← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

واستولى (١) الفرنج على غالب بلاد صقلية، وليس لهم مانع، ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت، فحصرهما الفرنج وطال الحصار عليهما حتى أكل أهلها الميتة فسلّم أهل جرجنت أولًا وبقيت قصريانة بعدها ثلاث سنين، ثم اذعنوا، وملك رجار جميع الجزيرة في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ثم مات رجار قبل سنة تسعين وتولى ولده وسلك طريقة ملوك المسلمين في الجنائب والحجاب والجاندارية وأسكن في الجزيرة الفرنج مع المسلمين، وأكرم المسلمين ومنع من التعدي عليهم. وفيها: في رمضان وصل (٢) السلطان ملك شاه إلى بغداد ووصل إليه أخوه تتش من دمشق وآق سنقر من حلب، ووصل غيرهما من زعماء الأطراف، وعمل الميلاد ببغداد، واحتفل له الناس، وأكثر الشعراء من وصف تلك الليلة. وفيها: أمر (٣) ملك شاه بعمارة الجامع المعروف بجامع السلطان ببغداد وعمل قبلته بهرام منجمه، وجماعة من أصحاب الرصد وابتدأ امراء السلطان الكبار بعمارة دورهم ببغداد، بحيث إذا قدموا بغداد ينزلون بها، فتفرق شملهم بالموت والقتل بعد ذلك عن قريب. وفيها: توفي (٤) الأمير ارتق بن اكسك التركماني جد الملوك أصحاب ماردين مالكًا للقدس منذ قدم إلى تتش حسبما تقدم ذكره، ولما توفى ارتق استقر في القدس ايلغازي وسقمان ولديه إلى أن سار الأفضل أمير الجيوش من مصر وأخذ القدس منهما، فسارا إلى الشرق وكان منهما ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي سنة خمس وثمانين: أمر (٥) ملكشاه آق سنقر بمساعدة أخيه تتش على ملك الشام وما بأيدي خليفة مصر من البلاد، فسار آق سنقر مع تتش ونزل حمص وبها صاحبها خلف بن ملاعب، فملك تتش حمص وأمْسَكَ ابن ملاعب وولديه، ثم سار إلى عرفة فملكها، ثم سار إلى فامية وملكها. وفي عاشر رمضان من هذه السنة: قتل (٦) نظام الملك الحسين بن علي بن

стр. 8997

إسحاق وسببه أنه حصل بينه وبين ملكشاه وحشة، فلما كان اليوم المذكور بعد الإفطار وهم بالقرب من نهاوند وقد انصرف نظام الملك إلى خيمة حرمه، وثب عليه صبي ديلمي في صورة مستعط، وضربه بسكين وقتله بها وأدرك أصحابه ذلك الصبي فقتلوه، وحصل للعسكر بسبب قتله شوشة، فركب السلطان ومسكنها وكان نظام الملك كبيرًا، فإن مولده سنة ثمان وأربعمائة، وكان قتله بتدبير من السلطان ملكشاه ومات ملكشاه بعده بخمسة وثلاثين يومًا على ما سنذكره، وكان نظام الملك من ابناء الدهاقين بطوس، ماتت أمه وهو رضيع، فكان يطوف به والده على المراضع فيرضعنه، ثم انتشأ، وتعلم العربية، وسمع الحديث، اشتغل بالأعمال السلطانية ولم يزل الدهر يعلو به حتى خدم طغرلبك وصار وزيره، ولما صار الملك إلى ألب أرسلان كان نظام الدولة مع ابنه ملكشاه، وقام بأمره حتى صارت السلطنة إلى ملكشاه، فبلغ نظام الملك من المنزلة ما لم يبلغه غيره من الوزراء، وقرّب العلماء وبنى المدارس في سائر الأمصار، وأسقط المكوس، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان قد فعله عميد الملك الكندري كما تقدم ذكره وأوصافه حسنة رحمه الله تعالى. وكان السلطان ملكشاه ونظام الملك قد سارا عن بغداد في العام الماضي إلى أصفهان فعادا من اصفهان في هذه السنة إلى بغداد، فقتل نظام الملك بالقرب من نهاوند كما ذكرنا، ودخل السلطان بغداد في رابع عشر رمضان هذه السنة، ثم خرج ملكشاه من بعد إلى الصيد وعاد ثالث شوال مريضًا بحمّى محرقة وتوفى ليلة الجمعة نصف شوال، وكان مولدة سنة سبع وأربعين وأربعمائة وكان من أحسن الناس صورة ومعنى، وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام ومن أقاصي بلاد الشام إلى بلاد اليمن وحملت له ملوك الروم الجزية ولم يفته مطلب، وكانت أيامه أيام عدل وسكون وأمن فعمرت البلاد ودرّت الأرزاق وعمر الجامع ببغداد، وعمل المصانع بطريق مكة، وكان غاديًا بالصيد، وكان يتصدق بعدد كل وحش يصيده دينارا، وصاد مرة عشرة آلاف صيد بعشرة آلاف دينار. ولما (١) مات ملكشاه أَخْفَتْ زوجته تركان خاتون (٢) موته، وفرقت الأموال في الأمراء، وسارت إلى أصفهان واستحلفت العساكر لولدها محمود وعمره أربع سنين

стр. 8998

وشهور، وخُطب له في بغداد وغيرها، وكان تاج الملك هو الذي يدبر الأمر بين يدي تركان خاتون، وأما بركياروق بن ملكشاه فإنه هرب من أصفهان لما دَخَلَتْ تركان خاتون إليها، وانضم إلى بركياروق النظامية لبغضهم تاج الملك؛ لأنه هو الذي سعى في نظام الملك حتى قُتِل، وقوى بركياروق، فأرسلت تركان خاتون عسكرًا إلى بركياروق والنظامية، فاقتتلوا في القرب من بروجرد، فانهزم عسكر تركان خاتون، وسار بركياروق وحصرهم في أصبهان، وكان تاج الملك في عسكر تركان خاتون، فأخذ أسيرًا،، وأراد بركياروق الإحسان إليه وأن يوليه الوزارة، فوثبت النظامية عليه وقتلوه، وكان تاج الملك المذكور (ذا) (١) فضائل كثيرة، وخَرجَتْ السنة والأمر على ذلك. وفي سنة ست وثمانين: خرج (٢) من أصفهان الحسين بن نظام الملك إلى بركياروق، فأحسن إليه وولاه الوزارة ولقبه عز الملك. وفيها: تحرك (٣) تتش من دمشق لطلب السلطنة بعد موت أخيه واتفق معه آق سنقر صاحب حلب، وخطب له باغي سيان صاحب انطاكية، وبزان صاحب الرها، وسار تتش ومعه آق سنقر، فافتتح نصيبين عنوةً، ثم قصد الموصل. وكنا ذكرنا في سنة سبع وأربعين وأربعمائة لما قتل مسلم بن قريش صاحب الموصل وحلب، استولى على الموصل إبراهيم بن قريش، ثم إن ملكشاه قبض على إبراهيم سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وأخذ منه الموصل، وبقي إبراهيم معه حتى مات ملكشاه، فسار وملك الموصل، فلما قَصَدَ تتش في هذه السنة الموصل خرج إبراهيم لقتاله، والتقوا بالمضيح من أعمال الموصول، فانهزمت المواصلة وأخذ إبراهيم بن قريش أسيرًا وجماعة من أمراء العرب قتلوا صبرًا، وملك تتش الموصل واستناب فيها علي بن مسلم قريش، وأمُّهُ ضيفة عمة تتش، وأرسل تتش يطلب الخطبة من بغداد، فتوقفوا فيها فسار تتش فاستولى على ديار بكر وسار إلى أذربيجان، وكان قد استولى بركياروق على كثير منها، فسار بركياروق إلى عمه (تتش) ليمنعه، فقال آق سنقر: نحن إنما أطعنا تتش لعدم قيام واحد من أولاد السلطان ملكشاه، إما إذا كان بركياروق بن السلطان قد تملك فلا نكون مع غيره، وخلى آق سنقر تتش ولحق ببركياروق، فضعف تتش لذلك وغادر إلى الشام. وفيها: ملك (٤) عسكر المستنصر خليفة مصر مدينة صور.

стр. 8999

وفي (١) سنة سبع وثمانين: ويوم الجمعة رابع عشر المحرم [خطب لبركياروق ببغداد] (٢). [وفيها] (٣): توفي (٤) الخليفة المقتدي بالله أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم، مات فجأة يوم السبت خامس عشر المحرم، وعمره ثمان وثلاثون سنة وثمانية أشهر وأيام، وخلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وأمه أم ولد أرمنية تسمى أرجوان، أدركت خلافته وخلافة ابنه المستظهر وخلافة ابن ابنه المسترشد، وكان المقتدي قوي النفس، عظيم الهمة. خلافة المستظهر بالله أبي العباس أحمد، ثامن عشرين بني العباس (٥) ولما توفي المقتدي كان بركياروق قد قدم إلى بغداد، فأخذت عليه البيعة للمستظهر بن المقتدي، وبايعه الناس، وكان عمره لما بويع ست عشرة سنة وشهرين. وفيها (٦): لما عاد تتش من أذربيجان إلى الشام أَخَذَ في جمع الجيوش حتى كثرت رجاله وجمع آق سنقر بحلب وأمده بركياروق بالأمير كربغا، فاجتمع كربغا وآق سنقر وقاتلوا تتش عند نهر سبعين قريبًا من تل السلطان بينه وبين حلب ستة فراسخ، فخامر بعض عسكر أق سنقر وصاروا مع تتش، وانهزم الباقون، فثبت آق سنقر فأخذ (٧) اسيرًا وأحضر إلى تتش، فقال تتش لآق سنقر لو ظفرت بي ما كنت تصنع؟ قال: اقتلك، قال: فأنا أقتلك، وأحكم عليك بما حكمت عليَّ به، فقتل بين يديه صبرًا، وسار تتش إلى حلب، فملكها، وأسر بوازار وقتله، وأسر كربغا وسجنه بحمص، ثم استولى تتش على حماة والرها، ثم سار إلى البلاد الجزرية فملكها، ثم ملك ديار بكر وخلاط، وسار إلى أذربيجان فملكها، ثم سار إلى همذان فملكها، وأرسل يطلب من المستظهر بالله الخطبة ببغداد فأجيب إليها، ولما بلغ بركياروق استيلاء عمه على

стр. 9000

أذربيجان سار إلى أربل ومنها إلى شرحاب بن بدر إلى أن قرب من عسكر تتش، ولم يكن مع بركياروق غير ألف رجل، فسارت فرقة من عسكر عمه وكبسوه فهرب إلى أصفهان، وكانت تركان خاتون قد ماتت على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، فدخل بركياروق أصفهان وبها أخوه محمود، فاحتاط على بركياروق كبار عسكر أخيه محمود وأرادوا أن يسلموه، فلحق محمود جدري، فتوقفوا في أمر بركياروق، لينظروا ما يكون من محمود من ذلك في سلخ شوال هذه السنة، فكان فرجًا بعد شده لبركياروق، وكان مولد محمود سنة ثمانين وأربعمائة في صفر، ثم إن بركياروق جدر بعد محمود، وعوفي فاجتمعت عليه العساكر، وكان منه ومن تتش ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها: في ربيع الأول توفي (١) بمصر أمير الجيوش بدر (٢) الجمالي، وقد جاوز ثمانين سنة، وكان هو الحاكم في دولة المستنصر، ولما مات قام بما كان إليه من الأمر ابنه الأفضل (٣). وفيها: في ثامن ذي الحجة توفي (٤) المستنصر بالله أبو تميم معد بن أبي الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، وكانت خلافته ستين سنة وأربعة اشهر، وعمره سبع وستون سنة، وهو الذي خطب له البساسيري ببغداد، ولقى في خلافته شدائد وأهوال أخرج فيها أمواله وذخائره حتى لم يبق له غير سجادته التي يجلس عليها، وهو مع هذا صابر غير خاشع. ولما مات ولي خلافة مصر ابنه المستعلي بالله أبو القاسم أحمد. وفيها: توفي (٥) أمير مكة ابن أبي هاشم الحسين، وقد جاوز سبعين سنة، وتولّى بعده أخوه الأمير قاسم.

стр. 9001

وفيها: توفيت (١) تركان خاتون زوجة ملكشاه التي قدمنا ذكرها، وكانت قد برزت من أصفهان لتتصل بتاج الدولة تتش، فمرضت وعادت إلى أصفهان، وماتت ولم يكن معها غير قصبة أصبهان. وفيها: اجتمع (٢) قواد عسكر (٣) أحمد خان صاحب سمرقند، وقبضوا عليه بسبب زندقته، ولما قبضوه أحضروا القضاة والفقهاء، وأقاموا خصومًا أدعوا عليه الزندقة فجحد، فشهد عليه جماعة بذلك، وأفتى الفقهاء بقتله، فخنق، وأجلسوا مكانه ابن عمه مسعود. ولما (٤) انهزم بركياروق من تتش دخل اصفهان، واستولى تتش على اذربيجان ونهب جرباذقان، ثم سار إلى الري وبركياروق مريض بالجدري، فلما عوفي سار بالعساكر إلى عمه تتش، والتقوا بموضع قريب الري، فانهزم عسكر تتش وثبت هو فقتل في صفر هذه السنة أعني سبع وثمانين وأربعمائة، واستقامت السلطنة لبركياروق، وإذا أراد الله أمرًا فلا مردّ له. وإلا فلو تبع بركياروق من عسكر عمه تتش لما كبسوه، وهرب إلى أصفهان مائة نفس أخذوه؛ لأنه بقي على باب أصفهان عدة أيام لا يمكن من الدخول إليها، فلما دخلها أراد الأمراء أن يسلموه فاتفق أن أخاه محمود حمّ ثاني يوم وصوله، جدر ومات وقام هو مقامه، ثم جدر ولو قصده تتش قبل دخوله أصفهان أو وقت مرض أخيه أو وقت مرضه لملك البلاد، والله سرّ في علاه. وكان (٥) لتتش ابن ألب أرسلان ابنان يقال لهما رضوان ودقاق، وكان دقاق في الوقعة مع أبيه، وأما رضوان فبلغه مقتل أبيه وهو بالقرب من هيت متوجهًا للاستيلاء على العراق، فرجع إلى حلب، وبها من جهة والده أبو القاسم حسن بن علي الخوارزمي، ولحق برضوان جماعة من قوّاد أبيه، ولحق أخوه دقاق وكان معه أيضًا أخواه الصغيران أبو طالب وبهرام، وكانوا كلهم مع أبي القاسم حسن الخوارزمي كالضيوف، وهو المستولي على البلد، ثم إن رضوانا كبس أبا القاسم نصف الليل واحتاط عليه، وطيب قلبه وخُطب الرضوان بحلب، فكان مع رضوان الأمير باغي سيان بن محمد التركماني صاحب انطاكية، ثم وقع الاختلاف بين باغي سيان وجناح

стр. 9002

الدولة، وكان جناح الدولة متزوّجًا بأم رضوان، وهو من أكبر القوّاد، فسار باغي سيان إلى انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي ودخل رضوان إلى حلب، وأما دقاق فكاتبه ساوتكين (١) الخادم والي قلعة دمشق يستدعيه سرًا ليملكه دمشق، فهرب دقاق إلى حلب سرًا وجد السير فأرسل رضوان في أثره خيلًا فلم يدركه، ووصل رضوان دمشق، فسلم إليه ساوتكين، ووصل إلى دقاق طغتكين ومعه جماعة من خواص تتش فإن طغتكين كان مع تتش في الوقعة، وأسر ثم خلص، ووصل إلى دمشق فلقيه دقاق وأكرمه، وكان طغتكين زوج والدة دقاق، واتفق دقاق وطغتكين على ساوتكين الخادم فقتلاه، ثم سار باغي سيان صاحب انطاكية إلى دقاق ووصل إلى دمشق ومعه حسن الخوارزمي الذي كان مستوليًا على حلب فجعله وزيرًا لدقاق. وفي هذه السنة: توفي (٢) المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية مسجونًا باغمات وأخباره مشهورة، وله أشعار حسنة، قال صاحب قلائد العقيان (٣): إن المعتمد لما كان مسجونًا بأغمات دخل عليه من بنيه يوم عيد مَنْ يهنئه ويسلم عليه، (وفيهم بناته) (٤) وعليهن أطمار كانها كسوف وهنَّ أقمار، وأقدامهن حافية، وآثار نعمتهن عافية، فقال المعتمد: [من البسيط] فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا … فجاءَكَ العيد في أغمات مأسورا (٥) ترى بناتِكَ في الأطمار جائعةً … يغزلن للناس ما يملكن قطميرا يطأن في الطين والأقدام حافيةٌ … كأنها لم تطأ مسكا وكافورا لا خدّ إلا تشكي الجدب ظاهرُهُ … وليس إلا مع الأنفاس ممطورا قد كان دهركَ إن تأمره ممتثلًا … فردّكَ الدهرُ منهيًا ومأسورا (٦) مَنْ باتَ بعدَكَ في مُلكِ يسيره (٧) … فإنما بات في الأحلام مغرورا ولأبي بكر بن اللبانة (٨) يرثي المعتمد بن عباد المذكور من قصيدة طويلة وهي: [البسيط]

стр. 9003

لكلِّ شيءٍ من الأشياء ميقات … وللمُنَى من مناياهنَّ غاياتٌ (١) والدهر في صبغة الحرباء منغمسٌ … ألوانُ حالاتِه فيها استحالاتُ ونحنُ من لعب الشطرنج في يدهِ … وربما قمرتْ بالبيدي الشاةُ ومنها: [البسيط] من كان بين الندى والباس أنصلُهُ … هنديُّةً وعطاياه هنيداتُ رماه مِنْ حيث لم تستره سابغةٌ … دَهْرٌ مصيباته نبل مصيباتُ لهفي على أل عباد فأنهم … أهلةٌ مالها في الأفق هالاتُ تمسَّكَتْ بعرى اللذاتِ ذاتُهمُ … يا بئس ما جنت اللذاتُ والذاتُ فُجعت منهم بإخوان ذوي ثقة … فاتوا وللدهر في الأخوان آفاتُ واعتضت في آخر الصحراء طائفة … لغاتهم في جميعِ الكُتُبِ مُلغاة يعني البربر، أعني ابن تاشفين وعسكره. وفيها: سار (٢) أبو حامد الغزالي إلى الشام، وترك التدريس في النظامية لأخيه نيابة عنه، وتزهد، وزارالقدس، وحج ثم عاد إلى بغداد وصار إلى خراسان. وفيها: توفي (٣) أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد الحميدي الأندلسي، وهو مصنف الجمع بين الصحيحين، وكان ثقةً فاضلًا، ومولده قبل العشرين وأربعمائة، وهو من أهل ميورقة، وكان عالمًا بالحديث، سمع بالمغرب ومصر والشام والعراق، وكان نزهًا عفيفًا، وله تاريخ كراسة واحدة ختمه بخلافة المهتدي. وفيها (٤): توفي علي بن عبد الله المغربي الضرير، الحصري، القيرواني، الشاعر المشهور، سافر من القيروان إلى الأندلس، ومدح المعتمد بن عباد، ثم سار إلى طنجة من بر العدوة، فتوفى بها، وله أشعار جيدة منها قصيدته التي منها: [من المتدارك] ياليل الصبُّ متى غَدُهُ … أقيامُ الساعة موعده

стр. 9004

رقد السّمَارُ فأرْقَهُ … أسفٌ لِلبينِ يردده هارون يَعَنْعَنُ فنَّ السحـ … ـر إلى عينيك ويسنده وإذا أَغْمَدْتَ اللحظ قتلٌـ … ـــت تَفَكَّفْ وأنتَ تُردّده ما أشرك فيك القلبُ فَلِمْ … في نار الهجر تخلده وفي سنة تسع وثمانين: ملك (١) كربوغا الموصل، كان تتش قد حبس كربوغا بحمص لما قتل آق سنقر، وبقي كربوغا في الحبس حتى أرسل كياروق إلى رضوان صاحب حلب يأمره بإطلاقه، فأطلقه وأطلق أخاه الطنطاش، واجتمع على كربوغا البطالون وقصد نصيبين، وبها محمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش، فطلع محمد إلى كربوغا واستحلفه ثم غدر كربوغا بمحمد وقبض عليه وحاصر نصيبين وملكها. ثم سار إلى الموصل وقتل في طريقه محمد بن مسلم بن قريش بن بدران، وحصر الموصل وبها علي بن مسلم أخو محمد من حين استنابه بها تتش على ما ذكرنا، فلما ضاق عليه الأمر هرب علي بن مسلم من الموصل إلى صدقة بن مزيد بالحلة، وتسلم كربوغا الموصل وأحسن السيرة. وفيها: استولى (٢) عسكر المستعلي خليفة مصر على القدس في شعبان وأخذوه من ايلغازي وسقمان ابني أرتق. وفي سنة تسعين وأربعمائة: كان (٣) للسلطان ملك شاه أخ اسمه أرسلان أرغون بن ألب أرسلان (محمد) وكان مع أخيه فلما مات ملكشاه سار أرسلان أرغون واستولى على خراسان، وكان شديد العقوبة لغلمانه، وكانوا يخافونه (خوفا) (٤) عظيمًا، فدخل عليه غلام له وليس عنده أحد، فأنكر عليه أرسلان أرغون تأخره عن الخدمة، فأخذ الغلام يعتذر فلم يقبل عذره، فوثب الغلام وقتل أرسلان أرغون بسكين، وكان مقتله في محرم هذه السنة. ولما قتل أرسلان أرغون سار بركياروق إلى خراسان واستولى عليها، وأرسل إلى ما وراء النهر، فأقيمت له الخطبة بتلك الأيام، وسلّم بركياروق خراسان إلى أخيه السلطان سنجر شاه ابن ملكشاه، وجعل وزيره ابا الفتح علي بن الحسين الطغرائي.

стр. 9005

[وفي سنة تسعين وأربعمائة كان] ابتداء دولة بيت خوارزم شاه (١) وأولهم محمد خوارزم شاه ابن أنوش تكين، وكان أنوش تكين مملوكًا لرجل من غرشتان، ولذلك قيل له: انيش تكين غرشة، فاشتراه منه أمير من السلجوقية اسمه بلكابل، وكان أنوش تكين حسن الطريقة فعلا محلّه، صار أنوش تكين، مقدمًا وولد له محمد خوارزم شاه فرباه، وأحسن تأديبه، فانتشأ (٢) عارفًا أديبًا وتقدم بالعناية الأزلية، واشتهر بالكفاية وحسن التدبير، فلما قدم الأمير وإذا الحبشي البركياروقي إلى خراسان، وكان أرسله بركياروق ليمهد أمر خراسان بسبب فتنة وقعت فيها من الأتراك فقتل فيها النائب (على خوارزم) (٣) فوصل داذا وأصلح أمر خراسان (٤)، واستعمل على خوارزم محمد بن أنوش تكين ولقبه بخوارزم شاه فقصر محمد أوقاته على معدلة ينشرها، ومكرمة يفعلها، وقرب أهل العلم والدين فعلا محله، ثم أقره السلطان سنجر على ولاية خوارزم، وعظمت منزلته عند السلطان سنجر، ولما توفى خوارزم شاه ولي ابنه أحسن فمد ظلال الأمن وأفاض العدل. وفيها: سار (٥) رضوان من حلب إلى دمشق ليأخذها من أخيه دقاق، وسار مع رضوان باغي سيان صاحب انطاكية وجناح الدولة، ووصلوا إلى دمشق فلم ينل منها غرضًا، وارتحل رضوان إلى القدس فلم يملكها، وتراجَعَتْ عند عساكره فرجع إلى حلب، ثم فارق باغي سيان رضوان وصار مع دقاق وحَسَّنَ له قصد أخيه رضوان، وأخذ حلب منه فسار دقاق إلى رضوان، واقتتلوا فانهزم دقاق وعسكره، ونُهِبَتْ خيامهم، وعاد رضوان إلى حلب منصورًا، ثم اتفقا على أن يخطب الرضوان بدمشق قبل دقاق. وفيها: خطب (٦) الملك رضوان للخليفة المستعلي خليفة مصر أربع جمع، ثم خشي العاقبة فأعاد الخطبة العباسية.

стр. 9006

وفيها: قتلت (١) الباطنية أرْعَش النظامي بالري، وكان قد بلغ مبلغًا عظيمًا بحيث أنه تزوج بابنه ياقوتي عم السلطان بركياروق. وفيها: قتلت (٢) الباطنية الأمير برسق (٣) الطغرلبكي (٤)، وهو أول شحنة كان من جهة السلاجقة ببغداد. سنة إحدى وتسعين إلى سنة خمسمائة في سنة إحدى وتسعين: مَلَكَ (٥) الفرنج انطاكية، وكان مبدأ خروجهم في سنة تسعين وأربعمائة، فعبروا خليج القسطنطينية إلى بلاد قليج أرسلان بن قطلومش صاحب قونية، وجرى بين قليج أرسلان وبين الفرنج قتال انهزم فيه قليج أرسلان، ثم ساروا إلى بلاد ليون الأرمني، وخرجوا إلى إنطاكية، فحصروها تسعة أشهر، وظهر لباغي سيان في ذلك شجاعة عظيمة، ثم هاجموا إنطاكية عنوة وخرج باغي سيان في الليل هاربًا، فلما أصبح ورجع وَعْيُهُ أخَذَ يتلهف على أهله وأولاده، وعلى المسلمين فلشدّة ما لحقه سقط مغشيًا عليه، فأراد غلامه أن يُركِبه، فلم يكن معه من المشكة ما يثبت على الفرس، فتركه غلمانه مرميًا، واجتاز به وهو مرمي أرمني كان يقطع الخشب وهو على آخر رمق، فقطع رأسه وحمله إلى الأفرنج بانطاكية، وكان مَلَكَ الفرنج انطاكية في جمادى الأولى من هذه السنة، ووضعوا السيف في المسلمين الذين بها وأخذوا أموالهم. ولما بلغ كربوغا (٦) صاحب الموصل ما فعله الفرنج بانطاكية جمع عسكره وسار إلى مرج دابق، واجتمع إليه دقاق بن تتش صاحب دمشق، وطغتكين أتابك، وجناح الدولة صاحب حمص وهو زوج أم الملك رضوان. فانه كان قد فارق رضوان حلب وملك حمص، وغيرهم من الأمراء والعربان، وساروا حتى نازلوا أنطاكية، وانحصر الفرنج بها، طلبوا من كربوغا أن يطلقهم فامتنع، ثم أن كربوغا اساء السيرة فيمن اجتمع معه من الملوك والأمراء، وتكبر عليهم، فخبثت نياتهم عليه، ولما ضاق على الفرنج الأمر وقلت أقواتهم خرجوا من إنطاكية، وقاتلوا المسلمين، فولّى المسلمون

стр. 9007

هاربين، وكثر القتل (١) فيهم، ونهيت الفرنج خيامهم وتقووا بالأقوات والسلاح، وساروا إلى المعرة، واستولوا عليها، ووضعوا السيف في أهلها فقتلوا مائة ألف إنسان، وسبوا السبي الكثير، وأقاموا بالمعرة أربعين يومًا، وساروا إلى حمص فصالحهم أهلها. وفي اثنتين وتسعين: ملك (٢) الفرنج بيت المقدس، كان تتش قد أقطع بيت المقدس للأمير أرتق، فلما توفي صار لولديه ايلغازي وسقمان حتى خرج عسكر خليفة مصر، فاستولوا على القدس بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وسار سقمان وإيلغازي، فأقام سقمان بالرها، ودخل إيلغازي العراق، وبقي القدس في أيدي المصريين إلى هذه السنة، فقصده الفرنج وحصروه نيفًا وأربعين يومًا، وملكوه يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان هذه السنة. لَبِثَ الفرنج يقتلون المسلمين بالقدس أسبوعًا، وقُتل من المسلمين في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف نفس، منهم جماعة من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم وعبادهم المجاورين بذلك الموضع الشريف، وغنموا ما لم يقع عليه الإحصاء، ووصل المستنفرون إلى بغداد في رمضان، فاجتمع أهل بغداد في الجوامع وبكوا واستغاثوا، ووقع الخلاف بين الملوك السلجوقية فتمكن الفرنج من البلاد، وقال في ذلك المظفّر الابيوردي (٣) أبياتًا منها (٤): [من الطويل] مزجنا دماء بالدموع السواجم … فَلَمْ يَبْقَ منا عرضة للمراجم وشر سلاح المرء دمع يُفيضُهُ … إذا الحربُ شَبّتْ نارها بالصوارم وكيف تنام العينُ مِلْءَ جفونها … على هفوات أيقظت كلَّ نائم وإخوانكم بالشام يُضحى مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم يسومهم الروم الهوان وأنْتُم … تجرّونَ ذيل الخفض فعل المسالم وكَمْ مِنْ دماء قد أُبيحت ومن دمى (٥) … تواري حياءً حسنها بالمعاصِمِ أترضى صناديد الأعاريب بالأذي … وتُغضي على ذل كماة الأعاجم

стр. 9008

فليتهم إذ لم يذودوا حميّةً … عن الدين ظنوا غيرة بالمحارم وفيها: قوي (١) أمر السلطان محمد بن ملكشاه أخي الملك بركياروق وهو أخو السلطان سنجر لأب وأم وأمهما أم ولد، واجتمعت إليه العساكر، واستوزر مؤيد الملك عبيد الله بن نظام الملك، وقصد بركياروق وهو بالري، فسار عنها ووصل إليها محمد فوجد بها زبيدة خاتون والدة بركياروق، وقد تخلّف عن ابنها فقبض عليها مؤيد الملك وأخذ خطامها بمال ثم خنقها، ثم اجتمع إلى محمد كواهرا بين شحنة بغداد، وكربوغا صاحب الموصل، وأرسل يطلب الخطبة من بغداد، فخطب له بها نهار الجمعة سابع عشر (ذي) الحجة من هذه السنة. وفي سنة ثلاث وتسعين: سار (٢) بركياروق، ودخل بغداد، أعيدت الخطبة له في صفر، ثم سار إلى أخيه محمد وجمع كل منهما عسكره، واقتتلوا رابع رجب عند النهر الأبيض وهو على عدة فراسخ من همذان. فانهزم بركياروق، وأرسل أخوه محمد إلى بغداد فأعيدت خطبته، ولما انهزم بركياروق سار إلى الري واجتمع إليه أصحابه، وقصد خراسان وأجتمع مع الأمير داذا أمير حيش خراسان، ووقع بين بركياروق وبين أخيه سنجر قتال، فانهزم بركياروق وعسكره، وسار إلى جرجان ثم إلى دامغان. وفيها: جمع (٣) كمشتكين بن طيلو المعروف بابن الدانشمند؛ صاحب ملطية وسيواس وسمى الدانشمند لأن أباه كان معلم التركمان واسمه عندهم دانشمند، فرق ابنه حتى ملك هذه البلاد وقصد الفرنج، وكانوا ساروا إلى ملطية فاوقع بهم وأسر ملكهم. وفيها (٤): توفي أبو علي يحيى بن عيسى (٥) الطبيب المعروف بابن جزلة صاحب كتاب «المنهاج» (٦) الذي جمع فيه الأدوية والأغذية المفردة والمركبة وكان نصرانيًا، ثم أسلم وصنّف رسالة في الرد على النصارى وبيان عوار مذهبهم ومدح الإسلام، وأقام

стр. 9009

الحجة على أنه دين الحق، وذكر فيها ما قرأه في التوراة والإنجيل وظهور النبي ﷺ ، وأن اليهود والنصارى أخفوا ذلك وهي رسالة حسنة، وصنف أيضًا في الطب كتاب (تقويم الأبدان) وغيره، ووقف كتبه قبل موته وجعلها في مشهد أبي حنيفة ﵁. وفيها: كان (١) كان استيلاء سقمان القطبي، وقيل: سكمان (وكان) مملوكًا للملك إسماعيل صاحب مدينة مرند من أذربيجان، ولقب إسماعيل المذكور قطب الدين، وكان من بني سلجوق، ولذلك قيل لسكمان القطبي، وانتشأ سكمان في غاية الشهامة والكفاية، وكان تركي الجنس، وكانت خلاط لبني مروان ملوك ديار بكر، وكان قد كثر ظلمهم لأهل خلاط، فلما اشتهر من عدل سكمان القطبي وكفاية ما اشتهر كاتبه أهل خلاط، فسار إليهم، وفتحوا له باب خلاط، وسلّموها له، وهرب عنها بنو مروان هذه السنة، واستمر سكمان القطبي مالكًا لخلاط حتى توفى سنة ست وخمسمائة، وملك خلاط ولده ظهير الدين إبراهيم على ما سنذكره إن شاء الله. وفي سنة أربع وتسعين: قد (٢) تقدم ذكر هزيمة بركياروق من أخيه محمد ثم قتاله لأخيه سنجر وهزيمته أيضًا، فلما أنهزم سار إلى خوزستان واجتمع عليه أصحابه، ثم أتى عسكر مكرم، وكثر جمعه، ثم سار إلى همذان ولحق به الأمير إياز في خمسة آلاف فارس، وسار أخوه محمد إلى قتاله، وأقتتلوا ثالث جمادى الآخرة من هذه السنة، وهو المصاف الثاني، واشتد القتال بينهم طول النهار فانهزم محمد وعسكره، وأسر مؤيد الدين بن نظام الملك وزير محمد، وأحضر إلى السلطان بركياروق، فوافقه على ما جرى منه في حق والدته، وقتله بركياروق بيده، وكان عمر مؤيد الدولة لما قتل خمسين سنة، ثم سار بركياروق إلى الري، وأما محمد فإنه هرب إلى خراسان واجتمع بأخيه سنجر واتفقا وجمعا الجموع وقصدا أخاهما بركياروق وكان بالري، فلما بلغه جمعهما سار إلى بغداد وضاقت الأموال على بركياروق فطلب من الخليفة مالًا، وترددت الرسل بينهما فحمل إليه الخليفة خمسين ألف دينار، ومد بركياروق إلى أموال الرعية، ومرض وقوى به المرض، وأما محمد وسنجر فإنهما استوليا على بلاد بركياروق وسارا في طلبه إلى بغداد، وبركياروق مريض قد أيس منه، فتحول إلى الجانب الغربي محمولًا، ثم وجد خفًا (٣)، فسار عن بغداد إلى جهة واسط، ووصل

стр. 9010

السلطان محمد وأخوه سنجر إلى بغداد، فشكا إليهما الخليفة المستظهر سوء سيرة بركيا روق وخطب لمحمد، وكان منهما ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي هذه السنة: دخل (١) ابن عمار (٢) مدينة جبلة، كان قد استولى على جبلة القاضي أبو محمد عبد الله بن منصور ابن صليحة، وحاصره الفرنج بها، فأرسل إلى طغتكين أتابك دقاق صاحب دمشق يطلب منه أن يرسل من يتسلّم جبلة ويحفظها، فأرسل إليه طغتكين ابنه تاج الملوك بوري فتسلّم جبلة وأساء السيرة في أهلها، وكاتب أهل جبلة أبا علي محمد بن عمار صاحب طرابلس، وشكوا إليه ما يفعل بوري بهم، فأرسل إليهم عسكرًا، فهزموا بوري، وملك عسكر ابن عمار جبلة، وأخذوا بوري أسيرًا وحملوه إلى ابن عمار، فأحسن إليه وسيره إلى أبيه طغتكين، وأما ابن صليحة صاحب جبلة فسار بأهله وماله إلى دمشق، ثم إلى بغداد وبها بركياروق وقد ضاقت عليه الأموال، فأحضره بركياروق وطلب منه مالًا فحمل إليه جملة طائلة. وفيها: ظهر (٣) أمر الباطنية، ويسمون الإسماعلية، أول ما عظم أمرهم بعد وفاة ملكشاه، وملكوا قلعة أصفهان، وهي مستجدة بناها السلطان ملك شاه وكان سبب بنائها أنه كان في الصيد ومعه رسول ملك الروم فهرب منه كلب فصعد إلى موضع قلعة أصفهان، فقال رسول ملك الروم لو كان هذا الموضع ببلادنا لبنينا عليه قلعة، فأمر السلطان ببنائها، وتواردت عليها النواب حتى ملكها الباطنية، وعظم ضررهم بسببها، وكان يقول الناس: قلعة يدلّ عليها كلب، ويشير بها كافر لا بد أن يكون آخرها شر. ومن القلاع التي ملكوها الموت وهي من نواحي قزوين، قيل: إن بعض ملوك الديلم أرسل عقابًا على صيد فقعد على موضع الموت فرآه حصينًا فبنى عليه قلعة وسماها اله الراموت (٤)، ومعناها بلسان الديلم تعليم العقاب، ويقال لذلك الموضع وما يجاوره طالقان، وكان الحسن بن الصباح رجلًا شهمًا عالمًا بالهندسة والحساب والسحر، وطاف البلاد، ودخل على المستنصر العلوي خليفة مصر، ثم عاد إلى خراسان وعبر النهر، ودخل كاشغر، ثم عاد إلى الموت فاستغوى أهله وملكه، ومن القلاع التي ملكوها: قلعة طبس وقهستان، ثم قلعة وستمكوه بقرب أبهر، ثم على قلعة خاليجان على خمسة فراسخ من أصفهان ثم على قلعة أزدهن ملكها أبو الفتوح ابن

стр. 9011

أخت الحسن بن الصباح، واستولوا على قلعة كردكوه وقلعة الطنبور وقلعة خلاوخان وهي بين فارس و خوزستان وامتدوا إلى قتل الأمراء الأكابر غيلة، فخافهم الناس وعظم صيتهم، فاجتهد السلطان بركياروق على تتبعهم وقتلهم، فقتل كل من عرف منهم (١). وفيها: ملك (٢) الفرنج مدينة سروج من الجزيرة، وقتلوا أهلها وسبوهم، وملكوا أرسوف (٣) بساحل عكا وقيسارية. وفي سنة خمس وتسعين: توفي (٤) المستعلي بالله أبو القاسم أحمد بن المستنصر معد العلوي خليفة مصر لسبع عشرة خلت من صفر، وكان مولده في العشرين من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وكانت خلافته سبع سنين وشهرين، وكان مدبّر دولته الأفضل بن بدر الجمالي، أمير الجيوش، ولما توفي بويع بالخلافة ابنه أبو علي منصور، ولقب الأمر بأحكام الله، وكان عمر الأمر لما بويع خمس سنين وشهرًا وقام بتدير الدولة الأفضل بن بدر الجمالي المذكور. وفيها: كانت (٥) الحرب بين بركياروق ومحمد، فكان بركياروق بواسط ومحمد ببغداد على ما تقدم ذكره، فلما سار محمد عن بغداد سار بركياروق عن واسط إليه والتقوا بروذراور، وكان العسكران متقاربين في العدة، فتصافًا، لم يَجْرِ بينهما قتال، ومشى الأمراء في الصلح، فاستقرّت القاعدة على أن يكون بركياروق هو السلطان، ومحمد الملك، ويكون لمحمد من البلاد أذربيجان ودياربكر والجزيرة والموصل، وحلف كل واحد منهما لصاحبه، وتفرّق الفريقان من المصاف رابع ربيع الأول من هذه السنة. وانتقض الصلح وسار كل واحد منهما إلى صاحبه في جمادى الأولى، واقتتلوا عند الري، وهو المصاف الرابع، فانهزم عسكر محمد ونهبت خزائنه، وهرب في نفريسير إلى أصفهان، وتتبع بركياروق فحصر أخاه محمد بأصفهان، وضيق عليه، وعدم القوت في أصفهان، ودام الحصار على محمد إلى عاشر ذي الحجة، فخرج محمد من أصفهان هاربًا مستخفيًا فأرسل بركياروق عسكرًا في أثره، فلم يظفروا به، ثم

стр. 9012

رحل بركياروق عن أصْفهان ثامن عشر ذي الحجة من السنة، وسار إلى همذان. وفيها: مات (١) كربوغا بخوي من أذربيجان، كان قد أمره بركياروق بالمسير إليها، فمات في خوي في ذي القعدة، واستولى على الموصل موسى التركماني، وكان عاملًا لكربوغا على حصن كيفا، وكاتبه أهل الموصل، فسارَ وَمَلَكَ الموصل وكان صاحب جزيرة ابن عمر رجلًا تركيًا يقال له شمس الدولة جكرمش، فقصد الموصل، واستولى في طريقه على نصيبين، فخرج موسى التركماني لقتال جكرمش. فَغَدَرَ بموسى عسكره، وصاروا مع جكرمش، فعاد موسى إلى الموصل، وحاصره جكرمش مدةً طويلة، فاستعان موسى بسقمان بن أرتق، وكان صاحب ديار بكر فأعطاه حصن كيفا، فاستمر الحصن لسقمان وأولاده إلى آخر وقت، فسار سقمان إليه، فرحل جكرمش عن الموصل، وخرج موسى لتلقي سقمان، فوثب عليه جماعة من أصحابه فقتلوه عند قرية تسمى كواثا، ودفن على تل هناك يعرف بتل موسى إلى الآن، ورجع سقمان إلى حصن كيفا، ثم عاد جكرمش صاحب الجزيرة إلى الموصل وحصرها، ثم تسلمها صلحًا، وملك جكرمش الموصل، وأحسن السيرة فيها، ثم صالحه على مال. وفيها: سار (٢) صنجيل الأفرنجي في جمع قليل وحصر ابن عمار في طرابلس ثم صالحه على مال، فسار صنجيل إلى انطرسوس ففتحها وقتل مَنْ بها من المسلمين ثم (سار) وحصر حصن الأكراد، فجمع جناح الدولة صاحب حمص عسكره ليسير إليه، فوثب باطني على جناح الدولة (٣) في الجامع فقتله، ولما بلع صنجيل قتل جناح الدولة رحل عن حصن الأكراد إلى حمص ونازلها وملك أعمالها. وفيها: قتل (٤) المؤيد بن مسلم بن قرواش امير بني عقيل، قتله بنو نمير عند هيت. وفيها: توفي (٥) الأمير مير منصور بن عمارة الحسيني أمير مدينة رسول الله ﷺ ، وقام ولده مقامه، وهو من ولد المهنا. وفي سنة ست وتسعين: كان (٦) المصاف الخامس بين بركياروق وأخوه محمد ابني ملكشاه، فانهزم

стр. 9013

عسكر محمد أيضًا، وكانت الوقعة على باب خوي، وسار بركياروق بعد الوقعة إلى جبل كثير العشب والماء بين مراغة وتبريز، فأقام به أيامًا، ثم سار إلى تبريز وزنجان، وأما محمد فسار إلى أرجيش على أربعين فرسخًا من موضع الوقعة، وهي من أعمال خلاط، ثم سار من أرجيش إلى خلاط. وفي سنة سبع وتسعين: استولى (١) بلك بن بهرام بن ارتق بن أكسك، وهو ابن أخي سقمان وايلغازي على مدينتي عانة والحديثة، وكان لبلك المذكور سروج، فأخذها منه الفرنج، فأخذ عانة والحديثة من بني بعيس بن عيسى. وفيها: في صفر أغارت (٢) الفرنج على قلعة جعبر والرقة، واستاقوا المواشي وأسروا من وجدوه، وكانت الرقة وجعبر لسالم بن مالك بن بدران بن المقلد العقيلي، سلمها إليه السلطان ملكشاه كما تقدم ذكره في سنة تسع وسبعين وأربعمائة لما تسلم منه حلب. وفيها: في ربيع الأول وقع (٣) الصلح بين بركياروق ومحمد ابني ملكشاه. وكان بركياروق حينئذ بالري، والخطبة بها وبالجبل وطبرستان وفارس وديار بكر والجزيرة والحرمين الشريفين والعراق كان محمد بأذربيجان والخطبة له بها وببلاد أخيه سنجر، فإنه كان يخطب لشقيقه محمد إلى ما وراء النهر. ثم إن بركياروق ومحمد تراسلا في الصلح فاستقر بينهما، وحلفا على ذلك في التاريخ المذكور، وكان الصلح على أن لا يذكر بركياروق في البلاد التي استقرت لمحمد وأن لا يتكاتبا بل تكون المكاتبة بين وزيريهما، وأن لا يعارض العسكر في أي قصد أيهما شاء والبلاد (التي) (٤) استقرت لمحمد ووقع عليها الصلح فهي من نهر اسبيدز إلى باب الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام، ويكون له من العراق بلاد صدقة بن مزيد. ولما حَصِلَتْ الرسل إلى الخليفة المستظهر بالصلح خطب لبركياروق ببغداد، وكان شحنة بركياروق ببغداد أيلغازي بن أرتق. وفيها: سار (٥) صنجيل الفرنجي وقد وصله مدد الفرنج من البحر إلى طرابلس

стр. 9014

وحاصرها برًا وبحرًا فلم يجد فيها مطمعًا، فعاد عنها إلى جُبَيْل وحاصرها وتسلّمها بالأمان. ثم سار إلى عكا ووصل إليه من الفرنج جمع من القدس وحصروا عكا في البر والبحر، وكان الوالي بعكا من جهة خليفة مصر اسمه نبا ولقبه زهر الدولة الجيوشي مملوك أمير الجيوش بدر وجرى بينهم قتال كثير حتى ملك الفرنج عكا بالسيف، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة، وهرب نبا إلى مصر، وملوك الإسلام إذ ذاك مشتغلون بقتال بعضهم بعضًا، وقد تفرقت الآراء وتمزقت الأموال، واختلفت الأهواء ثم إن الفرنج قصدوا حران جكرمش صاحب الموصل وسقمان بن أرتق ومعه التركمان، فتحالفا وقصدا الفرنج واجتمعا على الخابور والتقيا (مع) (١) الفرنج على نهر البليخ، فهزم الله تعالى الفرنج ونصر المسلمين وقتل من الفرنج خلق كثير وقتل من ملوكهم أيضًا، وأسر ملكهم القومص. وفيها: في رمضان توفي (٢) الملك دقماق بن تتش بن ألب أرسلان بن جغور بك داود بن ميكائيل بن سلجوق صاحب دمشق، فخطب طغتكين للأتابك بدمشق لابن دقماق، وكان طفلًا له سنة واحدة، ثم قطع خطبته وخطب لبلتاش بن تنش (٣) في ذي الحجة، ثم قطع خطبة بلتانش وأعاد خطبة الطفل وبقي هو في ملك دمشق. وفيها: سار (٤) صدقة بن مزيد صاحب الحلة إلى واسط واستولى عليها، وضمن البطيحة لمهذب الدولة بن أبي الخير بخمسين ألف دينار. وفيها: توفي (٥) أمين الدولة أبو سعيد الحسن بن موصلايا فجأةً، وكان قد أضر، وكان بليغًا فصيحًا. خدم الملوك خمسًا وستين سنة: لأنه خدم القائم سنة اثنيتن وثلاثين وأربعمائة، وكان كل يوم تزداد منزلته؛ لأنه كان نصرانيًا فأسلم سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وارتفعت رتبته حتى ناب عن الوزارة، وكان كثير الصدقة جميل السيرة. وقف أملاكه على وجوه الخير. وفي سنة ثمان وتسعين ثاني ربيع الآخر: توفي (٦) السلطان بركياروق ابن ملكشاه وكان مرضه السل

стр. 9015

والبواسير، وكان بأصفهان، فسار طالبًا بغداد فقوي مرضه في بروجرد، فجمع العسكر وحلفهم لولده ملكشاه وعمره حينئذ أربع سنين وثمانية أشهر، وجعل الأمير أياز أتابكه، وحلف العسكر له وأمرهم المسير إلى بغداد. وتوفي هو في بروجرد، ونقل إلى أصفهان فدفن بها في تربة عملتها له سريته، ثم ماتت عن قرب فدفنت بإزائه. وكان عمر بركياروق خمسًا وعشرين (١) سنة، ومدة وقوع السلطنة عليه اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر، وقاسى من الحروب والاختلاف ما لم يقاسه أحد، واختلفت به الأحوال بين رخاء وشدّة وملك وزواله، وأشرف مرارًا على ذهاب مهجته في الأمور التي تقلبت به، ولما استقام أمره وأطاعه المخالفون أدركته المنية، واتفق أنه كل ما خطب له ببغداد وقع فيها الغلاء، وقاسى من طمع أمرائه فيه شدائد حتى إنهم يحضرون نوابه ليقتلوهم، وكان صابرًا حليمًا كريمًا حسن المدارة كثير التجاوز، ولما مات بركياروق سار إياز بالعسكر ومعه ملكشاه بن بركياروق، ودخلوا بغداد سابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة، وخُطب لملكشاه بجوامع بغداد على قاعدة أبيه. ولما بلغ محمد موت أخيه سار إلى بغداد، ونزل بالجانب الغربي وبقي إياز وملكشاه بالجانب الشرقي، وجمع إياز العسكر لقتال محمد، ثم إن وزيره أشار بالصلح، ومشى بينهما الكيا الهراسي (٢) مدرس النظامية والفقهاء، وحلفوا محمدًا لأياز وأمرائه، وأحضروا ملكشاه فأكرمه وأكرمهم وصارت السلطنة لمحمد، وكان ذلك لسبع بقين من جمادى الأولى، واستمر الأمر على ذلك إلى ثامن جمادى الآخرة فعمل إياز دعوة عظيمة للسلطان محمد في داره ببغداد، فحضر إليه، وقدم له إياز أموالًا عظيمة، وفي ثاني عشر جمادى الآخرة طلب السلطان إيازًا، وأوقف له في الدهليز جماعة، فلما دخل قتلوه بالسيوف، وكان إياز قد جاوز أربعين سنة، وهو من مماليك السلطان ملكشاه، وكان غزير المروءة شجاعًا. وأمسك الصفي وزير إياز وقتل في رمضان وعمره ست وثلاثون سنة، وكان من بيت رئاسة بهمدان. وفيها: توفي (٣) سقمان بن أرتق بن أكسك. وذكر ابن الأثير (٤) أنه أكسب بالباء لا بالكاف، وصوابه أكسك ذكره ابن خلكان (٥). وكانت وفاة سقمان بالقريتين؛ لأنه

стр. 9016

كان متوجهًا إلى دمشق باستدعاء طغتكين بسبب الفرنج ليجعله مقابلتهم لأجل مرض طغتكين. فلحق سقمان الخوانيق فمات بالقريتين في صفر وقام ابنه إبراهيم موضعه، وحمل سقمان في تابوت إلى حصن كيفا فدفن به. ولما مات سقمان كان مالكًا لحصن كيفا وماردين. أما ملكه لحصن كيفا فقد ذكرناه وتسليم موسى التركماني الحصن إليه عند استنجاده به على جكرمش. وأما ماردين فنحن (١) نورده من أول الحال. وهو أن بركياروق كان قد وهب ماردين وأعمالها لمغنّ، ووقع حرب بين كربوغا صاحب الموصل وبين سقمان، وكان مع سقمان ابن أخيه ياقوتي، وعماد الدين زنكي بن آق سنقر وهو صبي، فانهزم سقمان وأسر ابن أخيه ياقوتي، فحبسه كربوغا بقلعة ماردين، وبقي ياقوتي محبوسًا مدّة، فمضت زوجة أرتق إلى كربوغا، وسألته في إطلاق ابن ابنها ياقوتي، فأجابها إلى ذلك وأطلقه. فأعجبت ياقوتي ماردين، وأرسل يقول لصاحبها المغني إن أذِنْتَ لي سكنت في ربض قلعتك، وجلبت إليها الكسوبات وحميتها من المفسدين، ويحصل لك بذلك النفع، فأذن له المغنّي بالمقام في الربض، فأقام ياقوتي بماردين وجعل يغير من باب خلاط إلى بغداد ويستصحب معه حفاظ قلعة ماردين ويُحسن إليهم ويؤثرهم على نفسه، فاطمأنوا إليه، وسار مَرَّة ونَزَلَ معه أكثرهم، فقيّدهم وأتى إلى باب قلعة ماردن و نادى مَنْ بها: إن فتحتم القلعة وسلمتوني إياها، وإلا ضربت أعناقهم أجمعين. فامتنعوا، فأحضروا واحدًا منهم فضرب عنقه، ففتحوا له الباب، وتسلّمها وأقام بها. ثم جمع ياقوتي جمعًا وقصد نصيبين، ولحقه مرض حتى عجز عن لبس السلاح وركوب الخيل، وحمل على فرسه ليركبه، فأصابه سهم فسقط منه ومات. ثم ملك ماردين بعد ياقوتي أخوه علي وصار في طاعة جكرمش صاحب الموصل، واستخلف على ماردين بعض أصحابه، وكان اسمه عليًا أيضًا. فأرسل علي يقول لسقمان: إن ابن أخيك يريد تسليم ماردين إلى جكرمش، فسار سقمان بنفسه وتسلّم ماردين وحصن كيفا فطالبه ابن أخيه علي بردها إليه فلم يفعل وأعطاه جبل جور عوضها، واستقرّت ماردين وحصن كيفا لسقمان حتى سار إلى دمشق، ومات بالقريتين فصارت ماردين لأخيه إيلغازي بن أرتق واستقرت لولده إلى يومنا هذا (٢).

стр. 9017

وفيها: اجتمعت (١) الحجاج من الهند وما وراء النهر وخراسان وغيرها، فلما صاروا إلى الري أتاهم الباطنية وقت السحر فوقعوا فيهم بالسيف وأخذوا أموالهم ودوابهم. وفيها: كانت (٢) وقعة بين فرنج أنطاكية والملك رضوان بن تتش صاحب حلب فانهزم المسلمون، وقُتل منهم خلق واستولى الفرنج على أرتاح. وفيها (٣): توفي محمد بن علي بن (أبي) الحسن المعروف بابن أبي الصقر، كان فقيهًا شافعيًا، وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وغلب عليه الشعر، فاشتهر به فمن قوله في حال الكبر: [من مجزوء الرجز] والله لولا بَوْلَة … تحرقني وقت السحر لما ذكرتُ أَنَّ لي … ما بينَ فَخُذَيَّ ذَكَر وكان مولده سنة سبع وأربعمائة. وفي سنة تسع وتسعين: سار (٤) سيف الدولة صدقة بن مزيد من الحلة إلى الكوفة (٥) فملكها. وكان خلف بن ملاعب صاحب حمص، وكان أصحابه يقطعون الطريق على الناس، وكان الضرر بهم عظيمًا، فسار تتش صاحب دمشق إليه وأخذ منه حمص كما تقدم ذكره سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ثم تقلبت بخلف بن ملاعب الأحوال إلى أن دخل مصر، وأقام بها، واتفق أن متولي فامية من جهة رضوان بن تتش صاحب حلب كان يميل إلى مذهب خلفاء مصر، وكاتبهم في الباطن في أن يرسلوا من يتسلّم منه فامية. فطلب ابن ملاعب أن يكون هو الذي يرسلونه لتسليم فامية، فأرسلوه وتسلم فامية وقلعتها، فلما استقر بفامية خلع طاعة المصريين ولم يَرْعَ حَقَّهم، وأقام بفامية يقطع الطريق ويخيف السبيل، فاتفق قاضي فامية وجماعة من أهلها، وكاتبوا الملك رضوان صاحب حلب في أن يرسل إليهم جماعة ليكبسوا فامية بالليل، فإنهم

стр. 9018

يسلموها إليهم، فأرسل رضوان جماعة. فأصعدهم القاضي والمتفقون معه بالحبال إلى القلعة، فقتلوا ابن ملاعب وبعض أولاده وهرب البعض واستولوا على قلعة فامية، ثم سار إليها الفرنج وملكوها وقتلوا القاضي المتغلب عليها. وكان (١) صنجيل الفرنجي قد مَلَكَ مدينة جبلة، ثم سار (٢) وأقام بجاحر طرابلس وبني بالقرب منها حصنًا وبنى تحته ربضًا، وهو المعروف بحصن صنجيل، فخرج الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وأحرق الربض، ووقف صنجيل على بعض سقوفه المحرقة، فانخسف به، فمرض من ذلك وبقي عشرة أيام ومات (٣). فحمل إلى القدس ودفن فيه، ودام الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين وظهر من صاحبها ابن عمار صبر عظيم، وقلت الأقوات بها وافتقرت الأغنياء. وفي سنة خمسمائة: توفي (٤) يوسف بن تاشفين أمير المسلمين، ملك الغرب وكان حسن السيرة، وكان قد أرسل إلى بغداد، وطلب التقليد من المستظهر خليفة بغداد، فأرسل إليه الخلع والتقليد. ويوسف المذكور هو الذي بنى مدينة مراكش. ولما مات ملك البلاد بعده ابنه علي بن يوسف، وتلقب بأمير المسلمين. وفيها: قتل (٥) فخر الملك بن نظام الملك واسمه أبو المظفر علي، وكان أكبر أولاد نظام الملك، قتل يوم عاشوراء. وزر لبركياروق ثم لأخيه سنجر، وكان قد أصبح يوم قتل صائمًا بنيسابور، وقال لأصحابه: رأيت الليلة في المنام الحسين بن علي وهو يقول: عَجِّلْ إلينا وليكن إفطارك عندنا، وقد اشتغل فكري ولا محيد عن قضاء الله تعالى، فقالوا له: الصواب أن لا تخرج اليوم، فأقام يقرأ القرآن ويصلّي، وتصدق بشيء كثير، وخرج العصر من الدار التي كان فيها، يريد دار النساء، فسمع صياح متظلم شديد الحرقة، فأحضره، وقال: ما حالك؟ فدفع رقعة، فبينا فخر الدولة يتأملها إِذْ ضربه بسكين قتله بها، وأمسك الباطني، وحمل إلى السلطان سنجر، فقرره، فأقرّ على جماعة كذبًا فقتل هو وتلك الجماعة. وفيها: مَلَكَ (٦) سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مرثد قلعة تكريت سلّمها إليه كيقباذ بن هزار سب الديلمي، وكانت تكريت لبني مقن برهة من الزمان، ثم

стр. 9019

خَرجت عنهم، وتنَقَّلَتْ في أيدي غيرهم حتّى صارت لآق سنقر صاحب حلب، ثمّ لكوهراتين، ثم لمجد الملك البلاساني، فولّى عليها كيقباذ المذكور وبقيت في يده حتّى سلّمها في هذه السنة لصدقة. وفيها: أقطع (١) السلطان محمد جاولي غلامه سقاؤو (٢) الموصل والأعمال التي بيد جكرمش كلها، فسار جاولي حتّى قارب الموصل، فخرج جكرمش لقتاله في محفّة؛ لأنه كان قد لحقه فالج. واقتتلا، فانهزم عسكر جكرمش وأخذ جكرمش أسيرًا من المحفّة، وسار جاولي بعد الوقعة وحصر الموصل، وكان قد أقام المواصلة زنكي بن جكرمش في ملك الموصل وعمره إحدى عشرة سنة، وبقي جاولي يطوف بجكرمش حول الموصل أسيرًا، وهو يأمرهم بتسليم البلد، فلم يقبلوا منه، فمات جكرمش في تلك الحال، وله نحو ستّين سنة، وكان قد عَظُم ملكه، وهو الذي بنى سور الموصل وحصّنها، وكاتب أهل الموصل قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش السلجوقي صاحب بلاد الروم يستدعونه، فسار قاصدًا للموصل، وتسلمها في خامس عشر رجب، ورحل عنها جاولي إلى الرحبة، ثم استخلف قليج أرسلان ابنه ملكشاه على الموصل وعمره إحدى عشرة سنة، وأقام معه أميرًا يدبّره، ورحل قليج أرسلان إلى جاولي. وكان قد كثر جمع جاولي، واجتمع إليه رضوان صاحب حلب وغيره. ولما وصل قليج أرسلان إلى الخابور وصل إليه جاولي واقتتلوا في العشرين من ذي القعدة، وقاتل قليج أرسلان بنفسه قتالًا عظيمًا، فانهزم عسكره. واضطرّ هو إلى الهرب، فألقى نفسه في الخابور فغرق. ثم ظهر بعد أيام، ودفن بقرية من قرى الخابور، يقال لها الشميسانية، وسار جاولي إلى الموصل، فسلمت إليه بالأمان، وسار ملكشاه بن قليج أرسلان إلى عند السلطان محمد. وفيها: حاصر (٣) السلطان محمد قلعة الباطنية التي بالقرب من أصبهان التي بناها ملكشاه بن ألب أرسلان بإشارة رسول ملك الروم على ما قدمنا ذكره. وكان اسم القلعة شاه در (٤) وكانت المضرّة بها عظيمة، وأطال عليها الحصار ونزل بعض الباطنية بالأمان وساروا إلى باقي قلاعهم. وبقي أحمد بن عبد الملك بن عطاش صاحب شاه در مع جماعة يسيرة، فزحف السلطان عليه وقتله، وقتل

стр. 9020

جماعة كثيرة من الباطنية، وملك القلعة وخربها. وفيها: توفي (١) الأمير شرخاب بن بدر بن مهلهل المعروف بابن أبي الشوك الكردي، وكان له أموال وخيول لا تحصى، وقام بعده أخوه أبو منصور. وبقيت الإمارة في بيته مائة وثلاثين سنة. سنة إحدى وخمسمائة إلى سنة عشرة وخمسمائة في سنة إحدى في رجب: قتل (٢) سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد الأسدي أمير العرب في قتال جرى بينه وبين السلطان محمد. واشتد القتال بينهم فقتل صدقة في المعركة بعد أن قاتل قتالًا شديدًا، وحُمِل رأسه إلى السلطان محمد، وكان عمر صدقة تسعًا وخمسين سنة. وإمارته إحدى وعشرين وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس. وكان صدقة متشيعًا وهو الذي بنى الحلة بالعراق، وكان قد عظم شأنه، واتسع جاهُ، واستجار به كبار الناس وصغارهم. وكان مجتهدًا في النصح للسلطان محمد حتى أنه جاهر بركياروق بالعداوة، ولم يبرح على مصافاة محمد، ثم فسد ما بينهما حتى قتل صدقة كما ذكرنا. وكان سبب الفساد حماية صدقة لكل من خاف من السلطان، واتفق أن السلطان غضب على أبي دلف شرخاب بن كخسرو صاحب ساوة، فهرب صاحب ساوة واستجار بصدقة، وأرسل السلطان يؤكد في إرساله فلم يفعل صدقة أن يسلمه، فسار السلطان إليه واقتتلوا كما ذكرنا فقتل صدقة، وأُسر ابنه دبيس، وأُسر شرخاب صاحب ساوة. وفيها: في رجب توفي (٣) تميم بن المعز باديس صاحب إفريقية. (وكان تميم ذكيًا حليمًا، ينظم الشعر، وكان عمره تسعًا وسبعين سنة) (٤)، وكانت ولايته ستًا وأربعين سنة وعشرة أشهر وعشرين يومًا، وخلف من الأولاد مائة ولد ذكر وستين بنتًا. ولما توفي ملك ولده يحيى، وكان عمر يحيى لما ولي ثلاثًا وأربعين سنة وستة أشهر. وفيها: توجه (٥) فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس إلى بغداد مستنفرًا لما حَلَّ بطرابلس الشام من الفرنج، واجتمع بالسلطان محمد وبالخليفة المستظهر، فلم

стр. 9021

يحصل منهما غرض، فعاد إلى دمشق، وأقام عند طغتكين وأقطعه الزبداني، وأما طرابلس، فإن أهلها دخلوا في طاعة خليفة مصر. وخرجوا عن طاعة ابن عمار، وكان من أمر طرابلس ما سنذكره. وفي سنة اثنتين وخمسمائة: أرسل (١) السلطان محمد عسكرًا مع أمير يقال له: مودود بن الطغتكين إلى الموصل ليأخذوها من جاولي، فوصلوا إلى الموصل وحصروها، وتسلمها الأمير مودود في صفر. وأما جاولي فإنه لم ينحصر في الموصل، وهرب إلى الرحبة قبل نزول العسكر عليها، ثم سار جاولي مُجِدًّا ولحق السلطان محمد بأصفهان، وأخذ كفنه معه، ودخل عليه وطلب العفو، فعفا عنه وأمنه. وفيها: تولّى (٢) مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد، ولاه السلطان محمد وأمره بعمارة دار المملكة ببغداد، ففعل بهروز ذلك وأحسن إلى الناس، وكان السلطان لما ولاه في أصفهان، ثم لما قدم إلى بغداد ولى بهروز شحنكية العراق جميعه. وفيها: في (٣) فصح النصارى نزل الأمراء بنو منقذ أصحاب شيزر للتفرج على عيد النصارى، فثار جماعة من الباطنية في قلعة شيزر فملكوها، وبادر أهل المدينة إلى الباشورة وأصعدهم النساء بالحبال من الطاقات وأدركهم الأمراء بنو منقذ، فأوقعوا فيهم السيف من كل جانب، فلم يسلم من الباطنية أحد بل قتلوا عن آخرهم. وفيها (٤): في جمادى الآخر توفي الخطيب أبو زكريا يحيى (٥) بن علي التبريزي أحد أئمة اللغة، قرأ على أبي العلاء بن سليمان المعري وغيره، وسمع الحديث بمدينة صور من الفقيه سليم بن أيوب الرازي وغيره، وروى عنه أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي وغيره، وخلق عليه خلق كثير. قال ابن خلكان في وفيات الأعيان (٦): وقد روي أنه لم يكن بمرضي الطريقة. وشرح الحماسة وديوان المتنبي، وله في النحو مقدمة وهي عزيزة الوجود. وله في إعراب القرآن كتاب سماه (الملخص) في أربع مجلدات، وله غير ذلك من التواليف الحسنة المفيدة، سافر من تبريز إلى المعرة لقصد أبي العلاء

стр. 9022

ودخل مصر في عنفوان شبابه، وقرأ بها على طاهر بن بابشاذ، ثم عاد إلى بغداد واستوطنها إلى الممات، وولادته سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. توفي فجأة في التاريخ المذكور ببغداد. وفيها: توفي (١) أبو الفوارس حسن بن علي الخازن المشهور بجودة الخط وله شعر حسن. وفي سنة ثلاث وخمسمائة: في حادي عشر ذي الحجة، ملك (٢) الفرنج مدينة طرابلس لأنهم ساروا إليها من كل جهة وحصروها في البر والبحر، وضايقوها من أول رمضان، وكانت في يد نوّاب خليفة مصر، وجهز إليها خليفة مصر أسطولًا فرده الهواء، ولم يقدر على الوصور إليها ليقضي الله أمرًا كان مفعولا، وملكوها بالسيف، فقتلوا ونهبوا وسبوا، وكان بعض أهل طرابلس طلبوا الأمان وخرجوا منها قبل أن يملكها الفرنج. وفي سنة أربع وخمسمائة: ملك (٣) الفرنج مدينة صيدا في ربيع الآخر بالأمان. وفيها: سار (٤) صاحب أنطاكية (٥) الفرنجي إلى الأثارب وهي بالقرب من حلب فحصرها ودام القتال حتى ملكها بالسيف وقتل من أهلها ألفي رجل، وأسر الباقين. ثم سار إلى زردنا فملكها بالسيف. وصالح (٦) الملك رضوان صاحب حلب الفرنج على اثنين وثلاثين ألف دينار يحملها إليهم مع خيول وثياب، ووقع الخوف في قلوب أهل الشام من الفرنج. فبذلت لهم أصحاب البلاد أموالًا فصالحهم أهل مدينة صور على سبعة آلاف دينار، وصالحهم ابن منقذ صاحب شيزر على أربعة آلاف دينار، وصالحهم علي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار. وفيها (٧): توفي الكيا الهراسي (٨) الطبري، والكيا بالعجمي الكبير القدر،

стр. 9023

المقدم بين الناس، واسمه أبو الحسين علي بن محمد، ومولده سنة خمسين وأربعمائة، وكان من أهل طبرستان، وخرج إلى نيسابور، وتفقه على إمام الحرمين، وكان حسن الصورة جهوري الصوت، فصيح العبارة، خرج إلى العراق، وتولى تدريس النظامية. وفيها (١): قال ابن خلكان (٢) في ترجمة الآمر بأحكام الله منصور العلوي قصد بردويل الإفرنجي الديار المصرية، فانتهى إلى الفرما (٣) ودخلها وأحرقها، وأحرق جامعها ورحل عنها وهو مريض فهلك في الطريق قبل وصوله العريش، فشق أصحابه بطنه ورموا حشوته هناك، فهي ترجم إلى الآن، ورجعوا بجثته فدفنوها بقمامة. وسبحة بردويل التي في وسط الرمل على طريق الشام منسوبة إلى المذكور. والناس يقولون عن الحجارة الملقاة هناك: إنها قبر بردويل، وإنما هي هذه الحشوة وكان بردويل صاحب بيت المقدس ويافا وعكا وعدة بلاد من ساحل الشام، وهو الذي أخذ هذه البلاد من المسلمين. وفي سنة خمس وخمسمائة: جهز (٤) السلطان محمد عسكرًا فيه مودود صاحب الموصل إلى قتال الفرنج بالشام، فساروا ونزلوا على الرها فلم يملكوها، ثم ساروا إلى حلب فأغلق رضوان أبواب حلب، ولم يجتمع بهم، فساروا إلى المعرة، ثم افترقوا ولم يحصل بهم غرض. وفيها (٥): توفي الإمام أبو حامد محمد (٦) بن محمد بن محمد الغزالي الملقب حجة الإسلام زين الدين الطوسي، اشتغل بطوس، ثم قدم نيسابور، واشتغل على إمام الحرمين واجتمع بنظام الملك فأكرمه وفوّض إليه تدريس النظامية ببغداد، وفي سنة أربع وثمانين وأربعمائة ترك جميع ما كان عليه، وسلك طريق التزهد والانقطاع

стр. 9024

وحج وقصد دمشق، فأقام بها مدة، ثم انتقل إلى القدس، واجتهد في العبادة ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية مدة، ثم عاد إلى وطنه بطوس وصنّف الكتب المفيدة المشهورة، ومنها «البسيط» و «الوسيط» و «الوجيز» و «المنحول» و «المنتحل» في علم الكلام وغيره. وولادته سنة خمسين وأربعمائة ونسبته إلى طوس من خراسان. وطوس مدينتان تسمى أحدهما طابران والأخرى نوقان، والغزالي نسبة إلى الغزال، والعجم تقول في القصار قصاري وفي الغزال غزالي، وفي العطار عطاري. وفي سنة ست وخمسمائة: توفي (١) بسيل الأرمني صاحب (بلاد) (٢) الأرمن فقصدها صاحب أنطاكية الفرنجي ليملك بلاد الأرمن التي هي اليوم سيس، فهلك في الطريق وملكها سيرجال. وفيها: توفي (٣) قراجا صاحب حمص، وقام بعده ولد قيرخان. وفيها: توفي (٤) سكمان القطبي صاحب خلاط، وكان قد ملك خلاط سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة حسبما ذكرنا، ولما توفي سكمان ملك خلاط ولده ظهير الدين إبراهيم، وسلك سيرة أبيه، وبقي مالكًا لخلاط حتى توفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، فتولى مكانه أخوه أحمد وبقي في الولاية (٥) عشرة أشهر (وتوفي) (٦) فحكمت والدتهما زوجة سكمان، وهي إينانج خاتون ابنة أركمان، وبقيت مستبدة بملك خلاط ومعها ولد ولدها سكمان بن إبراهيم بن سكمان، وكان عمره ست سنين فقصدت جدته إينانج إعدامه لتنفرد بالمملكة، فلما رأى كبراء الدولة سوء نيتها لولد ولدها خنقوها في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، واستقر ابن ابنها شاه أرمن سكمان بن إبراهيم بن سكمان في الملك حتى توفي سنة تسع وسبعين وخمسمائة، حسبما نذكره إن شاء الله تعالى. وفي سنة سبع وخمسمائة: اجتمع (٧) المسلمون وفيهم مودود صاحب الموصل وتميرك صاحب سنجار والأمير أياز بن إيلغازي، وطغتكين صاحب دمشق، وكان مودود قد سار من الموصل إلى دمشق، فخرج طغتكين والتقاه بسلمية، وسار معه إلى دمشق، واجتمعت الفرنج وفيهم بغدوين صاحب القدس وجوسلين صاحب الحصن (٨)، واقتتلوا بالقرب من طبرية

стр. 9025

ثالث عشر المحرم، وهزم الله الفرنج وكثر القتل فيهم، ورجع المسلمون منصورين إلى دمشق، ودخلوها في ربيع الأول، ودخل مودود وطغتكين وأصحابهما الجامع وصلوا الجمعة، وخرج طغتكين ومودود يتمشيان في صحن الجامع، فوثب باطني على مودود وضربه بسكين، وضربه طغتكين على رأسه بعكاز قتله به، وابتدر الخدم فقتلوه وحملوا رأسه إلى مودود، وحملوا مودود إلى دار طغتكين، وكان صائمًا، فاجتهدوا به أن يفطر فلم يفعل، ومات من يومه رحمه الله تعالى، وكان خيرًا عادلًا، قيل: إن الباطنية الذين في الشام خافوه فقتلوه، وقيل: إن طغتكين خافه فوضع عليه من قتله، ودفن مودود بدمشق في تربة دقماق بن تتش؛ ثم نقل إلى بغداد فدفن في جوار أبي حنيفة، ثم نقل إلى أصفهان. وفيها: توفي (١) الملك رضوان بن تتش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكايل بن سلجوق صاحب حلب، وقام مقامه ابنه ألب أرسلان الأخرس، وكانت أمور رضوان غير محمودة، وقَتَلَ رضوان قبل موته أخويه أبا طالب وبهرام (٢)، وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينه، وكانت ولادته في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، في سنة قُتل أبوه تتش، ولما ملك الأخرس استولى على الأمور لولو الخادم والحكم والأمر إليه، ولم يكن ألب أرسلان أخرس حقيقة وإنما كان في لسانه تمتمة وحبسة، وكانت أمه أم باغي سيان صاحب أنطاكية وكان عمره حين ولي ست عشرة سنة، ولما ملك قتل الباطنية الذين بحلب وكانوا جماعة (٣) ولهم صورة، ونهبت أموالهم. وفيها (٤): توفي إسماعيل (٥) بن أحمد البيهقي، الإمام ابن الإمام، وتوفي ببيهق ومولده سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. وفيها (٦): توفي محمد (٧) بن أحمد الأبيوردي، الشاعر، وله شعر حسن فمنه: [من الطويل]

стр. 9026

تنكر لي دهري ولم يدر أنني … أعزُّ وأهوال الزمان تون وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه … وبتُّ أُريه الصبر كيف يكونُ وكانت وفاته بأصبهان، وهو من بني أمية. وفيها (١): توفي محمد (٢) بن أحمد بن أبي الحسن (٣) بن عمرو وكنيته أبو بكر الشاشي، الفقيه الشافعي، ومولده سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي ببغداد وعلي بن نصر بن الصباغ، وصنف للمستظهر بالله كتابه المعروف بالمستظهري. وفي سنة ثمان وخمسمائة: أرسل (٤) السلطان محمد أقسنقر البرسقي واليًا على الموصل لما بَلَغَهُ قتل مودود بن الطنطاش، وأمر السلطان الأمراء أصحاب الأطراف بالسير صحبة البرسقي لقتال الفرنج. وجرى بين إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين وبين البرسقي قتال انتصر فيه إيلغازي، وهرب البرسقي، ثم خاف إيلغازي من السلطان، فسار إلى طغتكين صاحب دمشق واتفق معه، وكاتبا الفرنج واعتضدا بهم، ثم عاد إيلغازي إلى بلاده، فلما قرب من حمص كان في جماعة قليلة فخرج إليه قير خان (٥) صاحب حمص فأسره وحبسه وبقي مدة ثم أطلقه. وفيها (٦): في شوال، توفي علاء الدولة أبو سعد مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، وكان ملكه في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وملك بعده ابنه أرسلان شاه، وأمسك إخوته فهرب منهم بهرام شاه، واستجار بالسلطان سنجر بن ملك شاه صاحب خراسان وأرسل سنجر إلى أرسلان شاه عساكره واقتتلوا واشتد قتالهم فانهزم أرسلان شاه، ودخل سنجر غزنة واستولى عليها وأخذ منها أموالًا عظيمة، وقرر في السلطنة بهرام شاه، وأمر أن يخطب في مملكته للسلطان محمد، ثم للملك سنجر ثم للسلطان بهرام شاه المذكور، ثم عاد سنجر إلى بلاده، وكان أرسلان

стр. 9027

شاه قد هرب إلى هندستان، ثم جمع جمعًا وعاد إلى غزنة، فاستنجد بهرام شاه بسنجر فأرسل إليه عسكرًا، فلما قاربوا غزنة هرب أرسلان شاه من غير قتال، وتبعوه حتى أمسكوه، وسلّموه إلى بهرام شاه فخنقه ودفنه بتربة أبيه بغزنة، وكان قتل أرسلان شاه في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وقدمنا ذكرهما ليتبع بعضها بعضًا، وكان عمر أرسلان لما قتل سبعًا وعشرين سنة. وفيها: في شوال قتل (١) تاج الدولة ألب أرسلان الأخرس بن الملك رضوان بن تتش صاحب حلب قتله غلمانه بقلعة حلب، وأقاموا أخاه السلطان شاه بن رضوان والمتولي على الأمر لؤلؤ الخادم. وفي سنة تسع وخمسمائة: أرسل (٢) السلطان محمد عسكرًا لقتال طغتكين صاحب دمشق وإيلغازي صاحب ماردين، فساروا إلى حماة وهي لطغتكين وحصروها وفتحوها عنوة ونهبوها ثلاثة أيام، ثم سلّموا حماة إلى الأمير قيرخان بن قراجا صاحب حمص، وأقام العسكر بحماة، وسار طغتكين وإيلغازي إلى فامية، واجتمعوا بملوك الفرنج، وهم صاحب أنطاكية، وصاحب طرابلس، وأقاموا ينتظرون تفرّق المسلمين، فلما أقام عسكر المسلمين إلى الشتاء تفرق الفرنج، وسار طغتكين إلى دمشق وإيلغازي إلى ماردين، ثم سار المسلمون من حماة إلى كفر طاب وهي للفرنج فاستولوا عليها وقتلوا مَنْ بها من الفرنج ونهبوهم، ثم سار المسلمون إلى المعرة وهي للفرنج، فقتلوا خلقًا من الفرنج، ثم ساروا إلى حلب فكبسهم صاحب أنطاكية فهربوا إلى بلادهم. وفيها: استولى (٣) الفرنج على رفنية، وكانت لطغتكين فسار واسترجعها إلى ملكه وقتل من بها من الفرنج. وفيها: توفي (٤) يحيى بن تميم المعز باديس صاحب إفريقية يوم عيد الأضحى فجأةً، وتولى بعده ابنه علي، وكان عمر يحيى اثنتين وخمسين سنة، وولايته ثمان سنين وخمسة أشهر، وخلف ثلاثين ولدًا. وفيها: قدم (٥) السلطان محمد إلى بغداد، فسار إليه طغتكين من دمشق، وسأله

стр. 9028

الرضا عنه، فرضي عنه وردّه إلى دمشق. وفيها: أخذ (١) السلطان الموصل (وما كان) (٢) معها من أقسنقر البرسقي، وأقطعها للأمير جيوش بيك وبقي البرسقي في الرحبة وهي إقطاعه. وفي سنة عشر وخمسمائة: مات (٣) جاولي سقاوه بفارس، وكان السلطان محمد قد ولاه إياها بعد أخذ الموصل منه على ما تقدم ذكره. وفيها: توفي (٤) بمرو الروز أبو محمد الحسين (٥) بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء البغوي، الفقيه المحدّث، كان بحرًا في العلوم، صنف كتاب (التهذيب) في الفقه، و (المصابيح) في الحديث و (الجمع بين الصحيحين) وغير ذلك. والفراء نسبة إلى عمل الفراء، والبغوي نسبة إلى بلدة بخراسان يقال لها بغ وبغشور أيضًا. سنة إحدى عشرة إلى سنة عشرين وخمسمائة وفي سنة إحدى عشرة: في رابع عشرين ذي الحجة توفي (٦) السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق وابتدأ مرضه من شعبان، ومولده ثامن عشر شعبان سنة أربع وسبعين وأربعمائة، فكان عمره سبعًا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وأول ما خطب له ببغداد في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقطعت خطبته عدة دفعات، ولقي من المشاق والأخطار شيئًا كثيرًا، وكان عادلًا حسن السيرة، أطلق المكوس والضرائب في جميع بلاده، وعهد بالملك إلى ولده محمود وعمره أربع عشرة سنة، ولما عهد إليه اعتنقه وقبله وبكى كل واحد منهما، وجلس محمود على تخت السلطنة بالتاج والسوارين يوم وفاة أبيه، وخطب له بالسلطنة يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذي الحجة. وفيها: قتل (٧) لؤلؤ صاحب حلب، وكان قد استولى على حلب وأعمالها وأقام بعد رضوان ابنه ألب أرسلان الأخرس، فلما قتل كما تقدم ذكره، أقام سلطان شاه،

стр. 9029

وليس له من الحكم شيء، وبقي لؤلؤ المذكور في البلاد هو المتحكم، فلما كان هذه السنة سار لؤلؤ إلى قلعة جعبر ليجتمع بسالم بن مالك العقيلي صاحب قلعة جعبر، فوثب جماعة من أتراك لؤلؤ وهو يريق الماء وصاحوا أرنب أرنب وقتلوه بالنشاب، ونهبوا خزائنه، وعادوا إلى حلب، فاتفق أهل حلب واستعادوا منهم المال، وأقام بأتابكية سلطان شاه شمس الخواص يارقطاش (١) وبقي شهرًا فعزلوه، وولّوا أبا المعالي بن الملحي الدمشقي، وصادروه، ثم خاف أهل حلب من الفرنج، فسلموا البلد إلى إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين فسار إيلغازي، وتسلّم حلب، وجعل فيها ولده حسام الدين تمرتاش وعاد إيلغازي إلى ماردين. وفيها: جاء (٢) سيل فغرّق مدينة سنجار، وغرق من الناس خلق كثير وهدم المنازل، ومن عجيب ما يحكى أن الماء حمل مهدًا فيه مولود، فتعلق المهد بشجرة زيتون، ثم نقص الماء والمهد معلق بالشجرة فسلم الطفل. وفيها: هجم (٣) الفرنج على ربض حماة وقتلوا من أهلها مائة رجل ورجعوا عنها. وفي سنة اثنتي عشرة: عزل (٤) السلطان محمود مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد، وجعلوا مكانه آق سنقر البرسقي، فسار بهروز إلى تكريت وكانت إقطاعه وكان المدبّر لدولة السلطان محمود الوزير الربيب أبو منصور. وفيها: سار (٥) الأمير دبيس بن صدقة باذن السلطان محمود إلى الحلة، وكان دبيس معتقلًا مع السلطان محمد من حين قتل أباه صدقة إلى الآن، فلما أطلق توجه إلى الحلة واجتمعت عليه العرب والأكراد. وفيها: في سادس عشر ربيع الآخر توفي (٦) المستظهر بالله أحمد بن المقتدي عبد الله بن ذخيرة الدين محمد بن القائم، وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة أشهر، وخلافته أربعًا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يومًا (٧). ومن الاتفاق العجيب أنه

стр. 9030

لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي بعده القائم، ولما توفي ملكشاه توفي بعده المقتدي، ولما توفي محمد توفي بعده المستظهر. خلافة المسترشد بالله فضل بن المستظهر وكنيته أبو منصور، وهو تاسع عشرين بني العباس (١). أخذ البيعة له على الناس القاضي أبو الحسن الدامغاني (٢). وفيها (٣): توفي أبو زكريا يحيى (٤) بن عبد الوهاب بن منده الأصفهاني المحدث المشهور، وله في الحديث تصانيف حسنة. وفيها: قُتل (٥) أرسلان شاه بن مسعود السبكتكيني، قتله أخوه بهرام شاه واستقر بهرام شاه في ملك غزنة حسبما قدمنا ذكره سنة ثمان وخمسمائة. وفي سنة ثلاث عشرة: سار (٦) السلطان سنجر إلى حرب ابن أخيه السلطان محمود بن محمد والتقيا بالري بالقرب من ساوه، فانهزم محمود ونزل سنجر في خيامه، ثم وقع الصلح بينهما على أن يخطب للسلطان سنجر ثم بعده محمود، واستولى سنجر على الري وأضافها إلى ما بيده، وقدم محمود إلى عمه سنجر بالري فأكرمه وأحسن إليه. وفيها: كانت (٧) وقعة بين إيلغازي بن أرتق وبين الفرنج بأرض حلب فهزم الفرنج وقتل منهم عدة كثيرة، وأسر منهم، وكان ممن قتل سرجال صاحب أنطاكية، ثم سار إيلغازي وفتح عُقيب الوقعة الأثارب وزردنا، وكانت الوقعة في منتصف ربيع الأول عند عفرين، ومما مدح إيلغازي به بسبب هذه الوقعة: [الطويل] قل ما تشاء فقولك المقبول … وعليك بعد الخالق التعويل واستبشر القرآن حين نصرته … وبكى لفقد رجاله الإنجيل

стр. 9031

وفيها: سار (١) جوسلين الفرنجي صاحب تل باشر إلى دمشق ليكبس العرب بني ربيعة (وأميرهم إذ ذاك) (٢) مر بن ربيعة، فتقدم عسكر جوسلين قدامه ووقع عسكره على العرب، فجرى بينهم قتال انتصر فيه مر بن ربيعة وقتل من الفرنج زهاء عشرة آلاف فارس (٣)، وأسر منهم أيضًا عدة. وفيها: أمر (٤) السلطان سنجر بإعادة بهروز إلى شحنكية بغداد، فعاد. وفيها: ظهر (٥) قبر إبراهيم الخليل وقبر ولديه إسحاق ويعقوب ﵈ بالقرب من بيت المقدس، ورآهم كثير من الناس، لم تُبل أجسادهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة. قال ابن الأثير في الكامل: هكذا ذكره حمزة بن أسد التميمي في تاريخه. وفي سنة أربع عشرة: كان (٦) مسعود بن السلطان محمد بن ملكشاه له الموصل وأذربيجان، فكتب دبيس بن صدقة إلى جيوش بك (٧) أتابك مسعود (يشير عليه بطلب السلطنة لمسعود، ووعده دبيس بأن يسير إليه وينجده. وكان غرض دبيس أن يقع بين محمود ومسعود) (٨) لينال هو علوّ المنزلة، كما نالها أبوه صدقة بسبب وقوع الخلف بين بركيارق وأخيه محمد، فأجاب مسعود إلى ذلك وخطب لنفسه بالسلطنة وجمع عسكره وسار إلى أخيه محمود، والتقوا عند عقبة استراباذ منتصف ربيع الأول من هذه السنة، واشتد القتال بينهما وانهزم مسعود وعسكره، واختفى في جبل وأرسل يطلب من أخيه محمود الأمان، فبذله له، وقدم مسعود إلى أخيه محمود، فأمر محمود بخروج العسكر إلى تلقيه، ولما التقيا اعتنقا وبكيا، وبالغ محمود في الإحسان إلى أخيه. ثم قدم جيوش بك أتابك مسعود على محمود، فأحسن إليه أيضًا، وأما دبيس بن صدقة فإنه لما بلغه انهزام مسعود أخَذَ في نهب البلاد، فكاتبه محمود فلم يلتفت، فسار إليه فلما قرب منه التجأ دبيس إلى إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، ثم اتفق الحال على أن يرسل دبيس أخاه منصورًا رهينة ويعود إلى الحلة. فأجيب إلى ذلك.

стр. 9032

وفيها: خرج (١) الكرج إلى بلاد الإسلام، وملكوا تفليس بالسيف وقتلوا ونهبوا من المسلمين شيئًا كثيرًا. وفيها: جمع (٢) إيلغازي التركمان، والتقى مع الفرنج عند ذات البقل من بلد سرمين، وجرى بينهم قتال شديد، فانهزم الفرنج، وقتل منهم إيلغازي خلقًا كثيرًا. * * *

стр. 9033

أمر ابن تومرت وعبد المؤمن (١) كان محمد بن عبد الله بن تومرت العلوي الحسيني (٢) من قبيلة من المصامدة (٣) من أهل جبل السوس ببلاد المغرب، فرحل ابن تومرت نحو بلاد المشرق في طلب العلم وأتقن علم الأصول (٤) والعربية والفقه والحديث، واجتمع بالغزالي والكيا الهراسي بالعراق، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالاسكندرية، وقيل: لم يجتمع بالغزالي، ثم حجّ وعاد إلى المغرب. وأخذ في الإنكار على الناس، وإلزامهم بإقامة الصلوات وغير ذلك من أحكام الشريعة وتغيير المنكرات، ولما وصل إلى قرية اسمها ملالة (٥) بالغرب من بجاية، اتصل به عبد المؤمن بن علي الكومي، وتفرّس ابن تومرت النجابة في عبد المؤمن، وسار معه، وتلقب ابن تومرت بالمهدي، واستمر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصل إلى مراكش، وشدّد في النهي عن المنكر، وكثر أتباعه، وحَسُنَتْ ظنون الناس فيه. ولما اشتهر أحضره أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بحضرة الفقهاء، فناظرهم وقطعهم، وأشار بعض وزراء أمير المسلمين عليه بقتل ابن تومرت، وقال: والله ما غرضه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل غرضه التغلب على البلاد، فلم يقبل أمير المسلمين على ذلك، فقال الوزير، وكان اسمه مالك بن وهيب (٦) من أهل قرطبة: فإذا لم تقتله فخلّده في السجن، فلم يقبل منه وأمر بإخراج المهدي من مراكش، فسار إلى أغمات، واجتمع عليه الناس، فعرفهم أنه هو المهدي الذي وعد به النبي ﷺ ، فكثر أتباعه، واشتدَّت شوكته، وقام إليه عبد المؤمن بن علي في عشرة أنفس وقالوا له: أنت المهدي وبايعوه على ذلك. وتبعهم

стр. 9034

غيرهم، فأرسل أمير المسلمين (١) إليه جيشًا، فهزمه المهدي، وقويت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائل يبايعونَهُ، وعظم أمره وتوجّه إلى جبل عند تيمنلل (٢) واستوطنه. ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قومًا خافهم، فقال: إن الله تعالى أعطاني نورًا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناس إلى رأس الجبل، وجعل يقول عن كل مَنْ يخافه هذا من أهل النار، فيلقى من رأس الشاهق فيسقط ميتًا، وكل من لا يخافه يقول: هذا من أهل الجنة، ويجعله عن يمينه حتى قتل خلقًا كثيرًا، واستقام أمره وأمن على نفسه، وعدة الذين قتلهم سبعون ألفًا، وسمى أصحابه الداخلين في طاعته الموحدين، ولم يزل أمره يعلو إلى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، فجهز جيشًا، يبلغون أربعين ألفًا فيهم الونشريسي (٣) وعبد المؤمن إلى مراكش، فحصروا أمير المسلمين بمراكش عشرين يومًا، ثم سار متولي سجلماسة للكشف عن مراكش، وطلع أمير المسلمين وقاتل الونشريسي، وبقي عبد (المؤمن) يقاتل قتالًا شديدًا، فقتل الونشريسي، وبقي عبد المؤمن مقدم الجيش (٤)، واشتد عليهم القتال إلى الليل، فانهزم عبد المؤمن بالعسكر إلى الجبل، ولما بلغ المهدي هزيمة عسكره وهو مريض، فاشتد مرضه، وسأل عن عبد المؤمن، فقيل إنه سالم، فأمر أصحابه باتباع عبد المؤمن، وعرفهم أنه هو الذي يفتح البلاد، وسماه أمير المؤمنين، ثم مات المهدي في مرضه المذكور، وعمره إحدى وخمسون سنة، ومدة ولايته عشر سنين، وعاد عبد المؤمن إلى (تينمل) (٥) وأقام بها يؤلف قلوب الناس إلى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ثم سار عبد المؤمن واستولى على الجبال، وجعل أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين يسير في الوطأة قبالة عبد المؤمن، وفي سنة تسع وثلاثين سار عسكر عبد المؤمن إلى مدينة وهران، وسار تاشفين إليهم، وقرب الجمعان بعضهم من بعض، فلما كان ليلة تسع وعشرين من رمضان، وهي ليلة يعظمها المغاربة سار تاشفين في جماعة يسيرة ة (٦) ليزور مكانًا على البحر فيه

стр. 9035

متعبدون صالحون. وبلغ عمر بن يحيى الهنتاني مقدم جيش عبد المؤمن، فسار وأحاط بتاشفين بن علي، فركب تاشفين فرسه ليهرب، فسقط من جرف عال وهلك وأخذ ميتًا. وجعلت جثته على خشبة، وقتل كل مَنْ كان معه، وتفرّق عسكر تاشفين. وسار عبد المؤمن إلى وهران وملكها بالسيف، وقتل فيها ما لا يُحصى، ثم سار إلى تلمسان، وهما مدينتان بينهما شوط فرس، أحدهما اسمها تاروت وبها أصحاب السلطان والأخرى أقادير، فملك عبد المؤمن تاروت أولًا، وقرر أمرها، وجعل على أقادير جيشًا يحصرها، ثم سار عبد المؤمن إلى فاس وملكها بالأمان في آخر سنة أربعين وخمسمائة (١)، ورتب أمرها، ثم سار إلى سلا وفتحها في سنة إحدى وأربعين، وفتح عسكره أقادير بعد حصار سنة، وقتلوا أهلها، ثم سار عبد المؤمن ونازل مراكش وقد مات صاحبها علي بن يوسف وملك بعده ابنه تاشفين بن علي، ثم ملك أخوه إسحاق بن علي وهو صبي فحاصرها عبد المؤمن أحد عشر شهرًا وفتحها بالسيف وأمسك الأمير إسحاق وجماعة من أمراء المرابطين، وجعل إسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه، ويدعو لعبد المؤمن فقال له (سير بن أحمد) وهو من أكبر أمراء المرابطين، وكان مكتوفًا: تبكي على أبيك وأمك، اصبر صبر الرجال، وبصق في وجه إسحاق، ثم قال عن عبد المؤمن: إن هذا الرجل لا يدين الله بدين، فنهض الموحدون، وقتلوا سير بالخشب، وقدم إسحاق على صغر سنه فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وهو آخر المرابطين ملوك الملثمين، و به ختمت دولتهم وانقرضت، وكانت مدة ملكهم سبعين سنة، وولي منهم أربعة، يوسف بن تاشفين وابنه علي وتاشفين بن علي وأخوه إسحاق. ولما فتح عبد المؤمن مراكش استوطنها وبنى قصر ملوك مراكش جامعًا وزخرفه، وهدم الجامع الذي بناه يوسف بن تاشفين. وفيها: أغني سنة أربع عشرة وخمسمائة: أغار (٢) جوسلين الفرنجي صاحب الرها على جموع العرب والتركمان، وكانوا نازلين بصفين فغنم منهم أموالًا ومواش كثيرة، ثم عاد إلى بزاعة وخربها. وفيها: في جمادى توفي (٣) أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوزان
следующие страницы →