هذا البيت أنشأها إلمامهم بها أقل من توريز، وبها قلعة مبنية مرحلة على بسيطها، فأما الموجود بتوريز وبالسلطانية من الفواكه فمن أنواعها خلا ما لا يطلع في البلاد المفرطة البرد كالأترج والنارنج والليم والليموا والرطب والقصب والموز وما يجري هذا المجرى فإنه لا يجيء إليها إلا محمولًا من العراق؛ وهي بلاد ما للزيتون بها نبات.
فأما ما عدا هذا من الثمار والرياحين وغالب الخضروات، فإنها لا تعدم أنواعها من كثير متوسط وقليل على اختلاف الشجر والنبات والقمح والشعير والحمص والعدس والفول متوسط الوجود بها، ولو توفرت الدواعي على الفلاحة والزرع لكثرت مغلاتها وعظمت جباياتها، لكن ملوكها لا التفات لهم إلى ذلك.
فأما الأسعار بتوريز والسلطانية فمتى نزل السلطان على جهة غلت أسعارها لكثرة أتباعه والنازلين معه مع قلة الزرع في الأصل.
وأما ما لا ينزل عليه السلطان فأسعاره رخية ولا إلى الغاية ولا يباع بتوريز والسلطانية وبلادهم - يعني أهل هذه المملكة - غالبًا في الغالب قمح ولا شعير ولا شيء مما سوى هذا إلا بالميزان، وليس لهم إلا المن (١)؛، وهو بتوريز رطلان بالبغدادي فيكون زنته مائتين وستين درهمًا وبالسلطانية المن زنته ست مائة درهم، وما معاملتهم - فكما تقدم - بالدينار الرائج.
سألت الفاضل نظام الدين أبا الفضل يحيى بن الحكيم عن السعر المتوسط في توريز والسلطانية؟ فقال: أما مع نزول السلطان فغلا حيث كان، وأما مع عدم نزوله فلا يكاد يتفاوت يباع الخبز كل منين بسدس الدينار وهو درهم واحد، وهكذا الشعير إذا رخص قليلًا.
وأما في السلطانية فعلى نسبة هذا السعر، وأما ما يباع بالأردو فأغلى لتكلف حمولته، وأما اللحم في الكل فكثير جدًا.
ومما لابد من ذكره في هذه المملكة مدينة بغداد دار السلام ومدار الإسلام؛ لأنه مما لا يجوز إهمال ذكرها وإخلاء هذا الكتاب من شيء من حالها؛ فإنَّها وإن لم تكن اليوم كرسي ملك؛ فإنها كرسي ملك الوجود.
وقد تقدم القول: إن أبا جعفر المنصور (٢) بناها وهي جنبان على ضفتي دجلة شرقي
стр. 947
وغربي كل منهما مدينة كبيرة عظيمة غنية بنفسها عن الأخرى إحداهما بناء المنصور، والأخرى بناها المهدي (١) موضع معسكره وبينهما جسران منصوبان أحدهما يعرف بالعتيق، والثاني بالجديد، وهما منصوبان على دجلة شرقًا بغرب على سفن وزواريق أوقفت في الماء ومدت بينها السلاسل الحديد المكعبة بالكعاب الثقال وفوقها الخشب الممدد، وعليها التراب مغدف بالقير (٢) يمر عليها أهل كل جانب إلى الآخر بالجمال والخيل والحمول.
стр. 948
وعلى ضفتي دجلة قصور الخلافة والمدارس والأبنية العلية بالشبابيك والطاقات (١) المطلة على دجلة، وبناؤها بالآجر - وهو المسمّى بمصر بالطوب - ومن بيوتها ما هو مفروش بالطوب، وما هو مفروش بالقير. ولهم الصنائع العجيبة في التزويق بالطوب وبها تتلاقى دجلة والفرات وبها البساتين المونقة والحدائق المحدقة.
وأما النخيل فلثمراتها فضل على ما سواها من أنواع منوعة من التمر والرطب، وبها أنواع الرياحين والخضروات والغلات وسعرها متوسط في الغالب لا يكاد يرخص.
وبها ديناران أحدهما يسمى العوال عنه اثني عشر درهمًا، الدرهم بقيراط، وجنين وذلك الدينار عشرون قيراطًا، كل قيراط ثلاث حبات، كل حبة أربع فلوس نقره (٢) عن كل فلس فلسان أحمران.
والثاني الدينار المرسل وبه أكثر مبايعتهم ومعاملات تجارهم عنه عشرة دراهم.
فأما الرطل البغدادي فوزنه مائة وثلاثون درهمًا، والمن بها مثله من توريز وهو رطلان بالتوراني.
وأما كيل الغلال بها فأكثرها الكز (٣) وهو ثلاثون كارة، كل كارة (٤) قفيزان (٥)، فيكون الكرستون قفيزان والقفيز مكوكان (٦)، والمكوك خمس عشر أق (٧).
وتختلف الكارة في الغلال والقمح والهرطبان وهو كارة كل منهما مائتان وأربعون رطلًا، وكارة الأرز ثلاث مائة رطل، وكارة كل من الشعير والحمص والعدس والهرطبان مائتا رطل، وكارة الحبة السوداء المسمّاة بالشونيز مائة رطل.
قال الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم: أنَّ القانون ببغداد إن كر القمح تسعة وثلاثون دينارًا ونصف دينار، والشعير خمسة عشر دينارًا كلاهما من العوال.
قال: ولعل هذا هو السعر المتوسط لا يكاد يميل فيه القانون عن معدله، وأما إذا كان المشتى ببغداد فناهيك بقلة الأقوات والغلاء الزائد. وإذا شتى السلطان ببغداد
стр. 949
فناهيك بقلة الأقوات، نزل بدار تعرف بالجاثيلق (١) من أدر الخلافة هي الآن باقية البناء تامة البهجة صالحة المنازل للملوك.
قال قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري: إنها ليست من ديار الخلفاء بل هي دار الدوادار (٢) الكبير، وكان قد نزلها الجاثليق في زمان هولاكو. وكان معظمًا عنده لمكانه من قطر خاتون زوجة هولاكو (٣).
ولقد سألت الصدر مجد الدين بن الدوري عن السبب في قلة الغلال ببلاد العراق مع امتداد سوادها وقبول أرضها للنبات؟ فقال: لهذا سببان! قلة الزرع لما استهلكه القتل زمان هولاكو وميرة العراق لما جاوره من البلاد.
وببغداد خاصة، وهذه المملكة عامة الآثار الجميلة والآثار الباقية من الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق (٤) والربط والبيمارستانات (٥) والصدقات الجارية ووجوه البر المتعددة، ومن يوفي صفات محاسن العراق، وقد كانت قبلة ملوك الآفاق وما بالعهد من قدم، ومنها قلائد الأعناق، وترابها لمى القبل وإثمد الأحداق.
وسألت الفاضل نظام الدين أبا الفضل يحيى بن الحكيم: إن كانت الأوقاف باقية في نواحي هذه المملكة عليها الآن أم تناولتها أيدي العدوان فأخبرني بأنها جميعها جارية في مجاريها لم يتعرَّض إليها متعرّض لا في دولة هولاكو ولا فيما بعدها، بل كل وقف بيد متوليه ومن له الولاية عليه؛ وكل ما يقال من نقص أحوال الأوقاف بالإيران جميعًا هو من سوء ولاة أمورها لا من سواهم.
وحدثني هذا الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري بكثير من أحوال هذه المملكة وقواعد ملوكها وترتيب جنودها وجيوشها؛ فمما حدثني: أن السلاطين بها لا التفات لهم إلى أمر ولا نهي في البلاد ولا في متحصلات الدخل والخرج فيها، بل الوزير هو حامل هذه الأعباء، وله التصرف المطلق في الولاية والعزل والعطاء والمنع لا يشاور السلطان إلا على ما جلّ من المهمات فيما قلّ من الأمور كلها وبيده عقدها وحلّها.
стр. 950
فأما أمر الجيوش والعساكر فإلى كبير أمراء الألوس؛ وهو المسمى بكلاري بك أي أمير الأمراء - كما كان قطلوشاه (١) مع السلطانين محمود غازان وأخيه محمد خدابنده، وجوبان مع محمد خدابنده، ثم بعده مع ولده السلطان أبو سعيد بهادرخان.
وهذا القائم الآن الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا (٢) مع السلطان محمد بن طشتمر بن اسنتمر بن عبرجي (٣).
وأمراء الألوس أربعة: بكلاري بك وثلاثة آخرون، ويسمى هؤلاء الأربعة أمراء القول، ويشترط أن يكون هؤلاء هم الذين تكتب أسماؤهم في اليراليغ (٤) والفرمانات (٥) بعد اسم السلطان ثم اسم الوزير بعدهم ولا يتوقف في كتابه .. اسم من الأسماء ممن هو غائب منهم عن الأردو، بل تكتب أسماؤهم كلهم حضر منهم من حضر، وغاب من غاب، وكل ذي سيف لا يخرج أمره عن القائم بهذه الوظيفة التي هي إمرة أمراء الألوس، وكل ذي قلم ومنصب شرعي لا يخرج عن الوزير.
وطبقات الأمراء أعلاها النوين (٦) وهو أمير عشرة آلاف، ثم أمير ألف، ثم أمير مائة، ثم أمير عشرة. هذه طبقات رتبهم لا نقص فيها ولا مزيد عليها.
وعامة العسكر لا تزال أسماؤهم في دواوينهم على الأفراد، بل كل طائفة عليهم في الديوان فارس معين إذا رسم له بالركوب ركب منهم العدة المطلوبة.
وسألت الفاضل أبا الفضائل يحيى بن الحكيم عن مقدار عدة الجيش؟ فقال: أما المنزل في دواوينهم فما يبلغ عشرين تومانًا (٧)، وأما إذا أرادوا ركبوا بثلاثين تومانًا وما يزيد عليها، وهم اليوم في انبتات شمل، وشتات آراء لا يلتئم لهم جمع ولا يضمهم وفاق.
قلتُ له: فكم مقدار ما لهؤلاء من الأرزاق، فقال: أما ما هو مستقر لهم في دواوينهم من زمان هولاكو فلا يرضى أحدهم من كبارهم به ولا بأضعافه مرات.
стр. 951
وأما الصغار فما يتجاوز أحدهم المستقرّ له، قلت: فكم هو المستقرّ في الديوان وبكم تقنع كبارهم الآن؟ فقال: المقرر من قديم لكل نونين أمير تومان تومان - وهو عشرة آلاف دينار رائج - منها ستون ألف درهم.
وأما اليوم فما يقنع النوين منهم إلا بخمسين تومانًا - وهي خمسمائة ألف دينار رائج - عنها ثلاثة آلاف ألف درهم، ومن خمسين تومانًا إلى أربعين تومانًا.
وأما كبيرهم بكلاري بك فالذي استقرّ لجوبان ثم لمن بعده ثلاث مائة تومان - وهي ثلاثة آلاف ألف دينار عنها ثمانية عشر ألف ألف درهم - مع ما يحصل لكل من أمراء الألوس الأربعة من الخدم الكثيرة في البلاد جميعًا عند تقريرات الضمان لها على ضمانها، على ما تنبه عليه في موضعه.
قال: وأما أمير الألف ومن دونه فلا يتجاوز أحد منهم مقرره القديم في الديوان لأمير الألف ألف دينار رائج عنها ستة آلاف درهم.
وأما أمير المائة والعشر وكل واحد من العسكر - أي الجند - فمائة دينار رائج عنها ستمائة درهم لا تفاوت بينهم، هذا هو المقرر الجاري من قديم؛ وإنما تبقى مزية أمير المائة أو العشرة أنه يأخذ لنفسه شيئًا مما هو للعسكرية.
ولكل طائفة أرض لنزولهم توارثها الخلف عن السلف منذ ملك هولاكو هذه البلاد، وفيها منازلهم، ولهم بها مزدرع لأقواتهم لكنّهم لا يعيشون بالحرث والزرع، هذه جملة ما هو لعساكر إيران ما ازداد وما هو مستقر في الديوان.
وأما الخواتين فالذي لهنّ الآن منه ما يبلغ للخاتون الواحدة مائتا تومانًا؛ وهو ألف ألف دينار عنها اثنا عشر الف ألف درهم وما دون ذلك إلى عشرين تومانًا؛ وهو مائتا ألف دينار عنها ألفا ألف ومائتا ألف درهم.
وقال لي الفاضل أبو الفضل يحيى بن الحكيم: وهذا قد يزيد وينقص؛ وأما الوزير فله مائة وخمسون تومانًا؛ وهو ألف ألف وخمسمائة ألف دينار رائج عنها تسعة آلاف ألف درهم.
قال: ولا يقنع بعشرة أضعاف هذا في تقارير البلاد.
وأما الخواجكية (١) من أرباب الأقلام فمنهم من يبلغ في السنة ثلاثين تومانًا؛ وهي ثلاث مائة ألف دينار عنها ألف ألف وثمانمائة ألف درهم.
قال: وبهذه المملكة ما لا يحصى من الإدارات والمعيشات والمرسومات حتى إنَّ بعض الرواتب تبلغ عشرين ألف دينار. وأما الادرارات من المبلغ فإنها تبقى
стр. 952
لصاحبها كالملك يتصرف فيه كيف يشاء من بيع وهبة ووقف لمن أراد، والمعايش لمدة الحياة لا غير والمرسومات والإنعامات.
قال: وهي مما لا يحصى.
قال: ومن هؤلاء من المستوفين (١) من له الضبط على اتساع أقطار الممالك.
قال: وأما وظيفة القضاء فعادة هذه المملكة أن يكون بها في صحبة السلطان قاضي قضاة الممالك؛ وهو يولّي في جميع المملكة على تنائي أقطارها إلا العراق فإنَّ لبغداد قاضي قضاة مستقل بها يولي بها، وفي بلادها جميع عراق العرب.
وقال لي قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري: إنَّ آخر ما استقر له ست قري وتومان عشرة آلاف دينار في السنة.
قال الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم: إنَّ ملوك هذه المملكة وأمراءها لهم ميل كلي إلى الشراب؛ فملوكها اشتغالهم كله بلذاتهم، وأمور دولتهم منقسمة بين أمير الألوس والوزير على ما تقدم، ولاشتغال سلاطينهم باللذات وانعكافهم على منى نفوسهم، ومنتهى شهواتهم عرضوا عن تدبير البلاد وأحوالها ولم يفكروا في مالها إن كثر أو قل. وبملتهم كيش (٢) ونعمان وهما مغاص اللؤلؤ، وبالدامغان في حيلها معدن ذهب.
قال لي شيخنا الإمام العلامة فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود الأصفهاني: إنَّ هذا المعدن قليل المتحصل لكثرة ما يحتاج من الكلف حتى يستخرج. وبشنكاوة شرقي العجم البازهر (٣) الحيواني يوجد بمعاليق الايايل؛ وهو الذي لا يباريه شيء في مقاومة السموم.
قال ابن البيطار (٤): وأجوده الأصفر ثم الأغبر، وخاصة النقع من السموم
стр. 953
الحيوانية والنباتية ومن عض الهوام ولدغها، وإذا شرب منه مسحوقًا أو مسحولًا وزن اثني عشرة شعيرة خلص من الموت، وإذا امتصه تبادر للسم نفعه، وإن نثر على موضع لسع الهوام حين يلسع اجتذب السم.
وبها الإثمد على مسافة يوم من أصبهان (١) في حفر بالأرض وهو الذي لا يقوم شيء مقامه، وإنما قل النوع الجيد الآن.
سألت شيخنا شمس الدين محمود الأصفهاني عن سبب قلته؟ فقال: لانقطاع عرقه فما بقي منه يوجد إلا ما يُرى منه.
وبهذه المملكة مستعملات القماش الفاخر من النخ والمخمل (٢)، والكمخا، والعتابي والنصافي والصوف الأبيض المارديني (٣)؛ وهو النهاية في بابه.
وتعمل البسط الفاخرة في مواضع بها مثل شيراز (٤) واقصرا (٥) وتوريز.
وحدثني شيخنا فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود الأصفهاني: أنَّ بمدينة قشمير مسيرة ثلاثة أيام عن أصفهان عين ماء سارحة نزرة يسمّى ماؤها بماء الجرادلة خاصية أن يحمل من مائها في إناء إلى الأرض التي أتاها الجراد فيعلق ذلك الإناء في تلك الأرض فيقصدها ما لا يحصى من طير يقال له سار (٦) يأكل ما فيها من الجراد حتى يفنى.
قال لي شيخنا شمس الدين وتعليق هذه الإناء شرط في خاصيته بحيث لا يمس الأرض في طريقه، ولا في مكان تعليقه.
وحكى لي الأمير السيد المجيد في كتابه محمد بن حيدر الشيرازي: أنه بين الدامغان واستراباذ من خراسان عينًا ظاهرة إذا ألقي فيها نحاسة فار ماؤها وأزبدت
стр. 954
وتكدّر جوّها (١).
وحدثني شيخنا فريد الدهر شمس الدين الأصفهاني: أن بمازندران وهي المسماة طبرستان عين ماء، من حمل من مائها تبعته دودة طول أنملة الإنسان؛ فلو حمل الماء تسعة وكان معهم عاشر لم يحمل الماء تبع كل واحد منهم تلك الدودة واستحال الماء مرًا لوقته، واستحال ماء كل من هو وراءه مرًا، وأما من هو على جانبه فلا يستحيل ماؤه.
ومن عادة هذا السلطان أن يصحبه في الأردو في كل حل ومرتحل أعيان من العلماء والمدرسين برواتب جاريات على السلطان، ومع كل منهم فقهاء وطلباء.
وهؤلاء هم المسمّون بمدرسي السيارة، ومعهم أعيان الحواصلية الرؤساء، وطوائف الدواوين والكتاب ومن جميع أرباب الصنائع والمهن حتى يكون الأردو كالمدينة العظيمة يترك ويرحل معه.
وأخبرني الصدر مجد الدين إسماعيل السلامي: أنه يوجد بالأردو خيم وخركاوات منصوبة تكترى للناس (٢) لمن يصحب الأردو وما له مأوى أو من يجيء غريبًا إليها يكتريها وينزلها فيها وبها الكبار والمتوسطات والصغار. وأسواقهم وهي المسماة بالبازار (٣) مشتملة على ما يكون في المدن العظام من الملبوس والمطعوم والمشروب وغير ذلك مما لا حاجة بنا إلى ذكره، وليس يعترض ناسكهم على فاتكهم، ولا قاتلهم من بأسهم.
ومن قاعدة هذا السلطان أنه إذا ترك منزلًا وهو المسمى عندهم اليرق (٤) ينصبه بالبعد منه غلمان لا يتجاوزهم راكبه، وأمراؤه يلتزم معه أعظم الآداب فما منهم أحد إذا قارب خركاة القان على نحو عشرين غلوة نشاب أو أكثر إلا ينزل عن فرسه ويمشي.
قال لي الصدر مجد الدين إسماعيل: إنَّه رأى جوبان على ما كان بلغ من
стр. 955
العظمة، وأبو سعيد معه اسم بلا معنى، وهو متى وقعت عينه على الأردو نزل ومشى فيتعب لبعد المسافة فيقعد على كرسي صندلي (١) ليستريح ثم يمشي ثم يقعد ليستريح مرات حتى يصل إلى باب الكرباس (٢)؛ وهو باب الخان.
قال: ولكل من الخواتين، وكل من الأمراء الأكابر يرق بذاته ينزل فيه، وكل يرق من هذه كامل بالأسواق، وكل ما يحتاج إليه من عادة هذا السلطان أن لا يعمل مواكب ولا يجلس لخدمة ولا لقراءة قصص عليه، وإبلاغ مظالم إليه، بل له من أبناء الأمراء خاصة له يقال لهم الأبناء فيه هؤلاء هم حوله لا يكاد منهم من يفارقه.
فأما الأمراء، فإنهم يركبون في غالب الأيام إلى باب الكرباس، وينصب لهم هناك كراسي صندلية (٣) يجلس كل أمير على كرسي بحسب مراتبهم الأعلى ثم الأدنى، ويدخل الوزير في بكرة كل يوم على القان ويبقى الأمراء على باب الكرباس إما يخرج القان أو يأذن لهم، أو لا هذا ولا هذا فإذا حضر طعام القان بعث إلى كل أمير منهم شيئًا للأكل بمفرده يأكله هو ومن انضم معه ثم يتفرقون، كل واحد إلى من اتفق بحضوره من الأمراء حضر، ومن لم يحضر لم يطلب بحضور إلا إن دعت الحاجة إلى طلب أحد منهم طلبًا.
ولهؤلاء شغل شاغل بالركوب إلى الصيد في غالب أيامهم فهم يجتمعون بعضهم ببعض ولهذا ما لهم يوم مخصوص بموكب ولا خدمة. فأما من له ظلامة فشكواه إن كانت متعلقة بالعسكرية إلى أمير الألوس، وإن كانت متعلقة بالبلاد والأموال والرعايا فشكواه إلى الوزير.
وفي الغالب ما يكون أمير الألوس بالأردو لانفراده في المصيف أو في المشتى أو الصيد أو قصد ثغر من الثغور، فغالب الشكاوي على أطلاقها مردودة إلى الوزير وليست في هذه البلاد قاعدة محفوظة تمشي على نظامها بل كل من انضوى إلى خاتون من الخواتين، أو أمير من الأمراء أو كبير من الخواجكية قام بأمره إما في قضاء حاجة يطليها أو إزالة ظلامة يشكوها حتى من الخواتين والأمراء من يقتل ويوسط بيده بغير أمر القان ولأمير الألوس.
стр. 956
وأما اليرالغ (١) والأحكام الصادرة عنهم فالمتعلق بالأموال يسمى الطرطمغا (٢)، وهذه صادرة عن رأي الوزارة، وأمره المتعلّق بالألجية (٣) وهو البريد يسمى وهي أيضًا صادرة عن الوزير قد أقام لها أناسًا بذاتهم ومرجوعهم إليه المتعلق بالعسكر يسمّى .. وهو صادر عن أمير الألوس.
وليس لأحدٍ على الجميع خط إلا الوزير، وإنما العادة أن يأمر الوزير بكتابة ما يرى ثم تؤخذ خطوط المتحدثين في ذلك الذي يكتب ثم تحرر مسودة وتعرض على الوزير فيأمر بتبيضها فإذا بيضت كتبت؛ كما نبهنا عليه من قبل اسم السلطان ثم تحته اسم الأمراء الأربعة ويخلّى تحته مكان هو غير من يكتب ثم يأتي الوزير ويكتب في المكان الخالي: فلان سووي - أي هذا كلام فلان - يسمى نفسه، ثم إن كان متعلقًا بالمال أثبت حيث يثبته مثله وإلا فلا.
وأما المتعلق بالعسكر فمنشأ الأمر فيه عن أمير الألوس يأمر به، ثم على بقية الترتيب ولا خط لأمير الألوس بيده.
وقاعدة أصحاب الولائم من الدواوين عندهم - كما هو بمصر والشام - لا يعلم صاحب علامة حتى يرى خط نائبه عليه أولًا، ليعلم أنه قد نزله عنده.
وأخبرني الفاضل أبو الفضائل يحيى بن الحكيم: أنَّ الذي للأمراء والعسكرية لا يكتب به مرسوم؛ لأنَّ كلَّ طائفة ورثت طائفة ورثت مالها من ذلك عن آبائها وهم على الجهات التي قرّرها لهم هولاكو لا يتغير بزيادة ولا نقص إلا أكابر الأمراء الذين حصلت لهم الزيادات فإن ذلك الوقت كتب لهم بها بأمر القان أصدر بها الوزراء عنه.
قال: ومن الخواتين والأمراء من أخذ بماله و ببعضه بلادًا فهي له مما له وكثيرًا من أخذ بلدًا عن مبلغ متحصل ذلك الملك أضعافه وأقلّ هذه المملكة قد داخلهم العجم وزوجوهم وتزوجوا منهم وخلطوهم بالنفوس في الأمور فلهذا تفخمت قواعدهم وجرت على عوائد الخلفاء والملوك في غالب الأمور قوانينهم.
ولقد كان هولاكو من أول ما أخذ بغداد على نية إجراء الأمور في مجاريها وإبقاء الأحوال على ما كانت ولكنه ما تهيأ له لشدّة من كان معه على المغولية
стр. 957
وإفراط تخوف الناس منهم؛ فإنَّهم لكثرة خوفهم منه تجنبوا لقاءه فزالت عنهم رتبهم وتغيرت عليهم أحوالهم. ولقد كان يقنع منهم بالطاعة والانقياد والمدارة بالمال عن استئصال البلاد ولكن المقادير لا ترد سهامها ولا تصدّ أحكامها.
وفي هذه المملكة عدة ملوك مثل صاحب هَرَّى (١) - وهي - هَرَّى من خراسان - في أخريات البلاد مجاورة لكرمان، وبها ملك من بقايا ملوك السبكتكينية يتوارثون ملكها ذات بلاد وأعمال وجباية وأموال وسلطانها عسكر، يقال: إنها عشرون ألفًا، وهم لا يبلغون ذلك. وكان قد آل ملكها إلى غياث الدين محمد السبكتكيني، وإليه لجأ جوبان بن جلو - أمير ألوس إيران - في واقعته مع السلطان أبو سعيد فإن لصحبة كانت بينهما، وكان مع جوبان ولده خلوقان وهو ابن بنت السلطان محمد أولجايتو خدابندة - وهي أخت السلطان أبي سعيد فتلقاهما وأنزلهما في القلعة عنده ثم خنقهما تقربًا إلى السلطان أبي سعيد وبعث بإبهام جوبان وكان بهاإصبع زائدة إلى حضرة بوسعيد إعلامًا بتحقيق قتله. وكان بوسعيد قد تزوج ببغداد خاتون بنت جوبان بعد تحيده منه فأمر بإقامة العزاء عليها، ثم نقل جثتهما إلى حضرته وجدد العزاء عليهما، ثم حملا إلى مكة المعظمة فطيف بهما، ثم حملا إلى المدينة الشريفة النبوية فدفنا بالبقيع منها (٢).
ومات غياث الدين - المذكور - وانتقل الملك بعده لولده.
وهذه هري مدينة جليلة من أجل مدن خراسان مشهورة موصوفة بالحسن والنعمة وبها الماء السارح والشجر الكثير رخية الأسعار حكمها حكم ما سواها من خراسان إلا إنها مملكة تتداولها ملوك، وكلهم في طاعة صاحب إيران وتحت أمره. وعسكر هري من الفرس وفيهم البهالوين (٣) ذوو البأس والقوة.
وأخبرني شيخنا فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود الأصفهاني: أنَّ بالقرب من هري شيخ موجود اسمه شهاب الدين أحمد الجامي جليل القدر واسع الحرمة والمال، له خمسة آلاف مملوك يصرفهم في أرزاقه، ومكاسبهم كثيرة ومستغلات أملاكه وزروعه وتربية دود القز واستخراج الحرير له، وعمله بما يجيء منه
стр. 958
الجمل الكثيرة التي لا تكاد تحصر.
قال: وهذا الجامي مرعي الجانب عند سلاطين إيران، كان يفرش سجادته إلى جانب السلطان خدابنده، فقيل لخدابنده: كيف بلغ هذا منك هذه الرتبة؟ قال: كنت مجردًا في زمان أخي محمود غازان بستين ألف فارس فضاق بنا الوقت لقلة ما نأكل نحن ودوابنا فأقام بنا جميعًا هذا الشيخ أربعة أشهر من ماله.
وحكى لي من أثق بقوله: أنه رآه على منى وهو حاج ومعه ألف جمل أو أثقل عليها أمواله وأثقاله.
قال ورأيت غياث الدين صاحب هري واقفًا في خدمة الجامي والجامي (١)، قاعد لا يكترث بوقوف صاحب هري بين يديه.
وبهذه المملكة أبلة البصرة (٢) وشِعْب بَوَّان (٣) وهما نصف متنزهات الدنيا الأربعة ذات المحاسن المنوعة.
فأما الأبلة فمدينة قديمة دثرت الآن وبقي متنزهها على ما كان، والأبله نهر مشتق من دجلة مرفوع إلى البصرة لسقي بساتينها.
والبصرة أشهر من أن توصف حدائقها الملتفة، وجداولها المحتفة وما تفتر به رياضها من بدائع الزهرات، وتفردت به حدائقها من يانع الثمرات.
قال الجاحظ (٤): ونهر الأبلة شقه زياد مقابلة نهر معقل، وبينهما البساتين الكثيفة والاشجار والزهور الرقيقة، وهو مكان بديع.
стр. 959
والقصور العالية والمباني البديعة، يتسلل مجراه، وتتهلل بكره وعشاياه، وتظله الشجر وتغني به زمر الطير وهي من الحسن حيث يشهده العيان ويظهره فنون الأفنان.
والأبلة هي المدينة القديمة وإنّما اختطت البصرة عرضها، وفيه يقول القاضي التنوخي (١): [من الكامل]
أحبب إليَّ بنهر معقل الذي … فيه التسلّي عَنْ هُمومي معقل
عذبٌ إِذا ما عَلَّ منه ناهل … فكأَنَّهُ في ريقِ حِبِّ يَنْهَلُ
مُتسلسل وكأنَّهُ لصفائِهِ … دمعُ بخَدي كاعب يتسلسل
وكأنه ياقوتة أو أعين … زُرقِ تلاءم بينها وتفصل
عذب فما تدري أماءً ماؤها … عند المذاقة أم رحيق سلسل
وله بِمَد بعد جزر ذاهب … جيشان يذهب ذا وهذا يُقبل
وإذا نظرت إلى الأبلة خلتها … من جنة الفردوس حين تخيل
كم منزل في نهرها إلى السرور … بأَنَّهُ في غيرها لا ينزل
стр. 960
وكأَنَّما تلك القصور عرايس … والروضُ حَلي وهو فيه ترفلُ
غنت قيان الطير في أرجائها … هَرْجًا يُفل لها الثقيل الأول
وتعانقت تلك الغصون فأذكرت … يوم الوداع وغيرهم يترحل
ربع الربيع بها فحاكتْ كفُهُ … حُللًا بها عَقَدُ الهموم مُحلَّلُ
فَمُدَبَّجٌ ومُوشَّح ومدنَّرٌ … ومُعمّدٌ ومُحبّرٌ ومُهلل
فتخالُ ذا عَيْنًا وذا خَدًا وذا … ثغرًا يُعضَّضُ مَرَّةً ويُقبّلُ
ويحيط بالأبلة نهرها المشتق لها ونهر المعقل؛ فلهذا صارت بين سلكيهما في أبهى منظر وأحرز معقل، وبها النخيل المائسات القدود المائلات في خُضْر البرود شيء رطبها الجنية، وثمراتها الهنية كأنها السكر المذاب بل شفاه لعس معسولة الرضاب.
وأما شعب بوان فهو بظاهر همدان يشرف عليها من جبل يقال له بالفارسية الرند، والشعب في سفحه يضاحك في الأفق ثغر، صبحه، والأنهار تنحط عليه من أعلى الجبل، ويناجيه صبها برقة الغزل، يتيه على أنديتها مقبلًا، ويترامى على شفاهها الحو مقبّلًا، قد تكسرت على رياها فأوهمت الغواني في حلاها بقلب عوارضها المخضرة كالعذار، والتفتت حدائقها إليها كأَنَّها اعتذار؛ وهو من أبدع بقاع الأرض منظرًا، وأندى دوحًا نضرًا.
قال المبرد (١): أشرفت على شعب بوان فنظرت فإذا بماء منحدر كأَنَّه سلاسل فضة وتربة كالكافورة، وروضة كالثوب الموشى، واشجار متهادلة، وأطيار متجاوبة.
ولقد حدثني من رآها، وطيب مفارقه بثراها، أنها تذهب بالألباب، ويذهب بها عصر الشباب، لا تكاد الشمس تسقط من إردانها، ولا الكوكب تغيب من فرجات أغصانها.
стр. 961
ولقد مر أبو الطيب المتنبي (١) بشعب بوان لما توجه إلى عضد الدولة ابن بويه (٢) واستطابه واستطال نزولًا به، واستطار إعجابًا بما هزّه فيه هزة الحمام من
стр. 962
طربه؛ فلما سمع لغة أهله العجم، وقاس إلى فصاحته قومه البكم استغرب بينهم نفسه، فقال (١): [من الوافر]
مغاني الشِّعب طيبًا في المغاني … بمنزلة الربيع من الزمان
ولكن الفتى العربي فيها … غريب الوجه واليد واللسان
مَلاعِبٌ جِنَّةٍ لو سار فيها … سُليمان لسار بترجمان
طَبَتْ فرساننا والخيل حتى … خَشِيْتُ وإِنْ كُرمن من الحران
غدونا تنفض الأغصانُ فيهِ … على أعرافها مثل الجمان
فَسِرْتُ وقَدْ حَجَبنَ الشمس عني … وجِئْنَ منَ الضياء بما كفاني
وألقى الشرق منها في ثيابي … دنانيرًا تَفِرُّ منَ البَنانِ
لها ثمر تُشير إليك منها … بأشربة وقفن بلا أواني
يقولُ بشعبِ بَوَّانٍ حِصاني … أعَنْ هذا يُسار إلى الطعان
وقد ذكرنا ما اشتملت عليه هذه المملكة الجليلة من الأقاليم، وجملًا من محاسن هذه المملكة وترتيبها، وسنذكر الآن ما لابد منه؛ فمن ذلك:
«بلاد الجبال»: وهي تشتمل على المياه التي تجري على البصرة والكوفة، وحدها الشرقي مفازة خراسان وفارس وأصبهان والغربي أذربيجان، والشمالي الديلم والري وقزوين والجنوبي العراق وخوزستان.
وتشتمل على مدن مشهورة - ذكرناها فيما تقدم من الكتاب ..
وبلاد الديلم وهي سهل وجبلان؛ فأما السهل فهو بلاد الجيل وما معها؛ وهي الآن تسمى كيلان، والجبل ممتد عليها من الجنوب إلى الشمال، وطبرستان هي كيلان أو في حكمها، وكذلك مازندران.
وكيلان وإن كانت من هذه المملكة فإنها مفردة لملوك سيأتي ذكرهم.
стр. 963
وسجستان ومنها هرمز بلاد تحيط بها مما يلي الشرق مفازة بين أرض مكران وأرض السند وبين سجستان وفارس، ومن ناحية الغرب خراسان، وشيء من أرض الهند، ومما يلي الشمال أرض الهند، ومما يلي الجنوب المفازة التي بين سجستان وفارس وكرمان وخراسان ويشتمل على كور ويحيط به من شرقيه نواحي سجستان وبلاد الهند وجبال الغور وغربيه مفازة العرية وناحية جرجان، وشماليه ما وراء النهر، وشيء من بلاد الترك، وجنوبيه مفازة فارس وريفه، ومن الغرب من حد قومس إلى المغرب وفيها من حد جرجان وبحر الخزر إلى خوارزم على العمارة.
ومن الناس من يعد هراة/ من خراسان ومنهم من يعدها بذاتها، وأقدم مدنها بناءً مرو الشاهجان.
قال: إنها من بناء ذي القرنين وهي في أرض مستوية بعيدة عن الجبال لا يرى فيها جبل وهي كثيرة الرمال، وفيها ظهرت دولة بني العباس في دار آل أبي النجم المعيطي.
وأحصن مدنها مدينة نسا؛ وهي في غاية الحصانة كثيرة المياه والبساتين.
ومن خراسان قوهستان وأهلها كلهم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، وأرمينية وأران وأذربيجان.
حدودها مما يلي الشرق الجبال وبلاد الديلم وشرقي بحر الخزر، ومما يلي الغرب حدود بلاد الأرمن، ومن جهة الشمال اللان وجبال القبق، ومن الجنوب العراق وبعض الجزيرة.
وأجل هذه النواحي أذربيجان، وأجل مدنها قديمًا أردبيل.
قال الزواوي: تكون أعمالها ثلاثين فرسخًا وبها كانت كبار الإمارة في صدر الإسلام، ثم كانت تليها مراغة. وكانت قديمًا مقرًا للجند وتليها أرمينية وبينها وبين مراغة بحيرة كيودان وهي مالحة، وليس بها سمك ولا دابة وتختلف فيها المراكب بين أرمينية ومراغة وطولها نحو عشرين فرسخًا. فأما مذ بنيت توريز لم تبق يذكره معها سواها.
وفي أران باب الأبواب وهي مدينة على بحر الخزر؛ وهي ميناء ذلك البحر واليها مرسى السفن.
وكرجستان هي داخلة في حدود ما ذكرنا مع أرمينية ومدينتها تفليس (١) على نهر
стр. 964
الكر - وقد تقدم ذكر الحال مفصلًا فيما تقدم -
والجزيرة وديار بكر وربيعة ومضر وهي مصاقبة لبلاد العراق وجزيرة العرب والجزيرة بين الفرات ودجلة، وقد كانت هذه بمجموعها مملكة جليلة قائمة بذاتها في الدولة الأتابكية وخوزستان.
وشرقيها حد فارس وأصبهان، وغربيها رستاق واسط، وشماليها حدّ الصيمرة والكرج - كرج أبي دلف وهو قصور مفرقة - والكرّ حتى يتصل على غربي الجبال، أي إلى أصبهان والجنوبي ينتهي بعضه إلى بحر فارس وبعضه إلى رستاق واسط، والبحر دائر عليها من آخر الشرقي إلى أوّل الغربي وجبال القفص والبلوص في حدها الجنوبي مما يلي الجنوب قريبة من البحر، وقربها جبال الفضة قريب مدينة جيرفت من كرمان؛ وكلها جبال عامرة.
وأما البلوص ففي سفح جبال القفص ولا يخاف أهل القفص من أحد إلا منهم وهم بادية يسكنون بيوت الشعر ولا يؤذون أحدًا، وجبال بادن خصبة منيعة ذات أشجار. وكان أهلها مجوسًا زمان بني أمية ثم أسلموا في أوائل الدولة العباسية وبقوا في منعة حتى ولي يعقوب (١) وعمرو (٢) ابنا الصفار فملكوا جبالهم.
стр. 965
وكرمان ومدينتهم السيرجان ثم جيرفت وهي بلد، خراسان، والأختان التوءمتان، وقد رخص فيهما الجمع بين الأختين، والفريدتان اليتيمتان، ولا يوصف باليتم إلا الواحدة إلا إذا كانت اثنتين: السمع والبصر، والبحر والمطر.
وأفضل ما جهز له أبو بكر الجيوش، وفتحه عمر الفرقدان المعتنقان، والنيران المتألقان مركز الاعلام والإعلام والسيوف والأقلام قطبا تلك الدائرة، وافقا نجومها الزاهرة؛ عراق العرب، وعراق العجم.
وعراق العرب والأول أكبر والثاني أشهر لمكان الخلفاء منها، وكور عراق العجم عظيمة جليلة - ذكرنا فيما تقدم عنه ذكر الأقاليم ما نبني عليه ..
وأما عراق العرب فهو دونه وإن كان غاية في الفخامة، ونهاية في الضخامة. وكان ملوك الفرس دل إيران (١) شهر ومعناه وهو اثنتا عشرة كورة.
وقال لي الفاضل أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري البوسعيدي: إن كل كورة منها أستان (٢) وطساسجة (٣) ستون طسوجًا وترجمة أحازه وترجمة الطسوج ناحية.
فالكورة الأولى: كورة ستارساذ فيروز: وهو خمسة طساسيج وطسوج خانقين، ومن الجانب الشرقي سقي ثامرا.
стр. 966
والكورة الثانية: كورة سارشاد مهز: وهي ثمانية طساسيج: طسوج جشابور، وطسوج نهر بوق، وطسوج كلواذا وبها كلواذا؛ وهي مدينة قديمة، وبها يسمّى الكلدانيون الطائفة المشهورة المعدود منها كيومرث (١) وطمهورث (٢) وجمشيد (٣) والضحاك (٤).
وطسوج نهر بين طسوج حازر وطسوج المدينة العتيقة، وطسوج زاذان. الأعلى، وطسوج زاذان الأسفل.
والكورة الثالثة «كورة سارشاه قبادو» وهي ثمانية طساسيج: طسوج رستاقباذ، وطسوج سلسل، وطسوج الدستين، وطسوج السدمحين، وطسوج براز الرود، وطسوج الدسكرة والرساتيق.
والكورة الرابعة «كورة باريجان خسره»: وهي خمسة طساسيج: طسوج النهروان الأعلى، وطسوج النهروان الأوسط، وطسوج النهروان الأسفل، وطسوج بادرايا، وطسوج باكسيا.
والكورة الخامسة «كورة ساره شاه سابور» وهي خمسة طساسيج: طسوج دجلة والفرات، وطسوج الزندورد، وطسوج الثرثور، وطسوج الأستان، وطسوج الخوارج.
الكورة السادسة كورة ستار شاه بهمن: وهو أربعة طساسيج: طسوج بهمن أردشير، وطسوج ميسان، وطسوج دست ميسان؛ وهو الأبلة، وطسوج أبرقاد.
والكورة السابعة كورة ستان العليا: وهي أربعة طساسيج: طسوج فيروز سابور - وهي الأنبار - وطسوج مسكن وهو دجيل، وطسوج قطربل، وطسوج بادرويا.
والكورة الثامنة «وهي كورة ستان سيريايكان»: وهي خمسة طساسيج؛ طسوج نهر سير وطسوج وطسوج الرومتان، وطسوج كومى، وطسوج نهر درفيط، وطسوج نهر جوير.
стр. 967
والكورة التاسعة هي كورة بدرويرشان وهي الرواني وهي ثلاثة طساسيج: طسوج الزاب الأعلى، وطسوج الزاب الأوسط، وطسوج الزاب الأسفل.
والكورة العاشرة وهي كورة ستان لهقياد الأعلى وهي ستة طساسيج: طسوج بابل، طسوج حطروبة وطسوج الفلوجة العليا، وطسوج الفلوجة السفلى، وطسوج النهرين، وطسوج عين التمر.
الكورة الحادية عشرة «وهي كورة ستان مهقياد الأوسط»: وهي أربعة طساسيج: طسوج الحبة والده، وطسوج سورا وبارسوما، وطسوج نهر الملك.
والكورة الثانية عشرة وهي تمام وهي كورة ستان لهقياد الأسفل: وهي خمسة طساسيج: طسوج فرات وبادفلي، وطسوج السالحين، وطسوج نستر، وطسوج رومستان، وطسوج هرمز دخره.
قلت: ولم أذكر مدن هذه المملكة هنا لكثرتها؛ ولأنها قد تقدم عند ذكر الأقاليم ما لا يحتاج معه إلى إعادة ولا فيه نقص يفتقر إلى زيادة، والذي ذكرناه الآن من كور العراق هو عمل بغداد الداخل حسابه فيما يختص بها من السوداء دون ما هو مفرد لبقية ما معها من المدن والبلاد، والذي أعدنا ذكره هنا مما تقدم ذكره؛ إنما هو للإعلام بمقدار هذه المملكة وما جمعت أطرافها من الأقاليم والأمصار والممالك العظيمة، والمدن الكبار مما اجتمعت في جمعه الأكاسرة، ودأبت الدولة العباسية في تحصيله، وقد صارت كلها بيد ملوك بيت هولاكو؛ وهي واسطة الأرض وخالصة المعمورة، وسرة الدنيا، وأسرة العلياء فسبحان الله العظيم الوهاب الكريم يرزق من يشاء بغير حساب، ويعطي بلا احتساب؛ لا راد لما قضى ولا مانع لما أعطى يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء (١).
على أنَّ هذا البيت في وقتنا هذا قد وهى نظمه، وهوى نجمه، وهوان على الناس أمره، وخمد تحت الرماد جمره منذ مات أبو سعيد بهادرخان آخر ملوكهم المجمع على طاعته.
ثم هم بعده في دهياء مظلمة وعمياء معتمة، لا يفضي ليلهم إلى صباح، ولا جملتهم المفرقة إلى اجتماع ولا فساد ذات بينهم إلى صلاح؛ في كل ناحية هاتف يدعى باسمه، وخائف آخذًا جانبًا إلى قسمه؛ وكل طائفة تتغلب وتقيم قائمًا
стр. 968
يقول هو من ابناء القان، وتنسبه إلى فلان ابن فلان، ثم يضمحل أمره عن قريب، ولا تلحق دعوته تبلغ حتى يدعان لا يجيب، وما ذلك من الدهر بعجيب، وملوك هذا البيت وإن كانوا ملوكًا من قديم الزمان، وبينهم وبين ما يكون بين الملوك من الشنان.
وكان متألفهم على ما وجدوا عليه آباءهم لا يسمون للإسلام، ولا يتركون آباءهم فإنهم أهل همم تدك لها الجبال، وكرم تدهك به الأموال.
فأما نجدتهم وبأسهم فأول دليل على مبلغهم منه ما ملكوه بسيوفهم من المشرق إلى الشام، وإلى الآن ما تقادمت الأيام. وأما كرمهم قد ذكرنا منه ما يدل عليه.
حدثني شيخنا فريد الدهر أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني - أطال الله بقاه - أنَّ خواجا رشيد الدولة (١) ألف كتابًا سماه (٢) وقدّمه للسلطان خدابنده، وقال له: إنَّ أرسطو عمل كتابه المسمى .. وقدمه للاسكندر فأجازه عليه ألف ألف دينار، وما أنت ممن يرضى أن يكون دون الإسكندر؛ فقبل خدابنده الكتاب وأمر له
стр. 969
بنظير ما أمر به الإسكندر لأرسطو فأخذ به خواجا رشيد الدولة أملاكًا وعقارًا قيمتها قدر المبلغ ثلاث مرات.
قال: والأملاك إلى الآن في يد أولاده وذريته.
قلت: وأحب السلطان المذكور - على ما بلغنا - امرأة مغنية من بغداد فأطلق لها ما لا يحصى ولا يدخل في حساب.
وحدثني من أثق به: أنَّ أبغا بن هولاكو كان يأنس برجل فاتفق أن صحبه في سفر إلى جهة ملا، وكانت يوم ذاك خزانة أموالهم فأمر به أن يدخل إليها ويأخذ ما أراد منها؛ فلما دخل إليها لم يأخذ سوى دينار واحد عمله في فيه؛ فلما حضر بين يديه سأله عما أخذ فألقى الدينار من فيه، وقال: يا قان شبعت وامتلأت حتى خرج من فمي فضحك وأعجبه منه ما قاله وأمر له بعشرة توامين عنها مائة ألف رائج بستمائة ألف درهم فأخذها.
وحدثني قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري: أن فقيرًا وقف كيختو (١) في أيام سلطنته وشكا إليه ضرره، فأمر له بثلاثة توامين - وهي ثلاثون ألف بمائة وثمانين ألف درهم - فاستكثر هذا طاجار وزيره وما تجاسر أن يشاوره فسكبها في قطع في طريق كيختو ليبصرها فيستكثر المبلغ؛ فلما عبر عليها ليختو رآها سأل عنها، فقيل له: هذا الذي رسمت به لذلك الفقير، فقال: هذا هو كيس؟ قالوا: نعم، قال: والله مسكين، أنا والله كنت أعتقد إنا أعطيناه شيئًا وهذا ما هو شي اعطوه مثله مرةً أخرى فأعطوه.
стр. 970
الباب الثالث: في مملكة الجيل
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في بومن.
الفصل الثاني: في توليم.
الفصل الثالث: في كسكر.
الفصل الرابع: في رسفت.
стр. 971
في مملكة الجيل
ونحن نذكر في هذا الباب في رسفت من مملكة الجيل (١) ما تيسر لنا ذكره جملة.
حدثني الشريف محمد بن أحمد بن عبد الواحد الجيلي: أن بلاد كيلان في وطأة يحيط بها أربع حدود من الشرق: إقليم مازندران (٢)، ومن الغرب موقان (٣)، ومن الغرب عراق العجم يفصل بينهما جبل يعرف مازندران، يعرف بإسناده في سفحه الجنوبي قرى ممتدة تسمى بلاد التارم (٤) داخلة في مملكة كيلان، وبأيدي ملوكها.
وهو جبل عالٍ لا يرقى إلا من طلوع الشمس إلى العصر؛ وهو جبل مشجر فيه عيون كثيرة، وبه سكان من الأكراد ومن الشمال بحر القلزم ويأخذ على توريز فيه وكيلان مشتمل على أربعة مدن كبار لكل مدينة منها في الغالب ملك ينفرد بذاته منها وبأعماله المضافة إليه، وهي تومن قريبة من الجبل إلى وسطه، وتوليم تليها إلى البحر بشرق وكسكر (٥) يليها إلى جهة موقان مصاقبة للبحر وطول مجموع كيلان مما في أيدي هؤلاء الملوك الأربعة؛ وهو شرق بغرب نحو عشرة أيام وعرضها وهو جنوب بشمال نحو ثلاثة أيام تزيد وتنقص، وجميع أهلها حنابلة.
قال: وهي شديدة الأمطار والأنهار كثيرة الفواكه خلا النخل والموز وقصب السكر والمشمش ويجلب إليها المحمضات من مازندران.
стр. 972
ومدن مازندران غير مسورة، ولملوكهم قصور علية، وجميع مباني كيلان بالطوب المشوي مفرشة بالطوب مثل بغداد مسقفة بالخشب، وبعضها معقودة أقباء وعليها قس مظفور.
وفي غالب ديارها آبار قريبة المستقى نحو ذراعين أو ثلاثة أو أقل، والأنهار تحكم على كل مدينة.
وغالب أقوات كيلان الأرز يعمل منه خبز مليح ورقاق مع تيسر القمح والشعير.
والغنم والبقر كثيرة عندهم وأسعارها متوسطة إلى الرخص.
وبها المساجد الجليلة ومدارس تسمّى عندهم الخوانق وزوايا وحمامات لطاف يجري إليها الماء من الأنهار.
وبها الحرير الكثير، ولها حصون في نواحي مازندران وجزائر في القلزم بها رمان وبلوط وفواكه، ولا يجري بها ماء، وبها تحصنهم عند مغالبة العدو لهم ولملوكهم زي جمل على قدر دخل بلادهم فإنه ليس بالكثير ضيق بلادهم؛ ولأنها لا مسكن بها ولا مؤذي فيها لهم أمراء الطبلخانات (١).
ويركب الملك بالرقبة السلطانية والحجاب والسلاح دارية (٢) والجمدارية (٣) والجنائب المجرورة، ويركب الأمير ووراءه صاحب أربعة وخمسة وأكثر ولباسهم فيه إسلامية ضيقة الأكمام وتخافيف صغار، ويشدون المناطق والبنود، (٤) وخيلهم براذين جياد مشكورة وسروج منها المحلّى بالفضة، وزيهم كلهم قريب من الزي العسكري الخوارزمي.
ويتخذ بظواهر قصورهم ملوكهم ميادين خضرًا يعمل في أوساطها قصورًا صغارًا من الخشب فيها جلوسهم للخدم والمظالم وجميع جنود هؤلاء الملوك الأربعة نحو عشرين ألف فارس ما بين ميدونة (٥) ومطوعة (٦) ممن يضمهم الجموع والحشود من الفارس والراجل.
стр. 973
وهؤلاء الملوك الأربعة لا يزال بينهم الخلف حتى إذا قصدهم عدو خارجي عنهم تألفت قلوبهم واجتمعت كلمتهم وصاروا حزبًا واحدًا على عدوهم.
ولقد قصدوا أيام هولاكو فما قدر عليهم، ثم قطلوشاه في سبعين ألف فارس وانتصر على صاحب تومن وكسكر، وامتنع صاحب توليم وضرب معه مصافًا بالفارس والراجل وحمل بنفسه على قطلوشاه على أنه معقر إليه؛ فلما قاربه أحس قطلوشاه بالغدر منه فولى منهزمًا فطعنه فألقاه عن فرسه قتيلًا فنزل إليه وقطع أذنيه بالحلقتين اللتين فيهما.
ثم ركب وساق إلى التتار وقطع عليهما المياه، وسدّ عليهم الطرق بالأخشاب العظيمة فأفناهم إلا الشديد فراحوا أهلهم بين قتيل وغريق متوحل في الطين وضال بالجبال؛ وهم بحصانة بلادهم بالبحر من جانب، وتوعير المسالك إليهم، لا يدينون لملوك إيران، ولا يطمع أحد في ملكهم وطبرستان ومازندران والجبل كما قال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (١) ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ (٢).
قلت: وبما ذكره من شدّة أهل بأسها ذكرت قول صاحب شاه غاه في تاريخ الفرس - وقد ذكر مازندران وعصيان أهلها، قال: وهم مردة الجن.
قال الشريف: وبلاد الجيل مقسومة بين ثماني ملوك؛ ملك اللاهجان (٣)، وملك سخام، وملك برشب، وملك كسفت، وملك بومن، وملك توليم، وملك كسكر، وملك برشب والملوك الأربعة الآخرون دون هؤلاء، ومع هذا فلا يتقاد منهم ملك لملك، ولا يذعن واحد لآخر.
قال: وجملة بلاد الجيل بلاد خصبة ورخاء ولحم وحب وفاكهة أقطارها سخية، وأسعارها رخية، ولا يخطب بها للتتار، وإنما تضرب السكة باسم ملوك التتار؛ لأنه لو ضرب واحد من ملوك الجيل السكة باسمه لم تخرج دراهمه في بلد جاره الآخر لشدة ما بينهم من الإحن والجفوة.
قال: ولا يدخل بلاد الجيل مملوك ولا جارية، بل كلاهما أحرار ولا يتعدى واحد منهم شأن أبيه، وما كان عليه حتى إنَّ الفلاح منهم ليقتني العدد الكثير
стр. 974
من الخيل ليبيعها ويربح بأثمانها، ومع هذا لا يتجاسر على ركوبها ولو ركبها قتل.
وبالجيل ربض وخوانق، وغالب ما يجري بها أحكام مذهب الإمام أحمد بن ﵁
ونحن لا نذكر من ملوكها إلا أربعة المشاهير المترجم لهم في هذا الكتاب على حنبل (١) ما ذكرناه.
الفصل الأول: في بومن
صاحب بومن شافعي المذهب دون من معه من بلاد الجيل. مذهب نشأ عليه ملوكها وعسكرهم يزيد على الألف فارس؛ وهو صاحب اللاهجان بلادهم قليلة وإنما غالب دخلها من التجار؛ والحرير بها كثير؛ ولهذا بينهما وبين التتار مكارمة ومهاداة لدخول التجار لبلادهما لجلب الحرير منهما واحتياجهما إلى ما عندهما من الحرير على من يدخل إليهما، وبقية بلاد الجيل محتاجة أيضًا إلى بومن واللاهجان لأجل هذا وحاجتهما إلى بومن أكثر لما يوجد بها من القماس والمعمولات؛ وبها فيما يحاذيها من الجيل معدن حديد.
стр. 975
قال: وصاحب بومن يدعي النسب إلى بيت الشرف، وله اعتناء بأهل العلم والفضل، ولباس الملك والجند والملك بها نوع من لباس التتار، ولباس علمائها قريب من زي التجار، ولهم عذبات (١) كالصوفية إلى قدامهم وعامة أهلها كعامة من جاورهم.
* * *
الفصل الثاني: في صاحب توليم
صاحبها أمره قريب من صاحب بومن، ولكن لا حرير في بلاده؛ وهو حنبلي المذهب، وعدة عسكره نحو ألف فارس؛ وهم أفرس أخوانهم.
ولصاحبها - في وقتنا هذا - على ملوك الجيل سيماء استظهار؛ لأن عسكر توليم كان لهم في واقعة قطلوشاه اليد الطولى والبطش الغالب فثبت لهم في قلوب جيرانهم ما هو ظاهر عليهم إلى الآن، وزيها كزي أخواتها.
* * *
الفصل الثالث: في كسكر
وصاحبها له جولة في ملوك توليم، وجيشه أكثر عددًا من بقية ملوك الجيل وبلاده أوسع وأرضُه أخصب وأكثر حبًّا وفاكهة وأغنامًا وأبقارًا مما حولها، ولها رفق زائد ممن يجاورها من الأكراد، وما تجلبه إليها من الأجلاب، وأسعارها أرخى وأرخص مما سواها وزيها كزي أخواتها.
* * *
الفصل الرابع: في رسفت
وهم أميل إلى الجبل، وأبعد عن البحر؛ وإنما رسفت أدنى إلى الجيل منها.
وهي مناسبة لأخواتها في غالب أحوالها؛ وهي كثيرة السمك والطير.
ومنها الشيخ العارف السيد عبد القادر الكيلاني (٢) - قدس الله روحه، ونور
стр. 976
ضريحه - وهو القليل مثلًا، العديم مثلًا، الواحد علمًا وعملًا، وستأتي إن شاء الله ترجمته في مكانها.
стр. 977
الباب الرابع: في مملكة الجبال
وهي أربعة فصول:
الفصل الأول: في الأكراد وفيه فصل جامع لأحوال سكان الجبال.
الفصل الثاني: في اللرّ.
الفصل الثالث: في الشول.
الفصل الرابع: في شنكارة.
وبلادهم جميعها بلاد خصب زائد ومزارع وموارد وزروع وفواكه وثمر متشابه وغير متشابه؛ وكلهم أهل غناء ودفاع وحصانة وامتناع.
стр. 978
في الأكراد
الذي نقول - وبالله التوفيق - إنَّ الأكراد وإن دخل في نوعهم كل جنس أتى ذكره في هذه الفصول فإنَّهم جنس خاص من نوع عام وهم ما قارب العراق وديار العرب دون من توغل في بلاد العجم، ومنهم طوائف بالشام واليمن. ومنهم فرق مفترقة في الأقطار وما حول العراق وديار العرب جمهرتهم.
وغلب في زماننا بما يقارب ما يقارب ماردين منهم إبراهيم بن علي المسمى بالعزيز ما لو (١)، واستفحل أمره وقويت شوكته، واجتمعت عليه جموع وبرقت لها أسنة ودروع وثوب باسمه الداعي، وتقيدت دون غابته المساعي.
ثم مات وقام ابنه بعده، ولكنه ما حكى الوالد الولد، ولا سدّ الشبل موضع الأسد.
وأما الفصل الجامع لأحوال سكان الجبال هؤلاء وغيرهم، فإنا نقول - وبالله التوفيق -: إنَّ المراد بالجبال على المصطلح؛ هي الجبال الحاجزة بين ديار العرب وديار العجم وابتداؤها جبال همدان وشهرزور (٢) وانتهاؤها صياصي الكفرة، بل بلاد التكفور (٣)؛ وهي مملكة سيس وما هو مضاف إليها بأيدي بيت لارن ولم أذكر من عشائرهم إلا من كنت بهم خبيرًا، ولم اسم فيها منهم إلا بيت ملك أو إمارة تبدأ بجبال همدان وشهرزور وأربل (٤) وتنتهي إلى دجلة الجزيرة من كوار الموصل ونترك
стр. 979
ما وراء النهر دجلة إلى نهر الفرات لقلة الاحتفال به على أنَّ الذي ذكرته هو خلاصة المقصود إذ لم يبق إلا أكراد الجزيرة وقرى ماردين (١)؛ وهم لكل من جاورهم من الأعداء الماردين مع أنَّ أماكنهم ليست منيعة، ومساكنهم للعصيان غير مستطيعة فهم طائفة بجبال همدان وشهرزور يقال لهم الكورانية منهم؛ حمد، ورعيه؛ وكلّهم ألوا شوكة وحمية مقيمون بموضع يقال له ريا ومست الأمير محمد، ومكان ثانٍ يقال له درشك أميرهم الأمير محمد وعدّة القوم تزيد على خمسة آلاف لا بين بينهم ولا خلاف، ومن بعدهم الكلالية وهم قوم لهم مقدار وكمية تعرف بجماعة سيف الدين صبور ومقامهم دانرك ونهاوند إلى قرب شهرزور وعدتهم ألف رجل مقاتلة قوية، وأميرهم يحكم على من جاورهم من العصابة الكردية حكم الملك على جنده، ويقدر على جمع عدد أصناف عشيرته؛ لأنهم واقفون بصدق كلمته، وحسن سيرته.
ومن الكلالية سوى هؤلاء طائفتان؛ أحداهما مقيمة بنواحي دقوق وعدهم ألف أو دونها، والأخرى باشنة من نواحي أذربيجان عدّة رجالها مئتان، وكانوا أكثر من ذلك عددًا، وأوفر مددًا لما كان الملك شرف الدين بن سلار - صاحب إربل - من جهة التتر، قتله رجل من الكفار فعصى قومه على الكفار، وهاجر بعضهم إلى مصر والشام وبقي ولده الأمير محمد حاكمًا على من باشنة من قبيلته، وولده الأمير عثمان - أمير المن - أقام بوطنه من عشيرته؛ فلما توفي ولده توفاهم سواهم.
ويلي الكلالية بجبال همدان قوم يقال لهم رنكلية أصحاب شجاعة وحيلة وعدتهم ألفان يقال لهم جماعة جمال الدين بالان بحكم يحكم على بلاد كنكور وما جاورها من البقاع والكور.
وأما بلاد شهرزور فكان يسكنها طوائف من الأكراد قبل خراب البلاد أكثرهم رجالًا وأوفرهم أموالًا طائفتان أحداهما يقال إنها اللوسة، والأخرى تعرف بالبابيرية رجال حرب وأقيال طعن وضرب نزحوا عنها بعد واقعة بغداد في عدد كثير من أهل السواد بالنساء والأولاد وأخلو ديارهم ووفدوا إلى مصر والشام، وتفرقت منهم الأحزاب، وأصابتهم الأوصاب، وعظم فيهم المصاب، ولكل أجل كتاب، وقد بقي في أماكنهم، وسكن في مساكنهم قوم يقال لهم الخركيسة ليسوا من صميم الأكراد وببلاده شهرزور قوم آخر بينها وبين اشنه يبلغ عددهم ألفي نفر، فقال لهم السيولية
стр. 980
ذوو شجاعة وحمية لهم، وهم قسمان: قسم مورك اين عز الدين محمود، والآخر قسم يعرف بالأمير داود ويعرف بداود بدران.
ثم يليهم الغرياوية وهم يسكنون بعض بلاد بستار وبيدهم من بلاد إريل أماكن أخر يزيد عددهم على أربعة آلاف نفر. كان أميرهم أبو بكر يلقب بسيف الدين وتولاهم بعدهم ولده شهاب الدين.
ثم يليهم قبيلة يقال لهم الحسنانية ذوو أنفس قوية ينقسمون على ثلاث بطون وهم نحو الألف، أكبر بطونهم طائفة عيسى بن شهاب الدين كراي؛ ولهم الجغر لقلعة بري والحامي وثاني، وثاني بطونهم نفران؛ نفر يقال لهم البلية، والآخر يعرف بالجاكية.
وكان الأمير عبد الله بن شهاب الدين زنكي أمير النفرين، وثالث بطونهم كان لفخر الدين أمير قيم، والآن أخوه اختيار الدين عمر بن أبي بكر.
وتختص الحسنانية ببلاد الكركار وتشاركهم العرباوية في آخر الخفارة المأخودة بدربند قرايلي مشاركة الآخرين.
ثم يليهم بلاد الكرحين ودقموق السافية عدتهم تزيد على سبعمائة. وكان أميرهم شجاع الدين بابكر ذابًا عن دينه محاربًا عن حزبه.
ومن ذلك موضع يقال له بين الجبلين من أعمال إربل قوم يخدمون للدولتين ويدارون الفئتين فهم في الشتاء يعاملون التتر بالمجاملة، وفي الصيف يعينون سرايا الشام في المحاملة وعددهم كعدد الكلالية. وكان أميرهم تاج الدين الخضر بن سليمان كاتبًا ذا بنان ولسان، وفدا إلى الباب الملكي المنصور السيفي قلاوون (١) بمصر.
стр. 981
ثم اخترمته المنية وعاد أولاده الأربعة إلى أوطانهم في الأيام العادلية الزينية مع عز الدين سنقر من الشهرزورية، والمبارزين شجاع الدين من الأزخية وبهاء الدين بن جمال الدين خوش من الحميدية. إذ لم يجدوا لهم في الدولة الزينية حرمة مرعية ولا أخبارًا مرضية.
ثم يلي هؤلاء من إربل المازنجانية وهم طائفة ينسبون إلى الحميدية لم يبق لهم أمير غير أمرائهم وعدتهم تنضاف إليهم في شدّتهم ورخائهم ولا تنقص عدّة الحميدية عن ألف مقاتل.
وهؤلاء المازنجانية يتعانون الصلافة، ويتشبهون بالناس في الآلات واللباس؛ لأن أميرهم كان من أمراء الخلافة من الدولة العباسية، لقب من ديوان الخلافة بمبارز الدين واسمه كك. وكان يدعى الصلاح وتنذر له النذور فإذاإليه قبلها ثم أضاف إليها مثلها من عنده وصدق بهما معًا.
قال الحكيم الفاضل شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ساعد الأنصاري - وقد ذكره -: كان ذا شجاعة وصبر وتحيل ومكر وعقل وفكر وتدبر وسياسة وتثبت ورياسة، لا يهمل عددًا لصغره وحقارته، ولا يهاب من أراد به سوءًا لعظمه وجسارته.
نقل عن ابن الصلايا ﵀ أنه قال - حين أعطاه خبز أبيه سيف الدين محمد وحباه: لقد توسمت في هذا الشاب سعادة لم أتوسمها في أحد سواه فكان كما توسمه الصاحب ﵀ فرآه كذلك إذا قام في التتر في ذلك المقام وتمكن ابن يافث من ابن سام وتشتت أهل الإسلام، وانحل ما عهد من النظام، ولم يبق من الرجال القادرين على القتال إلا سكان الجبال، فما أعجز الكفار استئصالهم وتحققوا أن سهامهم لا تنالهم عاملوهم بالمكر والخديعة، وهادنوهم على تخلية الخراج سدًّا للذريعة، وقدموا منهم اثنين، وحكموهما عليهم من الوجهين؛ فما كان من وجه بلاد العجم كان مبارز الدين كك متحدّثًا فيه، وما كان من مدن العجم كان الأسد بن سكاكين الحائز لنواحيه وجعلوهما ملكين، وأعطوهما بايزتين.
ثم استنابوا المبارز كنك في إربل وأعمالها وصرفوه في سيفها ومالها، وأقطعوه عقر سوسن بكمالها، وأضافوا إليه هراوتل، وقدموه على خمسمائة فارس أو يزيدون. وسعد بسعادته قومه، وأناف على أمسه يومه، وكثر في عشيرته الأمراء لاشتباكهم معه في النسب، وغلب أقرانه بعناية الدولة والدنيا لمن غلب. وكان ترى همته
стр. 982
همة الشبان وهو ابن تسعين، وتولّى هذه المملكة وهو ابن عشرين، ما قصده عدو إلا مكنه الله منه، ولا رسم ملك من ملوك التتر بقتله إلا هلك قبل نفاذ أمره وامتثاله، ولم يبلغ ما بلغ من ملكه وكثرة رجاله، ولا تمنعه جباله، ولكن سعادته وإقباله.
ثم مات وخلفه ولده عز الدين. وكان يكنى به فيما ألف منه وعرف به. ثم أخوه نجم الدين خضر. وكان من الرفاهية على سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة (١)، ونعم مما ترك أبوه موروثة، إلىحاشية وغاشية، وعقار وماشية، وسعادات قديمة وناشيه.
ومكانته في الدولتين الإسلامية والتتارية لا تطاول ورتبته عالية في الجهتين لا تحاول، وانبساط في اللذات، وشرف بالعرض والذات، ويد لا تقصر في أدب، ولا تبالي بلاغتها بما تنفق من كنوز الفضة والذهب. وكانت ترد على الأبواب السلطانية بمصر ونواب الشام منه كتب تنهل بماء الفصاحة كالسحب، وتسرح من أحيافها الأبكار العرب.
ثم مات ﵀ وخلفه ولده وجرى على سنته، ونمت به في أهل بيته منته.
ويلي يسار وأعمالها، وتل حفتون، وبلادها بلاد السهرية المشهورين باللصوصية؛ وهي من بلاد شقلا باذ (٢) إلى خفتيان (٣) أبي علي، ويعرف بخفتيان الصغير، وما بين ذلك من الدست والدربند (٤) الكبير؛ وهم قوم لا يبلغ عددهم ألفًا، وجبالهم عاصية، ودربندهم بين جبلين شاهقين يشقهما الزاب (٥) الكبير، وينقلب على صخورهما بصوت مفزع، وهدير قوي عليه ثلاث قناطر؛ اثنتان منهما بالحجر والجر، والوسطى مظفورة من الخشب كالحصير، علوّها عن جهة الماء مائة ذراع في
стр. 983
الهواء، وطولها بين الجبلين خمسون ذراعًا في عرض ذراعين.
وقد ينقل تارة من أرضه فينقص من طوله أو يزاد في عرضه، تمر عليه الدواب بأحمالها، والخيل برجالها.
وهي ترتفع وتنخفض وتنبسط وتنقبض، يخاطر المجتاز عليها بنفسه، ويقامر بعقله، وهم يأخذون الخفارة عندها، يجيلون ما شاءوا بعدها؛ فإنَّ الدربند مضيق على نهر عميق.
وهم أهل غدر وخديعة، وقبائح شنيعة، لا يستطيع المسافر مدافعتهم فيه بل ترضيه سلامته بنفسه.
قال الحكيم شمس الدين محمد بن ساعد: إن نُسب أحد من الأكراد إلى الجن
فهم هؤلاء حقًا، وإن صعب مسلك دربند فهذا أصعب المسالك وأشقى. كان أميرهم الحسام بن عمقيان أبقى ما ترك ولا أبقى.
ومجاورهم قوم يقال لهم الزرزارية؛ وهي كلمة أعجمية معناها ولد الذئب؛ ويقال إنهم ممن تكرّد من العجم المنسوبين إلى ملوكهم، ذكره بعض أهل التاريخ.
ولهم عدد جم منهم زرّاع وأمراء وأغنياء وفقراء، يبلغ عدة رجالهم خمسة آلاف، قليل بينهم الخلاف، ومنهم زهاد يشار إليهم، وفقهاء يعتمد في الفتوى عليهم. مساكنهم من مرت (١) إلى جبل خنجرين المشرف على أسنة من ذات اليمين؛ وهو جبل عالي مشرف بمكانه على جميع الجبال. كأنَّ هواءه الزمهرير. وكأنه للسحب مغناطيس يجذبها بالخاصة قد نصب عليه للتحذير ثلاثة أحجار طول كل حجرة عشرة أشبار وعرضه ربع هذا المقدار، ثخانته نحو ثلثي ذراع منحوت من جميع الأضلاع، مركب من حجر مربع ثخانته تزيد على ذراع في التقدير على كل من الثلاثة كتابة قديمة لم يبق منها سوى المعالم؛ وهي من الحجر المانع الأخضر الذي لا يغيره البرد ولا الحر ولا يتأثر إلا في ألوف السنين تأثير لا يكاد يبين، فالوسط منها على بسطة رأس جبل، والآخران في ثلث عقبته لمن صعد أو نزل يقال: إنها نصبت لمعنى الإنذار، وإن المكتوب عليها أخبار من أهلكه الثلج والبرد في الصيف، وهم يأخذون
стр. 984
الخفارة تحته ويدركون أو يوارون من هلك ببرده.
وبيد الزرزارية أيضًا بلاد ملازكرد والرستاق بقلاعها ومزارعها وضياعها ولا يحملون لأحد شيئًا من ارتفاعها. وكان لهم أمير جامع لكلمتهم مانع لشوكتهم يسمى نجم الدين بن باساك.
ثم توفي وتولاهم من بعده ولده المسمّى جيدة؛ ولما أدركه الأجل وتوفي تولاهم ولده عبد الله. وكان لهم أيضًا أمير شجاع عفيف له رأي وتدبير يقال له: الحسام شير الصغير، حوله من عشيرته عصبة تسير بسيرته، وكذلك كان لهم أمير آخر جيد السير يسمّى باساك بن الحسام شير الكبير.
وآخر منهم له بابك قوي يدعى بهاء الدين بن جمال الدين أبي علي، وأمراء غير هؤلاء ممن ينطوي في طائفتهم ويدخل في جماعتهم إذ لا يبلغ قدر استطاعتهم يستغنى عن ذكر اسمه عن تقدم.
وينضم إلى الزرزارية شرذمة قليلة العدد هي لهم كالمدد، تسمى باسم قرينها بالكان منفردة بمكان مشرف على عقبة الخان يأخذون عليها الخفارة باليد القوية ويحولون بين الحسنانية قتل أميرهم توبك مع نجم الدين وعاد قومه لهم بالرعية تبلغ عدتهم ثلاثمائة رجل.
ومنهم الجولمركية وهم قوم نسبوا إلى الوطن لا إلى النفر بل هم طائفة من بني أمية يقال إنها حكمية (١) اعتصموا بالجبال عند غلبة الرجال عليهم واستغنوا بمنعتها عند استعمال البأس ومخالطة الناس طلبًا للسلامة من أعدائهم وفرارًا من اعتدائهم فانخرطوا في سلك الأكراد فسلموا.
وهم الآن في عدد كثير يزيدون على ثلاثة آلاف كان ملكهم عماد الدين بن الأسد بن مشكلان.
ثم خلفه ولده الملك أسد الدين وتحت يده من المعادن ما ينقل من الزرينحين إلى سائر الأماكن. وكان ظهر له معدن اللازورد فأخفاه لئلا تسمع به ملوك التتر فيطلبونه، ومعقله الذي يعمد عليه من أمنع المعاقل على جبل عال مقطوع بذاته قرن الجبال قائم في وسطها مع الانفصال شامخ في الهواء، راسخ فيما حوله من الماء،
стр. 985
والزاب الكبير محدق به، فاصل بينه وبينهما بإذن ربه لا محط للجيش عليه، ولا وصول للسهام إليه سطحه للزراعة متسع، وفي كل ضلع من جوانبه كهف مرتفع يأوي إليه من شاء للامتناع فيمتنع والماء محيط بأساسه والثلج لا يزال يشتعل سببه برأسه والصعود إليه في بعض الطريق يستدعي العبور على أوتاد مضروبة مصلحة لمن يطيق ومن لا يستطيع التسليق جرًّا بالحبال يعلّق بها، وكذلك ترفع البغال للطواحين والذخائر التي يحتاج إليها في كل حين.
والملك عليهم معتبر على الأكراد، ولهم على كلمته إعقاد، يدعى بهاء الدين ابن قطب الدين، وولده في الملك يجري مجراه، ويخلف في سيرته أباه. وكان له ابن عمّ آخر يدعى بشمس الدين داود عصى على دولة الأعداء مدّة، وعجزوا عنه وقد اجتهدوا في غيلته بكل حيلة فلم يقدروا عليه فبالغوا في الإحسان إليه، وأمروه بالانتقال عن الجبل ليأمنوا اعتصامه فاختص التوصل في التوسل حتى سكن ببعض المدن؛ فلما قرأ في دار كانت بنيت للسلطان وغرس في ما حولها بستانًا جامعًا لأشجار ذات أفنان مختلفة الثمار، محفوفة بالارتفاع ارتفاع مغله من دنانيرهم عشرون ألف دينار.
والدار أعظم ما يكون من دور السلطنة لما فيها من البسط والآلات المثمنة فخولوه في سكنها، وسمحوا له بالفاكهة وثمنها، إلى أن اخترمه ريب المنون، فترك ولده الحركة وعاد إلى حربهم يؤدّى إليه خراج بلاده، ويقطع منها ما شاء من أقاربه وأجناده، ويأخذ الخفارة من جميع الطرقات من أذربيجان، من تبريز إلى خوئي ونقشوان (١).
وكل وظائف مستخدميه بضمان من الكتاب والمشدين والنواب والمتصرفين والوكلاء ولا يقدم طعامهم ضيفانه إلى ثلث الليل إلى نصف نصف النهار، أي غداء كان ولا يطعم ضيفانه إلى ثلث الليل عشاء، ولا يجعل في خبزه ملحًا ليأكل منه من كان حربًا وصلحًا.
ويجاور الجولمركية من الأكراد قوم يسكنون الجبال من بلاد تدعى مركوان كثيرة الثلوج والأمطار، مخصبة ربيعها زاهر بأنواع النبات والأزهار ووصفها منوط بألحان الأطيار وشتاؤها وافر الأسمان والألبان غزير اللحوم المنوعة وهي مترخمة لا رمية