← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

وحاصرها ولم يملكها، ثم إنه غزا الروم ونهبهم وأثر فيهم أثرًا عظيمًا. وفيها: حصلت (١) الوحشة بين البساسيري والقائم. وفي سنة سبع وأربعين، قُتل (٢) الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان صاحب الجزيرة، قتله عبيد الله بن ابي طاهر البشنوي الكردي (٣). وفيها: ثارت (٤) جماعة من السنة ببغداد، وقصدوا دار الخلافة، وطلبوا أن يؤذن لهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأذن لهم، ثم استأذنوا في نهب دور البساسيري، وكان بواسط، فأذن لهم الخليفة، فنهبوها وأحرقوها، وأرسل الخليفة يأمر الملك الرحيم بإبعاد البساسيري، فأبعده وقدّم الملك الرحيم من واسط إلى بغداد وسار البساسيري إلى دبيس بن مرشد لمصاهرة بينهما. وفيها: سار (٥) طغرلبك حتى نزل حلوان، فعظم الارجاف ببغداد، وأرسل قواد بغداد يبذلون له الطاعة والخطبة، فأجابهم طغرلبك إلى ذلك، وتقدم الخليفة به. فخطب له بجامع بغداد لثمان بقين من رمضان هذه السنة، ثم إن طغرلبك استأذن في دخول بغداد، فتوجهت إليه الرسل وحلفوه للخليفة القائم والملك الرحيم فحلف ودخل بغداد، فنزل باب الشماسية. ولما (٦) وصل طغرلبك إلى بغداد، دخل بعض عسكره يتحوّجون، فجرى بين بعضهم وبين السوقة هوشة، وثارت أهل تلك المحلة على عسكر طغرلبك ونهبوهم، وثارت الفتنة بينهم ببغداد، وخرجت العامة إلى طاقات طغرلبك فركب وأوقع بالعامة، وأرسل يقول: إن كان هذا من الملك الرحيم فهو لا يقدر أن يحضر إلينا، وإن كان بريئًا فسوف يحضر، فأرسل الخليفة إلى الملك الرحيم أن يخرج هو وكبار القواد، وأنهم في أمان الخليفة، فخرجوا إلى طغرلبك، فقبض على الملك الرحيم وعلى القواد الذين معه، فعظم ذلك على الخليفة، وأرسل إلى طغرلبك في أمرهم ويشكو من عدم حرمته وعدم الالتفات إلى أمانه فأفرج طغرلبك عن بعض القواد واستمر بالباقين وبالملك الرحيم في الاعتقال، وهذا الملك الرحيم آخر من ملك العراق من بني بويه، وكان أول من استولى على العراق وبغداد منهم معز الدولة أحمد بن بويه، ثم ابنه

стр. 8962

بختيار، ثم عضد الدولة ثم فناحسرو (١) بن ركن الدولة ثم ابنه صمصام الدولة بن (٢) كاليجار المرزبان بن عضد (٣) الدولة، ثم أخوه شرف الدولة، ثم أخوه (بهاء الدولة ثم ابن سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة، ثم أخوه مشرف الدولة بن بهاء الدولة) (٤) ثم أخوه جلال الدولة بن بهاء الدولة، ثم ابن أخيه أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة ثم ابنه الملك الرحيم خسرو فيروز بن ابي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة حسن بن بويه، وهو آخرهم. وفيها (٥): وقعت الفتنة بين الشافعية والحنابلة ببغداد، فأنكرت الحنابلة على الشافعية الجهر بالبسملة والقنوت في الصبح والترجيع في الاذان. وفي سنة ثمان وأربعين: تزوج (٦) الخليفة القائم ببنت جغروبك داود أخي طغرلبك. وفيها: وقعت (٧) فتنة بين عبيد المعز بن باديس وبين عبيد ابنه تميم، فانتصرت عبيد تميم، وقتلوا في عبيد المعز، وأخرجوهم من المهدية. * * *

стр. 8963

[وفي سنة ثمان وأربعين كان] ابتداء دولة الملثمين (١) والملثمون من عدة قبائل ينتسبون إلى حمير، وكان أول مسيرهم من اليمن في أيام أبي بكر الصديق ﵁، سيرهم إلى الشام، وانتقلوا إلى مصر ثم إلى المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع طارق إلى طنجة، وأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنوها، فلما كانت هذه السنة توجه رجل منهم من قبيلة جدالة طالبًا الحج يقال له جوهر، فلما عاد استصحب معه فقيهًا من القيروان فقال له عبد الله بن ياسين الكزولي ليعلم تلك القبائل دين الإسلام، فإنه لم يفهم غير الشهادتين والصلاة في بعضهم، فتوجه ابن ياسين مع جوهر حتى أتى قبيلة لمتونة، وهي قبيلة يوسف بن تاشفين أمير المسلمين، ودعياها إلى العمل بشرائع الإسلام، فقالت لمتونة: أما الصلاة والزكاة والصوم فقريب، وأما قولكما مَنْ زنى يرجم ومن سرق يقطع، ومن قَتَلَ يُقْتَل، فهذا أمر لا نلتزمه فذهبا إلى جوالة قبيلة جوهر، فدعياهم، والقبائل التي حولهم، فأجاب أكثرهم، وامتنع أقلهم، فقال ابن ياسين للذين أجابوا إلى شرائع الإسلام: يجب عليكم قتال المخالفين لشرائع الإسلام، وأقيموا لكم أميرًا، قالوا: أنت أميرنا، فامتنع وقال لجوهر: كن أنت قال: أخاف من تسلّط على الناس، ثم اتفقا على أبي بكر بن عمر رأس قبيلة لمتونة، لأنه سيّد مطاع يلزم قبيلته وغيرها، فأتيا أبا بكر بن عمر وعرضا عليه ذلك فقبل، وعقدوا له البيعة، وسماه ابن ياسين أمير المسلمين، واجتمع إليه كل من حسن إسلامه، وحرّضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد وسماهم المرابطين، فقتلوا من أهل البغي والعناد مَنْ لم يجب إلى الشرع نحو ألفي رجل، فدانت لهم قبائل الصحراء، وقويت شوكتهم، وتفقه منهم جماعة على عبد الله بن ياسين، ولما استبد عبد الله بن ياسين وأبي بكر بن عمر بالأمر، داخل جوهر الحسد، فأخذ في إفساد الأمر، فعقد له مجلس حكم عليه بالقتل لكونه شق العصا، وأراد محاربة أهل الحق، فصلّى جوهر ركعتين سرّ بالقتل طلبًا للقاء الله تعالى، وقتلوه، ثم

стр. 8964

جرى بين المرابطين وبين أهل السوس حرب قتل فيها عبد الله بن ياسين الفقيه، ثم سار المرابطون إلى سجلماسة، واقتتلوا مع أهلها فانتصر المرابطون وملكوا سجلماسة، فلما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني، وهو من بني عم أبي بكر بن عمر، وذلك في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ثم استعمل أبو بكر على سجلماسة ابن أخيه وبعث يوسف بن تاشفين ومعه جيش من المرابطين إلى السوس ففتح على يديه، وكان يوسف رجلًا دينا حازمًا، داهية، واستمر الأمر كذلك إلى أن توفي أبو بكر بن عمر سنة اثنتين وستين وأربعمائة، فاجتمعت المرابطون على يوسف بن تاشفين، وملكوه عليهم، ولقبوه أمير المسلمين، ثم سار إلى المغرب وافتتحها حصنًا حصنًا، وكان غالبها لزناته، ثم إن يوسف قصد موضع مراكش وهو قاع صفصف فبنى فيه مدينة مراكش وجعلها دار ملكه، وملك طنجة وسبتة وسلا وغيرها، وكثرت عساكر المرابطين ويقال لهم الملثمين؛ لأنهم كانوا يتلثمون على زي العرب، فلما ملكوا ضيقوا لثامهم، وقيل: إن قبيلة لمتونة خرجوا غائرين على عدو لهم، وألبسوا نساءهم لبس الرجال، ولثموهنّ، فقصد بعض أعدائهم بيوتهم، فوجدوا النساء ملثمين (١) فظنوهن رجالا، فلم يقدموا عليهن، فاتفق وصول رجالهم في ذلك التاريخ، فأوقعوا بأعدائهم، وتبركوا باللثام، وجعلوه سنة، فقيل لهم الملثمون. ولما (٢) أقام طغرلبك ببغداد ثَقُلَتْ وطأة عسكره على الرعية، فرحل عن بغداد عاشر ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكان مقامه ببغداد سنة وشهرًا، ولم يلق الخليفة فيها، وتوجه إلى نصيبين، ثم سار إلى ديار بكر التي لا بن مروان. وفيها (٣): توفي أميرك (٤) الكاتب البيهقي، وكان من رجال الدنيا. وفي سنة تسع وأربعين: عاد (٥) طغرلبك إلى بغداد بعد استيلائه على الموصل وأعمالها وتسليمه إياها إلى أخيه إبراهيم ينال، ولما قارب القفص (٦) خرج وزيره عميد الملك ورئيس

стр. 8965

الرؤساء (١) وزير الخليفة، ودخل بغداد، وقصد الاجتماع بالخليفة القائم، فجلس له الخليفة على سرير طوله سبعة أذرع، وعليه البردة، وحضر طغرلبك، ومعه أعيان بغداد وكبراء العسكر، وذلك يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة هذه السنة. فقبل طغرلبك الأرض ويد الخليفة، وجلس على كرسي، وقال له الخليفة مع رئيس الرؤساء (٢): أن أمير المؤمنين ولاك. وخُلِع على طغرلبك وسوّر، وأعطى العهد، فقبل الأرض ثانيًا وانصرف، ثم بعث طغرلبك إلى الخليفة مائة مملوك من الاتراك بخيولهم ومناطقهم، ومع كل واحد منهم ألف دينار ودرّة. وفيها (٣): قبض المستنصر خليفة مصر على وزيره البازوري، وهو الحسن بن عبد الله، كان قاضيًا في الرملة على مذهب ابي حنيفة، ولما قبض وجد له مكاتبات إلى بغداد. وفيها (٤): توفي أبو العلاء أحمد (٥) بن سليمان المعري الأعمى، وله ست وثمانون سنة ومولده سنة ثلاث وستين وثلثمائة، واختلف في عماه والصحيح أنه عمي في صغره من الجدري، وكان عالمًا، لغويًا، شاعرًا، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، واستفاد من علمائها ولم يتلمذ لأحد، ثم عاد إلى المعرة ولزم بيته، وطبق الأرض ذكره، ونقلت عنه أشعار علم بها فساد عقيدته، ونُسب إلى مذهب الهنود لتركه أكل اللحم خمسًا وأربعين سنة. وكذلك البيض واللبن، وله مصنفات كثيرة، أكثرها ركيكة فهجرت لذلك. وكان يظهر الكفر ويزعم أن لقوله باطنًا وإنه مسلم في الباطن، فمن شعره المؤذن بفساد عقيدته قوله: [من المتقارب] عجبتُ لكسرى وأشياعِهِ … وغسل الوجه ببول البَقَر (٦) وقول النصارى إلهُ يُضام … ويظلم حيًّا ولا ينتصر وقول اليهود اله يحب … رسيس الدماء وريحَ القَتَرْ

стр. 8966

وقوم أتوا من أقاصي البلاد … لرمي الجِمارِ وَلَثْمَ الحَجَرْ فواعجبًا مِنْ مقالاتهم … أيُعمى عَنِ الحَقِّ كُلُّ البَشَرْ ومن ذلك قوله: [من الخفيف] زَعَمُوا أنني سأُبعثُ حيًّا … بَعْدَ طولِ المُقامِ في الأرْماس (١) وأحورُ الجِنانِ أَرْتَعُ فيها … بينَ حُورٍ وَوِلْدَةٍ أكياس أيُّ شيءٍ أصابَ عقلَكَ يا … مسكينُ حتى رُميْتَ بالوَسْواس ومن ذلك: [من الوافر] أتى عيسى فبَطَلَ شَرْعُ موسى … وجاءَ محمدٌ بصلاةِ خمس وقالوا لا نبي بعد هذا … فضلُ القومِ بين غدٍ وأمس ومهما عشت في دنياك هذي … فما تخليكَ مِنْ قَمَرٍ وشَمْسِ إذا قلتُ المُحالَ رفعتُ صوتي … وإن قلتُ الصحيحَ أطلتُ همسي ومن ذلك قوله: [من الكامل] تاة النصارى والحنيفة ما اهتدت … ويهود هَطْرى والمجوسُ مُضَلَّلَهْ قُسِمَ الوَرَى قسمين هذا عاقلٌ … لا دين فيه ودين لا عقل له وفيها (٢): توفي أبو عثمان إسماعيل (٣) الصابوني، مقدم أصحاب الحديث بخراسان، وكان فقيهًا في عدة علوم. وفي سنة خمسين وأربعمائة: سار (٤) إبراهيم ينال بعد انفصاله عن الموصل إلى همذان، وسار طغرلبك في أثره، وتبعه جند بغداد، فقصد البساسيري بغداد ومعه قريش بن بدران العقيلي في مائتي فارس، ووصل إليها يوم الأحد من ذي القعدة، ومعه أربعمائة غلام، ونزل بمشرعة الروايا، وخطب بجامع المنصور للمستنصر العلوي خليفة مصر، وأمر فأذن بحي على خير العمل، ثم عبر عسكره إلى الزاهر، وخطب بالجمعة الأخرى من وصوله للمصري بجامع الرصافي وجرى بينه وبين مخالفيه حروب، وجمع البساسيري جماعة ونهب

стр. 8967

الحريم ودخل الباب النوبي، فركب الخليفة القائم لابسًا للسواد وعلى كتفيه البردة وبيده سيف، وعلى رأسه لواء وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسللة وسرى النهب إلى باب الفردوس من داره، فلما رأى الخليفة ذلك، رجع إلى وراءه وصعد المنظرة، ومعه رئيس الرؤساء، فقال رئيس الرؤساء لقريش بن بدران: يا علم الدين، أمير المؤمنين القائم يستذم بذمامك وذمام رسول الله ﷺ وذمام العربية على نفسه وماله وأهله، فأعطاه قريش مخصرته ذمامًا، فنزل القائم ورئيس الرؤساء إلى قريش وسار معه، فأرسل البساسيري إلى قريش وقال له: اتخالف ما استقر بيننا، وكان قد استقر بينهما أن لا يستبد أحد دون الآخر، ثم اتفقا على تسليم رئيس الرؤساء إلى البساسيري؛ لأنه عدوه، ويبقى الخليفة عند قريش وحمل قريش الخليفة إلى معسكره بالبردة والقضيب واللواء، ونُهبت دار الخلافة وحريمها أيامًا، ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش فسار به مهارش إلى حديثة عانة، فنزل بها، وسار أصحاب الخليفة إلى طغرلبك، وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر إلى المصلى وعلى رأسه الوية خليفة مصر وأحسن إلى الناس، ولم يتعصب لمذهب، وكانت والدة القائم باقية قاربت تسعين سنة فأفرد لها البساسيري دارًا، وأعطاها جاريتين من جواريها وأجرى لها الجراية، وكان قد حبس البساسيري رئيس الرؤساء، فأحضره من الحبس، فقال رئيس الرؤساء: العفو، فقال البساسيري: أنت قدرت فما عفوت وأنت صاحب طيلسان، وفعلت الأفعال القبيحة مع حرمي وأطفالي، وكان قد ألبس رئيس الرؤساء طرطورًا أحمر استهزاء به، وفي رقبته مخنقة جلود، وطافوا به إلى النجمي وهو يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (١). فلما مر رئيس الرؤساء بأهل الكرخ بصقوا في وجهه؛ لأنه كان يتعصب عليهم، ثم ألبس جلد ثور، وجُعلَتْ قرونه على رأسه، وجعل في يده كلابان من حديد، وصلب، وبقي إلى آخر النهار ومات. وأرسل (٢) البساسيري إلى المستنصر العلوي يخبره بإقامة الخطبة له بالعراق، وكان الوزير هناك ابن أخي أبي القاسم المغربي، وهو ممن هرب من البساسيري فبردَ فعل البساسيري، وخوّف من عاقبته، فتركت أجوبته مدّة، ثم عادت بخلاف ما أمل، ثم سار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصرة فملكهما، وأما طغرلبك فكان قد

стр. 8968

خرج عليه إبراهيم ينال أخوه، وجرى بينهما قتال أَسَرَ فيه طغرلبك أخاه (١) إبراهيم وخنقه بوتر، وكان قد خرج عليه مرارًا وطغرلبك يعفو عنه، فلم يعف عنه هذه المرة. سنة إحدى وخمسين إلى ستين وأربعمائة لما فرغ (٢) طغرلبك من أخيه إبراهيم وقتله سار إلى العراق، وارسل إلى البساسيري يقول: ردّ الخليفة إلى ملكه، وأنا أرضى منك بالخطبة ولا أرد إلى العراق، فلم يُجب البساسيري إلى ذلك، فسار طغرلبك، فلما قرب من بغداد انحدر منها خدم البساسيري وأولاده في دجلة، وكان دخول البساسيري بغداد سنة خمسين سادس ذي القعدة، وخروج خدمه منها سنة إحدى وخمسين وسادس ذي القعدة ووصول طغرلبك إلى بغداد، وأرسل يطلب الخليفة من مهارش، فسار مهارش والخليفة إلى بغداد في السنة المذكورة حادي عشر ذي القعدة، وأرسل طغرلبك القباب (٣) العظيمة لملتقى الخليفة القائم، ووصول الخليفة إلى النهروان رابع عشرين ذي القعدة، وخرج طغرلبك لتلقيه فلما رآه قبل الأرض، واعتذر عن تأخيره بعصيان أخيه إبراهيم، وأنه قتله عقوبة لما جرى منه، ولما فاه أخيه جغروبك داود بخراسان، وسار مع الخليفة، ووقف طغرلبك بالباب النوبي مكان الحاجب، وأخَذَ بلجام بلغة الخليفة حتى صار على باب حجرته، ودخل الخليفة داره يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، ثم أرسل طغرلبك جيشًا خلف البساسيري وسار طغرلبك في أثره، واقتتل مع البساسيري، فقتل البساسيري وانهزم عسكره، وحمل راسه إلى طغرلبك. وأخذ أموال البساسيري وحرمه وأولاده، ثم أرسل طغرلبك رأس البساسيري إلى دار الخلافة، فصلب قبالة الباب النوبي، وكان البساسيري مملوكًا تركيًا، من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة (٤)، وهو منسوب إلى مدينة بسا بفارس، فقيل له البساسيري لذلك، والعرب تجعل مكان الباء فاءً فنقول فسا (ومنها أبو علي الفارسي النحوي) (٥). وفيها: أعني سنة خمسين (٦)، توفي (٧) شهاب الدولة ابو الفوارس منصور بن

стр. 8969

الحسين الأسدي، صاحب الجزيرة، واجتمعت قبيلته على ولده صدقة. وفيها: توفي (١) الملك الرحيم أبو نصر خسره فيروز آخر ملوك بني بويه، بعد أن نقل من قلعة السيروان إلى قعلة الري فمات بها مسجونًا. وفيها (٢): توفي قاضي القضاة أبو الحسين علي بن حبيب (٣) الماوردي، وله تصانيف كثيرة منها «الحاوي» المشهور، وعمره ست وثمانون سنة، أخذ الفقه عن أبي حامد الاسفرائيني وغيره، وله «تفسير القرآن» ونسبه إلى بيع ماء الورد. وفيها: لبثت (٤) الزلزلة بالعراق والموصل ساعة، فخربت كثيرًا، وهلك فيها الجم الغفير. وفيها: أعني سنة إحدى وخمسين، توفي (٥) الملك فرخزاد (٦) بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بالقولنج، وملك بعده أخوه إبراهيم بن مسعود وأحسن السيرة وغزا الهند، وفتح حصونًا، ولما استقر في غزنة صالح جغروبك داود أخو طغرلبك صاحب خراسان. وفيها: في رجب توفي (٧) جغروبك داود بن ميكايل بن سلجوق أخو طغرلبك صاحب خراسان، وعمره سبعون سنة، وهو مقاتل سبكتكين، ولما توفي ملك خراسان الب أرسلان، وكان لداود من الولد الب أرسلان وباقوتي وقاروت بلك وسليمان، فتزوج طغرلبك بأم سليمان امرأة أخيه. وفيها: قدم (٨) طغرلبك بغداد، وأعاد الخليفة، وقتل البساسيري، كما ذكرنا. وفي سنة اثنتين وخمسين: ملك (٩) محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس حلب على ما تقدم

стр. 8970

ذكره سنة اثنتين وأربعمائة. وفيها: سار (١) طغرلبك إلى بلاد الجبل، وجعل الأمير برسق شحنة بغداد. وفيها: توفيت (٢) والدة القائم، وهي جارية أرمنية اسمها قطر الندى. وفي سنة ثلاث وخمسين: توفي (٣) المعز بن باديس بضعف الكبد، وكانت مدة ملكه لافريقية سبعًا وأربعين سنة، وكان عمره لما ملك إحدى عشرة سنة، وملك بعده ابنه تميم، ولما مات المعزّ طمعت (٤) أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد افريقية لما قدمنا ذكره. وفيها: توفي (٥) قريش بن بدران بن المقلد صاحب الموصل، وكانت وفاته بنصيبين بخروج دم من حلقه وأنفه، وقام بالأمر بعده ابنه شرف الدولة أبو المكارم مسلم. وفيها: توفي (٦) نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر وعمره نيف وثمانين سنة، وإمارته اثنتان وخمسون سنة، وقد قدمنا ذكر ملكه في سنة ثمانين وثلثمائة، واستولى أبو نصر على أموره وبلاده استيلاء تامًا، وتنعم تنعمًا حسنًا، وملك من الجواري المغنيات ما اشترى بعضهن بخمسة آلاف دينار، وملك خمسمائة سوية سوى توابعهنّ، وخمسمائة خادم، وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار. وأرسل طباخين إلى مصر فتعلموا الطبخ هناك، وقدموا عليه وغرم على ذلك جملة، ووزر له أبو القاسم المغربي وفخر الدولة بن جهير، ووفد عليه الشعراء والعلماء، ولما مات خلف إثنين نصرًا وسعيدًا، واستقر بعده في الملك ابنه نصر بميافارقين، وملك أخوه سعيد آمد. وفيها: توفي (٧) شكر الحسيني (٨) أمير مكة، وله شعر حسن (فمنه): [من البسيط]

стр. 8971

قَوِّضْ خيامَكَ عنْ أَرْضٍ تَضَامُّ بها … وجانِبِ الذُّلَّ إِنَّ الذُّلَّ مُجْتَنَبُ (١) وَارْحَلْ إِذَا كَانَ فِي الأَوْطَانِ مَنْقَصَةٌ … فالمِنْدَلُ الرَّطْبُ في أَوْطَانِهِ حَطَبُ وفي سنة أربع وخمسين: تزوج (٢) طُغْرِلبَك ببنت الخليفة القائم، وكان العقد في شعبان بظاهر تبريز، وكان القائم غائبًا (٣). وفيها: استوزر (٤) القائم فخر الدولة أبا نصر بن جهير بعد مسيره عن بني مروان. وفيها (٥): توفي القاضي أبو عبد الله محمد (٦) بن سلامة القضاعي الشافعي صاحب كتاب الشهاب وتواريخ الخلفاء وكتاب خطط مصر، تولى قضاء مصر من جهة العلويين، وتوجه منهم رسولًا إلى الروم، وهو منسوب إلى قضاعة من حمير. وفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة: تكامل (٧) جميع اليمن لعلي بن القاضي محمد بن علي الصليحي، وكان القاضي محمد سيئ المذهب، وله طاعة في أربعين ألف رجل ببلاد اليمن، فتعلم ابنه مذهب الشيعة، وأخذ أسرار الدعوة من عامر بن عبد الله الرواحي، وكان عامر من أكبر دعاة المستنصر الفاطمي خليفة مصر، فصحبه علي بن القاضي محمد وتعلم منه اسرار الدعوة، فلما دَنَتْ من عامر الوفاة أسْنَدَ أمر الدعوه إليه فقام بأمرها أتم قيام، وصار علي بن محمد الصليحي دليلًا لحجاج اليمن، فحجّ بهم على طريق الطائف وبلاد السراة، بقي كذلك عدة سنين. وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة: ترك دلالة الحج وأخذ ستين رجلًا وصعد على راس مُشَاف (٨) وهو ذروة من جبال حراز، ولم يزل يستفحل أمره شيئًا فشيئًا، حتى ملك جميع اليمن في هذه السنة، فلما تكامل ملكه ولى على زبيد أسعد بن شهاب بن علي الصليحي، واسعد هو أخو زوجته وابن عمه، وبقي علي بن محمد الصليحي مالكًا لجميع اليمن حتى حج فقصده بنو نجاح وقتلوه (بغتة بالهجم عليه) (٩).

стр. 8972

بضيعة يقال لها أم الدهيم (١) في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، ولما قتل استقرت التهائم لبني نجاح، واستقر بصنعاء أحمد بن علي الصليحي المقتول، وتلقب أحمد بالملك المكرم، ثم جمع المكرم العرب وقصد سعيد بن نجاح بزبيد، وجرى بينهما قتال، انهزم سعيد إلى جهة دهلك، وملك المكرم زبيد في سنة خمس وأربعين وأربعمائة، ثم عاد ابن نجاح وملك زبيد في سنة تسع وسبعين واربعمائة، ثم عاد المكرم، وقتل سعيدًا في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ثم ملك جياش أخو سعيد، وبقي المكرم على ملك صنعاء حتى مات سنة أربع وثمانين وأربعمائة، فلما مات تولى بعده ابن عمه أبو حمير سبأ بن أحمد بن المظفر بن علي بن الصليحي في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وبقي سبأ مستوليًا حتى توفي سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وهو آخر ملوك الصليحيين، ثم بعد موت سبأ، أرسل من مصر علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة، فوصل إلى جبال اليمن في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقام بأمر الدعوة والمملكة التي كانت سبأ، وبقي حتى أرسل الآمر الفاطمي خليفة مصر، وقبض عليه بعده سنة عشرين وخمسمائة وانتقل الملك والدعوة إلى (آل) الزريع بن العباس بن المكرم، وآل الزريع هم أهل عدن، وهم من همدان من جشم، وهؤلاء بنو المكرم يعرفون بآل الذئب، وكانت عدن لزريع بن العباس ولعمه مسعود ابن المكرم، فقتلا على زبيد مع الملك المفضل، فتولى بعدهما ولداهما، وهما أبو السعود بن الزريع وأبو الغارات بن مسعود، ثم استولى على الملك والدعوة سبأ بن ابي السعود بن زريع وبقي حتى توفى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ثم تولى ولده الأعز علي بن سبأ وكان مقامه بالدملوه. فمات بالسل، وملك أخوه المعظم محمد بن سبأ، ثم ملك بعده ابنه عمران بن محمد، وكان وفاة المعظم محمد في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ووفاة ابنه عمران في شعبان سنة ستين وخمسمائة، وخلف عمران ولدين طفلين وهما محمد وأبو السعود. وممن ولي الأمر من الصليحيين الملكة سيدة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصليحيى، وهي زوجة أحمد المكرم ولقبها الحرّة، ولدت سنة أربعين وأربعمائة وربتها أسماء بنت شهاب، وتزوجها الملك المكرم أحمد بن أسماء وهو ابن علي الصليحي سنة إحدى وستين وأربعمائة، وطالت مدة الحرة، وولاها زوجها أحمد المكرم الأمر في حياته، فقامت بتدبير المملكة والحروب. واشتغل زوجها بالأكل والشرب، ولما مات زوجها وتولى ابن عمه سبأ

стр. 8973

استمرت هي في الملك، ومات سبأ وتولى ابن نجيب الدولة في أيامها واستمرت بعده حتى توفيت في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. وممن كان له شركة في الملك، الملك المفضل أبو البركات بن الوليد الحميري صاحب (تعز) (١) وكان يحكم بين يدي الملكة الحرة، وكان (٢) يحتجب حتى لا يُرجى لقاؤه (٣) وثم يظهر ويدبّر الملك حتى يصل القوي والضعيف إلى حقهما. وبقي المفضل كذلك إلى أن توفي في رمضان سنة اربع وثلاثين وخمسمائة، وملك بلاده بعده ولده الملك المنصور منصور بن المفضل، واستمر في ملك أبيه من تاريخ وفاته إلى سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فابتاع محمد بن سبأ بن أبي السعود منه المعاقل التي كانت للصليحيين وعدتها ثمانية وعشرون حصنًا بمائة ألف دينار، وبقى المنصور لنفسه تعز، وبقي في ملكها حتى توفي بعد أن ملك نحو ثمانين سنة، وسنذكر بقية أخبار اليمن إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة - أعني سنة خمس وخمسين وأربعمائة - قدم (٤) طغرلبك إلى بغداد ودخل ثانيةً على الخليفة، وحصل من عسكره الأذية لأهل بغداد، لإخراجهم من دورهم، وفسقهم بنسائهم أخذًا باليد. وفيها: سار (٥) طغرلبك من بغداد في ربيع الأول إلى بلاد الجبل، ووصل إلى الري، فمرض وتوفي يوم الجمعة ثامن رمضان، وعمره سبعون سنة، وكان طغرلبك عقيمًا لم يرزق ولدًا، واستقرت السلطنة بعده لابن أخيه الب أرسلان بن جغروبك داود بن ميكايل بن سلجوق. وفيها: دخل (٦) الصليحي صاحب اليمن إلى مكة مالكًا لها، فأحسن السيرة، وجَلَبَ إليها الأقوات. وفيها: كان (٧) بالشام زلزلة عظيمة خرب فيها كثير من البلاد والهدم سور طرابلس.

стр. 8974

وفيها: ولى (١) أمير الجيوش بدر مدينة دمشق للمستنصر العلوي خليفة مصر، ثم ثارت به الجند ففارقها. وفي سنة ست وخمسين: قبض (٢) السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر منصور بن محمد الكندي وزير عمه طغرلبك، بسبب سعي نظام الملك وزير ألب أرسلان به فقبضه وحبسه في مرو الروذ، فلما مضى على عميد الملك في الحبس سنة أرسل إليه غلامين ليقتلاه، فودع أهله، وخرق ثيابه، وعصب عينيه (٣) وصلّى ركعتين، فقتلاه بالسيف، وقطع رأسه، وحملت جثته إلى كندر فدفن عند أبيه، وكان عمره نيفًا وأربعين سنة، وكان عميد الملك خصيًّا لأن طغرلبك أرسله ليخطب له إمرأة، فتزوجها فخصاه طغرلبك لذلك، وكان عميد الملك كثير الوقيعة في الشافعي، حتى خاطب طغرلبك في لعن الرافضة على مناير، خراسان، فأمر بلعنهم، وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان. منهم: أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني، فخرجا من خراسان، وأقام أبو المعالي الجويني بمكة أربع سنين، فلذلك لقب إمام الحرمين. ومن العجب أن ذكر عميد الملك بكندر (٤) دفن بخوارزم لما خصى، ودمه سفح بمرو، وجسده دفن بكندر، ورأسه ما عدا قحفه دفن بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان، لأن نظام الملك كان هناك. وفيها: ملك (٥) ألب أرسلان قلعة ختلان، ثم سار إلى هراة، فحاصر عمه يبغو بن ميكائيل وملكها، وأخرج عمه وأحسن إليه وأكرمه، ثم سار إلى صغانيان فملكها بالسيف وأخذ صاحبها (٦) أسيرًا. وفيها: أمر (٧) ألب أرسلان بعود بنت الخليفة إلى بغداد، وكانت قد سارت إلى زوجها طغرلبك إلى الري بغير رضا الخليفة. وفيها: عصى (٨) قطلومش (٩) وهو من السلجوقية على ألب أرسلان، فأرسل إليه

стр. 8975

ونهاه عن ذلك وعرفه أنه يرعى له القرابة والرحم، فلم يلتفت قطلومش إلى ذلك فسار إليه ألب أرسلان إلى الري وقاتله، فانهزم عسكر قطلومش، وهرب إلى قلعة كردكوه، فلما انقضى الحرب، وجد قطلومش ميتًا فعظم موته على ألب أرسلان وبكى عليه، وعظم عليه فقده، فسلاه نظام الملك، ودخل الري في آخر المحرم من هذه السنة، وهذا قطلومش السلجوقي هو جد ملوك قونية واقصرا وملطية إلى أن استولى على مملكتهم التتر على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وكان قطلومش على تركيّته عارفًا بعلم النجوم جدًا. وفيها: شاع (١) بالعراق وكثير من البلاد أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيدون فرأوا في البرية خيما سودًا، وسمعوا منها لطمًا وعويلًا، وقائل يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم أهله قلع أصله، فصدق ذلك ضعفاء العقول من الرجال والنساء حتى خرجوا إلى المقابر يلطمون، قال ابن الأثير (٢): لقد جرى ونحن في الموصل وغيرها في تلك البلاد في سنة ستمائة مثل هذا، وهو أن الناس أصابهم وَجَعٌ كثير في حلوقهم، فشاع أن إمرأة من الجن يقال لها: أم عنقود مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل مأتمًا أصابه هذا المرض، فكان الناس وأوباش الناس يلطمون على عنقود، ويقولون: [من الرجز] يا أمَّ عُنْقُودٍ أَلَا اعْذِرِيْنَا … قَدْ مَاتَ عُنْقُودٌ وَمَا دَرِيْنَا وإنما ذكرنا هذا؛ لأن رعاع الناس (٣) يقولون بأم عنقود وحديثها، ليعلم تاريخ هذا الهذيان من متى كان. وفي سنة سبع وخمسين: عبر (٤) ألب أرسلان جيحون وسار إلى جند وصيران وهما عند بخاري، وقبر سلجوق جده بجند، فخرج صاحب جند إلى طاعته فأقرّه على مملكته، ووصل إلى كركنج خوارزم، وسار منها إلى مرو. وفيها: ابتدأ (٥) نظام الملك بعمارة المدرسة النظامية ببغداد. وفي سنة ثمان وخمسين: أقطع (٦) ألب أرسلان شرف الدولة مسلم بن قرواش بن بدران بن المقلد صاحب

стр. 8976

الموصل الانبار وهيت (١) زيادة على الموصل. وفيها (٢): توفي أبو بكر أحمد (٣) بن الحسين البيهقي الخسروجردي، وكان أمامًا في الحديث والفقه على مذهب الشافعي، وكان زاهدًا، ومات بنيسابور، ونقل إلى بيهق، وبيهق قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخًا منها، وكان البيهقي من خسروجرد، وهي قرية من بيهق، وكان البيهقي أوحد زمانه، رحل في طلب الحديث إلى العراق والجبال والحجاز، وصنّف كتبًا كثيرة، وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشرين مجلدًا، ومن مصنفاته «السنن الكبير» و «السنن الصغير» و «دلائل النبوة» وكان يقنع بالقوت، ومولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلثمائة وقال إمام الحرمين: ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منّة، إلا أحمد البيهقي، فإن له على الشافعي المنة؛ لأنه كان أكثر الناس نصرًا لمذهب الشافعي. وفيها (٤): توفي أبو يعلى محمد (٥) بن الحسين بن الحسين الفراء الحنبلي، وعنه انتشر مذهب الشافعي، وهو مصنف كتاب «الصفات» أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدلُّ على التجسيم، وكان ابن التميمي (٦) الحنبلي يقول: لقد خرئ أبو يعلى الفراء على الحنابلة خريةً لا يغسلها الماء. وفي سنة تسع وخمسين في ذي القعدة نجزت (٧) عمارة المدرسة النظامية، تقرّر التدريس فيها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، واجتمع الناس فتأخر أبو إسحاق عن الحضور؛ لأنه سمع شواذا أن أرض المدرسة مغصوبة، ولما تأخر ألقى الدرس بها يوسف بن الصباغ صاحب كتاب «الشامل» مدة عشرين يومًا، ثم اجتهدوا بأبي إسحاق (ودخل عليه نظام الملك) (٨)، فدرس.

стр. 8977

وفي سنة ستين: كان (١) بفلسطين ومصر زلزلة عظيمة حتى طلع الماء من دور الآبار وهلك بالروم عالم عظيم، وزال البحر عن الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون، فرجع الماء عليهم وأهلك خلقًا كثيرًا. سنة إحدى وستين إلى سبعين وأربعمائة في سنة إحدى وستين: احترق (٢) جامع دمشق بسبب فتنة وقعت بين المصريين وأهل دمشق، فضربت دار مجاورة للجامع بالنار فاتصلت بالجامع، وعجز الناس عن إطفائها فأتى الحريق على الجامع فدثرت محاسنه، وزال ما فيه من الأعمال النفيسة. وفي سنة اثنتين وستين: كان (٣) بمصر غلاء شديد، أكل الناس فيه بعضهم بعضًا وانتزح منها من قدر على الانتزاح، واحتاج الخليفة المستنصر إلى إخراج الآلات وبيعها، فأخرج من خزانته ثمانين ألف قطعة بلور كبار، وخمسًا وسبعين ألف قطعة ديباج، وأحد عشر ألف كازغند وعشرين ألف سيف محلّى، ووصل من ذلك مع التجار إلى بغداد. وفي سنة ثلاث وستين: قطع (٤) محمود بن نصر بن صالح بن مرداس بحلب خطبة المستنصر العلوي، وخطب للقائم العباسي. وفيها: سار (٥) ألب أرسلان إلى ديار بكر، فأتى صاحبها نصر بن أحمد بن مروان إلى طاعته، ثم سار ألب أرسلان إلى حلب، فبذل له محمود بن نصر الطاعة دون أن يطأ بساطه، فلم يرض ألب أرسلان بذلك، فخرج محمود ووالدته فدخلا على ألب أرسلان ليلًا، فأحسن إليهما، وأقر محمودًا بحلب. وفيها: سار (٦) أرمانوس ملك الروم بالجموع من الروم والروس والجركس حتى

стр. 8978

وصل إلى منازكرد، فسار إليه ألب أرسلان وسأله الهدنة، فامتنع ملك الروم من الهدنة، فقاتله ألب أرسلان، فانهزم الروم وقتل منهم ما لا يحصى، وأخذ أرمانوس أسيرًا، فشرط عليه ألب أرسلان شروطًا من حمل المال والأسرى والهدنة، فأجاب أرمانوس إليها وفأطلقه ألب أرسلان وحمله إلى مأمنه. وفيها (١): قصد أتسز (٢) بن أرتق (٣) الخوارزمي أحد أمراء ملكشاه بن ألب أرسلان الشام، وفتح الدولة وبيت المقدس وأخذهما من نواب المستنصر العلوي صاحب مصر ثم حصر دمشق وضيق على أهلها ولم يملكها. وفيها (٤): توفي أبو الوليد أحمد (٥) بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون الأندلسي القرطبي، وكان من أبناء الفقهاء بقرطبة، ثم انتقل وخدم المعتضد بن عباد صاحب أشبيلية، وصار عنده وزيره، وله الأشعار الفائقة منها: [من البسيط] بيني وبينك ما لو شئتَ لم يضع … سِرًّا إذا ذاعتِ الأسرار لم يُذَعِ يا بائعًا حظَّهُ مني ولو بُذِلتْ … لي الحياةُ بحظي منه لم أبع يكفيك أنك لو حملت حملت قلبي ما … لم تستطعه قلوب الناس يستطع ومن قصائده المشهورة قصيدته النونية التي منها: [من البسيط] تكاد حين تناجيهم ضمائرنا … يقضي علينا الأسى لولا تأسينا (٦) وفيها (٧): في ذي الحجة توفي ببغداد الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب المصنفات الكثيرة، وكان إمام الدنيا في زمانه، وممن حضر جنازته

стр. 8979

الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وله تاريخ بغداد الذي ينبئ عن اطلاع عظيم، وكان حافظًا متبحرًا فقيهًا، غلب عليه التاريخ والحديث، ومولده في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، وكان في وقته حافظ الشرق. وأبو عمرو يوسف (١) بن عبد البر صاحب (الاستيعاب) حافظ الغرب وماتا في هذه السنة، ولم يكن للخطيب عقب، وصنّف أكثر من ستين كتابًا، ووقف جميع كتبه رحمه الله تعالى. وأما ابن عبد البر فهو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي إمام وقته في الحديث، ألف كتاب الاستيعاب في أسماء الصحابة، وكتاب التمهيد على موطأ مالك تصنيفًا لم يسبق إليه، وكتاب «الدرر في المغازي والسير» وغير ذلك، وكان موفقًا في التأليف معانًا عليه، وسافر من قرطبة إلى شرق الأندلس، وتولى قضاء أشبونه وشنترين وصنّف لمالكها المظفر بن الأفطس كتاب «بهجة المجالس» (٢) في ثلاثة أسفار، جمع فيها أشياء مستحسنة تصلح للمحاضرة، ومما ذكره فيه: أن النبي ﷺ رأى في منامه أنه دخل الجنّة ورأى فيها عذقًا مُدَلَّى فأعجبه وقال: لمن هو؟ فقيل: لأبي جهل، فشقّ عليه وقال: ما لأبي جهل والجنة؟ والله لا يدخلها أبدًا، فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مُسْلِمًا فرح به وتأول ذلك العذق به (٣). ومن ذلك عن جعفر الصادق: أن النبي ﷺ رأى كأن كلبًا أبقع يلغ في دمه، فكان شمر بن ذي جوشن قاتل الحسين، وكان أبرص، ففسّرت رؤياه بعد خمسين سنة (٤). ومنه: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر الصديق ﵁: يا أبا بكر، رأيت كأني وأنت نرقى درجة، فسبقتك بمرقاتين ونصف، فقال: يا رسول الله يقبضك الله إلى رحمته، وأعيش بعدك سنتين ونصف (٥). ومنه: أن بعض أهل الشام قص على عمر بن الخطاب ﵁ قال: رأيتُ كأن الشمس والقمر اقتتلا، ومع كل واحد منهما فريق من النجوم، فقال عمر: مع أيهما

стр. 8980

كنت؟ فقال: مع القمر، فقال: مع الآية الممحوة، والله لا توليت لي عملًا، فقتل على صفين، وكان مع معاوية (١). ومنه: أن عائشة ﵂ رأت كأن ثلاثة أقمار سقطن في حجرها، فقال لها أبوها أبو بكر ﵄: يدفن في بيتك ثلاثة من خيار أهل الأرض فلما دفن فيه النبي ﷺ قال لها: هذا أحد أقمارك (٢)، ولغرابة ذلك أوردناه. وتوفي الحافظ ابن عبد البر في مدينة شاطبة من الأندلس في هذه السنة، أعني سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وفي سنة أربع وستين: في رجب توفي القاضي أبو طالب بن عمار، قاضي طرابلس، وكان قد استولى عليها واستبد بأمرها، فقام مكانه ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن فضبط البلد أحسن ضبط. وفي سنة خمس وستين: سار (٣) السلطان ألب أرسلان محمد إلى ما وراء النهر، وعقد على جيحون جسرًا وعبره في نيف وعشرين يومًا وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس، ولما عبر النهر، مد (سماطًا في) (٤) بليدة على النهر يقال لها قرير، وبتلك البليدة حصن على شاطيء جيحون، فأحضر إليه مستحفظ الحصن، ويقال له يوسف الخوارزمي مع غلامين يحفظانه، وكان قد ارتكب جريمة في أمر الحصن، فأمر السلطان أن تضرب له أربعة أوتاد، وتشدّ أطرافه إليها وفقال له يوسف يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة؟ فغضب السلطان وأخذ القوس والنشاب وقال للغلامين خلياه، ورماه بسهم، فأخطأه، ولم يكن ليخطئ سهمه، فوثب يوسف على السلطان بسكين كانت معه، فقام السلطان عن الكرسي، فوقع على وجهه، فضربه يوسف بالسكين، وجرح شخصًا آخر يقال له: سعد الدولة كان واقفًا على رأس الدولة، فوثب فراش رومي على يوسف فضربه بمرزبة قتله بها، وثم قطعه الأتراك إربًا إربًا، فقال السلطان وهو مجروح: لما كان أمس صعدت على تل، فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش فقلت في نفسي:

стр. 8981

أنا ملك الدنيا ولا يقدر أحدٌ عليَّ، فعجزني الله بأقل خلقه، وأنا استغفر الله تعالى من ذلك الخاطر، وكان جرح السلطان في سادس ربيع الأول، وتوفي عاشر ربيع الأول هذه السنة، وعمره أربعون سنة وشهور، وكان مدة ملكه من خُطب له بالسلطنة تسع سنين وستة أشهر وأيامًا، وأوصى بالسلطنة لابنه ملك شاه وكان في صحبته، فحلَفَ له جميع العسكر واستقر في السلطنة، وكان المستولي على الأمر نظام الملك وزير السلطان ألب أرسلان، وعاد ملكشاه بالعسكر من بلاد ما وراء النهر إلى خراسان، وأرسل إلى بغداد وغيرها فخطب له بها، واستمر نظام الملك على وزارته، ولما استقر ملك شاه خرج عمه قاروت (١) بك صاحب كرمان عن طاعته، فسار إليه، والتقى الجمعان، فانهزم عسكر قاروت، وأتى به إلى ملك شاه أسيرًا فخنقه وأقرّ كرمان على أولاده، ولما انتصر ملك شاه كثرت اذيّة عسكره للبلاد، ففوض الأمور إلى نظام الملك، وحلف له وزاده من الإقطاعات على ما بيدِهِ مدينة طوس والري وغيرهما، ولقبه أتابك ومعناه الوالد الأمير، فأحسن نظام الملك السياسة والتدبير. وفي هذه السنة: كانت (٢) قد استولت والدة المستنصر العلوي خليفة مصر على الأمر، فضعف أمر الدولة وصارت العبيد حزبًا والأتراك حزبًا وجرى بينهم حروب، وكان ناصر الدولة (٣) الحمداني من أكبر قواد مصر، والمشار إليه فيهم، فاجتمعت إليه الأتراك، وجرى بينهم وبين العبيد عدّة حروب، وحصر ناصر الدولة مصر، وقطع الميرة عنها برًا وبحرًا، فَغَلَتِ الأسعار بها وعدم ما كان بخزائن المستنصر كما تقدم ذكره، وعدم المتحصل بسبب انقطاع السبل، ثم استولى ناصر الدولة على مصر، وانهزمت العبيد وتفرقت في البلاد، واستبد ناصر الدولة بالحكم، وقبض على والدة المستنصر وصادرها بخمسين ألف دينار، وتفرّق عن المستنصر أولاده وأهله، وانقضت سنة أربع وستين وأربعمائة بالفتن، وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر، حتى بقي المستنصر يقعد على حصير لا يقدر على غيرها، وكان غرضه في ذلك أن يخطب للخليفة العباسي، وفطن لفعله قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز، فاتفق مع جماعة، وقصد ناصر الدولة في داره، فخرج إليهم ناصر الدولة مطمئنًا، فضربوه بسيوفهم حتى قتلوه وقتلوا أخاه فخر العرب، وتتبعوا جميع من في مصر من بني حمدان فقتلوهم عن آخرهم، وكان قتلهم في هذه السنة أعني سنة خمس وستين، وبقي الأمر

стр. 8982

بمصر مضطربًا، فلما كان سنة سبع وستين ولي الأمر بمصر أمير الجيوش بدر الجمالي، وقتل الدكز والوزير ابن كدينة كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها (١): توفي الإمام أبو القاسم عبد الكريم (٢) بن هوازن النيسابوري مصنف الرسالة وغيرها، وكان فقيهًا أصوليًا مفسرًا، كاتبًا ذا فضائل جمة، (وكان له فرس قد أهدى إليه ركبه نحو عشرين سنة فلما مات الشيخ لم يأكل الفرس شيئًا ومات) (٣) بعد أسبوع. ومولده سنة ست وسبعين وثلثمائة، وكان إمامًا في علم التصوّف، وقرأ اصول الدين على أبي بكر بن فورك وعلى أبي إسحاق الاسفراييني، [وله تفسير حسن، وله شعر حسن فمنه] (٤): [من الطويل] إذا ساعدتك الحال فارقب زوالها … فما هي الأمثل حلبة أشطر (٥) وإن قصدتك الحادثات ببؤسها … فوسّع لها ذرع التجلد واصبر وفيها (٦): توفي علي بن الحسين بن المفضل، الكاتب المعروف بصردر، الشاعر المشهور، وكان أبوه يلقب بشحنة صرّ بعر، فلما نبغ ولده وأجاد في الشعر قيل له صردر، ومن جيد شعره قوله: [من الوافر] لسائل عن ثمامات بحُزْوَى … وبان الرمل يعلم ما عنينا فقد كشف الغطاء فما نبالي … اصرَّمنا بذكرك أم كنينا ألا الله طيف منكَ يُسقى … بكاسات الكرى زُوْرًا ومَيْنا فأمسينا كأنا ما افترقنا … وأصبحنا كأنا ما التقينا وفي سنة ست وستين: زادت (٧) دجلة حتى غرق الجانب الشرقي وبعض الغربي، ودخل الماء إلى المنازل من فوق ونبع في البلاليع، وغرق من الجانب الغربي مقبرة أحمد، ومشهد باب التبن، وهلك خلق.

стр. 8983

وفي سنة سبع وستين: وصل (١) بدر الجمالي إلى مصر، وكان بدر متولي سواحل الشام، فأرسل إليه المستنصر العلوي يشكو حاله واختلال دولته، فركب البحر في زمن لا يسلك لقوة الشتاء، فمنَّ الله عليه بالسلامة ووصل إلى مصر وقبض على الأمراء والقواد الذين تقلبوا، وحمل أموالهم إلى المستنصر، وأقام منار الدولة، وشيد من أمرها ما كان قد درس، ثم سار إلى الإسكندرية ودمياط وأصلح أمورهما وعاد إلى مصر، وسار إلى الصعيد، وقهر المفسدين، وقرّر قواعد البلاد، وأحسن إلى الرعية، فعمرت البلاد وعادت مصر إلى أحسن ما كانت عليه. وفي هذه السنة: ليلة الخميس ثالث عشر شعبان. توفي (٢) القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر وكان قد لحق القائم ماشرا، فاقتصد، فانفجر فصاده وهو نائم، وخرج منه دم كثير، وهو لا يشعر، ولم يكن عنده أحد، فاستيقظ وقد ضعف، وقد سقطت قوته فأحضر الوزير ابن جهير والقضاة واشهدهم أنه جعل عبد الله ابن ابنه ذخيرة الدين محمد بن القاسم ولي عهده. وتوفي (٣) القائم وعمره ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وأيام، وكانت خلافته أربعًا وأربعين سنة وثمانية أشهر وخمسة وعشرين يومًا. خلافة المقتدي (٤) بالله، عدّة الدين عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم، سابع عشرين بني العباس ولما توفي القائم بويع المذكور، وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير بن جهير والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وطراد الزينبي نقيب النقباء والقاضي أبو عبد الله الدامغاني وغيرهما، فبايعوه بالخلافة، ولم يكن للقائم ولد ذكر غيره، فإن ذخيرة الدين محمد بن القائم توفي في حياة أبيه، وكان (لمحمد ابن القائم) لما توفي جارية اسمها أرجوان، فلما توفي ورأت أرجوان ما نال القائم من المصيبة بانقطاع نسله ذكرت أنها حامل من محمد ابنه، فولدت عبد الله المقتدي إلى ستة اشهر

стр. 8984

من موت ذخيرة الدين، فاشتد فرح القائم به، فلما كبر لقبه عدة الدين. وفيها: جمع (١) ملكشاه جماعة من المنجمين، وجعلوا النيروز عند نزول الشمس نصف الحوت. وفيها: عمل (٢) ملكشاه الرصد واجتمع في عمله جماعة من الفضلاء، منهم عمر الخيام وأبو المظفر الاسفرائيني وميمون بن النجيب الواسطي، وأخرج عليه من الأموال جملًا عظيمة، وبقي الرصد دائرًا إلى أن مات السلطان ملكشاه سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فبطل. وفي سنة ثمان وستين: ملك (٣) أقسز (٤) دمشق، كنا ذكرنا في سنة إحدى وستين وأربعمائة ملك أقسز الرملة وحصاره دمشق، ثم رحل عنها، وعاودهم في أيام إدراك الغلال حتى ضعف عسكر دمشق وتسلّمها أقسز هذه السنة، وقطع الخطبة العلوية فلم يخطب بعدها في دمشق لهم، وأقام الخطبة العباسية يوم الجمعية لخمس بقين من ذي الحجة هذه السنة، وخطب للمقتدي، ومنع الاذان بحي على خير العمل. وفيها (٥): توفي أبو الحسن علي بن أحمد بن متويه الواحدي، المفسر مصنف الوسيط والوجيز والبسيط في التفسير، وهو نيسابوري ونسبته الى جده متويه، والواحدي نسبة إلى واحد بن ميسرة، وكان استاذ عصره في النحو والتفسير، وشرح ديوان المتنبي، وكان الواحدي تلميذ الثعلبي، وتوفى بعد مرض طويل بنيسابور. وفيها (٦): توفي الشريف العباسي أبو جعفر مسعود بن عبد العزيز البياضي الشاعر، وله أشعار حسنة منها: [من مجزوء الرمل] كيفَ بَذْوي عُشْبُ أشوا … قي ولي طرف مطير

стр. 8985

إن يكن في العشقِ حُرٌّ … فأنا العبد الأمير أو على الحُسْنِ زكاة … فأنا ذاك الفير ومنها: [من الكامل] يا مَنْ لبست لبعده ثوب الضنا … حتى خفيتُ بهِ عن العواد وأَنِسْتُ بالسهر الطويل فأُنسيت … أجفان عيني كيف كان رقادي إن كان يوسف بالجمال مقطعُ الأ … يدي فأنتَ مفتت الأكباد وقيل له البياضي؛ لأن بعض أجداده كان مع جماعة من بني العباس وكلهم قد لبسوا أسود غيره، فسأل الخليفة عنه وقال: من ذلك البياضي، فبقي لقبًا. وفي سنة تسع وستين: سار (١) أقسز المستولي على دمشق إلى مصر وقاتل المصريين فهزموه وقتلوا غالب أصحابه. وفيها: أورد (٢) ابن الأثير موت محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس الكلابي، صاحب حلب: قال عماد الدين: أقول لكني وجدتُ في تاريخ حلب لكمال الدين بن العديم: أن محمودًا المذكور مرض سنة سبع وستين وأربعمائة، وجدت به قروح في المعى مات منها، ولحقه في أواخر عمره (النحل) ما لا يوصف ولما مات في السنة المذكورة ملك ابنه نصر (٣) بن محمود، فمدحه ابن حيوس (٤) بقصدة منها: [من الطويل] ثمانية لم تفترق مُذ جمعتها … فلا افترقت ما افتر عن ناظر شفر ضميرك والتقوى وجودك والغنى … ولفظك والمعنى وعزمك والنصر وكان لمحمود بن نصر سجيَّةٌ … وغالب ظنِّي أنْ سيخلفها نَصْرُ وكان عطية ابن حيوس على محمود إذا مدحه ألف دينار، فأعطاه نصر ألف دينار مثل عطية أبيه، وقال: لو قال ابن حيوس: وغالب ظني أن سيضعفها نصر لاضعفتها له، وكان نصر يُدْمِن شرب الخمر، فحمله السكر على أن خرج إلى التركمان الذين ملكوا أباه حلب، وهم بالحاضر، وأراد قتالهم، فضربه أحدهم بنشاب فقتله، فلما قتل

стр. 8986

ملك أخوه سابق بن محمود، ولم يذكر ابن الأثير تاريخ قتله متى كان، وفي تاريخ ابن العديم المذكور قال: وفي يوم عيد الفطر سنة ثمان وستين وأربعمائة عيد نصر بن محمود وهو في أحسن زي، وكان الزمان ربيعًا واحتفل الناس في عيدهم، وتجملوا، ودخل عليه ابن حيوس وأنشده قصيدة منها: [من الطويل] صَفَتْ نِعْمَتانِ خَصَّتاك وَعَمَّتا … حَديثُهما حَتّى القيامة يُؤْثَرُ وجلس نصر فشرب إلى العصر، وحمله السكر على الخروج إلى الأتراك وسكناهم بالحاضر، وأراد أن ينهبهم، وحمل عليهم فرماه أحدهم بسهم فقتله، وكان قتله يوم الأحد مستهل شوال سنة ثمان وستين وأربعمائة (١)، ولما قتل نصر ملك أخوه سابق. وفيها: توفي (٢) طاهر بن أحمد بن بابشاد النحوي المصري، توفي بأن سقط سطح جامع عمرو بن العاص، فمات لوقته. وفي سنة سبعين: توفي (٣) عبد الرحمن (٤) بن محمد بن إسحاق الاصفهاني الحافظ، له تصانيف كثيرة منها تاريخ أصفهان، وله طائفة ينتمون إليه في الاعتقاد يقال لهم العبد رحمانية. سنة إحدى وسبعين إلى سنة ثمانين وأربعمائة في سنة إحدى وسبعين: ملك (٥) تاج الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان دمشق وسببه أن أخاه السلطان ملك شاه أقطعه الشام وما يفتحه، فسار تاج الدولة تتش إلى حلب، وكان قد أرسل أمير الجيوش بدر الجمالي من مصر عسكرًا لحصار أقسز بدمشق، فأرسل أقسز يستنجد بتتش وهو نازل بحلب يحاصرها، فسار تتش إلى دمشق فلما قرب منها رحل عنها عسكر مصر، فلما وصل إلى دمشق ركب أقسز لملتقاه بالقرب من دمشق، فنقم تتش

стр. 8987

عليه تأخيره عن الطلوع إلى لقائه، وقبض على أقسز وقتله وملك تتش دمشق، وأحسن السيرة. وفي سنة اثنتين وسبعين: غزا (١) الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بلاد الهند، فأوغل وفتح وعاد إلى غزنة سالمًا. وفيها: سار (٢). شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران صاحب الموصل إلى حلب فحصرها، فسلّم البلد إليه في سنة ثلاث وسبعين، وحصر القلعة واستنزل منها سابقًا ووثابًا ابني محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، وتسلّم القلعة. وفيها: توفي (٣) نصر بن أحمد بن مروان صاحب ديار بكر، وملك بعده ابنه منصور ودبّر دولته ابن الانباري. وفيها: توفي (٤) أبو الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الشاعر المشهور، وقد تقدم ذكر مديحه لنصر بن محمود صاحب حلب. وفي سنة ثلاث وسبعين وأربع وخمس: كانت (٥) فتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة. وفيها: أرسل (٦) الخليفة المقتدي إبا إسحاق الشيرازي رسولًا إلى السلطان ملك شاه وإلى نظام الملك، فسار من بغداد إلى خراسان ليشكوا من عميد العراق أبي الفتح بن أبي الليث، فأكرم ملك شاه ونظام الملك أبا إسحاق وجرى بينه وبين إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مناظرة بين يدي نظام الملك، وعاد بالإجابة إلى ما التمسه الخليفة ورفعت يد العميد عن جميع ما يتعلق بالخليفة. وفيها (٧): توفي أبو نصر علي (٨) بن الوزير أبي القاسم هبة الله بن ماكولا مصنف

стр. 8988

كتاب الإكمال. ومولده سنة عشرين وأربعمائة، قتله مماليكه الأتراك بكرمان. وفي سنة ست وسبعين في جمادى الآخرة: توفي (١) الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروز آبادي الشيرازي، وفيروز آباد بلدة بفارس، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، وكان أَوْحَدَ عصره علمًا وزهدًا وعبادة، ولد بفيروز آباد ونشأ بها، ودخل شيراز، وقرأ فيها الفقه، ثم قدم البصرة، ثم بغداد في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكان إمام وقته في الخلاف والمذاهب والأصول، صنَّف «المهذب» و «التنبيه» و «التلخيص» و «النكت» و «التبصير» و «اللمع» و «رؤس المسائل». وله نظم حسن فمنه: [من الوافر] سألت الناس عن خلّ وفي … فقالوا ما إلى هذا سبيل (٢) تمسك إن ظَفَرِتَ بودٌ حُرِّ … فإنّ الحُرّ في الدنيا قليل وله: [من السريع] جاء الربيع وحسن ورده (٣) … ومضى الشتاء وقبح برده (٤) فأشرب على وجه الحبـ … ـيب ووجنتيهِ وحُسْنِ خدّه وكان مستجاب الدعوة، مطرح التكليف، ولما توجه في رسالة الخليفة إلى خراسان قال: ما دخَلْتُ بلدةٌ إلا كان خطيبها وقاضيها تلميذي. وفي سنة سبع وسبعين: سار (٥) فخر الدولة بن جهير بعساكر ملك شاه لقتال شرف الدولة مسلم بن قريش، ثم سير السلطان إلى فخر الدولة جيشًا آخر فيهم: الأرتق بن أكسك جد الملوك الارتقية، فانهزم شرف الدولة مسلم، وانحصر في آمد ونزل الأمير أرتق على آمد فحصره فبذل له مسلم مالًا جليلًا ليمكنه من الخروج من آمد فأذن له ارتق، وخرج شرف الدولة من آمد في حادي عشرين ربيع الأول هذه السنة، فسار إلى الرقة، وجهز إلى أرتق ما وعد به، ثم سيّر السلطان عميد الدولة فخر الدولة بن جيهر بعسكر ومعه اقسنقر قسيم الدولة إلى الموصل، فاستولى عليها عميد الدولة، وهذا أقسنقر هو والد عماد الدين زنكي، ثم أرسل مؤيد الدين ابن نظام الملك إلى شرف

стр. 8989

الدولة يستدعيه بالعهود إلى السلطان، فقدم شرف الدولة إليه، وأحضره عند السلطان ملك شاه بالبوازيح، وكان قد ذهبت أمواله. فاقترض ما خدم به السلطان، وقدّم إليه خيلًا من جملتها الفرس الذي نجا عليه في المعركة، وكان اسم الفرس بشارًا، سابق السلطان به الخيل فسبقهم، فقام السلطان قائمًا لما تداخلَهُ من العجب به ورضي عن مسلم وأقره على بلاده. وفيها: سار (١) سليمان بن قطلمش السلجوقي صاحب قونيه وأقصرا وغيرهما من بلاد الروم إلى الشام، فملك انطاكية، وكانت انطاكية بيد النصارى الروم، من سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، فافتتحها سليمان هذه السنة، ولما ملك سليمان بن قطلومش انطاكية أرسل شرف الدولة صاحب الموصل وحلب يطلب منه ما كان يحمله أهل انطاكية، فأنكر سليمان ذلك، وقال: إن صاحب انطاكية كان نصرانيًا، فكان يحمل إليك المال على سبيل الجزية، فجمعا، واقتتلا في الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في طرف أعمال انطاكية، فانهزم عسكر مسلم، وقتل مسلم في المعركة، وقتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب، وكان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب أحول، واتسع ملكه حتى زاد على ملك من تقدمه من أهل بيته، فإنه ملك السندية التي على نهر عيسى إلى منبج وديار ربيعة ومضر من الجزيرة وحلب وما كان لأبيه وعمه قرواش من الموصل وغيرها. وكان مسلم يسوس مملكته سياسة حسنة بالأمر بالعدل، ولما قُتل قَصَدَ بنو عقيل أخاه إبراهيم وهو محبوس، فأخرجوه وملكوه، وكان قد مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث صار لم يقدر على المشي لما خرج. وفيها: ولد (٢) لملك شاه ولد بسنجار وسماه أحمد، ثم غلب عليه اسم سنجر لكونه ولد بسنجار، وهو السلطان سنجر، كذا (٣) نقله المؤرخون والذي يغلب على ظني (٤) أنه سمّاه على عادة الترك، فانهم يسمون صنجر، ومعناه يطعن، والناس يقولونه بالسين. وفيها (٥): توفي عبد السيد (٦) بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ، الفقيه

стр. 8990

الشافعي صاحب الكامل والشامل وكفاية السائل وغيرها من التصانيف بعد أن أضر عدة سنين ومولده سنة أربعمائة. والقاضي أبو عبد الله الحسين (١) بن علي البغدادي المعروف بابن القفال وهو من أصحاب الشافعي، وكان إليه القضاء بباب الأزج. وفي سنة ثمان وسبعين: ملك (٢) الفرنج مدينة طليطلة من الأندلس بعد أن حاصرها الأدفونش سبع سنين، وكان سبب ذلك تفرّق ممالك الأندلس على ما تقدم ذكره سنة سبع وأربعمائة. وفيها: استولى (٣) فخر الدولة بن جهير على آمد وميافارقين وعلى جزيرة ابن عمر، وهي بلاد بني مروان، وأخذها من منصور بن محمد بن مروان، وهو آخر مَنْ ملك منهم، وانقرضت بأخذ الجزيرة منه مملكة بني مروان فسبحان من لا يزول ملكه. وفيها: سار (٤) أمير الجيوش بدر الجالي بجيوش مصر وحصر دمشق، وبها تاج الدولة تتش وضيّق عليه، فلم يظفر بشيء، فعاد إلى مصر. وفيها: في ربيع الأول توفي إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك (٥) بن عبد الله بن يوسف الجويني، ومولده في الكامل سنة عشر وأربعمائة، وفي تاريخ ابن أبي الدم مولده سنة تسع عشرة وأربعمائة، وهو إمام العلماء في وقته وله عدة مصنفات منها: «نهاية المطلب في دراية المذهب»، سافر إلى الحجاز، وأقام بمكة والمدينة أربع سنين يدرّس ويفتي ويصنف، وأم الناس في الحرمين الشريفين، فسمّي إمام الحرمين ثم رجع إلى نيسابور، وجعل إليه الخطابة ومجلس الذكر والتدريس وبقي على ذلك ثلاثين سنة، وحظي من نظام الملك، وله عدة تلاميذ كالغزالي وأبي القاسم الأنصاري وأبي الحسن علي الطبري وهو الكيا الهراسي، وكان إمام الحرمين قد ادعى الاجتهاد المطلق؛ لأن أركانه كانت حاصلة له ثم عاد إلى

стр. 8991

تقليد الإمام الشافعي لعلمه أن منصب الاجتهاد قد مضت سنوه. وفي سنة تسع وسبعين: لما (١) قتل سليمان بن قطلومش مسلم بن قريش في سنة سبع وسبعين أرسل سليمان ابن الحبيبي العباسي مقدم أهل حلب يطلب منه تسليم حلب فاستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه، وأرسل ابن الحبيب يستدعي تاج الدولة تتش من دمشق، فسار تتش إلى حلب، وكان مع تتش ارتق بن اكسك وقد فارق خدمة ملك شاه خوفًا من إطلاق مسلم بن قريش على ما قدمنا ذكره. وجرى الحرب بين تتش وابن عمه سليمان بن قطلومش، فانهزم عسكر سليمان، وقيل: إن سليمان لما انهزم عسكره قتل نفسه، وكان سليمان قد أرسل جثة مسلم بن قريش ملفوفة في ازار إلى حلب في سادس صفر، فأرسل تتش جثة سليمان في هذه السنة سادس صفر ملفوفة في إزار إلى حلب، فأجابه ابن الحبيبي بالمطاولة إلى أن يرد مرسوم ملكشاه في أمر حلب بما يراه، فحاصر تتش حلب وملكها، فاستجار ابن الحبيبي بالأمير أرتق بن اكسك، فأجاره، وأما قلعة حلب فإنه كان بها منذ قتل مسلم بن قريش سالم بن مالك بن بدران، وهو ابن عم شرف الدولة مسلم بن قريش، فحاصر تتش القلعة سبعة عشر يومًا، فبلغه وصول مقدمة أخيه السلطان ملك شاه، وكان ابن الحبيبي قد كاتب السلطان في أمر حلب، فسار إليها من أصفهان في جمادى الآخرة، فملك في طريقه حرّان وأقطعها لمحمد بن شرف الدولة مسلم، وسار إلى الرها، وهي بيد الروم من حين أشتروها من ابن عُطَير، فحصرها وملكها وسار إلى قلعة جعبر واسمها الدوسرية، ثم عرفت بقلعة جعبر لطول مدة ملك جعبر لها، وبها سابق الدين جعبر القشيري، وهو شيخ أعمى، وأمسكه وأمسك ولديه، وكانا يقطعان الطريق، ثم سار إلى منبج فملكها وسار إلى حلب، فلما قاربها رحل عنها أخوه تتش على البرية، وتوجه إلى دمشق، ووصل السلطان إلى حلب وتسلّمها وتسلّم القلعة من سالم بن مالك بن بدران العقيلي على أن يعوضه بقلعة جعبر وسلّم إليه السلطان قلعة جعبر، فبقيت بيده ويد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود على ما سنذكره، ولما نزل السلطان ملك شاه بحلب أرسل إليه الأمير نصر بن منقذ الكناني صاحب شيزر، ودخل في طاعته، وسلّم إليه اللاذقية وكفرطاب وفامية، فأجابه السلطان إلى المسالمة، وترك قصده وأقرَّ عليه شيزر، ولما ملك السلطان حلب سلّمها إلى قسيم الدولة أقسنقر، ثم ارتحل السلطان إلى بغداد على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 8992

وفيها: في ربيع الأول توفي (١) بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس بن علي بن مرثد الأسدي، صاحب الحلة والنيل، وكان فاضلًا، له شعر جيد، واستقر مكانه ولده صدقة ولقب سيف الدولة. وفي هذه السنة: عدى (٢) يوسف بن تاشفين أمير المسلمين في البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء بسبب استيلاء الفرنج على بلاد الأندلس، واجتمع إليه أهل الأندلس مثل المعتمد بن عباد وغيره من ملوك الأندلس، وجرى بينهم وبين الاذفونش قتال شديد انتصر فيه المسلمون، وقتل من الفرنج ما لا يحصى حتى جمعوا من رؤوسهم تلًا وأذنوا عليه. وملك يوسف غرناطة وأخذها من صاحبها عبد الله بن بلكين (بن باديس) بن حبوس بن ماكس بن بلكين بن ماد الصنهاجي، وبقي بها حتى توفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ونقلتُ من تاريخ القيروان قال: أول من حكم من الصناهجة في غرناطة راوي بن بلكين ثم تركها وعاد إلى إفريقية في سنة عشرة وأربعمائة، فملك غرناطة ابن أخيه حبوس بن ماكس بن بلكين، وبقي بها حتى توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وتولى بعده ابنه باديس بن حبوس وبقي حتى توفى وولي بعده ابن أخيه عبد الله بن بلكين وبقي فيها حتى أخذها يوسف بن تاشفين في هذه السنة، وكان أخذ يوسف غرناطة سنة ثمانين وأربعمائة، ثم إن يوسف بن تاشفين عبر البحر إلى سبتة وأخذ معه عبد الله المذكور صاحب غرناطة وأخاه تميما، فكانت غرناطة أول ما ملكه يوسف بن تاشفين من بلاد الأندلس. وفيها: سار (٣) ملك شاه عن حلب ودخل بغداد في ذي الحجة وهو أول قدومه إلى بغداد، ثم خرج إلى الصيد، فصاد من الوحش شيئًا كثيرًا، ثم عاد إلى بغداد واجتمع بالخليفة المقتدي، وأقام ببغداد إلى صفر من سنة ثمانين، وعاد إلى أصفهان. وفيها: أقطع (٤) ملك شاه محمد بن مسلم بن قريش مدينة الرحبة وحران وسروج والرقة والخابور وزوّجه باخته زليخا ابنة ألب أرسلان. سنة إحدى وثمانين إلى تسعين وأربعمائة في سنة إحدى وثمانين: توفي (٥) الملك المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن

стр. 8993

سبكتكين صاحب غزنة، وكان ملكه في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وكان حسن السيرة حازمًا، ولما توفي ملك ابنه مسعود، وكان قد زوجه أبوه بابنة السلطان ملك شاه. وفيها: جمع (١) آق سنقر صاحب حلب عساكره وسار إلى شيزر وصاحبها نصر بن علي بن منقذ وضيّق عليه، ونهب الربض، ثم صالحه ابن منقذ فعاد آق سنقر إلى حلب. وفي سنة اثنتين وثمانين: سار (٢) ملك شاه إلى ما وراء النهر وعبر جيحون إلى بخارى، وملك ما على طريقه، وملك بخارى ثم سار إلى سمرقند فملكها وأسر صاحبها أحمد خان فأكرمه، ثم سار إلى كاشغر وأرسل إلى ملكها يأمره بإقامة السكة والخطبة له، فأجاب وحضر ملك كاشغر عند ملك شاه فأكرمه وعظمه وأعاده إلى ملكه، ورجع السلطان إلى خراسان. وفيها: عمرت (٣) منارة حلب، قام بعمارتها القاضي أبو الحسين بن الخشاب، وكان بحلب بيت نار قديم، ثم صار أتون حمام، فأخذ ابن الخشاب حجارته وجعلها في المنارة، فسعى بعض حَسدَة ابن الخشاب به إلى آق سنقر وقال: إن هذه الحجارة لبيت المال، فأحضره آق سنقر وحدَّثَهُ في ذلك، فقال: يا مولانا إني بنيت بهذه الحجارة معبدًا للمسلمين وكتبتُ عليه اسمك، فإن رسمت غرمت ثمنها، فأجابه آق سنقر إلى إتمام ذلك من غير أن يأخذ منه شيئًا. وفيها (٤): توفي عاصم بن محمد بن الحسن (٥) البغدادي، من اهل الكرخ، وكان مطبوعًا كيسًا، وله شعر حسن فمنه: [من الكامل] ماذا على متلون الأخلاق … لو زارني فابه أشواقي وأبوح بالشكوى إليه تذلّلًا … وافض ختم الدمع من آماقي

стр. 8994

أَسَرَ الفؤاد ولم يرق لموثق … ماضره لَوْ مُنَّ بالإطلاق إن كان قد لَسَعَتْ عقارب صُدْغِهِ … قلبي فإنَّ رضا به ترياقي وفي سنة ثلاث وثمانين: توفي (١) فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير الموصلي في محرم هذه السنة، ومولده بالموصل سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وتنقل في الخدم، فخدم بركة بن المقلّد حتى قبض على أخيه قرواش ثم سار إلى حلب فوزر لمعز الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، ثم سار إلى نصير الدولة أحمد بن مروان صاحب ديار بكر فوزر له، ثم لولده، ثم سار إلى بغداد فوزر للخليفة، ثم صار مع ملكشاه ففتح له ديار بكر وأخذها من بني مروان. وفي سنة أربع وثمانين: تولى (٢) عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير وزارة الخليفة المقتدي. وفيها: سار (٣) يوسف بن تاشفين أمير المسلمين من مراكش إلى سبتة وأقام بها، وسير العساكر مع شير بن ابي بكر إلى الأندلس فعبروا البحر وأتوا إلى مدينة مرسية، فأخذوها من صاحبها أبي عبد الله بن طاهر، ثم ساروا إلى مدينة شاطبة ودانية فملكوها، وكانت بلنسية مع الإفرنج فأخلوها وملكها المسلمون وعمروها، وكان أمير المسلمين قد ملك غرناطة فيما قيل على ما تقدم ذكره، ثم ساروا إلى اشبيلية فحصروها وبها صاحبها المعتمد بن عباد فملكوها وأرسلوا المعتمد إلى يوسف بن ناشفين، فحبسه في أغمات حتى مات على ما سنذكره. ولما فرغ شير بن أبي بكر من أشبيلية سار إلى المرية وبها صاحبها محمد بن صمادح بن معن، فلما بلغه أخذ أشبيلية وسير العسكر إليه مات غمًا، ولما مات سار ولده الحاجب بن محمد بأهله وماله عن المرية في البحر إلى بلاد بني حماد المتاخمين لإفريقية، فأحسنوا إليه، ثم سار شير (٤) إلى بطليوس فأخذها من صاحبها عمرو بن الأفطس، وكان عمرو ممن أعان شير على ابن عباد حتى ملك اشبيليه، ثم رجع عمرو (٥) إلى بطليوس، فسار إليه شير وأخذها منه وقتل عمرو ولديه العباس والفضل ابني عمرو صبرًا (٦) ولم يترك شير من بلاد الأندلس سوى بني

стр. 8995

هود، فإنه لم يقصد بلادهم وهي شرق الأندلس، وكان صاحبها المستعين بالله هود يهادي يوسف بن تاشفين ويخدمه قبل أن يقصد بلاد الأندلس فرعى له ذلك حتى أن يوسف ابن تاشفين أوصى ابنه علي عند موته بترك التعرض إلى بلاد بني هود. ذكر استيلاء الفرنج على صقلية (١) قد تقدم ذكر فتح صقلية وتوارد الولاة عليها من جهة بني الأغلب، ثم من جهة الخلفاء العلويين، فلما كان سنة ثمان وثمانين وثلثمائة كان الأمير على صقلية أبو الفتح يوسف بن عبد الله بن محمد بن الحسين من جهة العزيز العلوي خليفة مصر، فأصاب يوسف المذكور فالج وبطل جانبه الأيسر، فاستناب ابنه جعفر وبقي جعفر أميرًا بصقلية إلى سنة عشر وأربعمائة، فثار به أهل صقلية وحصروه بقصره لسوء سيرته، وكان ابن يوسف حينئذ مفلوجًا، فخرج إلى أهل صقلية فبكوا عليه وشكوا على ابنه جعفر وسألوه أن يولّي عليهم ابنه أحمد الأكحل، ففعل يوسف ذلك وسير يوسف ابنه جعفر إلى مصر، وسار هو بعده ومعهما أموال جزيلة، وكان ليوسف (المذكور من الدواب) (٢) أربعة عشر ألف حجرة سوى البغال وغيرها، واستقل الأكحل بصقلية وأحسن السيرة، وبث السرايا في بلاد الكفار، وأطاعه جميع بلاد صقلية التي للمسلمين ثم حصل بين الأكحل وبين أهل صقلية وحشة، فسار بعض أهلها إلى إفريقية إلى المعز بن باديس، فأرسل المعز جيشًا مع ابنه عبد الله في سنة سبع وعشرين وأربعمائة فحصروا الأكحل في الخالصة، وقتل الأكحل في الحصار، ثم إن أهل صقلية كرهوا عسكر المعز فقاتلوهم، فانهزم عسكر المعز، وقتل منهم ثمانمائة رجل ورحلوا في المراكب إلى إفريقية، ولّى أهل صقلية عليهم أخا الأكحل واسمه الصمصام بن يوسف، اضطربت أحوال أهل صقلية عند ذلك، ثم أخرجوا الصمصام، وانفرد كل إنسان ببلد، فانفرد القائد عبد الله بن متكوت بمازر وطرابلس وغيرها، وانفرد علي بن نعمة المعروف بابن الحواش بقصر يانة وجرجنت وغيرها، وانفرد ابن التمنة بمدينة سرقوس وقطانية، فوقع بينهم واستنصر ابن التمنة بالفرنج الذين بمدينة مالطة، واسم ملكهم رجار وهون عليهم أمر المسلمين، فسار الفرنج وابن التمنة إلى البلاد التي بأيدي المسلمين في سنة أربع وأربعين وأربعمائة واستولوا على مواضع كثيرة من الجزيرة، وفارق الجزيرة حينئذ كثير من أهلها (من) العلماء والصالحين، وسار جماعة إلى المعز بن باديس إلى إفريقية.

стр. 8996

واستولى (١) الفرنج على غالب بلاد صقلية، وليس لهم مانع، ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت، فحصرهما الفرنج وطال الحصار عليهما حتى أكل أهلها الميتة فسلّم أهل جرجنت أولًا وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين، ثم اذعنوا، وملك رجار جميع الجزيرة في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ثم مات رجار قبل سنة تسعين وتولى ولده وسلك طريقة ملوك المسلمين في الجنائب والحجاب والجاندارية وأسكن في الجزيرة الفرنج مع المسلمين، وأكرم المسلمين ومنع من التعدي عليهم. وفيها: في رمضان وصل (٢) السلطان ملك شاه إلى بغداد ووصل إليه أخوه تتش من دمشق وآق سنقر من حلب، ووصل غيرهما من زعماء الأطراف، وعمل الميلاد ببغداد، واحتفل له الناس، وأكثر الشعراء من وصف تلك الليلة. وفيها: أمر (٣) ملك شاه بعمارة الجامع المعروف بجامع السلطان ببغداد وعمل قبلته بهرام منجمه، وجماعة من أصحاب الرصد وابتدأ امراء السلطان الكبار بعمارة دورهم ببغداد، بحيث إذا قدموا بغداد ينزلون بها، فتفرق شملهم بالموت والقتل بعد ذلك عن قريب. وفيها: توفي (٤) الأمير ارتق بن اكسك التركماني جد الملوك أصحاب ماردين مالكًا للقدس منذ قدم إلى تتش حسبما تقدم ذكره، ولما توفى ارتق استقر في القدس ايلغازي وسقمان ولديه إلى أن سار الأفضل أمير الجيوش من مصر وأخذ القدس منهما، فسارا إلى الشرق وكان منهما ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي سنة خمس وثمانين: أمر (٥) ملكشاه آق سنقر بمساعدة أخيه تتش على ملك الشام وما بأيدي خليفة مصر من البلاد، فسار آق سنقر مع تتش ونزل حمص وبها صاحبها خلف بن ملاعب، فملك تتش حمص وأمْسَكَ ابن ملاعب وولديه، ثم سار إلى عرفة فملكها، ثم سار إلى فامية وملكها. وفي عاشر رمضان من هذه السنة: قتل (٦) نظام الملك الحسين بن علي بن

стр. 8997

إسحاق وسببه أنه حصل بينه وبين ملكشاه وحشة، فلما كان اليوم المذكور بعد الإفطار وهم بالقرب من نهاوند وقد انصرف نظام الملك إلى خيمة حرمه، وثب عليه صبي ديلمي في صورة مستعط، وضربه بسكين وقتله بها وأدرك أصحابه ذلك الصبي فقتلوه، وحصل للعسكر بسبب قتله شوشة، فركب السلطان ومسكنها وكان نظام الملك كبيرًا، فإن مولده سنة ثمان وأربعمائة، وكان قتله بتدبير من السلطان ملكشاه ومات ملكشاه بعده بخمسة وثلاثين يومًا على ما سنذكره، وكان نظام الملك من ابناء الدهاقين بطوس، ماتت أمه وهو رضيع، فكان يطوف به والده على المراضع فيرضعنه، ثم انتشأ، وتعلم العربية، وسمع الحديث، اشتغل بالأعمال السلطانية ولم يزل الدهر يعلو به حتى خدم طغرلبك وصار وزيره، ولما صار الملك إلى ألب أرسلان كان نظام الدولة مع ابنه ملكشاه، وقام بأمره حتى صارت السلطنة إلى ملكشاه، فبلغ نظام الملك من المنزلة ما لم يبلغه غيره من الوزراء، وقرّب العلماء وبنى المدارس في سائر الأمصار، وأسقط المكوس، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان قد فعله عميد الملك الكندري كما تقدم ذكره وأوصافه حسنة رحمه الله تعالى. وكان السلطان ملكشاه ونظام الملك قد سارا عن بغداد في العام الماضي إلى أصفهان فعادا من اصفهان في هذه السنة إلى بغداد، فقتل نظام الملك بالقرب من نهاوند كما ذكرنا، ودخل السلطان بغداد في رابع عشر رمضان هذه السنة، ثم خرج ملكشاه من بعد إلى الصيد وعاد ثالث شوال مريضًا بحمّى محرقة وتوفى ليلة الجمعة نصف شوال، وكان مولدة سنة سبع وأربعين وأربعمائة وكان من أحسن الناس صورة ومعنى، وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام ومن أقاصي بلاد الشام إلى بلاد اليمن وحملت له ملوك الروم الجزية ولم يفته مطلب، وكانت أيامه أيام عدل وسكون وأمن فعمرت البلاد ودرّت الأرزاق وعمر الجامع ببغداد، وعمل المصانع بطريق مكة، وكان غاديًا بالصيد، وكان يتصدق بعدد كل وحش يصيده دينارا، وصاد مرة عشرة آلاف صيد بعشرة آلاف دينار. ولما (١) مات ملكشاه أَخْفَتْ زوجته تركان خاتون (٢) موته، وفرقت الأموال في الأمراء، وسارت إلى أصفهان واستحلفت العساكر لولدها محمود وعمره أربع سنين

стр. 8998

وشهور، وخُطب له في بغداد وغيرها، وكان تاج الملك هو الذي يدبر الأمر بين يدي تركان خاتون، وأما بركياروق بن ملكشاه فإنه هرب من أصفهان لما دَخَلَتْ تركان خاتون إليها، وانضم إلى بركياروق النظامية لبغضهم تاج الملك؛ لأنه هو الذي سعى في نظام الملك حتى قُتِل، وقوى بركياروق، فأرسلت تركان خاتون عسكرًا إلى بركياروق والنظامية، فاقتتلوا في القرب من بروجرد، فانهزم عسكر تركان خاتون، وسار بركياروق وحصرهم في أصبهان، وكان تاج الملك في عسكر تركان خاتون، فأخذ أسيرًا،، وأراد بركياروق الإحسان إليه وأن يوليه الوزارة، فوثبت النظامية عليه وقتلوه، وكان تاج الملك المذكور (ذا) (١) فضائل كثيرة، وخَرجَتْ السنة والأمر على ذلك. وفي سنة ست وثمانين: خرج (٢) من أصفهان الحسين بن نظام الملك إلى بركياروق، فأحسن إليه وولاه الوزارة ولقبه عز الملك. وفيها: تحرك (٣) تتش من دمشق لطلب السلطنة بعد موت أخيه واتفق معه آق سنقر صاحب حلب، وخطب له باغي سيان صاحب انطاكية، وبزان صاحب الرها، وسار تتش ومعه آق سنقر، فافتتح نصيبين عنوةً، ثم قصد الموصل. وكنا ذكرنا في سنة سبع وأربعين وأربعمائة لما قتل مسلم بن قريش صاحب الموصل وحلب، استولى على الموصل إبراهيم بن قريش، ثم إن ملكشاه قبض على إبراهيم سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وأخذ منه الموصل، وبقي إبراهيم معه حتى مات ملكشاه، فسار وملك الموصل، فلما قَصَدَ تتش في هذه السنة الموصل خرج إبراهيم لقتاله، والتقوا بالمضيح من أعمال الموصول، فانهزمت المواصلة وأخذ إبراهيم بن قريش أسيرًا وجماعة من أمراء العرب قتلوا صبرًا، وملك تتش الموصل واستناب فيها علي بن مسلم قريش، وأمُّهُ ضيفة عمة تتش، وأرسل تتش يطلب الخطبة من بغداد، فتوقفوا فيها فسار تتش فاستولى على ديار بكر وسار إلى أذربيجان، وكان قد استولى بركياروق على كثير منها، فسار بركياروق إلى عمه (تتش) ليمنعه، فقال آق سنقر: نحن إنما أطعنا تتش لعدم قيام واحد من أولاد السلطان ملكشاه، إما إذا كان بركياروق بن السلطان قد تملك فلا نكون مع غيره، وخلى آق سنقر تتش ولحق ببركياروق، فضعف تتش لذلك وغادر إلى الشام. وفيها: ملك (٤) عسكر المستنصر خليفة مصر مدينة صور.

стр. 8999

وفي (١) سنة سبع وثمانين: ويوم الجمعة رابع عشر المحرم [خطب لبركياروق ببغداد] (٢). [وفيها] (٣): توفي (٤) الخليفة المقتدي بالله أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم، مات فجأة يوم السبت خامس عشر المحرم، وعمره ثمان وثلاثون سنة وثمانية أشهر وأيام، وخلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وأمه أم ولد أرمنية تسمى أرجوان، أدركت خلافته وخلافة ابنه المستظهر وخلافة ابن ابنه المسترشد، وكان المقتدي قوي النفس، عظيم الهمة. خلافة المستظهر بالله أبي العباس أحمد، ثامن عشرين بني العباس (٥) ولما توفي المقتدي كان بركياروق قد قدم إلى بغداد، فأخذت عليه البيعة للمستظهر بن المقتدي، وبايعه الناس، وكان عمره لما بويع ست عشرة سنة وشهرين. وفيها (٦): لما عاد تتش من أذربيجان إلى الشام أَخَذَ في جمع الجيوش حتى كثرت رجاله وجمع آق سنقر بحلب وأمده بركياروق بالأمير كربغا، فاجتمع كربغا وآق سنقر وقاتلوا تتش عند نهر سبعين قريبًا من تل السلطان بينه وبين حلب ستة فراسخ، فخامر بعض عسكر أق سنقر وصاروا مع تتش، وانهزم الباقون، فثبت آق سنقر فأخذ (٧) اسيرًا وأحضر إلى تتش، فقال تتش لآق سنقر لو ظفرت بي ما كنت تصنع؟ قال: اقتلك، قال: فأنا أقتلك، وأحكم عليك بما حكمت عليَّ به، فقتل بين يديه صبرًا، وسار تتش إلى حلب، فملكها، وأسر بوازار وقتله، وأسر كربغا وسجنه بحمص، ثم استولى تتش على حماة والرها، ثم سار إلى البلاد الجزرية فملكها، ثم ملك ديار بكر وخلاط، وسار إلى أذربيجان فملكها، ثم سار إلى همذان فملكها، وأرسل يطلب من المستظهر بالله الخطبة ببغداد فأجيب إليها، ولما بلغ بركياروق استيلاء عمه على

стр. 9000

أذربيجان سار إلى أربل ومنها إلى شرحاب بن بدر إلى أن قرب من عسكر تتش، ولم يكن مع بركياروق غير ألف رجل، فسارت فرقة من عسكر عمه وكبسوه فهرب إلى أصفهان، وكانت تركان خاتون قد ماتت على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، فدخل بركياروق أصفهان وبها أخوه محمود، فاحتاط على بركياروق كبار عسكر أخيه محمود وأرادوا أن يسلموه، فلحق محمود جدري، فتوقفوا في أمر بركياروق، لينظروا ما يكون من محمود من ذلك في سلخ شوال هذه السنة، فكان فرجًا بعد شده لبركياروق، وكان مولد محمود سنة ثمانين وأربعمائة في صفر، ثم إن بركياروق جدر بعد محمود، وعوفي فاجتمعت عليه العساكر، وكان منه ومن تتش ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها: في ربيع الأول توفي (١) بمصر أمير الجيوش بدر (٢) الجمالي، وقد جاوز ثمانين سنة، وكان هو الحاكم في دولة المستنصر، ولما مات قام بما كان إليه من الأمر ابنه الأفضل (٣). وفيها: في ثامن ذي الحجة توفي (٤) المستنصر بالله أبو تميم معد بن أبي الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، وكانت خلافته ستين سنة وأربعة اشهر، وعمره سبع وستون سنة، وهو الذي خطب له البساسيري ببغداد، ولقى في خلافته شدائد وأهوال أخرج فيها أمواله وذخائره حتى لم يبق له غير سجادته التي يجلس عليها، وهو مع هذا صابر غير خاشع. ولما مات ولي خلافة مصر ابنه المستعلي بالله أبو القاسم أحمد. وفيها: توفي (٥) أمير مكة ابن أبي هاشم الحسين، وقد جاوز سبعين سنة، وتولّى بعده أخوه الأمير قاسم.
следующие страницы →