← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30190

مجالس رمضانية

نجيب الشرعبي

Полный текст (342 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

• وَفِيْهَا أَيْضًا (ج ٥/ صـ: ٢٣٩): لَا يَجُوزُ تَعْلِيْقُ التَّقَاوِيْمِ وَالْإِمْسَاكِيَّاتِ الرَّمَضَانِيَّةِ الصَّادِرَةِ مِنْ بَعْضِ الْبُنُوكِ أَوِ الْمُؤَسَّسَاتِ التِّجَارِيَّةِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَحْذُورَاتٍ شَرْعِيَّةٍ؛ كَالدِّعَايَةِ لِلْمُعَامَلَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَجَعْلِ بُيُوتِ اللهِ تَعَالَى مَحَلًّا لِنَشْرِ الْمُنتَجَاتِ التِّجَارِيَّةِ، وَالدِّعَايَةِ لَهَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُنَافِيَةِ لِحُرْمَةِ الْمَسَاجِدِ، وَمُنَاقَضَتِهَا لِمَا بُنِيَتْ لَهُ، مِنَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَتَعْلِيْمِ النَّاسِ الْخَيْرَ، وَحَثِّهِمْ عَلَيْهِ، وَتَحْذِيْرِهِمْ مِنَ الشَّرِّ، وَتَرْهِيْبِهِمْ مِنْهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللهِ تَعَاَلَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. ا. هـ. • [يَا قَوْمِ، أَلَا خَاطِبٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِلَى الرَّحْمَنِ!، أَلَا رَاغِبٌ فِيْمَا أَعَدَّهُ اللهُ للطَّائِعِيْنَ فِي الْجِنَان!، أَلَا طَالِبٌ لِمَا أُخْبِرَ بِهِ مِنَ النَّعِيْمِ الْمُقِيْمِ!، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعَيَانِ. مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الْجِنَانِ … فَلْيَدَعْ عَنْهُ التَّوَانِي وَلْيَقُمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْـ … ـلِ إِلَى نُورِ الْقُرَآنِ وَلْيَصُمْ للهِ صَوْمًا … إِنَّ هَذَا الْعَيْشَ فَانِي إِنَّمَا الْعَيْشُ جِوَارَ الْـ … للهِ فِي دَارِ الْأَمَانِ] (١) • [لَوْ رَأَيْتَ أَرْبَابَ الْقُلُوبِ وَالأَسْرَارِ، وَقَدْ أَخَذُوا أُهْبَةَ التَّعَبُّدِ فِي الأَسْحَارِ، وَقَامُوا فِي مَقَامِ الْخَوْفِ عَلَى قَدَمِ الاعْتِذَارِ، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧].

стр. 72

• عَقَدُوا عَزْمَ الصِّيَامِ وَمَا جَاءَ النَّهَارُ، وَسَجَنُوا الْأَلْسِنَةَ فَلَيْسَ فِيْهِمْ مِهْذَارٌ، وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ وَلَازِمٌ غَضُّ الأَبْصَارِ، فَانْظُرْ مَدْحَهُمْ إِلَى أَيْنَ انْتَهَى وَصَارَ، أَحْزَانُهُمْ أَحْزَانُ ثَكْلَى مَا لِهَذَا اصْطِبَارٌ، وَوُجُوهُهُمْ مِنَ الْخَوْفِ قَدْ عَلاهَا الصَّفَارُ، وَالْقَلَقُ قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَدَارَ، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. • جَدُّوا فِي انطِلَاقِهِمْ إِلَى خَلَّاقِهِمْ، وَرَاضُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَحْسِينِ أَخْلاقِهِمْ، فَإِذَا بِهِمْ قَدْ أَذَابَهُمْ كَرْبُ اشْتِيَاقِهِمْ، أَتَدْرِي مَا الَّذِي حَبَسَكَ عَنْ لَحَاقِهِمْ؟ حُبُّ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ!. أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ، وَرَزَقَنَا اتِّبَاعَ النُّفُوسِ الْمُحْسِنَةِ، وَآتَانَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَوَقَانَا عَذَابَ النَّارِ.] (١) وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 73

الْمَجْلِسُ الْسَّابِعُ: فِي ذِكْرِ النِّيَّةِ فِي الصِّيَامِ • الْحَمْدُ للهِ بَارِئ الْبَرَايَا، عَالِمِ الْأَسْرَارِ وَالْخَفَايَا، أَحَاطَ عِلْمًا بِالنِّيَّاتِ وَمَا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ وَالطَّوَايَا، فَالسِّرُّ عِندَهُ كَالْجِهَارِ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، فَمَا عَلَى اللهِ مِنْ خَبَايَا، أَحْمَدُهُ لَهُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالتَّحَايَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الْحَيُّ الَّذِيْ لَا يَمُوتُ، والْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقْصِ وَالْفَوْتِ، كَتَبَ عَلَى خَلْقِهِ الْمَنَايَا، وَقَدَّر عَلَيْهِمُ الرَّزَايَا وَالْبَلَايَا، وَجَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِيْنَةً لَهَا؛ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتْرُكْهُمْ سُدًى، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ هَمَلًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَرِيْمُ السَّجَايَا، أَعْظَمَ اللهُ بِهِ الْمِنَّةَ وَأَجْزَلَ الْعَطَايَا، وَهَدَى اللهُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَخَلَّصَهُمْ مِنْ أَسْرِ الشَّيْطَانِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا لَهُ ضَحَايَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِلْمَجْدِ رَايَاتٍ وَلِلْحَقِّ جُندًا وَسَرَايَا، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمٍ يُوَفَّى فِيْهِ الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، غَيْرَ نَدَامَى وَلَا خَزَايَا، أَمَّا بَعْدُ: • فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلِومِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٦٨٩)، ومسلم (رَقْم: ١٩٠٧)، مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁. • وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ: الصِّيَامُ. • وَلَا شَكَّ أَنَّ إِخْلَاصَ النِّيَّةِ للهِ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْعَمَلِ، فَلَا يَقْبَلُ اللهُ عَمَلَ عَامِلٍ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَكَانَ رَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هُوَ الْقُدْوَةَ الْمُتَابَعَ عَلَى ذَلِكَ. • وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فَضِيْلَةٍ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ الصِّيَامِ، وَهِيَ أَنَّ دُخُولَ الرِّيَاءِ فِيهِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا.

стр. 74

• وَالحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ هِيَ: تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ، أَوْ تَمْيِيزُ مَرَاتِب الْعِبَادَاتِ. فَالأَوَّلُ: لِتَمْيِيْزِ مَا للهِ تَعَالَى عَنْ مَا لَيْسَ لَهُ، كَالْغسْلِ يَقعُ تَبَرُّدًا وَتنظِيْفًا، وَيَقَعُ عِبَادَةً مَأْمُورًا بهَا، فَإِذا نَوَى تَعْيِيْنَ أَنَّهُ للهِ تَعَالَى فَيَقَعُ تَعْظِيمُ العَبْدِ للرَّبِّ بِذَلِكَ الْغسْل، وَمَعَ عَدَمِ النِّيَّة لَا يَحْصُلُ التَّعْظِيمُ، وَكَالصَّوْمِ يَكُونُ لِعَدَمِ الْغذَاءِ وَيَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ، فَإِذَا نَوَى حَصَلَ بِهِ التَّعْظِيمُ للهِ تَعَالَى، وَنَظَائِرُهُ فِي الْأَفْعَال كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَالصَّلَاةِ تَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضٍ وَمَندُوبٍ، فَالْفَرْضُ كَالصَّلَوَات الْخمسِ، قَضَاءً وَأَدَاءً، وَالْمَنْدُوبُ يَنْقَسِمُ إِلَى رَاتِبٍ، كَالْوِتْرِ، وَغيرِ رَاتِبٍ، كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي قُرُبَاتِ المَالِ وَالصَّوْم وَالنُّسُكِ، فَشُرِعَتِ النِّيَّةُ لِتَمْيِيْزِ هَذِهِ الرُّتَبِ. قَالَه الْقَرَافِيُّ ﵀. (١) • وَهَذِهِ أَهَمُّ مَسَائِلِ النِّيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالصِّيَامِ: أَوَّلاً: أَنَّ النِّيَّةَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، مَحَلُّهَا الْقَلْبُ، فَالتَّلَفُّظُ بِهَا فِي الصَّوْمِ وَفِي غَيْرِهِ بِدْعَةٌ فِي الدِّيْنِ. وَالنِّيَّةُ لُغَةً: الْقَصْدُ، وَالْعَزْمُ، وَشَرْعًا: الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ . فَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ عَقِبَ سُحُورِهِ: (نَوَيْتُ أَنْ أَصُومَ هَذَا الْيَوْمَ … )!، بِدْعَةٌ، يَجِبُ تَرْكُهَا، وَالتَّوْبَةُ إِلَى اللهِ مِنْهَا. • وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا هُوَ شَعِيْرَةٌ مِنْ شَعَائِرِهِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ، فَالتَّلْبِيَةُ بِنَفْسِهَا ذِكْرٌ، لَيْسَتْ إِخْبَارَا عَمَّا فِي الْقَلْبِ. (٢)

стр. 75

• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهَا وَلَا تَكْرَارُهَا، وَيَنْبَغِي تَأْدِيبُ مَنْ اعْتَادَهُ. • وَقَالَ: وَالْجَهْرُ بِلَفْظِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دَيْنًا خَرَجَ عَنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ نَهْيُهُ. (١) • وَقَالَ: التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ: أَمَّا فِي الدِّينِ؛ فَلِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَمَّا فِي الْعَقْلِ؛ فَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرِيدُ أَكْلَ الطَّعَامِ، فَقَالَ: أَنْوِي بِوَضْعِ يَدِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَنِّي آخُذُ مِنْهُ لُقْمَةً، فَأَضَعُهَا فِي فَمِي فَأَمْضَغُهَا، ثُمَّ أَبْلَعُهَا لِأَشْبَعَ، فَهَذَا حُمْقٌ وَجَهْلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ مَا يَفْعَلُ كَانَ قَدْ نَوَاهُ ضَرُورَةً، فَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِهِ أَنْ لَا تَحْصُلَ نِيَّةٌ. (٢) • وَقَالَ الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ حَفِظَهُ اللهُ: وَالتَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ كَمَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ؛ فَقَدْ يَدْخُلُ فِي الرِّيَاءِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ وَإِخْفَاؤُهُ؛ إِلَّا مَا وَرَدَ دَلِيْلٌ بِإِظْهَارِهِ؛ فَالَّذِي يَنبَغِيْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيْعَةِ، عَامِلَا بِالسُّنَنِ، تَارِكًا لِلْبِدَعِ، مَهْمَا كَانَ نَوْعُهُا، وَمِمَّنْ كَانَ مَصْدَرُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦]. • فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّاتِ الْقُلُوبِ وَمَقَاصِدِهَا؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّلَفُّظِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَفِي جَمِيْعِ الْعِبَادَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ا. هـ. (٣)

стр. 76

ثَانِيًا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُ هِلَالِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي النَّهَارِ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ مِنْ حِيْنِ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَيُمْسِكَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ، وَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، عَلَى أَصَحِّ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (١) • وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِثُبُوتِ الْهِلَالِ إِلَّا مِنَ النَّهَارِ، وَهَذَا وُسْعُهُمْ، وَقَدْ قَالَ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. • وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: «مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ». (٢) ثَالِثًا: يَجِبُ تَبْيِيْتُ نِيَّةِ صِيَامِ الْفَرْضِ مِنَ اللَّيْلِ، سَوَاءٌ أَكَانَ صِيَامَ رَمَضَانَ، أَدَاءً، أَوْ قَضَاءً، أَوْ صِيَامَ نَذْرٍ، أَوْ صِيَامَ كَفَّارَةٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ هَذَا الصُّورَةُ السَّابِقَةُ. • وَكَذَلِكَ يَجِبُ تَبْيِيْتُ النِّيَّةِ فِي صِيَامِ النَّافِلَةِ الْمُعَيَّنَةِ، كَصِيَامِ الْأَيَّامِ الْبِيْضِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. • وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَرِيْضَ الَّذِيْ يُخَدَّرُ تَخْدِيْرًا عَامًّا فِي الْعَمَلِيَّاتِ الْجِرَاحِيَّةِ يَصِحُّ صَوْمُهُ إِذَا كَانَ قَدْ بَيَّتَ النِّيَّةَ مِنَ اللَّيْلِ، هَذَا إِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ الْحُقَنِ الْمُغَذِّيَةِ. رَابعًا: يَجِبُ تَعْيِيْنُ النِّيَّةِ فِي الصِّيَامِ الْوَاجِبِ، وَصِيَامِ النَّافِلَةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَإن كَانَ فِي رَمَضَانَ نَوَاهُ أَدَاءً، وَإِنْ كَانَ قَضَاءً فِي غَيْرِهِ نَوَاهُ قَضَاءً، وَإِنْ كَانَ نَذْرًا نَوَاهُ كَذَلِكَ، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ صِيَامَ الْأَيَّامِ الْبِيْضِ، أَوْ صِيَامَ عَرَفَةَ، وَهَكَذَا؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ».

стр. 77

خَامِسًا: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ يَوْمِ مِنْ رَمَضَانَ نِيَّةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ يَكْفِي - عَلَى الصَّحِيْحِ - أَنْ يَنْوِيَ نِيَّةً وَاحِدَةً أَوَّلَ الشَّهْرِ، إِلَّا إِذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ فَقَطَعَ تَتَابُعَ الصِّيَامِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ إِلَى الصِّيَامِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ النِّيَّةَ. • قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ٣٥٦): «وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِيْنَ جَمِيْعًا لَوْ سَأَلْتَهُمْ لَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا نَاوٍ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا لَمْ تَقَعِ النِّيَّةُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حَقِيْقَةً فَهِيَ وَاقِعَةٌ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَطْعِ النِّيَّةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَلَا يَسَعُ النَّاسَ الْعَمَلُ إِلَّا عَلَيْهِ». • وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيْمَا لَوْ نَامَ رَجُلٌ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إِلَّا مِنَ الْغَدِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَكَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يُفِقْ إِلَّا مِنَ الْغَدِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ يَصِحُّ صَوْمُهُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنِ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ لِكُلِّ يَوْمٍ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ. سَادِسًا: اخْتَلَفَ أْهْلُ الْعِلْمِ فِي اشْتِرَاطِ تَبْيِيْتِ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي صِيَامِ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَوَقَّتَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى الزَّوَالِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى هَذَا التَّحْدِيْدِ. • وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيْثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْفَقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الْمَجْلِسِ، وَأُجِيْبَ عَنْهُ بِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا صَحَّتْ فِي نَهَارِ عَاشُورَاءَ؛ لَكَون الرُّجُوعِ إلَى اللَّيْلِ غَيْرَ مَقْدُورٍ، وَالنِّزَاعُ فِيمَا كَانَ مَقْدُورًا، فَيُخَصُّ الْجَوَازُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِتَعَذُّرِهِ؛ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ كَمَنْ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَمَنْ ظَهَرَ لَهُ وُجُوبُ الصِّيَامِ عَلَيْهِ مِنْ النَّهَارِ، كَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ، وَالصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ، وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ، وَكَمَنْ انْكَشَفَ لَهُ فِي النَّهَارِ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ. • وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ: «يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ. قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ».

стр. 78

• وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنِّي إِذَن صَائِمٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رقم: ١١٥٤). • وَأُجِيْبَ عَنْ هَذَا الْحَدِيْثِ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ نَوَى الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْفِطْرَ لَمَّا ضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَهُوَ مُحْتَمَلُ لَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ: «فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا». (١). ا. هـ. • وَلغَيْر مُسْلِمٍ: «إِذًا أَصُومُ»، لَكِن فِيهَا مَقَالٌ، واللهُ أَعْلَمُ. (٢) • وَالْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاطِ أَقْرَبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَمَالِكٍ - إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مَنْ يَسْرُدُ الصَّوْمَ - وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَالْمُزَنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ الصَّنْعَانِيُّ، وَالشَّوْكَانِيُّ، وَالْوَادِعِيُّ، وَشَيْخُنَا الْعَلَامَةُ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْحَجُورِيُّ حَفِظَهُ اللهُ. (٣) تَنبِيْهٌ: يُشْتَرَطُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَكُونَ مَنْ أَنْشَأَ نِيَّةَ صِيَامِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ مِنَ النَّهَارِ قَدْ أَتَى بِمُفَطِّرٍ مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ.

стр. 79

تَنبِيْهٌ آخَرُ: حَدِيْثُ حَفْصَةَ ﵂، عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ». لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ. (١) سَابعًا: لَا بُدَّ مِنَ الْجَزْمِ فِي النِّيَّةِ، فَلَوْ تَرَدَّدَ فِي نِيَّتِهِ، أَيَصُومُ أَمْ لَا؟ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ النَّفْلُ الْمُطْلَقُ، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِيْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (٢) ثَامِنًا: مَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ بِخُرُوجِهِ مِنَ الصِّيَامِ حَالَ صَوْمِهِ أَفْطَرَ عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ». وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ نَوَى فِعْلَ مُبْطِلٍ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصِّيَامِ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ، كَأَنْ يَنْوِيَ الْأَكْلَ، ثُمَّ لَا يَأْكُلَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ. • قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُفِيْدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ إِلَّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمَنْ نَوَى فِعْلَ مَحْظُورٍ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ تَفْسُدْ إِلَّا بِفِعْلِهِ». (٣) تَاسِعًا: مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُفْطِرُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَنْوِي الْإِفْطَارَ بِقَلْبِهِ وَيَكْفِيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا غَايَةُ وُسْعِهِ، وَاللَّهُ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. • قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَقَالَ بَعْضُ الْعَوَامِ: إِذَا لَمْ تَجِدْ شَيْئَا فَمُصَّ إِصْبَعَكَ!، وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بُلَّ الْغُتْرَةَ، ثُمَّ مُصَّهَا؛ لِأَنَّكَ إِذَا بَلَلْتَهَا انفَصَلَ الرِّيْقُ

стр. 80

عَنِ الْفَمِ، فَإِذَا رَجَعْتَ وَمَصَصْتَهَا أَدْخَلْتَ شَيْئَا خَارِجًا عَنِ الْفَمِ إِلَى الْفَمِ، وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ أَيْضًا. ا. هـ. (١) • [سُبْحَانَ مَنِ اخْتَارَ أَقْوَامًا لِلإِفَادَةِ، فَصَارَتْ نَهْمَتُهُمْ فِي تَحْصِيلِ اسْتِفَادَةٍ، وَمَا زَالَتْ بِهِمُ الرِّيَاضَةُ حَتَّى تَرَكُوا الْعَادَةَ، شَغَلَتْهُمْ مَخَاوِفُهُمْ عَنْ كُلِّ عَادَةٍ، وَأَنَالَهُمُ الْمَقَامَ الأَسْنَى، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. • كُلُّ مِنْهُمْ قَدْ هَجَرَ مُرَادَهُ، وَشَمَّرَ لِتَصْحِيحِ الإِرَادَةِ، عَلَتْ هِمَمُهُمْ فَطَلَبُوا الزِّيَادَةَ، وَعَامَلُوا مَحْبُوبَهُمْ يَرْجُونَ وِدَادَهُ، وَرَفَعُوا مَكْتُوبَ الْحُزْنِ وَجَعَلُوا الدَّمْعَ مِدَادَهُ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. • رَفَضُوا الدُّنْيَا شُغُلا بِالدِّينِ، وَسَلَكُوا مِنْهَاجَ الْمُهْتَدِينَ، وَسَابَقُوا سِبَاقَ الْعَابِدِينَ، فَصَارُوا أَئِمَّةً لِلْمُرِيدِينَ وَقَادَةً، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. • هَجَرُوا فِي مَحَبَّتِهِ كُلَّ غَرَضٍ، وَأَقْبَلُوا عَلَى أَدَاءِ الْمُفْتَرَضِ، وَالْتَفَتُوا إِلَى الْجَوْهَرِ مُعْرِضِينَ عَنِ الْعَرَضِ، فَأَنْحَلَهُمُ الْخَوْفُ فَصَارُوا كَالْحَرَضِ، يَا لَهُ مِنْ مَرَضٍ لَا يَقْبَلُ عِيَادَةً!، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. • لَوْ رَأَيْتَهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ سَجَى، وَقَدْ أَقْبَلُوا إِلَى بَابِ الْمُرْتَجَى، فَلَمْ يَجِدُوا دُونَهُ مَرْتَجًا، حَلَفُوا فِي ظَلامِ الدُّجَى عَلَى هَجْرِ الْوِسَادَةِ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. • سُبْحَانَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ وَأَفَادَهُمْ، وَأَعْطَاهُمْ مُنَاهُمْ وَزَادَهُمْ، مَا ذَاكَ بِقُوَّتِهِمْ بَلْ هُوَ أَرَادَهُمْ، سَبَقَتْ إِرَادَتَهُمْ تِلْكَ الإِرَادَةُ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. • لَطَفَ بِهِمْ وَهَدَاهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَرَاعَاهُمْ، وَعَطِشُوا مِنْ مِّيَاهِ الْهَوَى فَسَقَاهُمْ، وَذَلَّلُوا لَهُ النُّفُوسَ فَرَقَّاهُمْ إِلَى مَقَامِ السَّادَةِ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].

стр. 81

• أَجْرَى لَهُمْ أَجْرًا لَا يُوَازَى، وَوَهَبَ لَهُمْ فِي مَفَازَةِ الْخَطَرِ مَفَازًا، وَأَنْجَزَ مَوْعِدَهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ إِنْجَازًا، وَجَازَى عِبَادَهُ عَلَى سَابِقِ الْعِبَادَةِ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].] (١) إنَّ للَّهِ عِبَادًا فُطَنَا … تَرَكُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الفِتَنَا نَظَرُوا فِيْهَا فَلَمَّا عَلِمُوا … أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا … صَالحَ الْأَعْمَالِ فِيْهَا سُفُنَا اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ * * *

стр. 82

الْمَجْلِسُ الثَّامِنُ: فِي ذِكْرِ الْمُفَطِّرَاتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ • الْحَمْدُ للهِ شَدِيْدِ الْمِحَالِ، ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْجَلَالِ، الْكَبِيْرِ الْمُتَعَال، عَظِيْمِ الْمَنِّ وَالْإِفْضَالِ، وَاسِعِ الْعَطَاءِ وَالْإجْزَال، الْمُتَفَرِّدِ بِنُعُوتِ الْكَمَالِ، بِيَدِهِ الرَّفْعُ وَالْخَفْضُ، وَالْبَسْطُ وَالْقَبْضُ، وَالْإِمْسَاكُ وَالْإِرْسَالُ، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]، ضَرَبَ لِعِبَادِهِ الْأَمْثَالَ، وأَرْسَى الْجِبَالَ، وَأَنشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ، وَجَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا، وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ، أَوَّلُهَا الْهِلَالُ، مَنَّ عَلَيْنَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ فَيَا فَلَاحَ مَنْ عَلَى الْخَيْرِ لَازَمَ فِيْهِ الْإِقْبَالَ، وَيَا حِرْمَانَ مَنْ أَعْرَضَ أَوْ فَرَّطَ وَجَنَى عَلَى عَمَلِهِ بِمَا يُوجِبُ النَّقْضَ وَالْإِبْطَالَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الضَّلَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا بَيْعٌ فِيْهِ وَلَا خِلَالٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَمِيْدُ الْخِصَالِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، الشَّفِيْعُ إِلَى رَبِّهِ فَي يوْمٍ تَعْظُمُ فِيْهِ الْأَهْوَالُ، وَتُعْرَضُ الْأَعْمَالُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيْعِ الصَّحْبِ وَالآلِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَتَابَعَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِ، أَمَّا بَعْدُ: • فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ التَعَبُّدُ للهِ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفطِّرَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. • وَهَذِهِ الْمُفَطِّرَاتُ الَّتِي تُبْطِلُ الصِّيَامَ هِيَ: ١. الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَمْدًا، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا. ٢. وَالْجِمَاعُ عَمْدًا، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ قَضَاءُ شَهْوَةٍ. ٣. وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ. ٤. وَالرِّدَّةُ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ. ٥. وَنِيَّةُ قَطْعِ الصِّيَامِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ. • وَهَذَا الْأَخِيْرُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَجْلِسِ السَّابِقِ، وَسَنَذْكِرُ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْمُفطِّرَاتِ بِالتَّفْصِيْلِ، وَاحِدًا تِلْوَ الآخِرِ، وسَنَبْدَأُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - بِأُوْلَاهَا، وَهِيَ: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَمْدًا، وَهُمَا مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ بِالْكِتَابِ والسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.

стр. 83

• أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. • وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَحَدِيْثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١) • وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: ابْنُ قُدَامَةَ. (٢) • وَإذا طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْفِظَ مَا فِي فَمِهِ مِنْ أَكْلٍ، أَوْ يَمُجَّ مَا فِيْهِ مِنْ مَشْرُوبٍ؛ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُوْرَةِ. • هَذَا فِي الْمُتَعَمِّدِ، أَمَّا النَّاسِي، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَلَا يُفْطِرُ بِه، وَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ؛ لقوله : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. • وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣) • وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ (رقم: ٧٢١): «فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ». • وَعَلَيْهِ إِذَا ذَكَرَ أَنْ يَلْفِظَ مَا فِي فِيهِ فَوْرًا، وَعَلَى مَنْ رَآهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ، فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَمْدًا؛ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ فِي هَذَا الْحَالِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ في أَصَحِّ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْم. • فَإِنْ كَانَ جاهلًا بِكَوْنِهِمَا مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ فَعَلَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀: «إذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، بِحَيْثُ يَخْفَى عَلَيْهِ كَوْنُ هَذَا مُفَطِّرًا لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ، فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ النَّصُّ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ».

стр. 84

• وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْفِظَ مَا يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ أَثْنَاءَ صِيَامِهِ؛ فَإِنِ ازْدَرَدَهُ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • أَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الامْتِنَاعِ مِنْهُ مِمَّا يَجْرِي مَعَ الرِّيْقِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ؛ بِالْإِجْمَاعِ. (١) • وَمَنْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. • وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ إِذَا شَكَكْتُ فِي الْفَجْرِ، وَأَنَا أُرِيْدُ الصِّيَامَ؟ قَالَ: «كُلْ مَا شَكَكْتَ حَتَّى لَا تَشُكَّ». (٢) • فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ، فَصَوْمُهُ صَحِيْحٌ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِن يَنبَغِي التَّحَرِّي وَعَدَمُ التَّسَاهُلِ فِي ذَلِكَ. • وَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلْفَجْرِ وَالْإِنَاءُ فِي يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ مِمَّنْ يَتَحَرَّى الْوَقْتَ، وَلَا يُؤَذِّنُ إِلَّا لِدُخُولِهِ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ، وَأَمَّا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ»؛ فَإِنَّهُ حَدِيْثٌ مُعَلٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمٌ. (٣)

стр. 85

• وَمِنَ الْمُفَطِّرَاتِ الَّتِي تُلْحَقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَيْضًا: الشَّمَّةُ وَالدُّخَانُ، وَهُمَا مُحَرَّمَانِ عَلَى الصَّائِمِ وَعَلَى غَيْرِهِ. • وَأَمَّا الْبَخُورُ فَلَا يَضُرُّ التَّبَخُّرُ بِهِ بِلَا شَكٍّ، وَكَذِلَكَ اسْتِنشَاقُهُ لَا يُفَطِّرُ عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا، وَلَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَقَدْ كَانَ الدُّخَانُ الْمُتَصَاعِدُ مِنْ أَلْسِنَةِ لَهَبِ مَا يُوْقِدُ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَلَوْ كَانَ مُفَطِّرًا لَبَيَّنَهُ. وَعَلَي هَذَا فَإِنَّ تَعْلِيْلَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِكَوْنِ الْبَخُورِ مُفَطِّرًا بِأَنَّ لَهُ جِرْمًا يَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ تَعْلِيْلٌ عَلِيْلٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ. • وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ شُرْبِ الدُّخَانِ مُفَطِّرًا أَنْ يَكُونَ الْبَخُورُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَخُورَ يُفَارِقُ الدُّخَانَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الأَوَّل: الاخْتِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا؛ وَلِهَذَا يُقَالُ فِي اسْتِعْمَالِ الدُّخَانِ: (شُرْبُ الدُّخَانِ)، بَيْنَمَا لَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْبَخُورِ؛ والدُّخَانُ يُجْذَبُ فِي الْأَصْلِ عَنْ طَرِيْقِ الْفَمِ، بِخِلَافِ اسْتِنشَاقِ الْبَخُورِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيْهِ اسْتِنشَاقُهُ عَنْ طَرِيْقِ الْأَنفِ. الثَّانِي: الْبَخُورُ مُبَاحٌ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الطِّيْبِ، وَالدُّخَانُ الْمَشْرُوبُ مِنَ الْمُسْتَخْبَثَاتِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْبَدَنِ وَالْمَالَ وَالدِّيْنِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَهُوَ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الْأَلْفِ مِنَ

стр. 86

الْهِجْرَةِ (عَامَ ١٠١٠ هـ تَقْرِيْبًا)؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهِ نصٌّ لِلْمُتَقَدِّمِيْنَ؛ لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي زَمَنِهِمْ. (١) • وَمِنَ الْمُفَطِّرَاتِ الَّتِي تُلْحَقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَيْضًا: مَا لَا يُغَذِّي الْبَدَنَ، كَالْخَشَبِ وَالتُّرَابِ، وَالخَرَزِ وَنَحْوِهِ، إِذَا ابْتَلَعَهُ الصَّائِمُ مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ؛ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ عَنْ طَرِيْقِ الْفَمِ؛ ولِأَنَّهُ يُثْقِلُ الْمَعِدَةَ، وَيَكْسِرُ سَوْرَةَ الْجُوعِ. (٢) • وَمِنَ الْمُفَطِّرَاتِ الَّتِي تُلْحَقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَيْضًا: الْحُقَنُ الْمُغَذِّيَةُ؛ لِأَنَّهَا تُغَذِّيْ الْبَدَنَ، وَتُعْطِي قُوَّةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَكَانَتْ فِي مَعْنَاهُمَا. • أَمَّا الْحُقَنُ غَيْرُ الْمُغَذِّيَةِ الَّتِي تُوصَفُ لِلْمريض عَنْ طَرِيْقِ الْعضَلِ أَوِ الْوَرِيْدِ فَلَيْسَتْ مُفَطِّرَةً. • وَكَذَلِكَ حَقْنُ الدَّمِ فِي الصَّائِمِ لَا يُفَطِّر، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «ظَهَرَ لِي أَنَّ حَقْنَ الدَّمِ لَا يُفَطِّرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا وَلَا شُرْبًا وَلَا بِمَعْنَاهُمَا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ صِحَّةِ الصَّوْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فَسَادُهُ؛ لِأَنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ الْيَقِيْنَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ». (٣) • وَأَمَّا غَسِيْلُ الْكلَى، وَهُو إِخْرَاجُ دَمِ الْمَرِيْضِ بِالْفَشَلِ الْكلَوِيِّ إِلَى آلَةٍ؛ لِتَنقِيَتِهِ، ثُمَّ يُعَادَ إِلَى الْجِسْمِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أُضِيْفَ إِلَى الدَّمِ بَعْضُ الْمَوَادِّ الْكِيْمِيَائِيَّةِ وَالْغِذَائِيَّةِ، كَالسُّكَّرِيَّاتِ وَالْأَمْلَاح، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ. (٤)

стр. 87

• وَلَيْسَتِ الْحِجَامَةُ من الْمُفَطِّراتِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَفي مَعْنَاهَا: الْفَصْدُ وَالتَّشْريطُ وَسَحْبُ الدَّمِ، وَأَمَّا حَدِيْثُ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (١)؛ فَإِنَّهُ مَنسُوخٌ بِعِدَّةِ أَحَادِيْثَ، وَهِيَ: ١. حَدِيْثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٣٨، و ١٩٣٩، و ٥٦٩٤). ٢. وَسُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أيضًا (رَقْم: ١٩٤٠). ٣. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا؛ إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣٠٧١)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٣٧٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ، وَالْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ.

стр. 88

٤. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي "الْكُبْرَى"، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَغَيْرُهُمَا. (١) • قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَلَفْظَةُ «أَرْخَصَ» لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ نَهْيٍ؛ فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ نَسْخُ الْخَبَرِ الْأَوَّل. • وَذَكَرَ لَهُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي "الْإْرْوَاءِ" (رَقْم: ٩٣١) طُرُقًا، ثُمَّ قَالَ: «فَالْحَدِيْثُ بِهَذِهِ الطُّرُقِ صَحِيْحٌ لَا شَكَّ فِيْهِ، وَهُوَ نَصٌّ فِى النَّسْخِ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ». (٢) • وَكَذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْإِنسَانِ بِسَبَبِ جُرْحٍ أَوْ رُعَافٍ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ، لَا يُفَطِّرَانِ. • وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَذَوَّقَ الصَّائِمُ الطَّعَامَ لِحَاجَةٍ، كَأَنْ يَكُونَ طَبَّاخًا، وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمُجَّ مَا تَذَوَّقَهُ، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، فَإِنْ بَلَعَهُ مُتَعَمِّدًا أَفْطَرَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا الْعِلْكُ - بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَهُوَ اللُّبَانُ - فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: الأَوَّلُ: الَّذِي يَتَفَتَّتُ وَيَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ، بِحَيْثُ لَا يُؤْمَنُ نُزُولُ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى الْجَوْفِ مَعَ الرِّيْقِ، فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ يُفَطِّرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ طَعْمٌ، أَمْ لَا. الثَّانِي: الصَّلْبُ الَّذِيْ لَا يَتَفَتَّتُ، بَلْ يَزْدَادُ صَلَابَةً كُلَّمَا مُضِغَ، فَهَذَا إِنْ كَانَ لَهُ حَلَاوَةٌ كَانَ مُفَطِّرًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَلَاوَةٌ فَلَيْسَ بِمُفَطِّرٍ، قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ٤٢٥): «وَلَكِن مَعَ ذَلِكَ لَا يَنبَغِيْ أَنْ يَمْضَغَهُ أَمَامَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُسَاءُ بِهِ

стр. 89

الظَّنُّ إِذَا مَضَغَهُ أَمَامَ النَّاسِ، فَمَا الَّذِيْ يُدْرِيْهِمْ أَنَّهُ عِلْكٌ قَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ قَوِيٍّ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ فِيْهِ طَعْمٌ أَوْ فِيْهِ طَعْمٌ، وَرُبَّمَا يَقْتَدِيْ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَيَمْضَغُ الْعِلْكَ دُونَ اعْتِبَارِ الطَّعْمِ». • وَأَمَّا الرِّيْقُ الَّذِيْ لَا يَفُارِقُ الْفَمَ، فَابْتِلَاعَهُ لَا يُفَطِّرُ بِالْإِجْمَاعِ، إِذَا كَانَ عَلَى الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، (١) وَعَلَى الرَّاجِحِ إِذَا تَعَمَّدَ جَمْعَهُ فِي الْفَمِ، ثُمَّ ابْتَلَعَهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ. (٢) • وَهَذَا إِذَا تَمَحَّضَ الرِّيقُ، فَأَمَّا لَوِ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِابْتِلَاعِهِ. • وَكَذَا لَوِ انفَصَلَ عَنِ الْفَمِ، ثُمَّ ابْتَلَعَهُ، بِأَنْ خَرَجَ عَنْ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّهُ بِلِسَانِهِ أَوْ غَيْرِ لِسَانِهِ، وَابْتَلَعَهُ؛ أَفْطَرَ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوِ ابْتَلَعَ رِيْقَ غَيْرِهِ، كَرِيْقِ امْرَأَتِهِ؛ أَفْطَرَ بِذَلِكَ. • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: قَالَ أَصْحَابُنَا - يَعْنِي: الشَّافِعِيَّةَ -: حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَى ظَاهِرِ الشَّفَةِ، فَرَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْعَفْوِ. ا. هـ. • وَأَمَّا النُّخَامَةُ - وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: النُّخَاعَةُ - فَحُكْمُهَا حُكْمُ الرِّيْقِ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ مُفَطِّرَةٍ، عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ، إِلَّا إِذَا انفَصَلَتْ مِنْ فِيْهِ، ثُمَّ ابْتَلَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ. • قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: بَلْعُ النُّخَامَةِ حَرَامٌ عَلَى الصَّائِمِ وَغَيْرِ الصَّائِمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ، وَرُبَّما تَحْمِلُ أَمْرَاضَا، فَإِذَا رَدَدتَّها إِلَى الْمَعِدَةِ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْكَ. ا. هـ. (٣) • وَلَوْ دَخَلَ إِلَى حَلْقِ الصَّائِمِ شَيْءٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَذُبَابٍ، أَوْ غُبَارٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا لم يَضُرَّهُ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى جَوْفِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

стр. 90

• وَكَذَا لَوْ دَخَلَ الْمَاءُ إِلَى حَلْقِهِ حَالَ الْمَضْمَضَةِ أَوِ الاسْتِنشَاقِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، لَكِن لَا يُبَالِغْ فِيهما حَالَ صِيَامِهِ؛ فَعَن لَقِيطِ بْنِ صَبِرَة ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ لَهُ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. (١) • وَأَمَّا السِّوَاكُ فَإِنَّ الاسْتِيَاكَ بِهِ لَا يَضُرُّ، سَوَاءٌ أَكَانَ يَابِسًا أَمْ رَطْبًا، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ للصَّائِمِ وَغَيْرِهِ، أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، وَمَا رُوِيَ فِي كَرَاهَتِهِ للصَّائِمِ آخِرَ النَّهَارِ لَا يَثْبُتُ؛ وَإِنَّمَا يَضُرُّ تَعَمُّدُ ابْتِلَاعِ شَيْءٍ مِنْ قِشْرِهِ أَوْ رُطُوبَتِهِ إِنْ كَانَ رَطْبًا، فَيَجِبُ تَجَنُّبُ ذَلِكَ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. • وَلَيْسَ لِلسِّوَاكِ تَأْثِيْرٌ عَلَى خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ الَّذِيْ هُوَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيْحِ الْمِسْكِ؛ لِأَنَّ مَنشَأَ الْخُلُوفِ مِنَ الْمَعِدَةِ؛ لِخُلُوِّهَا مِنَ الطَّعَامِ، لَا مِنَ الْفَمِ. • وَكَذَلِكَ مَعْجُونُ الْأَسْنَانِ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ اسْتِعْمَالُهُ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ نُزُولِ شَيْءٍ مِنْهُ إِلى حَلْقِهِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ إِلَى اللَّيْلِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّما غَلَبَ عَلَيْهِ لِقُوَّةِ نُفُوذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٢) • وَكَذَلِكَ قَلْعُ الضِّرْسِ، أَوْ مُعَالَجَتُهُ، وغَسِيْلُ الْفَمِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْأَدْوِيَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَمُجَّهُ وَلَا يَذْهَبَ إِلَى حَلْقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ مُتَعَمِّدًا، وَالْكُحْلُ، وَقَطْرَةُ الْعَيْنِ، وَقَطْرَةُ الْأُذُنِ، وَقَطْرَةُ الْأَنفِ إِذَا تَحَرَّزَ مِنْ وُصُولِ شَيْءٍ إِلَى جَوْفِهِ، وَمَا يَدْخُلُ فِي الْإِحْلِيْلِ (الذَّكَرِ)،

стр. 91

وَفَتْحَةِ الشَّرْجِ، وَالْمِهْبَلِ وَالرَّحِمِ مِنْ تَحَامِيْلَ أَوْ غَسُولٍ، أَوْ قَسْطَرَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَدَوَاءُ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، وَدَوَاءُ الرَّبْوِ الَّذِيْ يَسْتَنشِقُهُ الْمُصَابُ بِهِ عَنْ طَرِيْقِ أَنفِهِ إِلَى رِئَتَيْهِ، وَالْأُكْسُجِيْنُ، وَمَا يَمْتَصُّهُ الْجِلْدُ، كَالدِّهَانَاتِ، وَالْأَقْرَاصُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ تَحْتَ اللِّسَانِ؛ لِعِلَاجِ الذَّبْحَةِ الصَّدْرِيَّةِ، إِذَا تَجَنَّبَ نَفَاذَهَا إِلَى الْحَلْقِ، وِإِدْخَالُ الْمَنَاظِيْرِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ الْجِرَاحِيَّةِ، بِاسْتِثْنَاءِ مِنظَارِ الْمَعِدَةِ إِذَا صَاحَبَهُ دُخُولُ سَوَائِلَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ أَكْلًا وَلَا شُرْبًا وَلَا فِي مَعْنَاهُمَا. (١) • وَكَذَا الْقَيْءُ لَيْسَ مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ، فَإِنْ ذَرَعَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ. (٢) • وَكَذَا مَنِ اسْتقَاءَ عَمْدًا، لَا يُفْطِرُ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، وَأَمَّا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ»؛ فَإِنَّهُ حَدِيْثٌ مُعَلٌّ، لَا يَثْبُتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٣)

стр. 92

• وَأَمَّا حَدِيْثَا أَبي الدَّرْدَاءِ، وَثَوْبَانَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَاءَ فَأَفْطَرَ» (١)؛ فَلَيْسَ فِيْهِمَا ذِكْرُ الاسْتِقَاءِ، وَإِنَّمَا ذِكْرُ الْقَيْءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيْثَ، فقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ: وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، فَقَاءَ، فَضَعُفَ، فَأَفْطَرَ. • لَكِنْ إِنْ قَاءَ أَوِ اسْتَقَاءَ ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى جَوْفِهِ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ، مَعَ كَوْنِ إِعَادَتِهِ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَسْلَمُ وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ الْقَيْءَ. • وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ نَقَلَ الْإجْمَاعَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنِ قُدَامَةَ. (٢) • وَيَعْضُدُهُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَمْرُ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِقَضَاءِ يَوْمٍ مَكَانَهُ، كَمَا سَيَأْتِي. • وَأَمَّا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ». فَضَعِيْفٌ، لَا يَثْبُتُ. (٣)

стр. 93

• قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي "الْمُحَلَّى" (ج ٤/ صـ: ٣٨٣ - ٣٨٤): وَمَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ فِي بَاقِيهِ وَلَا أَنْ يَشْرَبَ، وَلَا أَنْ يُجَامِعَ، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى إنْ فَعَلَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ صَائِمٍ. • قَالَ: وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ عَاصِيًا فَهُوَ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمُحَرَّمٌ عَلَيْهِ فِيهِ كُلُّ مَا يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهُ إذَا عَصَى بِتَعَمُّدِ الْفِطْرِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَزَيِّدٌ مِنْ الْمَعْصِيَةِ مَتَى مَا تَزَيَّدَ فِطْرًا، وَلَا صَوْمَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ. ا. هـ. • فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ سِيْدَهْ - وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ -: والفِطْرُ: نَقِيضُ الصَّومِ، وقَدْ أَفْطَرَ، وفَطَرَ، وأَفْطَرَهُ، وفَطَّرَهُ. ا. هـ. (١) • فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ أَنْ يُقَالَ لِلْمُفْطِرِ أَيْضًا: فَاطِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • لَكِن قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيْهُ الشَّافِعِيُّ أَبُو عَمْرو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ فِي "شَرْحِ مُشْكِلَاتِ الْوَسِيطِ" - فِيْمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ هِشَامٍ النَّحَوِيُّ ﵀ فِي "الْمَسَائِلِ السَّفَرِيَّةِ" (صـ: ٣٥) -: إِنَّهُ لَا يَقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ سِيْدَهْ؛ لِأَنَّهُ يَنقُلُ عَنْ الْعَرَبِ الَّذِينَ سمع مِنْهُم، فإنَّ زَمَانَهُ كَانَتْ اللُّغَة فِيهِ قَدْ فَسَدَتْ. ا. هـ. • وَلِهَذَا قَالَ الصَّفَدِيُّ فِي "تَصْحِيْحِ التَّصْحِيْفِ وَتَحْرِيْرِ التَّحْرِيْفِ" (صـ: ٣٩٩): يَقُولُونَ: رَجُلٌ فَاطِرٌ، وَامْرَأَةٌ فَاطِرةٌ، وَالصَّوَابُ: مُفطِرٌ، ومُفطِرَةٌ. ا. هـ. • [بَادِرُوا إِخْوَانِي شَهْرَكُمْ بِأَفْعَالِ الْخَيْرِ، وَأَفْرِدُوهَا عَنِ الْخَطَايَا؛ لِتَكُونَ وَحْدَهَا لَا غَيْرَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا شَهْرُ إِنْعَامِ وَمَيْر، وَاهًا لأَوْقَاتِهِ مِنْ زَوَاهِرَ مَا أَشْرَفَهَا، وَلِسَاعَاتِهِ الَّتِي كَالْجَوَاهِرِ مَا أَظْرَفَهَا، أَشْرَقَتْ لَيَالِيهَا بِصَلاةِ التَّرَاوِيحِ، وَاسْتَنَارَتْ أَيَّامُهَا بِالصَّلاةِ وَالتَّسْبِيحِ، حِلْيَتُهَا الإِخْلاصُ وَالصِّدْقُ، وَثَمَرَتُهَا الْخَلاصُ وَالْعِتْقُ.] (٢)

стр. 94

• أَيُّهَا الْمَرْءُ، [كَأَنَّكَ بِالْعُمْرِ قَدِ انْقَرَضَ، وَهَجَمَ عَلَيْكَ الْمَرَضُ، وَفَاتَ كُلُّ مُرَادٍ وَغَرَضٍ، وَإِذَا بِالتَّلَفِ قَدْ عَرَضَ أَخَّاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • شَخَصَ الْبَصَرُ وَسَكَنَ الصَّوْتُ، وَلَمْ يُمْكِنِ التَّدَارُكُ لِلْفَوْتِ، وَنَزَلَ بِكَ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَسَامَتِ الرُّوحُ وَحَاذَى، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • عَالَجْتَ أَشَدَّ الشَّدَائِدِ، فَيَا عَجَبًا مِمَّا تُكَابِدُ، كَأَنَّكَ قَدْ سُقِيتَ سُمَّ الأَسَاوِدِ، فَقَطَّعَ أَفْلَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • بَلَغَتِ الرُّوحُ التَّرَاقِيَ، وَلَمْ تَعْرِفِ الرَّاقِيَ مِنَ السَّاقِي، وَلَمْ تَدْرِ عِنْدَ الرَّحِيلِ مَا تُلاقِي، عِيَاذًا بِاللَّهِ عِيَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • ثُمَّ دَرَجُوكَ فِي الْكَفَنِ، وَحَمَلُوكَ إِلَى بَيْتِ الْعَفَنِ، عَلَى الْعَيْبِ الْقَبِيحِ وَالأَفَنِ، وَإِذَا الْحَبِيبُ مِنَ التُّرَابِ قَدْ حَفَنَ، وَصِرْتَ فِي الْقَبْرِ جُذَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • وَتَسَرَّبَتْ عَنْكَ الأَقَارِبُ تَسْرِي، تَقُدُّ فِي مَالِكَ وَتَفْرِي، وَغَايَةُ أَمْرِهِمْ أَنْ تَجْرِيَ دُمُوعُهُمْ رَذَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • قَفَّلُوا الأَقْفَالَ وَبَضَّعُوا الْبِضَاعَةَ، وَنَسُوا ذِكْرَكَ يَا حَبِيبَهُمْ بَعْدَ سَاعَةٍ، وَبَقِيْتَ هُنَاكَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، لَا تَجِدُ وَزَرًا وَلَا مَعَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • ثُمَّ قُمْتَ مِنْ قَبْرِكَ فَقِيرًا، لَا تَمْلِكُ مِنَ الْمَالِ نَقِيرًا، وَأَصْبَحْتَ بِالذُّنُوبِ عَقِيرًا، فَلَوْ قَدَّمْتَ مِنَ الْخَيْرِ حَقِيرًا؛ صَارَ مَلْجَأً وَمَلَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • وَنُصِبَ الصِّرَاطُ وَالْمِيزَانُ، وَتَغَيَّرَتِ الْوُجُوهُ وَالأَلْوَانُ، وَنُودِيَ: شَقِيَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، وَمَا تَرَى لِلْعُذْرِ نَفَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. • كَمْ بَالَغَ عَذُولُكَ فِي الْمَلامِ، وَكَمْ قَعَدَ فِي زَجْرِكَ وَقَامَ، فَإِذَا قَلْبُكَ مَا اسْتَقَامَ،

стр. 95

قُطِعَ الْكَلامُ عَلَى ذَا: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. (١) للهِ دَرُّ رِجَالٍ وَاصَلُوا السَّهَرَا … وَاسْتَعْذَبُوا الْوَجْدَ وَالتَّبْرِيْحَ وَالْفِكَرَا دَبُّوا إِلَى الْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا … جَهْدَ النُّفُوسِ وَشَدُّوا دُونَهُ الْأُزُرَا وَسَاوَرُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ … وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ وَافَى وَمَنْ صَبَرَا لَا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ … لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا • اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَنَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْك * * *

стр. 96

الْمَجْلِسُ التَّاسِعُ: فِي ذِكْرِ إِفْسَادِ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَحْمُودًا فِي الْقَدِيْمِ وَالْحَدِيْثِ، الْوَاحِدِ الَّذِي تَعَالَى عَنْ قَوْلِ أَهْلِ التَّندِيْدِ وَالتَّثْلِيْثِ، فَسُبْحَانَهُ، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ، وَقَدَّرَ التَّنَاسُلَ فِي عِبَادِهِ ضَرُورَةً لِلْبَقَاءِ، وَجَعَلَهُ فِي التَّذْكِيْرِ وَالتَّأْنِيْثِ، وَبَثَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كُلَّ تَبْثِيْثٍ، وَجَعَلَ مِيْزَانَ التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمْ تَقْوَاهُ، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَبَيْنَ مَنْ آثَرَ رَحْمَةَ رَبِّهِ وَرِضَاهُ، وَمَا بَيْنَ مَنْ يُصْلِحُ فِي الْأَرْضِ وَبَيْنَ مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا وَيَعِيْثُ، ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ نَاصِرُ دِيْنِهِ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيْثِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، يَكْشِفُ السُّوْءَ وَيُجِيْبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ وَيُغِيْثُ الْمُسْتَغِيْثَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّمْحُ الدَّمِيْثُ، خَيْرُ نَبِيٍّ وبَعِيْثٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ سَارُوا عَلَى طَرِيقَتِهِ السَّيْرَ الْحَثِيْثَ، أَمَّا بَعْدُ: • فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِمَاعَ أَحَدُ مُبْطِلَاتِ الصِّيَامِ، وَهَذِهِ أَهَمُّ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ: الأُوْلَى: أَنَّ الْجِمَاعَ عَمْدًا يُفْسِدُ الصِّيَامَ، بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. • أَمَّا مِنَ الكِتَابِ فَقَوْلُهُ : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. • وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَحَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ : «الصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٧٤٩٢)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٥١) (١٦٤)، وَلَفْظُهُ:

стр. 97

«يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي». • وَعَنْهُ ﵁ أَيْضًا، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، قَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». (١) • وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. (٢) • وَأَمَّا الإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ ﵀. (٣) • هَذَا فِي حَقِّ الْعَامِدِ، فأَمَّا مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا قَدْ أَفْسَدَ صِيَامَهُ، فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؛ كَمَا فِي حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. • وَاخْتُلِفَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْ زَوْجَهَا، هَلْ تَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ أَيْضًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهَا، وَإِنْ احْتَاطَتْ، فَكَفَّرَتْ كَانَ أَفْضَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. • فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ.

стр. 98

الثَّالِثةُ: اخْتُلِفَ أَيْضًا في وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، والصَّحِيْحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي شَأْنِ الْمُجَامِعِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ لَهُ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ». وَهِيَ زِيَادَةٌ ثَابِتَةٌ. (١) الرَّابعَةُ: مَنْ جَامَعَ وَهُوَ صَائِمٌ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيْمِ، كَأن يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، بِحَيْثُ يَخْفَى عَلَيْهِ كَوْنُ الْجِمَاعِ مُفَطِّرًا لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ، فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ النَّصُّ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ أَفْطَرَ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ. (٢) الخَامِسَةُ: أَنَّ مَنْ جَامَعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَقَلَّ عُذْرًا مِنَ النَّاسِي. • فَإِذَا عَلِمَ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنزِعَ فِي الْحَالِ، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، فَإن اسْتَدَامَ بَطَلَ صَوْمُهُ، ولَزِمَتهُ الْكَفَّارَةُ، مَعَ الْقَضَاءِ. (٣)

стр. 99

السَّادِسَةُ: أَنَّ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَامَعَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ، فَأَشْبَهَ إِذَا وَطِئَ وَعِندَهُ أَنَّهُ لَيْلٌ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ نَهَارٌ. (١) • فَإِنْ جَامَعَ عَامِدًا أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ تَلَبَّسَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، كَمَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُسْقِطُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ. • وَكَذَا مَنْ أَفْطَرَ عَامِدًا بِغَيْرِ جِمَاعٍ، ثُمَّ جَامَعَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّهْرِ حَاصِلَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ بَلْ هِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِفِطْرِهِ أَوَّلًا، فَصَارَ عَاصِيًا مَرَّتَيْنِ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ أَوْكَدَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا لَصَارَ ذَرِيعَةً إلَى أَنْ لَا يُكَفِّرَ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يُجَامِعَ فِي رَمَضَانَ إلَّا أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْكُلَ ثُمَّ يُجَامِعَ، بَلْ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى مَقْصُودِهِ، فَيَكُونُ قَبْلَ الْغَدَاءِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَإِذَا تَغَدَّى هُوَ وَامْرَأَتُهُ ثُمَّ جَامَعَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ! وَهَذَا شَنِيعٌ فِي الشَّرِيعَةِ، لَا تَرِدُ بِمِثْلِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ فِي الْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ أَنَّهُ كُلَّمَا عَظُمَ الذَّنْبُ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ أَبْلَغَ، وَكُلَّمَا قَوِيَ الشَّبَهُ قَوِيَتْ، وَالْكَفَّارَةُ فِيهَا شَوْبُ الْعِبَادَةِ وَشَوْبُ الْعُقُوبَةِ، وَشُرِعَتْ زَاجِرَةً وَمَاحِيَةً، فَبِكُلِّ حَالٍ قُوَّةُ السَّبَبِ يَقْتَضِي قُوَّةَ الْمُسَبَّبِ. ا. هـ. (٢) السَّابِعَةُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِحُرْمَةِ نَهَارِ رَمَضَانَ، فَلَوْ جَامَعَ فِي صَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ، مِنْ قَضَاءٍ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا كَفَّارَةَ فِيْهِ، وَلَمْ يُنقَلْ خِلَافٌ فِي هَذَا إِلَّا عَنْ قَتَادَةَ. (٣)

стр. 100

الثَّامِنَةُ: أَنَّ مَنْ جَامَعَ مِرَارًا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَلَيْسَ عَلَيْهَ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ عَاوَدَ الْجِمَاعَ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ بَعْدَ الْكَفَّارَةِ فَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ جِمَاعَهُ الثَّانِيَ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا مُنعَقِدًا. (١) • فَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ، ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمٍ آخَرَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، بِالْإِجْمَاعِ. (٢) • فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمٍ آخَرَ، أَوْ أَيَّامٍ أَخُرَى فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. التَّاسِعَةُ: أَنَّ الْوَطْءَ بِزَنا أَوْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْعَظِيْمَةِ؛ فَإِنَّهُ يَأُخُذُ حُكْمَ الْوَطْءِ فِي فَرْجٍ مُبَاحٍ فِي بُطْلَانِ الصَّوْمِ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ. (٣) • وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ، وَاللِّوَاطُ بِصَبِيٍّ أَوْ رَجُلٍ، وَوَطْءُ الْبَهِيْمَةِ، مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مُحَرَّمًا حُرْمَةً عَظِيْمَةً؛ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيَلْزَمُهُ الْقضَاءُ؛ لِأَنَّ بِهِ قَضَاءَ شَهْوِةٍ، وَفِي الْحَدِيْثِ: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَّقَدَّمَ قَرِيبًا. • وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرٍ؛ وبِهِ قَالَ كَثِيْرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. (٤) تَنبِيْهٌ: الْجِمَاعُ الَّذِيْ يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَتَثْبُتُ بِهِ أَحْكَامُ الْجِمَاعِ هُوَ إِيْلَاجُ كَامِلِ حَشَفَةِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ، سَوَاءٌ حَصَلَ مَعَهُ إِنزَالٌ، أَمْ لَا. الْعَاشِرَةُ: إِنْ بَاشَرَ فِيْمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ نَظَرَ، فَأَنْزَلَ قاصدًا إِنزَالَ الْمَنِيِّ؛ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ لَمْ يُنزِلْ لَمْ

стр. 101

يَبْطُلْ، وَكَذَا لَوْ غَلَبَهُ الْمَنِيُّ، فَأَنْزَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لَمْ يَبْطُلْ أَيضًا، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْإِمْذَاءِ فَلَا يَضُرُّهُ بِلَا شَكٍّ. (١) الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الاسْتِمْنَاءَ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا فَهُوَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ إِنْ حَصَلَ بِهِ الْإِنزَالُ، وَيَجِبُ فِيْهِ الْقَضَاءُ، لِأَنَّ بِهِ قَضَاءَ شَهْوِةٍ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الاحْتِلَامَ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِالْإِجْمَاعِ. (٢) الثَّالِثةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ للصَّائِمِ، إِنْ كَانَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا؛ فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٢٧)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٠٦). • وَالْإِرْبُ هُو بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، عَلَى الْأَشْهَرِ، وَضُبِطَ أَيْضًا بِفَتْحَتَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: الْحَاجَةُ وَالْوَطَرُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْعُضْوُ. • فَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تَحَرُّكِ شَهْوَتِهِ كُرهَتْ لَهُ؛ سَدًّا لِذَرِيْعَةِ الْوُقُوعِ فِي الْجِمَاعِ الْمُفْسِدِ للصَّوْمِ، وَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ. (٣) الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَنْ أَصْبَحَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ جِمَاعٍ أَوِ احْتِلَامٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يَغْتَسِلَ، وهذا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄، أَنَّهُمَا قَالَتَا: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ». (٤)

стр. 102

[يَا هَذَا، مُنَاجَاتَكَ مُنَاجَاتَكَ، وَصَلَاتَكَ صَلَاتَكَ، اسْتَدْرِكْ بِالنِّداء فِي الأَسْحَارِ مَا فَاتَكَ. • يَا هَذَا: مَاءُ الْعَيْنِ فِي الأَرْضِ حَيَاةُ الزَّرْعِ، وَمَاءُ الْعَيْنِ عَلَى الْخَدِّ حَيَاةُ الْقَلْبِ، يَا طَالِبَ الْجَنَّةِ، بِذَنْبٍ وَاحِدٍ أُخْرِجَ أَبُوكَ مِنْهَا، أَتَطْمَعُ فِي دُخُولِهَا بِذُنُوبٍ لَمْ تَتُبْ مِنْهَا؟! إِنَّ امْرَأً تَنْقَضِي بِالْجَهْلِ سَاعَاتُهُ، وَتَذْهَبُ بِالْمَعَاصِي أَوْقَاتُهُ، لَخَلِيقٌ أَنْ تَجْرِيَ دَائِمًا دُمُوعُهُ، وَحَقِيقٌ أَنْ يَقِلَّ فِي الدُّجَى هُجُوعُهُ. • وَاأَسَفَا لِمَنْ ذَهَبَ عُمْرُهُ فِي الْخِلافِ، وَصَارَ قَلْبُهُ بِالْخَطَايَا فِي غِلَافٍ، لَمَّا سُتِرَتْ عَنِ التَّائِبِينَ الْعَوَاقِبُ فَزِعُوا إِلَى الْبُكَاءِ وَاسْتَرَاحُوا إِلَى الأَحْزَانِ، كَانُوا يَتَزَاوَرُونَ فَلا تَجْرِي فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ إِلَّا دُمُوعُ الْحَذَرِ. بَاحَتْ بِسِرِّي فِي الْهَوَى أَدْمُعِي … وَدَلَّتِ الْوَاشِي عَلَى مَوْضِعِي يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَذْهَبِي … فِي الْوَجْدِ وَالْحُزْنِ فَنُوحُوا مَعِي يَحِقُّ لِي أَبْكِي عَلَى زَلَّتِي … فَلَا تَلُومُونِي عَلَى أَدْمُعِي] (١) • اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ أَنْ تُصْلِحَ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّيْنَ، غَيْرَ ضَالِّيْنَ وَلَا مُضِلِّيْنَ وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ * * *

стр. 103

الْمَجْلِسُ الْعَاشِرُ: ذِكْرُ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَجْزَلَ لِعِبَادِهِ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ، وَوَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ لِعَمَلِ الصَّالِحَاتِ، وَرَفَعَ لَهُمْ بِذَلِكَ الدَّرَجَاتِ، وَشَرَعَ لَهُمُ الْكَفَّارَاتِ؛ لِيَحُطَّ عَنْهُمْ بِهَا الْخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ الْخَيْرَاتِ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَوْدَعَ فِيْهِ مِنْ بَرَكَاتٍ وَنَفَحَاتٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَه، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَكَامِلُ الصِّفَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ، وَأنقَذَ بِهِ مِنْ غَيَاهِبِ الظُّلُمَاتِ، وَأَيَّدَهُ بِالدَّلَائِلِ البَيِّنَاتِ، وَالْبَرَاهِيْنِ الْقَاطِعَاتِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْغُرِّ السَّادَاتِ، ذَوِي الْمَنَاقِبِ وَالْمَكْرُمَاتِ، وَصَحْبِهِ أُولِي النُّفُوسِ الزَّاكِيَاتِ، وَالسَّبَاقِيْنَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان مَا دَامَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، أَمَّا بَعْدُ: • فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَجْلِسِ السَّابِقِ أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفَطِّرَاتِ، وَأَنَّ الْمُجَامِعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَهَذِهِ أَهَمُّ أَحْكَامِ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ: أَوَّلاً: أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَيْسَتْ عَلَى التَّخْيِيْرِ، بَلْ عَلَى التَّرْتِيْبِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَفِيْهِ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَّقَدَّمَ. • فَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنتَقِلَ إِلَى الصِّيَامِ إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنْ عِتْقِ الرَّقَبَةِ، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْعُدُولُ عَنِ الصِّيَامِ إِلَى الْإِطْعَامِ إِلَّا إذا عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. (١)

стр. 104

ثانيًا: يُشْتَرَطُ فِي الرَّقَبَةِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً؛ وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا قُيِّدَتْ بِهَذَا الْوَصْفِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَإ، قَال : ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. • وَلِمُسْلِمٍ (رقم: ٥٣٧) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁، قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». (١) • قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا». (٢) ثالثاً: إِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْعِتْقَ فَيُجْزِئَهُ، وَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ الْأَوْلى، عَلَى أَصَحِّ قَوْلَي أَهْلِ الْعِلْمِ. (٣) رَابعًا: يُشْتَرَطُ فِي صِّيَامِ الشَّهْرَيْنِ التَّتَابُعُ بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أُجْمِعَ عَلَيْهِ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ، وحُكِى عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُهُ. ا. هـ. (٤) خَامِسًا: أَنَّ الْمَرَضَ الَّذِيْ لَا يُقْدَرُ مَعَهُ عَلَى الصَّوْمِ، وَالْإِغْمَاءَ وَالْجُنُونَ، وَالسَّفَرَ الَّذِيْ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ أَعْذَارٌ شَرْعِيَّةٌ لَا تَقْطَعُ التَّتَابُعَ. (٥)

стр. 105

سَادِسًا: يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْأَيَّامِ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: • إِمَّا بِتَحَرِّيْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي الشَّهْرَيْنِ، بِحَيْثُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ تَامَّيْنِ بِالْأَهِلَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الشَّهْرَانِ سِتِّيْنَ يَوْمًا، أَوْ تِسْعَةً وَخَمْسِيْنَ يَوْمًا، أَوْ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِيْنَ يَوْمًا. • وَإِمَّا بِصِيَامِ سِتِّيْنَ يَوْمًا، إِنْ تَعَذَّرَ تَحَرِّي الْهِلَالِ، أَوْ صَامَ مِنْ وَسَطِ الشَّهْرِ أَوْ آخِرِهِ. (١) سَابعًا: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ فِي الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاحِدَةِ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، كُلُّ مِسْكِيْنٍ دُونَ الْآخَرِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيْثِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَطْعَمَ مِسْكِيْنًا وَاحِدًا سِتِّيْنَ مَرَّةً، لَمْ يُجْزِئْهُ. (٢) ثَامِنًا: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَدْرِ الَّذِيْ يُعْطَاهُ كُلُّ مِسْكِيْنٍ مِنَ الطَّعَامِ: • فَقَالَت طَائِفَةٌ: يُعْطَي مُدًّا فِي جَمِيْعِ الْكَفَّارَاتِ، إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى فِي الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ مُدَّيْنِ، مِنْ أَيِّ طَعَامِ النَّاسِ كَانَ، مِنَ الْبُرِّ، أَوِ الذُّرَةِ، أَوِ التَّمْرِ، أَوِ الزَّبِيْبِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَدَلِيْلُ هَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، وَفِيْهِ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». وَقَدْ تَقَدَّمَ. • والْعَرَقَ مِكْتَلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشْرَ صَاعًا عَلَى الْمَشْهُورِ. (٣) • وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مِنَ الْبُرِّ مُدَّانِ، وَمِنْ غَيْرِهِ صَاعٌ، وَفِي هَذَا التَّفْرِيقِ نَظَرٌ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَيْهِ. • وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: مُدَّانِ مِنْ جَمِيْعِ الْأَنْوَاعِ.

стр. 106

• وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀ أَنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ؛ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. • وَعَلَىْهِ فَإِنَّ الْمُدَّ مِنَ الْبُرِّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، كَالْأَرُزِّ الَّذِي هُوَ غَالِبُ طَعَامِ كَثِيْرِ مِنَ النَّاسِ الْآنَ يَكْفِي لِإشْبَاعِ الْمِسْكِيْنِ الْوَاحِدِ وَيَزِيْدُ، عَلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ؛ فَيُجْزِئُ بِلَا شَكٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (١) • وَلَا يُشْتَرَطُ تَمْلِيْكُ الْمَسَاكِيْنِ طَعَامَ الْكَفَّارَةِ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيْثَ فِيْهِ ذِكْرُ الْإِطْعَامِ. قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: إِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا لَهُ صُوْرَتَانِ: الأُولى: أَنْ يَصْنَعَ طَعَامًا، غَدَاءً أَوْ عَشَاءً، وَيَدْعُو الْمَسَاكِيْنَ إِلَيْهِ، فَيَأْكُلُوا، وَينصَرِفُوا. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْطَي كُلُّ وَاحِدٍ طَعَامًا، وَيُصْلِحَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِن مِمَّا يُؤْكَلُ عَادَةً. ا. هـ. (٢) • وَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْإِطْعَامِ إِدَامٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. • وَلَوْ جَعَلَ مَعَ الطَّعَامِ إِدَامًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَحْوَطُ، بِلَا شَكٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (٣) تَاسِعًا: لَا يُجْزِئُ إِلَّا أَنْ يُطْعِمَ مِسْكِيْنًا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، صَغِيْرًا كَانَ أَمْ كَبِيرًا، فَلَوْ صَرَفَهَا إِلَى غَنِيٍّ لَمْ تُجْزِئْهُ. • وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى قَرَابَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ؛ فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رقم: ١٠٧٢) عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ».

стр. 107

• وَلَا يُجْزِئُ أَيْضًا إِخْرَاجُ الْقِيْمَةِ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ فِي النُّصُوصِ طَعَامًا. عَاشِرًا: أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى سُقُوطِهَا عَنْهُ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ وَالْمُؤَاخَذَاتِ. (١) تَنبِيْهٌ: قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِلْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»، فِيْهِ أَنَّهُ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ؛ لِيُنفِقَهُ عَلَى أَهْلِهِ؛ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ، وَتَبْقَى الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى مَيْسَرَةٍ. • وَلَا دَلَالَةَ فِيْهِ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ. • وَلَيْسَ فِيْهِ أَيْضًا أَنَّهَا كَفَّارَةٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ فَقَدْ سَلَكَ مَسْلَكًا غَرِيْبًا، ضَعِيْفًا، كَمَا قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀؛ وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ: أَوَّلاً: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَصْرِفًا لِكَفَّارَتِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ. ثَانِيًا: أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ عِندَهُ سِتُّونَ شَخْصًا يَعُولُهُمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ ذَلِكَ. (٢) • [يَا مُعْرِضًا عَنِ الْهُدَى لَا يَسْعَى فِي طَلَبِهِ، يَا مَشْغُولًا بِلَهْوُهِ مَفْتُونًا بِلَعِبِهِ، يَا مَنْ قَدْ صَاحَ بِهِ الْمَوْتُ عِنْدَ أَخْذِ صَاحِبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. • جُزْ عَلَى قَبْرِ الصَّدِيقِ، وَتَلَمَّحْ آثَارَ الرَّفِيقِ، يُخْبِرْكَ عَنْ حُسْنِهِ الأَنِيقِ، أَنَّهُ اسْتُلِبَ بِكَفِّ التَّمْزِيقِ!، هَذَا لَحْدُهُ وَأَنْتَ غَدًا بِهِ!، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. • كَمْ نُهِيَ عَنِ الْخَطَايَا وَمَا انْتَهَى، وَكَمْ زَجَرَتْهُ الدُّنْيَا وَهُوَ يَسْعَى لَهَا، هَذَا رُكْنُهُ الْقَوِيمُ قَدْ وَهَى، وَهَا أَنْتَ فِي سَلَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].

стр. 108

• أَيْنَ مَنْ عَتَا وَظَلَمَ، وَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُ الأَلَمَ، اقْتَطَعَهُ الرَّدَى اقْتِطَاعَ الْجَلَمِ، فَمَا نَفَعَهُ مَا جَمَعَهُ، لَا وَاللَّهِ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ عِزُّ مَنْصِبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. • بَاتَ فِي لَحْدِهِ أَسِيرًا، لَا يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا نَقِيرًا، بَلْ عَادَ بِوِزْرِ ذَنْبِهِ عَقِيرًا، وَأَصْبَحَ مِنْ مَالِهِ فَقِيرًا، عَلَى عِزِّ نَسَبِهِ وَكَثْرَةِ نَشَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. • اللَّذَّاتُ تَفْنَى عَنْ قَلِيلٍ وَتَمُرُّ، وَآخِرُ الْهَوَى الْحُلْوِ مُرٌّ، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسُرُّ إِلَّا يَغُرُّ وَيَضُّرُ، ثُمَّ يَخْلُو ذُو الزَّلَلِ بِمُكْتَسَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. • الْكِتَابُ يَحْوِي حَتَّى النَّظْرَة، وَالْحِسَابُ يَأْتِي عَلَى الذَّرَّةِ، وَخَاتِمَةُ كَأْسِ اللَّذَّاتِ مُرَّةٌ، وَالأَمْرُ جَلِيٌّ لِلْفُهُومِ مَا يَشْتَبِهُ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. • تَقُومُ فِي حَشْرِكَ ذَلِيلًا، وَتَبْكِي عَلَى الذُّنُوبِ طَوِيلًا، وَتَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِكَ وِزْرًا ثَقِيلًا، وَالْوَيْلُ لِلْعَاصِي مِنْ قَبِيحِ مُنْقَلَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. • يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ، وَيَنْقَسِمُونَ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، فَقَوْمٌ قَدْ حَلَّ بِهِمُ الْوَعِيدُ، وَقَوْمٌ قِيَامَتُهُمْ نُزْهَةٌ وَعِيدٌ، وَكُلُّ عَامِلٍ يَغْتَرِفُ مِنْ مَشْرَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. • إِنَّمَا يَقَعُ الْجَزَاءُ عَلَى أَعْمَالِكَ، وَإِنَّمَا تَلْقَى غَدًا غِبَّ أَفْعَالِكَ، وَقَدْ قَصَدْنَا إِصْلاحَ حَالِكَ، فَإِنْ كُنْتَ مُتَيَقِّظًا فَاعْمَلْ لِذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَائِمًا فَانْتَبِهْ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.] (١) • [فَاللَّهَ اللهَ مَعْشَرَ الْمُذْنِبِيْنَ مِثْلِي، لَا تُضَيِّعُوا أَيَّامَكُمْ بِالْقَبَائِح، وَلَا تُهْمِلُوا أَعْمَارَكُمْ فِي الذُّنُوب وَالْفَضَائِحِ؛ فَإِنْ جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ قَدْ أُحْصِيَتْ عَلَيْكُمْ فِي الصَّحَائِفِ وَالصَّحَائِحِ، وَسَتَقْرَؤُونَهَا بَين يَدي مَوْلَاكُمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْكُم الْجَوَارِح بِالْقَبِيْحِ وَالْحَسَنِ مِنْ أَعَمَالِكُمْ.

стр. 109

سَوف تَأْتِي عَلَيْك سَاعَةُ خَوْفٍ … حِين تُعْطى صَحَائِفَ الْأَعْمَالِ وَكَأَنِّي أَرَى فَضَائِحَ قَوْمٍ … قَدْ تَجَلَّى لِكَشْفِهَا ذُو الْجلَال لَيْتَ شِعْرِي إِذَا قَرَأْتُ كِتَابِي … بِيَمِيْنِي أُعْطَاهُ أَمْ بِشِمَالِي] (١) اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْأَدْوَاءِ، وَأَعِذْنَا مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَارْزُقْنَا الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، وآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. * * *

стр. 110

الْمَجْلِسُ الْحَادِي عَشَرَ: ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصِّيَامِ مِنْ مَسَائِلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ والرِّدّةِ عَنِ الإسْلامِ • الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا زَالَ يُسْبِغُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ خِزَائِنِ رَحْمَتِهِ ويُفِيْضُ، لَا يُهِيْضُ النَّاسُ مَا يَجْبُرُهُ، وَلَا يَجْبُرُونَ مَا يُهِيْضُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَيْسَ لِمَا قَضَاهُ نَقْضٌ وَلَا تَقْوِيْضٌ، يَعْلَمُ مَا تَزْدَادُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَغِيْضُ، كَتَبَ عَلَى بِنتِ آدَمَ أَنْ تَحِيْضَ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا، وَرَكَّبَ فِيْنَا عُقُولًا وَأَفْهَامًا، فَلَكَمْ أُورِدَ عَلَى الْفِقْهِ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَضٍّ وَتَحْرِيْضٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَالِمُ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، عَظُمَ لُطْفُهُ بِعِبَادِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَفْرَدَ أَحْكَامًا لِذَوِي الْأَعْذَارِ، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُسَافِر وَالْمَرِيضِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَنَارَ اللهُ بِهِ السَّبِيْلَ الْمُوْصِلَةَ إِلَيْهِ، فَهِي بِنُورِ هَدْيِهِ لَوَامِعُ بِيْضٌ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أُولِي الْمَنَاقِبِ الْمَشْهُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمَنشُورَةِ الَّتِي أَغْنَاهُمُ اللهُ بِهَا عَنْ كُلِّ مَدْحٍ وَتَقْرِيْضِ، فَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا كُلُّ بَغِيْضٍ تَرَدَّى فِي الْحَضِيْضِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان، مَا جَرَى عَلَى الْأَلْسُنِ نَثْرٌ أَوْ قَرِيْضٌ، أَمَّا بَعْدُ: • فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصِّيَامِ، وَهَذِهِ أَهَمُّ مَسَائِلِهِمَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّيَامِ: الأُولى: أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يُبْطِلَانِ الصِّيَامَ وَيَمْنَعَانِهِ، وَأَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ تَقْضِيَانِ الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِيَانِ الصَّلَاةَ، وَهَذَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. • أما النصُّ فَحَدِيْثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: ٣٠٤، و ١٩٥١). • وعَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵄، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟! فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي
следующие страницы →