← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

وفي سنة ثلاثين: عاد (١) ابن البريدي، واستولى على بغداد، وهرب ابن رائق والخليفة المتقي إلى الموصل، ونهب البريدي بغداد وحصل منه من الظلم والجور والعسف ما لا زيادة عليه. ولما وصل ابن رائق إلى تكريت هو والخليفة كاتبا ناصر الدولة (٢) بن حمدان يستمدّانه، وقدما الموصل، فخرج عنها ناصر الدولة إلى الجانب الآخر، فأرسل المتقي إليه ابنه أبا منصور وابن رائق، فأكرمهما ناصر الدولة، ونثر على ابن الخليفة دنانير، ولما أراد الانصراف أمر ناصر الدولة أصحابه بقتل ابن رائق، فقتلوه، ثم سار إلى المتقي، فخلع عليه وجعله أمير الأمراء، وذلك في مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبي الحسن علي ولقبه (٣) سيف الدولة، وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لتسع بقين من رجب. ولما بلغ الإخشيد صاحب مصر قتل ابن رائق سار إلى دمشق واستولى عليها. ثم سار المتقي وناصر الدولة إلى بغداد فهرب البريدي، ونهب الناس بعضهم بعضًا ببغداد، وكان مقام البريدي ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يومًا، ودخل المتقي إلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة في شوال من هذه السنة. ولما بلغ ناصر الدولة بغداد أمر بإصلاح الدنانير، وكان الدينار بعشرة دراهم، فبيع الدينار بثلاثة عشر درهمًا. وفيها (٤): مات أبو بكر محمد بن عبد الله المحاملي (٥)، الفقيه الشافعي، ومولده سنة خمس وثلاثين ومائتين. وفيها (٦): توفي أبو الحسن علي (٧) بن إسماعيل بن أبي يسر الأشعري.

стр. 8857

وكان مولده سنة ستين ومائتين ببغداد، ودفن بمشرعة الروايا، ثم طمس قبره خوفًا عليه (لئلا تنبشه) (١) الحنابلة وتحرقه، فإنهم عزموا على ذلك مرارًا عديدة ويردهم السلطان عنه. وهو من ولد أبي موسى الأشعري واشتغل بعلم الكلام على مذهب المعتزلة زمانًا طويلًا، ثم خالف المعتزلة والمشبهة فكانت مقالته متوسطة، وناظر أبا علي الجبائي في وجوب الأصلح على الله، فأثبته الجبائي على قواعد مذهبه، فقال الأشعري: ما تقول في ثلاثة صبية اخترم الله أحدهم قبل البلوغ وآمن الآخر وكفر الآخر، ما العلة في اخترام الصغير؟ فقال الجبائي: إنما اخترمه؛ لأنه علم أنه لو بلغ لكفر، فكان اخترامه أصلح له. فقال له الأشعري: فقد أحيا أحدهما فكفر، فقال الجبائي: إنما أحياه ليعرضه لإعلاء المراتب، فقال الأشعري: فلم لا أحيا الذي اخترمه ليعرضه لإعلاء المراتب؟ فقال الجبائي: وسوست. فقال الأشعري: ما وسوستُ ولكن وقف حمار الشيخ على القنطرة، يعني أنه انقطع. ثم أظهر الأشعري مذهبه وقرره وصارت مقالته أظهر المقالات حتى طبق الأرض ذكرها، ومعظم الحنابلة يحكمون بكفره ويستبيحون دمه ودم من يقول بقوله، وذلك لجهلهم، وكان أبو علي الجبائي زوج أم أبي الحسن الأشعري. سنة إحدى وثلاثين إلى خمس وثلاثين وثلثمائة في سنة إحدى وثلاثين: سار (٢) ناصر الدولة عن بغداد إلى الموصل. وثارت الديلم ونهبت داره، وكان أخوه سيف الدولة بواسط فثارت عليه الأتراك الذين معه، وكبسوه (ليلًا) (٣) في شعبان فهرب إلى أخيه ناصر الدولة ولحق به، ثم قدم سيف الدولة إلى بغداد، وطلب من المتقي مالًا ليفرقه في العسكر، ويمنع تورون (٤) والأتراك من دخول بغداد، فأنفذ له المتقي أربع مائة ألف دينار، ففرّقها في أصحابه، ولما وصل تورون إلى بغداد هرب سيف الدولة عنها، ودخل تورون بغداد في الخامس والعشرين من رمضان هذه السنة، فخلع المتقي عليه، وجعله أمير جميع الأمراء، وبقي

стр. 8858

المتقي خائفًا منه، وتورون بتاء مثناة من فوقها مضمومة وواو ساكنة وراء مهملة مضمومة وواو ثم نون. وفيها (١): توفي نصر بن أحمد الساماني صاحب خراسان وما وراء النهر، وكان مرضه السل، فبقي مريضًا ثلاثة عشر شهرًا، وكانت ولايته ثلاثين سنة وشهرًا، وعمره ثمانيًا وثلاثين سنة، وكان حليمًا كريمًا، ولما مات ولي بعده ابنه نوح، وبايعه الناس، وحلفوا له في شعبان، واستقر ملكه على خراسان وما وراء النهر. وفيها (٢): أرسل ملك الروم يطلب من المتقي منديلًا، زعم أن المسيح مسح به وَجْهَهُ، فصار صورة وجهه فيه، وأن هذا المنديل في بيعة الرها، وإنه إن أرسله أطلق عددًا كبيرًا من أسارى المسلمين، فأحضر المتقي القضاة والفقهاء واستفتاهم في ذلك، فاختلفوا، فقال بعضهم: دفعه إليهم وإطلاق الأسارى أولى، وقال بعضهم: إن هذا المنديل لم يزل في بلاد الإسلام، ولم يطلبه ملك منهم، ففي دفعه إليهم غضاضة، وكان في الجماعة علي بن موسى الوزير فقال: إن خلاص المسلمين من الأسر أولى من حفظ هذا المنديل، فأمر الخليفة بدفعه إليهم وأرسل من يتسلم الأسرى، فأطلقوا. وفيها (٣): توفي محمد بن إسماعيل الفرغاني الصوفي أستاذ أبي بكر الدقاق. وفيها (٤): مات سنان بن ثابت بن قرة بعلة الذرب، وكان حاذقًا بالطب ولم يغن عنه. وفي سنة اثنتين وثلاثين: سار (٥) المتقي عن بغداد خوفًا من تورون وابن شيرزاد إلى جهة الموصل (٦)، فلما وصل إلى تكريت خرج بنو حمدان إلى لقائه، وساروا معه إلى الرقة، وأقاموا بها، ثم (٧) ظهر للخليفة تضجر بني حمدان منه، وإيثارهم مفارقته، فكتب إلى تورون يسأله الصلح ليقدم (إلى) (٨) بغداد.

стр. 8859

وفيها (١): خرجت طائفة من الروس في البحر، وطلعوا منه في نهر الكر فانتهوا إلى مدينة بردعة (٢) فاستولوا عليها، وقتلوا ونهبوا، ثم عادوا إلى المراكب في بلادهم. وفيها (٣): مات أبو طاهر القرمطي بالجدري. وفيها (٤): كان ببغداد غلاء عظيم. وفيها (٥): استعمل ناصر الدولة بن حمدان محمد بن علي بن مقاتل على قنسرين والعواصم ثم استعمل بعده ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان. وفي سنة ثلاث وثلاثين: كتب (٦) المتقي إلى الإخشيد صاحب مصر يشكو إليه حاله، فسار الإخشيد من مصر إلى الرقة واجتمع به، وحمل إليه هدايا عظيمة، واجتهد به أن يسير معه إلى مصر ليكون بين يديه فلم يفعل، ثم أشار عليه بالمقام في الرقة وخوفه من تورون فلم يفعل، وكان قد أرسل المتقي إلى تورون في الصلح كما ذكرنا، فحلف تورون للمتقي على ما أراده، فانحدر المتقي لأربع خَلَوْنَ من المحرّم إلى بغداد، وعاد الإخشيد إلى مصر، ولما وصل المتقي إلى هيت أرسل فجدّد اليمين على تورون، فحلف وسار تورون من بغداد لملتقى الخليفة، فالتقاه بالسندية، وقبل الأرض بين يديه، وضرب له مضرب، فأنزله فيه وضُرب بالدبادب على باب المضرب (٧)، وسمل عين المتقي فأعماه، وانحدر به إلى بغداد وهو أعمى، وكانت خلافته ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يومًا، وأمه (٨) اسمها خلوب.

стр. 8860

خلافة المستكفي بالله أبي القاسم عبد الله ابن المكتفي، ثاني عشرين بني العباس (١) ولما قبض تورون على المتقي بايع المستكفي بالله، وأحضره غلى السندية وبايعه عامة الناس. وبايعه المتقي أيضًا كرهًا. وكانت بيعته يوم خلع المتقي في صفر هذه السنة. وفيها (٢): اشتدت شوكة أبي يزيد الخارجي بالقيروان، وهزم الجيوش. وهو من زناتة (٣)، واسم أبيه كنداد من بلاد توزر من أعمال قسطيلية، فولد أبو يزيد بتوزر من جارية سوداء (٤)، وانتشأ أبو يزيد في توزر، وتعلم القرآن وسار إلى تاهرت، وصار على مذهب النكارية، وهو تكفير أهل الملة واستباحة أموالهم ودمائهم، ودعا أهل تلك البلاد فأطاعوه، فحصر قسطيلية في هذه السنة، وكان قصيرًا قبيح الصورة، يلبس جبّة صوف، ثم فتح تبسة (٥) ثم سبتيّة (٦)، وقتل عاملها، ثم فتح الإربس (٧)، فأخرج القائم جيوشًا لحفظ رقادة، ثم سار أبو يزيد إلى القائم (٨)، فجهز إليه القائم جيوشًا انهزمت بين يدي أبي يزيد، وسار أبو يزيد، وحصر القائم في المهدية في جمادى الأولى من هذه السنة، وضايقها وغلا بها السعر، ودام محاصرها حتى خرجت هذه السنة، ثم رحل عن المهدية في صفر سنة أربع وثلاثين، وسار إلى القيروان

стр. 8861

وتوفي القائم وتملك ابنه المنصور إسماعيل على ما نذكره فجهز المنصور عساكره وهو مقدمهم إلى القيروان. واستعادها من أبي يزيد وذلك سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، ودام حالهم على القتال إلى سنة خمس وثلاثين فأدرك أبا يزيد على مدينة باغاية (١)، فهرب أبو يزيد إلى طَبْنَة (٢)، ثم هرب إلى جبل البربر، اسم ذلك الجبل برزال (٣)، والمنصور في أثره، واشتد على عسكر المنصور الحال حتى بَلَغَتِ العليقة الشعير دينارًا ونصفًا، وبَلَغَتْ قربة الماء دينارًا، فرجع المنصور إلى بلاد صنهاجة ووصل إلى قرية عمره. واتصل هنالك بالمنصور العلوي الأمير زيري (٤) الصنهاجي، وهو جد ملوك بني باديس على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فأكرمه المنصور، ومرض المنصور هناك مرضًا شديدًا، ثم تعافى ورحل إلى المسيلة (٥) ثاني رجب سنة خمس وثلاثين، وكان قد اجتمع إلى أبي يزيد جمع من البربر، وسبق المنصور إلى مسيلة، فلما وصلها هرب عنها أبو يزيد إلى جهة بلاد السودان، ثم صعد أبو يزيد إلى جبال كتامة، فسار المنصور عاشر شعبان إليه، واقتتلوا فقتل غالب جماعة أبي يزيد، وانهزم، فسار المنصور في أثره أول شهر رمضان، واقتتلوا أيضًا، وانهزم أبو يزيد إلى قلعة كتامة وهي ممتنعة، فحاصرها المنصور، وداوم الزحف عليها، ثم ملكها المنصور عنوة، وهرب أبو يزيد من القلعة من مكان وعر، فسقط، وأخذ وحمل إلى المنصور، فسجد شكرًا لله تعالى وكثر تكبير الناس وتهليلهم، وبقي أبو يزيد في الأسر مجروحًا، فمات في سلخ محرم سنة ست وثلاثين وثلثمائة فسلخ جلده، وحشي تبنًا، وكتب المنصور إلى سائر البلاد بقتل أبي يزيد، وعاد إلى المهدية فدخلها في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وثلثمائة (٦).

стр. 8862

وفيها (١): نقل المستكفي القاهر من دار الخلافة إلى دار أبي طاهر، وكان قد بلغ بالقاهر الضرّ والفقر إلى أن بقي ملتفًا بجبّة قطن وفي رجله قبقاب خشب. وفيها (٢): لما سار المتقي عن الرقة إلى بغداد، وسار الإخشيد إلى مصر سار سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إلى حلب وبها يأنس المؤنسي، فأخذها منه واستولى عليها، وسار إلى حمص فاستولى عليها، وسار إلى دمشق وحصرها، ثم رحل عنها، وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام بسبب قصد سيف الدولة دمشق وسار إليه والتقيا بقنسرين، ولم يظفر أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلما رجع الإخشيد إلى دمشق، عاد سيف الدولة إلى حلب فملكها، فلما ملكها سار ملك الروم حتى قارب حلب، فخرج إليه سيف الدولة وأوقع به وبأصحابه. وفي سنة أربع وثلاثين: في (٣) المحرم مات توزون ببغداد، وكانت إمارته سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يومًا. ولما مات عقد الأجناد لابن شيرزاد الأمرة عليهم، وكان بهيت، فحضر إلى بغداد من مستهل صفر، وأرسل إلى المستكفي واستحلفه فحلف له بحضرة القضاة، وولاه إمرة الأمراء، وكان معز الدولة (٤) في الأهواز، فلما مات توزون سار إلى بغداد، فلما قرب منها اختفى المكتفي وابن شيرزاد، وكانت إمارته ثلاثة أشهر وأيامًا، وقدم الحسن بن محمد المهلبي (٥) صاحب معز الدولة فلما قرب منها سارت الأتراك عنها إلى جهة الموصل، فظهر المستكفي، واجتمع بالمهلبي وأظهر السرور بقدوم معز الدولة، وأعلمه أنه إنما استتر خوفًا من الأتراك، فلما ساروا (عن بغداد) (٦) ظهر، (ثم وصل) (٧) معز الدولة إلى بغداد ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة، واجتمع

стр. 8863

بالمستكفي وبايعه، وحَلَفَ له المستكفي وخلع عليه ولقبه ذلك اليوم بمعز الدولة وأمر أن تضرب ألقاب بني بويه على الدنانير والدراهم، ورتب معز الدولة للمستكفي كل يوم خمسة آلاف درهم يتسلمها كاتبه لنفقاته. وفي هذه السنة: خُلع (١) المستكفي لثمان بقين من جمادى الآخرة. وصورة خلعه أن معز الدولة وعسكره حضروا إلى دار الخلافة بسبب وصول (رسول) (٢) صاحب خراسان، وأجلس الخليفة معز الدولة على كرسي، ثم حضر رجلان من نقباء الديلم وتناولا يد المستكفي، فظن أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه عن سريره، وجعلا عمامته في عنقه، ونهض معز الدولة، واضطرب الناس، وساقا المستكفي ماشيًا إلى دار معز الدولة، فاعتقل بها، ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء. وكانت (٣) مدة خلافة المستكفي سنة وأربعة (٤) أشهر، ولما بويع المطيع سلّم إليه المستكفي فَسَمَلَهُ وأعماه، وبقي محبوسًا إلى أن مات. وأمه أم ولد اسمها غُصْن. خلافة المطيع الله الفضل ثالث عشرين بني العباس (٥) وبويع يوم الخميس ثاني عشرين جمادى الآخرة من هذه السنة، وازداد أمر الخلافة إدبارًا، ولم يبق لهم من الأمر شيء، وتسلّم نواب معز الدولة العراق بأسره، ولم يبق في يد الخليفة غير ما أقطعه معزّ الدولة مما لا يقوم (٦) ببعض حاجته. وفيها (٧): سار ناصر الدولة إلى بغداد، وأرسل معز الدولة عسكرًا لقتاله فلم يقدروا على دفعه، وسار من سامراء عاشر رمضان إلى بغداد، وأخذ معز الدولة المطيع معه، وسار إلى تكريت فنهبها لأنها لناصر الدولة، وعاد معز الدولة بالخليفة إلى بغداد،

стр. 8864

وَنَزَلَ الجانب الغربي، ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب تلك الأيام للمطيع ببغداد، وجرى بينهم ببغداد قتال كثير آخره أن ناصر الدولة وعسكره انهزموا واستولى معز الدولة على بغداد، وأعيد الخليفة إلى مكانه في المحرم سنة خمس وثلاثين، واستقر معز الدولة ببغداد وناصر الدولة بعكبرا، ثم سار ناصر الدولة إلى الموصل، وجرى الصلح بينه وبين معز الدولة في المحرم من سنة خمس وثلاثين (١). وفي هذه السنة (٢): توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن المهدي عبيد الله صاحب المغرب لثلاث عشرة مضت من شوّال، وقام بالأمر بعده ابنه إسماعيل ويلقب بالمنصور بالله وكتم موت القائم خوفًا من أبي يزيد الخارجي، واستمر كتمان ذلك حتى فرغ المنصور من أبي يزيد على ما قدمنا ذكره، ثم اتسم بالخلافة. وفيها (٣): مات الإخشيد محمد بن طغج بدمشق، وكان قد سار إليها من مصر وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد، وكان قبل مسيره من مصر قد وجد بداره رقعة فيها مكتوب: قدرٌ تَمَّ فأسأتم، وملكتم فَبَخِلْتُم، ووسّع عليكم فضيقْتُم، وأدرت لكم الأرزاق فقنطتم أرزاق العباد واغتررتم بصفو أيامكم ولم تتفكروا في عواقبكم، واشتغلتم بالشهوات واغتنام اللذات وتهاونتم بسهام الأسحار وهنَّ صائبات ولا سيما إن خرجت من قلوب قرحتموها، وأجساد أغريتموها، وأكباد أجعتموها، ولو تأملتم في هذا حق التأمل لانتبهتم، أو ما علمتم أن الدنيا لو بقيت للعاقل ما وصل إليها الجاهل، ولو دامت لمن مضى ما نالها من بقى. فكفى بصحبة ملك يكون في زوال ملكه فرح للعالم. ومن المحال أن يموت المنتظرون كلّهم حتى لا يبقى منهم أحد، ويبقى المنتظر به، افعلوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون وثقوا بقدرتكم وسلطانكم، فإنا بالله واثقون، وهو حسبنا ونعم الوكيل. فبقي الإخشيد بعد سماع هذه الرقعة في فكر، وسافر إلى دمشق ومات وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم أنوجور، وتفسيره محمود، واستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم الإخشيد، وكان أنوجور صغيرًا، وسار كافور بعد موت الإخشيد إلى مصر، فسار سيف الدولة إلى دمشق (٤) وملكها، وأقام بها، واتفق أن سيف الدولة

стр. 8865

ركب يومًا، والشريف العقيقي معه فقال سيف الدولة (١): ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد، فقال له العقيقي: هي لأقوام كثير، فقال سيف الدولة: لو أخَذَتْها القوانين السلطانية تبرؤا منها، فأعلم العقيقي أهل دمشق ذلك، فكاتبوا كافور الإخشيدي بذلك، فجاءهم وأخرج سيف الدولة عنهم، ثم استقر سيف الدولة بحلب، ورجع كافور إلى مصر وولى بدر الإخشيدي (٢)، فأقام بها سنة. ثم وليها أبو المظفر بن طغج. وفيها (٣): اشتد الغلاء ببغداد، حتى وُجِدَ مع إنسان صبي قد شواه ليأكله، وكثر في الناس الموت. وفيها (٤): توفي علي بن عيسى بن الجراح الوزير وكان له تسعون سنة. وفيها (٥): توفي عمر بن الحسين الخرقي (٦)، الحنبلي، وأبو بكر الشبلي (٧) الصوفي، وكان أبوه حاجبًا للموفق طلحة، ثم صار ابنه حاجبًا، ثم تاب وصحب الفقراء حتى صار أوْحَدَ زمانه في الدين والورع، وكان مالكيًا حفظ الموطأ، وقرأ كتب الحديث وقال الجنيد عنه: لكل قوم تاج، وتاج القوم الشبلي. وفي سنة خمس وثلاثين: توفي (٨) أبو بكر الصولي (٩). وكان عارفًا بفنون الآداب والأخبار. روى عن أبي

стр. 8866

العباس ثعلب وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره، وللصولي التصانيف المشهورة. سنة ست وثلاثين إلى أربعين وثلاثمائة في سنة ست وثلاثين: عقد (١) المنصور العلوي ولاية جزيرة صقلية للحسن بن علي بن أبي الحسن الكلبي (٢) (من تاريخ جزيرة صقلية تأليف صاحب تاريخ القيروان) واستمر الحسن بن علي يغزو ويفتح في جزيرة صقلية حتى مات المنصور وتولّى المعز (٣)، فاستخلف الحسن على صقلية ولده أبا الحسن، وكانت ولاية الحسن على صقلية خمس سنين وشهرين، وسار الحسن عن صقلية إلى إفريقية سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة، ولما وصل الحسن إلى إفريقية، كتب المعز بولاية ابنه أحمد بن الحسن على صقلية، فاستقر أحمد واليًا عليها سنة سبع وأربعين وثلثمائة، وفي سنة إحدى وخمسين وثلثمائة ورد كتاب المعز على أحمد بصقلية يأمره فيه بإحصاء أطفال الجزيرة وأن يختنهم ويكسوهم، في اليوم الذي يختن المعز ولده، فكتب أحمد خمسة (عشر) (٤) ألف طفل، وابتدأ أحمد فختن ولده وإخوانه مستهل ربيع الأول من هذه السنة، ثم ختن الخاص والعام، وخلع عليهم، ووصل من المعز مائة ألف درهم وخمسون حملًا من الصلات ففرقت في المختونين. وفي سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة: أرسل أحمد بسبي طبرمين (٥) بعد فتحها إلى المعز، وجملته ألف وسبعائة ونيف وسبعون رأسًا. وفي سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة جهز (٦) المعزّ أسطولًا عظيمًا فوصل إلى صقلية واجتمعت الروم بها، وجرى قتال عظيم نصر الله فيه المسلمين، وقُتل من الكفار عشرة آلاف نفس، وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم، فكان في جملة ذلك

стр. 8867

سيف منقوش عليه هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالًا طالما ضُرب به بين يدي النبي، فوصل ذلك كله إلى المعز. وفي آخر سنة ثمان وخمسين وثلثمائة: استقدم الأمير أحمد من صقلية وسار منها بأهله وماله وولده، وكانت إمارته بها ست عشرة سنة وتسعة أشهر. ولما سار أحمد من جزيرة صقلية استخلف عليها يعيش مولى أبيه الحسن بن علي، فلما وصل أحمد إلى إفريقية أرسل المعز إلى الجزيرة أبا القاسم علي بن الحسن أخا الأمير أحمد وولاه الجزيرة نيابةً عن أخيه أحمد، فوصل أبو القاسم إلى صقلية في نصف شعبان سنة تسع وخمسين وثلثمائة. وفيها: قدم (١) المعزّ الأمير أحمد على الأسطول فأرسله إلى مصر، فلما وصل إلى طرابلس مات بها سنة ستين، فأرسل المعز إلى أبي القاسم سجلًا باستقلاله على صقلية، ويعزيه في أخيه أحمد. وفي سنة ست وستين: غزا الأمير أبو القاسم، وعدى إلى الأرض الكبيرة، فرأى عسكره قد أكثروا من البقر والغنم، فقال: قد أثقلتم وهذا يعيقنا عن الغزو وأمر بذبحها وتفريقها، فسميت تلك (٢) المرحلة مناخ البقر إلى الآن. فشنّت غاراته في الأرض الكبيرة، وأخرب فيها مدنًا، ثم عاد إلى صقلية مؤيّدًا، واستمر أبو القاسم يغزو إلى سنة اثنتين وسبعين، فجرى بينه وبين الإفرنج قتال استشهد فيه، ولذلك يعرف بالشهيد، وكان مقتله في المحرم من السنة المذكورة، ومدة ولايته على صقلية اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وأيامًا. ولما استشهد تولى الأمر بعده ابنه جابر بغير ولاية من الخليفة وكان سييء التدبير. وفي سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة: وصل إلى صقلية جعفر بن محمد بن الحسن بن علي أميرًا عليها من قبل العزيز خليفة مصر، فاغتم جابر، وكان جعفر المذكور مواظبًا للعزيز وقريبًا إليه جدًا، وكان للعزيز وزير يقال له: ابن كلس، فغار من جعفر، فلما استشهد أبو القاسم أشار ابن كلس بتولية جعفر فأرسله العزيز إليها، فسار إلى صقلية وهو كاره لذلك، وبقي جعفر واليًا على صقلية حتى مات سنة خمس وسبعين وثلثمائة، فولى أخوه عبد الله بن محمد وبقي حتى توفي سنة تسع وسبعين فتولى بعده ولده أبو الفتوح يوسف بن عبد الله،

стр. 8868

وأحسن يوسف السيرة وبقي على ولايته. ومات العزيز خليفة مصر، وتولى الحاكم واستوزر ابن عم يوسف المذكور وهو حسن بن عمار بن علي وبقي حسن وزيرًا بمصر وابن عمه أميرًا بصقلية. وفي سنة ثمان وثمانين وثلثمائة: أصاب أبا الفتوح فالج فعطب جانبه الأيسر، فتولى في حياته ولده جعفر، وأتاه سجل من الحاكم بالولاية، ولقبه تاج الدولة، فبقي مدة ثم أحدث على أهل صقلية مظالم فخرجوا عن طاعته وحصروه في القصر، فخرج إليهم والده يوسف وهو مفلوج في محفّة، ورد الناس وشرط لهم عزل جعفر، فعزله وولى مكانه أخاه تأييد الدولة أحمد الأكحل بن يوسف، وانعزل جعفر، وتولى الأكحل في المحرم سنة عشر وأربعمائة، وبقي الأكحل حتى خرج عليه أهل صقلية وقتلوه في سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ولما قتلوا الأكحل ولوا أخاه صمصام الدولة الحسن فجرى في أيامه اختلاف بين أهل الجزيرة، وتغلّب الخوارج عليه حتى صارت للفرنج على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي سنة سبع وثلاثين وثلثمائة: ملك (١) معز الدولة الموصل، وسار عنها ناصر الدولة إلى نصيبين، ثم جاءت الأخبار بحركة عسكر خراسان على بلاد معز الدولة (٢)، فرحل عن الموصل وعاد إليها ناصر الدولة. وفي سنة ثمان: مات (٣) عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بشيراز في جمادى الآخرة وكانت علته قرحة في كلاه طالت به، ولم يكن له ولد ذكر، فلما أحس بالموت أرسل إلى أخيه ركن الدولة يطلب منه ابنه عضد الدولة فناخسرو ليجعله عماد الدولة ولي عهده ووارث مملكته بفارس، وكان ذلك قبل موته بسنة. ووصل عضد الدولة إلى عمه عماد الدولة فولاه بفارس، واختلف عليه عسكره، فسار أبوه ركن الدولة من الري إليه، وقرر قواعد عضد الدولة. ولما وصل ركن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه عماد الدولة باصطخر. فمشى إليه حافيًا حاسرًا ومعه العساكر على تلك الحال، ولزم القبر ثلاثة أيام حتى سأله القواد الرجوع إلى المدينة، فرجع إليها، وكان عماد الدولة في

стр. 8869

حياته هو أمير الأمراء، فلما مات صار ركن الدولة، وكان معز الدولة في العراق كالنائب عنها. وفيها (١): مات المستكفي المخلوع وهو في الحبس أعمى. وفي سنة تسع وثلاثين: غزا (٢) سيف الدلة الروم، فأوغل وغنم وقتل فلما عاد أَخَذَتِ الروم عليه المضايق، فهلك غالب عسكره ونجا سيف الدولة بنفسه في عددٍ يسير. وفيها (٣): مات وزير معز الدولة محمد الصيمري، واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن المهلبي. وفيها (٤): أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وكان قد أخذوه سنة سبع عشرة وثلثمائة، فكان لبثه عندهم اثنتين وعشرين سنة. وفيها (٥): توفي أبو نصر محمد بن طرخان الفارابي الفيلسوف، وكان رجلًا ذكيًا، ولد بفاراب التي تسمى هذا الزمان أطرار بضم الهمزة وسكون الطاء المهملة وبين الرائين المهملتين ألف. وهي من المدن العظام. سافر الفارابي من بلده حتى وصل بغداد وهو يعرف اللسان التركي وعدّة لغات، فشرع في اللسان العربي، فتعلمه وأتقنه، ثم اشتغل بعلوم الحكمة على أبي بشر متى بن يونس الحكيم المشهور في المنطق، وأقام الفارابي على ذلك برهة ثم ارتحل إلى مدينة حران، واشتغل بها على أبي حيا الحكيم النصراني، ثم قفل إلى بغداد وقد أتقن علم الفلسفة، وحلّ كتب أرسطو، وأتقن علم الموسيقى، وألف ببغداد غالب تصانيفه، ثم سافر إلى دمشق، ولم يقم بها، ثم إلى مصر، ثم عاد إلى دمشق وأقام بها في أيام ملك سيف الدولة بن حمدان فأحسن إليه، وكان على زي الأتراك، لم يغيّر ذلك. وحضر يومًا إلى سيف الدولة بدمشق بحضرة فضلائها فما زال كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الجميع. ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، وكان الفارابي منفردًا بنفسه لا يجالس الناس، وكان مدة إقامته بدمشق

стр. 8870

لا يكون إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض، وكان أزهد الناس في الدنيا. وأجرى عليه سيف الدولة كل يوم أربعة دراهم. فاقتصر عليها ولم يزل مقيمًا بدمشق إلى أن توفي فيها وقد ناهز ثمانين سنة، ودفن خارج باب الصغير. وفيها (١): مات الزجاجي النحوي، وهو أبو القاسم عبد الرحمن (٢) بن إسحاق صحب إبراهيم بن السري الزجاج (٣) فنسب إليه، وكان إمام وقته، وصنف كتاب الجمل في النحو. وفي سنة أربعين وثلثمائة: توفي (٤) عبد الله (٥) بن الحسين الكرخي الفقيه المشهور الحنفي المعتزلي وكان عابدًا، ومولده سنة ستين ومائتين. سنة إحدى وأربعين إلى خمس وأربعين وثلثمائة في سنة إحدى وأربعين: سار (٦) يوسف بن وجيه صاحب عمان في البحر والبر إلى البصرة وحصرها، وساعده القرامطة على ذلك، وأيدوه بجمع منهم، فأدركهم المهلبي وزير معز الدولة بالعساكر فرحلوا عنها. وفيها (٧): توفي المنصور بالله العلوي، أبو الطاهر إسماعيل بن القائم بالله أبي القاسم محمد بن المهدي عبيد الله سلخ شوّال، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يومًا، وعمره تسعًا وثلاثين سنة، وكان خطيبًا بليغًا، يخترع الخطبة لوقته، وظهر من شجاعته في قتال أبي يزيد الخارجي ما تقدم ذكره وعهد إلى ابنه أبي تميم معد بولاية العهد، وهو المعز لدين الله، فبايعه الناس في يوم مات أبوه، وأقام في تدبير الأمور إلى سابع ذي الحجة، فأذن للناس فدخلوا عليه وسلّموا بالخلافة، وكان عمر المعز إذ ذاك

стр. 8871

أربعًا وعشرين سنة. وفيها (١): ملك الروم مدينة سروج (٢)، وسبوا أهلها وغنموا أموالهم وخربوا المساجد. وفي سنة اثنتين وأربعين: مات (٣) نوح بن نصر الساماني في ربيع الآخر، وكانت ولايته في سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة، وكان يلقب بالأمير الحميد، وكان حسن السيرة ولما توفي ملك ابنه عبد الملك. وفيها (٤): غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم، فغنم وقتل، ووقع بينه وبين الروم وقعة عظيمة انتصر فيها سيف الدولة. وفيها (٥): أرسل معز الدولة سبكتكين الحاجب في جيش إلى شهرزور فعاد ولم يفتحها. وفي سنة أربع وأربعين: مات أبو علي بن محتاج صاحب عساكر خراسان بعد أن عزله الأمير نوح عن خراسان. فخرج لذلك عن طاعة نوح ولحق بركن الدولة بن بويه، ومات في خدمته. وفيها (٦): أنشأ الناصر عبد الرحمن الأموي مركبًا كبيرًا وسير فيه بضائع لتباع في بلاد المشرق وتعتاض عنها، فلقي في البحر مركبًا فيه رسول من صقلية إلى المعز العلوي ومعه مكاتبات إليه، فقطع عليهم المركب الأندلسي، وأخذهم وبلغ ذلك المعزّ فجهز أسطولًا إلى الأندلس واستعمل عليه الحسن بن علي عامله على صقلية فوصلوا إلى المرية، وأحرقوا جميع ما في مينائها من المراكب، وأخذ ذلك المركب الكبير بعد

стр. 8872

عوده من الاسكندرية وفيه جوار مغنيات وأمتعة لعبد الرحمن، وصعد اصطول المعز إلى البر فقتلوا ونهبوا ورجعوا سالمين إلى المهدية، ولما جرى ذلك جهز عبد الرحمن الناصر اصطولًا إلى بلد إفريقية فقصد منهم عساكر المعز فرجعوا إلى الأندلس بعد قتال جرى بينهم. وفي سنة خمس وأربعين: سار (١) سيف الدولة إلى بلاد الروم، فغنم وسبى وفتح عدة حصون ورجع إلى أدنه، فأقام بها ثم ارتحل إلى حلب. وفيها (٢): توفي أبو عمر محمد (٣) بن عبد الواحد الزاهد غلام ثعلب المعروف بالمطرز اللغوي المشهور، صحب ثعلبًا زمانًا فعرف به، وللمطرز المذكور عدة مصنفات. وكانت (ولادته) سنة إحدى وستين ومائتين، وكان اشتغاله بالعلوم قد منعه من اكتساب الرزق، فلم يزل مضيقًا عليه، وكان لسعة روايته وكثرة حفظه يكذبه أدباء زمانه (في أكثر نقل اللغة) (٤) ويقولون لو طار طائر يقول المطرز حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ويذكر في معنى ذلك شيئًا. وكان يلقي تصانيفه من حفظه حتى إنه أملى في اللغة ثلاثين ألف ورقة، فلهذا الإكثار نسب إلى الكذب. سنة ست وأربعين إلى سنة خمسين وثلثمائة مات (٥) السلار المرزبان صاحب أذربيجان، فملك بعده ابنه جستان (٦) وكان للمرزبان أخ يسمى (وحسوذان) فشرع في الإفساد بين أولاد أخيه حتى وقع ما بينهم وتقاتلوا، وبلغ عمهم وحسوذان ما أراد. وقد ذكر ابن الأثير في حوادث هذه السنة:

стр. 8873

أَنَّ البحر نَقَصَ ثمانين باعًا وظَهَرَتْ فيه جزائر وجبال لم تعرف قبل ذلك (١). وفي سنة سبع وأربعين: عظم (٢) أمر أبي الحسن جوهر عبد المعز وصار في رتبة الوزارة، فسيره المعزّ في صفر هذه السنة في جيش كثيف إلى أقاصي المغرب، فسار إلى تاهرت ثم إلى فاس في جمادى الآخرة. وبها صاحبها أحمد بن بكر، فأغلق أبوابها، ونازلها جوهر، وقاتل أهلها، فلم يقدر عليها، ومضى حتى انتهى إلى البحر المحيط، وسلك تلك البلاد جميعها، وعاد إلى فاس ففتحها عنوة. وكان مع جوهر زيري بن ماد الصنهاجي، وكان شريكه في الأمر، وكان فتح فاس في رمضان سنة ثمان وأربعين وثلثمائة. وفيها (٣): توفي أبو الحسن البوشنجي (٤) الصوفي بنيسابور. وفيها (٥): توفّي أبو الحسن محمد (٦) من ولد أبي الشوارب قاضي بغداد. وكان مولده سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وأبو محمد عبد الله الفارسي (٧) النحوي، أخذ النحو عن المبرد. وفي سنة ثمان وأربعين (٨): توفي أبو بكر بن سليمان (٩) الفقيه الحنبلي المعروف بالنجاد، وعمره خمس وتسعون سنة. وجعفر (١٠) بن محمد الخلدي الصوفي أحد أصحاب الجنيد.

стр. 8874

وفيها (١): انقطعت الأمطار وغَلَتْ الأسعار (٢) في كثير من البلاد. وفي سنة تسع وأربعين: وقع (٣) الخلف بين أولاد المرزبان فاضطروا إلى مساعدة عمهم وهسوذان (٤)، فكاتبوه وقدموا عليه، فغدر بهم، وأمسك جستانًا (٥) وناصرًا ابني المرزبان وأمهما وقتلهم. وفيها (٦): غزا سيف الدولة بلاد الروم ففتح وأحرق وبلغ إلى خرشنة. وفي عوده أَخَذَت عليه الروم المضايق واستردوا ما أَخَذَه وأخذوا ثقله، وأكثروا القتل في أصحابه، وتخلّص سيف الدولة في ثلثمائة نفس، وكان أشار عليه أرباب الألباب بأن لا يعود في تلك الطريق فلم يقبل، وكان معجبًا بنفسه يحب الاستبداد بلا مشاورة لئلا يقال: إنه أصاب برأي غيره. وفيها (٧): أسلم من الأتراك مائة ألف خركاه (٨). وفيها (٩): انصرف حجاج مصر من الحج فنزلوا واديًا وباتوا فيه، فأتاهم السيل ليلًا وأخذهم جميعهم مع أثقالهم وجمالهم ورماهم في البحر. وفيها (١٠): توفي أبو الحسن التيناتي صاحب الكرامات المشهورة.

стр. 8875

وفيها (١): مات أنوجور بن الإخشيد، وأقيم مكانه أخوه (٢) في ملك مصر. وفي (٣) يوم الخميس حادي عشر شوال سنة خمسين: تقنطر بالأمير عبد الملك بن نوح صاحب خراسان فرسُهُ ووقع إلى الأرض فمات من ذلك. فافتتنت خراسان بعده وولي مكانه أخوه منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان. وفيها (٤): توفي الناصر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي في رمضان. وكانت إمارته خمسين سنة ونصفًا، وعمره ثلاث وسبعين سنة، وكان أبيض أشهل حسن الوجه، وهو أوّل من لقب من الأمويين أصحاب الأندلس بألقاب الخلفاء، وتسمّى بأمير المؤمنين، وكان مَنْ كان قبله يخاطبون ويخطب لهم بالأمير وأبناء الخلائف. وبقي عبد الرحمن كذلك إلى أن مضى من إمارته سبع وعشرون سنة، فلما بلغه ضعف الخلفاء بالعراق وظهور الخلفاء العلويين بإفريقية ومخاطبتهم بأمير المؤمنين أمر حينئذ أن يلقب بالناصر لدين الله، ويخطب له بأمير المؤمنين، وأمه أم ولد اسمها مزنة. ولما مات ولي بعده ولده الحكم بن عبد الرحمن، وتلقب بالمنتصر، وخلف عبد الرحمن أَحَدَ عَشَرَ ولدًا ذكرًا. وفيها (٥): توفي قاضي القضاة ببغداد أبو العباس عبد الله (٦) بن الحسن بن أبي الشوارب، والتزم أن يؤدي كل سنة مائتي ألف درهم، وهو أول من ضمن القضاء، وكان ذلك أيام معز الدولة بن بويه، ولم يسمع بذلك قبلها، ثم ضمنت بعده الحسبة والشرطة ببغداد. وفيها (٧): توفي أبو شجاع فاتك (٨) وكان روميًا أخذه الإخشيد صاحب مصر من

стр. 8876

سيده بالرملة، وارتفعت مكانته عنده، وكان رقيق كافور، فلما مات الإخشيد وصار كافور أتابكه، أنف فاتك من ذلك، وكانت الفيوم إقطاعه، فانتقل إليها. وأقام بها، وكثرت أمراضه لوخم الفيوم، فعاد إلى مصر كرهًا من المرض. وكان كافور يخافه ويخدمه، وكان المتنبي بمصر عند كافور، فاستأذنه ومدح فاتك بقصيدته التي أولها: [من البسيط] لا خيل عندك تُهديها ولا مال … فليسعد النطق إن لم يسعد الحال (١) كفاتك ودخول الكاف منقصة … كالشمس قلتُ وما للشمس أمثال ولما مات فاتك رثاه المتنبي بقصيدة أولها: [من الكامل] الحزنُ يقلق والتجملُ يَرْدَعُ … والدمعُ بينهما عَصِيٌّ طيّعُ (٢) سنة إحدى وخمسين إلى خمس وخمسين وثلثمائة في (٣) سنة إحدى وخمسين سارت الروم مع الدمستق، وملكوا عين زربة (٤) بالأمان، وقتلوا بعض أهلها وأطلق أكثرهم. وفيها (٥): استولت الروم على مدينة حلب دون قلعتها، وكان قد سار إليهم الدمستق، ولم يعلم به سيف الدولة إلا عند وصوله، فلم يلحق أن جمع جيوشه، بل خرج فيمن معه وقاتل الدمستق، فقتل غالب أصحابه وانهزم في نفر قليل وظفر الدمستق بداره وكانت خارج حلب تسمى الدارين، ووجد الدمستق فيها ثلثمائة بدرة من الدراهم، وأخذ لسيف الدولة ألف وأربعمائة بغل، ومن السلاح ما لا يحصى، وملكت الروم الحواضر، وحصروا المدينة، وقاتلهم أهل حلب أشد قتال، فتأخر الروم إلى جيل جوشن، ثم وقع بين أهل حلب ورجالة الشرطة فتنة بسبب نهب وقع بين أهل البلد، فاجتمع بسبب ذلك الناس، ولم يبق على السور أحد، فوجد الروم السور خاليًا، ففتحوا أبواب البلد وأطلقوا السيف في أهل حلب، وسبوا بضعة عشر ألف صبي، وغنموا ما لا يوصف كثرة، فلما لم يبق معهم ظهر يحمل الغنائم أمر الدمستق فأحرقوا

стр. 8877

ما بقي، وأقام الدمستق تسعة أيام، ثم ارتحل إلى بلاده، ولم ينهب قرى حلب، وأمرهم بالزراعة ليعود من قابل إلى حلب. وفيها (١): استولى ركن الدولة على طبرستان وجرجان. وفيها (٢): كتب الشيعة على أبواب المساجد (٣) لعن الله معاوية بن أبي سفيان ولعن من أغْضَبَ فاطمة (٤) ومن منع الحسن أن يُدفن عند جده، ومن نفى أبا ذر الغفاري، ومَنْ أخرج العباس من الشورى، فلما كان الليل حكه بعض الناس، وأشار الوزير المهلبي أن يكتب بإذن معز الدولة: لعن الله الظالمين لأهل البيت، ولا يذكر أحدًا في اللعن غير معاوية، ففعل ذلك. وفيها (٥): في ذي القعدة، سارت جيوش المسلمين إلى صقلية ففتحوا طبرمين، وهي من أعظم الحصون بعد حصار سبعة أشهر ونصف وسميت طبرمين المعزية نسبة إلى المعز العلوي. (٦) وفيها (٧): فتحت الروم حصن دلوك بالسيف وثلاث حصون مجاورة له. وفيها (٨): في شوال أسرت الروم أبا فراس الحارث (٩) بن سعيد بن حمدان من منبج، وكان متقلدًا بها. وفيها (١٠): توفي أبو بكر محمد بن الحسن النقاش المقري، صاحب كتاب شفاء الصدور.

стр. 8878

وفي سنة اثنتين وخمسين: توفي (١) الوزير المهلبي، وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان كريمًا عاقلًا ذا فضل. وفيها (٢): أمر معز الدولة الناس بغلق دكاكينهم وأن يخرج النساء منشرات الشعور ومسودات الوجوه يلطمن وجوههن (٣) على الحسين بن علي ﵉ ففعل الناس ذلك ولم يقدر السنة على منعه لكثرة الشيعة والسلطان معهم. وفيها (٤): عزل ابن أبي الشوارب عن القضاء. وفيها (٥): قتل الروم ملكهم وملكوا غيره، وصار ابن شمشقيق دمستقًا. وفي سنة ثلاث وخمسين: سار (٦) معز الدولة واستولى على الموصل ونصيبين بعد انهزام ناصر الدولة بين يديه. ثم وقع بينهما الاتفاق، وقد ضمن ناصر الدولة الموصل بمال وارتضاه معز الدولة، فرحل معز الدولة إلى بغداد. وفي سنة أربع وخمسين: سار (٧) ملك الروم إلى المصيصية فحاصرها وفتحها عنوةً بالسيف يوم السبت ثالث عشر رجب ووضع السيف في أهلها، ثم رفعه وأخَذَ من بقي أسرى ونقلهم إلى بلده، وكان أهلها نحو مائتي ألف إنسان، ثم سار إلى طرسوس فطلب أهلها الأمان، فآمنهم وتسلم طرسوس، وسار أهلها عنها وجهز ملك الروم معهم من يحميهم حتى وصلوا أنطاكية، وجعل جامع طرسوس اصطبلًا وأحرق المنبر، وعمر طرسوس وحصنها وردّ إليها بعض أهلها، وتنصّر بعضهم ثم عاد ملك الروم إلى قسطنطينية. وفيها (٨): أطاع أهل أنطاكية بعض مقدمي طرسوس وخالفوا سيف الدولة.

стр. 8879

وكان اسم المقدم الذي أطاعوه رشيقًا (١)، فأرسل سيف الدولة عسكرًا مع خادمه بشارة فاجتمع قرعويه العامل بحلب مع بشارة وقاتلا رشيقًا، فقتل رشيق وهرب أصحابه ودخلوا أنطاكية. وفيها (٢): قتل المتنبي الشاعر وابنه، قتلهما الأعراب وأخذوا ما معهما. واسمه أحمد بن الحسين بن الحسن الكندي ومولده سنة ثلاث وثلثمائة في الكوفة بمحلة تسمى كندة فنسب إليها، وليس هو من كندة، وإنما هو جعفي القبيلة. ويقال: إن أبا المتنبي كان سقاء بالكوفة، وفيه يقول بعضهم يهجو المتنبي: [من الخفيف] أيُّ فضل الشاعر يطلب الفضـ … ــل مِنَ الناس بكرة وعشيا عاش حينًا يبيع في الكوفة الما … وحينًا يبيع ماء المحيا ثم قدم المتنبي إلى الشام في صباه واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان لا يُسأل عن شيء إلا استشهد فيه بكلام العرب حتى قيل: إن الشيخ أبا علي الفارسي صاحب كتاب «الإيضاح» قال له يومًا: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال المتنبي في الحال: حجلى وحزبي، قال أبو علي فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهما ثالثًا فلم أجد. وحسبك من يقول أبو علي في حقه هذه المقالة. وأما شعره فهو النهاية، رزق فيه السعادة، وإنما قيل له المتنبي، لأنه ادعى النبوة في بريّة السماوة، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ نائب الإخشيد بحمص، فأسره وتفرّق عنه أصحابه وحبسه طويلًا ثم استتابه وأطلقه، ثم لحق المتنبي بسيف الدولة بن حمدان سنة سبع وثلاثين وثلثمائة، ثم فارقه واتصل بمصر سنة ست وأربعين فمدح كافور الإخشيدي، ثم هجاه وفارقه سنة خمسين وقصد عضد الدولة بفارس ومدحه، ثم رجع قاصدًا الكوفة فقتل قرب النعمانية (٣) وهي من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول. وفي سنة خمس وخمسين: خرجت (٤) الروم ووصلوا إلى آمد وحصروها ثم انصرفوا عنها إلى قرب نصيبين، فهرب أهل نصيبين، ثم ساروا من الجزيرة إلى الشام ونازلوا أنطاكية وأقاموا

стр. 8880

عليها مدة، ثم رحلوا إلى طرسوس. وفيها (١): استفك سيف الدولة بن حمدان ابن عمه أبا فراس من الأسر، وكان بينه وبين الروم الفداء، فخلص عدة من المسلمين من الأسر سنة ست إلى ستين وثلثمائة: في سنة ست وخمسين: سار (٢) معز الدولة إلى واسط وجهز الجيش لمحاربة عمران بن شاهين صاحب البطائح، وحصل له إسهال، فلما قوي به عاد إلى بغداد وترك العسكر في قتال عمران بن شاهين ثم تزايد به المرض بعد وصوله إلى بغداد، فلما أحس بالموت عهد إلى ابنه بختيار ولقبه عز الدولة وأظهر معز الدولة توبة وتصدّق بأكثر ماله وعتق ممالكيه، وتوفى ببغداد ثالث عشر ربيع الآخر بعلة الذرب، ودفن بباب التبن في مقابر قريش. وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهرًا. ولما مات معز الدولة استقر ابنه عز الدولة في الإمارة، وكتب بختيار إلى العسكر بمصالحة عمران بن شاهين وعودهم إلى بغداد، ففعلوا ذلك وكان معز الدولة مقطوع اليد قطعت بكرمان في بعض حروبه لمحمد بن الياس وهو الذي أنشأ السعاة ببغداد لإعلام أخيه ركن الدولة بالأحوال سريعًا. فنشأ في أيامه فضل ومرعوش، أحدهما ساعي السنة والآخر ساعي الشيعة، ولما تولّى بختيار أساء السيرة واشتغل باللعب واللهو وعشرة النساء والمغنين، ونفى كبار الديلم شرها إلى إقطاعاتهم. وفي هذه السنة: قبض (٣) أبو تغلب هبة الله الغضنفر على أبيه ناصر الدولة بن حمدان وحبسه، وسببه أن ناصر الدولة كان قد كبر وساءت أخلاقه، وضيق على أولاده وأصحابه، وخالفهم في أغراضهم، فضجروا منه حتى وثب عليه ولده أبو تغلب فقبضه في آخر جمادى الأولى، ووكل به من يخدمه. ولما فعل ذلك خافه بعض إخوته، فاحتاج أبو تغلب إلى مداراة بختيار ليعضده، فضمن أبو تغلب البلاد لبختيار بألف ألف ومائتي ألف درهم. وفيها (٤): مات وشمكير بن زبار أخو مرداويج بأن حمل عليه في الصيد خنزير مجروح، فقامت به فرسه فسقط إلى الأرض ومات، فقام بالأمر بعده ابنه بيستون.

стр. 8881

وفيها (١): مات كافور الإخشيدي، وكان خصيًا أسود من موالي محمد بن طغج بن جف الإخشيد صاحب مصر. واستولى كافور على مصر والشام بعد موت أولاد الإخشيد؛ لأنه ملك بعد الإخشيد ابنه أنوجور والأمر كله إلى كافور، ثم مات أنوجور فأقام كافور أخاه عليًا، فتولّى علي بن الإخشيد وهو صغير في سنة خمس وخمسين وثلثمائة، فاستقل كافور بالمملكة من هذا التاريخ، وكان كافور شديد السواد، واشتراه أستاذه بثمانية عشر دينارًا، وقصده المتنبي ومدحه، وحكى المتنبي قال: كنت إذا دخلت على كافور وأنشدته يضحك لي ويبش في وجهي إلى أن أنشدته: [الوافر] ولمّا صار ودّ الناس خبًّا … جزيتُ على ابتسام بابتسام (٢) وصرتُ أشكّ فيمن أصطفيه … لعلمي أنه بعضُ الأنام قال: فما ضحك بعدها فعجبتُ من فطنته وذكائه. ولم يزل كافور مستقلًا بالأمر حتى توفي هذه السنة يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الأولى بمصر ودفن بالقرافة الصغرى، وكان يدعى له على المنبر بمكة والحجاز جميعه والديار المصرية وبلاد الشام، وكان عمره خمسًا وستين سنة وحكي أن تابوته حمل إلى بيت المقدس ودفن به، وكتب على قبره: [البسيط] ما بال قبرك يا كافور منفردًا … في ضحضح الترب بعد العسكر اللجبِ يدوس قبرك آحاد الرجال وقد … كانتْ أسود الشرى تخشاكَ مَنْ كَتب قلت: ولما (توفي) (٣) وقع الخلاف فيمن ينصب بعده، واتفقوا على أبي الفوارس أحمد بن الإخشيد، وخطب له في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة. وفيها (٤): توفي سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي الربعي. وكان موته بحلب في صفر. وحمل تابوته إلى ميا فارقين، فدفن بها. وكان مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وثلثمائة. وكان مرضه عسر البول. وهو أول من ملك حلب من بني حمدان أخذها من أحمد بن سعيد الكلابي نائب الإخشيد، وكان

стр. 8882

سيف الدولة سخيًا شجاعًا كريمًا، وله شعر فمنه ما قاله في أخيه ناصر الدولة: [من الطويل] وهبتُ لك العُليا وقد كنتَ أهْلَها … وقلتُ لهم بيني وبين أخي فرقُ (١) وما كان لي عنها نكول وإنّما … تجاوزت عن حقي فتم لك الحق أما كنتَ ترضى أن أكونَ مُصَلّيًا … إذا كنتُ أرضى أن يكون لك السبق وله أيضًا: [من المديد] قد جرى في دمعهِ دَمُهُ … فإلى كمْ أَنْتَ تظلمه (٢) ردّ عنه الطرف منك فقد … جرحته منك أسهمه كيف يسطيع التجلّدَ مَنْ … خطرات الوهم تؤلمه ولما توفي سيف الدولة ملك بلاده ابنه سعد الدولة أبو المعالي شريف. وفيها (٣): توفي أبو علي محمد بن الياس صاحب كرمان. وفيها (٤): توفي أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي الكاتب الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني. وجده مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين. وهو أصفهاني الأصل، بغدادي المنشأ. وروى عن عالم كثير من العلماء. وكان عالمًا بأيام الناس والأنساب والسير، وكان متشيّعًا، قيل إنه جمع كتاب الأغاني في خمسين سنة، وحمله إلى سيف الدولة فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه، وله غره مصنفات عديدة، وصنف كتبًا لبني أمية أصحاب الأندلس وجهزها إليهم سرًا، وجاء الإنعام منهم سرًّا. وكان منقطعًا إلى الوزير المهلبي، وله فيه مدائح. وكانت ولادته سنة أربع وثمانين ومائتين والكتب التي صنفها لأصحاب الأندلس: (نسب بني عبد شمس) و (أيام العرب ألف وسبعمائة يوم) و (جمهرة النسب) و (نسب بني شيبان).

стр. 8883

وفي سنة سبع وخمسين: استولى (١) عضد الدولة على كرمان بعد موت محمد بن الياس. وفيها (٢): في ربيع الآخر قُتل أبو فراس بن حمدان وكان مقيمًا بحمص، فجرى بينه وبين شريف بن سيف الدولة وحشة، فطلبه سعد الدولة، فانحاز أبو فراس إلى صدد (٣)، فأرسل إليه عسكرًا مع قرعويه القائد، فكبسوا أبا فراس في صدد وقتلوه، وكان أبو فراس خال سعد الدولة وابن عمه واسم أبي فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان. وأبا فراس أُسر بمنبج كما ذكرنا، وحمل إلى قسطنطينية، وأقام في الأسر أربع سنين. وله في الأسر أشعار كثيرة وكانت منبج إقطاعه، وقال ابن خالويه: لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص، واتصل ذلك بسعد الدولة وقرعويه، فأرسله إليه فقاتله في صدد، وقيل بقي مجروحًا، ثم مات. وكان مولده سنة عشرين وثلثمائة وفي مقتله بصدد يقول بعضهم: [من المتقارب] وعلمني الصدّ من بعده … عن النوم مصرعه في صدد فسَقْيًا لها إِذْ حَوَتْ شخصَهُ … وبُعدًا لها حيث فيها ابتعد وفيها (٤): مات المتقي إبراهيم بن المقتدر أعمى في داره مخلوعًا ودفن بها. وفيها (٥): توفي علي بن بندار الصوفي النيسابوري. وفي سنة ثمان وخمسين: جهز (٦) المعز لدين الله العلوي القائد جوهر غلام والده المنصور، وجوهر رومي الجنس، فسار جوهر في جيشه إلى الديار المصرية، فاستولى عليها، وكان سببه، أنه لما مات كافور الإخشيدي اختلفت الأهواء بمصر وتفرقت الآراء، فبلغ ذلك المعز، فجهز العسكر إليها، فهربت العساكر الإخشيدية من جوهر قبل وصوله، ووصل القائد جوهر إلى مصر سابع عشر شوال وقيل شعبان، وأقيمت للمعز الدعوة بالجامع العتيق، وكان الخطيب أبا محمد عبد الله بن الحسين الشمشاطي، وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين قدم جوهر إلى جامع (ابن) طولون وأمر فأذن فيه بحي على خير العمل، ثم أذن بذلك في الجامع العتيق، وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولما

стр. 8884

استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة. ولما استقر جوهر بمصر جهز عساكره إلى الشام مع جعفر بن فلاح، فبلغ الرملة وبها الحسن بن عبد الله بن طغج، وجرى بينهم حروب ظفر فيها عسكر المعز وأسر ابن طغج وغيره من القواد، فجهزوا إلى جوهر، ثم إلى المعز، واستولت عساكر المعز على تلك البلاد، ثم سار جعفر بن فلاح بالعساكر إلى طبرية، فوجد أهلها قد أقاموا الدعوة للمعز فسار عنها إلى دمشق، فقاتله أهلها فظفر بهم وملك دمشق، وأقام الخطبة يوم الجمعة للمعز لأيام خَلَتْ من المحرم سنة تسع وخمسين وقطعت الخطبة العباسية، وجرى في أثناء الخطبة فتنة بين أهل دمشق وجعفر بن فلاح، وجرى بينهم حروب. وقطعوا الخطبة العلوية. ثم ظهر جعفر بن فلاح واستقرّت دمشق للمعز العلوي. وكان (١) أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان، وأخوه أبو البركات وأختهما فاطمة أولاد ناصر الدولة، فاتفقت مع ابنها أبي (٢) تغلب فضل الله الغضنفر وقبضوا (عل) (٣) ناصر الدولة كما ذكرناه، وكان لناصر الدولة ابن آخر اسمه حمدان. وكان ناصر الدولة أقطعه الرحبة وماردين وغيرهما. فلما قبض ناصر الدولة كاتب ابنه (حمدان) (٤) يستدعيه ليتقوى به على المذكورين فظفر أولاده بالكتاب. فخافوا أباهم وحذروه. وبلغ ذلك حمدان فعادى إخوته، وكان أشجعهم، ولما خاف أبو تغلب من أبيه نقله إلى قلعة كواشي وحبسه بها. وبقي ناصر الدولة محبوسًا بها شهورًا. ومات ناصر الدولة الحسين بن عبد الله بن حمدان بقلعة كواشي في ربيع الأول من هذه السنة. ووقع بين حمدان بن ناصر الدولة وبين أخويه أبي تغلب وأبي البركات حروب قتل فيها أبو البركات ثم قوي أبو تغلب على أخيه حمدان وطرده عن بلاده واستولى عليها، وكان يلقب أبو تغلب بن ناصر الدولة عدة الدولة الغضنفر. وفيها (٥): دخل الروم إلى الشام، ولم يُمْنَعوا، فسار ملكهم إلى طرابلس وفتح قلعة عرقه بالسيف، ثم قصد حمص وقد أخلاها أهلها فأحرقها ورجع إلى الساحل، فأتى إليها نهبًا وتخريبًا، وملك ثمانية عشر منبرًا، وأقام في الشام شهرين وعاد إلى بلاده ومعه من الأسرى والغنائم ما يفوت الحصر. وفيها (٦): استولى قرعويه غلام سيف الدولة على حلب وأخرج ابن أستاذه سعد

стр. 8885

الدولة أبا المعالي شريف، فسار سعد الدولة إلى والدته بميافارقين وأقام عندها، ثم جرى بينهما وحشة فسار سعد الدولة إلى حماة وأقام بها. وفيها (١): طلب سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه أن يسلّموا الأمر إليه، فحبسوه، ثم أخرج ميتًا في منتصف رمضان. وفي سنة تسع وخمسين: سارت (٢) الروم إلى الشام ففتحوا أنطاكية بالسيف وقتلوا أهلها، وغنموا ثم قصدوا حلب وبها قرعويه، فتحصن قرعويه بالقلعة، وملك الروم مدينة حلب وحاصروا القلعة، ثم اصطلحوا على مال يحمله قرعويه إلى ملك الروم كل سنة عن حلب وأعمالها، ودفع أهل حلب الرهائن بالمال إلى ملك الروم، فرحلت (٣) الروم عن حلب وعادت (٤) المسلمون. وفيها (٥): أرسلت الروم جيشًا إلى ملازكرد من أرمينية فحصروها وأخذوها عنوة بالسيف، وصارت البلاد جميعها (مسبية) لا يمنع الروم عنها مانع. وكان قد غلب على ملك الروم رجل ليس من بيت الملك اسمه نقفور، وخرج إلى بلاد الإسلام وفتح من الشام وغيره ما ذكرنا فعظمت هيبته، وكان قتل الملك الذي قبله وتزوج امرأته، ثم أراد أن يخصي أولادها الذين هم من بيت الملك ليقطع نسلهم ويبقى الملك في نسل نقفور، فعظم ذلك على أُمِّهم زوجة نقفور، فاتفقت مع الدمستق على قتله، وأدخلت الدمستق مع جماعة في زي النساء إلى كنيسة متصلة بدار نقفور، فلما قام نقفور وغلقت الأبواب قامت زوجته وفتحت الباب الذي من جهة الكنيسة، وأدْخَلَتْ الدمستق على نقفور وهو نائم، فقتله وأراح الله المسلمين من شره، وأقام الدمستق أحد أولادها الذين من بيت الملك. وفيها (٦): سار أبو تغلب إلى حران وحاصرها مدة وفتحها بالأمان واستعمل عليها البرقعيدي الحمداني (٧)، ثم عاد أبو تغلب إلى الموصل. وفيها (٨): اصطلح قرعويه مع ابن أستاذه شريف، وخطب له بحلب، وكان

стр. 8886

أبو المعالي حينئذ بحمص، وخطب بحمص وحلب للمعز العلوي، وخُطب بمكة للمطيع وبالمدينة النبوية للمعز. وخُطب أبو محمد الموسوي والد الرضي خارج المدينة للمطيع. وفيها (١): مات محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي (٢) الصوفي. وفي سنة ستين: في ذي القعدة وصلت (٣) القرامطة إلى دمشق، وبلغ خبرهم جعفر بن فلاح نائب المعز، فاستهان بهم فكبسوه خارج دمشق وقتلوه وملكوا دمشق وآمنوا أهلها، ثم ساروا إلى الرملة فآمنوها وملكوها، واجتمع إليهم خلق من الإخشيدية فقصدوا مصر، وجرى بينهم وبين جوهر قتال انتصروا فيه، ثم انتصر جوهر فرحلت القرامطة إلى الشام مع كبيرهم الحسن بن أحمد بن بهرام. وفيها (٤): استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أبا القاسم بن عباد. وفيها (٥): مات أبو القاسم سليمان (٦) الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة وعمره مائة سنة. وفيها (٧): توفي السري (٨) الرفاء الموصلي الشاعر ببغداد. سنة إحدى وستين إلى خمس وستين وثلثمائة في سنة إحدى وستين: وصلت الروم إلى الجزيرة (٩)، فغنموا وقتلوا ووصلت الهراب إلى بغداد مستصرخين، فثارت العامة، واستغاثوا إلى بختيار وهو في الصيد فوعدهم الخروج إلى الغزاة. وأرسل يطلب من الخليفة المطيع مالًا، فقال الخليفة: أنا ليس لي غير الخطبة،

стр. 8887

فإن أحببتم اعتزلت، فتهدَّده بختيار، فباع الخليفة قماشه حتى حمل إلى بختيار ستة عشر ألف دينار، فأخرجها بختيار في مصالح نفسه وبطلت الغزاة، وشاع في الناس أن الخليفة صودر. وفيها (١): سار المعز من إفريقية في آخر شوال واستعمل عليها يوسف (ويسمى) (٢) بلكين بن زيزي بن مناد الصنهاجي، (وجعل) (٣) على بلاد صقلية أبا القاسم علي بن الحسن بن علي بن أبي الحسين، وعلى طرابلس الغرب عبد الله بن يخلف (٤) الكتامي. واستصحب المعز معه أهله وخزائنه حتى سبك الدنانير وعملها كالطواحين وحملها على جمال، فلما وصل إلى برقه ومعه محمد بن هاني الشاعر الأندلسي قتل غيلة، وكان شاعرًا مجيدًا كافرًا في شعره، قال للمعز: [من الكامل] ماشئت لا ما شاءت الأقدار … فاحكم فأنت الواحد القهار ثم سار المعز حتى وصل الاسكندرية آخر شعبان سنة اثنتين وستين وثلثمائة. وفيها (٥): تم الصلح بين منصور بن نوح الساماني صاحب خراسان وبين ركن الدولة بن بويه على أن يحمل ركن الدولة إليه كل سنة مائة وخمسين ألف دينار. وتزوج منصور بابنة عضد الدولة. وفيها (٦): ملك عدة الدولة أبو تغلب قلعة ماردين، وأخذ منها أموال أخيه حمدان. وفي سنة اثنتين وستين: وصل (٧) الدمستق إلى ميافارقين فنهب، واستهان بالمسلمين فجهز عليه عدة الدولة أخاه (٨) في جيش، فانهزمت الروم، وأخذ الدمستق أسيرًا، وبقي في حبس أبي

стр. 8888

تغلب حتى مات. وفيها (١): استوزر عز الدولة بختيار محمد بن بقية وكان ابن بقية وضيعًا، وكان زراعًا بأوانا. وفيها (٢): حَصَلَتْ الوحشة بين بختيار وبين أصحابه من الديلم والأتراك. وفي سنة ثلاث وستين: كان (٣) بختيار قد سار إلى الأهواز، وتخلّف عنه سبكتكين الحاجب ببغداد، فأوقع بختيار بمن معه من الأتراك، واحتاط على إقطاع سبكتكين، فخرج عليه ببغداد * مع من معه من الأتراك، فنهب داره ببغداد، ولما حكم سبكتكين رأى المطيع عاجزًا من المرض وقد ثقل لسانه، وكان المطيع يستر ذلك، فلما انكشف لسبكتكين أمره أن يخلع نفسه من الخلافة ويسلمها لولده فأجاب إلى ذلك في منتصف ذي القعدة من هذه السنة. وكانت خلافته تسعًا وعشرين سنة. خلافة الطائع لله عبد الكريم بن المفضل المطيع، رابع عشرين بني العباس (٤) واستقر أمر الطائع بالخلافة. وفي هذه السنة: سارت (٥) القرامطة إلى ديار مصر وجرى بينهم وبين المعز حروب انهزمت القرامطة وقتل غالبهم، وأرسل المعز في أثرهم عشرة آلاف فارس، فسارت القرامطة إلى الأحساء (٦) والقطيف، ولما انهزمت القرامطة وفارقوا الشام أرسل المعز القائد ظالم بن موهوب العقيلي إلى دمشق فدخلها، ثم وقع بين أهل دمشق وبينه فتن احترقت فيها نصف دمشق ودامت الفتن بينهم إلى سنة أربع وستين وثلثمائة. ولما (٧) جرى لبختيار وسبكتكين ما ذكرنا انحدر سبكتكين بالأتراك إلى

стр. 8889

واسط ومعه الخليفة الطائع والمطيع (١) فمات بدير العاقول، ومات سبكتكين أيضًا فحملا إلى بغداد، وقدم الأتراك عليهم أفتكين (٢) وهو من أكابر قوادهم. وساروا إلى واسط وبها بختيار، فنزلوا قريبًا منه، ووقع القتال بينهم وبينه خمسين يومًا والظفر للأتراك. وأرسل بختيار كتبه إلى ابن عمه بالحث والإسراع. وكتب إليه: [من الطويل] فإن كنت مأكولًا فكن أنتَ آكلي … وإلا فأدركني ولما أُمزّق (٣) فسار عضد الدولة إليه، وخرجت السنة والأمر على هذا الحال. وفي سنة أربع وستين: سار عضد الدولة بعساكر فارس لما أتته كتابات بختيار، فلما قارب واسط رجع أفتكين والأتراك إلى بغداد وسار عضد الدولة من الجانب الشرقي وأمر بختيار أن يسير من الجانب الغربي إلى بغداد، وخرجت الأتراك وقابلوا عضد الدولة، فانهزموا وقتل عامتهم، وكانت الوقعة رابع عشر جمادى الأولى، فسار عضد الدولة ودخل بغداد، وكان الأتراك قد أخذوا الخليفة معهم فرده عضد الدولة إلى بغداد ووصل في الماء ثامن رجب. ولما استقر عضد الدولة ببغداد وشغبت الجند على بختيار يطلبون أرزاقهم، ولم يكن مع بختيار شيء فأشار عليه عضد الدولة أن يغلق بابه ويتبرأ من الأمر ليصلح الحال مع الجند، ففعل بختيار ذلك، وصرف كتابه وحجابه، فأشهد عليه عضد الدولة أنه عاجز عن الإمرة، ثم استدعى عضد الدولة بختيارًا وإخوته (٤) إليه، وقبض عليهم في سادس عشرين جمادى الآخرة، واستقر عضد الدولة ببغداد، وحمل إلى الخليفة ألف ألف دينار وأمتعة كثيرة (٥). ولما قبض (٦) بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة، فكتب إلى عمه ركن الدولة يشكو على عضد الدولة، فعظم ذلك على ركن الدولة حتى ألقى نفسه إلى الأرض وامتنع (عن) (٧) الأكل والشرب، وأنكر على ابنه أشدّ الإنكار، فأرسل إليه عضد الدولة يسأله أن

стр. 8890

يعوّض بختيار ببعض مملكة فارس. (وكان رسوله أبا الفتح بن العميد الوزير) (١)، فأراد ركن الدولة قتله وقال: إن لم يعد بختيار إلى مملكته وإلا سرتُ إليه بنفسي، فلما رأى عضد الدولة غضب أبيه اضطر إلى امتثال أمره، فأخرج بختيار من محبسه، وخَلَعَ عليه، ورده إلى ملكه، وسار عضد الدولة إلى فارس في شوال هذه السنة. وكان (٢) أفتكين من موالي معز الدولة بن بويه، وكان تركيًا، فلما انهزم من بختيار عند قدوم عضد الدولة سار إلى دمشق وأميرها ريان الخادم من جهة المعز، فاتفق أهل دمشق مع أفتكين وأخرجوا (ريان الخادم) (٣) وقطعوا خطبة المعز في شعبان، فعزم المعز على السير من مصر لقتال أفتكين فاتفق موت المعز في تلك الأيام (٤)، وتولى ابنه العزيز فجهز القائد جوهر إلى الشام، فوصل إلى دمشق، وحصر أفتكين، فأرسل أفتكين إلى القرامطة فساروا إلى دمشق، فهرب جوهر إلى مصر، فسار أفتكين والقرامطة في أثره، فلحقوه في عسقلان (فحصروه بها) (٥) حتى أشرف جوهر وعسكره على الهلاك، فراسل جوهر أفتكين، وبذل له أموالًا عظيمة في أن يمن ويطلقه فرحل عنه أفتكين، وسار جوهر إلى مصر، وأعْلَم العزيز بصورة الحال، فخرج العزيز بنفسه وسار إلى الشام، فوصل إلى الرملة، وسار إليه أفتكين والقرامطة، والتقوا، فجرى بينهم حرب شديد انهزم فيه أفتكين والقرامطة وكثر فيهم القتل والأسر، وجعل العزيز لمن يحضر أفتكين مائة ألف دينار، وتم أفتكين هاربًا حتى نزل ببيت مفرج بن دغفل الطائي فأمسكه مفرج وأحضره إلى العزيز فأعطاه المال، ولما حضر أفتكين بين يدي العزيز أطلقه وأطلق أصحابه، وحمل إليه أموالًا وخلعًا وعاد العزيز إلى مصر وأفتكين معه، ومات أفتكين بمصر (٦)، وهو على أسنى المراتب عند العزيز. وفي سنة خمس وستين: توفي (٧) المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم أبي القاسم محمد بن المهدي عبيد الله العلوي الحسيني بمصر سابع عشر ربيع الأول، وولد

стр. 8891

بالمهدية من إفريقية حادي عشر رمضان سنة تسع عشرة وثلثمائة، فيكون عمره خمسًا وأربعين سنة وأشهر، كان مغرى بالنجوم، وكان فاضلًا، ولما مات أخفى العزيز ابنه موته، وأظهره في عيد النحر من هذه السنة، وبايعه الناس. وفي أواخرها: سار أبو القاسم بن الحسن أمير صقلية إلى الغزاة ففتح مدينة مسينا (١) وكتنة وقلعة حلوى، وبث سراياه في نواحي قلورية (٢)، وغنم وسبى وفتح البلاد. وفيها (٣): خطبت الخطباء للعزيز العلوي بمكة. وفيها (٤): توفي ثابت بن سنان بن قرة الصابي صاحب التاريخ. وفيها (٥): توفي أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي الفقيه الشافعي إمام عصره، ولم يكن فيما وراء النهر مثله، رحل إلى العراق والشام والحجاز، وأخذ العلم عن ابن سريج وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه، وروى عنه الحاكم ابن مندة وجماعة كثيرة، وأبو بكر القفال والد قاسم صاحب (التقريب) الذي ينقل عنه في النهاية والوسيط والبسيط، وذكره الغزالي في الباب الثاني من كتاب (الرهن) لكنّه قال أبو القاسم وغلط إنما هو القاسم وهذا التقريب غير تقريب سليم الرازي الشاشي، منسوب إلى شاش وهي مدينة وراء نهر سيحون في أرض الترك، وأبو بكر القفال الشاشي غير أبي بكر محمد الشاشي صاحب العمدة والكتاب المستظهري الذي سنذكره إن شاء الله تعالى سنة سبع وخمسمائة. سنة ست وستين إلى سنة سبعين وثلثمائة في (٦) المحرم سنة ست: توفي ركن الدولة الحسن بن بويه (٧)، واستخلف على

стр. 8892

ممالكه ابنه عضد الدولة، وعمر ركن الدولة سبعين سنة، وكانت أمارته أربعًا وأربعين سنة، وأصيب به الدين والدنيا جميعًا لاستكمال (خلال) الخير فيه، وعقد لولده فخر الدولة على همدان وأعمال الجبل ولولده مؤيد الدولة على أصفهان وجعلها تحت حكم أخيهما عضد الدولة. وفيها (١): بعد وفاة ركن الدولة سار عضد الدولة إلى العراق، فخرج بختيار لقتاله، فاقتتلا بالأهواز، وخامر أكثر جيش بختيار عليه فانهزم بختيار إلى واسط، واستولى عضد الدولة على البصرة، ثم سار بختيار إلى بغداد، وسار عضد الدولة إلى البصرة وأعمالها، فاستمر الحال على ذلك حتى خرجت السنة. وفيها (٢): ملك سبكتكين غزنة، وكان من غلمان أبي إسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة والسامانية. وكان سبكتكين مقدمًا عند مولاه أبي إسحاق لعقله وشجاعته، فلما مات أبو إسحاق ولم يكن له ولد اتفق العسكر وولوا سبكتكين عليهم، وحلفوا له وأطاعوه، ثم إن سبكتكين عظم شأنه، وغزا بلاد الهند واستولى على بست. وفيها (٣): مات منصور بن سامان صاحب خراسان وما وراء النهر في منتصف شوال في بخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وولي الأمر بعده ولده نوح وعمره ثلاث عشرة سنة. وفيها (٤): مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي (٥) قاضي الأندلس، وكان فقيهًا خطيبًا شاعرًا ذا دين متين. وفيها (٦): قبض عضد الدولة على أبي الفتح ابن العميد وزير أبيه، وسَمَلَ عينيه وقطع أنفه، وكان أبو الفتح ليلة قبض أمسى مسرورًا، وأحضر ندماءه، وأظهر من الآلات الذهبية والزجاج وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله، وشربوا وعمل

стр. 8893

شعرًا وغُنّي به: [من المتقارب] دعوتُ المنى ودعوتُ العُلا … فلما أجابا دعوتُ القِدَحْ وقلتُ لأيامِ شرخ الشباب … إليَّ فهذا أوانُ الفَرح إذا بلغ المرء آمالَهُ … فليس له بعدها مُقْتَرَح فطرب عليه وشرب حتى سكر وقام فقبض في سحر تلك الليلة. وفي هذه السنة: توفي (١) المنتصر الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي صاحب الأندلس، وكانت إمارته خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وعمره ثلاث وستين سنة وسبعة أشهر، وكان فقيهًا عالمًا بالتاريخ، وعهد إلى ابنه هشام وعمره عشر سنين ولقبه المؤيد بالله، ولما بويع المؤيد تولّى حجابته وتنفيذ أمره أبو عامر (٢) محمد بن عبد الله بن أبي عامر (٣) محمد بن الوليد المعافري القحطاني وتلقب أبو عامر المذكور بالمنصور، واستولى على الدولة، وحجب المؤيد ولم يترك أحدًا يراه، وكان أصل المعافري من الجزيرة الخضراء من الأندلس، من قرية من أعمالها تسمى طرش، واشتغل المنصور بالعلوم في قرطبة، وكانت له نفس شريفة، فبلغ معالي الأمور، واجتمعت عنده الفضلاء، وأكثر الغزو في الفرنج حتى بَلَغَتْ عدة غزواته نيفًا وخمسين غزوة، ومن عجائب الاتفاقات أن صاعدًا (٤) بن الحسن اللغوي أهدى إلى المنصور المذكور أيلًا مربوطًا في رقبته بحبل وأحضر مع الأيل أبياتًا يمتدح المنصور بها، وكان المنصور أرسل جيشًا لغزو الفرنج وملكهم إذ ذاك غرسية بن سانجة، والأبيات كثيرة منها: [من الكامل] عبدٌ نَشَلْتَ بضَبْعِهِ وغرستَهُ … في نعمة أهدى إليك بأيل سميتُهُ غرسيةً وبعثته … في حبله ليتاح فيه تفاؤلي فلئن قبلت فتلك أسمى نعمةٍ … أسدى بها ذو منحة وتطوّل فقضى الله في سابق علمه أن عسكره أسروا غرسيه في ذلك اليوم الذي أهدى فيه

стр. 8894

الأيل بعينه، وكانت هذه الواقعة في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وثلثمائة وبقي المنصور على منزلته حتى توفي سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة على ما نذكره. وفيها (١): عاد سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة إلى ملك حلب، وسببه أنه لماجرى من قرعويه وبنيه ما قدمنا ذكره من استيلاء قرعويه على حلب ومقام سعد الدولة بحماة، وصل إلى سعد الدولة وهو بحماة مارقطاش (٢) مولى أبيه من حصن برزية (٣) وخدمه وبنى له حمص بعد ما كان أخربها الروم، وكان لقرعويه مولى يقال له بكجور وقبض على مولاه قرعويه وحبسه في قلعة حلب، وكاتب أهل حلب سعد الدولة، فسار سعد الدولة إليهم وأنزل بكجور بالأمان، وحلف له أنه يوليه حمص، فنزل بكجور وولاه سعد الدولة حمص، واستقر سعد الدولة بحلب. وفيها (٤): توفي بهستون بن وشمكير بجرجان، واستولى على طبرستان وجرجان أخوه قابوس بن وشمكير بن زيار. وفيها (٥): توفي يوسف بن الحسن الجنابي القرمطي صاحب هجر ومولده سنة ثمانين ومائتين، وتولى أمر القرامطة بعده ستة نفر شركة وسموا السادة. وفي سنة سبع وستين: سار (٦) عضد الدولة إلى العراق، وكتب إلى بختيار يقول له: اخرج عن هذه البلاد وأنا أعطيك أي بلاد اخترت غيرها، فمال بختيار إلى ذلك وأرسل له عضد الدولة (خلعة) فلبسها، وسار بختيار نحو الشام، ودخل عضد الدولة بغداد، وقتل محمد بن بقية وزير بختيار وصلبه، ورثاه أبو الحسن الأنباري (٧) بقصيدته المشهورة التي منها (٨): [من الوافر] علوٌّ في الحياة وفي الممات … لَحَقُّ أنتَ إحدى المعجزات

стр. 8895

كأن الناس حولك حين قاموا … وفود نداك أيام الصلات مددت يديك نحوهم اقتفاء (١) … كمدهما إليهم في الهبات ولما ضاق بطن الأرض عن أن … يضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك واستنابوا … عن الأكفان ثوب السافيات لعظمك في النفوس تبيت ترعى … بحراس (٢) وحفاظ ثقات وتشعل عندك النيران ليلا … كذلك كنت أيام الحياة وسار مع بختيار حمدان بن ناصر الدولة، فأطمعه حمدان في ملك الموصل، وحسن له ذلك، وهون عليه أمر أخيه أبي تغلب، فسار بختيار إلى جهة الموصل فأرسل أبو تغلب يقول لبختيار: إن سلمت إلي أخي حمدان صرت إليك وقاتلت عضد الدولة وأخرجته من العراق، فقبض بختيار على حمدان وحمله إلى أخيه أبي تغلب، وارتكب فيه من الغدر أمرا شنيعا، فحبسه أخوه أبو تغلب، وجمع أبو تغلب العساكر، واجتمع مع بختيار وقصدا عضد الدولة، فخرج عضد الدولة من بغداد نحوهما، والتقوا بقصر الجص من نواحي تكريت ثامن عشر شوال هذه السنة، فهزمهما عضد الدولة، وأمسك بختيارا أسيرا وقتله، ثم سار عضد الدولة نحو الموصل وملكها وهرب أبو تغلب إلى ميافارقين. فهزمه عضد الدولة بالعساكر إلى بلاد الروم، ثم سارت عساكر عضد الدولة نحوهم فهزموا، وسار أبو تغلب إلى حصن زياد ويعرف الآن بخرت برت ثم سار إلى آمد وأقام بها. وفيها (٣): توفي محمد (٤) بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة البغدادي، وكان قاضي السندية وغيرها من أعمال بغداد، وكان من عجائب الدنيا في بديهته ورد جوابه عما يسأل في أفصح لفظ وأملح سجع، وكان مختصا بصحبة الوزير المهلبي، وكان رؤساء العصر يداعبونه ويكتبون إليه الرسائل المضحكة فيرد جوابها من غير توقف، وكان الوزير المهلبي يغري به من يسأله، فمن ذلك ما كتب إليه به العباس بن المعلى الكاتب: ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنى بنصرانية، فولدت منه ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر وقد قبض عليهما، فما يرى القاضي بهما. فكتب
следующие страницы →