← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

بالمهدية من إفريقية حادي عشر رمضان سنة تسع عشرة وثلثمائة، فيكون عمره خمسًا وأربعين سنة وأشهر، كان مغرى بالنجوم، وكان فاضلًا، ولما مات أخفى العزيز ابنه موته، وأظهره في عيد النحر من هذه السنة، وبايعه الناس. وفي أواخرها: سار أبو القاسم بن الحسن أمير صقلية إلى الغزاة ففتح مدينة مسينا (١) وكتنة وقلعة حلوى، وبث سراياه في نواحي قلورية (٢)، وغنم وسبى وفتح البلاد. وفيها (٣): خطبت الخطباء للعزيز العلوي بمكة. وفيها (٤): توفي ثابت بن سنان بن قرة الصابي صاحب التاريخ. وفيها (٥): توفي أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي الفقيه الشافعي إمام عصره، ولم يكن فيما وراء النهر مثله، رحل إلى العراق والشام والحجاز، وأخذ العلم عن ابن سريج وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه، وروى عنه الحاكم ابن مندة وجماعة كثيرة، وأبو بكر القفال والد قاسم صاحب (التقريب) الذي ينقل عنه في النهاية والوسيط والبسيط، وذكره الغزالي في الباب الثاني من كتاب (الرهن) لكنّه قال أبو القاسم وغلط إنما هو القاسم وهذا التقريب غير تقريب سليم الرازي الشاشي، منسوب إلى شاش وهي مدينة وراء نهر سيحون في أرض الترك، وأبو بكر القفال الشاشي غير أبي بكر محمد الشاشي صاحب العمدة والكتاب المستظهري الذي سنذكره إن شاء الله تعالى سنة سبع وخمسمائة. سنة ست وستين إلى سنة سبعين وثلثمائة في (٦) المحرم سنة ست: توفي ركن الدولة الحسن بن بويه (٧)، واستخلف على

стр. 8892

ممالكه ابنه عضد الدولة، وعمر ركن الدولة سبعين سنة، وكانت أمارته أربعًا وأربعين سنة، وأصيب به الدين والدنيا جميعًا لاستكمال (خلال) الخير فيه، وعقد لولده فخر الدولة على همدان وأعمال الجبل ولولده مؤيد الدولة على أصفهان وجعلها تحت حكم أخيهما عضد الدولة. وفيها (١): بعد وفاة ركن الدولة سار عضد الدولة إلى العراق، فخرج بختيار لقتاله، فاقتتلا بالأهواز، وخامر أكثر جيش بختيار عليه فانهزم بختيار إلى واسط، واستولى عضد الدولة على البصرة، ثم سار بختيار إلى بغداد، وسار عضد الدولة إلى البصرة وأعمالها، فاستمر الحال على ذلك حتى خرجت السنة. وفيها (٢): ملك سبكتكين غزنة، وكان من غلمان أبي إسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة والسامانية. وكان سبكتكين مقدمًا عند مولاه أبي إسحاق لعقله وشجاعته، فلما مات أبو إسحاق ولم يكن له ولد اتفق العسكر وولوا سبكتكين عليهم، وحلفوا له وأطاعوه، ثم إن سبكتكين عظم شأنه، وغزا بلاد الهند واستولى على بست. وفيها (٣): مات منصور بن سامان صاحب خراسان وما وراء النهر في منتصف شوال في بخارى، وكانت ولايته خمس عشرة سنة، وولي الأمر بعده ولده نوح وعمره ثلاث عشرة سنة. وفيها (٤): مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي (٥) قاضي الأندلس، وكان فقيهًا خطيبًا شاعرًا ذا دين متين. وفيها (٦): قبض عضد الدولة على أبي الفتح ابن العميد وزير أبيه، وسَمَلَ عينيه وقطع أنفه، وكان أبو الفتح ليلة قبض أمسى مسرورًا، وأحضر ندماءه، وأظهر من الآلات الذهبية والزجاج وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله، وشربوا وعمل

стр. 8893

شعرًا وغُنّي به: [من المتقارب] دعوتُ المنى ودعوتُ العُلا … فلما أجابا دعوتُ القِدَحْ وقلتُ لأيامِ شرخ الشباب … إليَّ فهذا أوانُ الفَرح إذا بلغ المرء آمالَهُ … فليس له بعدها مُقْتَرَح فطرب عليه وشرب حتى سكر وقام فقبض في سحر تلك الليلة. وفي هذه السنة: توفي (١) المنتصر الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي صاحب الأندلس، وكانت إمارته خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وعمره ثلاث وستين سنة وسبعة أشهر، وكان فقيهًا عالمًا بالتاريخ، وعهد إلى ابنه هشام وعمره عشر سنين ولقبه المؤيد بالله، ولما بويع المؤيد تولّى حجابته وتنفيذ أمره أبو عامر (٢) محمد بن عبد الله بن أبي عامر (٣) محمد بن الوليد المعافري القحطاني وتلقب أبو عامر المذكور بالمنصور، واستولى على الدولة، وحجب المؤيد ولم يترك أحدًا يراه، وكان أصل المعافري من الجزيرة الخضراء من الأندلس، من قرية من أعمالها تسمى طرش، واشتغل المنصور بالعلوم في قرطبة، وكانت له نفس شريفة، فبلغ معالي الأمور، واجتمعت عنده الفضلاء، وأكثر الغزو في الفرنج حتى بَلَغَتْ عدة غزواته نيفًا وخمسين غزوة، ومن عجائب الاتفاقات أن صاعدًا (٤) بن الحسن اللغوي أهدى إلى المنصور المذكور أيلًا مربوطًا في رقبته بحبل وأحضر مع الأيل أبياتًا يمتدح المنصور بها، وكان المنصور أرسل جيشًا لغزو الفرنج وملكهم إذ ذاك غرسية بن سانجة، والأبيات كثيرة منها: [من الكامل] عبدٌ نَشَلْتَ بضَبْعِهِ وغرستَهُ … في نعمة أهدى إليك بأيل سميتُهُ غرسيةً وبعثته … في حبله ليتاح فيه تفاؤلي فلئن قبلت فتلك أسمى نعمةٍ … أسدى بها ذو منحة وتطوّل فقضى الله في سابق علمه أن عسكره أسروا غرسيه في ذلك اليوم الذي أهدى فيه

стр. 8894

الأيل بعينه، وكانت هذه الواقعة في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وثلثمائة وبقي المنصور على منزلته حتى توفي سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة على ما نذكره. وفيها (١): عاد سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة إلى ملك حلب، وسببه أنه لماجرى من قرعويه وبنيه ما قدمنا ذكره من استيلاء قرعويه على حلب ومقام سعد الدولة بحماة، وصل إلى سعد الدولة وهو بحماة مارقطاش (٢) مولى أبيه من حصن برزية (٣) وخدمه وبنى له حمص بعد ما كان أخربها الروم، وكان لقرعويه مولى يقال له بكجور وقبض على مولاه قرعويه وحبسه في قلعة حلب، وكاتب أهل حلب سعد الدولة، فسار سعد الدولة إليهم وأنزل بكجور بالأمان، وحلف له أنه يوليه حمص، فنزل بكجور وولاه سعد الدولة حمص، واستقر سعد الدولة بحلب. وفيها (٤): توفي بهستون بن وشمكير بجرجان، واستولى على طبرستان وجرجان أخوه قابوس بن وشمكير بن زيار. وفيها (٥): توفي يوسف بن الحسن الجنابي القرمطي صاحب هجر ومولده سنة ثمانين ومائتين، وتولى أمر القرامطة بعده ستة نفر شركة وسموا السادة. وفي سنة سبع وستين: سار (٦) عضد الدولة إلى العراق، وكتب إلى بختيار يقول له: اخرج عن هذه البلاد وأنا أعطيك أي بلاد اخترت غيرها، فمال بختيار إلى ذلك وأرسل له عضد الدولة (خلعة) فلبسها، وسار بختيار نحو الشام، ودخل عضد الدولة بغداد، وقتل محمد بن بقية وزير بختيار وصلبه، ورثاه أبو الحسن الأنباري (٧) بقصيدته المشهورة التي منها (٨): [من الوافر] علوٌّ في الحياة وفي الممات … لَحَقُّ أنتَ إحدى المعجزات

стр. 8895

كأن الناس حولك حين قاموا … وفود نداك أيام الصلات مددت يديك نحوهم اقتفاء (١) … كمدهما إليهم في الهبات ولما ضاق بطن الأرض عن أن … يضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك واستنابوا … عن الأكفان ثوب السافيات لعظمك في النفوس تبيت ترعى … بحراس (٢) وحفاظ ثقات وتشعل عندك النيران ليلا … كذلك كنت أيام الحياة وسار مع بختيار حمدان بن ناصر الدولة، فأطمعه حمدان في ملك الموصل، وحسن له ذلك، وهون عليه أمر أخيه أبي تغلب، فسار بختيار إلى جهة الموصل فأرسل أبو تغلب يقول لبختيار: إن سلمت إلي أخي حمدان صرت إليك وقاتلت عضد الدولة وأخرجته من العراق، فقبض بختيار على حمدان وحمله إلى أخيه أبي تغلب، وارتكب فيه من الغدر أمرا شنيعا، فحبسه أخوه أبو تغلب، وجمع أبو تغلب العساكر، واجتمع مع بختيار وقصدا عضد الدولة، فخرج عضد الدولة من بغداد نحوهما، والتقوا بقصر الجص من نواحي تكريت ثامن عشر شوال هذه السنة، فهزمهما عضد الدولة، وأمسك بختيارا أسيرا وقتله، ثم سار عضد الدولة نحو الموصل وملكها وهرب أبو تغلب إلى ميافارقين. فهزمه عضد الدولة بالعساكر إلى بلاد الروم، ثم سارت عساكر عضد الدولة نحوهم فهزموا، وسار أبو تغلب إلى حصن زياد ويعرف الآن بخرت برت ثم سار إلى آمد وأقام بها. وفيها (٣): توفي محمد (٤) بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة البغدادي، وكان قاضي السندية وغيرها من أعمال بغداد، وكان من عجائب الدنيا في بديهته ورد جوابه عما يسأل في أفصح لفظ وأملح سجع، وكان مختصا بصحبة الوزير المهلبي، وكان رؤساء العصر يداعبونه ويكتبون إليه الرسائل المضحكة فيرد جوابها من غير توقف، وكان الوزير المهلبي يغري به من يسأله، فمن ذلك ما كتب إليه به العباس بن المعلى الكاتب: ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنى بنصرانية، فولدت منه ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر وقد قبض عليهما، فما يرى القاضي بهما. فكتب

стр. 8896

الجواب بديهًا: هذا من أعدل الشهود على اليهود بأنهم قد أشربوا العجل في صدورهم فخرج من أيورهم، وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل ويصلب على عنق النصرانية الساق مع الرجل ويسحب على الأرض وينادي عليهما: ظلمات بعضها فوق بعض. والسندية قرية على نهر عيسى بين بغداد والأنبار، والنسبة إليها السندواني ليفرق بينها وبين السند. وفي سنة ثمان وستين: فتح أبو الوفاء (١) مقدم جيش عضد الدولة ميافارقين بالأمان، فلما سمع أبو تغلب بفتحها سار عنها إلى الرحبة، ثم سار أبو الوفاء ففتح آمد واستولى عضد الدولة على جميع ديار بكر، ثم استولى على ديار مضر والرحبة، ولما استولى عضد الدولة على بلاد أبي تغلب استخلف أبا الوفاء على الموصل وسار إلى بغداد، وسار أبو تغلب إلى دمشق وعليها قسام العزيزي من جهة العزيز صاحب مصر، فلما وصل أبو تغلب إلى دمشق قاتله قسام، فسار أبو تغلب إلى طبرية. وفيها (٢): توفي القاضي أبو سعيد الحسن (٣) بن عبد الله السيرافي مصنف شرح كتاب سيبويه، وكان فقيهًا مهندسًا منطقيًا، وعمره أربع وثمانون سنة وولي بعده (٤) الحكم بالجانب الشرقي من بغداد أبو محمد بن معروف. وفي سنة تسع وستين: كان (٥) قد سار أبو تغلب عن دمشق إلى طبرية، ثم سار إلى الرملة في محرم هذه السنة، وكان بتلك الجهة مفرج بن دغفل الطائي وقائد العزيز فضل، ومعه عسكر العزيز، فساروا لقتال أبي تغلب وليس معه غير سبعمائة رجل من غلمانه وغلمان أبيه، فولى أبو تغلب منهزمًا وتبعوه فأخذوه أسيرًا، فقتله مفرج بن دغفل وبعث برأسه إلى

стр. 8897

العزيز بمصر. وكان معه أخته جميلة بنت ناصر الدولة وزوجته بنت عمه سيف الدولة فحملهما بنو عقيل إلى حلب، وبها سعد الدولة، فترك أخته عنده وأرسل جميلة إلى بغداد فاعتقلت في دار عضد الدولة. وكان (١) عمران بن شاهين صاحب البطائح من أهل قرية يقال لها الجامدة، فجنى جنايات وخاف من السلطان، فسار إلى البطيحة، وأقام بين القصب والآجام واقتصر على ما يصيده من السمك وطيور الماء، واجتمع إليه جماعة من الصيادين واللصوص، فقوي بهم، فلما اشتدَّت شوكته اتخذ له معاقل بالبطيحة واستولى عليها في سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة في أيام معز الدولة، فأرسل إليه العسكر مرة بعد مرة، فلم يظفر به، ومات معز الدولة وعسكره محاصر عمران، وتولّى بختيار فأمر العسكر بالعود إلى بغداد، فعادوا، ثم جرى بينه وبين بختيار عدة حروب فلم يظفر منه بشيء، وطلبه الملوك والخلفاء فعجزوا عنه. ومات بمملكته هذه السنة في المحرم حتف أنفه، وكانت مدة ولايته من حين ابتداء أمره أربعين سنة. ولما مات تولى البطيحة ابنه الحسن، وأرسل إليه عضد الدولة عسكرًا فاصطلحوا على مال يحمله الحسن إلى عضد الدولة كل سنة. وفيها (٢): سار عضد الدولة إلى أخيه فخر الدولة لوحشة جرت بينهما، فهرب فخر الدولة إلى شمس المعالي قابوس بن وشمكير، فأكرمه قابوس، وملك عضد الدولة بلاد أخيه فخر الدولة علي وهي همدان والري وما بينهما من البلاد، ثم سار عضد الدولة إلى بلاد حسنويه الكردي فاستولى عليها ولحق عضد الدولة في هذه السفرة صرع فكتمه، وصار كثير النسيان لا يذكر الأشياء إلا بعد جهد، وكتم ذلك أيضًا، وهذا دأب الدنيا لا تصفو لأحد. وفيها (٣): أرسل عضد الدولة جيشًا إلى الأكراد الهكارية ببلاد الموصل فأوقع بهم وحاصرهم، فسلموا إليه قلاعهم ونزلوا مع العسكر إلى الموصل. وفي سنة سبعين وثلثمائة: توفي (٤) الأحدب المزوّر، وكان يكتب على خط كل واحد فلا يشك.

стр. 8898

المكتوب عنه أنه خطر، وكان عضد الدولة يوقع بخطه بين الملوك الذين يريد الإيقاع بينهم بما يقتضيه الحال من الإفساد بينهم. وفيها (١): ورد على عضد الدولة هدية صاحب اليمن وفيها قطعة عنبر (وزنها) ستة وخمسون رطلًا بالبغدادي. وفيها (٢): توفي أبو منصور محمد (٣) بن أحمد بن الأزهر بن طلحة اللغوي، الإمام المشهور، كان فقيهًا شافعي المذهب، فغَلَبَتْ عليه اللغة واشتغل بها، وصنف في اللغة كتاب «التهذيب» عشرة مجلدات، وله تصنيف في غريب الألفاظ التي يستعملها الفقهاء، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ويقال له الأزهري لنسبته إلى جده. سنة إحدى وسبعين إلى سنة خمس وسبعين في سنة إحدى وسبعين: استولى (٤) عضد الدولة على بلاد جرجان وطبرستان وأجلى عنها صاحبها قابوس بن وشمكير ومعه فخر الدولة أخو عضد الدولة، وكان ذلك بسبب أن عضد الدولة طلب من قابوس أن يسلم إليه أخاه فخر الدولة عليًا، فامتنع قابوس من ذلك. وفيها (٥): قبض عضد الدولة على القاضي المحسن بن علي التنوخي (٦) الحنفي. وكان شديد التعصب على الشافعي. وفيها (٧): أفرج عضد الدولة عن أبي إسحاق إبراهيم (٨) الصابي، وكان قبض عليه سنة سبع وستين بسبب أنه كان ينصح في المكاتبات لبختيار، وهذا من العجب؛

стр. 8899

لأنه ما ينبغي أن تجعل مناصحة الإنسان لصاحبه ذنبًا. وفيها (١): أرسل عضد الدولة القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الأشعري الباقلاني إلى ملك الروم في جواب رسالة وَجَدَتْ منه. وفي سنة اثنتين وسبعين: سير (٢) العزيز بالله صاحب مصر جيشًا مع بكتكين (٣) وملك دمشق، وأمسك قسامًا وأرسله إلى عزيز مصر، واستقر بكتكين بدمشق. وفي (٤) ثامن شوال هذه السنة: توفي عضد الدولة فناخسرو (٥) بن ركن الدولة حسن بن بويه بمعاودة الصرع مرةً بعد أخرى، وحمل إلى مشهد علي بن أبي طالب ﵁، فدفن به، وكانت ولايته بالعراق خمس سنين ونصفًا، وعمره سبعًا وأربعين سنة، قيل إنه لما احتضر لم ينطق إلا بتلاوة: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه (٢٩)﴾ (٦)، وكان عاقلًا فاضلًا، حسن السياسة، شديد الهيبة، وهو الذي بنى على مدينة رسول الله ﷺ سورًا. وله شعر فمنه أبيات منها بيت لم يفلح بعده وهي: [من الرمل] ليس شرب الراح إلا في المطر … وغناء مِنْ جوارٍ في السحر (٧) غانيات سالبات للنّهى … ناغمات في تضاعيف الوتر (٨) عضد الدولة وابن ركنها … مَلكُ الأملاك غلاب القدر وكان عضد الدولة محبًا للعلوم وأهلها، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب، منها: (الإيضاح) في النحو، و (الحجة) في القراءات، و (الملكي) في الطب، و (التاجي) في تاريخ الديلم، وغير ذلك، ولما توفي عضد الدولة اجتمع القواد

стр. 8900

على كليجار المرزبان ولده فبايعوه للإمارة، ولقبوه صمصام الدولة وكان أخوه شرف الدولة شيرزيك بن عضد الدولة بكرمان، فلما بلغه موت أبيه سار إلى فارس وملكها، وقطع خطبة أخيه صمصام الدولة. وفيها (١): قَتَلَ أبو الفرج محمد بن عمران بن شاهين أخاه الحسن (٢) صاحب البطيحة واستولى عليها. وفي سنة ثلاث وسبعين: توفي (٣) مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة حسن بن بويه بالخوانيق وكان مقررًا على ما بيده بحكم أخيه عضد الدولة، وزاده عضد الدولة على ما بيده مملكة أخيهما فخر الدولة، وكان عمر مؤيد الدولة ثلاثًا وأربعين سنة، وكان أخوه فخر الدولة علي مع قابوس بن وشمكير بن زيار كما ذكرنا، فلما مات مؤيد الدولة اتفق قواد عسكره على طاعة فخر الدولة [وكتبوا إليه وسار فخر الدولة علي إليهم، وعاد إلى ملكه، واستقر فيه بغير منة لأحد ولا قتال، وذلك في رمضان هذه السنة، ووصلت إلى فخر الدولة] (٤) الخلع من الخليفة والعهد بالولاية. وكنا (٥) ذكرنا أن بكجور مولى قرعويه قبض على أستاذه قرعويه وملك حلب، ثم سار سعد الدولة شريف بن سيف الدولة فأخذ حلب من بجكور وولاه حمص، واستمر واليًا على حمص إلى هذه السنة. فكاتب عزيز مصر وسأله في ولاية دمشق فأجابه العزيز إلى ذلك، وكتب إلى بكتكين عامله بدمشق أن يسلم دمشق إلى بكجور ويحضر إلى مصر، فسلمها بكتكين إلى بكجور في رجب فاساء السيرة فيها. وفيها (٦): اتفق كبراء عسكر عمران بن شاهين، فقتلوا أبا الفرج محمد لسوء سيرته، وأقاموا أبا المعالي بن الحسن (٧) بن عمران بن شاهين، وكان صغيرًا. فدبّر أمره المظفر بن علي الحاجب، وهو أكبر قوّاد جده عمران، ثم بعد مدة أزال المظفر الحاجب أبا المعالي وسيره وأهله إلى واسط، واستولى المظفر على ملك

стр. 8901

البطيحة، واستقرَّ فيها، وانقرض ملك بني عمران. وفيها (١): في ذي الحجة توفي يوسف بن بلكين بن زيري أمير إفريقية. وتولى بعده ابنه المنصور، وأرسل إلى العزيز بالله هدية قيمتها ألف ألف دينار. وفي سنة أربع وسبعين: ولي (٢) أبو طريف عليان بن ثمال الخفاجي حماية الكوفة وهي أول إمارة. وفيها (٣): توفي أبو الفتح محمد بن الحسين الموصلي الحافظ المشهور. وفيها (٤): توفي بميافارقين الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل ابن نباتة، صاحب الخطب المشهورة، وكان إمامًا في علوم الأدب، ووقع الإجماع أنه ما عُمِل مثل خطبه، وصار خطيبًا بحلب مدة، وبها اجتمع بالمتنبي في خدمة سيف الدولة بن حمدان، وكان الخطيب المذكور رجلًا صالحًا، رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال له: مرحبًا يا خطيب الخطباء كيف تقول: كأنهم لم يكونوا للعيون قرّة، ولم يعدوا في الإحياء مرّة، فقال الخطيب تتمة هذه الخطبة وهي خطبة المنام، وأدناه رسول الله ﷺ وتَفَلَ في فيه، فبقي الخطيب بعد هذه الرؤيا ثلاثة أيام لم يطعم طعامًا ويشم من فيه مثل رائحة المسك، ولم يعش بعد هذه إلا أيامًا يسيرة. وكان مولده سنة خمس وثلاثين وثلثمائة. وفي سنة خمس وسبعين: قصدت (٥) القرامطة الكوفة مع نفر من الستة الذين سموهم السادة فملكوها، فجهز صمصام الدولة إليهم جيشًا، فانهزمت القرامطة وانحرفت هيبتهم. وقد (٦) حكى ابن الأثير (٧) في حوادث هذه السنة (٨) أنه خرج فيها طائر من البحر أكبر من الفيل، ووقف على تل هناك وصاح بلسان فصيح قد قرب قالها ثلاث مرات، ثم غاص في

стр. 8902

البحر، وفعل ذلك ثلاث أيام، ولم ير بعد ذلك. سنة ست وسبعين إلى ثمانين وثلثمائة في سنة ست: سار (١) شرف الدولة شيرزيك بن عضد الدولة من الأهواز إلى واسط فملكها، وأشار أصحاب صمصام الدولة عليه بالسير إلى الموصل أو غيرها، فأبى صمصام الدولة، وركب بخواصه وحضر إلى عند أخيه مستأمنًا، فلقيه شرف الدولة حتى دخل بغداد في رمضان وأخوه صمصام الدولة معتقل معه. وكانت إمارة صمصام الدولة ببغداد ثلاث سنين ثم نقله إلى فارس واعتقله في قلعة هناك. وفيها (٢): توفي المظفر الحاجب صاحب البطيحة، وولي بعده ابن أخيه (٣) أبو الحسن علي بن نصر بعهد من المظفر، ووصل تقليده من بغداد بالبطيحة، ولقب مهذب الدولة، فأحسن السيرة بالخير والإحسان. فيها (٤): توفي ببغداد أبو علي الحسن (٥) بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، صاحب كتاب «الإيضاح» وله تسعين (٦) سنة، وكان معتزليًا، ولد بمدينة فسا، واشتغل ببغداد، وكان إمام وقته في النحو، ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيف الدولة مدة، ثم انتقل إلى فارس وصحب عضد الدولة وتقدم عنده. ومن تصانيفه كتاب «التذكرة» وهو كبير وكتاب المقصور والممدود وكتاب الحجة في القراءات وكتاب «العوامل المائة» وكتاب «المسائل الحلبيات» وغير ذلك. وفي سنة سبع وسبعين: سير (٧) العزيز صاحب مصر عسكرًا مع القائد منير الخادم إلى دمشق ليعزل بكجور عنها، فلما قرب منها خرج بكجور وقاتله عند داريا ثم انهزم بكجور ودخل البلد، وطلب الأمان، فأجابه منير إلى ذلك، فسار بكجور إلى الرقة واستولى عليها،

стр. 8903

واستقرَّ مُنيرٌ في إمارة دمشق فأحسن السيرة. وفيها (١): في المحرّم، أهدى الصاحب بن عباد دينارًا وزنه ألف مثقال إلى فخر الدولة علي بن ركن الدولة حسن وعلى الدينار مكتوب: [من الطويل] وأحمرُ يحكي الشمسَ شكلًا وصورةً … فأوصافُها مُشتقةٌ من صفاته فإن قيل دينارٌ فقد صدق اسمه … وإنْ قيل ألفٌ فهو بعض صفاته بديع ولم يُطبع على الدهر مثله … ولا ضُربت أضرابه لسراته وصار إلى شاهان شاه انتسابُه … على أنه مُستصغر لعُفاته يخبّر أن يبقى سنينًا كوزنه … لتستبشر الدنيا بطول حياته وفيها (٢): توفي أبو حامد (٣) محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الحاكم صاحب التصانيف. وفي سنة تسع وسبعين: أرسل (٤) شرف الدولة محمد بن الفراش (٥) ليسمل أخاه صمصام الدولة فوصل إلى القلعة التي بها صمصام الدولة محبوسًا، فسمله بعد موت شرف الدولة وأعماه. وفي (٦) مستهل جمادى الآخرة: توفي شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيك بن عضد الدولة بالاستسقاء، وحمل إلى مشهد علي ﵁، فدفن به، وكانت إمارته بالعراق سنتين وثمانية أشهر وعمره ثمانيًا وعشرين سنة وخمسة أشهر، ولما مات استقر في ملكه أخوه أبو نصر بهاء الدولة خاشاذ، وخلع عليه الطائع وقلده السلطنة. وفيها (٧): وقعت الفتنة بين الأتراك والديلم ودام القتال بينهم خمسة أيام، وبهاء الدولة في داره يراسلهم في الصلح، فلم يسمعوا، ثم صار بهاء الدولة مع الأتراك فضعف الديلم وأجابوا إلى الصلح ثم بعد ذلك أَخَذَ أمر الأتراك في القوة والديلم في الضعف. وفيها (٨): هرب أبو العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر إلى البطيحة

стр. 8904

فاحتمى فيها، وكان سببه أن الأمير إسحاق والد أحمد المذكور لما توفي جرى بين أحمد الذي تلقب فيما بعد بالقادر وهو هذا الهارب وبين أخت له منازعة على ضيعة، وكان الطائع قد مرض وشفي، فسَعَتْ بأخيها المذكور إلى الطائع، وقالت: إن أخي سعى في الخلافة بعد مرضك فتغيّر الطائع على أخيها أحمد وأرسل ليقبضه، فهرب المذكور إلى البطيحة فأكرمه مهذب الدولة، ووسّع عليه، وبالغ في خدمته. وكان (١) ابنا ناصر الدولة وهما أبو الطاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين في خدمة شرف الدولة بن عضد الدولة ببغداد، فلما توفي شرف الدولة وملك أخوه بهاء الدولة استأذناه في السير إلى الموصل، فأذن لهما بهاء الدولة في ذلك، فسارا إلى الموصل فقاتلهما العامل الذي بها، فاجتمع إليهما المواصلة، فاستوليا على الموصل، وطردا العامل والعسكر الذي قاتلهما إلى بغداد، واستقرا في الموصل. وفي سنة ثمانين وثلثمائة: طمع (٢) باد صاحب ديار بكر في ابني ناصر الدولة وهما أبو طاهر إبراهيم وأبو عبد الله الحسين المستوليان على الموصل، فقصدهما وقاتلهما، فقتل باد وحمل رأسه إلهيما، وكان باد المذكور خال أبي علي بن مروان فلما قتل باد سار أبو (٣) علي ابن أخته إلى حصن كيفا، وكان بالحصن أمراء خاله باد وأهله، فقال لامرأة خاله: قد أنفذني خالي إليك في مهم، فلما صعد إليها أعْلَمَها قتل خاله، وأطمعها في التزويج بها، فوافقته على ملك الحصن وغيره، فملك أبو علي بن مروان بلاد خاله حصنًا حصنًا وجرى بينه وبين أبي طاهر وأبي عبد الله ابني ناصر الدولة حروب ثم مضى أبو علي بن مروان إلى مصر، وتقلد من الخليفة العزيز ولاية تلك النواحي، وكان قد عاد إلى مكانه من ديار بكر، وأقام بتلك الديار إلى أن اتفق بعض أهل آمد مع شيخهم عبد البر فقتلوا أبا علي بن مروان عند خروجه من باب البلدة بالسكاكين، وكان المتولي لقتله ابن دمنة، فلما قتل أبو علي بن مروان استولى عبد البر شيخ آمد عليها، وزوج ابن دمنة بابنته، فوثب ابن دمنة فقتل عبد البر أيضًا، واستولى ابن دمنة على آمد واستقر فيها. وكان لأبي علي بن مروان أخ يقال له: ممهد الدولة فلما قتل أبو علي سار ممهّد الدولة بن مروان إلى ميافارقين فملكها وملك غيرها من بلاد أخيه، وكان في رجال

стр. 8905

ممهد الدولة رجل يقال له شروة، وهو من أكابر عسكره، فعمل له دعوة وقتله فيها، واستولى شروة على غالب (بلاد) بني مروان، وذلك سنة اثنتين وأربعمائة، وكان لممهد الدولة أخ آخر اسمه أبو نصر، وكان حبسه أخوه أبو علي بسبب رؤيا رآها، وهو أنه رأى أن الشمس في حجره، قد أخذها منه أخوه أبو نصر، فحبسه لذلك، فلما قتل ممهد الدولة أخرج أبو نصر من الحبس، واستولى على ارزن، وذلك جميعه وأبوهم مروان باق وهو أعمى مقيم بأرزن عند قبر ولده أبي علي. ولما استقر أمر أبي نصر انتقض أمر شروه وخرجت البلاد عن طاعته واستولى أبو نصر على سائر ديار بكر، ودامت أيامه، وحَسُنَت سيرته، وبقي كذلك من سنة اثنتين وأربعمائة إلى سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها (١): استولى أبو الذواد محمد بن المسيب بن رافع بن مقلد بن جعفر أمير بني عقيل على الموصل، وقتل أبا طاهر بن ناصر الدولة بن حمدان وقتل أولاده وعددًا من قواده بعد قتال كبير جرى بينهما. سنة إحدى إلى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة في سنة إحدى: قبض (٢) بهاء الدولة بن عضد الدولة على الطائع الله أبي بكر عبد الكريم بن المطيع الفضل بن جعفر المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل، بسبب طمع بهاء الدولة في مال الطائع. ولما أراد بهاء الدولة ذلك أرسل إلى الطائع، وسأله الإذن لتجديد العهد به، فجلس الطائع على سرير ودخل بعض الديلم كأنه يريد يقبل يد الطائع، فجذبه عن سريره والخليفة يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويستغيث ولا يُغاث، وحمل الطائع إلى دار بهاء الدولة، وأشهد عليه بالخلع، وكانت خلافته (سبع عشرة سنة وثماينة أشهر وأيامًا، ولما تولى القادر، حمل إليه الطائع فبقي عنده مكرمًا إلى أن توفي الطائع سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة ليلة الفطر. وكان مولده سنة سبع عشرة وثلثمائة. ولم يكن للطائع) (٣) من الحكم ما يستدل به على حاله، وكان في الناس الذين حضروا القبض على الطائع الشريف الرضي، فبادر بالخروج من دار الخلافة وقال في ذلك أبياتًا من جملتها: [من البسيط] أمسيتُ أرحمُ مَنْ قَدْ كنتُ أغبطُهُ … لقد تقارب بين العز والهون (٤)

стр. 8906

ومَنظرٌ كانَ بالسّرّاءِ يُضحكُني … يا قُربَ ما عادَ بالضّرّاءِ يُبكيني هيهاتَ اعتزّ بالسلطانِ ثانيةً … قَدْ ضَلَّ ولاجُ أبوابِ السلاطين خلافة القادر بالله أحمد، خامس عشرين بني العباس (١) وكان مقيمًا بالبطيحة كما قدمناه، فأرسل بهاء الدولة خواص أصحابه ليحضروه، ولما قرب من بغداد خرج بهاء الدولة وأعيان الدولة لملتقاه ودخل القادر بالله أبو العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر دار الخلافة ثاني عشر رمضان، وكانت مدة مقام القادر بالبطيحة عند مهذب الدولة سنتين وأحد عشر شهرًا، وكان مهذب الدولة محسنًا إلى القادر جدًا. ولما توجّه من عنده، حمل إليه مهذب الدولة ألف ألف دينار. كنا (٢) قد ذكرنا استيلاء منير الخادم من جهة العزيز على دمشق ومسير بكجور لقتال سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب، واقتتلا قتالًا شديدًا، وهرب بكجور وأصحابه، وكثر القتل فيهم، ثم أمسك بكجور وأحضر أسيرًا إلى سعد الدولة، فقتله، ولقي بكجور عاقبة بغيه وكفره إحسان مولاه. ولما قتله سعد الدولة سار إلى الرّقة وبها أولاد بكجور وأمواله وحصرها فطلبوا الأمان وحلفوا سعد الدولة أن لا يتعرض إليهم ولا إلى مالهم، فبذل سعد الدولة اليمين لهم، فلما سلموا الرقة غَدَرَ بهم سعد الدولة وأخذ أولاد بكجور وأمواله، وكانت أموالًا عظيمة، فلما عاد سعد الدولة إلى حلب لحقه فالج في جانبه اليمين، فأحضر الطبيب ومدّ إليه يده اليسرى، فقال الطبيب: يا مولاي هات اليمنى، فقال سعد الدولة: ما تركت في اليمين يمينًا، وعاش ثلاثة أيام ومات في هذه السنة. وهو أبو المعالي شريف بن سيف الدولة علي بن عبيد الله بن حمدان (٣)، وقبل موته عهد إلى ولده أبي (٤) الفضائل، وجعل مولاه لؤلؤًا يدبر أمره. وفيها (٥): وصل (٦) ملك الروم إلى حمص وفتحها ونهبها، وسار إلى شيزر فنهبها، وإلى طرابلس فحصرها مدة وعاد إلى بلاده. وفيها (٧): توفي القائد جوهر الذي فتح مصر للمعز العلوي معزولًا عن وظيفته.

стр. 8907

وفي سنة اثنتين وثمانين: شَغَبَت (١) الجند على بهاء الدولة بسبب استيلاء أبي الحسن بن المعلم على الأمور كلها، فقبض عليه بهاء الدولة، وسلّمه إلى الجند فقتلوه. وفي سنة ثلاث وثمانين: استولى (٢) بغراخان على بخارى، وكان له كاشغر وبلاصاغون إلى بلاد الصين، فقصد بخارى، وجرى بينه وبين الأمير الرضي نوح بن منصور الساماني حروب انتصر فيها بغراجان، وملك بخارى، وخرج منها الأمير نوح مستخفيًا، فعبر النهر (إلى) (٣) آمل الشط، وأقام الأمير نوح بها ولحق به أصحابه وبقي يستدعي أبا علي بن سيمجور صاحب جيش خراسان، فلم يأته. وعصى عليه، ومرض بغراجان ببخار، فرحل عنها إلى بلاده فمات في الطريق وكان بغراجان (دينًا حسن السيرة، وكان يحب أن يكتب عنه مواد رسول الله، وولي إمرة الترك بعده طغان خان أبو نصر أحمد بن علي خان، ولما رحل بغراجان عن بخارى) (٤) ومات بادر الأمير نوح فعاد إلى بخارى واستقر في ملكها. وفي سنة أربع وثمانين: لما (٥) عاد نوح إلى بخارى اتفق أبو علي بن سيمجور صاحب جيش خراسان وفائق على حرب نوح، فكتب نوح إلى سبكتكين وهو بغزنة يعلمه صورة الحال، فسار سبكتكين من غزنة ومعه ابنه محمود إلى نحو خراسان، وسار نوح من بخار، فاجتمعا، وقصدا أبا علي بن سيمجور وفائقًا، واقتتلوا بنواحي هراة، فانهزم أبو علي وأصحابه، وتبعهم عسكر نوح وسبكتكيين يقتلون فيهم، ولما استقر أمر نوح بخراسان استعمل عليها محمود بن سبكتكين. وفيها (٦): (توفي) (٧) عبيد الله (٨) بن محمد، وكان من الصالحين، بقي سبعين سنة لا يستند إلى حائط (ولا إلى مخدة).

стр. 8908

ومحمد (١) بن العباس بن أحمد القزاز، سمع وكتب كثيرًا وخطه حجة على (صحة) النقل، وجودة الضبط. وفيها (٢): توفي أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الكاتب (وكان) وعمره إحدى وتسعين سنة، وكان قد زَمِن وضاقت به الأمور. كان كاتب إنشاء ببغداد لمعز الدولة، ثم لبختيار، وكانت تصدر عنه كتب إلى عضد الدولة تؤلمه، فحقد عليه، ولما ملك عضد الدولة بغداد حبسه مدة، ثم أطلقه وأمره أن يعمل له كتابًا في أخبار الدولة الديلمية، فصنف له كتابًا وسماه «التاجي» ونُقل إلى عضد الدولة عنه أن بعض أصحاب أبي إسحاق دَخَلَ عليه وهو يؤلف في التاجي، فسأله عما يعمل فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب ألفّقُها، فحرّك ذلك عضد الدولة، وأهاج حقده، فأبعده ولم يزل الصابي على دينه وجهد معز الدولة أن يستسلمه فلم يفعل، وكان مع ذلك يحفظ القرآن. ولما مات الصابي المذكور رثاه الشريف الرضي فليم في ذلك، فقال: إنما رثيت فضيلته. وفي سنة خمس وثمانين: عاد (٣) أبو علي بن سيمجون إلى خراسان، وقاتل محمود وأخرجه عنها. ثم سار سبكتكين ومحمود ابنه بالعساكر، واقتتلوا مع أبي علي بطوس فهزموه، وفي ذلك يقول بعض الشعراء عن ابن سيمجور: [من الوافر] عطى السُّلطانُ فابتدرتْ إليهِ … رِجالٌ يقلعون أبا قُبَّيسِ وصيّر طوس معقله فكانت … عليه طوس أشأمُ مِنْ طُوَيس ثم إن أبا علي طلب الأمان من نوح فآمنه وسار إليه، فلما وصل إلى بخارى قبض عليه نوح وعلى أصحابه (٤) حتى مات في الحبس. وفيها (٥): مات الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة علي بن ركن الدولة بالري، ونقل إلى أصفهان فدفن بها، وكان أوحد زمانه علمًا وفضلًا وتدبيرًا وكرمًا، عالمًا بأنواع العلوم وجمع من الكتب ما لم يجمعه غيره، وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء؛ لأنه صحب أبا الفضل بن العميد فقيل له: صاحب ابن العميد،

стр. 8909

ثم أطلق عليه هذا اللقب، وبقي علمًا عليه، ويسمى به كل من ولي الوزارة، وكان أولًا وزيرًا لمؤيد الدولة، فلما مات مؤيد الدولة واستولى أخوه فخر الدولة على مملكته أقر ابن عباد على وزارته وعظم عنده وصنّف الصاحب عدّة كتب منها «المحيط في اللغة» و «الكافي في الرسائل وكتاب الإمامة» يتضمّن فضائل علي وصحة إمامة مَنْ تقدمه، وكتاب «الوزارة» وله النظم الجيد. وكان مولده في ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلثمائة باصطخر، وقيل بطالقان قزوين. وكان عباد أبو الصاحب وزير ركن الدولة، وتوفي عباد سنة أربع وخمسين وثلثمائة. وفيها (١): توفي أبو محمد يوسف بن الحسن (٢) بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي الفاضل بن الفاضل، شرح أبوه الحسن بن عبد الله كتاب سيبويه، وظهر له فيه ما لم يظهر لغيره، ثم صنف عدة كتب مشهورة مثل شرح أبيات سيبويه، وشرح إصلاح المنطق، وسيراف قصبة فارس وليس بها زرع ولا ضرع، وأهلها … ، ومنها ينتهي الإنسان إلى حصن (ابن) عمارة على البحر منيع، ويقال: إن صاحبه هو الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٣) وكان اسم ذلك الملك الجلندي بضم الجيم. سنة ست وثمانين إلى تسعين وثلثمائة في سنة ست وتسعين لليلتين بقيتا من رمضان: توفي (٤) العزيز بالله أبو منصور نزار بن المعز معد بن المنصور إسماعيل الفاطمي، صاحب مصر وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر بمدينة (بلبيس) (٥) وكان برز إليها لغزو الروم، وكان موته بعدة أمراض منها القولنج، وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ومولده بالمهدية. وكان قد ولى كتابته نصراني يقال له: عيسى بن نسطورس، واستناب بالشام رجلًا يهوديًا اسمه ميشا فاستطالت النصارى واليهود بسببهما على المسلمين، فعمد أهل مصر إلى قراطيس وعملوها على هيأة امرأة ومعها قصة فجعلوها في طريق العزيز، فأخذها العزيز وفيها مكتوب بالذي أعزّ اليهود بمنشا والنصار بعس بن نسطروس،

стр. 8910

وأذل المسلمين بك إلا كشفت عنّا، فقبض على عيسى النصراني وصادره، وكان العزيز يحب العفو ويستعمله، ولما مات العزيز بويع ابنه الحاكم (١) بأمر الله أبو علي منصور بعهد من أبيه. فولي الخلافة وعمره إحدى عشرة سنة، وقام بتدبير ملكه خادم أبيه أرجوان، وكان خصيًا أبيض، فضبط الملك وحفظه للحاكم (٢) إلى أن كبر، ثم قتل أرجوان. وفيها (٣): مات أبو ذؤاد بن المسيب أمير الموصل، وولي بعده أخوه المقلد. وفيها (٤): توفي منصور بن يوسف بن بلكين الصنهاجي أمير إفريقية، وكان كريمًا شجاعًا، وتولى بعده ابنه باديس. وفيها (٥): توفي أبو طالب محمد بن علي بن عطية المكي صاحب (قوت القلوب) وكان صالحًا مجتهدًا في العبادة، وكان من أهل الجبل، سكن مكة فنسب إليها، وقدم بغداد، فوعظ وخلط في كلامه فهجروه، وكان مما خلط فيه أنه قال: ليس على المخلوقين أضرّ من الخالق، ومنع من الكلام بعد ذلك، وتوفي ببغداد. وفي سنة سبع وثمانين: كان (٦) ابتداء دولة بني حماد (٧) ملوك بجاية من كتاب (الجمع والبيان في أخبار القيروان) قال: في هذه السنة: عقد (٨) باديس بن منصور صاحب إفريقية الولاية لعمه حماد بن يوسف (٩) على أسير، وخرج إليها حماد فاتسعت ولاية حماد وعظم شأنه وبقي كذلك إلى سنة خمس وأربعمائة، فأظهر حماد الخلاف على ابن أخيه باديس وخلعه وسارا بجموعهما واقتتلا في أول جمادى الأولى سنة ست وأربعمائة فانهزم حماد والتجأ إلى قلعة مغيلة، ثم سار إلى مدينة دكمة ونهبها ونقل منها الزاد إلى قلعة مغيلة، وعاد إليها وتحصّن بها، وباديس محاصر لَهُ، ودام الحال كذلك حتى توفي باديس فجأة ليلة

стр. 8911

الأربعاء آخر ذي القعدة سنة ست وأربعمائة. وتولى بعد باديس ابنه المعز، واستمر حماد على خلافه، فاقتتلا أيضًا في سنة ثمان وأربعمائة فانهزم حماد هزيمة قبيحة، ثم إنه اصطلح مع المعزّ على [ان] يقتصر حماد على ما بيده، وهو عمل ابن علي وما وراءه من أسير وتاهرت، واستقر للفائز بن حماد المسيلة وطبنة ومرسى الدجاج وزواوة ومقرة ودكمة وغير ذلك، وبقي حماد وابنه القائد كذلك حتى توفي حماد في نصف سنة تسع عشرة وأربعمائة، واستقر في الملك بعده ابنه الفائد بن حماد، وبقي الفائد في الملك حتى توفي سنة ست وأربعين وأربعمائة فملك بعده ابنه محسن وأساء السيرة وخبط وقتل جماعة من أعمامه فخرج عن طاعته ابن عمه بلكين بن محمد بن حماد واقتتل معه، فقتل بلكين محسنًا وملك موضعه في ربيع الأول سنة سبع وأربعين وأربعمائة وبقي بعده حتى غدر به الناصر بن علناس بن حماد وأخذ منه الملك في رجب سنة أربع وخمسين وأربعمائة، واستقر الناصر في الملك حتى توفي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وملك بعده ابنه باديس بن المنصور، وأقام باديس مدة يسيرة وتوفي، فملك بعده أخوه العزيز بالله بن المنصور، وبقي العزيز حتى توفي ولم يقع لنا تاريخ وفاته، وملك بعده ابنه يحيى وبقي في الملك حتى سار عبد المؤمن من المغرب الأقصى وملك بجاية. قال ابن الأثير في الكامل (١): إن ذلك كان في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وكان آخر مَنْ ملك منهم يحيى بن العزيز بن المنصور بن علناس بن حماد بن بلكين، وانقرضت مملكة بني حماد في السنة المذكورة. وكان ينبغي أن نذكر ذلك مبسوطًا مع السنين وإنما جمعناه لينضبط. وفيها (٢): مات الرضي الأمير نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان في رجب، واختل بموته ملك آل سامان، ولما توفي قام بالأمر بعده ابنه أبو الحارث منصور. وفيها (٣): في شعبان توفي سبكتكين، وكان مقامه ببلخ، فلما طال مرضه ارتاح إلى هواء غزنة. فسار عن بلخ إليها، فمات في الطريق، فنقل ميتًا، ودفن بغزنة، وكانت مدة ملكه عشرين سنة، وكان عادلًا، ولما حضرته الوفاة عهد إلى ابنه إسماعيل، وكان محمود أكبر منه فملك إسماعيل وكان بينه وبين أخيه قتال في تلك

стр. 8912

المدة، ثم انتصر محمود، وانهزم إسماعيل وحاصره في قلعة غزنة، فنزل إسماعيل بالأمان فأحسن إليه محمود، وكان مدة ملك إسماعيل سبعة أشهر. وفيها (١): توفي فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه بقلعة طبرك في شعبان وقعد في ملكه ابنه مجد الدولة أبو طالب رستم وعمره أربع سنين، وكان اتفاق الأمراء عليه. وفيها (٢): توفي أبو الوفاء محمد بن المهندس الحاسب البوزجاني، أحد الأئمة في علم الهندسة، ومولده في رمضان سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ببوزجان، وهي بليدة من خراسان بين هراة ونيسابور، ثم قدم العراق. وفي سنة ثمان وثمانين: قتل (٣) صمصام الدولة كاليجار المرزبان بن عضد الدولة فناخسرو، شغب الجند عليه (وكان) عمره خمسًا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، ومدة ولايته بفارس تسع سنين وثمانية أيام، قال (القاضي شهاب الدين) (٤) ابن أبي الدم: لما خرج صمصام الدولة من الاعتقال وملك سنة ثمانين وثلثمائة وهو أعمى، وبقي حتى قتل هذه السنة. وفيها (٥): توفي محمد بن المظفر الحاتمي، أحد الأعلام في الأدب واللغة وله (الرسالة) (٦) التي بين فيها سرقة المتنبي. ونسبته إلى بعض أجداده حاتم. وفي سنة تسع وثمانين: اتفق (٧) أعيان عسكر منصور الساماني مع بكتورون، وخلعوا منصور بن نوح، وسمله بكتورون فأعماه، ولم يراقب الله فيه لكونه ابن أستاذه، وأقاموا في الملك أخاه عبد الملك وهو صغير، وكان مدة ملك منصور سنة وسبعة أشهر، ولما وقع من بكتورون وفايق في هذه السنة ما وقع من سملهم منصورًا كتب إليهم

стр. 8913

محمود (١) يلومهم، وسار إليهم وقاتلهم حتى هزمهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة. واستولى محمود على خراسان وقطع منها خطبة السامانية. وفي هذه السنة: انقرضت (٢) دولة السامانية، فإن محمود بن سبكتكين لما ملك خراسان وقطع خطبة السامانية اتفق ببخارى مع عبد الملك بن نوح بكتورون وفايق وجمعوا العساكر، فاتفق موت فائق في تلك المدة فضعفت نفوسهم بموته، وبلغ ذلك أيلكخان (٣) فسار في جمع (٤) الأتراك إلى بخارى، وأظهر المودة لعبد الملك والحمية (٥) فخرجوا إليه، فقبض عليهم ودخل بخارى عاشر ذي القعدة من هذه السنة، وقبض على عبد الملك بن نوح وحبسه حتى مات، وحبس معه جميع بني سامان، وكانت دولتهم قد انتشرت وطبقت جمعًا من الأرض، وكانت من أحسن الدول سيرةً وعدلًا. وهذا عبد الملك هو عبد الملك بن نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد بن سامان فسبحان من لا يزول ملكه. وقد كان ابتدأ ملكهم سنة إحدى وستين ومائتين. وفي سنة تسعين وثلثمائة (٦): توفي أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا الرازي اللغوي (كان) عالمًا في علوم شتى خصوصًا في اللغة، وله عدة مصنفات، منها كتاب «المجمل» في اللغة ووضع المسائل الفقهية وهي مائة مسألة في المقامة الطيبية، وكان مقيمًا بهمدان وعليه اشتغل البديع الهمداني صاحب المقامات. سنة إحدى إلى سنة خمس وتسعين وثلثمائة في سنة إحدى وتسعين: قتل (٧) حسام الدولة المقلّد بن المسيب بن رافع بن جعفر بن مهنا بن يزيد بن عبد الله من ولد عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العقيلي، وكان مقلد هو وأخوه أبو ذواد محمد بن المسيب أوّل من استولى على

стр. 8914

الموصل ولكنها في سنة ثمانين وثلثمائة، ثم ملكها أخوه المقلد المذكور في سنة ست وثمانين وثلثمائة، واستمر مالكها حتى قتل في هذه السنة. قتله مماليكه الأتراك بالأنبار. ولما مات قام مقامه ابنه قرواش. وفيها (١): توفي أبو عبد الله الحسين (٢) بن الحجاج الشاعر بطريق النيل، وكان ذا مجون وخلاعة. وتولّى حسبة بغداد مدة، وكان شيعيًا، وأوصى أن يدفن عند مشهد موسى الكاظم. وأن يكتب على قبره: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (٣) ولما مات بالنيل نُقل إلى بغداد، ودفن كما أوصى. والنيل بلدة (٤) على الفرات بين بغداد والكوفة، وأصل هذا الموضع أن الحجاج بن يوسف حفر به نهرًا مخرجه من الفرات وسماه باسم نيل مصر. وفي سنة اثنتين وتسعين: جرى (٥) بين قرواش بن المقلد العقيلي وبين عسكر بهاء الدولة حروب انتصر فيها قرواش أولًا، ثم انتصر عسكر بهاء الدولة. وفيها (٦): توفي أبو بكر محمد بن محمد الشافعي المعروف بابن الدقاق الأصولي (٧). وفي سنة ثلاث وتسعين: ملك (٨) يمين الدولة محمود بن سبكتكين سجستان وانتزعها من يد خلف بن أحمد. وبقي خلف المذكور بعد ذلك في الجوزجان أربع سنين، ثم نقله يمين الدولة إلى جردين واحتاط عليه هناك حتى مات سنة تسع وتسعين. وكان خلف مشهورًا بطلب العلم. وفيها: توفي (٩) المنصور أبو عامر محمد أمير الأندلس، وكان قد عظم شأنه وأكثر الغروات، وكانت ولايته سنة ست وستين وثلثمائة حسبما ذكرناه، وكانت ولايته

стр. 8915

سبعًا وعشرين سنة، ولم يكن للمؤيد خليفة الأندلس معه من الأمر شيء. ولما توفي المنصور، تولى ابنه أبو مروان عبد الملك، ويلقب بالمظفر، وجرى في الغزو والسياسة عن المؤيد هشام الأموي على قاعدة أبيه وبقي المظفر في الولاية سبع سنين، فتكون وفاته سنة أربعمائة. ولما توفي المظفر قام بالأمر بعده أخوه عبد الرحمان ابن المنصور، ويلقب بالناصر فخلط ولم يزل مضطرب الأمور أربعة أشهر، فخرج على المؤيد بن عمه محمد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، فخلع هشام المؤيد وقتل عبد الرحمن الناصر. وفيها (١): كثر العيارون ببغداد. وفيها (٢): استعمل الحاكم العلوي صاحب مصر على الشام أبا محمد الأسود فلما استقر في دمشق أشهر إنسانًا مغربيًا، ونادى عليه هذا جزاء من يحبّ أبا بكر وعمر. وأخرجه من دمشق. وفيها (٣): توفي ببغداد عثمان (٤) بن جنّي النحوي الموصلي. ومولده سنة اثنتين وثلثمائة. وفيها (٥): توفي أبو الحسن محمد (٦) بن عبد الله السلامي الشاعر، فمن شعره في عضد الدولة: [من الطويل] فبشرتُ آمالي بملك هوَ الوَرَى … ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر (٧) إليك طوى عرض البسيطة جاعل … قصارى المطايا أن يلوح لها القصر وكنتُ وعزمي والظلام وصارمي … ثلاثة أشياء كما اجتمع النسر وله في الدروع: [من الكامل] يا رب سابغة حبتني نعمةً … كافأتها بالسوء غير مفنّد أضْحَتْ تصونُ عن المنايا مُهجتي … وظلَلْتُ أبذلها لكل مهند وفي سنة أربع وتسعين: استولى (٨) على البطيحة وغيرها إنسان يقال له: أبو

стр. 8916

العباس بن واصل، وكان رجلًا قد تنقل في خدمة الناس، ثم خدم مهذب الدولة صاحب البطيحة، فتقدم عنده حتى جهز معه جيشًا فاستولى على البصرة وسيراف، فلما فتحهما ابن واصل غنم أموالًا عظيمة وقويت نفسه، وخلع طاعة مخدومه مهذب الدولة، ثم قصده، فانهزم مهذب الدولة عن البطيحة. واستولى ابن واصل على بلاد مهذب الدولة وأمواله فقصد مهذب الدولة بغداد، فلم يمكن من الدخول، وهذا خلاف ما اعتمده مهذب الدولة من القادر لما هرب من بغداد، فإن مهذب الدولة بالغ في الخدمة والإحسان. وفيها (١): قلّد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الموسوي والد الرضي نقابة العلويين بالعراق، وقضاء القضاة والمظالم، وكتب عهده بذلك من شيراز، ولقبه الطاهر ذا المناقب فامتنع الخليفة من تقليده قضاء القضاة وأمضى ما سوى ذلك. وفي سنة خمس وتسعين: كان (٢) أبو العباس بن واصل لما استولى على البطائح أقام بها نائبًا (٣) وسار نحو البصرة، فلم يتمكن نائبه من المقام بها وخرج أهل البطيحة عن طاعته، فأرسل عميد الجيوش وهو أمير العراق من جهة بهاء الدولة عسكرًا في السفن مع مهذب الدولة إلى البطيحة، فلما دخلها لقيه أهلها وسروا بقدومه، وسلّموا إليه جميع الولايات. واستقر عليه لبهاء الدولة في كل سنة خمسين (٤) ألف دينار. واشتغل عنه ابن واصل بحرب غيره. سنة ست وتسعين إلى سنة أربعمائة في سنة ست: فتح يمين الدولة المولتان (٥)، ثم سار إلى بيدا ملك الهند فهرب إلى قلعة كاليجار، فحصره بها، ثم صالحه على مال، وألبس (٦) ملك الهند خلعته واستعفى من شرّ المنطقة فلم يُعفه يمين الدولة، فشدّها على كره. وفي سنة سبع وتسعين: وقع (٧) بين بهاء الدولة وبين أبي العباس بن واصل حروب آخرها أن ابن

стр. 8917

واصل انهزم إلى البصرة، فأُسر وحُمِل إلى بهاء الدولة فأمر بقتله قبل وصوله، وطيف برأسه بخوزستان، وكان قتله بواسط عاشر صفر. وفيها (١): خرج على الحاكم بمصر رجل أموي من ولد هشام بن عبد الملك يسمى أبا ركوة لحمله ركوة على كتفيه. وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وكثر جمعه، وملك برقة، فجهز الحاكم إليه جيشًا فكسره أبو ركوة وقوي بغنيمته، وسار أبو ركوة إلى الصعيد واستولى عليه، (فعظم ذلك على الحاكم إلى الغاية) (٢) فأحضر عساكر الشام، واستخدم عساكر كثيرة، واستعمل عليهم الفضل بن عبد الله وجهزه إلى أبي ركوة، فجرى بينهم حرب، انهزم أبو ركوة وأخذ أسيرًا، فأخذه الحاكم وقتله وصلبه وطيف به. وفي سنة ثمان وتسعين: سار (٣) يمين الدولة إلى الهند وأوغل (٤) فيه وفتح. وفيها: استعملت (٥) والدة مجد الدولة بن فخر الدولة (٦) أبا جعفر بن شمتريار (٧) المعروف بابن كاكويه على أصفهان (وإنما قيل له ابن كاكويه) (٨)؛ لأنه ابن خال والدة مجد الدولة، وكاكويه هو الخال بالفارسية. وفيها (٩): توفي عبد الواحد (١٠) بن نصر الببغا. وفيها (١١): توفي البديع أبو الفضل أحمد (١٢) بن الحسين الهمداني صاحب المقامات التي عمل الحريري على منوالها. وفيها (١٣): توفي أبو نصر إسماعيل (١٤) بن أحمد الجوهري صاحب كتاب

стр. 8918

الصحاح، وهو كتاب شهرته تغني عن ذكره، وكان أبو نصر من فاراب، وهي مدينة بما وراء نهر الترك (١)، وتسمى هذا الزمان أطرار. وكان أبو نصر إمامًا في اللغة والعربية، قدم إلى نيسابور وتوفي بها، وكان يكتب خطًا حسنًا منسوبًا. وفي سنة تسع وتسعين: قتل (٢) أبو علي بن ثمال الخفاجي، وكان الحاكم العلوي قد ولاه الرحبة ثم انتقلت عنه، وصار أمرها إلى صالح بن مرداس الكلابي صاحب حلب. وفيها: توفي (٣) علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب الزيج الحاكمي المعروف بزيج ابن يونس، وهو أربع مجلدات، وقيل إن الذي أمر به العزيز أبو الحاكم. وفي سنة أربعمائة: توفي (٤) المؤيد الأموي خليفة الأندلس، كان قد تقدم في سنة ست وستين وثلثمائة ذكر موت الحكم صاحب الأندلس وولاية ابن هشام الملقب بالمنتصر بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم طريد رسول الله ﷺ ، وكان عمر المؤيد لما ولي والخلافة عشر سنين، فاستولى على تدبير المملكة أبو عامر محمد المنصور، وبقي المؤيد محجوبًا عن الناس، واستمر المؤيد في الخلافة إلى سنة تسع وتسعين وثلثمائة، فخرج عليه في السنة المذكورة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الأموي في جمادى الآخرة، واجتمع عليه الناس وبايعوه بالخلافة وقبض على المؤيد وحبسه في قرطبة، وتلقب محمد المذكور بالمهدي. واستمر في الخلافة، فخرج عليه سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر فهرب المهدي، واستولى سليمان على الخلافة في هذه السنة، ثم جمع المهدي محمد بن هشام جمعًا، وقصد سليمان بن الحكم بقرطبة فهرب منه، وعاد محمد المهدي إلى الخلافة في منتصف شوال من هذه السنة، ثم اجتمع كبار العسكر وقبضوا عليه، وأخرجوا المؤيد من الحبس، وأعادوه إلى الخلافة في سابع ذي الحجة

стр. 8919

من هذه السنة، وأحضروا المهدي بين يديه، فأمر بقتله، فقتل واستمر المؤيد في الخلافة، وقام بتدبير أمره واضح العامري، ثم قبض المؤيد على واضح وقتله، فكثرت الفتن على المؤيد، واجتمعت البربر مع سليمان بن الحكم، وساروا وحصروا المؤيد بقرطبة، وملكها سليمان عنوة، وأخرج المؤيد من القصر، ولم يتحقق للمؤيد خير بعد ذلك، وبويع سليمان بالخلافة في منتصف شوال سنة ثلاث وأربعمائة، وتلقب المستعين بالله، ثم كان من سليمان وأخبار الأندلس ما سنذكره إن شاء الله تعالى في سنة سبع وأربعمائة. وفيها (١): بنى أبو محمد بن سهلان سورًا على مشهد علي بن أبي طالب ﵁. وفيها (٢): توفي النقيب أبو أحمد الموسوي، والد الرضي، وكان مولده سنة أربع وثلثمائة، وكان قد أضر آخر عمره. سنة إحدى وأربعمائة إلى سنة عشر وأربعمائة في سنة إحدى وأربعمائة سار (٣) إيلكخان ملك الترك من سمرقند لقتال أخيه طغانخان، فسقط عليه ثلج منعه من الوصول إليه فعاد إلى سمرقند. وفيها (٤): خطب قرواش بن المقلد العقيلي أمير الموصل للحاكم بالله صاحب مصر بأعماله كلها وهي الموصل والأنبار والمدائن والكوفة وكان ابتدأ الخطبة بالموصل: الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات الغضب، وانهدت بعظمته أركان النصب، واطلع بقدرته شمس الحق من الغرب. فكتب بهاء الدولة إلى عميد الجيوش يأمره بحرب قرواش، فسار إليه وأرسل قرواش ليعتذر وقطع الخطبة العلوية. وفيها: وقع (٥) الحرب بين (بني) (٦) مزيد وبين (بني) (٧) دبيس بسبب أن أبا الغنائم محمد بن مزيد كان مقيمًا عند بني دبيس في جزيرتهم بنواحي خوزستان لمصاهرة كانت بينهم، فقتل محمد بن مزيد أحد بني دبيس، ولحق بأخيه أبي الحسن بن مزيد، فسار إليهم أبو الحسن بن مزيد، واقتتلوا، فقتل أبو الغنائم بن مؤيد وهرب أخوه

стр. 8920

أبو الحسن. وفيها (١): توفي عميد الجيوش (أبو علي) (٢) بن أستاذ هرمز، وكان أميرًا من جهة بهاء الدولة على العسكر وعلى الأمور ببغداد، وكانت ولايته ثمان سنين وأربعة أشهر وعمره تسع وأربعون سنة، وكان أبوه أستاذ هرمز من حجاب عضد الدولة، واتصل عميد الجيوش بخدمة بهاء الدولة، فلما فسد حال بغداد من الفتن أرسله بهاء الدولة إلى بغداد فأصلح الأمور، وقمع المفسدين، ولما مات عميد الجيوش استعمل بهاء الدولة موضعه فخر الملك أبا غالب على بغداد. أخبار صالح بن مرداس (٣) وملكه حلب، وأخبار ولده إلى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. وكان ينبغي أن نذكره (٤) على السنين مبسوطًا، ولكن لقلته كان يضيع من غير ضبط. فلذلك أوردناه في هذه السنة أعني سنة اثنتين وأربعمائة جملةً، كما فعلنا في عدة قصص فلذلك نقول: إننا ذكرنا ملك أبي المعالي سعد الدولة شريف بن سيف الدولة لحلب إلى أن توفي بالفالج وهو ملكها على ما شرحناه في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة. ولما توفي سعد الدولة أقيم أبو الفضائل ولد سعد الدولة مكان أبيه، وقام بتدبيره لؤلؤ مولى أبيه، ثم استولى أبو نصر بن لؤلؤ على أبي الفضائل وأخذ منه حلب واستولى عليها وخطب للحاكم العلوي فيها، ولقبه الحاكم مرتضى الدولة، واستقر في ملك حلب، وجرى بينه وبين صالح بن مرداس الكلابي وحشة وقصص يطول شرحها، وكانت الحرب بينهما سجالًا، وكان لابن لؤلؤ غلام اسمه فتح وكان دزدار قلعة حلب، فجرى بينه وبين أستاذه ابن لؤلؤ وحشةً في الباطن، حتى عصى فتح في قلعة حلب، واستولى عليها. وكاتب فتح المذكور الحاكم العلوي بمصر، وأخذ منه صيدا وبيروت، وسلّم حلب إلى نوّاب الحاكم فسار مولاه ابن لؤلؤ إلى أنطاكية، وهي للروم، فأقام معهم بها، وتنقلت حلب بأيدي نوّاب الحاكم حتى صارت بيد إنسان من الحمدانية يعرف بعزيز الملك وبقي المذكور نائب الحاكم بحلب حتى قتل الحاكم، وولي الظاهر لاعزاز دين الله. فتولى من جهة الظاهر على حلب إنسان يعرف بابن ثعبان، وولي القلعة خادم يعرف بموصوف، فقصدهما صالح بن مرداس أمير بني كلاب، فسلم إليه أهل حلب

стр. 8921

مدينة حلب لسوء سيرة المصريين، فصعد ابن ثعبان إلى القلعة، وحصرها صالح فَسُلِّمتُ إليه قلعة حلب في سنة أربع عشرة وأربعمائة، واستقر صالح مالكًا لحلب وملك معها (١) بعلبك إلى عانة، وأقام بحلب ست سنين، فلما كان سنة عشرين وأربعمائة جهز الظاهر العلوي جيشًا لقتال صالح وحسان أمير بني طيّئ (٢) المستولي على الرملة، وكان مقدم عسكر المصريين اسمه أنوش تكين (٣)، فاتفق صالح وحسان أمير بني طيئ على قتال أنوش تكين، وسار صالح إلى حسان واجتمعا على الأردن ووقع بينهم القتال، فقتل صالح وولده الأصغر، ووجه رأسيهما إلى مصر، ونجا ولده أبو كامل نصر، وسار إلى حلب فملكها، وكان لقب أبي كامل شبل الدولة، وبقي مالكًا لحلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وذلك أيام المستنصر بالله العلوي فجهزت العساكر من مصر إلى شبل الدولة ومقدمهم يقال له الدزبري، وقيل أنوش تكين ويلقب الدزبري، فاقتتلوا مع شبل الدولة عند حماة في شعبان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وملك الدزبري حلبًا بعد أن قتل شبل الدولة، وملك الشام جميعه وكثر ماله، وتوفي الدزبري بحلب سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة على ما سنذكره. وكان لصالح بن مرداس ولد بالرحبة، يقال له أبو علوان ثمال، ولقبه معز الدولة فلما بلغه وفاة الدزبري سار إلى حلب وملكها في صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وبقي معز الدولة ثمال بن صالح مالكًا لحلب إلى سنة أربعين وأربعمائة، فأرسل إليه المصريون جيشًا فهزمهم، ثم أرسلوا جيشًا آخر فهزمهم، ثم صالح ثمال المصريين ونزل لهم عن حلب، فأرسل المصريون رجلًا يقال له الحسن بن علي بن ملهم، ولقبوه مكين الدولة، فتسلّم حلب من ثمال بن صالح بن مرداس في سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وسار ثمال إلى مصر وأخوه عطية إلى الرحبة، وكان لشبل الدولة نصر المقتول في حرب الدزبري ولد يقال له محمود، فكاتبه أهل حلب، وخرجوا عن طاعة ابن ملهم، فوصل إليهم محمود واتفق معه أهل حلب وحصروا ابن ملهم في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة فجهز المصريون جيشًا لنصرة ابن ملهم. فلما قربوا من حلب، هرب محمود وقبض ابن ملهم على جماعة من أهل حلب، وأخذ أموالهم، ثم سار العسكر في أثر محمود بن نصر فهزمهم وعاد إلى حلب محاصرًا لها،

стр. 8922

وملك المدينة والقلعة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وأطلق ابن ملهم ومقدم الجيش ناصر الدولة وهو من ولد ناصر الدولة بن حمدان، فسار إلى مصر، واستقر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرداس بحلب، ولما وَصَلَ ابن ملهم إلى مصر، وكان ثمال بن صالح قد سار إلى مصر، فجهز المصريون ثمال بن صالح بجيش لقتال ابن أخيه محمود فسار إلى حلب، وهزم محمود وتسلّم حلب في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ثم توفي ثمال في حلب سنة أربع وخمسين في ذي القعدة، وأوصى بحلب لأخيه عطية الذي كان سار إلى الرحبة، فسار عطية بن صالح من الرحبة، وملك حلب في السنة المذكورة، وكان محمود بن شبل الدولة لما هرب من عمه ثمال سار إلى حرّان، فلما مات ثمال وملك أخوه عطية جمع محمود عسكرًا وسار إلى حلب فهزم عمه عطية عنها. فسار عطية إلى الرقة فملكها، ثم أخذت منه، فسار إلى الروم وأقام بقسطنطينية إلى أن مات بها. وملك محمود بن نصر بن صالح حلب في رمضان سنة أربع وخمسين وأربعمائة، ثم استولى محمود على ارتاح وأخذها من الروم في سنة ستين، ومات محمود المذكور في ذي الحجة سنة ثمان وستين وأربعمائة في حلب، وملك حلب بعده ابنه نصر فقتله التركمان، وملك حلب أخوه سابق بن محمود، وبقي محمود مالكًا لحلب إلى سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، فأخذ حلب منه مسلم بن قرواش صاحب الموصل على ما نذكره. وفي سنة اثنتين وأربعمائة: كُتب (١) ببغداد محضر بأمر القادر يتضمن القدح في (نسب) خلفاء مصر، وكتب فيه جماعة من العلويين والقضاة وجماعة من الفضلاء، وأبو عبد الله بن النعمان الشيعي (٢)، ونسخة المحاضر: هذا ما شهد به الشهود: أن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد منتسب إلى ديصان (بن سعيد) (٣)، وأن هذا الناجم بمصر هو الحاكم منصور بن نزار (٤) حكم الله عليه بالبوار (٥) بن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد لا أسعده الله وأن من تقدمه من سلفه الأرجاس عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين، خوارج لا نسب لهم في ولد

стр. 8923

علي بن أبي طالب ﵁، وأن ما أدعوه من النسب زور وباطل. وأن هذا الناجم بمصر هو سلفه كفار زنادقة ملحدون معطلون وللاسلام جاحدون، أباحوا الفروج، وحللوا الخمور، وسبوا الأنبياء، وأدعوا الربوبية، وتضمن المحضر المذكور نحو ذلك أضربنا عنه، وفي آخره: وكتب في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعمائة. وفيها (١): اشتدَّ أذى خفاجة (للحجاج) (٢) وقطعوا عليهم الطريق. وفي سنة ثلاث وأربعمائة: قتل (٣) قابوس بن وشمكير بن زياد بسبب تشديده على أصحابه، وعدم التجاوز عن ذنوبهم، فحصروه، واستدعوا ولده منوجهر فأقاموه عليهم وكان بجرجان، ثم اتفق مع أبيه (٤) قابوس، وانقطع قابوس في قلعة يعبد الله، فلم يطب للعسكر ذلك، وعاودوا منوجهر في قتله فسكت فمضوا إلى قابوس، وأخذوا جميع ما عنده من ملبوس وتركوه حتى مات بالبرد وكان (٥) قابوس المذكور كثير الفضائل عظيم السياسة، قليل العفو، عالمًا بالنجوم وغيرها، وله أشعار حسنة فمنها (٦): [من البسيط] قل للذي بصروف الدهر عيّرنا … هل عاند الدهرُ إِلَّا مَنْ لَهُ خَطَرُ ففي السماء نجوم ما لها عَدَدٌ … وليس يكسفُ إلا الشمس والقمر وفيها (٧): مات ايلكخان ملك الترك، وملك بعده أخوه طغانخان وكان ايلكخان عادلًا محبًا للدين وأهله. وفيها (٨): في عاشر جمادى الآخرة توفي بهاء الدولة أبو نصر خاشاذ بن عضد الدولة بتتابع الصرع مثل مرض أبيه. وكان موته بأرجان وهو ملك العراق وعمره إثنتان وأربعون سنة وتسعة أشهر. وملكه أربع وعشرون سنة، وملك بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع. وفيها (٩): كان استيلاء سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر على قرطبة، وبويع بالخلافة (كما قدمنا ذكره) (١٠) وعدم المؤيد هشام عند استيلاء سليمان، وسنذكر (١١) ما قيل في ظهوره إن شاء الله تعالى.

стр. 8924

وفيها (١): توفي القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، وكان على مذهب أبي الحسن الأشعري، وهو ناصر طريقته، ومؤيد مذهبه، وسكن بغداد وصنّف في علم الكلام، وانتهت إليه رئاسة مذهبه، ونسبته إلى بيع الباقلاء. وفي سنة أربع وأربعمائة: غزا (٢) يمين الدولة الهند وأوغل وعاد إلى غزنة. وفيها: عاثت (٣) خفاجة، ونهبوا سواد الكوفة، فطلع إليهم العسكر وقتل منهم وأسر. وفيها (٤): توفي علي (٥) بن سعيد الاصطخري المعتزلي. وفي سنة خمس وأربعمائة: كانت (٦) الحرب بين ابن الحسن علي بن مزيد الأسدي وبين مضر وحسان ونبهان وطراد أولاد دبيس، وكان آخر هذه الحرب أن مضر كبس علي بن مزيد، فهزمه واستولى على أمواله، وهرب أبو الحسن إلى النيل. وفيها (٧): توفي الحافظ بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهاني، المعروف بابن الحاكم النيسابوري، أمام أهل الحديث في عصره. سافر في طلب الحديث. وبَلَغَتْ عدة شيوخه نحو ألفين، وصنّف عدة مصنفات منها: (الصحيحان) و (الأمالي) و (فضائل الشافعي) وتولى أبوه القضاء في نيسابور. وفيها (٨): قَتَلَ طائفة من عامة الدينور قاضيهم أبا القاسم أحمد (٩) بن يوسف ابن كج الفقيه الشافعي خوفًا منه، وله وجةً في المذهب، وصنّف كتبًا كثيرة، وجمع بين رئاستي العلم والدنيا.

стр. 8925

وفي سنة ست وأربعمائة: توفي (١) باديس بن منصور بن يوسف بن بلكين بن زيري، أمير إفريقية، وولى بعده ابنه المعز وعمرة ثمان سنين، ووصلت إليه الخلع والتقليد من الحاكم العلوي، وهذا المعزّ هو الذي حَمَلَ أهل المغرب على مذهب الإمام مالك، وكانوا قبله على مذهب أبي حنيفة ﵄. وفيها: غزا (٢) يمين الدولة الهند على عادته، فتاه الدليل، ووقع هو وعسكره في مياه فاضت من البحر فغرق غالب عسكره، وبقي مدة حتى تخلّص وعاد إلى خراسان. وفيها: عزل (٣) سلطان الدولة بن بهاء الدولة نائبه بالعراق فخر الملك أبا غالب، وقتله سلخ ربيع الأول من (هذه) (٤) السنة. وكانت مدة ولايته على العراق خمس سنين وأربعة أشهر وعمره إثنتين وخمسين سنة وأحد عشر شهرًا. ووجد له ألف ألف دينار عينًا، غير العروض، وغير ما نهب، وكان قبضه بالأهواز ثم استوزر سلطان الدولة أبا محمد الحسن بن سهلان. (٥) وفيها: توفي الشريف الرضي، وهو محمد بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃. صاحب الشعر، حكى أنه تعلّم النحو من ابن السيرافي النحوي، وقال السيرافي يومًا: إذا قلت رأيت عمرًا ما علامة النصب في عمرو؟ فقال الرضي: بغض عليّ. أراد السيرافي نَصْبَ الإعراب، وأراد الرضي النصب الذي هو بغض عليّ. إشارة إلى عمرو بن العاص وبغضه لعلي فتعجب الحاضرون من حدة ذهنه، وكانت ولادته سنة تسع وخمسين وثلثمائة بغداد. وفي سنة سبع وأربعمائة: غزا (٦) يمين الدولة الهند على عادته ووصل إلى كشيمر إلى نهر (٧) كنك، وغنم أموالًا وجواهر عظيمة، من فتوحه وعاد إلى غزنة منصورًا. وفيها: خرج (٨) بالأندلس على المستعين سليمان بن الحكم شخص من قواده

стр. 8926

يقال له خيران العامري؛ لأنه كان من أصحاب المؤيد، فلما ملك سليمان قرطبة خرج عنه خيران وسار في بني عامر، وكان علي (١) بن حمود العلوي مستوليًا على سبتة، وبينه وبين الأندلس عدوة المجاز، وكان أخوه القاسم (٢) بن حمود العلوي مستوليًا على الجزيرة الخضراء من الأندلس، ولما رأى علي بن حمود العلوي خروج خيران عن سليمان عبر إلى مالقة واجتمع مع خيران وغيره من الخارجين على سليمان الأموي، وكان أمر المؤيد هشام قد اختفى عليهم، من حين استولى ابن عمه سليمان على قرطبة في سنة ثلاث وأربعمائة، وخرج المؤيد من القصر فلم يطلع له على خبر، فاجتمع خيران وغيره إلى علي بن حمود العلوي بالمنكب بين المرية والمالقه سنة ست وأربعمائة، وبايعوا علي بن حمود العلوي على طاعة المؤيد الأموي إن ظهر خبره، وساروا إلى سليمان بقرطبة، فأخذوه أسيرًا، وأحضر هو أخوه وأبوهما الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر إلى علي بن حمود وملك علي بن حمود قرطبة ودخلها في هذه السنة، وقصد القواد علي بن حمود ليجدوا المؤيد فلم يجدوه، فقتل علي بن حمود سليمان بن الحكم وأباه وأخاه، ولما قدّم الحكم أبو سليمان للقتل، قال له ابن حمود: يا شيخ قتلتم المؤيّد؟ فقال: لا والله وإنّه حي يرزق، فأسرع ابن حمود في قتله، وأظهر موت المؤيد، ودعا الناس إلى نفسه، فبايعوه، وتلقب المتوكل على الله. وهو علي بن حمود بن أبي العيش ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٣) بن علي بن أبي طالب ﵃، ثم إن خيران خرج عن طاعته؛ لأنه إنما وافقه طمعًا أن يجد المؤيد محبوسًا في القصر ليعيده إلى الخلافة، فلما لم يجده سار خيران عن قرطبة يطلب أحدًا من بني أمية ليصحبه في الخلافة، فوجد شخصًا ولقبه المرتضى، وهو عبد الرحمان بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي، وكان مختفيًا بمدينة جيان، واجتمع إلى

стр. 8927

عبد الرحمن المذكور أهل شاطبة وبلنسية وطرطوشة مخالفين على ابن حمود، فجمع علي بن حمود جموعه وقصد السير إليهم من قرطبة وبرز بالعساكر إلى ظاهرها ودخل الحمام فوثب به غلمانه وقتلوه، وكان قتله في أواخر ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة، فلما علمت العساكر بقتله دخلوا البلد، وكان عمره ثمانيا (١) وأربعين سنة، وولايته سنة وتسعة أشهر، ثم ولي بعده أخوه القاسم، وكان أكبر من أخيه علي بعشرين عاما ولقب القاسم بالمأمون، وبقي مالكا لقرطبة وغيرها إلى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ثم سار القاسم إلى أشبيلية فخرج ابن أخيه يحيى (٢) بن علي بقرطبة، ودعا الناس إلى نفسه، وخلع عمه، فأجابوه إلى ذلك مستهل جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وتلقب يحيى بالمعتلي، وبقي بقرطبة حتى سار إليه عمه القاسم من أشبيلية، فخرج يحيى بن علي بن حمود من قرطبة إلى مالقة والجزيرة الخضراء، فاستولى عليهما، وذلك في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ودخل القاسم قرطبة في التاريخ المذكور. وجرى بين أهل قرطبة وبينه قتال، وبقي نحو خمسين يوما. فانتصر أهل قرطبة وانهزم القاسم بن حمود وتفرق عنه عسكره، وسار إلى شريش، فقصده ابن أخيه يحيى وحبسه حتى مات في حبسه بعد موت يحيى، ولما جرى ذلك، خرج أهل أشبيلية عن طاعة يحيى وقدموا عليهم قاضي أشبيلية أبا القاسم محمدا (٣) بن إسماعيل بن عباد اللخمي، وبقي إليه أمر أشبيلية، وكانت ولاية القاسم بن حمود إلى أن حبس بقرطبة ثلاثة أعوام وشهورا، وبقي محبوسا إلى أن مات سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقد أسن وأقام أهل قرطبة رجلا من بني أمية أسمه عبد الرحمن (٤) بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، ولقب المستظهر بالله، وهو أخو المهدي بن هشام، وبويع في رمضان، وقتلوه في ذي القعدة كل ذلك سنة أربع وأربعمائة، ولما قتل المستظهر بويع محمد (٥) بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر، ولقب

стр. 8928

المستكفي، ثم خلع بعد سنة وأربعة أشهر، فهرب وسم في الطريق فمات، ثم اجتمع أهل قرطبة على طاعة يحيى بن علي بن حمود، وكان بمالقة فخطب له بالخلافة، ثم خرجوا عن طاعته سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وبقي يحيى كذلك مدة، ثم سار من مالقة إلى قرمونة وأقام بها محاصرًا لأشبيلية، وخرجت للقاضي أبي القاسم خيل وكَمَنَ بعضهم، فخرج يحيى لقتالهم، فقتل في المعركة، وكان قتله في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ولما خَلَعَ أهل قرطبة كما ذكرنا طاعة يحيى بايعوا هشام (١) بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي، ولقبوه المعتز بالله، وكان ذلك سنة ثماني عشرة وأربعمائة. وجرى في أيامه فتن من أهل الأندلس يطول شرحها حتى خلع سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وسار مخلوعًا إلى سليمان بن هود الجذامي، فأقام عنده إلى أن مات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ثم أقام أهل قرطبة بعد هشام شخصًا من ولد عبد الرحمن الناصر يقال له أمية، فلما أرادوا أن يولّوه، قالوا: نخشى عليك أن تقتل، فإن السعادة قد ولتْ عنكم يا بني أمية، قال: بايعوني اليوم واقتلوني غدًا، فلم ينتظم له أمر، واختفى ولم يظهر أثره، ثم إن الأندلس اقتسمها أصحاب الأطراف، وصاروا مثل ملوك الأطراف. وأما قرطبة فاستولى عليها أبو الحسن بن جهور، وكان من وزراء الدولة العامرية وبقي كذلك إلى أن مات سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وقام بأمر قرطبة بعده ابنه أبو الوليد محمد (بن جهور). وأما إشبيلية، فاستولى عليها قاضيها أبو القاسم إسماعيل بن عباد اللخمي وكان من ولد النعمان بن المنذر، ولما اقتسمت مملكة الأندلس شاع أن المؤيد بن هشام الذي اختفى أثره قد ظهر، وشاع، فسار إلى قرية رباح فأطاعه أهلها فاستدعاه ابن عباد إلى إشبيلية، فسار إليه، وقام بنصره، وكتب بظهوره إلى ممالك الأندلس، فأجاب أكثرهم وخطبوا له، وجدّدوا بيعته في المحرم سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وبقي المؤيد حتى ولي المعتضد بن عباد فأشاع موت المؤيد، والصحيح أن المؤيد لم يظهر خبره مذ فقد بقرطبة سنة ثلاث وأربعمائة، وإنما كان أظهار المؤيد من تمويهات بني عباد. وأما بطليوس، فقام بها سابور الفتى العامري (٢)، وتلقب بالمنصور، ثم انتقلت

стр. 8929

بعده إلى أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس، وتلقب المظفر، وأصله من بربر مكناسة، وولد أبوه بالأندلس، فلما توفي محمد المذكور صار ملك بطليوس لولده عمر بن محمد، وتلقب المتوكل واتسع ملكه، وقتل صبرًا مع والديه عند تغلب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على الأندلس، وكان اسم ولديه اللذين قتلا معه: الفضل والعباس. وأما طليطلة، فقام بأمرها ابن يعيش، ثم صارت إلى إسماعيل بن عبد الرحمان بن عامر بن ذي النون، وتلقب الظافر بحول الله، واصله من البربر، ثم ملك بعده ولده يحيى، ثم أخذ الفرنج منه طليطلة سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وصار هو ببلنسية، وأقام بها إلى أن قتله القاضي الأحنف بن جحاف. وأما سرقسطة والثغر الأعلى، وكانت في يد منذر بن يحيى ثم صارت وما معها لولده يحيى بن منذر، ثم صارت لسليمان بن أحمد بن محمد بن هود الجذامي وتلقب بالمستعين بالله، ثم صارت لولده أحمد، ثم ولي بعده ابنه عبد الملك بن أحمد، ثم ولي بعده ابنه أحمد بن عبد الملك، وتلقب بالمستنصر بالله. وعليه انقرضت دولتهم على رأس الخمسمائة، فصارت بلادهم جميعها للملثمين. وأما طرطوشة، فوليها الفتى العامري. وأما بلنسية، فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز، ثم غدر به صهره المأمون بن ذي النون، وأخذ الملك منه سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وأما السهلة، فملكها عبود بن رزين، وهو بربري. وأما دانية والجزائر، فكانت بيد الموفق بن أبي الحسن، مجاهد العامري. وأما مرسية فملكها بنو طاهر، واستقامت لأبي عبد الرحمن منهم، إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد، ثم عصى بها نائبها عليه، ثم صارت للملثمين. وأما المرية، فملكها خيران العامري، ثم ملك بعده زهير العامري، واتسع ملكه إلى شاطبة، ثم قتل، وصارت مملكته إلى المنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن المنصور بن أبي عامر، ثم صارت للملثمين. وأما مالقة: فملكها بنو علي بن حمود العلوي، ولم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها بالخلافة إلى أن أخذها منهم باديس بن حبوس صاحب غرناطة.

стр. 8930

وأما غرناطة: فملكها حبوس بن ماكس الصنهاجي، فهذه صورة تفرق ممالك الأندلس، بعدما كانت مجتمعة لخلفاء بني أمية وقد نظم أبو طالب عبد الجبار المعروف بالمثنى الأندلسي من جزيرة شقر، أرجوزة تحتوي على فنون من العلوم، وذكر فيها أشياء من التاريخ تشتمل على تفرّق ممالك الأندلس، فمن ذلك: [من الرجز] لما رأى أعلام أهل قرطبة … أنَّ الأمور عندهم مضطربة وعدمت شاكلة للطاعه … استعملت آراءها الجماعة فقدموا الشيخ من آل جهور … المكتني بالحزم والتدبر ثمَّ إِنَّهُ ابن الوليد بعده … وكان يحذو في السداد قصده فجاهرت بجورها الجهاوره … وكل قطر حلَّ فيه فاقره والثغر الاعلى قام فيه منذرُ … ثم ابنُ هودٍ بعد فيما يُذكر وابن يعيش ثار في طليطلة … ثم ابن ذي النون تصفى الملك له وفي بطليوس انبرى سابور … وبعده ابن الأفطس المنصور وثار في حمص بنو عباد … والكذب والفتون في ازدياد وثار في غرناطة حبوس … ثم ابنُهُ من بعده باديس وآل معن ملكوا المرية … بسيرةٍ محمودة مرضية وثار في شرق البلاد الفتيان … العامريون ومنهم خيران ثم زهير والفتى لبيب … ومنهم مجاهد اللبيب سلطانه رسا بمرسى دانيه … ثم غزا حتى أتى سردانية ثم أقامت هذه الصقالبة … لابن أبي عامر هم بشاطبة وحل ما ملكهم بلنسية … وثار آل طاهر بمرسية وبلد البيت لآل قاسم … وهو حتى الآن فيه حاكم وابن رزين جاره في السهلة … أمهل أيضًا ثم كل المهلة ثم استمرت هذه الطوائفُ … يخلفهم من آلهم خوالف وفي [سنة] سبع وأربعمائة: قُتِلَتْ (١) الشيعة بإفريقية، وتتبع من بقى منهم، فقتلوا وكان سببه أن المعز بن باديس (في) القيروان فاجتار بجماعة فسأل عنهم، فقيل هم رافضة يسبّون أبا بكر
следующие страницы →