا … وأمد مدى تجول العين في فضائهِ» (٢).
حدثني السيد الشريف جلال الدين حسن بن أبي المجاهد الحسيني السمرقندي عن طول مدى السغد، فقال: يقدر عشرة أيام بالسير المعتاد.
قلت وقد قال صاحب أشكال الأرض: إنّه يكون ثمانية أيام، فقال: لا، لا يكاد
стр. 922
يقصر عن عشرة أيام فأين غوطة دمشق من هذا؟ أو كلها من منبع الماء من واديها إلى تناهيه لا يبلغ نصف يوم مع كون السعد مكشوفًا كتنافر العين من أوله إلى آخره في فرد مدى نظر وما غوطة دمشق هكذا لاكتناف الجبلين لواديها؛ ولأن أنهار السغد واضحة في خلل خمائلها ممتدة في بسيط الحضرة لا يحتجب ولا يخفى عن العين، وليست الأنهار بدمشق مكشوفة إلا في مجرى الوادي بها. فأما إذا أشرف المستشرف عليها فإنه لا يرى إلا ما يليه، ولا تقع عينه إلا على ما يحاذيه، ولقد بقي من سمرقند منعة الأبصار على ما نابها من النوائب واعترت أنهارها من الشوائب، وبليت به أغصانها مما تشيب له الذوائب أيام جنكزخان وأبنائه، وما رميت به من حوادث الحدثان في تلك المدد، وإذا حصل الإنصاف قيل: إنَّ غوطة دمشق قطعة من سعد سمرقند.
وأما البتم فهو جبال شاهقة سامقة منيعة، والغالب عليها النزهة والخضرة والبقلة المعروفة بالطرخون (١)؛ وهي قرى آهلة بالناس.
وبالبتم حصون منيعة جدًا، وفيها معادن ذهب وفضة وزاج ونوشاذر؛ وفي كل جبل من جبال البتم كالغار وقد بني عليه واستوثق من أبوابه وكواه. وفيها عين يرتفع منها بخار يشبه الدخان بالنهار والنار بالليل؛ فإذا تلبد هذا الدخان في حائط ذلك البيت وسقفه قلع منه النوشاذر. وداخل هذا البيت من شدة الحر ما لا يتهيأ لأحد أن يدخله إلا احترق إلا أن يلبس اللبود المبلولة، ويدخل المختلس ويأخذ ما يقدر عليه حتى يظهر، فإذا خفي في مكان حفر عليه في آخر إلى أن يوجد؛ وإذا لم يكن عليه مبنيًا يمنع البخار من التفرّق لم يضر من قاربه حتى إذا اختنق في بيت احترق من يدخله لشدة الحر (٢).
وأما غزنة (٣) فكانت مستقر سبكتكين (٤) - والد السلطان يمين الدولة وأمين الملة محمود - فلما انقرضت الدولة السامانية بابتداء أيامه وتبدلت ملاهيهم بحد حسامه.
стр. 923
وكانت غزنة دارهم ومثواهم استمروا بها، ونقلوا عن بخارى قاعدة الملك إليها، ثم تناوب بنوه الجلوس على سريرها، ثم استقرت الملوك الغورية وقاعدة سلطانهم ومنبع أعوانهم.
وغزنة مخصوصة بصحة الهواء، وعذوبة الماء والأعراض بها قليلة؛ وأرضها لا تولد الحيات والعقارب والحشرات المؤذية؛ ومنها خرج الرجال الأنجاد. وتأمل مواقف ملوكها في غزو الهند والترك وذبهم عن بيضة الإسلام والملك وما أبقت آثار الغورية ﵏ على قصور عددهم وقصر مددهم، لقد كملوا ما بدأ به السلطان محمود بن سبكتكين في غزوات الهند وشنوا بها الفتوح حتى دخل الإسلام تلك الممالك العظمى.
وعلى الحقيقة ما فتحوا الهند بل فتحوا الدنيا وبذلك على هذا ما تقدم ذكره. وأما غزنة فهي مدينة مضايفة للسند، وقيل: إنها منها.
وقال صاحب كتاب صفة الأرض: إنَّ غزنة من بلاد السند؛ وهي واقعة في الثالث.
قال أبو سعيد منصور - زعيم جرجان (١) - ولم أر بلدة في الصيف أطيب، وفي الربيع أشبه، وفي الخيرات أنظف من غزنة؛ وهي قليلة الأشجار؛ ولهذا صح هوائها وسلم من مرورها على النقائع الوخمة، وأصول الشجر المعفنة.
وأما تركستان فمملكة لو انفردت لكانت ملكًا كبيرًا وسلطنة جليلة، زهرة الدنيا وطراز الأرض بلاد الترك حقيقة من كناسها رتعت غزلانها، ومن غاباتها أصحرت ليوثهم.
وهي إقليم فسيح المدى، قديم الذكر منشأ حماة ومشرب كماة؛ وهي المرادة بقولهم: بلاد الترك، ولم تزل الملوك تلحظها لاتقاء بوادرها، والتقاء زواخرها فأشدّ ما أنكرت فجاءت قدامهم في سورة غضبهم ولفحة نارهم فأمالت السيوف حصائد آجالهم، ولم يبق إلا من قل عديده.
حكى لي من جال في رساتيقها وجاز في قراها: أَنَّه لم يبق من معالمها إلا رسوم دائرة، وأطلال بالية على البعد.
والقرية مشيدة البناء مخضرة الأكناف، فيأنس لعله يجد بها أنيسًا ساكنًا، فإذا جاءها وجدها عالية البنيان خالية من الأهل والسكان إلا أهل العمد وأصحاب
стр. 924
السائمة، ليست بذات حرث ولا زرع؛ وإنما خضرتها أطلعتها تباريها، وبها من النباتات البرية لا يذرها باذر، ولا زرعها زارع ويوجد بها خلف من بقايا العلماء وتجري البتم بالترب لعدم الماء.
وأما الشاش (١) فمقدار عرضها مسيرة يومين في ثلاثة أيام، وليس بخراسان ولا ما وراء النهر إقليم صغير على قدرها في صغر المساحة أكثر منها منابر وقرى عامرة وقوة شوكة؛ وهي في أرض سهلة ليس بها جبل ولا أرض مرتفعة حزنة؛ هي أكبر ثغر، وأبنيتهم من طين، وعامة دورهم تجري فيها المياه؛ وكلها مستترة بالخضرة؛ ولها مدن كثيرة تتدانى وتتقارب مسافتها» (٢).
وأما استيجاب (٣) فمدينة لها قهندز وربض؛ أما القهندز فخراب، والمدينة والربض عامران.
وعلى المدينة سور يحيط بها مقدار فرسخ، وفي ربضها مياه وبساتين، وبناؤها بطين؛ وهي مستو من الأرض، ولها أربعة أبواب.
وهي مدينة ذات خصب وسعة، ولا خراج عليها، ومن مدنها: الطراز (٤)، وبوحكرت، وكحندة.
وأما باراب (٥) فهو اسم الناحية، ومقدارها في الطول والعرض أقل من يوم، وبها منعة وبأس؛ وهي في سبخة؛ وأما غياض ومزارع وقصبتها تسمى كندر، ومنها فيلسوف الإسلام أبو نصر البارابي (٦) مفسر كتب القدماء المتقدم في العلوم العقلية
стр. 925
على كل متقدم ومتأخر.
والناس يقولون: الفارابي، والصحيح البارابي - بالباء الموحدة - لأنَّ هذه تسمية تركية، وليس في اللغة التركية فاء.
وأما خجنده (١) فإنها متاخمة لفرغانة؛ وهي في جملتها، وهي منفردة بأعمال خاصة؛ وهي على نهر الشاش في غربيه، وطولها أكثر من عرضها وبساتينها ودورها متفرقة، ولها قرى يسيرة.
وهي مدينة نزهة وفواكهها حسنة ولكنّها تضيق بها من درعاتها فتجلب الغلات من فرغانه وآشروسنة إليها، وينحدر إليهم بها السفن من نهر الشاش؛ وهو نهر عظيم، ويعظم بأنهار تجتمع إليه في حدود الترك وعموده نهر يخرج من بلاد الترك في حدود دواز كند، ثم يجتمع إليه أنهار فيغزر، ويمتد على خجندة يمر على ساكت فيجري إلى باراب، وإذا جاوز حد صيران جرى في برية يكون في حاشية بلد الأتراك العرن فيمتد حتى يقع في بحيرة خوارزم.
قال صاحب كتاب أشكال الأرض: «وهو نهر إذا امتد يكون نحو ثلثي نهر جيحون.
وأما فرغانة فهو اسم الإقليم؛ وهو عمل عريض موضوع على سعة مدنها وقراها وقاعدتها مدينة أخشيلب (٢)، وهي على شط نهر الشاش على أرض مستوية؛ ولها
стр. 926
قهندز وربض ومقدارها نحو ثلث فرسخ، وبناؤها من طين، وعلى ربضها سور وعليه أبواب من المدينة.
وفي الربض مياه جارية، وحياض كثيرة؛ وكل باب من أبواب ربضها يفضي إلى بساتين ملتفة، وأنهارها لا تنقطع مقدار فرسخين وبجادتها إذا عبر نهر الشاس مروج ومزارع كثيرة ومال مقدار مرحلة، ويليها مدينة قنا وهي من فرغانة - من أنزه مدنها؛ لها قهندز وربض والقهندز خراب والجامع في القهندز، وأسواقها في ربضها، ودار الإمارة في الربض وعليه سور محيط به، ولها بساتين كثيرة، ومياه غزيرة، ويليها في الكبر أوش (١) من فرغانة ملاصقة للجبل وهي مدينة عامرة ذات قهندز عامر، ولها ربض وعليه سور ولها ثلاثة أبواب (٢).
وأوزكند (٣) وهي آخر مدن فرغانة لها قهندز وربض وأسواقها في الربض مطرزة بالبساتين والمياه الجارية (٤).
قال صاحب كتاب أشكال الأرض: «وليس بما وراء النهر أكثر قرى من فرغانة؛ وربما بلغ حد القرية مرحلة لكثرة أهلها وانتشار مواشيهم في المرعى» (٥).
وسألت عن هذا العميد أبا المكارم حميد بن محمد الفرغاني، فقال: كانت أكثر مما قال، والبلاد باقية على هذا الحال في الاتساع؛ ولكن قد قل ناسها.
وأما أشروسنة (٦) فهو اسم الإقليم كالسغد وقاعدتها مدينة بومحكت (٧)، وبها من المدن أرسبا نيكت (٨) وعرق (٩) وفنكث (١٠) وساباط (١١) ورامين (١٢).
стр. 927
قال صاحب الروض المعطار في أخبار الأقطار: «أشروسنة أرض يحيط بها من إقليم ما وراء النهر من شرقيها بعض فرغانة، ومن غربيها بلاد الصغد والصغانيات، وشمالها بلاد الشاس» (١).
ولاشروسنة مدن كثيرة ومملكتها واسعة جليلة، ويقال: إنَّ فيها اربع مائة حصن، ولها واد عظيم يأتي من نهر سمرقند، ويوجد في ذلك الوادي سبائك الذهب.
وقال صاحب كتاب أشكال الأرض: «أما مدينة تومجكث (٢) فهي مسكن الولاة تحرز رجالها نحو عشرة آلاف رجل (٣)، وبناؤها بطين وخشب، وعليها سور، ولها ريض وعلى ربضها سور، ولها سور ثالث من وراء ذلك.
وللمدينة الداخلة بابان (٤)، وداخل المدينة المسجد الجامع والقهندز، ودار الإمارة في الربض في مربعة الأمير.
ويجري بالمدينة الداخلة نهر كبير عليه رحى وأسواقها في المدينة الداخلة؛ ولها بساتين وكروم وزروع؛ وذلك كله دون السغد، ولها أربعة أبواب، ولها ستة أنهار جميعها من عين واحدة ومنبع واحد. مقدار مائها يزيد على عشرة أرحية، ومن المدينة إلى منبع الماء مقدار نصف فرسخ، ويليها في الكبر مدينة زامين (٥) وهو على طريق فرغانة إلى السعد، وباقي بلادها متقاربة في الكبر والنزهة والبساتين والمياه» (٦).
الفرقة الثانية في خوارزم والقبجاق
حدثني الشيخ نجم الدين بن الشمام الموصلي: أنَّ هذه المملكة متسعة الجوانب طولًا وعرضًا كثيرة الصحراء، قليلة المدن، وبها عالم كثير لا تدخل تحت حد؛ وليس لهم كبير بقع لقلة السلاح ورداءة الخيل. وأرضهم سهلة قليلة الحجر لا
стр. 928
تطيق خيل ربيت فيها الأوعار؛ فلهذا يقلّ غناء أهل هذه المملكة في الحروب، وليس لملوكهم عظيم عناية بالأوضاع، وترتيب سلطان هذه البلاد في أمور جيشه وسلطانه ترتيب مملكة العراق والعجم في عدّة الأمراء والأحكام والخدم؛ ولكن ليس لأمير الألوس (١). والوزير بها تصرف أمير والألوس والوزير بتلك المملكة. ولا لسلطان هذه المملكة نظير ما لذلك السلطان من الدخل والمجابي وعدد المدن والقرى، ولا مشى أهل هذه المملكة على قواعد الخلفاء مثل أولئك.
ولخواتين هؤلاء مشاركة في الحكم معهم وإصدار الأمور عنهم مثل أولئك وأكثر إلا ما كانت عليه بغداذ بنت جوبان (٢) - امرأة أبي سعيد بهادر بن خدابنده - فإننا ما رأينا في زماننا ولا سمعنا عمن قارب زماننا أن امرأة تحكمت بحكمها. وقد وقفت على الكثير من الكتب الصادرة عن ملوك هذه البلاد من عهد بركة (٣) وما بعده وفيها: واتفقت آراء الخواتين والأمراء على كذا أو ما يجري هذا المجرى.
وقاعدة الملك بها السراي (٤) وهي مدينة صغيرة بين رمل ونهر، وقد بنى بها سلطانها القائم بها الآن أزبك خان (٥) مدرسة للعلم؛ وهو معظم لجانب العلم وأهله.
وحدثني الصدر زين الدين عمر بن مسافر: أنَّ هذا السلطان أزبك غير ملتفت من أمور مملكته إلا إلى جمليات الأمور دون تفصيل الأحوال، يقنع بما جمل إليه ولا
стр. 929
يفحص عن وجوهه في القبض والصرف؛ وأنَّ لكل امرأة من خواتينه جانبًا من الحمل (١)؛ وهو يركب كلّ يوم إلى امرأة منهن يقيم ذلك اليوم عندها يأكل في بيتها ويشرب (٢)، وتلبسه بذلة قماش كاملة، ويخلع التي كانت عليه؛ وممن يتفق من حوله وقماشه ليس بفائق الجنس ولا غالي الثمن.
وهو مسلم، حسن الإسلام، متظاهر بالديانة والتمسك بالشريعة، محافظ على إقامة الصلاة ومداومة الصيام مع قربه من الرعايا والقاصدين إليه. وليست يده بمبسوطة بالعطاء، ولو أراد هذا لما وفى له به دَخْلُ بلاده.
وغالب رعاياه أصحاب عُمد في الصحراء أقواتهم من بواسيتهم من الخيل والبقر والغنم، والزرع عندهم قليل؛ وأقله القمح والشعير.
وأما الفول فلا يكاد يوجد، وأكثر الموجود عندهم من الزروع الدخن منه أكلهم، وعليه فيما يخرج الأرض كلهم.
والأسعار في جميع هذه المملكة رخية إلى غاية.
الأكركانج (٣) أم إقليم خوارزم؛ وهي المعبّر عنها بخوارزم؛ فإنها متماسكة في أسعار الغلات؛ قل أن ترخص، بل هي إما فعلية أو متوسطة لا تعرف الرخص أبدًا.
وأما اللحوم فإنَّها رخيصة وكثيرًا ما تذبح الخيل بهذه البلاد.
وأما سكان البرّ منهم فإنه لا يباع ولا يشترى بينهم اللحم، وغالب أكلهم من لحوم الصيد واللبن والسمن والدخن؛ فإن تلفت لأحد منهم دابة مثل فرس أو بقرة أو شاة ذبحها وأكل هو وأهله منها، وأهدى إلى جيرانه؛ فإذا تلفت لهم أيضًا شاة أو بقرة أو فرس ذبحها وأهدى إلى من أهدى إليه فلا يكاد تخلو بيوتهم من اللحم بهذا السبب؛ لأنَّ هذا معروف بينهم كأنَّ هدية اللحم بينهم قرض يُوفّى.
وفي سلطان هذه المملكة طوائف الجركس (٤) والروس (٥) والأص (٦)؛ وهم أهل
стр. 930
مدن عامرة آهلة وجبال مشجرة مثمرة ينبت عندهم الزرع، ويدر الضرع، وتجري الأنهار، وتجنى الثمار، ولا طاقة لهم بسلطان هذه البلاد، وهم معه وإن كانت لهم ملوك كالرعايا؛ فإن داروه بالطاعة والتحف والطرف كفَّ عنهم وإلا شنَّ عليهم الغارات وضايقهم بالحصار.
وكم مرة قتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم وجلب رقيقهم إلى أقطار الأرض.
ومما ينظم إلى جناح هذا السلطان قوم من الترك في نهاية الشمال من حدوده، وهم في جهد من قشف العيش؛ لأنهم ليسوا أهل حاضرة لهم زرع. وشدة البرد تهلك مواشيهم؛ وهم همج رعاع لا لهم مسكة بدين ولا رزانة في عقل، وهم لشدة ما بهم من سوء الحال؛ إذا وجد أحدهم لحمًا سلقه ولم ينضجه، وشرب مرقه وترك اللحم ليأكله مرة أخرى، ثم يجمع العظام ويعاود صلقها مرة أخرى وشرب مرقها، وقس على هذا بقية عيشهم.
وأخبرني الصدر جمال الدين عبد الله الحصني التاجر: أن لبس كثير من أهل بادية هذه المملكة الجلود سواء أكانت مذكاة أو ميتة مدبوغة أو غير مدبوغة من الحيوان الطاهر أو غير الحيوان الطاهر، ولا يعرفون في المأكل ما يعاف مما لا يعاف ولا التحريم من التحليل، وأنهم في الأزمات يبيعون أولادهم ليتقوتوا بأثمانهم إذا ضاقت بهم الأحوال في بعض السنين، ويقولون عمَّن يبيعون من أولادهم: نعيش نحن ولا وهو خير مما نموت نحن وهو.
وجاريت الصدر زين الدين عمر بن مسافر في حديث هذه البلاد وسألته عما قاله عبد الله الحصني، فقال لي: كل ما أخبرك به صحيح.
قلت: وترك هذه البلاد هم خيار الترك أجناسًا؛ لوفائهم وشجاعتهم وتجنبهم الغدر مع تمام قاماتهم، وحسن صورهم، وظرافة شمائلهم؛ ومنهم معظم جيش مصر؛ لأن سلاطينها وأمراءها منهم منذ رغب الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل (١) في مشترى المماليك القبجاق.
стр. 931
ثم انتقل الملك إليهم مالت ملوكهم إلى الحبشية (١) ورغبت في الاستكثار منهم حتى أصبحت مصر بهم آهلة المعالم محمية الجوانب منهم أقمار مواكبها وصدور مجالسها وزعماء جيوشها وعظماء أرضها، وحمد الإسلام مواقفهم في حماية الدين وجهادهم أقاربهم وأهل جنسهم في الله لا تميل لهم حنه ولا تأخذهم في الله لومة لائم وكفى بالنصرة الأولى نوبة.
«عين جالوت» (٢)
لما خرج الملك المظفر قطز (٣) - صاحب مصر إذ ذاك - في سنة ثمان وخمسين وستمائة وكسر عساكر هولاكو على عين جالوت، ورحل هولاكو عن حلب عائدًا، ونهض الجيش المصري بما عجزت عنه ملوك أقطار الأرض مع اجتهاد السلطان جلال الدين محمد بن خوارزم شاه (٤) - رحمه الله تعالى - حتى قتل.
стр. 932
ولم يكن الجيش المصري بالنسبة إلى الجيوش الجلالية إلا كالنقطة في الدائرة والنغبة من البحر والله يؤيد بنصره من يشاء ﴿كم من فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). وهذا من المعجزات النبوية؛ وهو قوله (٢) ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من عاداهم إلى يوم القيامة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك، ألا وهم الجند العربي»، وقوله: «ألا وهم الجند العربي» زيادة في بعض الروايات، وهذه الرواية إن لم تصح روايتها صحت بالمعنى؛ لأنَّ هذه الطائفة هي كانت الطائفة الظاهرة التي أرادها النبي ﷺ في قولهم وعناهم بها؛ لأنه لم يظهر على التتار سواهم، وبهذه النصرة دامت النصرة على التتار. وكانت بهم لا بغيرهم مع كثرة من كان من ملوك الإسلام واجتهادهم في الجهاد فتماسك بهذه المرة رمق الإسلام وبقيت بقية الدين ولولا لا نصدع شعب الأمة وهي عمود الملة وصلت خيل عبدة الشمس إلى أقصى المغارب، ودكت جميع رعان الأرض.
وهذه جملة معترضة ساقها الاستطراد بذكر أهل البلاد.
ونعود الآن إلى ذكر ما كنا فيه من ذكر بلادهم وأحوالهم فيها.
هذه البلاد من أكثر الأرض ماءً ومرعى وأخصبها زرعًا إذا زرع بها؛ ولكنهم أهل حلّ وترحال، وأصحاب ماشية ليس لهم مبالاة بالزرع والغراس؛ ولقد كانت قبل استيلاء التتار عليها معمورة الجوانب؛ وهي الآن في بقايا تلك العمارة إذا زرع بها، ولكنهم فيها الأشجار المختلفة الأنواع من الفواكه العنب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والمشمش والخوخ والجوز، وبها فاكهة تسمى بلغة القبجاق بابيك شبيهة بالتين.
والفواكه الموجودة عندهم الآن من بقايا ما باد من غراس من كان قبل هؤلاء ممن كان لهم عناية بالزرع والنصب؛ وهي كثيرة الوجود في جبالهم وما يحدث إلى المدن مع كثرة ما باد.
وأما البطيخ فشحت عندهم سحابه وشحت على غيرها خاصة الأصفر، فإنَّه يبقى
стр. 933
عندهم طول السنة ويقدد منه، وهو في غاية صدق الحلاوة وطيب الطعم مع ما يحكى من كثرة وجوده ورخصه. ومنهم من يستخرج ماءه ويعقد منه الحلواء.
وبمدنهم كثير من الخضراوات كاللفت والجزر والكرنب وغير ذلك، فأما في مدن الجركس والروس والآص، فإنه كثير عندهم جدًا. وبها العسل الكثير الأبيض اللون اللذيذ الطعم الخالي من الحدة.
وقد فشى الآن فيهم الإسلام، واشرق على أقطارهم نور الإيمان. وكان أوّل من دان بالدين الحنيف من ملوكهم بركة بن جوجي بن جنكزخان (١) ومنه لمعت في آفاقهم الشوارق إلى أن صدع الآن الضحى وتقلّصت في جمهورهم جلابيب الدجى إلا في النادر القليل.
ومع استعلائهم على جيوش الجركس والروس والماجار (٢) والأرمن (٣) يختلس تلك الطوائف أولاد هؤلاء وتبيعهم من التجار مع ظهور الإسلام في هذه الطائفة وإقرارهم بالشهادتين فهم مخالفون لأحكامها في كثير من الأمور.
وأول هذه الطائفة وآخرها لا يقفون مع ياسة جنكزخان وقوف غيرهم مع مؤاخذة بعضهم لبعض أشدّ المؤاخذة في الكذب والزنى ونبذ المواثيق والعهود.
ومن شأن ملوكهم إذا غضبوا على أحد من أتباعهم أخذوا ماله وباعوا أولاده؛ وكذلك إذا سرق سرقة استحق المسروق له مال السارق وأولاده وباعهم.
ومن خطب إلى أحد بنته وأعطاه القليل زوجه لها ثم لا يعود يسأله عنها كما ذكرنا في مملكة ما وراء النهر.
وقال لي المولى الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم: إنَّ لسلطان هذه المملكة على جميعهم خراج يتأدّى منهم؛ وربّما طولبوا بالخراج في سنة ممحلة لوقوع الموتان بدوابهم وسقوط الثلج وجماد الجمد فباعوا أولادهم لأداء ما عليهم.
وحدثني الشريف شمس الدين محمد الحسيني الكربلائي التاجر في شهر رجب الفرد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة حال عوده من هذه البلاد، وكان قد تجوّل
стр. 934
فيها في سفره وغرب فيها، ووصل إلى أقجاكرمان وبلاد البلغار، وقال لي: إنَّه اشترى في سفرته هذه مماليك وجواري من آبائهم وأمهاتهم لاحتياجهم لخروج يسق ملكهم إليهم بالركوب إلى بلاد إيران واحتاجوا إلى بيع أولادهم، وجلب رقيقًا عاليًا غاليًا.
وهذه المملكة قديمًا هي بلاد القبجاق فلما فاضت عليها التتار صارت القبجاق لهم رعايا، ثم خالطوهم وناسبوهم، وغلبت الأرض على الجبلة والأصل، فصار الكل كالقبجاق كأنهم جنس واحد لسكن المغل أرض القبجاق ومصاهرتهم لهم وبلادهم في أرضهم وهكذا طول المكث في كل بلد وأرض يحوز الحائز إليها، ويحول الغرائز إلى طباعها - كما قدمنا ذكره - وقد يقل اختلاف الألوان أو يزيد لسبب آخر غير البلدية.
قلتُ: ولقد كان في السرب والبلغار من قديم دار اسلام، ومستقر إيمان، ذكر هذا المسعودي في مروج الذهب وغيره (١). فأما الآن فقد تبدلت بإيمانها كفرًا، وتداولتها طائفة من عباد الصليب، ووصلت منهم رسل إلى حضرة سلطان مصر سنة إحدى وثلاثين بكتاب إلى سلطانها من صاحب السرب والبلغار يعرض نفسه على
стр. 935
مودته ويسأل منه سيفًا يتقلده وسنجقًا (١) يقهر أعداءه به فأكرم رسوله وأعد نزله وجهز له معه خلعة كاملة: طرد وحش مقضب بسنجاب مقندس على إسكندري وكلوته زركش وشاش بطرزين رقم ومنطقه ذهب وكلاليب ذهب وسيف محلّى وسنجق سلطاني أصفر مذهب.
وهم يدارون سلطان القبجاق لعظمة سلطانه عليهم، وأخذه بخناقهم لقهرهم منه.
قلت: والقسطنطينية (٢) مجاورة لأطراف ملك القبجاق وملك الروم معه في طلب دائم واقتراحات متعددة في كل وقت. وملك الروم على توقد جمرته، وكثرة حماته وأنصاره يخاف عادية شرّه، ويتقرب إليه بالمدارة ويدافع معه الأيام من وقت إلى وقت.
وما زالت الأيام هكذا وما زالت تلك حالهم مع ملوك هذه من أبناء جنكزخان منذ تدبروا هذه الأرض وما تخلو منهم مدة من تجديد عهود ومسالمة إلى مدد تؤجل بينهم، وأشياء تحمل من جهة ملوك الروم إلى القان بمملكة القبجاق.
ذكر العز حسن الإربلي: أنَّ بدر الدين حسن الرومي التاجر السفار حدثه: أنَّ حدود هذه المملكة من جهة جيحون خوارزم وصقناق وسوداق وباركند وجند وسراي، ومدينة ماجر وازاق وأقجا كرمان وكفه وسوداق وسقمسين ولكل وبلغار، وأعمال سبريا وامل.
حدود بلاد الخطا:
قال: ومدينة باكوى (٣) هي أحد مدن إقليم شروان (٤) وعندها الباب الحديد الذي يسميه الترك دمر قبو، ومن الباب الحديدي الذي هو عبارة عن مدينة باكو إلى حدود بلاد الخطا من جهة سبروابر يكون مسير القفل مسيرة خمسة أشهر، هذا هو طول هذه المملكة.
стр. 936
وفي هذه المملكة من الأنهار الكثيرة المشهورة سيحون، وجيحون، وطرنا، وايقل، وباين، وتن، وطونو؛ فمن سيحون إلى طونا مسيرة أربعة أشهر، وبين سيحون وجيحون خمسة عشر يومًا، ومن جيحون إلى باين خمسة عشر يومًا، ومن باين إلى أتيل عشرة أيام، ومن أتيل إلى تن شهر واحد، ومن تن إلى طرلو عشرة أيام، ومن طرلو إلى طونا شهر واحد. ويقلب جيحون وأتيل إلى بحر القلزم وسيحون فهي إلى مقصبة ورمل تحت مدينة جند بثلاثة أيام فيقلب هناك وتأتي الأنهر المذكورة تقلب إلى بحر عمان، وهذه السبعة أنهر في هذه المملكة ويتصل منها إلى إقليم ما وراء النهر سيحون وجيحون.
قلت: الذي يصح أن جيحون يقلب في بحيرة ملح نحو مائة فرسخ، ويقع بها نهر الشاش أيضًا.
وأما من زعم أَنَّ جيحون يرمي في القلزم (١) فغلط منه؛ وإنَّما اشتبه ذلك لعظم هذه البحرة، وبين مرمى جيحون ونهر الشاش نحو من عشرة أيام وتعرف هذه ببحيرة خوارزم (٢)، وعلى وسطها جبل يسمى جغر يجمد عند الماء حتى يبقى إلى الصيف.
قال الإربلي: ومن مشاهير مدنها بلغار، وأقصر ليلها أربع ساعات ونصف.
قال حسن الرومي: ثم سألت مسعود الموقت بالبلغار عن هذا؟ فقال: جربناها بالآلات الرصدية فوجدناها أربع ساعات ونصفًا تحريرًا؛ وهو غاية نقصان الليل بها.
وأما قصبة أفتكون فحررناها فوجدنا أقصر ليلها ثلاث ساعات ونصفًا أقصر من ليل البلغار بساعة واحدة، قال: وبين بلغار وأفتكون مسافة عشرين يومًا بالسير المعتاد.
والقصبة في مصطلح العجم: المدينة الصغيرة.
قال: وبعد أفتكون بلاد سبر وابر، ثم بعدها بلاد جولمان، فإذا سافر المسافر من جولمان - على شرقيها - يصل إلى مدينة قراقرم، ثم إلى بلاد الخطا، وبها القان الكبير، وهي بلاد الصين.
قال: وإن سافر المسافر - على غربيها - وصل إلى بلاد الروس، ثم إلى بلاد الفرنج وسكان البحر الغربي.
قلت: أما الآن فمقر القان خان بالق.
стр. 937
قال: وبلاد السبر وجولمان مضافة إلى باشقرد (١)، وفي بلاد باشقرد قاضي مسلم معتبر.
وبلاد السبر وجولمان شديدة البرد لا يفارقهم الثلج مدة ستة أشهر لا يزل يسقط على جبالهم وبيوتهم وبلادهم؛ ولهذا تقل مواشيهم عندهم، وهم سكان قلب الشمال والواصل عندهم وإليهم من الناس قليل، والأقوات عندهم قليلة.
ويحكى عنهم: أنَّ الإنسان منهم يجمع عظام أي حيوان كان، ثم إنه يغلي عليها بقدر كفايته، ثم يتركها وبعد سبع مرات لا يبقى فيها شيء من الدهن.
قال: وهم مع ضيق العيش ليس في أجناس الرقيق أنعم من أجسامهم ولا أحسن من بياضهم، صورهم تامة الخلقة في حسن وبياض ونعومة عجيبة، زرق العيون.
قال العز حسن الإربلي: وحسن الرومي سافر في هذه البلاد وذكر أكثرها.
وقال؛ قال الشيخ علاء الدين بن النعمان الخورازمي: إنَّ طول هذه المملكة من بحر إسطنبول إلى نهر آرليس ستة أشهر، وعرضها من بلغار إلى بلاد البلغار إلى باب الحديد أربعة أشهر تقريبًا.
وأما الشبهة في دعوى ملوك القبجاق أنَّ توريز ومراغة لهم على ما أخبرني به المولى نظام الدين أبو الفضائل يحيى الطياري: أنَّ القان الكبير لما جرّد هولاكو لقتل الإسماعيلية ومن كان يتعصى بالجبال سأله هولاكو في تكثير الجيوش معه فجرد معه من عسكر كل واحد من ملوك بني جنكز خان عسكرًا؛ فلما فتح بهم ما فتح من البلاد بقيت تلك العساكر معه فرتب لكل فرقة منهم علوفة على قطر من الأقطار فكان ما رتب للعسكر المجرد معه من جهة صاحب بلاد القبجاق و خوارزم على توريز ومراغة فبقوا يأخذون علوفتهم منها.
ثم لما مات هولاكو وملك ولده أبغا خادعوه بطريق أنَّ سلطانهم بركة يريد أن يبني جامعًا بتوريز فمكنهم منه فبنوه، وكتبوا عليه اسم السلطان بركة، ثم سألوا أن يعملوا لهم كرخاناه لاستعمال أقمشة لهم بها فمكنهم منها، وبقوا يستعملون بها القماش للسلطان بركة ودام الحال على هذا إلى أن وقع بينهما وتلاقيا وكسر بركة لأبغا فخنق أبغا وأبطل الكرخاناه (٢).
стр. 938
ثم لما نشبت تلك الوقعة الكائنة وهدي ما بين ملكي الملكين أعيدت الكرخانا، على أنهم هم يحضرون من بلادهم أموالًا لاستعمال ما شاءوا فيها كلما تمادت المدد، وجعلوا الجامع والكرخاناه المبنيين باسم السلطان بركة سببًا لهذه الدعوى، ولقد جاءت رسلهم إلى محمود غازان بطلب توريز ومراغة، وقالوا له: هذه جيوش أبينا فتحها سيوفهم، وهي لنا وحقنا بالإرث عنهم فأعطنا حقنا.
فقال لهم قازان (١): أنا ما أخذت الملك إلا بالسيف لا بالميراث؛ ومما أخذته وحزته بسيفي توريز ومراغا وبيني وبينكم السيف فيها.
ثم لم يزل السلطان القائم الآن بمملكة القبجاق يتعلق بحبال هذه الشبهة ويطالب بدعوى هذه الوراثة.
وسئل الشيخ علاء الدين بن النعمان عن جيوشه؟ فقال: كثيرة تفوت الحصر، فقال: كم هم بالتقريب؛ فقال: لا أعلم، لكن خرج مرّة عليه وعلى القان الكبير أستبغا (٢) سلطان ما وراء النهر وتغلب وقطع الطريق، وقال: أنا أحق بالملك منهما، ونهب السيارة وأخرج يدًا عن طاعة القان، فكتب القان إلى تقيقا بأن يقاتله فجرد إليه من كل عشرة واحدًا، فبلغ عدة المجردين مائتين وخمسين ألفًا.
قال النعمان: وهذا الذي دخل تحت العدد والإحصاء سوى المجتمعة والطماغة.
قال: وألزم كل فارس بغلامين وثلاثين رأسًا من الغنم وخمسة أرؤس من الخيل، وقد زين نحاسًا وعجلة برسم حمل السلاح وغزا أسنبغا وكسره وانتصر عليه نصرة ظاهرة ثم عاد مؤيدًا منصورًا.
قال: النعمان: مبدأ عرض هذه المملكة من دمر قبود؛ وهي مدينة من بناء الإسكندر كان عليها باب من الحديد، وليس هو الآن إلى بلاد بوغز، وطولها من ماء لمرنس - وهو أعظم من نيل مصر بكثير - من ناحية بلاد الخطا إلى إسطنبول (٣) ويتجاوز هذا الطول قليلًا إلى بلاد تسمى نمج (٤).
стр. 939
قال: وبلاد نمج مشتركة بين بلاد الروس والفرنج.
قال النعمان: والتجار لا يتعدُّون مدينة بلغار، يسافرون إلى بلاد جولمان، وتجار جولمان يسافرون إلى بلاد بوعزة؛ لأنها من أقصى الشمال، وليس بعدها عمارة غير برج عظيم من بناء الإسكندر على هيأة المنارة العالية وليس بعده مذهب إلا الظلمات.
فسُئل: أيُّ شيء عندك الظلمات؟ قال: صحار وجبال لا يفارقها الثلج والبرد ولا تطلع عليها الشمس ولا ينبت فيها نبات، ولا يعيش فيها حيوان أصلًا (١)، متصلة ببحر أسود لا يزال يمطر والغيم منعقد عليها ولا تطلع عليه الشمس أصلًا أبدًا.
قال النعمان: وقيل: إنَّ الإسكندر مرّ بأطراف أوايل - جبال الظلمات القريبة من العمارة - فرأى فيها إنسانًا من جنس الأتراك أشبه الناس بالوحوش لا يعرف أحد بلغتهم، وإذا أمسكهم أحد فرّوا من يده يأكلون من نبات الجبال المجاورة لهم فإذا قحطوا أكل بعضهم بعضًا، فمر بهم ولم يعترضهم.
قال النعمان - وقد ذكر صاحب مملكة القبجاق -: وأكثر رعية هذا الملك سكان غربي الشمال وهم أمم لا يحصون وأكثرهم، روس، ثم من بعدهم أتراك دشت القبجاق؛ وهم قبائل كثيرة فيهم مسلمون، وفيهم كفار ويبيعون أولادهم وقت الغلاء والقحط.
وأما وقت الرخص فيسمحون ببيع البنات دون البنين ولا يبيعون الولد الذكر إلا عن غلبة.
وحدثني الفاضل شجاع الدين عبد الرحمن الخوارزمي الترجمان: أنَّ مدينة السراي بناها بركة قان على شط نهر توران (٢)؛ وهي في أرض سبخة بغير سور، ودار الملك بها قصر عظيم على عليائه هلال ذهب قنطاران بالمصري، ويحيط بالقصر أبراج مساكن لأمرائه، وبهذا القصر مشتاهم.
قال: وهذا النهر يكون قدر النيل ثلاث مرات أو أكثر وتجري به السفن الكبار
стр. 940
تسافر إلى الروس والصقلب (١)، وأصل هذا النهر أيضًا من بلاد الصقلب.
قال: وهي - يعني السراي (٢) - مدينة كبيرة ذات أسواق وحمامات، ووجوه بر مقصودة بالأجلاب، في وسطها بركة ماء من هذا النهر، يستعمل ماؤها للاستعمال.
وأما شربهم فمن النهر يستقى لهم في جرار فخار وتصف على العجلات وتجر إلى المدينة وتباع بها.
وبعدها عن خوارزم نحو شهر ونصف، وبينها وبين السراي مدينة وحق ومدينة قطلو عنه ستة دراهم.
قال: والأسعار في خوارزم والسراي لا يكاد يتباين ما بينهما، والرطل الخورازمي وزنه ثلاثمائة وثلاثون درهمًا وأقواتها فيما يذكر من القمح والشعير والدخن - ويسمى عندهم الأزرن (٣)، والماش (٤)، والجاورس (٥)، وهو شبيه بحب البرسيم - وليس يباع عندهم هذه الحبوب إلا بالرطل. يقال: كل حمل حمار بكذا، وحمل الحمار عندهم مائة رطل بهذا الرطل.
والسعر المتوسط للقمح بدينارين ونصف، وكذلك الماش والشعير بدينارين وكذلك الدخن، وكذلك الجاروش أو أزيد، والغالب أن يكون سعره قياس سعر القمح، وسعر الشعير واللحم الضاني على السعر المتوسط في كل ثلاثة أرطال بدرهم.
وبها من جميع الفواكه إلا النخل والزيتون وقصب السكر والموز والأترج والليمون والنارنج. وفيها من أنواع الطير والوحش، وبها الغزلان كبارًا جدًا يكون الغزال قدر بقر الوحش.
وبها معدن يخرج منه أحجار يعمل منها قدور، تقيم القدرة نحو ستين سنة لا تتغير.
стр. 941
وبها جبل يقال له جبل الخيل من خوارزم به عين تعرف به ذوو الأمراض المزمنة، ويقيمون عندها سبعة أيام في كل يوم يغتسلون بمائها بكرة وعشية، ويشربون عقيب كل اغتسال إلى أن يتضلعوا فيحصل لهم البرء وبجيحون سمكة لا يوجد بها عظم إلا الميل الذي في سلسلة الظهر وإلا فكلها لحم ورأسها غضروف.
و خوارزم (١) على جيحون بين شعبتين منه مثل السراويل، وبخوارزم مائة بيت يهود ومائة بيت نصارى لا غير ولا يسمح لهم في الزيادة على ذلك.
ويلي خوارزم أرض مدورة، وتسمى هذه الأرض المدورة منقشلاغ (٢) طولها خمسة أشهر وعرضها كذلك وكلّها صحراء وسكانها اسم كثيرة من البرجان، ويفصل بين هذه الأرض وبين جيحون جبل اسمه آق بلقان شمالي خراسان وخوارزم إقليم منقطع عن خراسان وعما وراء النهر ويحيط فيها المفاوز من كل جانب وحده متصل بحد الغربة مما يلي الشمال والغرب وجنوبيه وشرقيه خراسان وهو على جانبي جيحون، وقصبته في الجانب الشمالي منه ويسمى كات (٣) باللغة الخوارزمية، وفي الجانب الجنوبي الجرجانية.
وفي هذا الإقليم عدة مدن؛ وأول مدن خوارزم بلد يسمى الظاهرية مما يلي آمل، وتمتد العمارة في جانبي جيحون معًا.
وملوك هذه المملكة مشتاهم السراي - كما ذكرنا - ومصيفهم …
ثم وجميع ملوك توران وتتارها بجبل اسمه آراق طاغ طوله من أقصى الصين إلى أقصى الغرب ينقطع بالبحر المحيط عند منتهى سبته، ويقع البحر الرومي كلما اشتق منه وسائر بلاد توران في جنوبه.
وحدود مجموع مملكة أزبك طولًا من درعان خوارزم من المشرق إلى كاشغر وعرضًا من خوارزم إلى أقصى بلاد سبر التي يجلب منها السمور والسنجاب وهي من بلاد الصقالبة.
قال: وليس بعدهم في العمارة شيء.
стр. 942
وقال: وقد جاء جدي فتيا من بعض أهلها كيف تكون صلاة أهل بلد لا يغيب عندهم الشفق حتى يطلع الصبح لسرعة انقضاء الليل.
قال: فلما صارت هذه المملكة بعد ملوك الخوارزمية إلى بني جنكزخان استمروا بعساكر خوارزم على حالهم على إقطاعاتهم؛ وكل من كان بيد آبائه شيء هو الآن بيد أبنائه.
قال: والأمراء لهم بلاد منهم من يعمل بلاده في السنة مائتي ألف دينار رائجًا وما دون ذلك إلى مائة ألف دينار رائج.
وأما الجند فليس لأحد منهم إلا نقود تؤخذ من على النطع وكلهم سواء؛ لكل واحد منهم في السنة مائتا دينار رائج.
وقد كان زيهم زي عسكر مصر والشام في الدولة الإسلامية وما يناسب ذلك؛ فأما الآن فزيهم زي التتار إلا أنَّهم بعمائم صغار مدورة.
* * *
стр. 943
في مملكة الإيرانيين
وهي العراق والعجم (١) وخراسان (٢)، هذه المملكة طولًا من نهر جيحون المحيط بآخر حد خراسان إلى الفرات القاطع بينهما وبين الشام. وعرضًا من كرمان المتصل بالبحر الفارسي المنقسم من البحر الهندي إلى نهاية ما كان بيد بقايا الملوك السلجوقية بالروم على نهاية حدود العلايا وأنطاكية من البحر الرومي (٣).
ويفصل في الجانب الشمالي بين هذه المملكة وبين بلاد القبجاق النهر المجاور لباب الحديد وهو المسمى باللغة التركية دمر قابو (٤)، وبحر طبرستان وهو المسمى بحر الخرز والقلزم (٥).
أخبرني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري: أنَّ هذه المملكة تكاد تكون تربيعية (٦)؛ فيكون طولها بالسير المعتاد أربعة أشهر، وعرضها أربعة أشهر.
وهذه هي المملكة الصائرة إلى بيت هولاكو بن طولي بن جنكزخان وتداولها السلاطين من أبنائها إلى الآن، وهي متوسطة في المعمور من أجل ممالك الأرض وأوسطها في الطول والعرض، وبها تخت الأكاسرة (٧) إلى أن تسلمه الإسلام.
ثم استقرت بها قاعدة الخلافة العباسية إلى آخر الأيام، ذات أقاليم كثيرة، ومدن كثيرة مشتملة على رساتيق (٨) وأعمال وخطط وجهات.
стр. 944
وقاعدة الملك بها الآن توريز (١) ثم السلطانية.
وبيت هولاكو يرون أنَّ الملك من قعد على التخت بأوجان، وأوجان في ظواهر توريز، وفيها من المماليك العظيمة العراقان؛ عراق العرب، وعراق العجم وخراسان وكرمان وفارس وأذربيجان وآران والري والجبال وديار بكر وربيعة والجزيرة وأرمينية (٢) وكرجسان (٣) والروم (٤).
وإذا أنصفت هذه المملكة كانت قلب الدنيا على الحقيقة؛ وهذه المملكة تندرج في مطاويها عدة ملوك كلهم عبيد سلطانها كصاحب هري (٥) - وأصل اسمها حقيقة هرات - وصاحب كرمان (٦)، وصاحب كيلان (٧)، وصاحب سمنان، وصاحب مالاين، وصاحب أزرق ونحن نتكلم عن قواعد الملك بها.
أما توريز فواقعة في أذربيجان، وهي مدينة قديمة اعرقت في السعادة أنسابها، وثبتت في النعمة قواعدها.
وأما السلطانية فواقعة في عراق العجم بناها السلطان محمد خدابنده، أو ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو (٨) بناها ووسع فناها وأتقنت قسمتها في الخطط والأسواق، وجلب إليها الناس من أقطار الأرض، ومن أقطار مملكته واستجلبهم إليها بما بسط لسكانها من العدل والإحسان، وهي الآن عامرة آهلة كأَنَّما مرت عليها مئين السنين لكثرة من استوطنها، وتأهل بها وأولد من الولد فيها، وقد مضت عليها مدة يبلغ بنوها مبالغ الرجال، ومنهم من جاز إلى رتبة الاكتهال.
وأما أوجان فهي بظاهر تورير ذات مروج ممتدة وماء جم وبها قصر اتخذه أواخر ملوكهم صار معدًا لمنزل السلطان. وبنى أكابر الأمراء قصورًا لمنازلهم حوله.
فأما عامة الخواتين والأمراء والكبراء فإنَّهم يتخذون زوربًا (٩) من القصب كالحظائر ينزلون بها أيام نزولهم بأوجاب في مشاتيهم، وينصبون مع حظائرهم الخركاوات (١٠) والخيم وتمد السواق وتبقى مدة مشتاهم بها، مدينة متسعة الجوانب، فسيحة المذاهب حتى إذا إلى مصيفهم راحلين منها أحرقوا تلك الحظائر لكثرة ما
стр. 945
يتولد فيها لا يحرق من الأفاعي والحيات.
أخبرني الفاضل نظام الدين أبو الفضل يحيى بن الحكيم: أنه يُغرم على تلك الحظائر خزائن أموال، ثم يحرقونها لا يبالون بها.
وملوك هذه المملكة مشتاهم بأوجان، وفي بعض السنين ببغداد، وأما مصيفهم فبقراباغ (١) - باللغة التركية معناه البستان الأسود - وتربته سوداء، وثَمَّ قرى ممتدة؛ وهو صحيح الهواء والماء كثير المرعى؛ وإذا نزل به الأردو والأردو هو محلّة السلطان، وأخذت الأمراء به والخواتين منازلهم ينصب به مساجد جامعة وأسواق منوعة يوجد بها من كل ما في أمهات المدن الكبار حتى يكون للخياطات أسواق ومحلات، ولا مكر على أحد بل كل امرئ وما استحسن؛ وإنما الموجودات على كثرتها من الملابس والمآكل والمشارب والماعون وأجر الصنايع غالية جدًا لكلفة المحمل ومؤنة الأسفار حتى يبلغ الشيء ثمن مثله مرتين وأكثر.
وأما الكلام في توريز، فإنها مدينة غير كبيرة المقدار، والماء مساق مجلوب إليها، وبها أنواع الفواكه، ولكنها ليست بغاية من الكثرة.
وأما أهلها فمن أظهر الناس حشمة، وأكثرهم تظاهرًا بنعمة، ولهم الأموال المديدة والنعم الوافرة والنفوس الأبية للدنايا، ولهم التجمل في زيهم جميعه من المأكول والمشروب والملبوس والمركوب، وما منهم إلا من يأنف أن يذكر الدرهم في معاملته بل لا معاملة بينهم إلا بالدينار، وهو مسمّى عندهم بالرائج عندهم ستة دراهم، هو معاملة تلك المملكة إلا بغداد وبلادها وخراسان.
فأما معاملات بغداد فستأتي في مكانها.
وأما خراسان فدينارها أربعة دراهم - كما تقدم ذكره في مملكة ما وراء النهر - وفي بعضها هذا الرائج.
ولنرجع إلى ما كنا في ذكره من أمور توريز، فذكرنا أنها مدينة ليست بخارقة في الكبر، ولا لها حواضر في خارجها، وهي اليوم أم أيران جميعًا لتوجه القاصد/ من كلّ جهة إليها، وبها محط رحال التجار والسفار، وبها دور أكثر الأمراء الكبراء المصاحبين السلطانها، لقربها من أوجان؛ وهي مستقر أكثر أوقاتهم.
ويشتد البرد بتوريز كثيرًا وتتوالى الثلوج بها حتى إنه ليتخذ سروات أهلها في أدرهم أدرًا مستوية لا انفراج في سقوفها ولا في دوائرها ولا ضوء لها إلا ما تؤديه طاقات حيطانها من وراء الزجاج المركب عليها.
وأما السلطانية فأوسع بقعة وفضاء وأكثر فاكهة وماء؛ وهي مع كون بعض سلاطين
стр. 946
هذا البيت أنشأها إلمامهم بها أقل من توريز، وبها قلعة مبنية مرحلة على بسيطها، فأما الموجود بتوريز وبالسلطانية من الفواكه فمن أنواعها خلا ما لا يطلع في البلاد المفرطة البرد كالأترج والنارنج والليم والليموا والرطب والقصب والموز وما يجري هذا المجرى فإنه لا يجيء إليها إلا محمولًا من العراق؛ وهي بلاد ما للزيتون بها نبات.
فأما ما عدا هذا من الثمار والرياحين وغالب الخضروات، فإنها لا تعدم أنواعها من كثير متوسط وقليل على اختلاف الشجر والنبات والقمح والشعير والحمص والعدس والفول متوسط الوجود بها، ولو توفرت الدواعي على الفلاحة والزرع لكثرت مغلاتها وعظمت جباياتها، لكن ملوكها لا التفات لهم إلى ذلك.
فأما الأسعار بتوريز والسلطانية فمتى نزل السلطان على جهة غلت أسعارها لكثرة أتباعه والنازلين معه مع قلة الزرع في الأصل.
وأما ما لا ينزل عليه السلطان فأسعاره رخية ولا إلى الغاية ولا يباع بتوريز والسلطانية وبلادهم - يعني أهل هذه المملكة - غالبًا في الغالب قمح ولا شعير ولا شيء مما سوى هذا إلا بالميزان، وليس لهم إلا المن (١)؛، وهو بتوريز رطلان بالبغدادي فيكون زنته مائتين وستين درهمًا وبالسلطانية المن زنته ست مائة درهم، وما معاملتهم - فكما تقدم - بالدينار الرائج.
سألت الفاضل نظام الدين أبا الفضل يحيى بن الحكيم عن السعر المتوسط في توريز والسلطانية؟ فقال: أما مع نزول السلطان فغلا حيث كان، وأما مع عدم نزوله فلا يكاد يتفاوت يباع الخبز كل منين بسدس الدينار وهو درهم واحد، وهكذا الشعير إذا رخص قليلًا.
وأما في السلطانية فعلى نسبة هذا السعر، وأما ما يباع بالأردو فأغلى لتكلف حمولته، وأما اللحم في الكل فكثير جدًا.
ومما لابد من ذكره في هذه المملكة مدينة بغداد دار السلام ومدار الإسلام؛ لأنه مما لا يجوز إهمال ذكرها وإخلاء هذا الكتاب من شيء من حالها؛ فإنَّها وإن لم تكن اليوم كرسي ملك؛ فإنها كرسي ملك الوجود.
وقد تقدم القول: إن أبا جعفر المنصور (٢) بناها وهي جنبان على ضفتي دجلة شرقي
стр. 947
وغربي كل منهما مدينة كبيرة عظيمة غنية بنفسها عن الأخرى إحداهما بناء المنصور، والأخرى بناها المهدي (١) موضع معسكره وبينهما جسران منصوبان أحدهما يعرف بالعتيق، والثاني بالجديد، وهما منصوبان على دجلة شرقًا بغرب على سفن وزواريق أوقفت في الماء ومدت بينها السلاسل الحديد المكعبة بالكعاب الثقال وفوقها الخشب الممدد، وعليها التراب مغدف بالقير (٢) يمر عليها أهل كل جانب إلى الآخر بالجمال والخيل والحمول.
стр. 948
وعلى ضفتي دجلة قصور الخلافة والمدارس والأبنية العلية بالشبابيك والطاقات (١) المطلة على دجلة، وبناؤها بالآجر - وهو المسمّى بمصر بالطوب - ومن بيوتها ما هو مفروش بالطوب، وما هو مفروش بالقير. ولهم الصنائع العجيبة في التزويق بالطوب وبها تتلاقى دجلة والفرات وبها البساتين المونقة والحدائق المحدقة.
وأما النخيل فلثمراتها فضل على ما سواها من أنواع منوعة من التمر والرطب، وبها أنواع الرياحين والخضروات والغلات وسعرها متوسط في الغالب لا يكاد يرخص.
وبها ديناران أحدهما يسمى العوال عنه اثني عشر درهمًا، الدرهم بقيراط، وجنين وذلك الدينار عشرون قيراطًا، كل قيراط ثلاث حبات، كل حبة أربع فلوس نقره (٢) عن كل فلس فلسان أحمران.
والثاني الدينار المرسل وبه أكثر مبايعتهم ومعاملات تجارهم عنه عشرة دراهم.
فأما الرطل البغدادي فوزنه مائة وثلاثون درهمًا، والمن بها مثله من توريز وهو رطلان بالتوراني.
وأما كيل الغلال بها فأكثرها الكز (٣) وهو ثلاثون كارة، كل كارة (٤) قفيزان (٥)، فيكون الكرستون قفيزان والقفيز مكوكان (٦)، والمكوك خمس عشر أق (٧).
وتختلف الكارة في الغلال والقمح والهرطبان وهو كارة كل منهما مائتان وأربعون رطلًا، وكارة الأرز ثلاث مائة رطل، وكارة كل من الشعير والحمص والعدس والهرطبان مائتا رطل، وكارة الحبة السوداء المسمّاة بالشونيز مائة رطل.
قال الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم: أنَّ القانون ببغداد إن كر القمح تسعة وثلاثون دينارًا ونصف دينار، والشعير خمسة عشر دينارًا كلاهما من العوال.
قال: ولعل هذا هو السعر المتوسط لا يكاد يميل فيه القانون عن معدله، وأما إذا كان المشتى ببغداد فناهيك بقلة الأقوات والغلاء الزائد. وإذا شتى السلطان ببغداد
стр. 949
فناهيك بقلة الأقوات، نزل بدار تعرف بالجاثيلق (١) من أدر الخلافة هي الآن باقية البناء تامة البهجة صالحة المنازل للملوك.
قال قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري: إنها ليست من ديار الخلفاء بل هي دار الدوادار (٢) الكبير، وكان قد نزلها الجاثليق في زمان هولاكو. وكان معظمًا عنده لمكانه من قطر خاتون زوجة هولاكو (٣).
ولقد سألت الصدر مجد الدين بن الدوري عن السبب في قلة الغلال ببلاد العراق مع امتداد سوادها وقبول أرضها للنبات؟ فقال: لهذا سببان! قلة الزرع لما استهلكه القتل زمان هولاكو وميرة العراق لما جاوره من البلاد.
وببغداد خاصة، وهذه المملكة عامة الآثار الجميلة والآثار الباقية من الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق (٤) والربط والبيمارستانات (٥) والصدقات الجارية ووجوه البر المتعددة، ومن يوفي صفات محاسن العراق، وقد كانت قبلة ملوك الآفاق وما بالعهد من قدم، ومنها قلائد الأعناق، وترابها لمى القبل وإثمد الأحداق.
وسألت الفاضل نظام الدين أبا الفضل يحيى بن الحكيم: إن كانت الأوقاف باقية في نواحي هذه المملكة عليها الآن أم تناولتها أيدي العدوان فأخبرني بأنها جميعها جارية في مجاريها لم يتعرَّض إليها متعرّض لا في دولة هولاكو ولا فيما بعدها، بل كل وقف بيد متوليه ومن له الولاية عليه؛ وكل ما يقال من نقص أحوال الأوقاف بالإيران جميعًا هو من سوء ولاة أمورها لا من سواهم.
وحدثني هذا الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري بكثير من أحوال هذه المملكة وقواعد ملوكها وترتيب جنودها وجيوشها؛ فمما حدثني: أن السلاطين بها لا التفات لهم إلى أمر ولا نهي في البلاد ولا في متحصلات الدخل والخرج فيها، بل الوزير هو حامل هذه الأعباء، وله التصرف المطلق في الولاية والعزل والعطاء والمنع لا يشاور السلطان إلا على ما جلّ من المهمات فيما قلّ من الأمور كلها وبيده عقدها وحلّها.
стр. 950
فأما أمر الجيوش والعساكر فإلى كبير أمراء الألوس؛ وهو المسمى بكلاري بك أي أمير الأمراء - كما كان قطلوشاه (١) مع السلطانين محمود غازان وأخيه محمد خدابنده، وجوبان مع محمد خدابنده، ثم بعده مع ولده السلطان أبو سعيد بهادرخان.
وهذا القائم الآن الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا (٢) مع السلطان محمد بن طشتمر بن اسنتمر بن عبرجي (٣).
وأمراء الألوس أربعة: بكلاري بك وثلاثة آخرون، ويسمى هؤلاء الأربعة أمراء القول، ويشترط أن يكون هؤلاء هم الذين تكتب أسماؤهم في اليراليغ (٤) والفرمانات (٥) بعد اسم السلطان ثم اسم الوزير بعدهم ولا يتوقف في كتابه .. اسم من الأسماء ممن هو غائب منهم عن الأردو، بل تكتب أسماؤهم كلهم حضر منهم من حضر، وغاب من غاب، وكل ذي سيف لا يخرج أمره عن القائم بهذه الوظيفة التي هي إمرة أمراء الألوس، وكل ذي قلم ومنصب شرعي لا يخرج عن الوزير.
وطبقات الأمراء أعلاها النوين (٦) وهو أمير عشرة آلاف، ثم أمير ألف، ثم أمير مائة، ثم أمير عشرة. هذه طبقات رتبهم لا نقص فيها ولا مزيد عليها.
وعامة العسكر لا تزال أسماؤهم في دواوينهم على الأفراد، بل كل طائفة عليهم في الديوان فارس معين إذا رسم له بالركوب ركب منهم العدة المطلوبة.
وسألت الفاضل أبا الفضائل يحيى بن الحكيم عن مقدار عدة الجيش؟ فقال: أما المنزل في دواوينهم فما يبلغ عشرين تومانًا (٧)، وأما إذا أرادوا ركبوا بثلاثين تومانًا وما يزيد عليها، وهم اليوم في انبتات شمل، وشتات آراء لا يلتئم لهم جمع ولا يضمهم وفاق.
قلتُ له: فكم مقدار ما لهؤلاء من الأرزاق، فقال: أما ما هو مستقر لهم في دواوينهم من زمان هولاكو فلا يرضى أحدهم من كبارهم به ولا بأضعافه مرات.