← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

فحصرها أيضًا، وصاحبها حسام الدين الكردي البشنوي ولما طال على زنكي منازلة قلعة جعبر أرسل مع حسان البعلبكي الذي كان صاحب منبج يقول لصاحب قلعة جعبر: قُلْ لي من يخلصك مني؟ فقال صاحب جعبر: يخلصني منك الذي خلصك من بلك بن بهرام بن أرتق. وكان محاصرًا لمنبج فجاءه سهم فقتله، فرجع حسان إلى زنكي ولم يخبره بذلك، فاستمرّ زنكي منازلا قلعة جعبر، فوثب عليه جماعة من مماليكه وقتلوه (١) في خامس ربيع الآخر هذه السنة بالليل وهربوا إلى قلعة جعبر، وصاح من بها على العسكر، وأعلموهم بقتل زنكي، فدخل أصحابه إليه وبه رمق. وكان عماد الدين زنكي حسن الصورة، أسمر اللون، مليح العينين، قد وَخَطَهُ الشيب، وكان زاد عمره على ستين سنة، ودفن بالرقة، وكان شديد الهيبة على عسكره عظيمها، كان له الموصل وما معها من البلاد، وملك الشام خلا دمشق، وكان شجاعًا. وكانت الأعداء تحيط بمملكته من كل جهة، وهو ينتصف منهم، ويستولي على بلادهم، ولما قتل زنكي كان ولده نور الدين محمود (٢) حاضرًا عنده، وأخذ خاتم والده وهو ميت من إصبعه، وسار إلى حلب فملكها، وكان صحبة زنكي أيضًا الملك ألب أرسلان بن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي. فركب في يوم قتل زنكي، واجتمعت عليه العساكر، فحسّن بعض أصحاب زنكي الأكل والشرب وسماع المغاني، فسار ألب أرسلان إلى الرقة، وأقام بها منعكفًا على ذلك، وأرسل كبراء دولة زنكي إلى ولده سيف الدين غازي (٣) بن زنكي يعلمونه بالحال وهو يشهرون، فسار إلى الموصل، واستقر في ملكها، وأما ألب أرسلان فتفرقت عنه العساكر، وسار إلى الموصل يريد ملكها، فلما قرب منها قبض عليه

стр. 9067

غازي بن زنكي، وحَبَسَهُ في قلعة الموصل، واستقر ملك سيف الدين غازي للموصل وبلادها. وفيها (١): أرسل عبد المؤمن بن علي (٢) جيشًا إلى جزيرة الأندلس، فملكوا ما فيها من بلاد الإسلام، واستولى عليها. وفيها (٣): بعد قتل عماد الدين زنكي قصد مجير الدين ابن صاحب دمشق حصن بعلبك وحصره، وكان به نجم الدين أيوب (٤) بن شاذي مستحفظًا فخاف إن أولاد زنكي لا يمكنهم إنجاده العاجل فصالحه وسلم القلعة إليه وأخذ منه إقطاعًا ومالًا وملكه عدّة قرى من بلاد دمشق. وانتقل أيوب إلى دمشق وسلّمها. وفي سنة اثنتين وأربعين: دخل (٥) نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلاد الفرنج، ففتح منها أرتاح (٦) بالسيف وحصن ما مولة (٧) وبصرفوت وكفر لاثا (٨). وفيها (٩): ملك الفرنج المهدية بإفريقية، كان قد حصل بإفريقية غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، ودام من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة إلى هذه السنة، ففارق الناس القرى، ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية، فاغتنم رجاء (١٠) الفرنجي

стр. 9068

صاحب صقلية الفرصة، وجهز أسطولًا نحو مائتين وخمسين شينيًا (١) مملوءةً رجالًا وسلاحًا، واسم مقدمهم جرج، وساروا من صقلية إلى جزيرة قوصرة، وهي ما بين المهدية وصقلية، وساروا منها وأشرفوا على المدينة ثامن صفر هذه السنة. وكان في المهدية الحسن (٢) بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، صاحب إفريقية، فجمع كبار البلد واستشارهم فرأوا ضعف حالهم وقلة المؤنة عندهم. فاتفق رأي الأمير حسن على إخلاء المهدية، فخرج منها، وأَخَذَ ما خف حمله، وخرج أهل المدينة على وجوههم بأهليهم وأولادهم، وبقى الأسطول في البحر تمنعه الريح من الوصول إلى المهدية. ثم دخلوا المدينة بعد مضي ثلثي النهار المذكور بغير مانع ولا مدافع، ولم يكن قد بقى من المسلمين بالمهدية ممن عزم على الخروج أحد. ودخل جُرج مقدم الفرنج إلى قصر الأمير حسن فوجده على حاله لم يعدم منه إلا ما خف حملُهُ، وَوَجَدَ فيه جماعة من حظايا الحسن والذخائر مملوءة من الذخائر النفيسة من كل شيء غريب، وسار الأمير حسن بأمواله وأولاده إلى بعض أمراء الغرب ممن كان يحسن إليه، وأقام عنده وأراد الحسن السير إلى الخليفة الحافظ العلوي صاحب مصر فلم يقدر على ذلك لخوف الطرق، فسار إلى ملك بجاية يحيى بن العزيز من بني حماد (٣)، فوكل يحيى المذكور على الحسن وعلى أولاده من يَمْنَعهم من التصرف، ولم يجتمع يحيى بهم، وأنزلهم في جزائر بني مزغتان. وبقي الحسن كذلك حتى ملك عبد المؤمن بن علي بجاية في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وأخذها هي وجميع ممالك بني حماد فحضر الأمير حسن عنده، فأحسن إليه عبد المؤمن وأكرمه، واستمر في خدمة عبد المؤمن إلى أن ملك عبد المؤمن المهدية، فأقام حسن فيها، وأمر عبد المؤمن الوالي الذي ولاه على المهدية أن يقتدي برأي الأمير حسن ويرجع إلى قوله.

стр. 9069

وكان عدة من ملك من بني باديس بن زيري بن مناد إلى الحسن تسعة ملوك وكانت ولايتهم في سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وانقضت في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. ثم إن جرج بذل الأمان لأهل المهدية، وأرسل وراءهم بذلك، وكانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع فتراجعوا إلى المهدية. وفيها (١): سار ملك الألمان، والألمان بلادهم بلاد القسطنطينية حتى وصل إلى الشام في جمع عظيم، ونزل على دمشق وحصرها، وصاحبها مجير الدين أتق بن محمد بن بوري والحكم وتدبير المملكة لمعين الدين أتز مملوك جده طغتكين. وفي سادس ربيع الآخر (٢): زحفوا على مدينة دمشق، ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر، وأرسل أتز إلى سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده فسار بعسكره، وسار معه أخوه نور الدين محمود بعسكره، ونزلوا على حمص، فَفَتْ ذلك في أعضاء الفرنج، وأرسل أتز إلى فرنج الشام يبذل لهم قلعة بانياس فتخلّوا عن ملك الألمان، وأشاروا عليه بالرحيل، وخوّفوه من إمداد المسلمين، فرحل عن دمشق إلى بلاده، وسلم أتز قلعة بانياس إلى الفرنج حسبما شرطه لهم. وفيها (٣): كان بين نور الدين محمود و بين الفرنج مصاف بأرض يغري من العمق وانهزم الفرنج، وقتل منهم جماعة، وأسر جماعة، وأرسل من الأسرى والغنيمة إلى أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل. وفيها (٤): ملك الفرنج من الأندلس مدينة طرطوشة وجميع قلاعها، وحصون لاردة. وفيها (٥): كان الغلاء العام من خراسان إلى العراق إلى الشام إلى المغرب وفيها: قتل نور الدين (٦) شاهنشاه بن أيوب أخو صلاح الدين، قتلته الفرنج في منازلتهم

стр. 9070

لدمشق، فجرى بينهم وبين المسلمين مصاف قتل فيه شاهنشاه، وهو أكبر من صلاح الدين، وكانا شقيقين. وفي سنة أربع وأربعين: توفي (١) غازي بن عماد الدين أتابك زنكي صاحب الموصل بمرض حاد في أواخر جمادى الآخرة، وكانت (٢) ولايته ثلاث سنين وشهرًا وعشرون (٣) يومًا، وكان حسن الصورة، ومولده سنة خمسمائة وخلّف ولدًا ذكرًا، فربّاه عمه نور الدين وأحسن إليه، وتوفى المذكور شابًا وانقرض بموته عقب سيف الدين غازي وكان سيف الدين كريمًا يصنع لعسكره كل يوم طعامًا كثيرًا، بكرةً وعشيّا، وهو أول من حمل على رأسه السنجق (٤) في ركوبه، وأمر الأجناد ألا يركبوا إلا بالسيوف في أوساطهم، والدبوس تحت ركبهم، فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف. ولما توفي سيف الدين غازي، كان أخوه قطب الدين مودود بن زنكي مقيمًا بالموصل، فاتفق جمال الدين (٥) الوزير وزين الدين (٦) أمير الجيش على تمليكه، فحلفاه وحلفا له، وأطاعه جميع بلاد سيف الدين أخيه. ولما تملك تزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين، وكان أخوه سيف الدين قد ملكها، ومات قبل الدخول بها، وهي أم أولاد قطب الدين. وفيها (٧): توفي الحافظ (٨) العلوي صاحب مصر، وكانت خلافته عشرين سنة إلا

стр. 9071

خمسة أشهر، وعمره نحوًا من سبع وسبعين سنة، ولم يل الأمر من الخلفاء العلويين بمصر من أبوه غير خليفة غير الحافظ والعاضد على ما سنذكره. ولما توفي الحافظ بويع بعده ولده الظافر بأمر الله أبو منصور إسماعيل (١)، واستوزر ابن مصال (٢)، فبقي أربعين يومًا وحضر من الإسكندرية العادل (٣) بن السلار، وكان قد خرج ابن السلار في طلب بعض المفسدين، فأرسل العادل بن السلار ربيبه عباس (٤) ابن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي، وكان أبوه أبو الفتوح قد فارق أخاه علي بن يحيى صاحب إفريقية وقدم إلى الديار المصرية وتوفى بها. فتزوج العادل بن السلار بزوجة أبي الفتوح، ومعها ولدها عباس، فربّاه العادل، وأحسن تربيته، ولما قدم العادل إلى مصر. يريد الاستيلاء على الوزارة، أرسل ربيبه عباس في عسكر إلى ابن مصال، فظفر به عباس وقتله وعاد إلى العادل بالقاهرة، فاستقر العادل في الوزارة وتمكّن، ولم يكن للخليفة معه حكم، وبقي كذلك إلى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فقتله ربيبه عباس وتولّى الوزارة على ما ستذكره. وفيها: حصر (٥) نور الدين محمود بن زنكي حصن حارم (٦)، فجمع البرنس صاحب إنطاكية الفرنج، وسار إلى نور الدين، واقتتلوا، فانتصر نور الدين وقتل البرنس، وانهزم الفرنج، وكثر القتل فيهم. ولما قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند وهو طفل، وتزوجت أمه برجل آخر ويُسمّى بالبرنس، ثم أن نور الدين غزاهم غزوة أخرى، فهزمهم وقتل فيهم وأسر، وكان

стр. 9072

فيمن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند، فتمكن حينئذ بيمند في ملك إنطاكية. وفيها (١): زلزلت الأرض زلزلة شديدة. وفيها (٢): توفي معين الدين أتز صاحب دمشق، وهو الذي كان ينسب إليه الحكم فيها، وإليه ينسب قصر معين الدين الذي في الغور. وفيها (٣): تولّى أبو المظفر يحيى (٤) بن هبيرة وزارة الخليفة المقتفي يوم الأربعاء، رابع ربيع الآخر، وكان قبل ذلك اليوم صاحب ديوان الزمام. وفي سنة خمس وأربعين: في رابع عشر المحرّم، أخَذَتْ (٥) العرب جميع الحجاج بين مكة والمدينة، فهلك أكثرهم، ولم يصل منهم إلى البلاد إلا القليل. وفيها (٦): سار (١) نور الدين محمود بن زنكي إلى فامية (٧)، وحصر قلعتها وتسلّمها من الفرنج، وحصنها بالرجال والذخائر، وكان قد اجتمع الفرنج وساروا ليرحلوه عنها. فملكها قبل وصولهم، فلما بلغهم فتحها تفرقوا. وفيها: سار (٨) الأدفونش صاحب طليطلة بجموع الفرنج إلى قرطبة وحصرها ثلاثة أشهر ولم يملكها ورحل عنها. وفي سنة ست وأربعين: انهزم (٩) نور الدين من جوسلين، ثم أسر جوسلين، وكان جوسلين من أعظم فرسان الفرنج، قد جمع بين الشجاعة وجَوْدةِ الرأي، وكان نور الدين قد عزم على قصد بلاده. فجمع جوسلين الفرنج وأكْثَرَ، وسار نحو نور الدين، والتقوا، فانهزم المسلمون،

стр. 9073

وأسر منهم جمع كبير، وكان من جملة مَنْ أُسِر منهم السلاح دار، ومعه سلاح نور الدين، فأرسله جوسلين إلى مسعود بن قليج أرسلان صاحب قونية (١) وأقصرا، وقال: هذا سلاح زوج ابنتك، وسيأتيك بعده ما هو أعظم منه، فعظم ذلك على نور الدين، وهجر «الملاذ» (٢) وافتكر في أمر جوسلين، وجمع التركمان، وبذل لهم الوعود إن ظفروا به إما بإمساك أو بقتل. فاتفق أن جوسلين طلع إلى الصيد، فكبَسَهُ التركمان وأمسكوه، فبذل لهم مالًا فأجابوا إلى إطلاقة، فسار بعض التركمان إلى أبي بكر ابن الداية (٣) نائب نور الدين بحلب، فأرسل عسكرًا كبسوا التركمان الذين عندهم جوسلين، وأحضروه إلى نور الدين أسيرًا، وكان أسر جوسلين من أعظم الفتوح، وأصيبت النصرانية كافة بأسره، ولما أُسر سار نور الدين إلى بلادِهِ وملكها، وهي: تل باشر (٤) وعين تاب (٥) ودلوك (٦) وإعزاز (٧)، وتل خالد (٨)، وقورس (٩) والراوندان (١٠)، وبرج الرصاص (١١)، وحصن البارة (١٢)، وكفر سود (١٣)، وكفر لاثا (١٤)، ومرعش (١٥)، ونهر الجوز (١٦)، وغير ذلك

стр. 9074

في مدة يسيرة، وكان نور الدين كلّما فتح منها موضعًا حصَّنَه بما يحتاج إليه من الرجال والذخائر. وفي سنة سبع وأربعين وخمسمائة: سار عبد المؤمن بن علي إلى بجاية (١) ومَلَكها، ومَلَكَ جميع ممالك بني حماد (٢)، وأَخَذَها من صاحبها يحيى بن العزيز آخر ملوك بني حماد. وكان يحيى المذكور مولعًا بالصيد واللهو، لا ينظر في شيء من أمر مملكته، ولما هزم عبد المؤمن عسكر يحيى هرب يحيى وتحصن بقلعة قسطنطينة من بلاد بجاية، ثم نزل يحيى إلى عبد المؤمن بالأمان فأمنه وأرسله إلى بلاد المغرب، وأقام بها، وأجرى عليه عبد المؤمن رزقًا كثيرًا، وقد ذكر في تاريخ القيروان، أن مسير عبد المؤمن وملكه تونس وأفريقية إنما كان في سنة أربع وخمسين. وفي هذه السنة: في أول رجب توفي (٣) السلطان مسعود بن محمد بن السلطان ملكشاه بهمدان، ومولده سنة اثنتين وخمسمائة في ذي القعدة، ومات معه سعادة البيت السلجوقي، فلم يقم بعده راية يُعْتَدُّ بها، وكان حسن الأخلاق كثير المزاح والانبساط مع الناس، كريمًا، عفيفًا عن أموال الرعايا. ولما مات عهد بالملك إلى ابن أخيه ملكشاه بن محمود، فَقَعَد في السلطنة وخُطِبَ له، وكان المتغلب على المملكة أمير يقال له خاص بك (٤)، وأصْلُه صبي تركماني، اتصل بخدمة مسعود، فتقدم على سائر أمرائه ثم أن خاص بيك المذكور قبض على السلطان ملكشاه محمود وسجنه، وأرسل إلى أخيه محمد بن محمود وهو بخوزستان، فأحْضَرَهُ، وتولّى السلطنة، وجَلَسَ على السرير، وكان قصد خاص بيك أن يمسكه ويخطب لنفسه بالسلطنة، فَبَدَرَهُ السلطان محمود ثاني يوم وصوله، فقتل خاص بيك، وقتل معه زنكي الجاندار، وألقى برأسيهما فتفرق أصحابهما. وفيها: جمعت الفرنج، وساروا إلى نور الدين وهو محاصر دلوك، فرحل عنها،

стр. 9075

وقاتلهم أشدّ قتال، وهزمهم، وقتل وأسر منهم خلق كثير، ثم عاد نور الدين إلى دلوك، فملكها، ومما مدح به في ذلك: [المتقارب] أعدت بعصرك هذا الجديد … فتوح النبي وأعصارها وفي تل باشر باشرتهم … بزحف تسور أسوارها وإن دالكتهم دلوك فقد … أسرت فصدقت أخبارها ابتداء ظهور دولة الغورية وانقراض آل سبكتكين: أول من اشتهر من الملوك الغورية أولاد الحسين، وأولهم محمد بن الحسين (١)، وكان قد صاهر بهرام شاه بن مسعود صاحب غزنة من آل سبكتكين، وسار محمد بن «الحسين» (٢) إلى غزنة مظهرًا الطاعة لبهرام شاه، ويُبْطِن الغدر، فأمسكه بهرام وقتله، فتولى بعده في «الملوك» (٣) الغورية أخوه سودي بن الحسين وسار إلى غزنة طالبًا بثأر أخيه، وجرى القتال بينه وبين بهرام شاه فظفر به بهرام شاه وقتله وانهزم عسكره، ثم ملك بعدهما أخوهما علاء الدين (٤) بن الحسين، وسار إلى غزنة، فانهزم عنها صاحبها بهرام شاه واستولى علاء الدين بن (٥) الحسين على غزنة وأقام فيها أخاه سيف الدين «شاه» بن الحسين. وعاد علاء الدين إلى الغور، وكاتب أهل غزنة بهرام شاه، فسار إليهم، فاقتتل مع سيف الدين، فانتصر بهرام شاه، وظفر بسيف الدين وقتله، واستقر بهرام شاه في ملك غزنة، ثم توفي بهرام شاه وتولى بعده ابنه خسرو شاه، وتجهز علاء الدين بن الحسين ملك الغورية وسار إلى غزنة في سنة خمسين وخمسمائة، فلما قَرُبَ «منها» (٦) فارقها صاحبها خسرو شاه بن بهرام شاه، وسار إلى الهاوور (٧)، وملك علاء الدين الحسين بن الحسين غزنة ونهبها ثلاثة أيام، وتلقب علاء الدين بالسلطان المعظم، وحمل الجتر على عادة السلاطين السلجوقية، وأقام الحسين على ذلك مدة، واستعمل

стр. 9076

على غزنة ابني (١) أخيه غياث الدين محمد بن سام، وأخوه شهاب الدين محمد (٢) بن سام ثم جرى بينهما وبين عمهما علاء الدين حرب انتصرا فيه على عمهما وأسراه، وأسرا عمهما ثم أطلقاه وأجلساه على التخت ووقفا في خدمته، فاستمر في السلطان، وزوج غياث الدين بابنته، وجعله ولي عهده، وبقي كذلك إلى أن مات علاء الدين الحسين بن الحسين في سنة ست وخمسين على ما ستذكره. وملك بعده غياث الدين محمد بن سام بن الحسين، وخطب لنفسه بالغور وغزنة بالملك، ثم استولى الغزّ على غزنة وملكوها منه مدة خمس عشرة سنة، فأرسل غياث الدين أخاه شهاب الدين إلى غزنة، فهزم الغزّ عنها، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، واستولى على غزنة وما جاورها من البلاد، مثل: كرمان و «شتوران» (٣) وماه السند وورد «لهاوور» وبها خُسرو شاه بن بهرام شاه السبكتيني، فملكها شهاب الدين وأعطى خسرو شاه الأمان وحَلَفَ له، فحضر خسرو شاه عند شهاب الدين «فأكرمه شهاب الدين، وأقام خسرو شاه على ذلك شهرين، ولما بلغ غياث الدين بن سام ذلك أرسل إلى أخيه شهاب الدين» (٤) يطلب منه خسرو شاه، فأمره شهاب الدين بالتوجه. فقال له خسرو شاه: أنا ما اعرف أخاك، ولا سلّمتُ نفسي إلا إليك، فطيب خاطره، وأرسل معه ولده مع أبيه إلى غياث الدين، وأرسل معهما عسكرًا يحفظونهما، فلما وصلا إلى الغور لم يجتمع بهما غياث الدين، وإنما أمر بهما فرفعا إلى بعض القلاع، وكان آخر العهد بهما، وخسرو شاه المذكور هو ابن بهرام شاه بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، وهو آخر ملوك سبكتكين، وكان ابتداء دولتهم سنة ست وستين وثلاثمائة، وملكوا مائتي سنة وثلاثة عشر سنة تقريبًا، فيكون انقراض دولتهم في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وقدمنا ذلك لتتصل أخبارهم. وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة، وقيل أن خسرو شاه توفي في الملك وملك بعده ولده ملكشاه على ما نشير إليه في موضعه إن شاء الله تعالى. ولما استقرّ ملك الغورية بلهاوور واتسعت مملكتهم، وكثرت عساكرهم كتب

стр. 9077

غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين بإقامته الخطبة له بالسلطنة، وتلقب بألقاب منها: معين الإسلام، قسيم أمير المؤمنين، ولما استقر ذلك سار شهاب الدين إلى أخيه غياث الدين وسارا إلى خراسان وقصدا مدينة هراة، وحصراها، وتسلّمها غياث الدين بالأمان، ثم سار وأخوه بعساكرهما إلى بوشنج (١) فملكاها، ثم إلى باذغيس (٢) وكالين وبيوار فملكها، ثم رجع غياث الدين إلى بلده فيروزكوه، ورجع أخوه شهاب الدين إلى غزنة. ولما استقر شهاب الدين في غزنة قصد بلاد الهند وفتح مدينة أجر، ثم رجع إلى غزنة، ثم قصد الهند فذلل صعابها وتيسر له فتح الكثير من بلادها ودوّخ ملوكها، وبَلَغَ منها كل مبلغ، ولما كثر فتوحه للهند اجتمعت الهند مع ملوكهم في خلق كثير، والتقوا مع شهاب الدين، وجرى بينهم قتال عظيم، وانهزم المسلمون وجُرح شهاب الدين، وبقي مع القتلى، ثم اجتمعت عليه أصحابه، وحملوه إلى مدينة أجر، واجتمعت عليه عساكره، وأقام في آجر حتى اجتمعت عليه أمداد أخيه غياث الدين، ثم اجتمعت الهنود، وتنازل الجمعان وبينهما نهر، فكبس عسكر المسلمين الهنود وتمت الهزيمة عليهم، وقتل المسلمون من الهنود ما يفوق الحصر وقتلت «ملكتهم» (٣) وتمكن شهاب الدين بعد هذه الوقعة من بلاد الهند، وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة دهلي، وهي من كراسي ممالك الهند، وأرسل أيبك عسكرًا مع مقدم يقال له محمد بن بختيار فملكوا من الهند مواضع ما وصلها مسلم قبله حتى قاربوا جهة الصين. وفيها: توفي حسام الدين تمرتاش (٤) بن الغازي، صاحب ماردين وميا فارقين وكانت ولايته نيفًا وثلاثين سنة، لأنه تولى بعد موت أبيه في سنة ست عشرة وخمسمائة حسبما تقدم، وتوفي بعده ابنه نجم الدين «الباي» بن تمرتاش بن أيلغازي ابن أرتق. وفي سنة ثمان وأربعين: في المحرم انهزم (٥) السلطان سنجر من الأتراك الغزّ، وهم طائفة من الترك، كانوا بما وراء النهر، فلما ملكهم الخط أخرجوهم منه، فقصدوا خراسان، وأقاموا بنواحي بلخ مدة طويلة، ثم عَنَّ للأمير قماج مقطع بلخ أن يخرجهم من بلادهم، فسار

стр. 9078

إليهم في عشرة آلاف فارس، فحضر إليه كبراء الغز وسألوه أن يكف عنهم، ويتركهم في مراعيهم، ويعطونه من كل بيت مائتي درهم، فلم يجبهم إلى ذلك، وأصر على إخراجهم وقتالهم، فقاتلوه وهزموه وتبعوه يقتلون ويأسرون، ثم عاثوا في البلاد، فاسترقوا النساء والأطفال، وخرّبوا المدارس، وقتلوا الفقهاء، فسار قماج إلى السلطان سنجر منهزمًا، وأعلمه بالحال، فسار إليهم سنجر في عساكره، وهم نحو مائة ألف فارس، فأرسل الغز يعتذرون إليه مما وقع وبذلوا له بذلًا كثيرًا ليكف عنهم. فلم يجبهم وقصدهم، ووقعت بينهم حرب شديدة، فانهزم عسكر سنجر، وتبعهم الغزّ يقتلون ويأسرون، فقتل علاء الدين قماج، وأسر السلطان سنجر، وأُسر معه جماعة من الأمراء، فضربوا أعناقهم، وأما سنجر فإنهم لما أسروه، اجتمع رؤساء الغز، وقبلوا الأرض بين يديه، وقالوا: نحن عبيدك، ولا نخرج عن طاعتك، وبقي معهم كذلك ثلاثة أشهر، ودخلوا معه إلى مرو، وهي كرسي ملك خراسان فطلبها من بختيار رئيس من رؤساء الغُزّ إقطاعًا، فقال سنجر: هذه دار الملك ولا يجوز أن تكون إقطاعًا لأحد، فضحكوا منه، وحبق بختيار بفمه، فلما رأى سنجر ذلك، نزل عن سرير الملك، ودخل خانقاه مرو، وتاب عن سرير الملك، واستولى الغزّ على البلاد، فنهبوا نيسابور، وقتلوا الكبار والصغار وقتلوا القضاة والعلماء الذين بتلك البلاد، فقتلوا الحسين بن محمد الأرسابيدي والقاضي علي بن مسعود، والشيخ محيي الدين محمد بن يحيى، الفقيه الشافعي، الذي لم يكن في زمانه مثله، وكان رحلة الناس من الشرق والغرب إليه، وغيرهم - من الأئمة والفضلاء، ولم يسلم شيء من خراسان من النهب غير هراة ودهستان لحصانتهما. ولما كان من هزيمة سنجر وأسره ما كان، اجتمع عسكره على مملوكه «أي به» ولقبه المؤيد (١)، واستولى المؤيّد على نيسابور وطوس ونسا وأبيورد و شهرستان والدامغان، وازاح الغز عنها، وأحسن السيرة في الناس، وكذلك استولى في السنة المذكورة على الري مملوك لسنجر اسمه «إيتاخ» وهادى الملوك واستقرت قدمه، وعظم شأنه. وفيها: قتل (٢) العادل بن السلار وزير الظافر العلوي، قتله ربيبه عباس بن أبي الفتوح الصنهاجي، بإشارة أسامة بن منقذ، وكان العادل قد تزوج أم عباس

стр. 9079

المذكور، وأحسن تربيته، فجازاه بقتله وولى مكانه، وكانت الوزارة في مصر لمن غلب. وفيها (١): كان بين عبد المؤمن ملك المغرب وبين العرب حرب شديد انتصر فيه عبد المؤمن. وفيها: مات رجار (٢) الفرنجي ملك صقلية بالخوانيق، وعمره نحو ثمانين سنة، وملكه عشرين سنة، وملك بعده ابنه غليالم. وفيها (٣): في رجب توفي بغزنة بهرام شاه بن مسعود السبكتكيني، صاحب غزنة، وقام بالملك بعده ولده نظام الدين خسروشاه، وكانت مدة ملك بهرام نحو ست وثلاثين سنة، وذلك من حين قتل أخاه أرسلان شاه في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، كان ابتداء ولايته من حين هزم أخوه قبل ذلك بثلاث سنين حسبما تقدم ذكره في السنة المذكورة، وكان بهرام حسن السيرة. وفيها (٤): ملك الفرنج مدينة عسقلان، وكانت لخلفاء مصر والوزراء يجهزون إليها المؤن والسلاح، فلما كانت هذه السنة قتل العادل بن السلار، واختلفت الأهواء بمصر، فتمكن الفرنج من عسقلان، وحاصروها وملكوها. وفيها: وَصَلَتْ مراكب من صقلية فملكوا مدينة نيس بالديار المصرية وفي سنة تسع وأربعين، في المحرّم قتل الظافر (٥) بأمر الله أبو منصور إسماعيل بن الحافظ العلوي، قتله وزيره عباس الصنهاجي، وسببه أنه كان لعباس ولد حسن الصورة اسمه نصر، فأحبه الظافر، وما بقى يفارقه، وكان قد قدم من الشام مؤيد الدولة أسامة بن منقذ الكناني في وزارة العادل، فحسّن للعباس قتل العادل، فقتله وتولى مكانه، ثم حَسَّنَ له قتل الظافر، لأنه قال له: كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القول؟ فقال له عباس: ما هو؟ فقال: إن الناس يقولون: إن الظافر يفعل بابنك نصر، فأنف عباس، وأمر ابنه نصرا، فدعا الظافر إلى بيته وقتلاه، وقتلا كل من معه، وسلم خادم صغير فحضر إلى القصر، وأعلمهم بقتل الظافر، ثم حضر عباس إلى القصر، وطلب الاجتماع بالظافر، وطلبه من

стр. 9080

أهل القصر فلم يجدوه، فقال: أنتم قد قتلتموه، وأحضر أخوين للظافر يقال لهما: يوسف وجبريل، وقتلهما عباس المذكور أيضًا، ثم أحضر الفائز (١) بنصر الله أبا القاسم عيسى بن الظافر إسماعيل ثاني يوم قتل أبيه وله من العمر خمس سنين، فحمله عباس على كتفه وأجلسه على سرير الملك وبايعه الناس وأخذ عباس من القصر الأموال والجواهر النفيسة شيئًا كثيرًا، ولما فعل عباس ذلك اختلفت عليه الكلمة، وثار عليه الجند، وكان طلائع (٢) بن رزيك في منية أبي الخصيب (٣)، واليًا عليها. فأرسل إليه أهل القصر من النساء والخدم يستغيثون به، وكان فيه شهامة، فجمع جمعه وقصد عباسًا، فهرب عباس ومن معه إلى الشام بالأموال والتحف التي لا يوجد مثلها، ولما كان عباس في أثناء الطريق خرجت عليه الفرنج فقتلوه، وأخذوا ما كان معه، وأسروا ابنه نصرًا، وكان قد استقر طلائع ابن رزيك بعد هروب عباس في الوزارة، ولقب الملك الصالح، فأرسل إلى الفرنج وبذل لهم أموالًا، وأخذ نصر بن عباس، وأحضر إلى مصر، فقتل وصلب على باب زويلة وأما أسامة (٤) بن منقذ، فإنه كان مع عباس، فلما قتل عباس هرب أسامة ونجا إلى الشام، ولما استقر أمر الصالح بن رزيك وقع في الأعيان بالديار المصرية وأبادهم بالقتل والهرب إلى البلاد البعيدة. وفيها: سار (٥) المقتفي لأمر الله بعساكر بغداد، وحصر تكريت، وأقام عليها عدة مناجيق، ثم رحل عنها ولم يظفر بها. «ذكر ملك نور الدين محمود دمشق» (٦): كان الفرنج قد تغلبوا بتلك الناحية بعد ملكهم عسقلان حتى أنهم استعرضوا كل

стр. 9081

جارية ومملوك بدمشق من النصارى، وأطلقوا قهرًا كل مَنْ أراد منهم الخروج من دمشق واللحوق بوطنه، شاء صاحبه أو أبى، فخشي نور الدين محمود أن يملكوا دمشق فكاتب أهل دمشق، واستمالهم في الباطن، ثم سار إليها وحصرها ففتح له الباب الشرقي، فدخل وملك المدينة، وحصر مجير الدين أتق في القلعة، وبذل له إقطاعًا من جملته مدينة حمص، فسلم مجير الدين القلعة إلى نور الدين، وسار إلى حمص فلم يعطه إياها نور الدين، وأعطاه بدلها بالس، فلم يرضها مجير الدين وسار عنها إلى العراق، وأقام ببغداد، وابتنى دارًا بقرب النظامية (١)، وسكنها حتى مات بها. وفيها (٢): أَخَذَ نور الدين قلعة تل باشر من الفرنج. سنة إحدى وخمسين إلى ستين وخمسمائة في سنة إحدى: ثارت (٣) بلاد إفريقية على مَنْ بها من الفرنج فقتلوهم، وسار عسكر عبد المؤمن فملك بونة، وخرج جميع أهل إفريقية عن طاعة الفرنج ما عدا المهدية وسوسة. وفيها: قبض (٤) زين الدين علي كوجك نائب قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل على الملك سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي، وكان سليمان المذكور قد قدم بغداد، وخطب له بالسلطنة في هذه السنة، وخلع عليه الخليفة وقلّده السلطنة على عادتهم، وخرج من بغداد يعسكر الخليفة ليملك به بلاد الجبل، فاقتتل هو وابن عمه السلطان محمد بن محمود بن ملكشاه (٥)، فانهزم سلمان شاه، وسار يريد بغداد على شهرزور، فخرج إليه كوجك بعسكر الموصل، فأسَرَهُ وحَبَسَهُ بقلعة الموصل مكرمًا إلى أن كان منه ما نذكره في سنة خمس وخمسين. وفيها (٦): تاسع جمادى الآخرة توفي خوارزم شاه أطسز بن محمد بن أنوش تكين وكان قد أصابه فالج فاستعمل أدوية شديدة الحرارة، فاشتد مرضُه وتوفي، وكانت

стр. 9082

ولادَتُه في رجب سنة تسعين وأربعمائة، وكان حَسنَ السيرة، ومَلَك بعده ابنه أرسلان. وفيها: توفي المَلِك مَسعود بن قِلج أرسلان بن سليمان بن قُطلومُش بن أرسلان بن سلجوق صاحب قونية وغيرها من بلاد الروم، ولما توفي مَلَك ابنه قِلِيج أرسلان. وفيها: في رمضان هرب (١) السلطان سِنجَر بن مَلِكْشاه من أسر الغُزّ وسار إلى قَلْعة تِرْمِذ، ثم إلى جِيْحون، ووصل إلى دار مُلْكه مَرو، وكان مُدة أسْره من سادس جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين إلى رمضان سنة إحدى وخمسين. وفيها (٢): بايع عبد المؤمن لولده محمد بولاية العهد، وكانت ولاية العهد بعده لأبي حفص عمر، وكان من أصحاب ابن تُومَرْت «وهو» من أكبر الموحدين، فأجاب إلى خلع نفسه، والبيعة للإبن عبد المؤمن. وفيها (٣): استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد، فاستعمل ابنه عبد الله على بِجاية وأعمالها، وابنه عمر على تلمسان وأعمالها، وابنه عليا على فاس وأعمالها، وابنه أبا سعيد على سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة، وكذلك غيرهم. وفيها: سار الملك محمد بن السلطان «محمود» (٤) السلجوقي من همذان بعساكره إلى بغداد وحصرها، وجرى بينهم قتال، وحصّن الخليفة دار الخلافة، واعتد للحصار واشتد الأمر على أهل بغداد، وبينا الملك على ذلك إذ وصل إليه الخبر إنّ أخاه ملكشاه، والدكز صاحب بلاد أران، ومعه الملك أرسلان بن طغريل بن السلطان محمد، وكان الدكز مزوجًا بأم أرسلان المذكور قد دخلوا إلى همدان، فسار الملك محمد من بغداد إليهم، في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وفيها (٥): احترقت بغداد، فاحترق درب فراشا ودرب اللبان وخرابة ابن جردة (٦) والظفرية والخاتونية ودار الخلافة، وباب الأزج، وسوق السلطان وغير ذلك. وفيها: قتل مظفر بن حماد صاحب البطيحة في الحمام، وتولى بعده ابنه (٧).

стр. 9083

وفي سنة اثنتين وخمسين: في رجب كان بالشام زلازل قوية (١)، فخربت بها حماة وشيزر وحمص، وحصن الأكراد وطرابلس وإنطاكية وغيرها من البلاد المجاورة لها حتى وقعت الأسوار والقلاع، فقام نور الدين بن زنكي في ذلك القيام الرضي من تداركها بالعمارة، وإغارته على الفرنج ليشغلهم عن قصد البلاد، وهلك تحت الردم ما لا يُحصى. ويكفي أن معلم كتاب كان بمدينة حماة فارق المكتب وجاءت الزلزلة فسقط المكتب على الصبيان كلّهم، فلم يحضر أحد ليسأل عن صبي لهلاكهم. ولما خربت شيزر بهذه الزلزلة وسقط سورها، بادر إليها بعض أمراء نور الدين «محمود بن زنكي، وكان بالغرب منها، فصعد إليها وتسلّمها وتملكها (٢)»، وعمر أسوارها وكانت شيزر لبني منقذ الكنانيين يتوارثونها من أيام صالح (٣) بن مرداس، هكذا ذكر ابن الأثير في الكامل: إن بني منقذ المذكورين ملكوا شيزر من أيام الصالح بن مرداس، وكان ملك صالح بن مرداس حلب في سنة أربع عشرة وأربعمائة، وانقضى ملكه سنة عشرين وأربعمائة. وقد ذكر ابن الأثير والقاضي شمس الدين بن خلكان والقاضي شهاب الدين ابن أبي الدم الحموي وغيرهما ما يخالف ذلك ونحن نذكر ما قالوه مختصرًا، ثم نرجع إلى ما ذكره ابن الأثير، قالوا: في سنة أربع وسبعين وأربعمائة استولى بنو منقذ على شيزر وأخذوها من الروم، قال ابن أبي الدم: وكان فَتَحَها منهم علي (٤) بن مقلد بن نصر بن منقذ قال: وورد كتابه إلى بغداد يشرح قصته، فمنه بعد البسملة: كتابي من حضرة شيزر حماها الله تعالى، وقد رزقني الله من الاستيلاء على هذا المعقل العظيم ما لم يأت لمخلوق في هذا الزمان.

стр. 9084

وإذا عرف الأمر على حقيقته علم أني هرون هذه الأمة، وسليمان الجن والمردة أفرق بين المرء وزوجه، واستنزل القمر من محله، أنا أبو النجم وشعري شعري، نظرت إلى هذا الحصن، فرأيتُ أمرًا يذهل الألباب، يسع ثلاثة آلاف بالأهل والمال، ويمسكه خمس نسوة، فعمدت إلى تل بينه وبين حصن الروم يعرف بالخواص، ويسمى هذا التل تل الجسر، فعمرته حصنًا وجمعت فيه أهلي وعشيرتي. وقفزت قفزةً على حصن الخواص فأخذته بالسيف من الروم، ومع ذلك فلما أخذت مَنْ به من الروم أَحْسَنْتُ إليهم، وأكرمتهم ومزجتهم بأهلي وعشيرتي، وخَلَطْتُ خنازيرهم بغنمي ونواقيسهم بصوت الأذان، فلما رأى أهل شيزر فعلى ذلك وأنسوا بي، ووصل إليهم من الإكرام والإتحاف، فوصل إلي منهم نصفهم، فبالغت في إكرامهم، ووصل إلى مسلم ابن قريش، فقتل منهم من أهل شزر نحو عشرين رجلا، فلما انصرف عنهم مسلم سلموا الحصن إلي. هذا خلاصة ما ذكره القاضي شهاب الدين المذكور، وبين ما ذكره وما ذكر ابن الأثير من التفاوت أكثر من خمسين سنة، قال الملك عماد الدين: والذي يخطر لي أن ما ذكره ابن الأثير أولى لأن حماة وشيزر فتحتا مع الشام على يد أبي عبيدة بن الجراح ﵁، واستمر الشام للمسلمين إلى حدود سنة تسعين وأربعمائة، فسار الفرنج إلى الشام وملكوا أعاليه بسبب اشتغال ملوك المسلمين بقتال بعضهم بعضًا، ولم يذكر ملكهم لشيزر. قال ابن الأثير (١): فلما انتهى ملك شيزر إلى نصر (٢) بن علي بن منقذ استمر فيها إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، فلما حضَرَه الموت استخلف أخاه مرشد (٣) ابن علي على حصن شيزر، فقال مرشد: والله لا وليته ولأخرجن من الدنيا كما دَخَلْتُها، ومرشد هو والد مؤيد الدولة أسامة بن منقذ. فلما امتنع مرشد من الولاية ولاها نصر أخاه الصغير سلطان الدولة بن علي، واستمر مرشد مع أخيه سلطان على أجمل صحبة مدّة من الزمان، وكان لمرشد عدّة أولاد نجباء ولم يكن لسلطان الدولة ولد، ثم جاء لسلطان الدولة أولاد فخشي عليهم

стр. 9085

من أولاد أخيه مرشد، وسعى المفسدون بين مرشد وسلطان، فتغير كل منهما على صاحبه، فكتب سلطان إلى أخيه مرشد أبياتًا يعاتبه، وكان مرشد عالمًا بالأدب والشعر فأجاب مرشد بقصيدة طويلة منها: [الطويل] شكت (١) هجرنا والذنب في ذاك ذنبها … فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا وطاوعت الواشين في وطالما … عَصَيْتُ عَذُولًا في هواها وواشيا ومال بها تيه الجمال إلى القلي (٢) … وهيهات أن أمسي لها الدهر قاليا «ومنها»: ولما أتاني من قريظك جوهر … جمعت المعالي فيه «لي» والمعانيا وكنت هجرت الشعر حينا لأنه … تولى برغمي حين ولى شبابيا «ومنها»: وقلت أخي يرعى بني وأسرتي … ويحفظ عهدي فيهم وذماميا فما لك لما أن حنى الدهر صعدتي … وثلم مني صار ما كان ماضيا تنكرت حتى صار برّك قسوةٌ … وقربك منهم (٣) جفوة وتنائيا على أنني ما حلت عما عهدته … ولا غيّرت هذي السنون وداديا وكان الأمر بين مرشد وأخيه سلطان فيه تماسك إلى أن توفي مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأظهر سلطان التغيّر على أولاد أخيه مرشد، وجاهرهم بالعداوة ففارقوا شيزر، وقصد أكبرهم نور الدين محمود بن زنكي، وشكوا إليه من عمهم سلطان، فغاظه ذلك، ولم يمكنه قصده لاشتغاله بجهاد الفرنج. وبقي سلطان كذلك إلى أن توفي وولى بعده أولاده، فلما خربت القلعة هذه السنة بالزلزلة لم يَنْجُ من بني منقذ الذين كانوا بها أحد، فإن صاحبها كان قد خَتَن ولده وعمل دعوةً للناس، وأحضر جميع بني منقذ في داره، وجاءت الزلزلة فسقطت القلعة والدار عليهم فهلكوا عن آخرهم، وكان لصاحب شيزر ابن منقذ حصان يحبّه، ولا يزال على باب داره. فلما سقطت الدار سلم من بني منقذ واحد، وهرب يطلب باب الدار، فلما خرج رفسه الحصان المذكور فقتله، وتسلم نور الدين القلعة والمدينة.

стр. 9086

وفي هذه السنة: توفي (١) السلطان سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود ابن ميكائيل بن سلجوق، أصابه قولنج، ثم إسهال فمات منه، ومولده بسنجار في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، استوطن مدينة مرو من خراسان. وقدم بغداد مع أخيه السلطان محمد واجتمع بالخليفة المستظهر، فلما مات محمد خوطب سنجر بالسلطان واستقام أمره، وأطاعته السلاطين، وخُطب له على منابر الإسلام بالسلطنة نحو أربعين سنة، وكان قبلها يخاطب بالملك نحو عشرين سنة، ولم يزل أمره عاليًا إلى أن أسره الغزّ، ولما خلص من أسرهم وكاد أن يعود إليه ملكه أَدرَكَهُ أَجَلُهُ. وكان مهيبًا كريمًا، وكانت البلاد في زمانه آمنةً، ولما وصل خبر موته إلى بغداد قطعت خطبته، ولما حضر السلطان سنجر الموت استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد بن بغراجان، وهو ابن أخت سنجر، فأقام خائفًا من الغز. وفيها (٢): استولى أبو سعيد بن عبد المؤمن على غرناطة من الأندلس، وأخذها من الملثمين، وانقرضت دولة الملثمين، ولم يبق لهم غير جزيرة ميورقة، ثم سار أبو سعيد في جزيرة الأندلس وفتح المرية، وكانت بأيدي الفرنج مدة عشر سنين. وفيها (٣): أخَذَ نور الدين بعلبك من إنسان كان استولى عليها يقال له الضحاك البقاعي (٤)، وكان قد ولاه صاحب دمشق عليها، فلما ملك نور الدن دمشق استولى الضحاك على بعلبك. وفيها (٥): قلع الخليفة المقتفي باب الكعبة، وعمل عوضه بابًا مصفحًا (٦)، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتًا فدفن فيه. وفي سنة ثلاث وخمسين: قصد (٧) السلطان ملكشاه بن محمود السلجوقي قم وقاشان ونهبهما، وكان أخوه السلطان محمد بن محمود بعد رحيله عن حصار بغداد، قد مرض وطال

стр. 9087

مرضه، فأرسل إلى أخيه محمد أن يكف عن النهب، ويجعله ولي عهده، فلم يقبل ملكشاه ذلك، ثم سار ملكشاه إلى خوزستان وأخذها من صاحبها شملة التركماني (١). وفي أواخر سنة أربع وخمسين: نزل (٢) عبد المؤمن على مدينة المهدية وأخذها من الفرنج يوم عاشوراء سنة خمس وخمسين، وملك جميع إفريقية، وكان قد ملك الإفرنج إفريقية في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وأخذوها من صاحبها الحسن بن علي بن يحيى بن تميم الصنهاجي، وبقيت في أيديهم إلى هذه السنة، ففتحها عبد المؤمن، فكان ملك الفرنج للمهدية اثنتي عشرة سنة تقريبًا، ولما ملكها عبد المؤمن أصلح أحوالها، واستعمل عليها بعض أصحابه وجعل معه الحسن بن علي الصنهاجي الذي كان صاحبها، وكان قد سار إلى بني حماد ملوك بجاية، ثم اتصل بعبد المؤمن حسبما تقدم، فأقام عنده مكرمًا إلى هذه السنة، فأعاده عبد المؤمن إلى المهدية، وأعطاه بها دورًا نفيسةً وإقطاعًا، ثم رحل عبد المؤمن عنها إلى المغرب. وفيها (٣): توفي السلطان محمد بن محمود (٤) بن محمد بن ملكشاه السلجوقي في ذي الحجة وهو الذي حاصر بغداد ولما عاد عنها لحقه سل وطال به فمات بباب همدان، وكان مولده في ربيع الآخر سنة اثنين وعشرين وخمسمائة، وكان كريمًا عاقلًا، وخلف ولدًا صغيرًا، ولما حضره الموت سلم ولده إلى أقسنقر الأحمد باي وقال: أنا أعلم أن العساكر لا تطيعه لأنه طفل، فهو وديعة عندك، فارحل به إلى بلادك. فرحل به أقسنقر إلى بلد مراغة، ولما مات السلطان محمد اختلفت الأمراء فطائفة طلبت ملكشاه أخاه، وطائفة طلبوا سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان الذي كان اعتقل في الموصل وهم الأكثر، ومنهم من طلب أرسلان بن طغريل الذي مع الدكز، وبعد موت محمد سار أخوه ملكشاه إلى أصفهان وملكها. وفيها: مرض (٥) نور الدن محمود بن زنكي مرضًا «شديدًا»، أرجف بموته بقلعة حلب، فجمع أخوه أمير ميران بن زنكي جمعًا وحصر قلعة حلب، وكان شيركوه بحمص، وهو من أكبر أمراء نور الدين، فسار إلى دمشق ليستولي عليها، وبها أخوه

стр. 9088

نجم الدين أيوب فأنكر أيوب عليه ذلك، وقال: أهلكتنا المصلحة أن تعود إلى حلب، فإن كان نور الدين حيًا خدمته في هذا الوقت، وإن كان ميتًا فأنا في دمشق أكفيكها، فعاد شيركوه إلى حلب مجدًا، وجلس نور الدين في شباك يراه الناس، فلما رأوه حيًا تفرقوا عن أخيه أمير ميران واستقامت الأحوال. وفيها (١): استقر في ملك اليمن علي بن مهدي (٢)، وأزال ملك بني نجاح على ما قدمنا في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وعلي بن مهدي المذكور من حمير من قرية يقال لها العنبرة من سواحل زبيد، وكان أبوه مهدي رجلًا صالحًا ونشأ ابنه على طريقة أبيه في العزلة والتمسك والتمسك بالصلاح، ثم حج واجتمع بالعراقيين. وتضلّع من معارفهم، ثم صار واعظًا، وكان فصيحًا صبيحًا، حسن الصوت، عالمًا بالتفسير غزير المحفوظات، وكان يتحدث في شيء من أحوال المستقبلات، فتصدق، فمالت إليه القلوب، واستفحل أمرُه، وصار له جموع فقصد الجبال، وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، ثم عاد إلى أملاكه، وكان يقول في وعظه: أيها الناس، دنا الوقت، أزف الأمر، لأنكم بما أقول لكم قد رأيتموه عيانًا، ثم عاد إلى الجبال إلى حصن يقال له المشرف، وهو لبطن من خولان وأطاعوه، وسماهم الأنصار، وسمّى كل من صعد معه من تهامة المهاجرين، وأقام على خولان رجلًا اسمه سبأ، وعلى المهاجرين رجلًا اسمه التويتي، وسمّى كلا الرجلين شيخ الإسلام، وجعلهما نقيبين على الطائفتين، فلا يخاطبه أحد غيرهما وهما يوصلان كلامه إلى الطائفتين وحوائجهما إليه، وأخذ يغادي الغارات ويراوحها على التهائم حتى أخلى البوادي، وقطع الحرث والقوافل، ثم أنه حاصر زبيد، واستمرّ مقيمًا عليها حتى «قتل» فاتك بن محمد آخر ملوك بني نجاح، قتله عبيده، وجرى بين ابن مهدي وعبيد فاتك حروب شديدة وآخرها أن ابن مهدي انتصر عليهم، وملك زبيد واستقر في دار الملك يوم الجمعة رابع عشر رجب من هذه السنة، أعني سنة أربع وخمسين، وبقي ابن مهدي في الملك شهرين وإحدى وعشرين يومًا. ومات علي بن مهدي في السنة التي ملك فيها (٣).

стр. 9089

فملك اليمن بعده ولده مهدي (١)، ثم عبد النبي (٢) بن مهدي بن علي بن مهدي، وخرجت المملكة عن عبد النبي إلى أخيه عبد الله، ثم عادت إلى عبد النبي واستقر فيها حتى سار إليه توران شاه (٣) بن أيوب من مصر في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وفتح اليمن واستقر في ملكه، وأسر عبد النبي وهو آخر ملوك اليمن من آل مهدي، وكان مذهب علي بن مهدي التكفير بالمعاصي، وقتل مَنْ خالف اعتقاده من أهل القبلة واستباحة وطيء سباياهم، واسترقاق ذراريهم وكان حنفي الفروع، وكان أصحابه يعتقدون فيه فوق ما يعتقده الناس في الأنبياء صلوات الله عليهم، ومن مذهبه قتل مَنْ شرب ومن سمع الغناء. وفي سنة خمس وخمسين: سار سليمان شاه إلى همدان، وما كان منه إلى أن مات، وسببه: أنه لما مات محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي أرسلت الأمراء، وطلبوا عمه سليمان شاه بن محمد بن ملكشاه ليولوه السلطنة، وكان قد اعتقل في الموصل مكرمًا، فجهزه قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل بشيء كثير، وجهاز يليق بالسلطنة وسار معه زين الدين علي كوجك بعسكر الموصل إلى همدان، وأقبلت العساكر إليه كل يوم تلقاه طائفة وأمير، ثم تسلطت العساكر عليه، ولم يبق له حكم، وكان سليمان شاه فيه تهوّر وخَرَق، وكان يُدمن شرب الخمر حتى شرب في رمضان، نهارًا، وكان يجمع عنده المساخر ولا يلتفت إلى الأمراء، فأهمل العسكر بابه. وكانوا لا يحضرون بابه، وكان قد ردّ جميع الأمور إلى شرف الدن كردباز (٤) الخادم، وهو من مشايخ خدّام السلاجقة، يرجع إلى دين وحسن تدبير، فاتفق أن سليمان قعد يشرب بالكشك ظاهر

стр. 9090

همدان، فحضر إليه مشايخ خدام السلاجقة، فسلّط عليهم المساخر فعبثوا بهم، فحضر إليه كردباز ولامه، فأمر من عنده من المساخر، فعبثوا بكردباز أيضًا، حتى أن بعضهم كشفوا له سؤته (١). فاتفق كردباز مع الأمراء على قبضه، وعمل كردباز دعوة عظيمة، فلما حضرها سليمان شاه قبض عله كردباز شاه وحبسه، وبقي في الحبس مدة، ثم أرسل إليه كردباز من خنقه، وقيل سقاه سما فمات في ربيع الآخر سنة ست وخمسين، ولما مات سار الدكز (٢) بعشرين ألفًا ومعه أرسلان شاه بن طغريل بن محمد بن ملكشاه بن السلطان ألب أرسلان، ووصل إلى همدان، فلقيه كردباز وأنزله بدار المملكة، وخطب لأرسلان شاه بالمملكة. وكان الدكز مزوجًا بأم أرسلان شاه، فولدت للدكز أولادًا منهم: البهلوان محمد وقزل أرسلان عثمان أبناء الدكز، وبقي الدكز أتابك أرسلان وابنه البهلوان أخو أرسلان لأمه صاحبه، وكان الدكز أحد مماليك السلطان مسعود اشتراه في أول أمره ثم أقْطَعَهُ أران وبعض بلاد أذربيجان، فعظم شأنه، وقوي أمره، ولما خطب لأرسلان شاه بالسلطنة في تلك البلاد أرسل الدكز إلى بغداد يطلب الخطبة لأرسلان شاه بالسلطنة على عادة الملوك السلجوقية، فلم يُجَبْ إلى ذلك، وقد قدمنا «ذكر» (٣) موت سليمان وولاية أرسلان ليتصل «ذكر» (٤) الحادثة. وفيها (٥): توفي الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى ابن إسماعيل الظافر إسماعيل خليفة مصر، وكانت خلافته ست سنين وشهرين، وكان عمره لما ولي خمس سنين، ولما ولي دخل الصالح بن رزيك القصر، وسأل عمّن يصلح فأحضر منهم إنسان كبير السن، فقال بعض أصحاب الصالح، لا يكون عباس أحزم منك حيث اختار الصغير،

стр. 9091

فأعاد الصالح الرجل إلى موضعه وأحضر العاضد لدين الله أبي محمد عبد الله (١) بن الأمير يوسف بن الحافظ، ولم يكن أبوه خليفة، وكان العاضد ذلك الوقت مراهقًا، فبايع له بالخلافة، وزوجه الصالح ابنته، ونقل معها من الجهاز ما لا سمع بمثله. وفيها (٢): في ربيع الآخر، توفي الخليفة المقتفي لأمر الله أبي عبيد الله محمد ابن المستظهر أبي العباس أحمد بعلة التراقيا (٣). خلافة المستنجد بالله ابن المقتفي ثاني ثلاثين خلفاء بني العباس رضي الله تعالى عنهم (٤): وبويع له لما توفي أبوه المقتفي وبايعه أهله وأقاربه، فمنهم عمه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر، وأمه أم ولد تدعى، طاووس، ثم بايع الوزير ابن هبيرة وقاضي القضاة وغيرهم. وفيها (٥): في رجب، توفي السلطان خسرو شاه بن بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، كان عادلًا من السيرة وكانت ولايته في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ولما مات ملك ابنه ملكشاه، وقيل أن خسرو شاه مات في حبس غياث الدين الغوري، وإنه آخر ملوك سبكتكين (٦)، حسبما تقدم في سنة سبع وأربعين. وفيها (٧): توفي السلطان ملكشاه بن محمود بن ملكشاه بن ألب أرسلان بأصفهان مسمومًا. وفيها (٨): حجّ أسد الدين شيركوه بن شاذي، مقدّم جيش نور الدين محمود بن زنكي.

стр. 9092

وفي سنة ست وخمسين: في (١) ربيع الآخر: توفي الملك علاء الدين الحسين (٢) بن الحسين الغوري، ملك الغور، وكان عادلًا حسن السيرة، ولما مات ملك بعده ابن أخيه غياث الدين محمد (٣) وقد قدمنا ذلك في سنة سبع وأربعين. وفيها (٤): تقدم المؤيد «أي به» السجزي (٥) بإمساك أعيان نيسابور، لأنهم كانوا رؤساء للحرامية والمفسدين، وأخذ المؤيد يقتل المفسدين فخربت نيسابور وكانت من جملة ما خرّب مسجد عقيل، وكان مجمعًا لأهل العلم، وكان فيه خزائن الكتب الموقوفة، وخرب من مدارس الحنفية سبع عشرة مدرسة وأحرق ونهب عدة من خزائن الكتب. وأما الشاذياخ، فإن عبد الله «بن» طاهر بن الحسين بناها لما كان أميرًا للمأمون (٦) على خراسان، وسكنها هو الجند، ثم خربت بعد ذلك، ثم جدّدت في أيام ألب أرسلان السلجوقي، ثم تشعثت بعد ذلك، فلما كان الآن وخربت نيسابور أمر المؤيد «أي به» بإصلاح سور الشاذياخ وسكنها هو والناس، فخربت نيسابور كل الخراب. وفي هذه السنة (٧): في رمضان قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك الأرمني، وزير العاضد العلوي، جهزت عليه عمة العاضد من قَتَلَهُ بالسكاكين، وهو داخل في دهليز القصر، فحمل إلى بيته وبه رمق فأرسل يعتب على العاضد، فأرسل العاضد يحلف له أنه ما علم بذلك، وأمسك العاضد عمته فأرسلها إلى طلائع فقتلها، وسأل العاضد أن يولّي ابنه رزيك (٨) الوزارة، ولقب العادل، ومات طلائع، فاستقر ولده العادل رزيك في الوزارة. وفيها: ملك (٩) عيسى مكة شرفها الله تعالى، وكان أمير مكة قاسم بن أبي فليتة بن

стр. 9093

قاسم بن أبي هاشم العلوي، فلما وصل أمير الحاج إلى مكة رتب عوض قاسم عمه عيسى بن قاسم بن أبي هاشم، فبقي كذلك إلى شهر رمضان، ثم إن قاسم بن أبي فليتة جمع العرب، وقصد عمه عيسى، فلما قارب مكة رحل عنها عيسى، وعاد قاسم إلى ملكها، ولم يكن معه ما يرضى به العرب، فكاتبوا عمه عيسى وصاروا معه، وقدم عيسى إليهم، وهرب قاسم وصعد إلى جبل أبي قبيس، فسقط عن فرسه، وأخذه أصحاب عمه عيسى وقتلوه، فغسله عيسى ودفنه بالمعلى عند أبيه أبي فليتة واستقرت مكة لعيسى. وفيها (١): عبر عبد المؤمن بن علي على المجاز إلى الأندلس، وبنى على جبل طارق من الأندلس مدينة حصينة، وأقام بها ستة (٢) أشهر، وعاد إلى مراكش. وفيها: ملك (٣) قرا أرسلان صاحب حصن كيفا قلعة شاتان، وكانت لطائفة من الأكراد (٤)، ولما ملكها أخربها وأضاف أعمالها إلى حصن طالب. وفي سنة سبع وخمسين: نازل (٥) نور الدين محمود بن زنكي قلعة حارم، وهي للفرنج مدة، ثم رحل عنها ولم يملكها. وفيها (٦): سارت الكرج في جمع عظيم ودخلوا بلاد الإسلام وملكوا مدينة دوين من أعمال أذربيجان، ونهبوها، ثم جمع الدكز صاحب أذربيجان جمعا وغزا الكرج، وانتصر عليهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة. وفيها (٧): حجّ الناس، فوقعت (٨) فتنة، وقتال بين صاحب مكة وأمير الحاج، فوصل الحجاج ولم يقدر بعضهم على الطواف، بعد الوقوف (٩). قال ابن الأثير (١٠): وكان ممّن حجّ ولم يطف جدّته أم أبيه، فوصلت إلى بلادها وهي على إحرامها إلى قابل، فاستفتت الشيخ أبا القاسم بن البرزي.

стр. 9094

فأفتى أنها إذا دامت على إحرامها إلى قابل وطافت كمل حجتها الأول، ثم تفدي وتحلّ، ثم تحرم إحرامًا ثانيًا وتقف بعرفات، وتكمل مناسك الحج فيصير لها حجة ثانية، فبقيت على إحرامها إلى قابل، وفعلت كما قال فتم حجها الأول والثاني. وفيها (١): مات الكيا الصنهاجي صاحب الألموت (٢)، مقدم الإسماعيلية، وقام ابنه مقامه، فأظهر التوبة. وفي سنة ثمان وخمسين: في صفر (٣) وزر شاور (٤) للعاضد لدين الله العلوي، وكان شاور يخدم الصالح ابن رزيك، فولاه الصعيد، وكانت الصعيد أكبر المناصب بعد الوزارة، ولما جرح الصالح وأوصى ولده العادل أن لا يغيّر على شاور شيئًا لعلمه بقوّة شاور. فلما تولى العادل بن الصالح الوزارة كتب إلى شاور بالعزل، فجمع شاور جموعه وسار نحو العادل إلى القاهرة، فهرب العادل، فطرد شاور وزراءه وأمسكه وقتله، وانقضت بمقتله دولة بني رزيك، واستقر شاور في الوزارة، وتلقب أمير الجيوش وأخذ أموال بني رزيك وودائعهم. ثم إن أبا الأشبال ضرغام (٥) جمع جمعًا، ونازع شاور في الوزارة في شهر رمضان وقوي على شاور، فانهزم شاور إلى الشام مستنجدًا بنور الدين ولما تمكن ضرغام من الوزارة قتل كثيرًا من الأمراء المصريين، لتخلو له البلاد، فضعفت الدولة لهذا السبب حتى خرجت البلاد من أيديهم. وفيها (٦): في العشرين من جمادى الآخر، توفي عبد المؤمن بن علي صاحب

стр. 9095

بلاد المغرب وإفريقية والأندلس، وكان قد سار من مراكش إلى سلا (١) فمرض بها ومات ولما حضره الموت جمع شيوخ الموحدين وقال لهم: قد جربت ابني محمدًا فلم أجِدْهُ يصلح لهذا الأمر، وإنما يصلح له ابني يوسف، فقدموه وبايعوه، ودعي بأمير المؤمنين (٢) واستقرت قواعد ملكه، وكانت مدة ولاية عبد المؤمن ثلاثًا وثلاثين سنة وشهورًا، وكان حازمًا سديد الرأي، حسن السياسة للأمور كثير سفك الدم على الذنب الصغير، وكان يعظم أمر الدين ويقوّيه، ويلزم الناس بالصلاة بحيث أنه من رؤي وقت الصلاة غير مصلّ قتل، وجمع الناس في المغرب على مذهب الإمام مالك ﵁ في الفروع وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول. وفيها (٣): ملك المؤيد «أي به» السجزي (٤) قومس، ولما ملكها أرسل إليه السلطان أرسلان بن طغريل بن محمد بن ملكشاه خلعةً وألوية وهدية جليلة، فلبس المؤيد الخلعة وخطب له في بلاده. وفيها (٥): كبس الفرنج نور الدين محمود وهو نازل بمعسكره في البقيعة تحت حصن الأكراد، فلم يشعر نور الدين إلا وقد أظلّت عليهم صلبان الفرنج، وقصدوا خيمة نور الدين فلسرعة ذلك ركب نور الدين فرسًا وفي رجله الشبحة، فنزل كردي وقطعها، فنجا نور الدين، وقُتل الكردي، فأحسن نور الدين إلى مخلفيه، ووقف عليهم الوقوف، وسار نور الدين إلى بحيرة حمص (٦)، فنزل عليها، وتلاحق به من سلم من المسلمين. وفيها (٧): أمر المستنجد بإخلاء بني أسد، وهم أهل الحلة المزيدية، فقتل منهم جماعة وهرب الباقون، وتشتتوا في البلاد، وذلك لفسادهم في البلاد، وسلمت بطائحهم وبلادهم إلى رجل يقال له ابن معروف.

стр. 9096

وفي سنة تسع وخمسين: سَيَّرَ (١) نور الدين محمود بن زنكي عسكرًا مقدمهم أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى الديار المصرية، ومعهم شاور، وكان قد سار من مصر هاربًا من ضِرْغام الوزير، فلحق شاور بنور الدين واستنجده وبذل له ثلث أموال مصر بعد رزق جندها إن أعاده إلى الوزارة، فوصل شيركوه إلى مصر، وهزم عسكر ضرغام عند قبر السيدة نفيسة، وأعاد شاورًا إلى وزارته. وكان مسير أسد الدين في جمادى الأولى هذه السنة. واستقر شاور في الوزارة، وخرجت إليه الخلع في مستهل رجب هذه السنة، ثم غدر شاور بنور الدين ولم يف له بشيء مما شرط، فسار أسد الدين واستولى على بلبيس والشرقية، فأرسل شاور يستنجد بالفرنج ليخرجوا أسد الدين شيركوه من البلاد، فسار الفرنج واجتمع معهم شاور بعسكر مصر، وحصروا شيركوه ببلبيس، ودام الحصار ثلاثة أشهر، وبلغ الفرنج حركة نور الدين وأخذه حارم. فراسلوا شيركوه في الصلح، وفتحوا له، فخرج من بلبيس بمن معه من العسكر، ووصلوا إلى الشام سالمين. وفيها (٢): في شهر رمضان فتح نور الدين قلعة حارم، وأخذها من الفرنج بعد مصاف جرى بينه وبين الفرنج، فانتصر نور الدين، وقَتَلَ وأسر من الفرنج عالمًا كثيرًا، وكان في جملة الأسرى البرنس صاحب إنطاكية، والقومص صاحب طرابلس وغنم منهم المسلمون شيئًا كثيرًا. وفيها (٣): في ذي الحجة سار نور الدين وفتح بانياس، وكانت بيد الفرنج من سنة الثلاث وأربعين وأربعمائة إلى هذه السنة. وفيها (٤): توفي جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في شعبان مقبوضًا عليه، وكان قد قبض عليه قطب الدين في سنة ثمان وخمسين، وكان قد تعاهد جمال الدين المذكور

стр. 9097

وأسد الدين شيركوه أنه من مات منهما قبل الآخر ينقله الآخر إلى مدينة الرسول ﷺ فيدفنه بها، فنقله شيركوه (١)، وقد ذكرنا طرفًا من أخباره مع الوزراء (٢). وفي سنة ستين وخمسمائة: في (٣) ربيع الأول توفي شاه مازندران (٤) رستم بن علي بن شهريار بن قارن، وملك بعده ابنه علاء الدين الحسن. وفيها (٥): ملك المؤيد «أي به» مدينة هراة. وفيها (٦): كان بين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان صاحب قونية وما جاورها من بلاد الروم، وبين ياغي أرسلان (٧) صاحب ملطية وما يجاورها حروب شديدة، انهزم فيها قليج أرسلان، فاتفق موت ياغي أرسلان (٨) صاحب ملطية في تلك المدة وملك بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد بن الداشمند، واستولى ذو النون بن محمد بن الداشمند على قيسارية، وملك شاهنشاه بن مسعود أخو قليج أرسلان مدينة أنكورية، واصطلح المذكورون على ذلك، واستقرت بينهم القواعد واتفقوا. وفيها (٩): توفي الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة (١٠) في جمادى الأولى. سنة إحدى وستين إلى سبعين وخمسمائة في (١١) سنة إحدى وستين: فتح نور الدين محمود حصن المنيطرة (١٢) من الشام، وكانت بيد الفرنج.

стр. 9098

وفي (١) سنة اثنتين: عاد أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية، جهزه نور الدين بألفي فارس، فوصل إلى ديار مصر واستولى على الجيزة، وأرسل شاور إلى الفرنج واستنجدهم وجمعهم، وساروا في أثر شيركوه إلى جهة الصعيد (٢) والتقوا بموضع يقال له إيوان (٣)، فانهزم الفرنج والمصريون، واستولى شيركوه على بلاد الجيزة واستغلها، ثم سار إلى الإسكندرية وملكها، وجعل فيها ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب. وعاد شيركوه إلى جهة الصعيد واجتمع عسكر مصر والفرنج وحصروا صلاح الدين بالإسكندرية مدة ثلاث شهور، فسار شيركوه إليهم، فاتفقوا على الصلح على مال (٤) يحملوه إلى شيركوه، ويُسلّم إليهم الإسكندرية ويعود إلى الشام. فتسلّم المصريون الإسكندرية في منتصف شوال من هذه السنة، وسار شيركوه إلى الشام فوصل دمشق في ثامن عشر ذي القعدة واستقر الصلح بين الفرنج والمصريين على أن يكون للفرنج بالقاهرة شحنة، وتكون أبوابها بيد فرسانهم، ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار. وفيها (٥): فتح نور الدين صافيتا والغربية. وفيها (٦): عصى غازي بن حسان صاحب منبج على نور الدين بمنبج فجهز إليه نور الدين عسكرًا أخذ منه منبج، ثم أقطعها نور الدين لقطب نور الدين ينال بن حسان أخا غازي المذكور، فبقي فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة اثنتين وسبعين. وفيها (٧): توفي فخر الدين قرا أرسلان بن داود بن سلمان بن أرتق صاحب

стр. 9099

حصن كيفا، وملك بعده نور الدين محمد. وفي سنة ثلاث وستين: فارق (١) زين الدين علي كوجك بن بكتكين نائب قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل خدمة قطب الدين واستقرّ بأربل، وكانت في إقطاعه، وكانت له أربل مع غيرها، فقنع بها وسكنها وسلّم ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين، وكان زين الدين قد عمي وطرش. وفي (٢) سنة أربع وستين: ملك نور الدين محمود قلعة جعبر وأخذها من شهاب الدين مالك بن علي بن مالك بن سالم بن مالك بن بدران العقيلي، وكانت بأيديهم من أيام السلطان ملك شاه، ولم يقدر نور الدين على أخذها إلا بعد أن أسر صاحبها المذكور بنو كلاب وأحضروه إلى نور الدين، فاجتهد به على تسليمها، فلم يفعل. فأرسل عسكرًا يقدمهم فخر الدين مسعود بن علي الزعفراني، وردفه بعسكر آخر مع مجد الدين أبي بكر المعروف بابن الداية، وكان رضيع نور الدين، وحصروا قلعة جعبر فلم يظفروا منها بشيء، ولم يزالوا على صاحبها مالك حتى سلّمها وأخذ عوضها مدينة سروج بأعمالها والملوحة من بلد حلب وعشرين ألف معجلة وباب بزاعة (٣). وفيها (٤): في ربيع الأول سار أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى ديار مصر ومعه العساكر النورية، وسبب ذلك تمكن الفرنج من الديار المصرية، وتحكمهم على المسلمين بها حتى ملكوا بلبيس قهرًا في مستهل صفر هذه السنة، وقتلوا كل من فيها، ثم ساروا من بلبيس ونزلوا على القاهرة عاشر صفر وحاصروها، أحرق شاور مدينة مصر خوفًا من أن يملكها الفرنج، وأمر أهلها، ونقلهم إلى القاهرة، فبقيت النار تعمل أربعة وخمسين يومًا، فأرسل العاضد الخليفة إلى نور الدين يستغيث به، وأرسل في الكتب شعور النساء، وصانع شاور الفرنج على ألف ألف دينار يحملها إليهم، فحمل

стр. 9100

إليهم مائة ألف دينار، وسألهم أن يرحلوا عن القاهرة، ليقدر على جمع المال فرحلوا، وجهز نور الدين العسكر مع شيركوه وأنفق فيهم المال، وأعطى شيركوه مائتي ألف دينار سوى الخيل والدواب والأسلحة. وأرسل معه عدة أمراء منهم ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب على كره منه، أحب نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب الملك من بيته، وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم، ولما قرب شيركوه من مصر رحل الفرنج على أعقابهم إلى بلادهم، وكان هذا لمصر فتحًا جديدًا، ووصل أسد الدين شيركوه إلى القاهرة في رابع ربيع الآخر، واجتمع بالعاضد وخَلَعَ عليه، وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية، وأجرى عليه وعلى عسكره الاقامات الوافرة. وشرع شاور يماطل شيركوه فيما بذله لنور الدين من تقرير المال وأفراد ثلث البلاد له، ومع ذلك فكان (١) شاور يركب كل يوم إلى أسد الدين شيركوه ويعده ويمنيه وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، ثم إن شاور عزم على أن يعمل دعوة لشيركوه وأمرائه، ويقبض عليهم، فمنعه ابنه الكامل بن شاور من ذلك، ولما رأى عسكر نور الدين من شاور ذلك عزموا على قتله، واتفق على ذلك صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك وغيرها، وعرفوا شيركوه بذلك فنهاهم عنه واتفق أن شاور قصد شيركوه على عادته، ولم يجده في المخيّم، وكان قد مضى لزيارة قبر الإمام الشافعي ﵁، فلقي صلاح الدين وجرديك شاورًا، وأعلماه برواح شيركوه إلى الزيارة. فساروا جميعًا إلى شيركوه، فوثب صلاح الدين وجرديك على شاور، ورموه عن فرسه إلى الأرض، وأمسكوه في سابع ربيع الآخر هذه السنة، فهرب أصحابه عنه، وأسروه حتى أعلموا (٢) شيركوه بما فعلوه، فحضر ولم يمكنه تخليصه، وسمع العاضد بذلك، فأرسل إلى شيركوه يطلب منه إنفاذ رأس شاور، فقتله وأنفذ رأسه إلى العاضد، ودخل عند ذلك شيركوه إلى قصر العاضد فخلع عليه للوزارة، ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش، وسار بالخلع إلى دار الوزارة وهي التي كان فيها شاور، واستقر في الأمر، وكتب له منشور بالإنشاء الفاضلي وكتب له بعد البسملة (٣):

стр. 9101

من عبد الله ووليه الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين، إلى السيد الأجل الملك المنصور سلطان الجيوش، ولي الأئمة، مجير الأمة أبي الحارث شيركوه العاضدي عضد الله به الدين وامتع بطوله أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على محمد خاتم النبيين، وسيّد المرسلين، وعلى آله الطاهرين، والأئمة المهديين وسلم تسليما. ثم ذكر تفويض أمور الخلافة إليه ووصايا، وكتب العاضد بخطه على طرة المنشور، هذا عهد لم يعهد لوزير بمثله، فتقلّد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلًا لحملها (١)، وخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبوة. ومدحت الشعراء أسد الدين ووصل إليه من الشام مديح العماد (٢) الكاتب، قصيدة أولها (٣): [البسيط] بالجد أدركت ما أدركت لا اللعب … كم راحةٍ جُنيت من دوحة التعب يا شيركوه بن شاذي دعوة مَنْ … نادى، فعرّف خير ابن لخير أب جرى الملوك وما حازوا بركضهم … من المدى في العلى ما حزت بالخبب تَمَلَّ مِنْ ملك مصر رتبةً قَصُرت … عنها الملوك فطالت سائر الرتب قد أنكئت أسد الدين الفريسة … من فتح البلاد فبادر نحوها وثبِ وفي شيركوه وقتل شاور يقول عرقلة (٤) الدمشقي: [الطويل] لقد فاز بالملك العقيم خليفة … له شيركوه العاضدي وزير هو الأسد الضاري الذي جلّ خطبُهُ … على مثلها كان اللعين يدور

стр. 9102

فلا رحم الرحمن تربة قبره … ولا زال فيها منكرًا ونكير وأما الكامل بن شاور، فلما قُتل أبوه دخل القصر وكان آخر العهد به، ولما لم يبق لأسد الدين شيركوه منازع أتاه أجَلُه ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]. فتوفي يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة وكانت ولايته شهرين وخمسة أيام، وكان شيركوه وأيوب ابني شاذي من بلد دوين (١). قال ابن الأثير (٢): وأهلهما من الأكراد الروادية، فقصدا العراق وخدما بهروز شحنة السلجوقية ببغداد، وكان أيوب أكبر من شيركوه، فجعله بهروز مستحفظًا قلعة تكريت، ولما انكسر عماد الدين زنكي من عسكر الخليفة ومر على تكريت خدمه أيوب وشيركوه، ثم إن شيركوه قتل إنسانًا بتكريت فأخرجهما بهروز من تكريت، فلحقا بخدمة علاء الدين زنكي، فأحسن إليهما، وأعطاهما إقطاعات جليلة، ولما ملك عماد الدين قلعة بعلبك جعل أيوب مستحفظًا عليها، فلما حاصره عسكر دمشق بعد موت زنكي سلّمها أيوب إليهم على إقطاع كبير، وبقى أيوب من أكبر أمراء عسكر دمشق، وبقى شيركوه نور الدين محمود بعد قتل أبيه زنكي وأقطعه نور الدين حمص والرحبة لما رأى من شجاعته، وزاده عليهما، وجعله مقدم عسكره، فلما أراد نور الدين ملك دمشق أمر شيركوه فكاتب أخاه أيوب فساعد نور الدين على فتح دمشق. وبقيا معه إلى أن أرسل شيركوه إلى مصر مرةً بعد أخرى حتى ملكها. وتوفى هذه السنة على ما ذكرناه. ولما توفي شيركوه كان معه صلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب، وكان قد سار معه على كره، قال صلاح الدين: أمرني نور الدين المسير مع عمي شيركوه، وكان قد قال شيركوه بحضرته لي: تجهز يا يوسف للمسير فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرتُ إليها فلقد قاسيت بالإسكندرية ما لا أنساه أبدًا فقال لنور الدين: لابد من مسيره معي، فأمر نور الدين وأنا أستقيل، فقال نور الدين لا بد من مسيرك مع عمك، فشكوت الضائقة، فأعطاني ما تجهزت به فكأنما أساق إلى الموت، ولما مات شركوه طلب جماعة من الأمراء النورية التقدم على العسكر وولاية الوزارة العاضدية منهم: عين الدين الياروقي، وقطب الدين ينال (٣) المنبجي، وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، خال صلاح الدين، فأرسل العاضد طلب صلاح الدين وولاه الوزارة، ولقبه الملك الناصر. فلم يطعه

стр. 9103

الأمراء المذكورون وكان مع صلاح الدين الفقيه عيسى الهكاري (١). فسعى مع المشطوب حتى أماله صلاح الدين ثم قصد الحارمي فقال هذا ابن أختك، وعزه وملكه لك، فمال إليه أيضًا، ثم فعل بالباقين كذلك فكلّهم أطاع غير عين الدولة الياروقي فإنه قال: لا أخدم يوسف وعاد إلى نور الدين بالشام، وثبت قدم صلاح الدين على أنه نائب لنور الدين، وكان نور الدين يكاتبه بالأمير الاسفهسلار (٢). ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيمًا (عن) أن يكتب اسمه، وكان لا يفرده بكتاب، بل الأمير صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية، يفعلون كذا وكذا، ثم أرسل صلاح الدين يطلب من نور الدين أباه أيوب وأهله فأرسلهم إليه نور الدين، فأعطاهم صلاح الدين الاقطاعات بمصر، وتمكّن من البلاد، وضعف أمر العاضد، ولما فوّض الأمر إلى صلاح الدين تاب عن شرب الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص لباس الجد، ودام على ذلك إلى أن توفاه الله .. قال ابن الأثير في الكامل (٣): رأيت أكثر ما يقع ممن ابتدئ الملك منه ينتقل إلى غير عقبه، فإن معاوية تغلب على الشام وملك فانتقل الملك إلى بني مروان بعده، ثم ملك السفاح من بني العباس فانتقل الملك إلى بني أخيه المنصور، ثم السامانية أول من استبدّ (٤) بالملك منهم نصر بن أحمد، فانتقل الملك إلى عقب أخيه إسماعيل، ثم عماد الدين بن بويه ملك فانتقل الملك إلى بني أخيه ركن الدين ثم ملك طغرل السلجوقي فانتقل الملك إلى بني أخيه داود، ثم شيركوه ملك فانتقل الملك إلى ابن أخيه صلاح الدين. ولما قام صلاح الدين بالملك لم يبق في عقبه بل انتقل إلى بني العادل أبي محمد، ولم يبق لأولاد صلاح الدين غير حلب، وكان سبب ذلك كثرة قتل من يتولى أولًا وأخذه الملك وعيون أصحابه فيه، فيحرم على عقبه ذلك. ولما استقر قدم صلاح الدين في الوزارة قتل موتمن الخلافة (٥)، وهو مقدم السودان، فاجتمعت السودان وهم حفاظ القصر في عدد كبير، وجرى بينهم وبين صلاح الدين وعسكره وقعة عظيمة بين القصرين، فانهزم السودان وقتل منهم خلق كثير، وتبعهم صلاح الدين فأجلاهم قتلًا وتهجيجًا، وحكم

стр. 9104

صلاح الدين على القصر، وأقام فيه بهاء الدين قراقوش (١) الأسدي، وكان خصيًا أبيض وبقي لا يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلا بأمر صلاح الدين. وفيها (٢): كان بين إينانج السجزي (٣) صاحب الري وبين الدكز حرب انتصر فيها الذكز وملك الري، وهرب إينانج وانحصر في بعض القلاع (٤)، فبعث الذكز ورغب غلمان إينانج في الاقطاعات إن قتلوا إينانج، فقتلوه ولحقوا بالذكز (فلم يف لهم وقال (٥)): مثل هؤلاء لا ينبغي الإبقاء عليهم، فهربوا إلى خارج البلاد ولحقوا بخوارزم شاه، فصلب الذي تولى منهم قتل إينانج، لخيانته أستاذه. وفيها (٦): توفي ياروق بن (٧) أرسلان التركماني، وكان مقدمًا كبيرًا وإليه تنسب الطائفة الياروقية من التركمان، وكان عظيم الخلقة يسكن بظاهر حلب، وبني على شاطئ قويق (٨) هو وأتباعه عمائر كثيرة. وتعرف الآن بالياروقية (٩) مشهورة هناك. وفي سنة خمس وستين: سارت (١٠) الفرنج إلى دمياط وحصروها، وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر وأخرج على ذلك أموالًا عظيمة، فحصروها خمسين يومًا، وخرج نور الدين فأغار على بلادهم بالشام، فرحلوا عائدين على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها. قال صلاح الدين: ما رأيت أكرم من العاضد أرسل إلي مدة مقام الفرنج دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الدواب (١١) وغيرها.

стр. 9105

وفيها (١): سار نور الدين وحاصر الكرك مدة، ثم رحل عنها. وفيها (٢): كانت زلزلة عظيمة خربت الشام، فقام نور الدين في عمارة الأسوار وحفظ البلاد أتم قيام، وكذلك خربت بلاد الفرنج فخافوا من نور الدين واشتغل كل منهم بعمارة ما يليه من بلاده عن قصد بلاد غيره. وفيها (٣): في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي بن أقسنقر، صاحب الموصل. وكان مرضه حمى حادة، ولما صرف أرباب الدولة الملك عن أبنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي إلى أخيه الذي هو أصغر منه سيف الدين (٤) غازي بن مودود، فسار عماد الدين زنكي إلى عمه نور الدين مستنصرًا به. وتوفي نور الدين وعمره أربعون سنة، وكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفًا، وكان من أحسن الملوك سيرة. وفيها (٥): توفي الملك طغرلبك بن قاروت بيك صاحب كرمان، واختلف أولاده بهرام شاه وأرسلان شاه وهو الأكبر، واستنجد كل منهما وطلب الملك فأتفق موت أرسلان شاه في تلك المدة واستقر بهرام شاه في ملك كرمان. وفيها (٦): توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية رضيع نور الدين، وكانت حلب وحارم وقلعة جعبر إقطاعه، فأمر نور الدين أخاه عليًا على إقطاعه. وفي (٧) سنة ست وستين: في تاسع ربيع الآخر، توفي الخليفة المستنجد أبو المظفر يوسف بن المقتفي، وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه، وكان قد خاف منه أستاذ داره عضد الدين أبو
следующие страницы →