← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

يقال له خيران العامري؛ لأنه كان من أصحاب المؤيد، فلما ملك سليمان قرطبة خرج عنه خيران وسار في بني عامر، وكان علي (١) بن حمود العلوي مستوليًا على سبتة، وبينه وبين الأندلس عدوة المجاز، وكان أخوه القاسم (٢) بن حمود العلوي مستوليًا على الجزيرة الخضراء من الأندلس، ولما رأى علي بن حمود العلوي خروج خيران عن سليمان عبر إلى مالقة واجتمع مع خيران وغيره من الخارجين على سليمان الأموي، وكان أمر المؤيد هشام قد اختفى عليهم، من حين استولى ابن عمه سليمان على قرطبة في سنة ثلاث وأربعمائة، وخرج المؤيد من القصر فلم يطلع له على خبر، فاجتمع خيران وغيره إلى علي بن حمود العلوي بالمنكب بين المرية والمالقه سنة ست وأربعمائة، وبايعوا علي بن حمود العلوي على طاعة المؤيد الأموي إن ظهر خبره، وساروا إلى سليمان بقرطبة، فأخذوه أسيرًا، وأحضر هو أخوه وأبوهما الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر إلى علي بن حمود وملك علي بن حمود قرطبة ودخلها في هذه السنة، وقصد القواد علي بن حمود ليجدوا المؤيد فلم يجدوه، فقتل علي بن حمود سليمان بن الحكم وأباه وأخاه، ولما قدّم الحكم أبو سليمان للقتل، قال له ابن حمود: يا شيخ قتلتم المؤيّد؟ فقال: لا والله وإنّه حي يرزق، فأسرع ابن حمود في قتله، وأظهر موت المؤيد، ودعا الناس إلى نفسه، فبايعوه، وتلقب المتوكل على الله. وهو علي بن حمود بن أبي العيش ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (٣) بن علي بن أبي طالب ﵃، ثم إن خيران خرج عن طاعته؛ لأنه إنما وافقه طمعًا أن يجد المؤيد محبوسًا في القصر ليعيده إلى الخلافة، فلما لم يجده سار خيران عن قرطبة يطلب أحدًا من بني أمية ليصحبه في الخلافة، فوجد شخصًا ولقبه المرتضى، وهو عبد الرحمان بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي، وكان مختفيًا بمدينة جيان، واجتمع إلى

стр. 8927

عبد الرحمن المذكور أهل شاطبة وبلنسية وطرطوشة مخالفين على ابن حمود، فجمع علي بن حمود جموعه وقصد السير إليهم من قرطبة وبرز بالعساكر إلى ظاهرها ودخل الحمام فوثب به غلمانه وقتلوه، وكان قتله في أواخر ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة، فلما علمت العساكر بقتله دخلوا البلد، وكان عمره ثمانيا (١) وأربعين سنة، وولايته سنة وتسعة أشهر، ثم ولي بعده أخوه القاسم، وكان أكبر من أخيه علي بعشرين عاما ولقب القاسم بالمأمون، وبقي مالكا لقرطبة وغيرها إلى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ثم سار القاسم إلى أشبيلية فخرج ابن أخيه يحيى (٢) بن علي بقرطبة، ودعا الناس إلى نفسه، وخلع عمه، فأجابوه إلى ذلك مستهل جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وتلقب يحيى بالمعتلي، وبقي بقرطبة حتى سار إليه عمه القاسم من أشبيلية، فخرج يحيى بن علي بن حمود من قرطبة إلى مالقة والجزيرة الخضراء، فاستولى عليهما، وذلك في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ودخل القاسم قرطبة في التاريخ المذكور. وجرى بين أهل قرطبة وبينه قتال، وبقي نحو خمسين يوما. فانتصر أهل قرطبة وانهزم القاسم بن حمود وتفرق عنه عسكره، وسار إلى شريش، فقصده ابن أخيه يحيى وحبسه حتى مات في حبسه بعد موت يحيى، ولما جرى ذلك، خرج أهل أشبيلية عن طاعة يحيى وقدموا عليهم قاضي أشبيلية أبا القاسم محمدا (٣) بن إسماعيل بن عباد اللخمي، وبقي إليه أمر أشبيلية، وكانت ولاية القاسم بن حمود إلى أن حبس بقرطبة ثلاثة أعوام وشهورا، وبقي محبوسا إلى أن مات سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وقد أسن وأقام أهل قرطبة رجلا من بني أمية أسمه عبد الرحمن (٤) بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، ولقب المستظهر بالله، وهو أخو المهدي بن هشام، وبويع في رمضان، وقتلوه في ذي القعدة كل ذلك سنة أربع وأربعمائة، ولما قتل المستظهر بويع محمد (٥) بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر، ولقب

стр. 8928

المستكفي، ثم خلع بعد سنة وأربعة أشهر، فهرب وسم في الطريق فمات، ثم اجتمع أهل قرطبة على طاعة يحيى بن علي بن حمود، وكان بمالقة فخطب له بالخلافة، ثم خرجوا عن طاعته سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وبقي يحيى كذلك مدة، ثم سار من مالقة إلى قرمونة وأقام بها محاصرًا لأشبيلية، وخرجت للقاضي أبي القاسم خيل وكَمَنَ بعضهم، فخرج يحيى لقتالهم، فقتل في المعركة، وكان قتله في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ولما خَلَعَ أهل قرطبة كما ذكرنا طاعة يحيى بايعوا هشام (١) بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي، ولقبوه المعتز بالله، وكان ذلك سنة ثماني عشرة وأربعمائة. وجرى في أيامه فتن من أهل الأندلس يطول شرحها حتى خلع سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وسار مخلوعًا إلى سليمان بن هود الجذامي، فأقام عنده إلى أن مات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ثم أقام أهل قرطبة بعد هشام شخصًا من ولد عبد الرحمن الناصر يقال له أمية، فلما أرادوا أن يولّوه، قالوا: نخشى عليك أن تقتل، فإن السعادة قد ولتْ عنكم يا بني أمية، قال: بايعوني اليوم واقتلوني غدًا، فلم ينتظم له أمر، واختفى ولم يظهر أثره، ثم إن الأندلس اقتسمها أصحاب الأطراف، وصاروا مثل ملوك الأطراف. وأما قرطبة فاستولى عليها أبو الحسن بن جهور، وكان من وزراء الدولة العامرية وبقي كذلك إلى أن مات سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وقام بأمر قرطبة بعده ابنه أبو الوليد محمد (بن جهور). وأما إشبيلية، فاستولى عليها قاضيها أبو القاسم إسماعيل بن عباد اللخمي وكان من ولد النعمان بن المنذر، ولما اقتسمت مملكة الأندلس شاع أن المؤيد بن هشام الذي اختفى أثره قد ظهر، وشاع، فسار إلى قرية رباح فأطاعه أهلها فاستدعاه ابن عباد إلى إشبيلية، فسار إليه، وقام بنصره، وكتب بظهوره إلى ممالك الأندلس، فأجاب أكثرهم وخطبوا له، وجدّدوا بيعته في المحرم سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وبقي المؤيد حتى ولي المعتضد بن عباد فأشاع موت المؤيد، والصحيح أن المؤيد لم يظهر خبره مذ فقد بقرطبة سنة ثلاث وأربعمائة، وإنما كان أظهار المؤيد من تمويهات بني عباد. وأما بطليوس، فقام بها سابور الفتى العامري (٢)، وتلقب بالمنصور، ثم انتقلت

стр. 8929

بعده إلى أبي بكر محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس، وتلقب المظفر، وأصله من بربر مكناسة، وولد أبوه بالأندلس، فلما توفي محمد المذكور صار ملك بطليوس لولده عمر بن محمد، وتلقب المتوكل واتسع ملكه، وقتل صبرًا مع والديه عند تغلب أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على الأندلس، وكان اسم ولديه اللذين قتلا معه: الفضل والعباس. وأما طليطلة، فقام بأمرها ابن يعيش، ثم صارت إلى إسماعيل بن عبد الرحمان بن عامر بن ذي النون، وتلقب الظافر بحول الله، واصله من البربر، ثم ملك بعده ولده يحيى، ثم أخذ الفرنج منه طليطلة سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وصار هو ببلنسية، وأقام بها إلى أن قتله القاضي الأحنف بن جحاف. وأما سرقسطة والثغر الأعلى، وكانت في يد منذر بن يحيى ثم صارت وما معها لولده يحيى بن منذر، ثم صارت لسليمان بن أحمد بن محمد بن هود الجذامي وتلقب بالمستعين بالله، ثم صارت لولده أحمد، ثم ولي بعده ابنه عبد الملك بن أحمد، ثم ولي بعده ابنه أحمد بن عبد الملك، وتلقب بالمستنصر بالله. وعليه انقرضت دولتهم على رأس الخمسمائة، فصارت بلادهم جميعها للملثمين. وأما طرطوشة، فوليها الفتى العامري. وأما بلنسية، فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز، ثم غدر به صهره المأمون بن ذي النون، وأخذ الملك منه سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وأما السهلة، فملكها عبود بن رزين، وهو بربري. وأما دانية والجزائر، فكانت بيد الموفق بن أبي الحسن، مجاهد العامري. وأما مرسية فملكها بنو طاهر، واستقامت لأبي عبد الرحمن منهم، إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد، ثم عصى بها نائبها عليه، ثم صارت للملثمين. وأما المرية، فملكها خيران العامري، ثم ملك بعده زهير العامري، واتسع ملكه إلى شاطبة، ثم قتل، وصارت مملكته إلى المنصور عبد العزيز بن عبد الرحمن المنصور بن أبي عامر، ثم صارت للملثمين. وأما مالقة: فملكها بنو علي بن حمود العلوي، ولم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها بالخلافة إلى أن أخذها منهم باديس بن حبوس صاحب غرناطة.

стр. 8930

وأما غرناطة: فملكها حبوس بن ماكس الصنهاجي، فهذه صورة تفرق ممالك الأندلس، بعدما كانت مجتمعة لخلفاء بني أمية وقد نظم أبو طالب عبد الجبار المعروف بالمثنى الأندلسي من جزيرة شقر، أرجوزة تحتوي على فنون من العلوم، وذكر فيها أشياء من التاريخ تشتمل على تفرّق ممالك الأندلس، فمن ذلك: [من الرجز] لما رأى أعلام أهل قرطبة … أنَّ الأمور عندهم مضطربة وعدمت شاكلة للطاعه … استعملت آراءها الجماعة فقدموا الشيخ من آل جهور … المكتني بالحزم والتدبر ثمَّ إِنَّهُ ابن الوليد بعده … وكان يحذو في السداد قصده فجاهرت بجورها الجهاوره … وكل قطر حلَّ فيه فاقره والثغر الاعلى قام فيه منذرُ … ثم ابنُ هودٍ بعد فيما يُذكر وابن يعيش ثار في طليطلة … ثم ابن ذي النون تصفى الملك له وفي بطليوس انبرى سابور … وبعده ابن الأفطس المنصور وثار في حمص بنو عباد … والكذب والفتون في ازدياد وثار في غرناطة حبوس … ثم ابنُهُ من بعده باديس وآل معن ملكوا المرية … بسيرةٍ محمودة مرضية وثار في شرق البلاد الفتيان … العامريون ومنهم خيران ثم زهير والفتى لبيب … ومنهم مجاهد اللبيب سلطانه رسا بمرسى دانيه … ثم غزا حتى أتى سردانية ثم أقامت هذه الصقالبة … لابن أبي عامر هم بشاطبة وحل ما ملكهم بلنسية … وثار آل طاهر بمرسية وبلد البيت لآل قاسم … وهو حتى الآن فيه حاكم وابن رزين جاره في السهلة … أمهل أيضًا ثم كل المهلة ثم استمرت هذه الطوائفُ … يخلفهم من آلهم خوالف وفي [سنة] سبع وأربعمائة: قُتِلَتْ (١) الشيعة بإفريقية، وتتبع من بقى منهم، فقتلوا وكان سببه أن المعز بن باديس (في) القيروان فاجتار بجماعة فسأل عنهم، فقيل هم رافضة يسبّون أبا بكر

стр. 8931

وعمر، فقال المعزّ: رضي الله عن أبي بكر وعمر، فثارت بهم الناس وأقاموا الفتنة، وقتلوهم للنهب. وفي سنة ثمان وأربعمائة: مات طغان خان (١) ملك تركستان وكاشغر ولما كان قراخان مريضًا (٢) سارت جيوش الصين من الترك والخطا إلى بلاده، فدعا طغان الله تعالى في أن يعافيه ليقاتلهم ثم يفعل به ما شاء، فعوفي وجمع العساكر وسارت إليهم وهم زهاء ثلثمائة ألف خركاة، فكبسهم وقتل منهم مائتي ألف رجل، واسر نحو مائة ألف، وغنم ما لا يحصى، وعاد إلى بلاد ساغون، فمات بها عقب وصوله، وكان عادلًا، وما أشبه هذه بقضية سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ في غزوة الخندق لما جرح وسأل الله أن يُحييه إلى أن يقرّ عينه في بني قريظة، فأندمل جرحه حتى فَرَغَ رسول الله ﷺ من غزوة بني قريظة، فانتقض جرحه ومات ﵁. وملك بعد طغان خان أخوه أبو المظفر أرسلان خان (٣). وفيها: في (٤) جمادى الأخرة توفي مهذب الدولة أبو الحسين علي بن نصر ومولده سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وهو الذي هرب إليه القادر بالله، وسبب موته أنه اقتصد فورم ساعده، واشتدَّ بسبب ذلك به المرض، فلما أشرف على الموت وثب ابن أخته (٥) أبو محمد عبد الله بن بني فقبض على أحمد بن مهذب الدولة، فدخلت أمه على مهذب الدولة قبل موته فأعلمته بما جرى، فقال: أي شيء أقدر أن أعمل وأنا على هذا الحال، ومات من الغد، فولى ابن أخته (٦) المذكور، وضرب ابن مهذب الدولة ضربًا شديدًا حتى مات من ذلك الضرب بعد ثلاثة أيام من موت أبيه، ثم حصل لابن (٧) بني ذبحة فمات، وكان مدة ملكه دون ثلاثة أشهر، فولي البطيحة الحسين بن بكر الشرابي من خواص مهذب الدولة، ثم قبض عليه

стр. 8932

سلطان الدولة في سنة عشرة وأربعمائة، وأرسل سلطان الدولة صدقة بن فارس المازياري فملك البطيحة. وفيها: مات (١) علي بن مزيد الأسدي، وصار الأمير بعده ابنه دبيس (٢) ابن علي. وفيها: ضعف (٣) أمر الديلم ببغداد، وطمعت فيهم العامة، وكثر العيارون ببغداد ونهبوا الأموال. وفيها: قدم (٤) سلطان الدولة إلى بغداد، وضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، وكان جده عضد الدولة يفعل ذلك في أوقات ثلاث صلوات. وفي سنة تسع وأربعمائة: غزا (٥) يمين الدولة الهند على عادته، فقتل وغنم وعاد إلى غزنة منصورًا. وفيها (٦): مات عبد الغني (٧) بن سعيد الحافظ المصري صاحب المؤتلف والمختلف. وفي سنة عشر وأربعمائة: توفي (٨) وثاب بن سابق النميري صاحب حران وملك ولده شبيب. وفيها: لثلاث بقين من شوال فقد (٩) الحاكم بأمر الله أبو علي منصور بن العزيز العلوي صاحب مصر، وكان فقده بأن خرج يطوف بالليل على رسمه، وأصبح عند قبر الفقاعي، وتوجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان فأعاد أحدهما مع جماعة من العرب بسبب أيصالهم حَقَّهم من بيت المال، ثم عاد الركابي الآخر وأخبر أنَّه خلف الحاكم عند العين والمقصبة، فخرج جماعة من أصحابه لكشف خبره، فوجدوا عند حلوان حمار الحاكم وقد ضربت يده بسيف وعليه سرجه ولجامه، فاتبعوا الأثر، فوجدوا ثياب الحاكم ولم يشكوا في قتله، وكان سبب قتله أنه تهدد أخته، فاتفقت مع بعض القواد

стр. 8933

وجهزوا عليه من قتله، وكان عمر الحاكم ستا وثلاثين سنة وتسعة أشهر وولايته خمسا وعشرين سنة، وكان جوادا بالمال، سفاكا للدماء، وكان تصدر عنه أفعال متناقضة، يأمر بالشيء، ثم ينهى عنه. وولي الخلافة بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله (١)، أبو الحسن علي وبويع له بالخلافة في اليوم السابع من قتل الحاكم، وهو إذ ذاك صبي وكتبت الكتب إلى بلاد مصر والشام ببيعته وجمعت عمته ست الملوك الناس ووعدتهم وأحسنت إليهم، ورتبت الأمور، وباشرت تدبير الملك بنفسها، وقويت هيبتها عند الناس، وعاشت بعد الحاكم أربع سنين وماتت. وفيها: شغبت (٢) الجند ببغداد على سلطان الدولة، فأراد الانحدار إلى واسط، فقال الجند: إما أن تجعل عندنا ولدك وإما أخاك شرف الدولة، فاستخلف سلطان الدولة أخاه المذكور على العراق، وسار إلى الأهواز واستوزر في طريقه ابن سهلان، فاستوحش شرف الدولة من ذلك، وأرسل سلطان الدولة وزيره ابن سهلان ليخرج أخاه شرف الدولة من العراق، فسار إليه واقتتلا، فانتصر شرف الدولة على ابن سهلان وسحله، فلما سمع سلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه، وهرب في أربعمائة فارس، واستقر شرف الدولة بن بهاء الدولة على ملك العراق، وقطعت خطبة سلطان الدولة وخطب لشرف الدولة في أواخر المحرم سنة إثنتي عشرة وأربعمائة. وفيها: قبض (٣) معتمد الدولة قرواش بن المقلد على وزيره أبي القاسم المغربي، ثم أطلقه فيما بعد، وقبض على سلمان (٤) بن فهد، وكان ابن فهد في حداثته بين يدي الصابي ببغداد، ثم صعد إلى الموصل وخدم مقلد والد القرواش، ثم نظر في ضياع قرواش، فظلم أهلها، وسخط قرواش عليه وحبسه وقتله، وهو المذكور في شعر (ابن) الزمكدم (٥) وهو: [من الطويل] وليل كوجه البرقعيدي مظلم (٦) … وبرد أغانيه وطول قرونه

стр. 8934

سريت ونومي فيه نوم مشرّد … كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولقٍ فيه التفات كأنه … أبو جابر في خطبه وجنونه إلى أن بدا نورُ (١) الصباح كأنه … سن وجه قرواش وضوء جبينه وكان من حديث هذه الأبيات أن قرواشًا جلس في مجلس شرابه في ليلة شاتية، وكان عنده مغنيه البرقعيدي وسليمان بن فهد الوزير وأبو جابر، فأمر قرواش أن يهجو المذكورين ويمدحه ففعل. وفيها: اجتمع (٢) غريب بن معن ودبيس بن علي بن مزيد، وأتاهم عسكر من بغداد، وجرى بينهم قتال، فانهزم قرواش، وامتدت يد نواب السلطان إلى أعماله، فأرسل قرواش يسأل الصفح عنه. وفيها: نشأت (٣) سحابة - على ما حكاه ابن الاثير (٤) - بإفريقية شديدة الرعد والبرق. وأمطرت حجارة كثيرة، فهلك كل من أصابته. سنة إحدى عشرة إلى سنة عشرين وأربعمائة في سنة إثنتي عشرة وأربعمائة: مات (٥) صدقة بن فارس المازياري أمير البطيحة، وضمنها أبو نصر شيرزاد بن الحسن، وأمنت به الطرق. وفيها (٦): توفي علي بن هلال (٧) المعروف بابن البواب الكاتب المشهور بجودة الخط، وكان عنده علم، وكان يقص بجامع المدينة ببغداد، وكان شيخه في الكتابة محمد بن أسد بن علي القاري الكاتب البزار البغدادي، وتوفي ابن البواب ببغداد، ودفن عند أحمد بن حنبل. وفيها (٨): توفي علي بن عبد الواحد (٩) الفقيه البغدادي المعروف بصريع الدلاء،

стр. 8935

وقتيل الغواشي ذي الرقاعتين، الشاعر المشهور، وله قصيدة في المجون منها: [من الرجز] مَنْ فاتَهُ العِلمُ وأخطاهُ الغِنى … فذاكَ والكَلبُ على حالِ سَوا وقدم مصر في السنة التي توفي فيها، ومدح الظاهر لإعزاز دين الله. وفيها: استولى (١) نجاح على اليمن حسبما أشرنا إليه سنة ثلاث ومائتين ونجاح مول مرجان، ومرجان مول حسن بن سلام، وحسين مول رشد، ورشد مول بني زياد، وكان لنجاح عدة أولاد منهم سعيد الأحول وجياش ومعارك وغيرهم، وبقي نجاح في ملك اليمن إلى أن توفي سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، قيل أن الصليحي أهدى إليه جارية، فسمته فمات ثم ملك بعده بنوه وكبيرهم سعيد الأحوال، وبقي الأمر فيهم بعد موت نجاح سنتين، ثم استولى عليهم الصليحي على ما سنذكره سنة خمس وأربعين وأربعمائة، فهرب بنو نجاح إلى دهلك وجزائر بني هائم (٢)، فقدم جياش متنكرًا إلى زييد وأخذ منها وديعة كانت له ورجع إلى دهلك واستتر بها واستدعى جياشًا من دهلك، وبشره بانقضاء ملك الصليحي، فقدم جياش على أخيه سعيد، فحضر حينئذ سعيد، وسار هو وجياش في سبعين رجلًا من زبيد في اليوم التاسع من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة وقصدا (٣) الصليحي، وكان قد سار إلى الحج، فلحقاه عند أم الدهيم وبئر أم معبد وقتلاه في ثاني عشر ذي القعدة من السنة، وكان معه عسكر كثير، وقتل مع الصليحي أخوه (٤) عبد الله بن محمد، وحزّ سعيد رأس الصليحي ورأس أخيه عبد الله واحتاط على إمرأة الصليحي (وهي) (٥) أسماء بنت شهاب، وسار عائدًا إلى زبيد، وكان لأسماء ابن يقال له: الملك المكرّم، وكان مالكًا بعض حصون اليمن، ودخل سعيد وأخوه (٦) جياش ابنا نجاح زبيد، والرأسان قدامهما على هودج أسماء بنت شهاب، وأنزل سعيد أسماء بدار في زبيد واستوسق الأمر بتمامة لسعيد، واستمرت أسماء مأسورة إلى سنة خمس وسبعين وأربعمائة، فأرسلت أسماء كتابًا بالخفية إلى ابنها المكرم تستوحيه واسمه أحمد بن علي الصليحي، فجمع جموعًا، وسار من الجبال إلى زبيد، وجرى بينه وبين سعيد بن نجاح قتال انتصر الملك المكرم وهرب سعيد إلى دهلك، واستولى المكرم على زبيد، وأنزل رأس الصليحي وأخيه ودفنهما، وبنى عليهما مسجدًا (٧)، وولى المكرم على

стр. 8936

زبيد خاله أسعد بن شهاب، وماتت أسماء بعد ذلك في صنعاء سنة سبع وسبعين وأربعمائة، ثم عاد بنو نجاح إلى زبيد وملكوها، وأخرجوا أسعد بن شهاب منها سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ثم غلب عليهم أحمد بن علي الصليحي، الملقب بالملك المكرم، وقتل سعيد بن نجاح في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ونصب رأسه مدة، ولما قتل سعيد هرب أخوه جياش إلى الهند، وأقام فيها أشهرًا، ثم عاد إلى زبيد فملكها في بقايا سنة إحدى وثمانين وكان قد اشترى من الهند جارية هندية، فأقدمها معه وهي حُبلى، فلما حَصَلَتْ في زبيد ولدت ابنه الفاتك بن جياش، وبقي المكرم في الجبال يوقع الغارة على بلاد جياش وماله قدرة غير ذلك، ولم يزل جياش مالكًا زبيد مالكًا لتهامة من اليمن من سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة الى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة فمات في أواخرها، وترك عدة أولاد منهم فاتك بن الهندية، ومنصور وإبراهيم، فتولى بعده ابنه فاتك بن جياش، فخالف عليه أخوه إبراهيم، ثم مات فاتك سنة ثلاث وخمسمائة وخلف ولده منصور فملكه عبيد أبيه فاتك وهو دون البلوغ، فقصده عمه إبراهيم، وقاتله فلم يظفر منه بطائل، وثار في زبيد عبد الواحد بن جياش وملكها، واجتمع عبيد فاتك على منصور واستنجدوا وقصدوا زبيد، فقهروا عبد الواحد، واستقر منصور بن فاتك في الملك، ثم ملك بعده، ولده فاتك بن منصور، ثم ملك بعده ابن عمه واسمه أيضًا فاتك بن محمد بن فاتك بن جياش في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. واستقرّ فاتك المذكور في ملك اليمن من السنة المذكورة حتى قتله عبيد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وهو آخر ملوك اليمن من بني نجاح، ثم تغلب على اليمن في سنة أربع وخمسين وخمسمائة علي بن مهدي (١) على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي سنة ثلاث (٢) عشرة وأربعمائة: كان (٣) الصلح بين شرف (٤) الدولة وأخيه سلطان الدولة، واستقرّ الحال على أن يكون العراق جميعه لشرف الدولة، وكرمان وفارس لسلطان الدولة. وفيها: استوزر (٥) شرف الدولة أبا الحسين (٦) بن الحسن الرخجي، ولقب مؤيد

стр. 8937

الملك، وامتدحه المهيار وغيره من الشعراء، وبنى مارستانًا بواسط وجعل عليه وقوفًا عظيمة، وكان يسأل في الوزارة، وتمنع فألزمه شرف الدولة في هذه السنة. وفيها (١): توفي أبو عبد الله بن المعلم (٢) فقيه الشيعة ورثاه المرتضى (٣). في سنة أربع عشرة إلى عشرين وأربعمائة في سنة أربع عشرة وأربعمائة (٤): استولى (٥) علاء الدولة أبو جعفر بن كاكويه على همدان، وأخذها من صاحبها سماء الدولة أبي الحسن بن شمس الدولة من بني بويه، ولما ملك علاء الدولة همدان سار إلى الدينور، فملكها، ثم ملك سابور خواشت وقويت هيبته وضبط المملكة. وفيها (٦): قبض مشرف الدولة على وزيره الرخجي، واستوزر أبا القاسم الحسين المغربي (٧) وزير قرواش، وكان أبوه من أصحاب سيف الدولة بن حمدان، وسار إلى مصر وولد له أبو القاسم المذكور بها سنة سبعين وثلثمائة، ثم الحاكم أباه، فهرب أبو القاسم إلى الشام فتنقل في الخدم. وفيها (٨): غزا يمين الدولة محمود بلاد الهند وأوغل فيه وفتح وغنم وعاد سالمًا. وفيها (٩): توفي القاضي عبد الجبار (١٠) وقد جاوز التسعين، كان متكلمًا معتزليًا، وله تصانيف في علم الكلام. وفي سنة خمس عشرة: في شوال توفي (١١) الملك سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة، أبو نصر

стр. 8938

خاشاد بن عضد الدولة بشيراز وعمره اثنتان وعشرون سنة وأشهرا، فاستولى أخوه قوام الدولة أبو الفوارس بن بهاء الدولة ملك كرمان على فارس، وكان أبو كاليجار بن سلطان الدولة بالأهواز، فسار إلى عمه فهزمه واستولى أبو كاليجار على فارس، ثم أخرجه عمه أبو الفوارس عنها، ثم عاد أبو كاليجار فملكها ثانيًا، وهزم عمه قوام الدولة واستقر في مملكة أبيه. وفيها (١): توفي علي (٢) بن عبيد الله السمساني اللغوي، وله تصانيف. وفي سنة ست عشرة: عاد (٣) يمين الدولة إلى غزو بلاد الهند وأوْغَلَ فيه، وفتح مدينة الصنم المسمى بسومنات، وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند، يحجون إليه، وكان له من الوقوف ما يزيد على عشرة آلاف ضيعة، وقد اجتمع في بيت الصنم من الجواهر والذهب ما لا يحصى. فقتل يمين الدولة فيها من الهنود ما لا يحصى، وغنم تلك الأموال وأوقد على الصنم نارًا حتى قدر على كسره من صلابة حجره، وكان طوله خمسة أذرع منها ثلاثة بارزة، وذارعان في البناء، وأخذ بعض الصنم معه إلى غزنة، وجعله عتبة الجامع. وفيها (٤): في ربيع الأول، توفي مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة وعمره ثلاث وعشرون سنة وأشهر، وملكه خمس سنين وشهرًا، وكان عادلًا، حسن السيرة. وفيها (٥): قتل علي بن محمد التهامي صاحب المرثية التي عملها في ولد صغير له مات، التي منها: [من الكامل] حُكْمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جَارِي … ما هذه الدُّنْيَا بدار قَرار (٦)

стр. 8939

طُبعتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها … صَفوًا مِنَ الأَقْذاءِ والأَكدارِ ومكلّف الأيامِ ضِدَّ طباعِها … مُتطلّب في الماءِ جَذوة نار ووصل التهامي المذكور إلى القاهرة مُتخفيا ومعه كتب من حسان بن مُفرّج بن دغفل الطائي إلى بني قرة، فَعُلم بأمره وحبس في خزانة البنود، ثم قتل محبوسًا في التاريخ المذكور، وهو منسوب إلى تهامة، وتهامة تطل على مكة، فلذلك قيل للنبي ﷺ تهامي وتطلق على البلاد بين الحجاز وأطراف اليمن. وفي سنة سبع عشرة وأربعمائة: فيها تسلّط (١) الاتراك ببغداد، وأكثروا مُصادرات الناس، وعظم الخطب، ودخل في الطمع العامة والعيارون وذلك لموت شرف الدولة وخلو بغداد من سلطان. وفيها (٢): توفى أبو بكر عبد الله (٣) بن أحمد الفقيه الشافعي، المعروف بالقفال، وعمره تسعون سنة، وكان يعمل الأقفال ماهرًا في عملها، واشتغل وعمره ثلاثون سنة، وهو غير أبي بكر القفال الشاشي المقدم ذكره سنة خمس وستين وثلثمائة. وفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة: سار (٤) جلال الدولة أبو طاهر (٥) بن بهاء الدولة إلى بغداد من البصرة، استدعاه الجند بأمر الخليفة، فدخلها ثالث رمضان، وخرج الخليفة القادر لملتقاه، وحَلَّفَهُ واستوثق منه، واستقرّ جلال الدولة في ملك بغداد. وفيها (٦): توفي الوزير أبو القاسم المغربي، وعمره ست وأربعون سنة. وفيها (٧): سقط بالعراق برد وزن البردة رطل ورطلان بالبغدادي وأصغره كالبيضة.

стр. 8940

وفيها (١): نُقِضَت الدار التي بناها معزّ الدولة ببغداد، وكان غَرِمَ عليها ألف ألف دينار. وفيها (٢): توفي الأستاذ أبو أسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرائيني، ويُلقب ركن الدولة الفقيه الشافعي المتكلم الأصولي، أَخَذَ عنه الكلام عامة شيوخ نيسابور. وله التصانيف الجليلة في الأصول، وردّ على الملحدين، وهو أحد من بلغ رتبة الإجتهاد من العلماء لتبحره في العلوم، أكثر الحافظ أبو بكر البيهقي الرواية عنه. وفيها (٣): توفي أبو القاسم ابن طباطبا الشريف، وله الشعر الجيد واسمه أحمد (٤) بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃، نقيب الطالبيين بمصر، وكان رئيسًا ولقب جده طباطبا؛ لأنه كان يلثغ فيجعل القاف طاء، فقال يومًا لغلامه دراعتي، ثم قال: لا طباطبا، يريد قبا قبا فبقي لقبًا. ومن شعره: [من الطويل] كأن نجوم الليل سارت نهارها … فوافت عشاء وهي أنضاء أسفار (٥) وقد خيمت كي تستريح ركابها … فلا فلك جارٍ ولا كوكب سار وفي سنة عشرين وأربعمائة: استولى (٦) يمين الدولة محمود علي الري، وقبض على مجد الدولة بن فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه، صاحب الري، وكان سبب ذلك أن مجد الدولة اشتغل عن تدبير المملكة بمعاشرة النساء ومطالعة الكتب، فشغب عليه جنده، فبعث يشكو جنده إلى يمين الدولة، فبعث إليه يمين الدولة عسكرًا قبضوا عليه واستولى على الري. وفيها (٧): كان قتل صالح بن مرداس أمير بني كلاب (صاحب حلب) (٨) على ما

стр. 8941

سبق ذكره سنة إثنتين وأربعمائة. وفيها (١): توفي منوجهر بن قابوس بن وشمكير، وملك بعده أنوشروان. سنة إحدى وعشرين إلى سنة ثلاثين وأربعمائة في سنة إحدى وعشرين: في ربيع الآخر توفي (٢) السلطان محمود بن سبكتكين ومولده في عاشوراء سنة ستين وثلثمائة، وكان مرضه إسهالًا وسوء مزاج، وبقي كذلك نحو سنتين، وكان قوي النفس، لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته حتى مات، وأوصى بالملك لابنه محمد، وكان أصغر من مسعود، فقعد محمد في الملك، وأخوه مسعود بأصفهان فسار نحو أخيه محمد، فأتفق أكابر العسكر وقبضوا على محمد، وملكوا مسعود، فأطلق أخاه محمدًا وأحسن إليه، وقبض على القواد الذين قبضوا على أخيه محمد وسعوا لمسعود في المملكة، وهذا كان عاقبة غدرهم. وفي سنة اثنتين وعشرين: جهز (٣) السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرًا فاستولى على التيز ومكران. وفيها: ملك (٤) الروم الرها؛ لأنها كانت لعطير من بني نمير، فاستولى أبو نصر بن مروان صاحب دياربكر على حران، وجهز من قتل عطير صاحب الرها وأرسل صالح بن مرداس يشفع عن أبي نصر في أن يردّ الرها إلى ابن عطير وإلى ابن شبل بينهما نصفين، فقبل شفاعته، وسلمها إليهما في سنة ست عشرة وأربعمائة، وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة، فراسل ابن عطير أرمانوس ملك الروم وباعه حصنه من الرها بعشرين ألف دينار وعدة قرى وتسلّم الروم برج ابن عطير. فهرب أصحاب ابن شبل، واستولى ملك الروم على البلد وقتل المسلمين وخرّب المساجد. وفيها: في (٥) ذي القعدة، توفي القادر بالله أبو العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر، وعمره (٦) ست وثمانون سنة وعشرة أشهر وخلافته إحدى وأربعون

стр. 8942

سنة. ولما مات جلس في الخلافة ابنه. القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر، سادس عشرين خلفاء بني العباس (١) وكان أبوه قد بايع له، فجددت البيعة له بالاستقلال، وأرسل القائم أبا الحسن الماوردي إلى الملك أبي كاليجار، وأخذ عليه العهد للقائم وخطب له في بلاده. وفيها: سارت (٢) الروم ومعهم حسان بن مفرج الطائي، وهو مسلم، وكان انهزم إليهم عند هروبه من عسكر العلوي، فسار مع الروم إلى الشام، وعلى رأس حسان علم فيه صليب، ووصلوا إلى فامية، فكبسوها وغنموا ما فيها وأسروا. وفي سنة ثلاث وعشرين: شَغَبَ (٣) الجند ببغداد على جلال الدولة ونهبوا داره، وأخرجوه من بغداد، وكتبوا إلى ابي كاليجار يستدعونه، فتأخر فوقع الاتفاق وعاد جلال الدولة إلى بغداد. وفي سنة أربع وعشرين: قبض (٤) مسعود بن محمود على شهريوش صاحب ساوة. وفيها (٥): توفي القاضي ابن السماك (٦) وعمره خمس وتسعون سنة. وفي سنة خمس وعشرين: فتح (٧) مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة سرسي (٨) من الهند، وكانت حصينة قصدها أبوه مرارًا، وعجز عنها، فطم مسعود خندقها بالأشجار وقصب (٩) السكر، وفتحها الله تعالى عليه، فقتل أهلها وسبى ذراريهم. وفيها (١٠): توفي بدران بن المقلد صاحب نصيبين، فقصد ولده (١١) قريش عمه قرواشًا فأقره على ولاية نصيبين.

стр. 8943

وفي سنة ست وعشرين: ضعف (١) أمر السلطنة والخلافة ببغداد، وقوي أمر العيارين، وصاروا يأخذون أموال الناس ليلًا ونهارًا، وجلال الدولة عاجز عنهم لعدم امتثال أمره، والخليفة أعجز (منه) وانتشرت العرب في النواحي وقطعوا (٢) الطرق. وفيها: وصلت (٣) الروم إلى ولاية حلب، فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن صالح بن مرداس، فهزمهم وتبعهم إلى اعزاز (٤)، وقتل من الروم خلق. وفيها: قصدت (٥) خفاجة الكوفة فنهبوها. وفيها (٦): توفي أحمد بن كليب (٧) الشاعر، وكان يهوى أسلم بن أحمد بن سعيد فمات كمدًا في هواه، فقال فيه (٨): [من المتقارب] أسلمني في هَوَا … هُ أسلم هذا الرشا غزال له مقلةٌ … يصيب بها مَنْ يَشَا وشـ بننا حاسد … سيُسأل عما وشي ولو شاء أن يرتشي … على الوصل روحي ارتشا وفي [سنة] سبع وعشرين: في شعبان، توفي (٩) الظاهر الاعزاز دين الله أبو الحسن علي بن الحاكم منصور العلوي، وعمره ثلاث وثلاثون سنة، وكانت خلافته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وأيامًا، وكان له مصر والشام والخطبة بإفريقية، وكان جميل السيرة منصفًا للرعية، ولما مات ولي أبنه أبو تميم معد (١٠)، ولقب المستنصر بالله، ومولده سنة عشرين وأربعمائة وهذا المستنصر هو الذي خطب له ببغداد (على ما سنذكره إن شاء الله تعالى) (١١) وهو

стр. 8944

الذي وصل إليه الحسن بن الصباح الإسماعيلي وخاطبه في إقامته لدعوته بخراسان، وقال له: إن فُقدتَ مَنْ الامام بعدك؟ فقال المستنصر: إبني نزار. وفيها: فتحت (١) السويداء، وكان الروم قد أحدثوا عمارتها، واجتمع إليها أهل القرى المجاورة لها، فسار إليها ابن وثاب وابن عطية (٢) في جيش كثيف من عند نصر الدولة بن مروان ففتحوا السويداء عنوةً. وفيها: قتل (٣) يحيى بن علي بن حمود حسبما تقدم ذكره سنة سبع واربعمائة ولما قتل تولى أخوه إدريس بن علي بن حمود، وتلقب بالمتأيد، واستقر بمالقة حتى توفي سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، ثم ملك ابن عمه القاسم بن محمد وبقي مدة ثم ترك الملك وتزهد، فملك بعده الحسن بن يحيى بن علي بن حمود، وتلقب بالمستنصر، وبقي حتى توفي، ولم يقع لي تاريخ وفاته. ثم ملك بعده أخوه إدريس، وتلقب بالعالي، وكان فاسد التدبير، وكان يُدخل الأراذل على حريمه ولا يخبيهن منهم، وسلك نحو ذلك، فَخَلَعَهُ الناس، وبايعوا ابن عمه محمد بن إدريس بن علي بن حمود، فاستقر في الملك وتلقب بالمهدي وأمسك ابن عمه العالي، وسَجَنَهُ، وبقي المهدي حتى توفي سنة خمسة وأربعين وأربعمائة وكان المهدي المذكور آخر مَنْ مَلَكَ منهم تلك البلاد، وانقرضت دولتهم في سنة خمس وأربعين، وقيل: إن العامة أخرجوا العالي بعد موت المهدي، وملكوه فلما مات انقرضت دولتهم، وفي خلافة المهدي المذكور، قام من بني عمه شخص يقال له: محمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء وتلقب بالمهدي أيضًا، واجتمعت عليه البرابرة، ثم افترقوا عنه فمات بعد أيام يسيره غمًا. وفي سنة سبع وعشرين: توفي (٤) رافع بن الحسين بن مقن (٥)، وكان حازمًا شجاعًا، وكانت يده مقطوعة، قطعت غلطًا في عربدة على الشرب. وله شعر حسن فمنه: [من الطويل]

стр. 8945

لها ريقة استغفر الله أنها … أَلَذُّ وأشهى في النفوس من الخمر وصارم طرف لا يزايل جفنها (١) … (ولم أرَ سيفا قط (٢)) في جفنه يفري فقلت لها والعيس تحدج بالضحى … أعدّي لفقدي ما استطعت من الصبر أليس من الخسران أن لياليًا … تمر بلا وصل (٣) وتُحْسَبُ من عمري وفيها (٤): توفي أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي (٥)، أوحد زمانه في التفسير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، روى عن جماعة، وهو صحيح النقل. وفي سنة ثمان وعشرين: توفي (٦) أبو القاسم علي بن الحسين بن مكرم صاحب عمان وقام ابنه مقامه. وفيها (٧): توفي مهيار (٨) الشاعر، وكان مجوسيًا، فأسلم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وصحبه الشريف الرضي، فقال له أبو القاسم بن برهان: قد انتقلت بإسلامك في النار من زاوية لزاوية، فقال: كيف؟ قال: لأنك كنت مجوسيًا فصرت تسب أصحاب رسول الله ﷺ في شعرك. فمن شعره من جملة قصيدة يذم فيها العرب قبل رسول الله ﷺ قوله: [من الرجز] ما برحت مظلمةً دنياكم … حتى أضاء كوكب في هاشم نبلْتُمْ به وكنتمُ مِنْ قبله … سرًا يموتُ في ظلوع كاتم ثم قضى مُسلّمًا مِنْ رببةٍ … فلم يكُنْ مِنْ غدركم بسالم نقضتم عهوده في أهله … وجرتم عن سنن المراسم وقد شهدتم مقتل ابن عمه … خر مصل بعده وصائم

стр. 8946

وما استحل باغيًا إمامُكُمْ … يزيد بالطف من ابن فاطم وها إلى اليومِ الظُّبا خاضبة … من دمهم مناسر القشاعم وأشعار مهيار مشهورة. وفيها (١): توفي أبو الحسين أحمد (٢) بن محمد القدوري، الحنفي، ولد سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وانتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق، وصنف الكتاب القدوري، ونسبته إلى القدور جمع قِدْر، قال القاضي شمس الدين بن خلكان: ولا أعلم سبب نسبته إليها. وفيها (٣): توفي الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا البخاري، وكان والده من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام الأمير نوح بن منصور الساماني، ثم تزوّج امرأة بقرية أفشنة، فولد له الشيخ الرئيس وأخوه بها، وختم الرئيس القرآن وهو ابن عشر سنين، وقرأ الحكمة على أبي عبد الله الناتلي، وحلّ إقليدس والمجسطي، واشتغل في الطب، وأتْقَنَ ذلك كله وعمره ثماني عشرة سنة، وكان ببخارى فانتقل إلى كركنج، ثم انتقل إلى أماكن شتى، حتى أتي الجوزجان، فاتصل بأبي عبد الله (الجوزجاني أكبر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة حسن بن بويه، ثم خدم شمس المعالي) (٤) قابوس بن وشمكير، ثم فارقه وقصد علاء الدولة بن كاكويه، بأصفهان، وخدمه، وتقدم عنده، ثم إن الرئيس (المذكور) (٥) مرض بالصرع والقولنج فترك الحمية وذهب إلى همذان فمات بها في هذه السنة وعمره ثماني وخمسين سنة، ومصنفاته مشهورة، وكفّره الغزالي، وصرّح بكفره في كتابه الموسوم بالمنقذ من الضلال، وكذلك كفر ابا نصر الفارابي، ومن الناس من يرى رجوع ابن سينا إلى الشرائع واعتقادها، وحكى الرئيس أبو علي المذكور في المقالة الأولى من الفن الخامس من طبيعات الشفاء، قال: وقد صح عندي بالتواتر ما كان في بلاد جوزجان في زماننا من أمر حديد لعله يزن مائة وخمسين منًا، نزل

стр. 8947

من الهواء، فنشب في الأرض، وسمع الناس صوتها هائلًا فلما تفقدوا أمره حملوه إلى والي جوزجان. ثم كاتبه محمود بن سبكتكين يرسم بانفاذه أو قطعة منه، فتعذر حمله لثقله، فما كانت الآلات تعمل فيه إلا بجهد وكانت كل آلة تعمل فيه تنكسر، لكنهم فصلوا منه آخر الأمر شيئًا. فجهزوه إليه، فرأى أن يطبع منه سيفًا، فتعذر عليه، وحكى أن ذلك الجوهر كان ملتئمًا من أجزاء جاورشية، صغار مستديرة، التصق بعضها ببعض قال: والفقيه عبد الواحد الجوزجاني صاحبي شاهد ذلك كله. وفي [سنة] تسع وعشرين: قتل (١) شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس صاحب حلب في قتاله لعسكر مصر الذي كان مقدمهم الدزبري على ما قدمنا ذكره في سنة اثنتين وأربعمائة. وفيها: هادن (٢) المستنصر بالله العلوي ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف اسير ليُمكن من عمارة قمامة (٣) التي أخر بها الحاكم أيام خلافته، فأطلق الأسرى وعمر قمامة، وأخرج ملك الروم عليها أموالًا جليلة. وفيها (٤): توفي أبو منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري صاحب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، وكان مولده سنة خمسين وثلثمائة. وفي سنة ثلاثين وأربعمائة: توفي (٥) الحسين الرخجي، وزير بني بويه وكان في عطلته يتقدم على الوزراء. وفيها (٦): توفي الفضل بن منصور بن الظريف الفارقي، الأمير الشاعر، وله ديوان حسن. سنة إحدى وثلاثين إلى سنة أربعين وأربعمائة لما (٧) توفي أبو القاسم بن مكرَّم صاحب عمان ولي ابنه أبو الجيش، وقدم

стр. 8948

صاحب جيش أبيه علي بن الهطال، وكان أبو الجيش يحترم ابن الهطال، ويقوم له إذا حضر، وكان لأبي الجيش أخ يقال له المهذب ينكر على أبي الجيش قيامه لابن الهطال، فعمل ابن الهطال دعوة للمهذب، فلما عمل السكر في المهذب، حدثه وقال له: إن قمت معك وملكتك، وأخرجتُ أخاك ما تعطيني؟ فبذل المهذب له الإقطاعات الجليلة، فطلب ابن الهطال خطه بذلك، فكتب له، وأصبح ابن الهطال، فاجتمع بأبي الجيش، وعرّفه أن أخاه المهذب يسعى في أخذ الملك منه، وأخرج له الخط، فأمر أبو الجيش بالقبض على أخيه المهذب ثم قتله، وبعد ذلك بقليل مات أبو الجيش، وله أخ صغير يقال له محمد، فطلبه ابن هطال من أمه ليجعله في الملك فلم تسلّمه إليه، وقالت، ولدي صغير ما يصلح أفتصل أنت بالملك، فاستولى ابن الهطال على عمان وأساء السيرة، وبلغ ذلك الملك أبا كاليجار، فأعظمه، وأرسل جيشًا إلى عمان، وخرجت الناس عن طاعة علي بن هطال، فقتله خادمه واستقر الأمر لأبي محمد بن أبي القاسم بن مكرم في هذه السنة. وفيها: توفي (١) شبيب بن وثاب النميري صاحب الرقة وسروج وحرّان. * * *

стр. 8949

وفي سنة اثنتين وثلاثين كان: ابتداء الدولة السلجوقية وفيها: توطد (١) ملك طغرلبك وأخيه داود ابني ميكايل بن سلجوق بن دقاق، وكان جدهم دقاق رجلًا شهمًا من مقدمي الاتراك، وولد له سلجوق فانتشا، فقدمه بيغو ملك الترك إذ ذاك وقوى أمره، وصار له جماعة كثيرة فتغيّر بيغو عليه، وخاف سلجوق منه، فسار بجماعته وكل مطيعيه من دار الحرب إلى دار الإسلام وذلك لما قدره الله تعالى من سعادته وسعادة ولدِهِ، وأقام بنواحي جند، وهي (بليدة) وراء بخارى، وصار يغزو الترك الكفّار، وكان لسلجوق من الولد أرسلان وميكائل وموسى، وتوفي سلجوق بجند وعمره مائة وسبع سنين، وبقي أولاده كما كان عليه من غزو كفار الترك، فقتل ميكائل في الغزاة شهيدًا، وخلف من الولد بيغو وطغرلبك وجغروبك داود، ثم أرتحلوا ونزلوا على فرسخين من بخارى، فأساء أمير بخارى لجيرتهم، فالتجأ إلى بغراخان أمير تركستان، واستقر الأمر بين طغرلبك وأخيه جغرويك داود أن لا يجتمعا عند بغراخان بل إذا حضر أحدهما أقام الآخر في البيوت خوفًا من الغدر بهما، واجتهد بغراخان على اجتماعهما عنده فلم يفعلا، فقبض على طفرلبك، وأرسل عسكرًا إلى أخيه جغروبك داود، فاقتتلوا فانهزم عسكر بغراخان وقتل منهم جماعة، وقصد جغروبك (موضع) (٢) أخيه طغرلبك وخلصه من الأسر، ثم عادا إلى جند واقاما (٣) بها إلى أن انقرضت الدولة السامانية وملك ايلكخان، بخار، فعظم عنده محل أرسلان بن سلجوق، ثم سار ايلكخان عنها، وبقي عليها علي تكين وارسلان بن سلجوق حتى (عبر) محمود بن سبكتكين نهر جيحون وقصد بخارى، فهرب علي تكين من بخارى، وأما أرسلان وجماعته فإنهم دخلوا (٤) المفازة والرمل واحتموا عند (٥) السلطان

стр. 8950

محمود، فكاتب محمود أرسلان واستماله فقدم أرسلان عليه، فاستماله وقبضه في الحال ونهب خركاواته وأشار على محمود بعض أصحابه (١) بتغريق السلجوقية أصحاب أرسلان المذكور، فلم يقبل وقطع بهم نهر جيحون وفرقهم في نواحي أصبهان إلى خراسان، ووضع عليهم الخراج فجارت عليهم العمال، وامتدت الأيدي إلى أموالهم وأولادهم، فانتقل منهم جماعة عن خراسان إلى أصفهان، وجرى بينهم وبين علاء الدين بن كاكويه حرب، ثم ساروا إلى أذربيجان، وهؤلاء كانوا جماعة أرسلان بن سلجوق، وبقي اسمهم هناك العربة، وسار طغرلبك وأخواه بيغو وجغروبك داود من خراسان إلى بخارى، فجمع علي تكين عسكره وأوقع بهم، وقتل جمائعهم، فالجأتهم الضرورة إلى العود إلى خراسان، فعبروا نهر جيحون وخيموا بظاهر خوارزم سنة ست وعشرين وأربعمائة، واتفقوا مع خوارزم شاه هارون بن الطيطانس، وعاهدهم ثم غدر بهم وكبسهم وأكثر من قتلهم، وارتكب من الغدر خطة شنيعة، فساروا عن خوارزم إلى جهة مرو، فأرسل إليهم مسعود بن السلطان محمود جيشًا فهزمهم، ثم وقع بين جند مسعود منازعة في الغنيمة أدّت إلى قتال بينهم، فأشار جغروبك داود بالعود إلى العسكر، فعادوا فوجدوا الاختلاف والقتال بينهم، فأوقع السلجوقية بعسكر مسعود وهزموهم وأكثروا من قتلهم واستردوا ما كانوا أخذوه منهم، وتمكنت هيبتهم في قلوب أصحاب مسعود، فكاتبهم مسعود واستمالهم فأظهروا له الطاعة، وأرسلوا يطلبون أن يطلق عمهم أرسلان بن سلجوق الذي قبضه السلطان محمود، فأحضر مسعود أرسلان إلى عنده ببلخ، وطلب منهم أن يحضروا فامتنعوا، فأعاده إلى مجلسه، وعادت الحرب بينهم فهزموا عسكر مسعود مرةً من بعد مرة وقوي أمرهم، واستولى على غالب خراسان، وفرقوا النواب في النواحي، وخطب لطغرلبك بنيسابور، وسار جغروبك داود إلى هراة، فهرب عسكر مسعود وقدموا على مسعود بغزنة وأعلموه بتفاقم الحال، فسار مسعود بنفسه وعساكره إلى السلاجقة، وجعل كلما يتبعهم إلى مكان دخلوا إلى غيره، وطال البيكار على عسكر مسعود، وقلت الأقوات عليهم، وآخر ذلك أن السلاجقة ساروا إلى البرية، فتبعهم مسعود بتلك العساكر العظيمة مرحلتين، وكان لعسكر خراسان إذ ذاك ثلاث سنين في البيكار، ونزل العسكر بمنزلة قليلة الماء، وكان الزمان حارًا فجرى بينهم فتن بسبب الماء، ومشى بعض العسكر إلى بعض في التخلي عن مسعود، ووقع الخلاف، فعادت السلاجقة عليهم فهزمتهم أقبح هزيمة،

стр. 8951

وثبت السلطان مسعود في جميع قليل، ثم انهزم وغنم السلاجقة منهم ما لا يحصى، وقسم جغروبك داود ذلك على أصحابه وآثرهم على نفسه، وعادت السلاجقة إلى خراسان فاستولوا عليها، وخطب لهم على منابرها، وذلك في أواخر سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وسنذكر باقي أخبارهم إن شاء الله تعالى. ولما انهزم مسعود وعساكره من السلجوقية إلى غزنة وصل إليها في شوال سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، فقبض على مقدم عسكره شباوشي، وعلى عدّة أمراء، وجهز ابنه مودود إلى بلخ ليرد عنها داود بن ميكائيل، وكان سير مودود إلى بلخ في سنة اثنتين وثلاثين واربعمائة، وسار مسعود إلى بلاد الهند ليشتي بها على عادة والده، فنهب أنوشتكين أحد قواده بعض الخزائن، واجتمع إليه جميع، وألزم محمدًا أخا مسعود بالقيام بالأمر، فقام على كره وبقي مسعود في جماعة من العسكر، فالتقى الفريقان في منتصف ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، واقتتلوا فانهزم مسعود وتحصن في رباط، وحاصروه فخرج إليهم، فأرسله أخوه إلى قلعة كيدي، وحمل مع مسعود أهله وأولاده، وأمر بإكرامه، ولما استقر محمد بن محمود بن سبكتكين في الملك فوض أمر دولته إلى ولده أحمد، وكان فيه هوج، فقتل عمه مسعود بقلعه كيدي بغير علم أبيه، فلما علم أبوه بذلك شق عليه وساءه، وكان السلطان مسعود كثير الصدقة تصدق مرةً في رمضان بألف ألف درهم، وكان محسنًا إلى العلماء، قصدوه وصنفوا له كتبًا كثيرة وكان يكتب خطًا حسنًا وكان ملكه فسيحًا، ملك أصفهان والري وطبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الران وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة والغور، وأطاعه أهل البر والبحر، ولما قتل مسعود كان ابنه مودود بخراسان في حرب السلاجقة، فلما بلغه قتل ابيه سار مجدًا بعساكره إلى غزنة، واقتتل مع عمه محمد فانهزم محمد و قبض مودود عليه وعلى ولده أحمد وانوش تكين الذي نهب الخزائن، وكان أنوش تكين خصيًا، فقتلهم مودود، وقتل جميع أولاد عمه محمد، خلا عبد الرحمن، وكذلك قتل مَنْ دخل في القبض على والده مسعود، ودخل مودود إلى غزنة في ثالث عشرين شعبان هذه السنة واستقر له الأمر بغزنة، وسلك حسن السيرة، وراسله ملك الترك بما وراء النهر بالإنقياد والمتابعة له. وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة: توفي (١) علاء الدولة أبو جعفر بن شهريار المعروف بابن كاكويه، وكان شجاعًا ذا رأي، وقام بأصفهان بعده ولده أبو منصور فرامرز، وهو أكبر أولاده، وسار ولده

стр. 8952

كرشاسف إلى همدان فأخذها لنفسه. وفيها: ملك (١) السلطان طغرلبك جرجان وطبرستان. وفيها: أمر (٢) المستنصر العلوي أهل دمشق بالخروج عن طاعة الدزبري، فخرجوا عليه، فسار إلى حماة، فعصى عليه أهلها، فكاتب مقلد بن منقذ الكفرطابي، فحضر إليه في ألفي رجل من كفرطاب واحتمى به وسار إلى حلب، فدخلها وأقام بها مدة وتوفى (الدزبري في) (٣) منتصف جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد تقدم ذكر وفاته في سنة اثنتين وأربعمائة، وكان الدزبري يلقب بأمير الجيوش واسمه أنوش تكين وهو منسوب إلى دزبر بن رويتم الديلمي، ولما فسد (٤) أمر الشام وطمعت العرب فخرج أبو علي (٥) ثمال صاحب الرحبة، ولقبه معز الدولة بن صالح بن مرداس الكلابي، وسار إلى حلب فملكها، وعاد حسّان بن مفرج الطائي فاستولى على فلسطين وقد تقدم ذكر سيره إلى قسطنطينية في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وعوده. وفيها: جهز (٦) الملك أبو كاليجار عسكرًا من فارس إلى عمان فملكوها. وفيها: توفي (٧) العادل أبو منصور بهرام وزير أبي كاليجار، ومولده سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان عادلًا بنى دار الكتب بفيروز آباد فيها سبعة آلاف مجلد. وفي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة: ملك (٨) السلطان طغرلبك خوارزم، وكانت من مملكة محمود بن سبكتكين، ثم صارت لابنه مسعود ونائبه فيها الطيطاش. حاجب أبيه محمود، فمات فولاها مسعود ابنه هارون بن الطيطاش ولقبه خوارزم شاه ثم قتل هارون جماعة من غلمانه عند خروجهم للصيد، فاستولى على البلد رجل يقال له عبد الجبار، فوثب غلمان هارون بعبد الجبار وقتلوه. وولوا إسماعيل بن الطيطاش أخا هارون، فسار شاه ملك بن علي، وكان ملكًا على بعض أطراف تلك البلاد فاستولى على خوارزم وهزم إسماعيل

стр. 8953

عنها، ثم سار طغرلبك إلى خوارزم فاستولى عليها، وهزم شاه ملك واستقرت في ملك طغرلبك في هذه السنة، ثم استولى طغرلبك على ملك الجبل في هذه السنة. وفيها (١): لما افتتحت الجوالي (٢) ببغداد أخذها جلال الدولة، كانت العادة أن يأخذها الخلفاء، لا يعارضهم فيها الملوك، فأرسل القائم إلى جلال الدولة في ذلك مع أبي الحسن الماوردي، فلم يلتفت جلال الدولة إليه، فعزم القائم على مفارقة بغداد، فلم يتم له ذلك. وفيها (٣): في رجب خرج بمصر رجل اسمه سكين، وكان يشبه الحاكم خليفة مصر، فادّعى أنه الحاكم واتبعه جماعة يعتقدون رجعة الحاكم وقصدوا دار الخليفة وقت الخلوة، وقالوا هذا الحاكم (٤) فارتاع من كان بالباب ذلك الوقت، ثم ارتابوا به فقبضوا عليه وصلبوه مع أصحابه. وفي سنة خمس وثلاثين في شعبان: توفي (٥) جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ببغداد، وكان مرضه ورمًا في كبده، وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة (٦)، وملكه بغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهرًا، ولما مات كان ابنه الملك العزيز أبو بكر (٧) منصور بواسط، وكاتبه الجند فلم ينتظم له أمر، فسار يطلب النجدة من الملوك مثل قرواش وأبي الشوك فلم ينجده أحد، فقصد نصر الدولة بن مروان، وتوفي عنده بميافارقين سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وكاتب الملك أبو كاليجار عسكر بغداد فاستقر له الأمر، وهو أبو كاليجار ابن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة، وخطبوا له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربعمائة. وفيها: فتح (٨) مودود بن مسعود عدة حصون من بلاد الهند.

стр. 8954

وفيها: أسلم (١) من الترك خمسة آلاف خركاة وتفرقوا في بلاد الإسلام (٢). ولم يتأخر عن الإسلام غير الخطا والتتر وهم بنواحي الصين. وفيها: ترك (٣) شرف الدولة لنفسه من ملك الترك بلاد ساغون وكاشغر، وأعطى أخاه أرسلان تكين كثيرًا من بلاد الترك، وأعطى أخاه بغراجان أطرار وأسبيجاب، وأعطى عمه طغان فرغانه بأسرها، وأعطى علي تكين بخارى وسمرقند، وقنع شرف الدولة المذكور من أهله بالطاعة. وفيها: قطع (٤) المعز بن باديس بإفريقية خطبة العلويين خلفاء مصر وخطب للقائم العباسي خليفة بغداد، وَوَصَلَتْ خلع القائم والإعلام على طريق القسطنطينية في البحر. وفي سنة ست وثلاثين (٥): خطب (٦) للملك أبي كاليجار ببغداد، وخطب له أيضًا أبو الشوك ببلاده، ودييس بن مزيد ببلاده، ونصر الدولة بن مروان بديار بكر، وسار أبو كاليجار إلى بغداد ودخلها في رمضان هذه السنة وزينت بغداد لقدومه. وفيها (٧): أمر أبو كاليجار ببناء سور مدينة شيراز، فأحكم بناؤه ودوره اثنا عشر ألف ذراع في ارتفاع ثمانية أذرع، وله أحد عشر بابًا، وفرغ منه في سنة أربعين وأربعمائة. وفيها (٨): توفي الشريف المرتضى أبو القاسم، أخو الشريف الرضي، ومولده سنة خمس وخمسين وثلثمائة. وفيها (٩): توفي أبو الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي. وفي سنة سبع وثلاثين أرسل (١٠) السلطان طغرلبك أخاه إبراهيم إينال (١١) فأخذ همدان من كرشاسف بن

стр. 8955

علاء الدولة بن كاكويه واستولى على الدينور وأخذها من أبي الشوك وأخذ الصيمرة. وفيها (١): توفي أبو الشوك، فارس بن محمد بن عنان بقلعة السيروان، ولما توفي غدر الأكراد بابنه سعدى وصاروا مع ابن أخيه مهلهل. وفيها (٢): قتل عيسى بن موسى الهمذباني (٣) صاحب إربل، قتله ابنا (٤) أخيه وملكًا قلعة إربل، وكان لعيسى أخ آخر اسمه سلار قد نزل على قرواش صاحب الموصل لوحشة كانت بينه وبين أخيه عيسى، فلما بلغه قتل أخيه سار إلى إربل صحبة قرواش، فملكها، وعاد قرواش إلى الموصل. وفيها (٥): توفي أحمد بن يوسف المنازي (٦)، وزر لأبي نصر أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر، وترسل إلى القسطنطينية، وكان من أعيان الفضلاء وجمع كتبًا كثيرة، ووقفها على جامع ميافارقين، وجامع آمد، وهي إلى قريب كانت موجودة بخزائن الجامعين، وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا، فأعجبه حسنه، فقال فيه: [من الوافر] وَقانا لِفحْةَ الرَّمْضاءِ وادٍ … وقاهُ مُضاعف النَّبتِ العميمِ (٧) نزلنا دوحَهُ فَحَنا علينا … حُنوَّ المرضعاتِ على الفَطيم وأرْشَفَنا على ظَمَأَ زُلالًا … ألَذُّ من المُدامَةِ لِلنَّديم تَروعُ حَصاهُ حاليةَ العَذارى … فتلمُسُ جانب العِقْدِ النظيمِ والمنازي (٨) منسوب إلى منازجهر مدينة عند خرت برت، وهي غير مناز كرد التي عند خلاط.

стр. 8956

وفي سنة ثمان وثلاثين: ملك (١) (مهلهل بن) (٢) محمد بن عنان أخو أبي الشوك قرميسين والدينور بعد أن كان قد استولى عليهما أخو طغرلبك. وفيها (٣): توفي عبد الله (٤) بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين، وكان إمامًا في الشافعية، تفقه على ابي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي وهو صاحب وجه في المذهب، وكان عالمًا أيضًا بالأدب وغيره من العلوم، وهو من بني سنبس بطن من طيئ. وفي سنة تسع وثلاثين: استولى (٥) عسكر الملك أبي كاليجار على البطيحة وأخذوها من ابي نصر بن الهيثم، وهرب ابن الهيثم في زبزب. وفي سنة اربعين وأربعمائة: توفي (٦) الملك أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة في رابع جمادى الأول بمدينة جنابه (٧) من كرمان وكان قد سار إلى كرمان لخروج عامله بهرام الديلمي عن طاعته، فمرض من قصر مجاشع، وثم سائرًا فضعف عن الركوب، فركب في محفّة، فتوفي في جنابة وعمره اربعون سنة وشهورًا، وكان ملكه العراق أربع سنين وشهرين. ولما توفي نهبت الأتراك الخزائن والسلاح والدواب من العسكر، وكان معه ولده أبو منصور فلاستون، فعاد إلى شيراز وملكها، ولما وصل خبر وفاته إلى بغداد، وبها ولده الملك الرحيم أبو نصر خسره فيروز، جمع الجند واستحلفهم، واستولى على بغداد، ثم أرسل الملك الرحيم عسكرًا إلى شيراز فقبضوا على أخيه فلاسون وعلى والدته في شوال هذه السنة، وخطبه للملك الرحيم بشيراز، ثم سار من بغداد إلى خوزستان فلقيه مَنْ بها من الجند وأطاعوه ومن جملتهم كرشاسف بن علاء الدولة صاحب همذان، فإنه كان قد قدم إلى ابي كاليجار لما أخذ منه إبراهيم ينال همذان. وفيها (٨): توفي محمد بن محمد بن غيلان البزاز الراوي للأحاديث المعروفة

стр. 8957

بالغيلانيات التي أخرجها الدارقطني. سنة إحدى وأربعين إلى سنة خمسين وأربعمائة في سنة إحدى وأربعين: جمع (١) فلاستون بن ابي كاليجار جمعًا بعد أن خلص من الاعتقال واستولى على بلاد فارس. وفيها: جرى (٢) بين طغرلبك وأخيه إبراهيم وحشة أدت إلى قتال انهزم فيه إبراهيم ينال، وعصى بقلعة سرماح، فحصره طغرلبك واستزله قهرًا. وفيها: أرسل (٣) ملك الروم إلى طغرلبك هدية عظيمة وطلب منه المعاهدة فأجابه إليها، وعمر مسجد القسطنطينية، وأقام به الصلوة والخطبة لطغرلبك ودانت الناس له، وتوطد ملكه. وفيها: أفرج (٤) طغرلبك عن إبراهيم ينال أخيه وتركه معه. وفيها: توفي (٥) أبو الفتوح ممدود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وعمره تسع وعشرون سنة، وملك تسع سنين وعشرة أشهر، وكان موته بغزنة، واستقر في الملك بعده عمه عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، وكان مودود قد حبس عمه المذكور فخرج بعد موته، ولقب شمس دين الله سيف الدولة. وفيها: سار (٦) البساسيري كبير الأتراك ببغداد وملك الأنبار، وأظهر العدل وحسن السيرة، ولما قرر قواعدها عاد إلى بغداد. وفيها: ملك (٧) عسكر خليفة مصر حلب من ثمال بن صالح بن مرداس الكلابي على ما قدمناه في سنة ثنتين وأربعمائة. وفيها: وقعت (٨) الفتنة ببغداد بين السنة والشيعة وعظم الأمر حتى بطلت الأسواق، وشرع أهل الكرخ في بناء سور محيطًا بالكرخ، وشرع السنة في بناء سور

стр. 8958

على (سوق) (١) القلائين، وكان الاذان في أماكن الشيعة بحي على خير العمل، وفي أماكن السنة الصلاة خير من النوم. وفيها (٢): توفي منصور بن جلال الدولة وله شعر جيد. وفي سنة اثنتين وأربعمائة: سار (٣) السلطان طغرلبك من خراسان وحاصر أصفهان وبها أبو منصور بن علاء الدولة بن كاكويه وطالت محاصرته قريب سنة وأخذها بالأمان ودخل طغرلبك أصفهان في محرم سنة ثلاث وأربعين واستطابها ونقل إليها ما كان له بالري من سلاح وذخائر. وفيها: استولى (٤) أبو كامل بركة بن مقلّد على أخيه قرواش، ولم يكن لقرواش معه تصرف في المملكة، بل غلب عليها بركة ولقب زعيم الدولة. ولما قطع (٥) المعز ابن باديس خطبة العلويين من إفريقية وخطب للعباسيين عظم على المستنصر العلوي، وأرسل إلى المعز بن باديس في ذلك، وأغلظ له المعز في الجواب، وكان وزير المستنصر الحسن بن علي اليازوري، (ويازور من أعمال الرملة) (٦) فاتفقا على إرسال زغبة ورباح وهما قبيلتان من العرب، وكان بينهم حرب، فاصلح المستنصر بينهم وجهزهم بالأموال، فاستولوا على برقة، فسار إليهم المعز ابن باديس فهزموه، وساروا إلى إفريقية وحصروا المدن، نزل بأهل إفريقية من البلاء ما لم يعهدوه، ثم جمع المعز أربعين (٧) ألف فارس وصافهم فهزموه أيضًا ودخل المعز القيروان مهزومًا، ثم جمع المعز ثمانين ألف (٨) فارس، وقاتلهم فانهزم، وكثر القتل في أصحابه، ووصلت العرب إلى القيروان، ونزلوا بمصلّى القيروان، وأقاموا يحاصرون البلاد وينهبونها إلى سنة تسع وأربعين، وانتقل المعز إلى المهدية في رمضان سنة تسع واربعين وأربعمائة. وفيها: سار (٩) مهلهل بن محمد بن عنان أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك فأحسن إليه طغرلبك فأقره على بلاده، ومن جملتها السيروان ودقوقا وشهرزور

стр. 8959

والصامغان، وكان سرحاب أخو مهلهل محبوسًا عند طغرلبك فأطلقه لأخيه مهلهل. وفي سنة ثلاث وأربعين: كانت (١) الفتنة بين السنة والشيعة ببغداد، وأحرق قبر موسى بن جعفر، وقبر زبيدة وقبور ملوك بني بويه وجميع الترك الذين حولها. وقصد أهل الكرخ إلى خان الحنفيين، وقتلوا مدرسهم أبا سعيد السرخسي وأحرقوا الخان ودور الفقهاء، ثم صارت الفتنة إلى الجانب الشرقي، فاقتتل أهل باب الطاق وسوق يحيى والإساكفة. وفيها: توفي (٢) زعيم الدولة بركة بن المقلد بتكريت، واجتمع أكابر الدولة على إقامة قريش بن بدران بن المقلد، وكان بدران بن المقلد صاحب نصيبين ثم صارت لابنه قريش بعده، وكان قرواش معتقل منذ اعتقله أخوه بركة مع القيام برواتيه، فلما تولى قريش نقل عمه قرواشًا إلى قلعة الجراحية من (اعمال) (٣) الموصل، فاعتقله بها. وفيها: وقت (٤) العصر ظهر ببغداد كوكب له ذوائب غَلَبَ نوره على نور الشمس وسار سيرًا بطيئًا، ثم انقض. وفيها: وصل (٥) رسول طغرلبك إلى الخليفة بالهدايا. وفيها: توفي (٦) كرشاسف بن علاء الدولة بالأهواز وكان استخلفه بها الملك الرحيم بن كاليجار. وفي سنة أربع وأربعين: قتل (٧) عبد الرشيد ابن محمود بن سبكتكين، قتله الحاجب طغريل، حاجب مودود بن مسعود، وكان أقره عبد الرشيد وقدّمه فطمع في الملك، وخرج على عبد الرشيد، فانحصر عبد الرشيد بقلعة غزنة، وحصره طغريل حتى سلّمه أهل القلعة إليه فقتله، وتزوج بنت السلطان مسعود كرهًا ثم اتفق كبراء الدولة وقتلوا طغريل، وأقاموا فرخزاد بن مسعود بن سبكتكين وكان محبوسًا، فأحضر وبويع، وقام بالأمر بين يديه خرخير وكان أمير الأعمال الهندية، فتتبع كل من أعان على قتل عبد الرشيد وقتله.

стр. 8960

وفيها: مستهل رجب، توفي (١) معتمد الدولة أبو منيع قرواش بن المقلد العقيلي الذي كان صاحب الموصل بقلعة الجراحية وحمل ودفن بتل توبة من مدينة نينوى شرقي الموصل، وقيل: إن ابن أخيه قريش بن بدران أحضر عمه قرواشًا وقتله في جملة، وكان قرواش عاقلًا وله شعر فمنه: [من الكامل] لله درُّ النائبات فإنها … صدأ القلوب وصيقل الأحرار ما كنتُ إلا زبرة فبطعْنَنِي … سيفًا وأطلق صرفُهُنَّ غِراري وجمع قرواش المذكور بين أختين في نكاحه فقيل له إن الشريعة تحرم هذا. فقال: وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة. وقال مرة: ما برقبتي غير خمسة قتلتهم من البادية، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم. وفيها (٢): قَبَضَ على ابن أبي عشام بن خميس بن معن صاحب تكريت أخوه خميس وسجنه بها واستولى عليها. وفيها: كان (٣) بجوزستان زلازل عظيمة، وكان معظمها بأرجان، فانفرج منها جبل بأرجان، وظهر في وسطه درجة بالآجر والجص، فتعجب منها الناس، وكذلك زلزلت خراسان، واشدّها ببيهق، وخرب سور بيهق، وبقي خرابًا حتى عمره نظام الملك سنة اربع وستين وأربعمائة، ثم خربه أرسلان أرغو، ثم عمره مجد الملك البلاساني. وفيها: كانت (٤) الفتنة بين السنة والشيعة، وأعادت الشيعة الاذان بحي على خير العمل، وكتبوا على مساجدهم محمد وعلي خير البشر. وفي سنة خمس وأربعين: عاد (٥) فلاستون بن ابي كاليجار، وأخذ شيراز من أخيه ابي سعيد، ولما استقر فلاستون بشيراز خطب فيها لطغرلبك ولأخيه الملك الرحيم ولنفسه بعدهما. وفي سنة ست واربعين: سار (٦) طغرلبك إلى اذربيجان، وقصد تبريز، فأطاعه صاحبها وهشوذان، وخطب له فيها، وحمل إليه ما أرضاه، وكذلك فعل أصحاب تلك البلاد. ولما استقرّت له اذربيجان على ما ذكرنا وسار إلى ارمينية، وقصد منازكرد وهي للروم

стр. 8961

وحاصرها ولم يملكها، ثم إنه غزا الروم ونهبهم وأثر فيهم أثرًا عظيمًا. وفيها: حصلت (١) الوحشة بين البساسيري والقائم. وفي سنة سبع وأربعين، قُتل (٢) الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان صاحب الجزيرة، قتله عبيد الله بن ابي طاهر البشنوي الكردي (٣). وفيها: ثارت (٤) جماعة من السنة ببغداد، وقصدوا دار الخلافة، وطلبوا أن يؤذن لهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأذن لهم، ثم استأذنوا في نهب دور البساسيري، وكان بواسط، فأذن لهم الخليفة، فنهبوها وأحرقوها، وأرسل الخليفة يأمر الملك الرحيم بإبعاد البساسيري، فأبعده وقدّم الملك الرحيم من واسط إلى بغداد وسار البساسيري إلى دبيس بن مرشد لمصاهرة بينهما. وفيها: سار (٥) طغرلبك حتى نزل حلوان، فعظم الارجاف ببغداد، وأرسل قواد بغداد يبذلون له الطاعة والخطبة، فأجابهم طغرلبك إلى ذلك، وتقدم الخليفة به. فخطب له بجامع بغداد لثمان بقين من رمضان هذه السنة، ثم إن طغرلبك استأذن في دخول بغداد، فتوجهت إليه الرسل وحلفوه للخليفة القائم والملك الرحيم فحلف ودخل بغداد، فنزل باب الشماسية. ولما (٦) وصل طغرلبك إلى بغداد، دخل بعض عسكره يتحوّجون، فجرى بين بعضهم وبين السوقة هوشة، وثارت أهل تلك المحلة على عسكر طغرلبك ونهبوهم، وثارت الفتنة بينهم ببغداد، وخرجت العامة إلى طاقات طغرلبك فركب وأوقع بالعامة، وأرسل يقول: إن كان هذا من الملك الرحيم فهو لا يقدر أن يحضر إلينا، وإن كان بريئًا فسوف يحضر، فأرسل الخليفة إلى الملك الرحيم أن يخرج هو وكبار القواد، وأنهم في أمان الخليفة، فخرجوا إلى طغرلبك، فقبض على الملك الرحيم وعلى القواد الذين معه، فعظم ذلك على الخليفة، وأرسل إلى طغرلبك في أمرهم ويشكو من عدم حرمته وعدم الالتفات إلى أمانه فأفرج طغرلبك عن بعض القواد واستمر بالباقين وبالملك الرحيم في الاعتقال، وهذا الملك الرحيم آخر من ملك العراق من بني بويه، وكان أول من استولى على العراق وبغداد منهم معز الدولة أحمد بن بويه، ثم ابنه

стр. 8962

بختيار، ثم عضد الدولة ثم فناحسرو (١) بن ركن الدولة ثم ابنه صمصام الدولة بن (٢) كاليجار المرزبان بن عضد (٣) الدولة، ثم أخوه شرف الدولة، ثم أخوه (بهاء الدولة ثم ابن سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة، ثم أخوه مشرف الدولة بن بهاء الدولة) (٤) ثم أخوه جلال الدولة بن بهاء الدولة، ثم ابن أخيه أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة ثم ابنه الملك الرحيم خسرو فيروز بن ابي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة حسن بن بويه، وهو آخرهم. وفيها (٥): وقعت الفتنة بين الشافعية والحنابلة ببغداد، فأنكرت الحنابلة على الشافعية الجهر بالبسملة والقنوت في الصبح والترجيع في الاذان. وفي سنة ثمان وأربعين: تزوج (٦) الخليفة القائم ببنت جغروبك داود أخي طغرلبك. وفيها: وقعت (٧) فتنة بين عبيد المعز بن باديس وبين عبيد ابنه تميم، فانتصرت عبيد تميم، وقتلوا في عبيد المعز، وأخرجوهم من المهدية. * * *

стр. 8963

[وفي سنة ثمان وأربعين كان] ابتداء دولة الملثمين (١) والملثمون من عدة قبائل ينتسبون إلى حمير، وكان أول مسيرهم من اليمن في أيام أبي بكر الصديق ﵁، سيرهم إلى الشام، وانتقلوا إلى مصر ثم إلى المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع طارق إلى طنجة، وأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنوها، فلما كانت هذه السنة توجه رجل منهم من قبيلة جدالة طالبًا الحج يقال له جوهر، فلما عاد استصحب معه فقيهًا من القيروان فقال له عبد الله بن ياسين الكزولي ليعلم تلك القبائل دين الإسلام، فإنه لم يفهم غير الشهادتين والصلاة في بعضهم، فتوجه ابن ياسين مع جوهر حتى أتى قبيلة لمتونة، وهي قبيلة يوسف بن تاشفين أمير المسلمين، ودعياها إلى العمل بشرائع الإسلام، فقالت لمتونة: أما الصلاة والزكاة والصوم فقريب، وأما قولكما مَنْ زنى يرجم ومن سرق يقطع، ومن قَتَلَ يُقْتَل، فهذا أمر لا نلتزمه فذهبا إلى جوالة قبيلة جوهر، فدعياهم، والقبائل التي حولهم، فأجاب أكثرهم، وامتنع أقلهم، فقال ابن ياسين للذين أجابوا إلى شرائع الإسلام: يجب عليكم قتال المخالفين لشرائع الإسلام، وأقيموا لكم أميرًا، قالوا: أنت أميرنا، فامتنع وقال لجوهر: كن أنت قال: أخاف من تسلّط على الناس، ثم اتفقا على أبي بكر بن عمر رأس قبيلة لمتونة، لأنه سيّد مطاع يلزم قبيلته وغيرها، فأتيا أبا بكر بن عمر وعرضا عليه ذلك فقبل، وعقدوا له البيعة، وسماه ابن ياسين أمير المسلمين، واجتمع إليه كل من حسن إسلامه، وحرّضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد وسماهم المرابطين، فقتلوا من أهل البغي والعناد مَنْ لم يجب إلى الشرع نحو ألفي رجل، فدانت لهم قبائل الصحراء، وقويت شوكتهم، وتفقه منهم جماعة على عبد الله بن ياسين، ولما استبد عبد الله بن ياسين وأبي بكر بن عمر بالأمر، داخل جوهر الحسد، فأخذ في إفساد الأمر، فعقد له مجلس حكم عليه بالقتل لكونه شق العصا، وأراد محاربة أهل الحق، فصلّى جوهر ركعتين سرّ بالقتل طلبًا للقاء الله تعالى، وقتلوه، ثم

стр. 8964

جرى بين المرابطين وبين أهل السوس حرب قتل فيها عبد الله بن ياسين الفقيه، ثم سار المرابطون إلى سجلماسة، واقتتلوا مع أهلها فانتصر المرابطون وملكوا سجلماسة، فلما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني، وهو من بني عم أبي بكر بن عمر، وذلك في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ثم استعمل أبو بكر على سجلماسة ابن أخيه وبعث يوسف بن تاشفين ومعه جيش من المرابطين إلى السوس ففتح على يديه، وكان يوسف رجلًا دينا حازمًا، داهية، واستمر الأمر كذلك إلى أن توفي أبو بكر بن عمر سنة اثنتين وستين وأربعمائة، فاجتمعت المرابطون على يوسف بن تاشفين، وملكوه عليهم، ولقبوه أمير المسلمين، ثم سار إلى المغرب وافتتحها حصنًا حصنًا، وكان غالبها لزناته، ثم إن يوسف قصد موضع مراكش وهو قاع صفصف فبنى فيه مدينة مراكش وجعلها دار ملكه، وملك طنجة وسبتة وسلا وغيرها، وكثرت عساكر المرابطين ويقال لهم الملثمين؛ لأنهم كانوا يتلثمون على زي العرب، فلما ملكوا ضيقوا لثامهم، وقيل: إن قبيلة لمتونة خرجوا غائرين على عدو لهم، وألبسوا نساءهم لبس الرجال، ولثموهنّ، فقصد بعض أعدائهم بيوتهم، فوجدوا النساء ملثمين (١) فظنوهن رجالا، فلم يقدموا عليهن، فاتفق وصول رجالهم في ذلك التاريخ، فأوقعوا بأعدائهم، وتبركوا باللثام، وجعلوه سنة، فقيل لهم الملثمون. ولما (٢) أقام طغرلبك ببغداد ثَقُلَتْ وطأة عسكره على الرعية، فرحل عن بغداد عاشر ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكان مقامه ببغداد سنة وشهرًا، ولم يلق الخليفة فيها، وتوجه إلى نصيبين، ثم سار إلى ديار بكر التي لا بن مروان. وفيها (٣): توفي أميرك (٤) الكاتب البيهقي، وكان من رجال الدنيا. وفي سنة تسع وأربعين: عاد (٥) طغرلبك إلى بغداد بعد استيلائه على الموصل وأعمالها وتسليمه إياها إلى أخيه إبراهيم ينال، ولما قارب القفص (٦) خرج وزيره عميد الملك ورئيس

стр. 8965

الرؤساء (١) وزير الخليفة، ودخل بغداد، وقصد الاجتماع بالخليفة القائم، فجلس له الخليفة على سرير طوله سبعة أذرع، وعليه البردة، وحضر طغرلبك، ومعه أعيان بغداد وكبراء العسكر، وذلك يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة هذه السنة. فقبل طغرلبك الأرض ويد الخليفة، وجلس على كرسي، وقال له الخليفة مع رئيس الرؤساء (٢): أن أمير المؤمنين ولاك. وخُلِع على طغرلبك وسوّر، وأعطى العهد، فقبل الأرض ثانيًا وانصرف، ثم بعث طغرلبك إلى الخليفة مائة مملوك من الاتراك بخيولهم ومناطقهم، ومع كل واحد منهم ألف دينار ودرّة. وفيها (٣): قبض المستنصر خليفة مصر على وزيره البازوري، وهو الحسن بن عبد الله، كان قاضيًا في الرملة على مذهب ابي حنيفة، ولما قبض وجد له مكاتبات إلى بغداد. وفيها (٤): توفي أبو العلاء أحمد (٥) بن سليمان المعري الأعمى، وله ست وثمانون سنة ومولده سنة ثلاث وستين وثلثمائة، واختلف في عماه والصحيح أنه عمي في صغره من الجدري، وكان عالمًا، لغويًا، شاعرًا، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، واستفاد من علمائها ولم يتلمذ لأحد، ثم عاد إلى المعرة ولزم بيته، وطبق الأرض ذكره، ونقلت عنه أشعار علم بها فساد عقيدته، ونُسب إلى مذهب الهنود لتركه أكل اللحم خمسًا وأربعين سنة. وكذلك البيض واللبن، وله مصنفات كثيرة، أكثرها ركيكة فهجرت لذلك. وكان يظهر الكفر ويزعم أن لقوله باطنًا وإنه مسلم في الباطن، فمن شعره المؤذن بفساد عقيدته قوله: [من المتقارب] عجبتُ لكسرى وأشياعِهِ … وغسل الوجه ببول البَقَر (٦) وقول النصارى إلهُ يُضام … ويظلم حيًّا ولا ينتصر وقول اليهود اله يحب … رسيس الدماء وريحَ القَتَرْ
следующие страницы →