← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

وفيها: سار (١) جوسلين الفرنجي صاحب تل باشر إلى دمشق ليكبس العرب بني ربيعة (وأميرهم إذ ذاك) (٢) مر بن ربيعة، فتقدم عسكر جوسلين قدامه ووقع عسكره على العرب، فجرى بينهم قتال انتصر فيه مر بن ربيعة وقتل من الفرنج زهاء عشرة آلاف فارس (٣)، وأسر منهم أيضًا عدة. وفيها: أمر (٤) السلطان سنجر بإعادة بهروز إلى شحنكية بغداد، فعاد. وفيها: ظهر (٥) قبر إبراهيم الخليل وقبر ولديه إسحاق ويعقوب ﵈ بالقرب من بيت المقدس، ورآهم كثير من الناس، لم تُبل أجسادهم، وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة. قال ابن الأثير في الكامل: هكذا ذكره حمزة بن أسد التميمي في تاريخه. وفي سنة أربع عشرة: كان (٦) مسعود بن السلطان محمد بن ملكشاه له الموصل وأذربيجان، فكتب دبيس بن صدقة إلى جيوش بك (٧) أتابك مسعود (يشير عليه بطلب السلطنة لمسعود، ووعده دبيس بأن يسير إليه وينجده. وكان غرض دبيس أن يقع بين محمود ومسعود) (٨) لينال هو علوّ المنزلة، كما نالها أبوه صدقة بسبب وقوع الخلف بين بركيارق وأخيه محمد، فأجاب مسعود إلى ذلك وخطب لنفسه بالسلطنة وجمع عسكره وسار إلى أخيه محمود، والتقوا عند عقبة استراباذ منتصف ربيع الأول من هذه السنة، واشتد القتال بينهما وانهزم مسعود وعسكره، واختفى في جبل وأرسل يطلب من أخيه محمود الأمان، فبذله له، وقدم مسعود إلى أخيه محمود، فأمر محمود بخروج العسكر إلى تلقيه، ولما التقيا اعتنقا وبكيا، وبالغ محمود في الإحسان إلى أخيه. ثم قدم جيوش بك أتابك مسعود على محمود، فأحسن إليه أيضًا، وأما دبيس بن صدقة فإنه لما بلغه انهزام مسعود أخَذَ في نهب البلاد، فكاتبه محمود فلم يلتفت، فسار إليه فلما قرب منه التجأ دبيس إلى إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، ثم اتفق الحال على أن يرسل دبيس أخاه منصورًا رهينة ويعود إلى الحلة. فأجيب إلى ذلك.

стр. 9032

وفيها: خرج (١) الكرج إلى بلاد الإسلام، وملكوا تفليس بالسيف وقتلوا ونهبوا من المسلمين شيئًا كثيرًا. وفيها: جمع (٢) إيلغازي التركمان، والتقى مع الفرنج عند ذات البقل من بلد سرمين، وجرى بينهم قتال شديد، فانهزم الفرنج، وقتل منهم إيلغازي خلقًا كثيرًا. * * *

стр. 9033

أمر ابن تومرت وعبد المؤمن (١) كان محمد بن عبد الله بن تومرت العلوي الحسيني (٢) من قبيلة من المصامدة (٣) من أهل جبل السوس ببلاد المغرب، فرحل ابن تومرت نحو بلاد المشرق في طلب العلم وأتقن علم الأصول (٤) والعربية والفقه والحديث، واجتمع بالغزالي والكيا الهراسي بالعراق، واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالاسكندرية، وقيل: لم يجتمع بالغزالي، ثم حجّ وعاد إلى المغرب. وأخذ في الإنكار على الناس، وإلزامهم بإقامة الصلوات وغير ذلك من أحكام الشريعة وتغيير المنكرات، ولما وصل إلى قرية اسمها ملالة (٥) بالغرب من بجاية، اتصل به عبد المؤمن بن علي الكومي، وتفرّس ابن تومرت النجابة في عبد المؤمن، وسار معه، وتلقب ابن تومرت بالمهدي، واستمر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووصل إلى مراكش، وشدّد في النهي عن المنكر، وكثر أتباعه، وحَسُنَتْ ظنون الناس فيه. ولما اشتهر أحضره أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بحضرة الفقهاء، فناظرهم وقطعهم، وأشار بعض وزراء أمير المسلمين عليه بقتل ابن تومرت، وقال: والله ما غرضه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل غرضه التغلب على البلاد، فلم يقبل أمير المسلمين على ذلك، فقال الوزير، وكان اسمه مالك بن وهيب (٦) من أهل قرطبة: فإذا لم تقتله فخلّده في السجن، فلم يقبل منه وأمر بإخراج المهدي من مراكش، فسار إلى أغمات، واجتمع عليه الناس، فعرفهم أنه هو المهدي الذي وعد به النبي ﷺ ، فكثر أتباعه، واشتدَّت شوكته، وقام إليه عبد المؤمن بن علي في عشرة أنفس وقالوا له: أنت المهدي وبايعوه على ذلك. وتبعهم

стр. 9034

غيرهم، فأرسل أمير المسلمين (١) إليه جيشًا، فهزمه المهدي، وقويت نفوس أصحابه، وأقبلت إليه القبائل يبايعونَهُ، وعظم أمره وتوجّه إلى جبل عند تيمنلل (٢) واستوطنه. ثم إن المهدي رأى من بعض جموعه قومًا خافهم، فقال: إن الله تعالى أعطاني نورًا أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وجمع الناس إلى رأس الجبل، وجعل يقول عن كل مَنْ يخافه هذا من أهل النار، فيلقى من رأس الشاهق فيسقط ميتًا، وكل من لا يخافه يقول: هذا من أهل الجنة، ويجعله عن يمينه حتى قتل خلقًا كثيرًا، واستقام أمره وأمن على نفسه، وعدة الذين قتلهم سبعون ألفًا، وسمى أصحابه الداخلين في طاعته الموحدين، ولم يزل أمره يعلو إلى سنة أربع وعشرين وخمسمائة، فجهز جيشًا، يبلغون أربعين ألفًا فيهم الونشريسي (٣) وعبد المؤمن إلى مراكش، فحصروا أمير المسلمين بمراكش عشرين يومًا، ثم سار متولي سجلماسة للكشف عن مراكش، وطلع أمير المسلمين وقاتل الونشريسي، وبقي عبد (المؤمن) يقاتل قتالًا شديدًا، فقتل الونشريسي، وبقي عبد المؤمن مقدم الجيش (٤)، واشتد عليهم القتال إلى الليل، فانهزم عبد المؤمن بالعسكر إلى الجبل، ولما بلغ المهدي هزيمة عسكره وهو مريض، فاشتد مرضه، وسأل عن عبد المؤمن، فقيل إنه سالم، فأمر أصحابه باتباع عبد المؤمن، وعرفهم أنه هو الذي يفتح البلاد، وسماه أمير المؤمنين، ثم مات المهدي في مرضه المذكور، وعمره إحدى وخمسون سنة، ومدة ولايته عشر سنين، وعاد عبد المؤمن إلى (تينمل) (٥) وأقام بها يؤلف قلوب الناس إلى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ثم سار عبد المؤمن واستولى على الجبال، وجعل أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين يسير في الوطأة قبالة عبد المؤمن، وفي سنة تسع وثلاثين سار عسكر عبد المؤمن إلى مدينة وهران، وسار تاشفين إليهم، وقرب الجمعان بعضهم من بعض، فلما كان ليلة تسع وعشرين من رمضان، وهي ليلة يعظمها المغاربة سار تاشفين في جماعة يسيرة ة (٦) ليزور مكانًا على البحر فيه

стр. 9035

متعبدون صالحون. وبلغ عمر بن يحيى الهنتاني مقدم جيش عبد المؤمن، فسار وأحاط بتاشفين بن علي، فركب تاشفين فرسه ليهرب، فسقط من جرف عال وهلك وأخذ ميتًا. وجعلت جثته على خشبة، وقتل كل مَنْ كان معه، وتفرّق عسكر تاشفين. وسار عبد المؤمن إلى وهران وملكها بالسيف، وقتل فيها ما لا يُحصى، ثم سار إلى تلمسان، وهما مدينتان بينهما شوط فرس، أحدهما اسمها تاروت وبها أصحاب السلطان والأخرى أقادير، فملك عبد المؤمن تاروت أولًا، وقرر أمرها، وجعل على أقادير جيشًا يحصرها، ثم سار عبد المؤمن إلى فاس وملكها بالأمان في آخر سنة أربعين وخمسمائة (١)، ورتب أمرها، ثم سار إلى سلا وفتحها في سنة إحدى وأربعين، وفتح عسكره أقادير بعد حصار سنة، وقتلوا أهلها، ثم سار عبد المؤمن ونازل مراكش وقد مات صاحبها علي بن يوسف وملك بعده ابنه تاشفين بن علي، ثم ملك أخوه إسحاق بن علي وهو صبي فحاصرها عبد المؤمن أحد عشر شهرًا وفتحها بالسيف وأمسك الأمير إسحاق وجماعة من أمراء المرابطين، وجعل إسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه، ويدعو لعبد المؤمن فقال له (سير بن أحمد) وهو من أكبر أمراء المرابطين، وكان مكتوفًا: تبكي على أبيك وأمك، اصبر صبر الرجال، وبصق في وجه إسحاق، ثم قال عن عبد المؤمن: إن هذا الرجل لا يدين الله بدين، فنهض الموحدون، وقتلوا سير بالخشب، وقدم إسحاق على صغر سنه فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وهو آخر المرابطين ملوك الملثمين، و به ختمت دولتهم وانقرضت، وكانت مدة ملكهم سبعين سنة، وولي منهم أربعة، يوسف بن تاشفين وابنه علي وتاشفين بن علي وأخوه إسحاق. ولما فتح عبد المؤمن مراكش استوطنها وبنى قصر ملوك مراكش جامعًا وزخرفه، وهدم الجامع الذي بناه يوسف بن تاشفين. وفيها: أغني سنة أربع عشرة وخمسمائة: أغار (٢) جوسلين الفرنجي صاحب الرها على جموع العرب والتركمان، وكانوا نازلين بصفين فغنم منهم أموالًا ومواش كثيرة، ثم عاد إلى بزاعة وخربها. وفيها: في جمادى توفي (٣) أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوزان

стр. 9036

القشيري، الإمام بن الإمام وجلس الناس في البلاد البعيدة لعزائه. وفي سنة خمس عشرة: توفي (١) الأمير علي بن يحيى بن تميم صاحب إفريقية في ربيع الآخر، وكانت إمارته خمس سنين وأربعة أشهر، وولي بعده ابنه الحسن، وعمره اثنتا عشرة سنة بعهد من أبيه، وقام بتدبير دولته صندل الخصي، وبقي صندل مدة ومات، فولى تدبير دولته القائد أبا عزيز موفق. وفيها: أقطع (٢) السلطان محمود الموصل وأعمالها والجزيرة وسنجار للأمير آق سنقر البرسقي. وفيها: قتل (٣) بمصر أمير الجيوش الأفضل بن بدر الجمالي، وكان قد ركب بمصر ومعه جمع كبير، فتأذى من الغبار، فسار قدامهم. ومعه نفران، فوثب عليه ثلاثة بسوق الصياقلة، وضربوه بالسكاكين، وأدركهم أصحابه فقتلوهم، وحمل الأفضل إلى داره فمات بها، وبقي الأمر بأحكام الله خليفة مصر ينقل الأموال من دار الأفضل ليلًا ونهارًا أربعين يومًا، ووجد له من الأموال ما لا يُحصى، وكان عمر الأفضل سبعًا وخمسين سنة، وولايته ثمانيًا وعشرين سنة. وقيل إن الخليفة الأمر هو الذي جهز عليه من قتله. ولما قتل الأفضل، ولى الأمر بأحكام الله بعده أبا عبد الله البطائحي. وفيها: عصى (٤) سليمان بن إيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب، وكان فيمن حَسَّن له ذلك إنسان من أهل حماة من بيت قرناص، وكان قد قدمه إيلغازي على أهل حلب فجازاه بذلك، ولما سمع إيلغازي بذلك سار مجدًّا من ماردين وهجم حلب وقطع يدي ابن قرناص ورجليه، وسَمَلَ عينيه وحصر ولده سليمان وأراد قتله فأدركته رقة الوالد فلم يقتله، وهرب سليمان إلى عند طغتكين بدمشق، واستناب إيلغازي بحلب سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وعاد إيلغازي إلى ماردين. وفيها: أقطع (٥) السلطان محمود ميافارقين (٦) لإيلغازي المذكور. وفيها: كان (٧) بين بلك بن بهرام بن أرتق وبين جوسلين حرب فانتصر بلك وقتل من الفرنج خلقًا، وأسر جوسلين، وأسر معه ابن خالته كليام وجماعة من فرسانه

стр. 9037

المشهورين، وبذل جوسلين في نفسه أموالًا عظيمة فلم يقبلها بلك وسجنهم في قلعة خرت برت. وفيها (١): تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام شرفه الله تعالى من زلزلة وانهدم بعضه. وفيها (٢): توفي أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان (٣) الحريري مصنف كتاب (المقامات) ولد في سنة ست وأربعين وأربعمائة. وكان إمامًا في النحو واللغة، وصنّف عدة مصنفات منها (المقامات) التي طبق الأرض شهرتها، وكان الذي أمره بتصنيفها أنوشروان (٤) بن خالد وزير السلطان محمود، فإن الحريري عمل مقامة واحدة على وزن مقامات البديع، وعرضها على أنوشروان، وكان الحريري خصيصًا به، فأمره بإنشاء المقامات وإتمامها، وكان الحريري قد أولع بنتف لحيته والعبث بها، وقدم بغداد، وسكن في الحريم ووقع بينه وبين ابن جكينا (٥) مهاجات، ثم نفى الحريري إلى المشان ثم هجاه ابن جكينا فقال (٦): [من المنسرح] شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتفُ عثنونَهُ مِنَ الهَوس أنطقه الله في المشانِ وقدْ … الْجَمَهُ في الحريم بالخرس (٧) والمشان موضع من أعمال بغداد، وكان إذا غضب على شخص نفي إليه، وكان الحريري بصري المولد والمنشأ. وينسب إلى ربيعة الفرس، وخلف ولدين أحدهما عبيد الله، وهو أحد رواة المقامات عن والده، والثاني كان سفيهًا. وفيها (٨): قتل مؤيد الدين الحسين (٩) بن علي بن محمد الطغرائي المنشئ،

стр. 9038

الديلمي من ولد أبي الأسود الدؤلي من أهل أصفهان، وكان عالمًا فاضلًا شاعرًا كاتبًا منشئًا، خدم السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان، وكان على ديوان الطغراء، ثم عَلَتْ منزلته حتى استوزره السلطان مسعود، وجرى بينه وبين أخيه محمود الحرب، وانهزم السلطان مسعود، فأخذ الطغرائي أسيرًا وقتل صبرًا، وله لامية العجم (١)، هكذا ذكر ابن الأثير (٢)، وقال عنه السلطان محمود، وقد ثبت عندي فساد عقيدته وأمر بقتله، وقد جاوز ستين سنة، وكان يميل إلى الكيمياء. وفيها (٣): توفي بمصر علي بن جعفر بن علي المعروف بابن القطاع النحوي العروضي، وكان إمامًا في النحو واللغة، وله عدة مصنفات ولد في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. وفي سنة ست عشرة: قتل (٤) السلطان محمود جيوش بك، وهو الذي خرج عليه مع أخيه مسعود، ولما أمن السلطان مسعود وجيوش بك وأقطعه أذربيجان سعت به الأمراء إلى محمود فقتله في رمضان على باب تبريز. وفيها: في رمضان توفي (٥) إيلغازي بن أرتق بميافارقين، وملك بعده ابنه تمرتاش قلعة ماردين، وملك ابنه سليمان ميافارقين، وكان بحلب ابن أخيه سليمان بن عبد الجبار بن أرتق (٦)، فبقي بها حاكمًا إلى أن أخذها منه ابن عمه بلك بن بهرام بن أرتق. وفيها: أقطع (٧) السلطان محمود مدينة واسط لآق سنقر البرسقي زيادة على ما بيده من الموصل وأعمالها، فاستعمل البرسقي على واسط عماد الدين زنكي بن آق سنقر.

стр. 9039

وفي سنة سبع عشرة: كانت (١) الحرب بين الخليفة المسترشد وبين دبيس ابن صدقة، فخرج الخليفة بنفسه واشتد القتال بينهما، فانهزم دبيس وعسكره وسار إلى غزية من العرب، فلم يطيعوه، فسار إلى البصرة ونهبها، ثم سار إلى دمشق، وصار مع الفرنج وأطمعهم في ملك حلب. وفيها: سلّم (٢) سليمان بن عبد الجبار حصن الأثارب إلى الفرنج ليهادنوه على حلب لعجزه عن مقاومتهم. وفيها: سار (٣) بلك بن بهرام بن أرتق إلى خراسان وملكها، ثم بلغه عجز ابن عمه عن حلب، فسار إلى حلب وملكها في جمادى الأولى. وفيها (٤): استولى الفرنج على خرت برت، وكان بها جوسلين وغيره من الفرنج محبوسين فخلصوا، وكانت خرت برت لبلك فسار إليها واسترجعها من الفرنج. وفيها (٥): توفي قاسم بن هاشم العلوي الحسني أمير مكة شرفها الله تعالى. وولي بعده ابنه أبو فليتة. وفيها (٦): سار طغتكين صاحب دمشق إلى حمص، وهجم عليها، وحصر صاحبها قيرخان بن قراجا بالقلعة، ثم رحل عنه إلى دمشق. وفيها (٧): سار الأمير محمود بن قراجا صاحب حماة إلى فامية، وهجم ربضها، فأصابه سهم من القلعة في يده، فعاد إلى حماة، وعملت عليه يده فمات واستراح أهل حماة من ظلمه، فلما سمع طغتكين الخبر أرسل إلى حماة عسكرًا وملكها، وصارت حماة من جملة بلاده. وفيها (٨): توفي أحمد (٩) بن محمد بن علي المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي وله أشعار فائقة منها في قصيدة: [من المتقارب] سلُوا سَيفَ أَلْحَاظِهِ المُمتَشَقْ … أعِنْدَ القُلُوبِ دَمٌ لِلْحَذَقْ مِنَ التُّركِ مَا سَهمُهُ إِذْ رَمَى … بِأَقْتَلَ مِنْ طَرْفِهِ إِذْ رَمَقٌ وَلِلْحُبِّ مَا عَزَّ مِنِّي وَهَانَ … وَلِلْحُسْنِ مَا جَلَّ مِنْهُ وَدَقْ

стр. 9040

وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة بدمشق رحمه الله تعالى. وفي سنة ثماني عشرة: قُتل (١) بلك بن بهرام بن أرتق صاحب حلب، وسببه أنه قبض على الأمير حسان البعلبكي صاحب منبج، وسار إلى منبج وملكها وحصر قلعتها فبينا إذ هو يقاتل إذ أتاه سهم فقتله، فاضطرب عسكره، وتفرّقوا، وخلص حسان صاحب منبج وعاد إلى ملكها، وكان في جملة عسكر بلك ابن عمه تمرتاش ابن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين، فحمل بلك مقتولًا إلى حلب، واستقر تمرتاش في ملك حلب في عشرين ربيع الأول من هذه السنة، ورتب أمرها وعاد إلى ماردين. وفيها: ملك (٢) الفرنج مدينة صور بعد حصار طويل، وكانت للخلفاء العلويين أصحاب مصر، وكان ملكها بالأمان، وخرج المسلمون منها في العشرين من جمادى الأولى بما قدروا عليه من حمل أموالهم. وفيها: اجتمعت (٣) الفرنج وانضم إليهم دبيس بن صدقة، وحاصروا حلب وأخذوا في بناء بيوت لهم بظاهر حلب، فعظم الأمر على أهلها. ولم ينجدهم صاحب تمرتاش لإيثاره الرفاهية والدعة، فكاتب (٤) أهل حلب آق سنقر البرسقي صاحب الموصل في تسليمها إليه، فسار إليهم، فلما قرب من حلب، رحلت الفرنج عنها، وسلم أهل حلب المدينة والقلعة إليه واستقرت حلب في ملكه. وفيها (٥): مات الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية، وقد تقدم ذكره في ظهوره سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. وفي سنة تسع عشرة: سار (٦) البرسقي إلى كفر طاب وأخذها من الفرنج، ثم سار إلى عزاز، وكانت لجوسلين، واجتمعت الفرنج لقتاله فانهزم البرسقي وقتل من المسلمين خلق كثير. وفيها: مات (٧) سالم بن بدران بن المقلّد صاحب قلعة جعبر. وملكها بعده ابنه مالك. وفي سنة عشرين في ثامن (ذي) القعدة قَتَلَ (٨) الباطنية قسيم الدولة آق سنقر البرسقي. صاحب

стр. 9041

الموصل يوم الجمعة في الجامع وهو في الصلاة، فوثب عليه منهم بضعة عشر نفسًا. وكان البرسقي مملوكًا (تركيًا) (١) شجاعًا دينًا، حسن السيرة، وكان ابنه عز الدين مسعود في حلب، فلما بلغه قتل أبيه سار إلى الموصل واستقر في ملكها. وفيها: قدم (٢) الفرنج وقصدوا دمشق ونزلوا في مرج الصفر عند قرية شقحب، وأرسل طغتكين، وجمع التراكمين وغيرهم، وخرج إلى الفرنج، والتقى معهم في آخر ذي الحجة، وكان مع طغتكين رجالة كثيرة من التركمان، واشتد القتال فانهزم طغتكين والخيالة من أصحابه، وقصدهم الفرنج، ولم يقدر رجالة التركمان على الهرب فقصدوا مخيم الفرنج وقتلوا كل من وجدوه، ونهبوا أموال الفرنج وأثقالهم، وسلموا بذلك، ولما عاد الفرنج من وراء المنهزمين وجدوا أموالهم وخيمهم قد نُهبت، فانهزموا أيضًا. وفيها: حصر (٣) الفرنج رفنية وملكوها. وفيها (٤): توفي أبو الفتوح أحمد الغزالي الواعظ أخو أبي حامد الغزالي. وكانت له كرامات، وقد ذمّه أبو الفرج بن الجوزي بأشياء كثيرة، منها روايته في الوعظ الأحاديث التي ليست بصحيحة، وكان من الفقهاء غير أنه مال إلى الوعظ. فغلب عليه. واختصر كتاب أخيه إحياء علوم الدين في مجلد وسماه لباب الإحياء. سنة إحدى وعشرين إلى ثلاثين وخمسمائة في سنة إحدى وعشرين: ولى (٥) السلطان محمود عماد الدين زنكي بن آق سنقر واسط مضافًا إلى ما كان بيده. وفيها (٦): سار السلطان محمود عن بغداد. وفيها: سار (٧) مسعود بن آق سنقر إلى الرحبة وملكها، ومرض وهو يحاصرها، ومات مسعود يوم تسليم الرحبة إليه، وقام بالأمر بعد مسعود مملوك أبيه جاولي البرسقي، وأقام أخا مسعود صغيرًا في الملك، وأرسل إلى السلطان مسعود يسأله في توليته، فلم يجب إلى ذلك، وولّى على الموصل عماد الدين بن آق سنقر، فسار من

стр. 9042

بغداد ورتب الموصل، وأقطع جاولي مملوك البرسقي الرحبة، ثم سار عماد الدين زنكي فاستولى على نصيبين وسنجار وحران وجزيرة ابن عمر. وفيها: ولّى (١) السلطان محمود شحنكية العراق لمجاهد الدين بهروز بعد مسير عماد الدين عنها إلى الموصل. وفيها: توفي (٢) محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الفرضي الهمداني صاحب التاريخ. وفيها: توفي (٣) ظهير الدين إبراهيم بن سلمان صاحب خلاط، وملك بعده أخوه أحمد فبقي عشرة أشهر، وتوفي وحكمت والدة إبراهيم وأحمد المذكورين وهي إينانج خاتون بنت أركمان، وأقامت معها في المملكة ولد ولدها سكمان بن إبراهيم بن سكمان وعمره حينئذ ست سنين، واستبدت إينانج بالحكم. وفي سنة اثنتين وعشرين: كانت (٤) حلب للبرسقي، وبها ولده مسعود فلما قتل البرسقي وسار ولده إلى الموصل استخلف على حلب أميرًا اسمه قوماز، كذا رأيته (مكتوبًا) وصوابه قيماز، ثم استخلف مسعود على حلب قتلغ بعد قيماز، فاستولى على حلب بعد موت مسعود على الرحبة، كما ذكرنا، وأساء قتلغ السيرة، وكان مقيمًا بحلب سليمان بن عبد الجبار بن أرتق الذي كان صاحبها أولًا، فاجتمع أهل حلب عليه لسوء سيرة قتلغ، وملكوه حلب فعصى قتلغ في القلعة، وسمع الفرنج باختلاف أمر حلب، فسار إليهم جوسلين فصانعوه، فرحل عنهم، وكان قد استقر عماد الدين زنكي في ملك الموصل، فأرسل عسكرًا مع قائد اسمه قراقوش إلى حلب، ومعه توقيع السلطان محمود بالشام فأجاب أهل حلب إليه، وتقدم قراقوش قائد عماد الدين إلى سليمان وقتلغ بالمسير إلى عماد الدين فسارا إليه إلى الموصل، فلما وصلا أصلح بينهما، ولم يرد أحدًا منهما إلى حلب، وسار عماد الدين إلى حلب وملك في طريقه منبج وبزاعة، وطلع أهل حلب إلى خدمته، واستبشروا بقدومه، فدخل عماد الدين البلد ورتب أموره، ثم إنه قبض على كتلغ وكحله، فمات، وكان ملك عماد الدين زنكي حلب وقلعتها في محرم هذه السنة.

стр. 9043

وفيها: سار (١) السلطان سنجر من خراسان إلى الري ومعه دبيس بن صدقة، وكان قد سار إلى سنجر واستجار به، فلما وصل سنجر إلى الري أرسل يستدعي ابن أخيه السلطان محمود فحضر إليه بالري فأكرمه وأجلسه معه على السرير، وأمره بالإحسان إلى دبيس وإعادته إلى بلاده، فامتثل السلطان محمود ذلك، وعاد سنجر إلى خراسان. وفيها: في صفر توفي (٢) طغتكين صاحب دمشق، وهو من مماليك تتش بن ألب أرسلان، وكان طغتكين عاقلًا خيرًا، وكان لقبه ظهير الدين، وملك دمشق بعده تاج الدين توري بعهد من والده، وكان توري أكبر أولاده. وفي سنة ثلاث وعشرين: عاود (٣) دبيس العصيان على الخليفة والسلطان وتردَّدت الرسل بينهم فلم يحصل صلح، فسار السلطان محمود من أصفهان إلى بغداد وجهز جيشًا كثيفًا إلى دبيس، فهرب دبيس إلى البرية، بعد أن نهب البصرة وأموال الخليفة والسلطان. وكان (٤) قد سار رجل من الإسماعيلية اسمه بهرام بعد قتل خاله إبراهيم الأسد آباذي ببغداد إلى الشام، ودخل دمشق، ودعا الناس إلى مذهبه وأعانه وزير توري صاحب دمشق، وهو طاهر بن سعد المردغاني، وسار إلى بهرام قلعة بانياس، فعظم أمر بهرام بالشام، وملك عدة حصون بالجبال، وجرى بينه وبين أهل وادي التيم (٥) مقاتلة، فقتل بهرام، وقام مقامه بقلعة بانياس رجل يسمى إسماعيل، وأقام الوزير المردغاني عوض بهرام بدمشق رجلًا منهم يسمى أبا الوفا، وعظم أمر أبي الوفا، حتى صار الحكم له بدمشق فكاتب الفرنج على أن يسلم إليهم دمشق ويسلّموا إليه عوضها مدينة صور، واتفقوا على ذلك، وأن يكون قدوم الفرنج إلى دمشق يوم الجمعة ليجعل أبو الوفاء أصحابه على أبواب جامع دمشق، وعلم تاج الملوك توري صاحب دمشق بذلك فاستدعى وزيره المردغاني، وقتله، وأمر بقتل الإسماعيلية الذين بدمشق، فثار بهم أهل دمشق وقتلوا منهم ستة آلاف نفر، ووصل الفرنج إلى الميعاد وحصروا دمشق فلم يظفروا بشيء، وكان البرد والشتاء شديدًا، فرحلوا عن دمشق شبه

стр. 9044

المنهزمين، وخرج توري بعسكره في إثرهم، فقتل منهم عدة كثيرة، وأما إسماعيل الباطني الذي بقلعة بانياس فإنه سلم قلعة بانياس إلى الفرنج وصار معهم. وفيها: ملك (١) عماد الدين زنكي حماة، وسببه أنه كان بحماة سونج ابن بوري نائبًا عن أبيه، وكان قد سار عماد الدين من الموصل إلى الشام وعبر الفرات وأرسل إلى بوري يستنجده على الفرنج فأرسل بوري والد سونج بعسكره حماة، فغدر به زنكي وقبض عليه، وارتكب أمرًا شنيعًا من الغدر، ونهب خيامه والعسكر الذين كانوا بصحبته، واعتقل سونج وجماعة من مقدمي عسكره بحلب. ولما قبضه سار من وقته إلى حماة وملكها لخلوها من الجند ثم رحل إلى حمص وحاصرها مدة، وكان قد غدر أيضًا بصاحبها قيرخان بن قراجا وقبض عليه وأحضره صحبته ممسوكًا إلى حمص، وأمره أن يأمر ابنه وعسكره بتسليم حمص، فأمرهم قير خان فلم يلتفتوا إليه، فلما أيس زنكي منها رحل عائدًا إلى الموصل، واستصحب سونج وأمراء دمشق معه واستمر بهم معتقلين، وكتب بوري إليه، وبذل له مالًا في ابنه سونج فلم يتفق حال. وفيها (٢): ملك الفرنج حصن القدموس. وفيها (٣): توفي أبو الفتح أسعد (٤) بن أبي نصر الفقيه الشافعي مدرس النظامية وله طريقة مشهورة في الخلاف، وكان له قبول عظيم عند الخليفة والناس. وفيها (٥): توفي الشريف حمزة بن هبة الله بن محمد العلوي الحسيني النيسابوري سمع الحديث للكثير، ورواه، ومولده سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وجمع مع شرف النسب شرف النفس، وكان زيدي المذهب. وفي سنة أربع وعشرين (٦): جمع عماد الدين زنكي عساكره، وسار من الموصل إلى الشام، وقصد حصن الأثارب لضرره الشديد على المسلمين، فإن أهله الفرنج كان يقاسمون أهل حلب على جميع أعمال حلب الغربية، حتى على رحى بظاهر باب الجنان بينها وبين سور حلب عرض الطريق. وأظن أن اسمها الغربية، وكان أهل حلب معهم في

стр. 9045

ضيق شديد، فسار عماد الدين إليهم، واقتتلوا واشتد القتال، ونصر الله المسلمين، وانهزم الفرنج، وأسر غالب فرسانهم، وقتل منهم خلق كثير، ولما فرغ المسلمون من ظفرهم عادوا (إلى) الأثارب، وأخذوه عنوة، وقتلوا وأسروا كل من فيه، وخرب عماد الدين في ذلك الوقت حصن الأثارب المذكور، وجعله دكًا، وبقي خرابًا إلى الآن. وفيها: في ذي القعدة قتل (١) الأمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلي أحمد بن المستنصر معد العلوي صاحب مصر، وكان قد خرج إلى متنزه له، فلما عاد وثب عليه الباطنية وقتلوه. (وكانت ولايته تسعًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يومًا وعمره أربعًا وثلاثين سنة، وهو العاشر من ولد المهدي عبيد الله وعاشر الخلفاء) (٢) الفاطميين، ولما قتل لم يكن له ولد، فولى بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن أبي القاسم ابن المستنصر، ولم يبايع أولًا بالخلافة، بل كان على صورة لانتظار حمل إن ظهر للأمر، ولما تولى الحافظ استوزر أبا أحمد علي بن الأفضل بن بدر الجمالي. فاستبد بالأمر - وتغلب على الحافظ، وحجر عليه، ونقل ما كان من الأموال بقصر الخلافة إلى داره، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن قتل سنة ست وعشرين على ما سنذكره. إن شاء الله تعالى. وفيها: كان (٣) الرصد بالدار السلطانية شرقي بغداد، تولاه البديع الاسطرلابي ولم يتم. وفيها (٤): ملك السلطان مسعود قلعة الموت. وفيها (٥): توفي إبراهيم بن عثمان (٦) بن محمد الغزي عند قلعة بلخ، ودفن فيها، وهو من أهل غزة، ومولده سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وهو من الشعراء المجيدين، فمن قصائده المشهورة، قصيدته التي مدح بها الترك وأولها: [من البسيط] أَمِطْ عن الدُّرِّ والزَّهَرِ اليواقِيتا … واجْعَلْ لِحِجِّ تلاقينا مواقيتا منها:

стр. 9046

في فتية من جيوش الترك ما تركت … للرعدِ كَرّاتُهم (١) صوتًا ولا صيتا قومًا إذا قوبلوا كانوا ملائكةً … وإِنْ هُمُ قُوتلوا كانوا عفاريتا ثم ترك الغزي قول الشعر وغسل كثيرًا، وقال: [من الكامل] قالوا هجرت الشعر قلتُ ضرورةً … باب البواعث والدواعي مُغلَقُ خَلَتِ البلاد فلا كريم يُرتجى … منه النوال ولا مليح يُعشق ومن العجائب أنه لا يُشترى … ويُخان فيه مع الكساد ويُسرق وفي سنة خمس وعشرين: أسر (٢) دبيس بن صدقة، وسببه مسيره من العراق إلى صرخد؛ لأن صاحبها كان خصيًا، وكانت له سرية، فتوفي الخصي في هذه السنة واستولت سريته على قلعة صرخد وما فيها، وعلمت أنه لا يتم لها ذلك إن لم تتصل برجل يحميها، فأرسلت إلى دبيس بن صدقة تستدعيه لتتزوج به وتسلّم إليه صرخد وما فيها من مال وغيره، فسار دبيس من العراق إليها، فضل به الأدلاء بنواحي دمشق، فنزل بناس من كلب كانوا بالغوطة، فحملوه إلى تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق في شعبان هذه السنة، فحبسه بوري، وسمع عماد الدين زنكي بأسر دُبيس، فأرسل إلى بوري يطلبه ويبذل له إطلاق ولده سونج ومن معه من الأمراء الذين غدر بهم زنكي وقبضهم، فأجاب بوري على ذلك، وأفرج (عماد الدين) (٣) عن المذكور، وتسلّم دبيس، فأيقن دبيس بالهلاك؛ لأنه كان كثير الوقيعة في عماد الدين زنكي، ففعل معه زنكي بخلاف ما ظن، وأحسن إليه وحمل إليه الأموال والسلاح والدواب وقدمه على نفسه، ولم يزل دبيس مع عماد الدين زنكي حتى انحدر معه إلى العراق على ما سنذكره. وسمع المسترشد الخليفة بأمر دُبيس، فأرسل يطلبه مع سديد الدولة الأنباري وأبي بكر بن بشر الجزري، فأمسكهما زنكي وحبس ابن الأنباري وأوقع في ابن بشر مكروة قوي (٤)، ثم شفع المسترشد في ابن الأنباري فأطلقه. وفيها (٥): في شوال توفي السلطان محمود بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود ابن ميكائيل بن سلجوق بهمدان، فأقعد وزيره أبو القاسم النساباذي ابنه داود بن محمود

стр. 9047

في السلطنة، وصار أتابكه آق سنقر الأحمديلي، وكان عمر السلطان محمود لما توفي سبعًا وعشرين سنة، وولايته السلطنة اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يومًا، وكان حليمًا عاقلًا، يسمع المكروه ولا يعاقب عليه مع قدرته. وفيها (١): وثبت الباطنية بتاج الملوك توري بن طغتكين صاحب دمشق فجرحوه جرحين برئ أحدهما وبقي الآخر. إلا أنه كان يركب إلى الناس ويجلس إليهم على ضعف فيه. وفيها (٢): توفي حماد بن مسلم الرحبي الدباس الزاهد المشهور، صاحب الكرامات وله تلاميذ كثيرة، وكان أبو الفرج بن الجوزي ذمه. وفي سنة ست وعشرين: قتل (٣) أبو علي بن الأفضل بن بدر الجمالي، وزير الحافظ لدين الله الفاطمي، وكان أبو علي قد حجر على الحافظ، وقطع خطبته وخطب لنفسه خاصة، وقطع من الأذان حي على خير العمل، فنفرت منه قلوب شيعة العلويين وقاربه جماعة المماليك وهو يلعب بالكرة، فقتلوه، ونهبت داره، وخرج الحافظ من الاعتقال، ونقل ما كان في دار أبي علي من الأموال إلى القصر، فبويع الحافظ يوم قتل أبو علي بالخلافة، فاستوزر الحافظ أبا الفتح يانس الحافظي، وبقي يانس مدة قليلة ومات فاستوزر الحافظ ابنه الحسن بن الحافظ وخطب له بولاية العهد، ثم قتل حسن المذكور سنة تسع وعشرين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها: تحرك (٤) السلطان مسعود بن محمد في طلب السلطنة وأخذها من ابن أخيه داود بن محمود، وكذلك تحرك سلجوق بن محمد صاحب فارس أخو مسعود وأتابكه قراجا الساقي في طلب السلطنة، وقدم سلجوق إلى بغداد واتفق الخليفة المسترشد معه، واستنجد مسعود بعماد الدين زنكي فسار إلى بغداد لقتال الخليفة وسلجوق، فقاتله قراجا أتابك سلجوق، فهرب زنكي إلى تكريت، وعبر منها وكان الدردار بها إذ ذاك نجم الدين أيوب (٥)، فأقام له المعابر، فعبر عماد الدين إلى بلاده، وكان هذا الفعل من نجم الدين أيوب سبيلًا لاتصاله بعماد الدين زنكي حتى ملك بنو أيوب البلاد.

стр. 9048

ثم اتفق الحال بين مسعود وأخيه سلجوق والخليفة على أن تكون السلطنة لمسعود ويكون سلجوق ولي عهده، وعادوا إلى بغداد ونزل مسعود بدار السلطان وسلجوق بدار الشحنكية، وكان اجتماعهم في جمادى الأولى هذه السنة. ثم إِنَّ السلطان سنجر سار من خراسان ومعه ابن أخيه طغريل بن محمد لأخذ السلطنة من مسعود، وجرى المصاف بينه وبين مسعود، فانهزم مسعود، ثم إن السلطان سنجر بذل الأمان لمسعود حتى حضر عنده، وكان قد بلغ حويج (١)، فلما رآه سنجر أكرمه وقبله وعاتبه وأعاده إلى كنجة، وأجلس الملك طغريل في السلطنة وخطب له في جميع البلاد، ثم عاد سنجر إلى خراسان، فنزل نيسابور في رمضان هذه السنة. وفيها (٢): سار عماد الدين زنكي ومعه دبيس بن صدقة، وعدى الخليفة إلى الجانب الغربي ونزل العباسية، ونزل عماد الدين المنارية من دجيل، فالتقيا بحصن (٣) البرامكة في سابع عشرين رجب، فحمل عماد الدين على ميمنة الخليفة وهزمها، وحمل الخليفة بنفسه فهزم دبيس، ثم هزم عماد الدين وقتل من أصحابه خلق كثير. وفيها (٤): توفي تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق، بسبب الجراح التي كانت به من الباطنية على ما تقدم ذكره، فتوفي حادي عشرين رجب، وإمارته أربع سنين وخمسة أشهر (٥)، وأوصى بالملك بعده لولده شمس الملوك إسماعيل وأوصى ببعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة محمد، وكان بوري شجاعًا سد مسد أبيه، ولما استقر ابنه إسماعيل في ملك دمشق وأعمالها. واستقر أخوه محمد في بعلبك استولى محمد على حصن الراس وحصن اللبوة، وكاتب شمس الملوك أخاه شمس الدولة في إعادتهما، فلم يقبل محمد ذلك فسار إسماعيل وفتح حصن اللبوة وحصن الراس، وقرر أمرهما، وسار إلى أخيه شمس الدولة محمد وحصره ببعلبك، وملك المدينة، وحصر القلعة، فسأله محمد في الصفح، فأجابه وأعاد عليه بعلبك وأعمالها، واستقرت أمورهما، وعاد شمس الملوك إلى دمشق مؤيدًا. وفي سنة سبع وعشرين: سار (٦) شمس الملوك بن بوري إلى الفرنج وملك حصن بانياس بالأمان، وأخذ

стр. 9049

المدينة بالسيف، وقتل كل من وجد فيها من الفرنج وأسره. وفيها: جمع (١) السلطان مسعود العساكر، وانضم إليه ابن أخيه داود بن محمود وسار إلى أخيه السلطان طغريل وجرى بينهما قتال شديد انهزم فيه طغريل، واستولى مسعود على السلطنة، وتبع أخاه طغريل يطرده من موضع إلى موضع حتى وصل إلى الري، واقتتلا ثانيًا، فانهزم طغريل أيضًا، وقتل جماعة من أمرائه. وفيها: سار (٢) الخليفة المسترشد، وحصر الموصل ثلاثة أشهر، وكان عماد الدين زنكي قد خرج من الموصل إلى سنجار. وحصَّنَ الموصل بالرجال والذخائر ثم رحل الخليفة عن الموصل إلى بغداد، ووصل يوم عرفة، ولم يظفر من الموصل بطائل. وفيها: سار (٣) شمس الملوك إسماعيل من دمشق في العشر الأخير من رمضان إلى حماة وهي لعماد الدين زنكي من حين غدر بسونج بن بوري وأخذها منه حسبما تقدم ذكره سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، فحصرها شمس الملوك وقاتل مَنْ بها يوم عيد الفطر. وعاد ولم يملكها، فلما كان الغد بكر إليهم وزحف من جميع جوانب البلد، فملكه عنوة، وطلب من به الأمان، فآمنهم وحصر القلعة. ولم تكن إذ ذاك حصينةً؛ لأنها حُصّنَتْ فيما بعد، لأن تقي الدين عمر (٤) ابن أخي السلطان صلاح الدين قطع جبلها، وعملها على ما هي عليه الآن في سنين كثيرة، فلما حصرها شمس الملوك عَجَزَ نائبها عن حفظها، فاستولى شمس الملوك عليها وعلى ما بها من مال وذخائر وسلاح. وذلك في شوال، ولما فرغ شمس الملوك من حماة سار إلى شيزر وبها صاحبها المنقذي، فنهب البلد وحصر القلعة، فصانعه صاحبها، بمال، فعاد عنها، وسار إلى دمشق، ووصل إليها في ذي القعدة من هذه السنة. وفيها: اجتمعت (٥) التراكمين (٦)، وحصروا طرابلس، فخرج مَنْ بها من الفرنج،

стр. 9050

واقتتلوا، فانهزم الفرنج، وسار القومص صاحب طرابلس ومن صحبه فانحصروا في حصن بعرين، وحصرهم التركمان بها، ثم هرب القومس من الحصن في عشرين فارسًا وخلا بحصن بعرين من يحفظه، ثم جمع الفرنج ليقاتلوا التراكمين، فقصدوهم التراكمين، فانحاز الفرنج إلى رفنة، وعاد التركمان عنهم. وفيها: اشترى (١) الإسماعيلية حصن القدموس من صاحبه ابن شمرون. وفيها: في ربيع الآخر، وثب (٢) على شمس الملوك إسماعيل بن بوري بعض مماليك جده طغتكين، وضربه بسيف، فلم يعمل فيه، وتكاثر عليه مماليك شمس الدولة. فقبضوه وقرروه، فقال: ما أردتُ إلا إراحة المسلمين من شمس الملوك وظلمه، وأقر على جماعة شاركوه في ذلك من شدّة الضرب، فقتلهم شمس الملوك من غير تحقيق، وقتل أيضًا مع ذلك الشخص أخاه سونج الذي أسره عماد الدين زنكي من حماة، فقتلهم شمس الملوك، فعظم ذلك على الناس، ونفروا من شمس الملوك إسماعيل المذكور. وفيها: توفي (٣) علي بن يعلى بن عوض (٤) الهروي، وكان واعظًا وله بخراسان قبول عظيم، وأكثر من سماع الحديث. وفيها: توفي (٥) أبو فليتة أمير مكة، وولي إمارة مكة بعده أبو القاسم. وفي سنة ثمان وعشرين: في المحرم سار (٦) شمس الملوك صاحب دمشق إلى حصن الشقيف، وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم، قد تغلّب عليه وامتنع به، فأخذه شمس الملوك منه، وعظم ذلك على الفرنج وقصدوا بلد حوران، وسار إليهم شمس الملوك، وناوشهم على حوران، ثم أغار على بلادهم بجهة طبرية، ففت ذلك في أعضاد الفرنج، ورحلوا عائدين إلى بلادهم. ووقعت بينهم وبين شمس الملوك الهدنة. وفيها: استول (٧) عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية، منها

стр. 9051

قلعة العقر، وقلعة سوس وغيرهما، ثم استولى على قلاع الهكارية وكواس. وفيها: أوقع (١) ابن الدانشمند صاحب ملطية بفرنج الشام، فقتل كثيرًا منهم. وفيها: اصطلح (٢) الخليفة المسترشد وعماد الدين زنكي. وفي سنة تسع وعشرين: مات (٣) السلطان طغريل بن السلطان محمد وكان بعد هزيمته من أخيه مسعود قد استولى على بلاد الجبل، فمات في محرم هذه السنة. وكان مولده سنة ثلاث وخمسمائة في المحرم أيضًا، وكان خيرًا عاقلًا، ولما بلغ السلطان مسعود وفاته، سار من همدان وأقبلت العساكر جميعًا إليه واستولى على همدان وأطاعته البلاد جميعها. وفيها: قتل (٤) شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق، وكان مولده سنة ست وخمسمائة في المحرم أيضًا، وكان قتله على يد جماعة على غفلة باتفاق من والدته. وقد اختلف في سببه فقيل إن الناس لفرط ظلم إسماعيل وجوره ومضلاته، كرهوه وشكوه لأمه، فاتفقت مع من قتله، وقيل: إن أمه اتهمت بشخص من أصحاب بوري يقال (له): يوسف بن فيروز، (٥)، فأراد شمس الملوك قتلها، فاتفقت هي مع مَنْ قتَلَهُ، وسرَّ الناس بقتله. وملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن بوري، وحَلَفَ له الناس. وفيها (٦): بعد قتل شمس الملوك، وصل عماد الدين زنكي إلى دمشق وحصرها، وضيق عليها، وقام في حفظ البلد معين الدين بن مملوك طغتكين القيام التام الذي يقدم به، واستولى على الأمر بسببه، فلما لم ير زنكي في أخذ دمشق مطمعًا صالح أهلها، ورجع عائدًا إلى بلاده. وقد (٧) تقدم في سنة ست وعشرين بأن الحافظ العلوي صاحب مصر استوزر ابنه الحسن وخطب له بولاية العهد فتغلب حسن على الأمر وأساء السيرة، وأكثر من قتل

стр. 9052

الأمراء وغيرهم ظلمًا وعدوانًا، وأكثر مصادرات الناس، فأراد العسكر الإيقاع به وبأبيه، فعلم أبوه الحافظ بذلك فسقاه سمًا فمات، ولما مات حسن استوزر الحافظ تاج الدولة بهرام النصراني فاستعمل الأرمن على الناس، فكان ما سنذكره. وفيها: كانت (١) الحرب بين الخليفة المسترشد وبين السلطان مسعود وسببه: أن جماعة من عسكر مسعود فارقوه مغاضبين، واتصلوا بالخليفة وهونوا عليه قتال السلطان مسعود، فاغتر بهم وسار من بغداد إلى قتال مسعود وسار مسعود إليه. واتقعوا عاشر رمضان هذه السنة، فصار غالب عسكر الخليفة مع مسعود، وانهزم الباقون، وأخذ الخليفة المسترشد أسيرًا، ونهب عسكره، وبقي المسترشد مع مسعود أسيرًا، ثم سار به مسعود من همدان إلى مراغة لقتال ابن أخيه داود بن محمود، فأقام على فرسخين من مراغة والخليفة معه في خيمة منفردة، وكان قد اتفق مع مسعود والخليفة على مال يحمله الخليفة إليه، واتفق معه أن لا يعود يخرج من بغداد، فاتفق وصول رسول السلطان سنجر إلى مسعود، فركب مسعود والعساكر لملتقاه، فوثبت الباطنية على الخليفة، وهو في تلك الخيمة، فقتلوه ومثلوا به، فجذعوا أنفه وأذنيه، وقتلوا جماعة من أصحابه، وكان قتل المسترشد يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة بظاهر مراغة، وكان عمره لما قتل ثلاثًا وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وخلافته سبعة عشر سنة، وسبعة أشهر وعشرين يومًا، وأمُّهُ أم ولد، وكان فصيحًا، حسن الخط شجاعًا. خلافة الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله فضل، الثلاثون من خلفاء بني العباس (٢) بويع لما قتل أبوه، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد في حياته، ثم بعد قتله جددت له البيعة يوم الاثنين سابع عشرين ذي القعدة من هذه السنة، وكتب مسعود إلى بغداد بذلك فحضر بيعته أحد وعشرون رجلًا من أولاد الخلفاء. وفيها: قتل (٣) السلطان مسعود دبيس بن صدقة على باب سرادقه بظاهر مدينة

стр. 9053

خوي. أمر غلامًا أرمَنيًّا بقتله، فوقف على رأس دُبيْس وهو ينكت بأصبعه الأرض، فضرب عنقه وهو لا يشعر، وكان ابنه صدقة بن دُبيس بالحلة فلما بلغه الخبر اجتمع عليه عسكر أبيه، وكثر جمعه، وما أكثر ما يتفق موت المتَعادين، فإن دُبيسًا كان يعادي المسترشد بالله، فاتفق قتل أحدهما عقيب قتل الآخر. وفيها: استولى (١) الإفرنج على مدينة جربة من أعمال إفريقية، وأسر مَنْ كان بها من المسلمين. وفيها: صالح (٢) المستنصر بن هود الفرنج على تسليم حصن روطة من بلاد الأندلس وسلَّمه إلى صاحب طليطلة الفرنجي. وفي سنة ثلاثين وخمسمائة: في الثاني والعشرين من ربيع الأول تسلَّم (٣) شهاب الدين محمود بن بوري صاحب دمشق مدينة حمص وقلعتها، وسبب ذلك أن أصحابها أولاد الأمير قيرخان بن قراجا، والوالي بها من قبلهم ضجروا من كثرة تعرُّض عماد الدين زنكي إليها وإلى أعمالها، فراسلوا شهاب الدين في تسليمها إليه، ويعطيهم عوضها تدمر، فلما رأى عسكر زنكي بحلب وحماة خروج حمص إلى صاحب دمشق تابعوا الغارات إلى بلدها، فأرسل شهاب الدين محمود إلى عماد الدين في الصلح، فاستقر بينهما، وكف عسكر عماد الدين عن حمص، وأقطع شهاب الدين حمص لمعين الدين اتسز ابن مملوك جده. وفيها: سارت (٤) عساكر عماد الدين بحلب وحماة ومقدمهم أسوار نائب زنكي بحلب إلى بلاد الفرنج بنواحي اللاذقية، وأوقعوا بمن هناك من الفرنج، وكسبوا من الخوارق والمماليك والأسرى والدواب ما ملأ أيديهم، وعادوا سالمين. ذكر خلع الراشد وخلافة المقتفي بالله وهو الحادي والثلاثون من خلفاء بني العباس (٥) كان الراشد قد اتفق مع بعض ملوك الأطراف مثل عماد الدين زنكي وغيره على خلاف السلطان مسعود وطاعة داود بن السلطان محمود، فلما بلغ مسعود ذلك جمع العساكر وسار إلى بغداد ونزل عليها، وحصرها، ووقع فيها النهب من العيارين ودام

стр. 9054

مسعود يحاصرها نيفًا وخمسين يومًا، فلم يظفر، فارتحل إلى النهروان ثم وصل طرنطاي صاحب واسط بسفن كثيرة، فعاد مسعود إلى بغداد، وعبر غربي دجلة، واختلفت كلمة عساكر بغداد، فعاد السلطان داود إلى بلاد أذربيجان في ذي القعدة، وسار الخليفة الراشد من بغداد صحبة عماد الدين زنكي إلى الموصل، ولما وصل مسعود بمسير الخليفة وزنكي سار إلى بغداد، واستقر بها في منتصف ذي القعدة، وجمع مسعود القضاة وكبراء بغداد، وأجمعوا على خلع الراشد بسبب أنه عاهد مسعودًا أنه لا يقاتله، ومتى خالف ذلك فقد خلع نفسه، وبسبب أمور ارتكبها. فخلع وحكم بفسقه وخلعه، ومدة خلافة الراشد أحد عشر شهرًا وأحد عشر يومًا، ثم استشار السلطان مسعود فيمن يقيمه في الخلافة، فوقع الاتفاق على محمد بن المستظهر عم الراشد المخلوع، فأحضر وجلس في الميمنة ودخل إليه مسعود وتحالفا، ثم خرج السلطان وأحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء، وبايعوه ولقبوه المقتفي لأمر الله، وهو أخو المسترشد، وعمل محضر بخلع الراشد، وأرسل إلى الموصل، وزاد المقتفي إقطاع عماد الدين زنكي وألقابه، وأحضر المحضر فحكم به قاضي اقضاة الزينبي بالموصل وخطب للمقتفي بالموصل في رجب سنة إحدى وثلاثين. سنة إحدى وثلاثين إلى سنة أربعين وخمسمائة فيها: عزل (١) الحافظ وزيره بهرام الأرمني النصراني بسبب ما اعتمده من تولية الأرمن على المسلمين وإهانتهم، وأنف من ذلك شخص يقال له: رضوان بن الوكشخي (٢)، وجمع جمعًا، وقصد بهرام فهرب بهرام إلى الصعيد، ثم عاد وأمسكه الحافظ وحبسه بالقصر، ثم إن بهرام ترهب وأطلقه الحافظ. ولما هرب بهرام استوزر الحافظ رضوان المذكور ولقبه الملك الأفضل. وهو أول وزراء المصريين لقب بالملك، ثم إنه فسد ما بين رضوان والحافظ، فهرب رضوان، وجرى له أمور يطول شرحها آخرها أن الحافظ قتل رضوان المذكور، ولم يستوزر بعده أحدًا. وباشر الأمور بنفسه حتى مات. وفيها: نازل (٣) عماد الدين زنكي حمص، وبها صاحبها معين الدين أتسز، فلم يظفر بها، فرحل عنها في عشرين شوال إلى بعرين (٤) وحصر قلعتها وهي للفرنج،

стр. 9055

وضيق عليهم، فجمع الفرنج ملوكهم ورجالهم وساروا ليرحلوا زنكي عن بعرين، فلما وصلوا إليه قاتلهم واشتدَّ القتال فانهزمت الفرنج، ودخل كثير من ملوكهم لما هربوا إلى حصن بعرين، وعاود عماد الدين زنكي حصار الحصن وضيّق عليه، فطلب الفرنج الأمان، فقرر عليهم تسليم الحصن وخمسين ألف دينار يحملونها إليه، فأجابوا، فأطلقهم وتسلّم الحصن والذهب وكان زنكي في مدة حصاره لبعرين قد فتح المعرة وكفر طاب وأخذهما من الفرنج، وحضر أهل المعرة وطلبوا تسليم أملاكهم التي كان أخذها الفرنج وطلب زنكي كتب أملاكهم فذكروا عدمها، فكشف من ديوان حلب عن الخراج وأفرج عن كل ملك عليه الخراج لأصحابه. وفي سنة اثنتين وثلاثين: في المحرم، وصل (١) زنكي إلى حماة، وسار منها إلى بقاع بعلبك، فملك حصن المجدل، وكان لصاحب دمشق، وأرسله مستحفظ بانياس وأطاعه، وسار إلى حمص فحصرها، ثم رحل عنها إلى سلمية بسبب نزول الروم على حلب على ما نذكره. ثم عاد إلى منازلة حمص فسلمت إليه المدينة والقلعة، وأرسل عماد الدين زنكي وخطب أم شهاب الدين محمود صاحب دمشق واسمها زمرد خاتون بنت جاولي وهي قتلت ابنها شمس الملوك إسماعيل بن بوري، وهي التي بنت المدرسة المطلة على وادي الشقراء (٢) بظاهر دمشق، وحملت الخاتون إلى عماد الدين في رمضان، وإنما تزوجها طمعًا للاستيلاء على دمشق. وفيها: خرج (٣) ملك الروم متجهزًا من بلاده سنة إحدى وثلاثين لقتال الأرمن وفرنج أنطاكية، فلما دخلت سنة اثنتين وثلاثين سار إلى بزاعة (٤) وهي على ستة فراسخ من حلب وحاصرها، وملكها بالأمان في خامس عشرين رجب، ثم غدر بأهلها وقتل منهم وأسر، وتنصر قاضيها وأربعمائة نفس من أهلها، وأقام على بزاعة بعد أخذها عشرة أيام ثم رحل عنها بمن معه من الفرنج إلى حلب، ونزل على قويق، وزحف على حلب وجرى بينه وبين أهلها قتال كثير، فقتل من الروم بطريق عظيم عندهم فعادوا خاسرين إلى الأثارب وملكوها وتركوا فيها سبايا بزاعة، وتركوا عندهم من الروم من يحفظهم، وسار ملك الروم بجموعه نحو شيزر، فخرج الأمير أسوار نائب زنكي،

стр. 9056

وأوقع بمن في الأثارب من الروم فقتلهم واستفك أسارى بزاعة وسباياها، وسار ملك الروم بجموعه إلى شيزر وحصرها، ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقًا، فأرسل صاحبها أبو العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني إلى زنكي يستنجده، فسار زنكي ونزل على العاصي بين حماة وشيزر، وكان يركب عماد الدين زنكي وعسكره كل يوم على الروم وهم محاصرون لشيزر بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فيأخذون كل من وجدوه من الروم منفردًا، وأقام ملك الروم يحاصر شيزر أربعة وعشرين يومًا ثم رحل عنها ولم ينل منها غرضًا، وسار زنكي في أثر الروم فظفر بكثير ممن تخلّف منهم، ومدح الشعراء زنكي بسبب ذلك، فمنه ما قاله مسلم بن خضر بن قسيم الحموي (١): [من الوافر] لعزمك أيها الملك العظيم … تذلُّ لك الصعاب وتستقيم أَلَمْ تَرَ أن كلب الروم لما … تيقّن أنك الملك الرحيم وقد نزل الزمان على رضاه … وأَنَّ لخطبه الخطب العظيم فحين رميته بكَ عن خميس … تيقّنَ فَوْتَ ما أمْسى يوم كأنك في العجاج شهاب نورٌ … توقَّدَ وهو شيطان رجيم أراد بقاء مهجتِهِ فولى … وليس سوى الحمام لهُ حَمِيمُ وكان (٢) الراشد قد سار من بغداد إلى الموصل كما تقدم ذكره وخُلع، ثم فارق الراشد زنكي وسار إلى مراغة واتفق مع ملوك الأطراف والسلطان داود على خلاف مسعود وقتاله وإعادة الراشد إلى الخلافة، فسار السلطان مسعود إليهم واقتتلوا فانهزم داود وغيره، واشتغل أصحاب مسعود بالكسب، وبقي هو وحده، فحمل عليه أميران يقال لأحدهما بوازبة وللآخر عبد الرحمن طغايرك، فانهزم مسعود من بين أيديهما، وقبض بوازبة على جماعة من أمرائه وعلى صدقة بن دبيس صاحب الحلة وقتلهم أجمعين، وكان الراشد إذ ذاك بهمدان، فلما كان من تلك الوقعة ما كان، سار السلطان داود إلى فارس، وتفرقت تلك الجموع، وبقي الراشد وحده فسار إلى أصفهان، فلما كان الخامس والعشرون من رمضان وثب عليه نفرٌ من الخراسانية الذين في خدمته، فقتلوه وهو يريد القيلولة، وكان في أعقاب مرض قد برأ منه، ودفن بظاهر

стр. 9057

أصبهان بشهرستان، ولما وصل خبر قتل الراشد إلى بغداد جلسوا لعزائه يومًا واحدًا. وفيها: ملك (١) حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي صاحب ماردين قلعة الهتاخ من ديار بكر، أخذها من بعض بني مروان الذين كانوا ملوك ديار بكر جميعها، وهو آخر من بقي منهم. وفيها: قتل (٢) السلطان مسعود ابن البقش السلاحي شحنة بغداد. وفيها: جاءت (٣) زلزلة عامة على جميع البلاد فخربت مدنًا كثيرة، وهلك عالم كثير بالروم. وفي سنة ثلاث وثلاثين: في المحرم، سار (٤) السلطان سنجر بجموعه إلى خوارزم شاه اطسز بن محمد بن الوس تكين، وقد تقدم ذكر ابتداء دولة محمد بن الوس تكين سنة تسع وأربعمائة. فخرج خوارزم شاه لقتال سنجر واقتتلوا فانهزم أطسز خوارزم شاه، واستولى سنجر على خوارزم شاه، وأقام بها مَنْ يحفظها، وعاد إلى مرو في جمادى الآخرة من هذه السنة، وبعد أن عاد سنجر إلى بلاده عاد اطسز إلى خوارزم واستولى عليها. وفيها: في شوال قتل (٥) شهاب الدين محمود بن بوري بن طغتكين صاحب دمشق، قتله غيلةً ثلاثة نفر من خواص غلمانِهِ وأقرب الناس منه، وكانوا ينامون عنده، فقتلوه وخرجوا هاربين من القلعة، فنجا أحدهم، وأخذ الاثنان وصلبا، واستدعى معين الدين أخاه جمال الدين محمد بن بوري، وكان صاحب بعلبك فحضر إلى دمشق فملكها. وفيها: في ذي القعدة سار (٦) زنكي إلى بعلبك ووصل إليها في عشرين ذي الحجة وحصرها ونصب عليها أربعة عشر منجنيقًا، فطلب أهلها الأمان فأمنهم وسلموا إليه المدينة، واستمر الحصار على القلعة حتى طلب أهلها الأمان إنصافًا، وسلموا إليه القلعة، فلما ملكها غدر بهم وصلبهم عن آخرهم، واستصبح الناس ذلك واستعظموه، وحذره الناس، وكانت بعلبك لمعين الدين أتسز أعطاه إياها جمال الدين

стр. 9058

محمد لما ملك دمشق، وكان أنز قد تزوج بأم جمال الدين محمد صاحب دمشق، وكان له جارية يحبّها فأخرجها أنز إلى بعلبك، فلما (أخذ) زنكي بعلبك أخذ الجارية وتزوجها في حلب وبقيت مع زنكي حتى قتل على قلعة جعبر، فأرسلها ابنه نور الدين محمد بن زنكي إلى أنز، وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين محمود وبين أنز. وفيها: توالت (١) الزلازل بالشام وخربت كثيرًا من البلاد لاسيما حلب، فإن أهلها فارقوها وخرجوا إلى الصحراء، ودامت من رابع صفر إلى تاسع عشره. وفي سنة أربع وثلاثين: سار (٢) عماد الدين زنكي إلى دمشق وحصرها وبذل لصاحبها جمال الدين محمد بعلبك وحمص فلم يأمنوا إليه بسبب غدره بأهل بعلبك، وكان نزوله على داريا في ثالث عشر ربيع الأول، واستمر منازلًا دمشق فمرض في تلك المدة جمال الدين محمد بن بوري صاحب دمشق، ومات في ثامن شعبان فطمع زنكي حينئذ في ملك دمشق وزحف عليها، واشتد القتال فلم ينل غرضًا. ولما مات جمال الدين محمد أقام معين الدين في الملك مجير الدين ابق بن محمد بن بوري بن طغتكين، واستمر يدبر أمر الدولة فلم يظهر لموت جمال الدين أثر، ثم رحل زنكي بعذراء من المرج في سادس شوال وأحرق عدة من قرى المرج ورحل إلى بلاده. وفيها: ملك (٣) زنكي شهرزور وأخذها من صاحبها ميحق (٤) بن أرسلان شاه التركماني. وبقي قيجق في طاعة زنكي ومن جملة عسكره. وفيها: قتل (٥) المقرب جوهر، من كبراء عسكر السلطان سنجر، وكان قد عظم قدره في الدولة، وكان من جملة إقطاعه الري، قتله الباطنية، وقفوا له في زي النساء واستغاثوا به، فوقف يسمع كلامهم فقتلوه. وفيها: توفي (٦) هبة الله بن الحسين المعروف بالبديع الاسطرلابي، وكان له اليد

стр. 9059

الطولى في عمل الاسطرلاب والآلات الفلكية، وله الشعر الجيد وأكثره في الهزل. وفي سنة خمس وثلاثين: وصل (١) رسول السلطان سنجر ومعه البردة التي للنبي ﷺ والقضيب، وكانا أخذا من الراشد، فأعادهما الآن إلى المقتفي. وفيها: ملك (٢) الإسماعيلية حصن مصياف بالشام، وكان واليه مملوكًا لبني منقذ أصحاب شيزر، فاحتالت عليه الإسماعيلية. ومكروا به حتى صعدوا إليه وقتلوه وملكوا الحصن. وفيها: توفي (٣) الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان قتيلًا في فندق بمراكش وكان (٤) فاضلًا في الأدب، ألّف عدة كتب منها قلائد العقيان وذكر فيه عدة من الفضلاء وأشعارهم وأجاد فيه. وفي سنة ست وثلاثين: كان (٥) المصاف العظيم بين الترك والكفار وبين السلطان سنجر. فإن خوارزم شاه اطسز بن محمد لما هزمه سنجر وقتل ولده عظم عليه، وكاتب الخطا، وأطمعهم في ملك ما وراء النهر، فساروا في أربعمائة مقاتل، وسار إليهم السلطان سنجر فهزموه وقتلوا من أصحابه خلقًا عظيمًا وأسروا أمراء سنجر، ولما تمت الهزيمة على المسلمين سار خوارزم شاه أطسز إلى خراسان ونهب من أموال سنجر ومن بلاده شيء كثير فاستقرت دولة الخطا والترك الكفار بما وراء النهر. وفي سنة سبع وثلاثين: جهز (٦) عماد الدين زنكي جيشًا ففتحوا قلعة أسب، وكانت من أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها، ولما ملكها زنكي أمر بأخرابها وبناء قلعة العمادية عوضًا عنها، وكانت العمادية حصنًا عظيمًا خرابًا فلما عمرها عماد الدين سماها العمادية نسبةً له. وفيها: سارت (٧) الفرنج في البحر من صقلية إلى طرابلس الغرب فحصروها، ثم عادوا عنها. وفيها: قتل (٨) محمد بن الدانشمند صاحب ملطية والثغر، واستولى على بلاده

стр. 9060

الملك مسعود بن قليج أرسلان السجلوتي صاحب قونية. وفي سنة ثمان وثلاثين: كان (١) الصلح بين السلطان مسعود وبين عماد الدين زنكي. وفيها: سار (٢) زنكي بعساكره إلى ديار بكر ففتح منها ظنزة وأسعرد وحران وحصن الروق وحصن مطليس وحصن بانسبه وحصن ذي القرنين، وأخذ من بلاد ماردين ما هو بيد الإفرنج حملين والموزر وتل الموزر من حصون جوسلين. وفيها: سار (٣) السلطان سنجر بعساكره إلى خوارزم فحصر اطسز بها فبذل خوارزم شاه اطسز الطاعة، فأجابه سنجر واصطلحا وعاد سنجر إلى مرو. وفيها: ملك (٤) زنكي عانة من أعمال حديثة. وفيها: قتل (٥) داود بن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه قتله جماعة اغتالوه ولم يعرفوه. وفيها: توفي (٦) أبو القاسم محمود بن عمر النحوي الزمخشري، ولد في رجب سنة سبع وستين وأربعمائة، وهو من زمخشر، قرية من قرى خوارزم، وكان إمامًا في العلوم صنف «المفصل» في النحو و «الكشاف» في التفسير. وجهر القول فيه بالاعتزال، وافتتحه بقوله: الحمد لله الذي خلق القرآن منجمًا وأصلحه أصحابه فقالوا: الحمد لله الذي أنزل القرآن، وله كتاب الفائق في غريب الحديث وغيره، وقدم إلى بغداد وناظر بها، ثم حجّ وجاور بمكة سنين كثيرة فسمّي لذلك جار الله، وكان حنفي الفروع معتزلي الأصول، وللزمخشري نظم حسن فمنه قوله من جملة أبيات: [من الطويل] فإنَّا اقْتَصَرْنَا بالذين تَضَايَقَتْ … عُيُونُهُمُ واللهُ يَجْزِي مَنِ اقْتَصَر (٧) مَلِيحٌ ولكنْ عِندَهُ كُلُّ جَفْوةٍ … ولم أرَ في الدُّنيا صَفَاءً بلا كَدَر ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصورًا: [الطويل] وقائلة: ما هذه الدرر التي … تَسَاقَطْ من عينيك سِمْطين سِمْطين (٨) فقلت لها الدر الذي كان قد حَشَا … أبو مُضَرٍ أُذُنَيَّ تَسَاقَطْ من عيني

стр. 9061

وفي سنة تسع وثلاثين: فتح عماد (١) الدين زنكي الرها من الفرنج بالسيف بعد حصار ثمانية وعشرين يومًا، ثم تسلّم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات، وأما البيرة فنزل عليها وحاصرها، ثم رحل عنها بسبب قتل نائبه بالموصل، وهو نصير الدين جقر، وسبب قتله أنه كان عند زنكي ألب أرسلان ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، وكان زنكي يقول: إن البلاد التي بيدي هي لهذا الملك المذكور ألب أرسلان بالموصل، وجقر يقوم بوظائف خدمته فحسن بعض المناحيس لألب أرسلان قتل جفر وأخذ البلاد من عماد الدين زنكي فلما دخل جقر إلى ألب أرسلان، على عادته، فوثب من عند ألب أرسلان على جقر وقتلوه، فاجتمع كبراء دولة زنكي، وقبضوا ألب أرسلان ولم يطعه أحد، ولما بلغ زنكي ذلك وهو محاصر البيرة عظم عليه قتل جقر وخشي من الفتن، فرحل عن البيرة لذلك وخشي الفرنج الذين بها من معاودة الحصار وعلموا بضعفهم عن عماد الدين فراسلوا/ ٣٧٨/ نجم الدين صاحب ماردين، وسلّموا البيرة إليه فصارت للمسلمين. وفيها: خرج (٢) أسطول الفرنج من صقلية إلى ساحل إفريقية فملكوا مدينة برشك وقتلوا أهلها وسبوا الحريم. وفيها: توفي (٣) تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين صاحب المغرب. وولى بعده أخوه إسحاق بن علي، وضعف أمر الملثمين وقوي عبد المؤمن وقد تقدم ذلك سنة أربع عشرة وخمسمائة. وفي سنة أربعين وخمسمائة: هرب (٤) علي بن دبيس بن صدقة من السلطان مسعود، وكان أراد حبسه في قلعة تكريت فهرب إلى الحلة، واستولى عليها وكثر جمعه وقويت شوكته. وفيها: اعتقل (٥) الخليفة المقتفي أخاه أبا طالب وضيق عليه واحتاط على غيره من أقاربه. وفيها: ملك (٦) الفرنج شنترين وماجة وماردة واشبونة وسائر المعاقل المجاورة لها من بلاد الأندلس.

стр. 9062

وفيها: توفي (١) مجاهد الدين بهروز وحكم في العراق نيفًا وثلاثين سنة، وكان خصيًا أبيض. وفيها (٢): توفي الشيخ أبو منصور موهوب (٣) بن أحمد الجواليقي اللغوي، ومولده في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة، أخذ اللغة عن أبي زكريا التبريزي وكان يؤم بالخليفة المقتفي، وكان طويل الصمت كثير التحقيق، لا يقول الشيء إلا بعد فكر طويل، وكان يقول كثيرًا إذا سئل: لا أدري. وأخذ العلم عنه جماعة منهم تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، ومحب الدين أبو البقاء وعبد الوهاب بن سكينة. وفيها (٤): توفي أبو زكريا يحيى (٥) بن عبد الرحمن بن بقي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور صاحب الموشحات البديعة، ومن شعره ما أورده في قلائد العقيان (٦): [من البسيط] يا أقتل الناس ألحاظًا وأطيبهمْ … رِيقًا متى كان فيكَ الصابُ والعَسَلُ في صحن خدّك وهو الشمس طالعة … ورد يزيدُكِ فيه الراح والخجل أيمان حبك في قلبي مجددة من … خدك الكتب أو من لحظك الرُّسُل إن كنتَ تجهلُ أنّي عبد مملكةٍ … مُرْني بما شئت آتيه وامتثل لو اطلعت على قلبي وجدت به … من فعل عينيك جرحًا ليس يندمل * * * تم هذا الجزء ويتلوه سنة إحدى وأربعين وخمسمائة ذكر ملك الفرنج طرابلس وسبب ذلك الحمد لله وصلواته على محمد وآله وصحبه وسلامه، وحسبنا الله ونعم الوكيل كتبه محمد بن شاكر الشافعي في شهور سنة ٧٤٦ هـ (٧)

стр. 9063

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق تم تحقيق هذا الجزء، «وهو السابع والعشرون»، من: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار بالاعتماد على نشرة فؤاد سركين، وهي مصورة عن مخطوطة مكتبة أحمد الثالث باستانبول تحت رقم وهي مكتوبة بخط قريب من التعليق حتى الصفحة ٣٥٠ التي تنتهي بأحداث سنة ٦٨١ هـ وقد كتبت بأحرف مهملة في الأغلب، كما حدثت فيها سقطات غير قليلة سببها سهو الناسخ، إلا أني استدركتها عن مصدر الخبر الذي ينقل عنه المؤلف وهو «المختصر في تاريخ البشر» لأبي الفداء المتوفى سنة ٧٣٢ هـ. وكتب بقية هذا الجزء منذ الصفحة ٣٥١ بخط مغاير قريب من «الثلث» إلا أنه كثير الأخطاء وكتب في مواضع كثيرة بحروف مهملة. ابتدأ هذا الجزء بأحداث سنة ٥٤١ هـ. وانتهى بأحداث سنة ٧٤٤ هـ وقد اعتمد المؤلف على «المختصر في تاريخ البشر» في تدوين الأحداث حتى سنة ٦٩٢ هـ، بل كان ينقل عنه نقلا يكاد يكون حرفيًا، حتى أنه لم يغير بعض الألفاظ التي تستدعي أمانة النقل تغييرها وقد أشرت إلى ذلك في حواشي علقتها على الأصل. ولم يضف على ما أورده أبو الفداء شيئًا سوى أبيات وقصائد لابن عبد الظاهر وغيره قالوها بمناسبة بعض الأحداث. إلا أن منهج المؤلف في تدوين الأحداث اختلف منذ أن انتهى من النقل عن المختصر، إذ كان حتى أحداث سنة ٦٩٢ هـ يدون الأحداث السياسية وما يرتبط بها من وفيات الأعلام، ولم يتجاوزها إلى غيرها إلا القليل، فلم يذكر في وفيات أحداث تلك السنين وفيات الأعلام من الفقهاء والعلماء والعباد والأدباء وغيرهم، وإنما اقتصر على

стр. 9064

ذكر وفيات رجال الدول والإدارة والحرب، إلا أنه منذ مفارقة أبي الفداء بدأ يسجل وفيات الأعلام من غير أرباب الدول. وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين. المسيب - العراق - ص. ب ٤٥ ٢٣ ربيع الثاني ١٤٢٦ هـ ١ حزيران ٢٠٠٥ م مهدي ع. الحسين النجم

стр. 9065

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد وآله وسلم. سنة إحدى وأربعين إلى سنة خمسين وخمسمائة ذكر استيلاء الفرنج على طرابلس (١): وسبب ذلك أنهم نزلوا عليها وحاصروها، فلما كان اليوم الثالث من نزولهم سمع الفرنج في المدينة ضَجَّةٌ عظيمة، وَخَلَت الأسوار من المقاتلة، وسببه أن أهل طرابلس اختلفوا فأرادت طائفة منهم تقديم بني مطروح. فوقع الحرب بين الطائفتين وَخَلَت الأسوار، فانتهز الفرنج الفرصة وطلعوا بالسلالم وملكوها بالسيف في محرم هذه السنة، وسفكوا دماء أهلها، وبعد أن استقر الفرنج في طرابلس بذلوا الأمان لمن بقي من أهل طرابلس، وتراجعت إليها الناس، وحَسُن حالها. وفيها (٢): سار زنكي (٣) ونزل على قلعة جعبر (٤) وحصرها، وصاحبها علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران بن المقلد العقيلي، وأرسل عسكرًا إلى قلعة فنك (٥) وهي تجاور جزيرة ابن عمر (٦).

стр. 9066

فحصرها أيضًا، وصاحبها حسام الدين الكردي البشنوي ولما طال على زنكي منازلة قلعة جعبر أرسل مع حسان البعلبكي الذي كان صاحب منبج يقول لصاحب قلعة جعبر: قُلْ لي من يخلصك مني؟ فقال صاحب جعبر: يخلصني منك الذي خلصك من بلك بن بهرام بن أرتق. وكان محاصرًا لمنبج فجاءه سهم فقتله، فرجع حسان إلى زنكي ولم يخبره بذلك، فاستمرّ زنكي منازلا قلعة جعبر، فوثب عليه جماعة من مماليكه وقتلوه (١) في خامس ربيع الآخر هذه السنة بالليل وهربوا إلى قلعة جعبر، وصاح من بها على العسكر، وأعلموهم بقتل زنكي، فدخل أصحابه إليه وبه رمق. وكان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، قد وَخَطَهُ الشيب، وكان زاد عمره على ستين سنة، ودفن بالرقة، وكان شديد الهيبة على عسكره عظيمها، كان له الموصل وما معها من البلاد، وملك الشام خلا دمشق، وكان شجاعًا. وكانت الأعداء تحيط بمملكته من كل جهة، وهو ينتصف منهم، ويستولي على بلادهم، ولما قتل زنكي كان ولده نور الدين محمود (٢) حاضرًا عنده، وأخذ خاتم والده وهو ميت من إصبعه، وسار إلى حلب فملكها، وكان صحبة زنكي أيضًا الملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي. فركب في يوم قتل زنكي، واجتمعت عليه العساكر، فحسّن بعض أصحاب زنكي الأكل والشرب وسماع المغاني، فسار ألب أرسلان إلى الرقة، وأقام بها منعكفًا على ذلك، وأرسل كبراء دولة زنكي إلى ولده سيف الدين غازي (٣) بن زنكي يعلمونه بالحال وهو يشهرون، فسار إلى الموصل، واستقر في ملكها، وأما ألب أرسلان فتفرقت عنه العساكر، وسار إلى الموصل يريد ملكها، فلما قرب منها قبض عليه

стр. 9067

غازي بن زنكي، وحَبَسَهُ في قلعة الموصل، واستقر ملك سيف الدين غازي للموصل وبلادها. وفيها (١): أرسل عبد المؤمن بن علي (٢) جيشًا إلى جزيرة الأندلس، فملكوا ما فيها من بلاد الإسلام، واستولى عليها. وفيها (٣): بعد قتل عماد الدين زنكي قصد مجير الدين ابن صاحب دمشق حصن بعلبك وحصره، وكان به نجم الدين أيوب (٤) بن شاذي مستحفظًا فخاف إن أولاد زنكي لا يمكنهم إنجاده العاجل فصالحه وسلم القلعة إليه وأخذ منه إقطاعًا ومالًا وملكه عدّة قرى من بلاد دمشق. وانتقل أيوب إلى دمشق وسلّمها. وفي سنة اثنتين وأربعين: دخل (٥) نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلاد الفرنج، ففتح منها أرتاح (٦) بالسيف وحصن ما مولة (٧) وبصرفوت وكفر لاثا (٨). وفيها (٩): ملك الفرنج المهدية بإفريقية، كان قد حصل بإفريقية غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، ودام من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى هذه السنة، ففارق الناس القرى، ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية، فاغتنم رجاء (١٠) الفرنجي

стр. 9068

صاحب صقلية الفرصة، وجهز أسطولًا نحو مائتين وخمسين شينيًا (١) مملوءةً رجالًا وسلاحًا، واسم مقدمهم جرج، وساروا من صقلية إلى جزيرة قوصرة، وهي ما بين المهدية وصقلية، وساروا منها وأشرفوا على المدينة ثامن صفر هذه السنة. وكان في المهدية الحسن (٢) بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، صاحب إفريقية، فجمع كبار البلد واستشارهم فرأوا ضعف حالهم وقلة المؤنة عندهم. فاتفق رأي الأمير حسن على إخلاء المهدية، فخرج منها، وأَخَذَ ما خف حمله، وخرج أهل المدينة على وجوههم بأهليهم وأولادهم، وبقى الأسطول في البحر تمنعه الريح من الوصول إلى المهدية. ثم دخلوا المدينة بعد مضي ثلثي النهار المذكور بغير مانع ولا مدافع، ولم يكن قد بقى من المسلمين بالمهدية ممن عزم على الخروج أحد. ودخل جُرج مقدم الفرنج إلى قصر الأمير حسن فوجده على حاله لم يعدم منه إلا ما خف حملُهُ، وَوَجَدَ فيه جماعة من حظايا الحسن والذخائر مملوءة من الذخائر النفيسة من كل شيء غريب، وسار الأمير حسن بأمواله وأولاده إلى بعض أمراء الغرب ممن كان يحسن إليه، وأقام عنده وأراد الحسن السير إلى الخليفة الحافظ العلوي صاحب مصر فلم يقدر على ذلك لخوف الطرق، فسار إلى ملك بجاية يحيى بن العزيز من بني حماد (٣)، فوكل يحيى المذكور على الحسن وعلى أولاده من يَمْنَعهم من التصرف، ولم يجتمع يحيى بهم، وأنزلهم في جزائر بني مزغتان. وبقي الحسن كذلك حتى ملك عبد المؤمن بن علي بجاية في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وأخذها هي وجميع ممالك بني حماد فحضر الأمير حسن عنده، فأحسن إليه عبد المؤمن وأكرمه، واستمر في خدمة عبد المؤمن إلى أن ملك عبد المؤمن المهدية، فأقام حسن فيها، وأمر عبد المؤمن الوالي الذي ولاه على المهدية أن يقتدي برأي الأمير حسن ويرجع إلى قوله.

стр. 9069

وكان عدة من ملك من بني باديس بن زيري بن مناد إلى الحسن تسعة ملوك وكانت ولايتهم في سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وانقضت في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ثم إن جرج بذل الأمان لأهل المهدية، وأرسل وراءهم بذلك، وكانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع فتراجعوا إلى المهدية. وفيها (١): سار ملك الألمان، والألمان بلادهم بلاد القسطنطينية حتى وصل إلى الشام في جمع عظيم، ونزل على دمشق وحصرها، وصاحبها مجير الدين أتق بن محمد بن بوري والحكم وتدبير المملكة لمعين الدين أتز مملوك جده طغتكين. وفي سادس ربيع الآخر (٢): زحفوا على مدينة دمشق، ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر، وأرسل أتز إلى سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده فسار بعسكره، وسار معه أخوه نور الدين محمود بعسكره، ونزلوا على حمص، فَفَتْ ذلك في أعضاء الفرنج، وأرسل أتز إلى فرنج الشام يبذل لهم قلعة بانياس فتخلّوا عن ملك الألمان، وأشاروا عليه بالرحيل، وخوّفوه من إمداد المسلمين، فرحل عن دمشق إلى بلاده، وسلم أتز قلعة بانياس إلى الفرنج حسبما شرطه لهم. وفيها (٣): كان بين نور الدين محمود و بين الفرنج مصاف بأرض يغري من العمق وانهزم الفرنج، وقتل منهم جماعة، وأسر جماعة، وأرسل من الأسرى والغنيمة إلى أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل. وفيها (٤): ملك الفرنج من الأندلس مدينة طرطوشة وجميع قلاعها، وحصون لاردة. وفيها (٥): كان الغلاء العام من خراسان إلى العراق إلى الشام إلى المغرب وفيها: قتل نور الدين (٦) شاهنشاه بن أيوب أخو صلاح الدين، قتلته الفرنج في منازلتهم

стр. 9070

لدمشق، فجرى بينهم وبين المسلمين مصاف قتل فيه شاهنشاه، وهو أكبر من صلاح الدين، وكانا شقيقين. وفي سنة أربع وأربعين: توفي (١) غازي بن عماد الدين أتابك زنكي صاحب الموصل بمرض حاد في أواخر جمادى الآخرة، وكانت (٢) ولايته ثلاث سنين وشهرًا وعشرون (٣) يومًا، وكان حسن الصورة، ومولده سنة خمسمائة وخلّف ولدًا ذكرًا، فربّاه عمه نور الدين وأحسن إليه، وتوفى المذكور شابًا وانقرض بموته عقب سيف الدين غازي وكان سيف الدين كريمًا يصنع لعسكره كل يوم طعامًا كثيرًا، بكرةً وعشيّا، وهو أول من حمل على رأسه السنجق (٤) في ركوبه، وأمر الأجناد ألا يركبوا إلا بالسيوف في أوساطهم، والدبوس تحت ركبهم، فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف. ولما توفي سيف الدين غازي، كان أخوه قطب الدين مودود بن زنكي مقيمًا بالموصل، فاتفق جمال الدين (٥) الوزير وزين الدين (٦) أمير الجيش على تمليكه، فحلفاه وحلفا له، وأطاعه جميع بلاد سيف الدين أخيه. ولما تملك تزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين، وكان أخوه سيف الدين قد ملكها، ومات قبل الدخول بها، وهي أم أولاد قطب الدين. وفيها (٧): توفي الحافظ (٨) العلوي صاحب مصر، وكانت خلافته عشرين سنة إلا
следующие страницы →