Полный текст (342 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٣١١) عَلَى صُورَةِ الْمُعَلَّقِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. (١)
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ حِينَ دَفَعَ مِنَ الزَّكَاةِ لَمْ يَدْفَعْ بِإِذْنِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، لَكِنِ الرَّسُولُ ﵊ أَجَازَهُ. ا. هـ.
• وَقَالَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: «وَالشَّاهِدُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ أَجَازَ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَجَعَلَهُ مُجْزِئًا، مَعَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ زَكَاةٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَكِيْلٌ فِي الْحِفْظِ، لَا وَكَيْلٌ فِي التَّصَرُّفِ. ا. هـ. (٢)
• وَالْأَظْهَرُ وَالْأَحْوَطُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ: الْقَلْبُ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ.
سَادِسًا: مَا يَترَتبُ عَلَى مَنْعِهَا: مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ جُحُودًا كَفَرَ، إِلَّا إِن كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَأن يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيْدَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ، بَلْ يُعَرَّفُ وُجُوبَهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ. (٣)
• فَإِنْ مَنَعَهَا بُخْلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا لَمْ يَكْفُرْ، وَيَكُونُ مُرْتَكِبًا لِكَبِيْرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ.
• قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ стр. 282
وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ (١)، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
• قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
• قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ، وَلَا عَضْبَاءُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٧).
• وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ»، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلَا стр. 283
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، إِلَى آخِرِ الآيَة. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٠٣، و ٤٥٦٥).
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ٦٩٥٧): «وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ، حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ».
• وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٨) مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «وَلَا صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَنْزُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحًا فَاهُ، فَإِذَا أَتَاهُ فَرَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتَهُ، فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ، سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ».
• وَالشُّجَاعُ: الْحَيَّةُ الذَّكَرُ، وَالْأَقْرَعُ: الَّذِي تَمَعَّطَ شَعْرُهُ؛ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ، وَقِيلَ: الشُّجَاعُ الَّذِي يُوَاثِبُ الرَّاجِلَ وَالْفَارِسَ وَيَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ، وَرُبَّمَا بَلَغَ رَأْسَ الْفَارِسِ وَيَكُونُ فِي الصَّحَارِي. قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀.
• وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ. (١) стр. 284
• فَإِنْ مَنَعَ فَرْدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ الزَّكَاةَ، وَلَمْ يُمْكِن لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ إِلَّا بِقِتَالِهِمْ قَاتَلَهُمْ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَّاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ».
• فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا».
• قَالَ عُمَرُ ﵁: «فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ». (٢)
• فَإِنْ قَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ قَهْرًا أَخَذَهَا، وَلَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ، وَهَلْ يَأْخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ زِيَادَةً عَلَى الزَّكَاةِ؟ فِيْهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَأَخُذُهَا وَشَطْرَ الْمَالِ؛ لِحَدِيْثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلَا يُفَرَّقُ стр. 285
إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ، لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ». (١)
• وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيْمِ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْجَدِيْدِ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيِهِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ، وَاللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ بِرَئَاسَةِ ابْنِ بَازٍ ﵏. (٢)
وَالآخَرُ: لَا يَأخُذُ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمْ يُنقَلْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَخَذَ مِمَّنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ زِيَادَةً عَلَيْهَا، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ.
• قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: وَأَجَابَ مَنْ صَحَّحَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ الْأَمْرَ كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ، وَضَعَّفَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْمَالِ لَا تُعْرَفُ أَوَّلًا حَتَّى يَتِمَّ دَعْوَى النَّسْخِ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَرْطِهِ، كَمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ، وَاعْتَمَدَ النَّوَوِيُّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ تَضْعِيفِ بَهْزٍ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ مُوَثَّقٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. стр. 286
• ثُمَّ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ إِطْبَاقُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ مُعَارِضًا رَاجِحًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِمُقْتَضَاهُ يُعَدُّ فِي نُدْرَةِ الْمُخَالِفِ. ا. هـ.
• قُلْتُ: الْعِبْرَةُ بِالدَّلِيْلِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: «أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ». (١)
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَلَكِنْ هَلْ هُوَ شَطْرُ مَالِهِ عُمُومًا، أَوْ شَطْرُ مَالِهِ الَّذِيْ مَنَعَ مِنْهُ زَكَاتَهُ؟
• الْجَوَابُ: فِي هَذَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
الأَوَّلُ: أَنَّنَا نَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَنِصْفَ مَالِهِ الَّذِيْ مَنَعَ زَكَاتَهُ.
الثَّانِي: أَنَّنَا نَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَنِصْفَ مَالِهِ كُلِّهِ.
• مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا كَانَ عِنْدَ رَجُلٍ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَمِائَةٌ مِنَ الْغَنَمِ، وَمَنَعَ زَكَاةَ الْغَنَمِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: نَأْخُذُ مِنْهُ خَمْسِيْنَ مِنَ الْغَنَمِ، وَزَكَاةَ الْغَنَمِ.
• وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: نَأْخُذُ مِنْهُ خَمْسِيْنَ مِنَ الْغَنَمَ، وَخَمْسِيْنَ مِنَ الْإِبِلِ، وَزَكَاةَ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَالُ كُلُّهُ، وَالنَّصُّ مُحْتَمِلٌ.
• فَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّنَا نَأْخُذُ بِأَيْسَرِ الْاحْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْأَيْسَرِ فَمَشْكُوكٌ فِيْهِ، وَالْأَصْلُ احْتِرَامُ مَالِ الْمُسْلِمِ.
• وَلَكِنْ إِذَا انْهَمَكَ النَّاسُ وَتَمَرَّدُوا فِي ذَلِكَ وَمَنَعُوا الزَّكَاةَ، وَرَأَى وَلِيُّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْخُذَ بِالِاحْتِمَالِ الْآخَرِ، فَيَأْخُذَ الزَّكَاةَ وَنِصْفَ الْمَالِ كُلِّهِ فَلَهُ ذَلِكَ. ا. هـ.
• فَإِنْ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ قَهْرًا مِمَّنْ كَانَ قَدْ مَنَعَهَا بُخْلًا أَجْزَأَتْ عَنْهُ فِي الظَّاهِرِ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: أَمَّا ظَاهِرًا فَإِنَّهَا تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّتُهُ فَلَا نُطَالِبُهُ بِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَأَمَّا стр. 287
بَاطِنًا فَإِنَّهَا لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، وَلَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهَا التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ، وَإِبْرَاءَ ذِمَّتِهِ مِنْ حَقِّ اللهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ مُعَاقَبَةَ مَنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا أُخْرِجَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَإِذَا تَابَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِهِ أَنْ يُخْرِجَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً. ا. هـ. (١)
سَابِعًا: يُجْزِئُ دفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ، نَقَلَ فِيْهِ الْإِجْمَاعِ: النَّوَوِيُّ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (٢) وَإِلَى الْجَائِرِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٣)
• وَلَكِنَّ الْأَبْرَأَ وَالْأَحْوَطَ أَنْ يَتَوَلَّى صَرْفَهَا بِنَفْسِهِ إِنِ اسْتَطَاعَ.
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (٢/ صـ: ٤٧٩ - ٤٨٠): وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَلِيَ تَفْرِقَةَ الزَّكَاةِ بِنَفْسِهِ؛ لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُصُولِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَعْجَبُ إلَى أَنْ يُخْرِجَهَا، وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى السُّلْطَانِ فَهُوَ جَائِزٌ.
• فَإِنْ قِيلَ: فَالْكَلَامُ فِي الْإِمَامِ الْعَادِلِ، إذِ الْخِيَانَةُ مَأْمُونَةٌ فِي حَقِّهِ؛ قُلْنَا: الْإِمَامُ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُفَوِّضُهُ إلَى نُوَّابِهِ، فَلَا تُؤْمَنُ مِنْهُمْ الْخِيَانَةُ، ثُمَّ رُبَّمَا لَا يَصِلُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ الَّذِي قَدْ عَلِمَهُ الْمَالِكُ مِنْ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِصِلَتِهِ وَصَدَقَتِهِ وَمُوَاسَاتِهِ. ا. هـ.
• وَتَجَنَّبْ أَخِي الْمُسْلِمُ أَيْضًا إِخْرَاجَهَا إِلَى الطَّوَائِفِ الَّتِي عَرَفَهَا النَّاسُ بِجَمْعِهَا وَتَوْزِيْعِهَا عَلَى أُسُسٍ حِزْبِيَّةٍ! أَوْ صَرْفِهَا فِي غَيْرِ مَصَارِفِهَا! وَتَوَلَّ تَوْزِيْعَهَا بِنَفْسِكَ. стр. 288
ثَامِنًا: الْأَصْلُ فِي مَكَانِ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدِ الْمَالِ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ».
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: «وَهَذَا يَخْتَصُّ بِفُقَرَاءِ بَلَدِهِمْ».
• ويَجُوزُ نَقْلُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِ الْمَالِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّة، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَالْحَاجَةُ مِثْلُ مَا لَوْ كَانَ الْبَلَدُ الْبَعِيْدُ أَهْلُهُ أَشَدُّ فَقْرًا، وَالْمَصْلَحَةُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الزِّكَاةِ أَقَارِبُ فُقَرَاءُ فِي بَلَدٍ بَعِيْدٍ يُسَاوُونَ فُقَرَاءَ بَلَدِهِ فِي الْحَاجَةِ، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى أَقَارِبِهِ حَصَلَتِ الْمَصْلَحَةُ، وَهِيَ صَدَقَةٌ وَصِلَةُ رَحِمٍ.
• أَوْ يَكُونُ مَثَلًا فِي بَلَدٍ بَعِيْدٍ: طُلَّابُ عِلْمٍ، حَاجَتُهُمْ مُسَاوِيَةٌ لِحَاجَةِ فُقَرَاءِ بَلَدِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيْحُ وَهُوَ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ؛ لِعُمُومِ الدَّلِيْلِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ا. هـ مِنَ "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ٢١٠ - ٢١١).
• وَبِمِثْلِ هَذَا قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ بَازٍ، كَمَا فِي "مَجْمُوعِ فَتَاوَاهُ" (ج ١٤/ صـ: ٢٤٤).
• وَعَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، أَنَّ زِيَادًا - أَوْ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ - بَعَثَه عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِعِمْرَانَ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: «وَلِلْمَالِ أَرْسَلْتَنِي؟!، أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٦٢٥)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٨١١). (١)
• تَنبِيْهٌ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: «وَتَحْدِيْدُ الْمَنْعِ مِنْ نَقَلِ الزَّكَاةِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيْلٌ شَرْعِيٌّ». (٢)
• [كَانُوا يَقُومُونَ الدَّيْجُورَ، بِبُكَاءِ مَطْرُودٍ مَهْجُورٍ، وَرَعْدُ قُلُوبِهِمْ مُقْلِقٌ زَجُورٌ، فَامْتَلأَتْ بِالْعَبَرَاتِ الْحُجُورُ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. стр. 289
• رَفَضُوا الدُّنْيَا شُغُلًا عَنِ الزِّينَةِ، وَأَذَلُّوا نُفُوسَهُمْ فَعَادَتْ مِسْكِيْنَةً، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا سَفِيْنَةٌ، فَتَهَيَّأُوا لِلْعُبُورِ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• يُؤْثِرُونَ بِالطَّعَامِ، وَيُؤْثِرُونَ الصِّيَامَ، وَيَأْمُلُونَ فَضْلَ الإِنْعَامِ، فَمَا كَانَتْ إِلَّا أَيَّامٌ، حَتَّى اخْضَرَّتِ الْبُذُورُ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• بَعَثُوا الأَمْوَالَ الْحَبِيبَةَ، إِلَى بِلادِ الْبَعْثِ الْغَرِيبَةِ، فَإِذَا الأَرْبَاحُ عَنْ قَرِيبٍ قَرِيبَةٌ، وَعَلَى هَذَا التِّجَارَةُ تَدُورُ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• الْعَوِيلُ عَليِلٌ، وَالأَنِينُ طَوِيلٌ، وَالْعُيُونُ تَسِيلُ، وَمَا مَضَى إِلَّا الْقَلِيْلُ حَتَّى فَرِحَ الصَّبُورُ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• يَقِفُونَ وُقُوفَ مِسْكِينٍ، وَيَذِلُّونَ ذُلَّ مُسْتَكِينٍ، فَنَالُوا الْمَقَامَ الأَمِينَ، وَانْشَعَبَ قَلْبُ الْحَزِينِ بِأَكْمَلِ الْحُبُورِ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• سَلِيمُهُمْ كَالسَّلِيمِ، وَحُزْنُهُمْ مُقِيمٌ، يَحْذَرُونَ الْجَحِيمَ، وَيَرْجُونَ النَّعِيْمَ فِي كَمَالِ الْحُبُورِ، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
• يَا مَنْ يَدْفِنُ مَالَهُ تَحْتَ الأَرْضِ، وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَى الْقَرْضِ، سَيَخْرُجُ الْوَارِثُ بِالْفَرْضِ إِلَى الدِّرْهَمِ وَالدُّورِ، سُبْحَانَ مَنْ قَضَى لِقَوْمٍ سُرُورًا، وَعَلَى آخَرِينَ ثُبُورًا، فَمَا لَهُمْ مِنْ نُورٍ]. (١)
• اللَّهُمَّ قِنَا شُحَّ أَنفُسِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ،
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * * стр. 290
الْمَجْلِسُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: فِي ذِكْرِ الأصْنَافِ الَّتِي تَجِبُ فِيْهَا الزَّكَاةُ
• الْحَمْدُ للهِ الرَّؤُوفِ الرَّفِيْقِ، وَالْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الطَّرِيْقِ، مَا ضَلَّ وَلَا شَقِيَ مَنْ تَمَسَّكَ بِحَبْلِهِ الْوَثِيْقِ، وَلَا تَخَلَّفَ عَنِ الْفِقْهِ فِي دِيْنِهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِنصَافِ وَالتَّحْقِيْقِ وَالنَّظَرِ الدَّقِيْقِ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ التَّوْفِيْقِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ وَصَلَّى وَزَكَّى وَصَامَ وَحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيْقِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ خَيْرِ زُمْرَةٍ وَفَرِيْقِ، فَحَرِيٌّ بِالْفَضْلِ مَنْ تَبِعَهُمْ بِإْحْسَانٍ وَخَلِيْقٌ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الْأَصْنَافَ الَّتِي تَجِبُ فِيْهَا الزَّكَاةُ عَشَرَةٌ، تِسْعَةٌ مِنْهَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَهِيَ:
° السَّائِمَةُ مِنْ بَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ: ١. الْإِبِلُ. ٢. وَالْبَقَرُ. ٣. وَالْغَنَمُ.
° وَمِنَ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ: ٤. الْبُرُّ. ٥. وَالشَّعِيْرُ. ٦. وَالتَّمْرُ. ٧. وَالزَّبِيْبُ.
° وَالنَّقْدَانِ: ٨. الذَّهَبُ. ٩. وَالْفِضَّةُ. وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مِنَ الْعُمُلَاتِ الْوَرَقِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ.
وَقَدْ نَظَمْتُ هَذِهِ التِّسْعَةَ بِقَوْلِي:
الْبُرُّ وَالشَّعِيْرُ وَالزَّبيبُ … وَالتَّمْرُ وَالْأَنْعَامُ يَا لَبِيْبُ
وَذَهَبٌ وَفِضَّةٌ تَلِيْهَا … قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الزَّكَاةِ فِيْهَا
° وَالْعَاشِرَةُ: عُرُوضُ التِّجَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ أَدِلَّتِهِ.
• فَأَمَّا الْإِبِلُ فَوَرَدَ تَفْصِيْلُهَا فِيْمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٥٤) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بسم الله الرحمن الرحيم، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَمَا دُونَهَا
стр. 291
مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ».
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ١٤٥٣): «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ».
• وَبِنتُ مَخَاضٍ مِنَ الْإِبِلِ هِيَ: الَّتِي أَكْمَلَتِ السَّنَةَ الْأُولَى وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ.
• وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (رَقْم: ١٥٦٧): «فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ فِيهَا بِنتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ».
• وَابْنُ لَبُونٍ وَبِنتُ لَبُونٍ هُمَا: مَا أَكْمَلَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ.
• وَالْحِقَّةُ: مَا أَكْمَلَتِ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ.
• وَالْجَذَعَةُ: مَا أَكْمَلَتِ السَّنَةَ الرَّابِعَةَ وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ.
• وَأَمَّا الْبَقَرُ فَفِي حَدِيْثِ مُعَاذٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا وَجَّهَهُ
стр. 292
إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ. (١)
• وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيْثُ. (٢)
• وَالتَّبِيْعُ وَالتَّبِيْعَةُ مِنَ الْبَقَرِ: مَا أَكْمَلَ السَّنَةَ وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ.
• وَالْمُسِنَّةُ: مَا أَكْمَلَتِ السَّنَتَيْنِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ.
• وَفِي حُكْمِ الْبَقَرِ: الْجَوَامِيْسُ، فَإِنَّهَا نَوْعُ مِنَ الْبَقَرِ، وَهِيَ أَعْظَمُهَا، وَأَكْثَرُهَا أَلْبَانًا.
• وَأَمَّا الْغَنَمُ، فَفِي حَدِيْثِ أَنَسٍ أَيْضًا، عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١٤٥٤)، وَفِيْهِ: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ: شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا».
• وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي بَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ: بُلُوغِ النِّصَابِ الْمَذْكُورِ، وَحَوَلَانِ الْحَوْلِ، أَيْ: بِمُرُورِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، فَهِيَ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِذَا بَلَغَتِ النِّصَابَ، وَلَمْ تَنقُصْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ. стр. 293
• وَأَمَّا الزَّكَاةُ فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيْرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيْبِ؛ فَلِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄ حِينَ بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ». (١)
• وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢١٩٨٩) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ إِلَى مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ».
• وَمُوسَى هَذَا لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا، لَكِنَّهَا وِجَادَةٌ صَحِيْحَةٌ، وَهِيَ حُجَّةٌ. (٢)
• وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ بِبُلُوغِهَا النِّصَابَ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». (٣)
• وَالْأَوْسُقُ جَمْعُ وَسْقٍ، وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا، فَتَكُونُ الْخَمْسَةُ الْأَوْسُقُ ثَلَاثَمِائَةِ صَاعٍ، وَقُدِّرَ الصَّاعُ النَّبَوِيُّ كَيْلًا بِمِلْءِ خَمْسِ عُلَبٍ مِنَ الْأَنَانَاسِ الْمَعْرُوفَةِ مَمْسُوحَةً؛ فَتَكُونُ الثَّلَاثُمِائَةِ صَاعٍ: مِلْءَ أَلْفٍ وَخَمْسَمِائَةِ عُلْبَةِ أَنَانَاسٍ كَيْلًا.
• وَأَمَّا بِالْوَزْنِ فَإِنَّ الصَّاعَ عَلَى أَقَلِّ تَقْدِيْرِ: كِيْلُوْهَانِ وَأَرْبَعُونَ جِرَامًا، فَتَكُونُ الْخَمْسَةُ الْأَوْسُقُ: سِتَّمِائَةٍ وَاثْنَي عَشَرَ كِيْلُو جِرَامٍ، وَعَلَى أَحْوَطِ تَقْدِيْرٍ: ثَلَاثَةُ كِيْلُوْهَاتٍ، فَتَكُونُ الْخَمْسَةُ الْأَوْسُقُ: تِسْعَمِائَةِ كِيْلُو جِرَامٍ.
• وَيُعْتَبَرُ هَذَا النِّصَابُ بَعْدَ تَصْفِيَةِ الْحَبِّ، وَجَفَافِ الثِّمَارِ. стр. 294
• فَإِذَا بَلَغَ صِنفٌ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ هَذَا النِّصَابَ فِي غَلَّةٍ فَفِيْهِ: الْعُشْرُ إِنْ كَانَ يُسْقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ، أَوِ الْعُيُونِ، أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ إِنْ كَانَ يُسْقَي بِالنَّضْحِ، أَوْ هَذِهِ الْمَضَخَّاتِ الْحَدِيْثَةِ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٨٣)، وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٩٨١) مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁.
• فَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالطَّرِيْقَتَيْنِ مَعًا فَفِيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (ج ٣/ صـ: ١٠): «وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا».
• وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الْأَصْنَافَ الْأَرْبَعَةَ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ يَوْمَ حَصَادِهِ بِمَا جَادَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَسَمَحَتْ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وَقَوْلِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
• وَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٩٨٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ - فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ».
• وَأَمَّا الْقَاتُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِزِرَاعَتِهِ وَتَعَاطِيْهِ كَثِيْرٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَزَكَاتُهُ: قَلْعُهُ، وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُغْنِيَ أَهْلَ الْيَمَنِ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِيْنَ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَنْ يَكْفِيَهُمْ بِالْحَلَالِ الطَّيِّبِ.
стр. 295
• وَأَمَّا زَكَاةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مِنَ الْعُمُلَاتِ الْوَرَقِيَّةِ، فَهَذِهِ أَهَمُّ أَحْكَامِهَا:
• الأَوَّلُ: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيْهَا أَمْرَانِ اثْنَانِ: بُلُوغُ النِّصَابِ، وَحَوَلَانُ الْحَوْلِ، (أَيْ: مُرُورُ سَنَةٍ كَامِلَةٍ)، بِحَيْثُ لَا تَنقُصْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي زَكَاةِ بَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ.
• فَمَتَى تَوَفَّرَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ وَجَبَ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِيْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ السَّنَةِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيْرُ ذَلِكَ إِلَّا لِعُذْرٍ.
• لَكِن مَنْ أَرَادَ تَقْدِيْمَ إِخْرَاجِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ؛ كَمَنْ يَحْرِصُ عَلَى مُوَافَقَةِ فَضْلِ رَمَضَانَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ (١)، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ عَلَى إِخْرَاجِهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ حِرْصًا عَلَى مُوَافَقَةِ فَضْلِ الزَّمَانِ.
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ لِعَامٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ نَقَصَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّعْجِيْلِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْوَامِ؛ لِأَنَّهُ نَوَاهُ لِذَلِكَ الْعَامِ.
• وَلَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ زَادَ النِّصَابُ فَإِنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الزِّيَادَةِ أَيْضًا. ا. هـ. (٢)
• وَأَمَّا تَعْجِيْلُهَا قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ فَلَا يَجُوزُ، وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ وَالنَّوَوِيُّ عَدَمَ الْخِلَافِ فِيْهِ. (٣)
• الثَّانِي: نِصَابُ الذَّهَبِ بْالْجِرَامَاتِ: خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ جِرَامًا (٨٥)، فَإِنْ بَلَغَ هَذَا الْقَدْرَ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَفِيْهِ رُبُعُ الْعُشْرِ (٢،٥%). стр. 296
• وَنِصَابُ الْفِضَّةِ بِالْجِرَامَاتِ: خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ وَخَمْسُمِائَة جِرَام (٥٩٥)، فَإِذَا بَلَغَتِ الْفِضَّةُ هَذَا النِّصَابَ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَجَبَ فِيْهَا رُبُعُ الْعُشْرِ (٢،٥%).
• وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيْرِ: عِشْرُونَ دِيْنَارًا، وَنِصَابَ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ.
• فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١)
• وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، فِي كِتَابِ أَبي بَكْرٍ ﵁ لَهُ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: «وَفِي الرِّقَةِ: رُبُعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٥٤)، وَالرِّقَةُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ -: الْفِضَّةُ الْخَالِصَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَضْرُوبَةً أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٣/ صـ: ٣٢١).
• وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ - يَعْنِي - فِي الذَّهَبِ - حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ». قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَعَلِيٌّ يَقُولُ: فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، أَوْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٥٧٣)، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَقْفَهُ، وَلَهُ شَوَاهِدُ يَصِحُّ بِهَا، ذَكَرَهَا الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي "الْإِرْوَاءِ" (رَقْم: ٨١٣).
• وَيَبْلُغُ وَزْنُ الدِّيْنَارِ الْإِسْلَامِيِّ - وَهُوَ الْمِثْقَالُ - بِالْجِرَامَاتِ: أَرْبَعَةَ جِرَامَاتٍ وَرُبُعَ الْجِرَامِ (٤.٢٥)، فَتَكُونُ الْعِشْرُونَ دِيْنَارًا: خَمْسَةً وَثَمَانِيْنَ جِرَامًا.
• وَالدِّرْهَمُ سَبْعَةُ أَعْشَارِ الْمِثْقَالِ، أَيْ: (٠.٧ × ٤،٢٥)، فَيَكُونُ: (٢.٩٧٥ جِرَام)، وَتَكُونُ الْمِائَتَا دِرْهَمٍ بِالْجِرَامَاتِ: خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَتِسْعِيْنَ جِرَامًا (٥٩٥). стр. 297
• وَأَمَّا نِصَابُ الْعُمُلَاتِ الْوَرَقِيَّةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فَعَلَى الْأَقَلِّ مِنْ نِصَابَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ، وَالْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ. (١)
• وَالْأَقَلُّ مِنْ نِصَابِهِمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ هُوَ: نِصَابُ الْفِضَّةِ، فَيُضْرَبُ أَقَلُّ سِعْرٍ لِلْجِرَامِ مِنَ الْفِضَّةِ فِي الْأَسْوَاقِ فِي نِصَابِ الْفِضَّةِ بِالْجِرَامَاتِ، وَيَكُونُ نَاتِجُ الضَّرْبِ هُوَ نِصَابَ الْعُمُلَاتِ الْوَرَقِيَّةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ.
• فَإِذَا بَلَغَتِ الْعُمُلَاتُ الْوَرَقِيَّةُ هَذَا النِّصَابَ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَلَمْ تَنقُصْ عَنْهُ فِي مُدَّتِهِ فَفِيْهَا رُبُعُ الْعُشْرِ (٢،٥%).
الثَّالِثُ: أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ نُقُودًا، أَوْ تِبْرًا، أَوْ حُلِيًّا مُعَدًّا لِلُّبْسِ، أَوْ لِلْإِعَارَةِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فِي قَبْضَتِهِ، أَوْ فِي ذِمَمِ النَّاسِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيْهِمَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيْلٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٧).
• وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ﵄، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: стр. 298
«أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟». قَالَتْ: لَا. قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟». قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٥٦٣)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ٢٤٧٩).
• وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٦٦٦٧، و ٦٩٠١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٦٣٧) دُونَ ذِكْرِ الْخَلْعِ.
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: «فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ».
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: «فَأَدِّيَا حَقَّ هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِيكُمَا». (١)
• وَأَمَّا حَدِيْثُ: «لَيْسَ فِى الْحُلِىِّ زَكَاةٌ»، فَبَاطِلٌ، كَمَا بَيَّنَهُ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "الْإِرْوَاءِ" (رَقْم: ٨١٧).
• وَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ فَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
• وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْأُمَّةِ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ، وَكَثِيْرٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَعْرُوضَةٌ لِلتِّجَارَةِ.
• وَقَالَ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀ فِي "الِاسْتِذْكَارِ (ج ٣/ صـ: ١٧٠): «وَلَمْ يَخُصَّ مَالًا مِنْ مَالٍ».
• وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْفَوْزَانُ: «وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ هِيَ أَغْلَبُ الْأَمْوَالِ؛ فَكَانَتْ أَوْلَى بِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ الْآيَاتِ». (٢) стр. 299
• وَفِي الْبَابِ أَحَادِيْثُ يَعْضُدُهَا مَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ. (١)
• قَالَ الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ: وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ شُرُوطٌ:
• الشَّرْطُ الأَوَّلُ: أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ؛ كَالْبَيْعِ، وَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِجَارَةِ.
• الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَمْلِكَهَا بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ؛ بِأَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ؛ وَالتِّجَارَةُ عَمَلٌ؛ فَوَجَبَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ.
• الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَبْلُغَ قِيْمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحَدِ النَّقْدِيْنِ.
• الشَّرْطُ الرَّابِعُ: تَمَامُ الْحَوْلِ عَلَيْهَا.
• قَالَ: وَكَيْفِيَّةُ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ: أَنَّها تُقَوَّمُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ: الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَيُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، فَإِذَا قُوِّمَتْ وَبَلَغَتْ قِيْمَتُهَا نِصَابًا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ؛ أَخْرَجَ رُبُعَ الْعُشْرِ مِنْ قِيْمَتِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ، بَلْ يُعْتَبَرُ مَا تُسَاوِي عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ عَيْنُ الْعَدْلِ بِالنِّسْبَةِ للتَّاجِرِ وَبِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ.
• وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الِاسْتِقْصَاءُ وَالتَّدْقِيْقُ وَمُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ؛ كَمُحَاسَبَةِ الشَّرِيْكِ الشَّحِيْحِ لِشَرِيْكِهِ؛ بِأَنْ يُحْصِيَ جَمِيْعَ مَا عِندَهُ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِأَنْوَاعِهَا، وَيُقَوِّمَهَا تَقْوِيْمًا عَادِلًا؛ فَصَاحِبُ الْبَقَّالَةِ - مَثَلًا - يُحْصِي جَمِيْعَ مَا فِي بَقَّالَتِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوضَاتِ لِلْبَيْعِ مِنَ الْمُعَلَّبَاتِ وَأَصْنَافِ الْبَضَائِعِ، وَصَاحِبُ الْآلِيَّاتِ وَقِطَعِ الْغِيَارِ وَالْمَكَائِنِ وَالسَّيَّارَاتِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْبَيْعِ يُحْصِيْهَا وَيُقَوِّمُهَا، وَصَاحِبُ الْأَرْاضِي وَالْعِمَارَاتِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْبَيْعِ يُقَوِّمُهَا بِمَا تُسَاوِي؛ أَمَّا الْعِمَارَاتُ وَالْبُيُوتُ стр. 300
وَالسَّيَّارَاتُ الْمُعَدَّةُ لِلْإِيْجَارِ؛ فَلَا زَكَاةَ فِي ذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيْمَا تَحَصَّلَ عَليْهِ صَاحِبُهَا مِنْ إِيْجَارِهَا إِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَالْبُيُوتُ الْمُعَدَّةُ لِلسُّكْنَى وَالسَّيَّارَاتُ الْمُعَدَّةُ لِلرُّكُوبِ وَالْحَاجَةِ لَا زَكَاةَ فِيْهَا، وَكَذَلِكَ أَثَاثُ الْمَنزِلِ وَأَثَاثُ الدُّكَّانِ وَآلَاتُ التَّاجِرِ؛ كَالْأَذْرُعِ، وَالْمَكَاييْلِ، وَالْمَوَازِيْنِ، وَقَوَارِيْرِ الْعَطَّارِ، كُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا زَكَاةَ فِيْهَا؛ لِأَنَّها لَا تُبَاعُ للتِّجَارَةِ. ا. هـ. (١)
• وَقَوْلُهُ: «وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ، بَلْ يُعْتَبَرُ مَا تُسَاوِي عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ»، يَعْنِي: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِسِعْرِ الْعُرُوضِ حَالَ وُجُوْبِ الزَّكَاةِ فِيْهَا، سَوَاءٌ أَزَادَ عَلَى سِعْرِ شِرَاءِهَا السَّابِقِ أَمْ نَقَصَ عَنْهُ، وَيَعْتَبِرُ التَّاجِرُ بِسِعْرِهَا الْحَالِيِّ فِي السُّوْقِ شِرَاءً عَلَيْهِ، لَا بِالسِّعْرِ الَّذِيْ يَبِيْعُهَا بِهِ، فَتَنَبَّهْ!.
وَهَذَا أَيْضًا مَعْنَى مَا جَاءَ فِي "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ" (الْمَجْمُوعَةِ الثَّانِيَةِ) (ج ٨/ صـ: ٨٤) (رَقْم: ١٩٧٢٢): وَكَيْفِيَّةُ إِخْرَاجِ زَكَاتِهَا: أَنْ تُقَوَّمَ بِمَا تُسَاوِيْ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ عَلَى ثَمَنِهَا الَّذِيْ اشْتُرِيَتْ بِهِ، وَيُخْرَجُ رُبُعُ الْعُشْرِ مِنْ الْقِيْمَةِ الْمُقَدَّرَةِ. ا. هـ.
• وَفِي إِجْزَاءِ إِخْرَاجِ الْقِيْمَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الزَّكَوَاتِ خِلَافٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ بِالنَّصِّ، وَهُوَ الْجُبْرَانُ فِي الْإِبِلِ، بِشَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا.
• وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْإِجْزَاءَ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ مِنْ صُوَرِ الضَّرُورَةِ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَفَقَدَ الشَّاةَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُهَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ قِيمَتَهَا دَرَاهِمَ وَيُجْزِئُهُ، وكَمَنْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَمْ يَجِدْهَا وَلَا ابْنَ لَبُونٍ، لَا فِي مَالِهِ وَلَا بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يَعْدِلُ إِلَى الْقِيمَةِ. (٢) стр. 301
• وَزَادَ بَعْضُهُمُ تَقْيِيْدَهُ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀، إِلَّا أَنَّهُ يَنبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
• وَقَدْ مَثَّلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ لِلْحَاجَةِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ بِـ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ بُسْتَانِهِ أَوْ زَرْعَهُ بِدَرَاهِمَ، فَهُنَا إخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا أَوْ حِنْطَةً إذا كَانَ قَدْ سَاوَى الْفُقَرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
• قَالَ: وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إعْطَاءَ الْقِيمَةِ؛ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ، فَيُعْطِيهِمْ إيَّاهَا، أَوْ يَرَى السَّاعِي أَنَّ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ. ا. هـ. (١)
• تَنبِيْهٌ: عُرُوضُ التِّجَارَةِ وَالْعُمُلَاتُ الْوَرَقِيَّةُ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيْلِ النِّصَابِ، وَتُضَمُّ أَيْضًا إِلَى الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَأَمَّا الذَّهَبُ فَلَا يُضَمُّ إِلَى الْفِضَّةِ فِي تَكْمِيْلِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهُمَا جِنسَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَلَا يُضَمُّ مَا تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ بَعْضُهِ إِلَى بَعْضٍ إِذَا كَانَ الَّذِي تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ لِشَخْصَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَامْرَأَةٍ وَبَنَاتِهَا، بَلْ تُعْتَبَرُ زَكَاةُ كُلِّ شَخْصٍ عَلَى حِدَةٍ مُنفَصِلًا عَنْ مَالِ الْآخَرِ، إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَالِكُ لَهُ وَاحِدًا، يَتَصَرَّفُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، فَيَضُمُّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ. (٢)
• إِخْوَانِي، إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ عَلَى وَشَكِ أَنْ يَنسَلِخَ، فَاغْتَنِمُوا مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيَالِيْهِ.
الْعُمْرُ أَقْصَرُ مُدَّةً … مَنْ أَنْ يُضَيَّعَ فِي الْحِسَابْ
فَاغْتَنِمُوا سَاعَاتِهِ … فَمُرُورُهُ مَرُّ السَّحَابْ стр. 302
• [هَذَا شَهْرُ التَّيَقُّظِ، هَذَا أَوَانُ التَّحَفُّظِ، إِخْوَانِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ سَفَرٌ، وَالأَعْمَارُ فِيهَا قِصَرٌ، وَكُلُّنَا وَاللَّهِ عَلَى خَطَرٍ، فَاعْرِفُوا قَدْرَ مَنْ قَدَرَ، وَتَذَكَّرُوا كَيْفَ عَصَمَ وَسَتَرَ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ قُمْتُمْ عَلَى جَارِحَةِ الْبَصَرِ، وَسَجَدْتُمْ شُكْرًا عَلَى الإِبَرِ مَا وَفَّيْتُمْ بِشُكْرِ نَعِيمٍ مُحْتَقَرٍ، أَمَا طَوَى الْقَبِيحَ وَالْجَمِيلَ نَشَرَ؟ أَمَا بَعْضُ نِعَمِهِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ؟
أُقَضِّي الدَّهْرَ مِنْ فِطْرٍ وَصَوْمٍ … وَآخُذُ بُلْغَةً يَوْمًا بِيَوْمِ
وَأَعْلَمُ أَنَّ غَايَتِيَ الْمَنَايَا … فَصَبْرًا تِلْكَ غَايَةُ كُلِّ قَوْمِ
فَإِنْ تَقِفِ الْحَوَادِثُ دُونَ نَفْسِي … فَمَا يَتْرُكْنَ إِشْمَامِي وَرَوْمِي
• كُمْ مُؤَمِّلٍ إِدْرَاكَ شَهْرٍ مَا أَدْرَكَهُ، فَاجَأَهُ الْمَوْتُ، فَأَهْلَكَهُ، كَمْ نَاظِرٍ إِلَى يَوْمِ صَوْمِهِ بِعَيْنِ الأَمَلِ، طَمَسَهَا بِالْمَمَاتِ كَفُّ الأَجَلِ، كَمْ طَامِعٍ أَنْ يَلْقَاهُ بَيْنَ أَتْرَابِهِ، أَلْقَاهُ الْمَوْتُ فِي عُقْرِ تُرَابِهِ.] (١)
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * * стр. 303
الْمَجْلِسُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَصَارِفُ الزَّكَاةِ
• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَلَا يَحِيْفُ، أَمْضَى فِي عِبَادِهِ سُنَنَ التَّقْلِيْبِ وَالتَّصْرِيْفِ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَنْصُرُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَيَرْزُقُهَا بِإِخْلَاصِ وَدَعْوَةِ الْمِسْكِيْنِ الضَّعِيْفِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُؤَيَّدُ بِنَصْرِ اللهِ وَبِالْمُؤْمِنِيْنَ وَبِالْجَمْعِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَالتَّأْلِيْفِ، لَوْ أَنْفَقَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيْعًا مَا أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهْمِ، وَلَكِنَّهُ فَضْلُ الْخَبِيْرِ اللَّطِيْفِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ذَوِي النَّسَبِ الشَّرِيفِ، وَأصْحَابهِ أُولِي الْحَسَبِ الْمُنِيْفِ، الَّذِيْنَ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُنَا مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا النَّصِيْفَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَعَاقَبَ الشِّتَاءُ وَالْمَصِيْفُ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَهَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ، فِيْهَا ذِكْرُ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَأَهَمِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلاً: مَصَارِفُ الزَّكَاةِ ثَمَانِيَةٌ، ذَكَرَهَا اللهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
• وَلَا يَجِبُ اسْتِيْعَابُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، بَلْ يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا، أَوْ عَلَى صِنفٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، خِلَافًا للشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ.
ثَانيًا: الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ صِنْفَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَصِنْفٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الِاسْمَيْنِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمَا، فَأَمَّا إذَا جُمِعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وَمُيِّزَ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ تَمَيَّزَا، وَكِلَاهُمَا يُشْعِرُ بِالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَعَدَمِ الْغِنَى، إلَّا أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْمَعِيُّ. ا. هـ من "الْمُغْنِي" (٦/ صـ: ٤٦٩).
• وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْفُقَرَاءَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ مِنَ الْبَقِيَّةِ، عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِشِدَّةِ فَاقَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ. ا. هـ.
стр. 304
• وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩].
• فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَسَاكِينِ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، وَرُبَّمَا سَاوَتْ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ. (١)
• وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: «سَمَّاهُمُ اللهُ تَعَالَى مَسَاكِيْنَ وَلَهُمْ سَفِيْنَةٌ؛ وَلَوْ كَانَتْ تَقُومُ بِهِمْ لَكَانُوا أَغْنِيَاءَ بِلَا خِلَافٍ؛ فَصَحَّ اسْمُ الْمِسْكِيْنِ بِالنَّصِّ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ». (٢)
• وقال : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣].
• فَهَذِهِ الْحَالُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا الْفُقَرَاءَ دُونَ الْحَالِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْمَسَاكِين. (٣)
• وَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَادِرٍ عَلَى الِاكْتِسَابِ؛ فَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ: أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. (٤) стр. 305
• وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «لَا تَصْلُحُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (١)
• وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيْدِ ضَابِطِ الْغِنَي الَّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ الْأَخْذُ مِنَ الزِّكَاةِ، فَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَمْلِكَ خَمْسِيْنَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيْمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْغِنَى؟، قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. (٢)
• وَالْخَمْسُونَ دِرْهَمًا تَزِنُ: ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِيْنَ وَمَائَةَ جِرَامٍ وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْجِرَامِ (١٤٨.٧٥)، فَهَذَا الْقَدْرُ مَضْرُوبًا بِسِعْرِ الْجِرَامِ مِنَ الْفِضَّةِ ضَابِطُ الْغِنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
• وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيْثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ ﵁، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، стр. 306
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا، يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». رَوَاهُ مُسْلمٌ (رَقْم: ١٠٤٤).
• فَحُمِلَ الْقِوَامُ مِنَ الْعَيْشِ عَلَى مَا فِي حَدِيْثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁.
وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ضَابِطَ الْغِنَي مَرَدُّهُ إِلَى عُرْفِ النَّاسِ، وَباللهِ التَّوْفِيقُ.
ثَالِثًا: الْعَامِلُونَ عَلَى الصَّدَقَاتِ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الِاسْتِذْكَارِ" (ج ٣/ صـ: ٢٠٧)، وَنَقَلَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ.
• وَكَذَا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ لِتَأْلِيْفِهِمْ، وَكَفِّ شَرِّهِمْ.
• وَكَذَا الْغَارِمُونَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيْلِ اللهِ يُعْطَوْنَ مِنْهَا وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ، مِنْهَا: حَدِيْثُ أَبِي سَعِيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَه. (١)
رَابِعًا: يُشْتَرطُ فِي الْعَامِلِ عَلَى الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، عَاقِلًا، بَالِغًا، أَمِيْنًا. (٢)
• وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَا الَّذِيْ يُعْطَاهَا مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَلَا مِنْ مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصَّدَقَةُ فَرِيْضَةً أَوْ نَافِلَةً. стр. 307
• فَرَوَى مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٧٢) عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ؛ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ».
• وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي؛ فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَأَسْأَلَهُ، فَأَتَاهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣٨٧٢، و ٢٧١٨٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٦٥٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٦٥٧)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ٢٦١٢). (١)
• وَيَشْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ أَيْضًا: بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٣١٤٠، و ٣٥٠٢، و ٤٢٢٩).
خَامِسًا: مَصْرفُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لَا زَالَ بَاقِيًا، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ نَوْعَانِ: كَافِرٌ وَمُسْلِمٌ، فَالْكَافِرُ: إمَّا أَنْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ مَنْفَعَةٌ: كَإِسْلَامِهِ، أَوْ دَفْعِ مَضَرَّتِهِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُسْلِمُ الْمُطَاعُ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ الْمَنْفَعَةُ أَيْضًا، كَحُسْنِ إسْلَامِهِ، أَوْ إسْلَامِ نَظِيرِهِ، أَوْ جِبَايَةِ الْمَالِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهِ إلَّا لِخَوْفِ أَوْ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ، أَوْ كَفِّ ضَرَرِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَنْكَفَّ إلَّا بِذَلِكَ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَطَاءِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ إعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ وَتَرْكَ الضُّعَفَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَخُلَفَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ فِرْعَوْنَ؛ وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ ذَوُو الدِّينِ الْفَاسِدِ، كَذِي الْخُوَيْصِرَةِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى стр. 308
النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، حَتَّى قَالَ فِيهِ مَا قَالَ، وَكَذَلِكَ حِزْبُهُ الْخَوَارِجُ أَنْكَرُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ مَا قَصَدَ بِهِ الْمَصْلَحَةَ مِنْ التَّحْكِيمِ وَمَحْوِ اسْمِهِ وَمَا تَرَكَهُ مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ. ا. هـ. (١)
سَادِسًا: الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ : ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]: إِعَانَةُ الْمُكَاتَبِيْنَ، وَعِتْقُ الرِّقَابِ، إِمَّا اسْتِقْلَالًا، أَوِ الْمُشَارَكَةُ فِي عِتْقِهَا، وَكَذَا فِدَاءُ الْأَسْرَى. (٢)
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (٦/ صـ: ٢٣١ - ٢٣٢): وَكَذَلِكَ الْغَرِيْقُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْرِجُهُ إِلَّا بِمَالٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّنَا نُعْطِيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَسِيْرَ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا تَخْتَصُّ بِالْأَرِقَّاءِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَشْمَلُ كُلَّ مَا فِيْهِ إِنجَاءٌ.
سَابِعًا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]: الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دُيُونٌ لَا يَجِدُونَ وَفَاءَهَا، فَيُعْطَونَ وَفَاءَ دُيُونِهِمْ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا، إلَّا أَنْ يَكُونُوا غَرِمُوهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُعْطَونَ حَتَّى يَتُوبُوا. قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀، "كَمَا فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى" (ج ٢٨/ صـ: ٢٧٤).
• وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: الْغَارِمُ هُوَ مَنْ لَحِقَهُ الْغُرْمُ، وَهُوَ الضَّمَانُ وَالْإِلْزَامُ بِالْمَالِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
• وَالْغَارِمُ نَوْعَانِ، هُمَا: الْأَوَّلُ: غَارِمٌ لِإصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَالثَّانِي: غَارِمٌ لِنَفْسِهِ.
• فَالْأَوَّلُ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ بِمِقْدَارِ مَا غَرِمَ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا، وَأَمَّا الثَّانِي فَيُوَافَى عِنْدَ الدَّيْنِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَفَائِهِ. (٣) стр. 309
ثَامِنًا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]: الْغُزَاةُ، فَيُعْطَونَ مِنْ مَالِ اللَّهِ مَا يَكْفِيهِمْ لِغَزْوِهِمْ، أَوْ تَمَامَ مَا يَغْزُونَ بِهِ مِنْ خَيْلٍ وَسِلَاحٍ وَنَفَقَةٍ وَأُجْرَةٍ. (١)
• وَهَلِ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ؟ فِيْهِ قَوْلانِ لأَهْلِ الْعِلْمِ:
الأَوَّلُ: الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَقَدْ قَالَ - كَمَا في "مَسَائِلِهِ بِرِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ" (رَقْم: ٥٦١) -: «يُعْطَى مِنَ الزَّكَاة فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ من سَبِيل اللهِ».
• وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَابْنُ كَثِيْرٍ، وَالْأَلْبَانِيُّ، وَجَمَاعَةٌ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْحَجَّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى جَمَلِكَ. فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ. قَالَتْ: أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلَانٍ. قَالَ: ذَاكَ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، وَإِنَّهَا سَأَلَتْنِي الْحَجَّ مَعَكَ، قَالَتْ: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقُلْتُ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلَانٍ، فَقُلْتُ: ذَاكَ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ: وَإِنَّهَا أَمَرَتْنِي أَنْ أَسْأَلَكَ مَا يَعْدِلُ حَجَّةً مَعَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَقْرِئْهَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ، وَأَخْبِرْهَا أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي». يَعْنِي عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٩٩٠). (٢) стр. 310
• وَعَنْ أَبِي طُلَيْقٍ، قَالَ: طَلَبَتْ مِنِّي أُمُّ طُلَيْقٍ جَمَلًا تَحُجُّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: قَدْ جَعَلْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَتْ: إِنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ أَحُجَّ عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «صَدَقَتْ، لَوْ أَعْطَيْتَهَا كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً». رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ. (١)
الثَّانِي: لَيْسَ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَأَوَّلُوا الْحَدِيْثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ في "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٢٧٥): وَكُلُّ فِعْلِ خَيْرٍ فَهُوَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، إلَّا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ كُلَّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُوضَعَ إلَّا حَيْثُ بَيَّنَ النَّصُّ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا. ا. هـ.
• وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ في "الْمُغْنِي" (ج ٦/ صـ: ٤٨٣ - ٤٨٣): لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْجِهَادِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِهَادُ، إلَّا الْيَسِيرَ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُ بِهِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تُصْرَفُ إلَى أَحَدِ رَجُلَيْنِ، مُحْتَاجٍ إلَيْهَا، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَفِي الرِّقَابِ стр. 311
وَالْغَارِمِينَ لِقَضَاءِ دُيُونِهِمْ، أَوْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، كَالْعَامِلِ وَالْغَازِي وَالْمُؤَلَّفِ وَالْغَارِمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَالْحَجُّ مِنْ الْفَقِيرِ لَا نَفْعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ أَيْضًا إلَيْهِ، لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَا فَرَضَ عَلَيْهِ فَيُسْقِطَهُ، وَلَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي إيجَابِهِ عَلَيْهِ، وَتَكْلِيفُهُ مَشَقَّةٌ قَدْ رَفَّهَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَخَفَّفَ عَنْهُ إيجَابَهَا، وَتَوْفِيرُ هَذَا الْقَدْرِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَصْنَافِ، أَوْ دَفْعُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ غَيْرُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. ا. هـ.
• وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ، وَأَحْوَطُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَاسِعًا: ابْنُ السَّبِيْلِ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ هُوَ: الْمُسَافِرُ، الْمُجْتَازُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَكْفِيْهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَالسَّبِيْلُ هِيَ: الطَّرِيْقُ، قِيْلَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُلَازِمُهَا بالْعُبُورِ. (١)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَلِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ إلَّا الْغَرِيبُ، دُونَ مَنْ هُوَ فِي وَطَنِهِ وَمَنْزِلِهِ، وَإِنْ انْتَهَتْ بِهِ الْحَاجَةُ مُنْتَهَاهَا، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْغَرِيبِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُعْطَى وَلَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ ابْنُ السَّبِيلِ فَقِيرًا فِي بَلَدِهِ، أُعْطِيَ لِفَقْرِهِ وَكَوْنِهِ ابْنَ السَّبِيلِ، لِوُجُودِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ، وَيُعْطَى لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ قَدْرَ مَا يُوْصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، وَتُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فِي بَلَدِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَالِهِ، فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ، وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى بَلَدِهِ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ حَصَلَ الْغِنَى بِدُونِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ لِغَزْوٍ فَلَمْ يَغْزُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، أَوْ اتَّصَلَ بِسَفَرِهِ الْفَقْرُ، أَخَذَ الْفَضْلَ لِفَقْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَاتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ، حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِجِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ غَارِمًا، أَخَذَ الْفَضْلَ لِغُرْمِهِ. ا. هـ. (٢) стр. 312
• وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَابْنُ السَّبِيْلِ هَلْ يُعْطَى لِسَفَرِهِ، أَوْ يُعْطَى لِحَاجَتِهِ؟
• إِذَا قُلْتَ: لِحَاجَتِهِ أَوْرَدَ عَلَيْكَ مُوْرِدٌ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يُعْطَى لِحَاجَتِهِ فَهُوَ مِنَ الْفُقَرَاءِ.
• فَيُقَالُ: يُعْطَى لِحَاجَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا أَلَّا يَكُونَ عِندَهُ مَالٌ.
• أَمَّا الْفَقِيْرُ فَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَكُونَ عِندَهُ مَالٌ، وَلِهَذَا نَقُولُ: ابْنُ السَّبِيْلِ نُعْطِيْهِ، وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدِهِ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ إِذَا انقَطَعَ بِهِ السَّفَرُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُحْتَاجٌ، وَلَا يُقَالُ: أَنْتَ غَنِيٌّ، فَاقْتَرِضْ. فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ، فَيُنظَرُ إِلَى حَالِهِ حَتَّى لَا تَكُونَ هُنَاكَ غَضَاضَةٌ وَإِهَانَةٌ لَهُ.
• ثُمَّ قَالَ: وَيَتَرَجَّحُ أَنَّهُ يُعْطَى مَا لَا يَنقُصُ بِهِ قَدْرُهُ. ا. هـ. (١)
• وَيُشْتَرَطُ لِإِعْطَائِهِ مِنَ الزَّكَاةِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي سَفَرٍ مَعْصِيَةٍ، هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ إِعْطَاءَهُ فِي هَذَا الْحَالِ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. (٢)
عَاشِرًا: لَا يُعْطَى الْأَبُ وَلَا الْأُمُّ وَإِنْ عَلَيَا، وَلَا الْأَوْلَادُ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا وَإِنْ نَزَلُوا، لَا يُعْطَونَ مِنَ الزَّكَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ، فِي الْحَالِ الَّتِي يُجْبَرُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ تُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَتُسْقِطُهَا عَنْهُ، وَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ تَجُزْ، كَمَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ. ا. هـ. (٣)
• وَأَمَّا إِذَا كَانُوا غَارِمِيْنَ أَوْ مُكَاتَبِيْنَ فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَاسْتَظْهَرَ الْجَوَازَ، وَقَوَّى أَيْضًا جَوَازَ دَفْعِهَا إِلَيْهِمْ إِنْ كَانُوا стр. 313
فُقَرَاءَ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ نَفَقَتِهِمْ، قَالَ: لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ مَوْجُودٌ، وَالْمَانِعَ مَفْقُودٌ؛ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ. ا. هـ. (١)
• وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ الصَّحِيْحُ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ لِأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ مَا لَمْ يَدْفَعْ بِهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُمُ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّهُ أَسْقَطَ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ.
• أَمَّا مَا سِوَى الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ مِنَ الْأَقَارِبِ، وَالَّذِيْنَ لَا تَجِبُ لَهُمُ النَّفَقَةُ، كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ؛ فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ إِنْ كَانُوا مِنْ مُسْتَحِقِّيْهَا، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ.
• وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِزَوْجِهَا أن يُعْطِيهَا مِنَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنذِرِ، وَابْنُ قُدَامَةَ في "الْمُغْنِي" (ج ٢/ صـ: ٤٨٤).
• وَلَهَا أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا زَكَاتَهَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ؛ لِحَدِيْثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ زَيْنَبَ امْرَأَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٦٢).
• وفي رواية (رَقْم: ١٤٦٦): وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَل رَّسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَوَجَدتُّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ стр. 314
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي، وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا، فَدَخَلَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هُمَا؟» قَالَ: زَيْنَبُ، قَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ، أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».
• وَهَذَا يَشْمَلُ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ وَالنَّافِلَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الْأَحْوَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ. (١)
• وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (ج ٢/ صـ: ٤٨٥): «وَلِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الدَّفْعِ؛ لِدُخُولِ الزَّوْجِ فِي عُمُومِ الْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ فِي الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ فِي الْمَنْعِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ».
• [إِخْوَانِي: رَاعُوا حَقَّ هَذِهِ الأَيَّامِ مَهْمَا أَمْكَنَكُمْ، وَاشْكُرُوا الَّذِي وَهَبَ لَكُمُ السَّلَامَ وَمَكَّنَكُمْ، فَكَمْ مُؤَمِّلٍ لَمْ يَبْلُغْ مَا أَمَّلَ، وَإِنْ شَكَكْتَ فَتَلَمَّحْ جِيرَانَكَ وَتَأَمَّلْ، كَمْ مِنْ أُنَاسٍ صَلَّوْا مَعَكُمْ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ التَّرَاوِيحَ، وَأَسْرَجُوا فِي الْمَسَاجِدِ طَلَبًا لِلأَجْرِ الْمَصَابِيْحَ، اقْتَنَصَهُمُ قَبْلَ تَمَامِهِ الصَّائِدُ فَقُهِرُوا، وَأَسَرَتْهُمُ الْمَصَائِدُ فَأُسِرُوا، وَغَمَسَهُمُ التَّلَفُ فِي بَحْرِهِ فَمُقِلُوا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمُ الْمَالُ وَلَا الْآمَالُ لَمَّا نُقِلُوا، أَدَارَتْ عَلَيْهِمُ الْمَنُونُ رَحَاهَا، وَحَكَّ وُجُوهَهُمُ الثَّرَى فَمَحَاهَا، فَأَعْدَمَتْهُمْ صَوْمًا وَفِطْرًا، وَزَوَّدَتْهُمْ مِنَ الْحَنُوطِ عِطْرًا.] (٢)
• اللَّهُمُ اقْدُرْ لَنَا الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، وَاصْرِفْ عَنَّا الشَّرَّ وَاصْرِفْنَا عَنْهُ يَا كَرِيْمُ يَا مَنَّانُ، اللَّهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * * стр. 315
الْمَجْلِسُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: في زَكَاةِ الْفِطْرِ
• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَضَّ عِبَادَهُ عَلَى عَمَلِ الصَّالِحَاتِ وَحَثَّ، وَشَرَعَ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي خِتَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ طُعْمَةً لِلْمَسَاكِيْنِ وَطُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَسْتَعِيْذُ بِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ إِذَا هَمَزَ وَنَفَخَ وَنَفَثَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، شَفَى اللهُ بِهِ مِنَ الْعِيِّ، وَطَهَّرَ بِهِ مِنَ دَنَسِ الْغَيِّ، وَطَيَّبَ بِهِ مِنَ الْخَبَثِ، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ وَصَلَّى وَزَكَّى وَصَامَ وَقَضَى التَّفَثَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ سَارَعَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِلَى الْخَيْرِ وَانبَعَثَ، وَمَا تَخَلَّفَ عَنِ السَّبْقِ وَلَا نَكَثَ، أَمَّا بَعْدُ:
• [عِبَادَ اللهِ، إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الرَّحِيْلِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيْلُ، فَمَنْ مِنكُمْ أَحْسَنَ فِيْهِ فَعَلَيْهِ التَّمَامَ، وَمَنْ فَرَّطَ فَلْيَخْتِمْهُ بِالْحُسْنَى، وَالْعَمَلُ بِالْخِتَامِ، فَاغْتَنِمُوا مِنْهُ مَا بِقَي مِنَ اللَّيَالِي الْيَسِيْرَةِ وَالْأَيَّامِ، وَاسْتَوْدِعُوهُ عَمَلًا صَالِحًا يَشْهَدْ لَكُمْ بِهِ عِنْدَ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ]. (١)
• أَخِي الْمُسْلِمُ، إِنَّ اللهَ قَدْ شَرَعَ لَكَ عَقِبَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي خِتَامِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَإِلَيْكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ أَهَمَّ أَحْكَامِهَا:
الأوَّلُ: أُضِيفَتِ الزَّكَاةُ إِلَى الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (ج ٣/ صـ: ٧٩).
• وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ: صَدَقَةُ النُّفُوسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ. стр. 316
• قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ ﵀: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: «زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ». ا. هـ. (١)
الثَّانِي: حُكْمُهَا: هِيَ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، يَأْثَمُ مَنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِخْرَاجِهَا، وَالدَّلِيْلُ حَدِيْثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢)
• وَلَا تَجِبُ عَلَى الْجَنِيْنِ، نَقَلَ ابْنُ الْمُنذِرِ الْإجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «وَانفَرَدَ ابْنُ حَنبَلٍ، فَكَانَ يُحِبُّهُ، وَلَا يُوجِبُهُ». (٣)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَيَرِثُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَيُقَاسُ عَلَى الْمَوْلُودِ.
• ثُمَّ رَدَّ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: وَلَنَا أَنَّهُ جَنِينٌ، فَلَمْ تَتَعَلَّقِ الزَّكَاةُ بِهِ، كَأَجِنَّةِ الْبَهَائِم؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا.
• وَقَالَ أَيْضًا: يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُخْرِجُهَا عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ عَمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ مُسْتَحَبَّةً، كَسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ. ا. هـ. (٤)
• قُلْتُ: أَمَّا أَثَرُ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ ضَعِيْفٌ، لَا يَثْبُتُ عَنْهُ، كَمَا فِي "الْإِرْوَاءِ" (رَقْم: ٨٤١).
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَالْإِخْرَاجُ عَنْهُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِنسَانًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: стр. 317
٢٨]، فَهُوَ مَيِّتٌ لَا حَيَاةَ فِيْهِ، فَالَّذِيْ يَظْهَرُ لِي أَنَّنَا إِذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ إِخْرَاجِهَا عَنِ الْجَنِيْنِ فَإِنَّمَا تُخْرَجُ عَمَّن نُفِخَتْ فِيْهِ الرُّوحُ، وَلَا تُنفَخُ الرُّوحُ إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ». ا. هـ. (١)
الثَّالِثُ: ضَابِطُ لُزُومِها: تَلْزَمُ الْإِنسَانَ الَّذِيْ يَمْلِكُ مَا يَزِيْدُ عَنْ قُوتِ يَوْمِ الْعِيْدِ وَلَيْلَتِهِ.
الرَّابِعُ: عَمَّن يُّخْرِجُهَا؟: يُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّن تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كأَوْلَادِهِ، وَزَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ غَيْرِ النَّاشِزِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ.
• وَأَمَّا عَبْدُهُ وَأَمَتُهُ الْمُسْلِمَانِ فَيُخْرِجُهَا عَنْهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِلَا خِلَافٍ، إلا شُذُوذًا مِنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَقَدْ نَقَلَ فِيْهِ ابْنُ الْمُنذِرِ وَالنَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ. (٢)
• وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٢) (١٠).
الخَامِسُ: تُشْترَطُ لَهَا النِّيَّة، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ.
• وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ هُنَا فِيْمَا لَوْ أَخْرَجَ عَمَّن لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ، وَنِيَّتِهِ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا.
• فَأَمَّا مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ إِخْرَاجُهَا عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
السَّادِسُ: وَقْتُهَا: مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيْدِ وَيَنتَهِي بِالشُّرُوعِ فِي صَلَاةِ الْعِيْدِ؛ فَلِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١٥٠٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «وَأَمَرَ - يَعْنِي النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ». стр. 318
• وَلِحَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (رَقْم: ١٦٠٩)، وَابْنِ مَاجَهْ (رَقْم: ١٨٢٧)، وَفِيْهِ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ».
• وَإِنْ كَانَ تَأْخِيْرُهَا لِعُذْرٍ فَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ.
• وَأَجَازَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ تَقْدِيْمَهَا قَبْلَ الْعِيْدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ لِمَا فِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١٥١١) عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
• وَالْأَحْوَطُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا.
السَّابِعُ: مَكَانُ إِخْرَاجِهَا: هُوَ الْمَكَانُ الَّذِيْ يُدْرِكُكَ الْعِيْدُ وَأَنْتَ فِيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُوَكِّلَ غَيْرَكَ فِي إِخْرَاجِهَا عَنْكَ بِبَلَدِكَ.
الثَّامِنُ: جِنسُهَا، وَمِقْدَارُهَا: هِيَ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوْتِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنَ الطَّعَامِ، مِنَ الْبُرِّ، أَوِ الْأَرُزِّ، أَوِ التَّمْرِ، أَوِ الزَّبِيْبِ، أَوِ الْأَقِطِ (الْحَلِيْبِ الْمُجَفَّفِ)، أَوْ غَيْرِهَا.
• وَغَالِبُ طَعَامِ النَّاسِ الْآنَ: الْبُرُّ، وَالْأَرُزُّ.
• أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٥٠٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٥) عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ».
• قَالَ أَبُو سَعِيْدٍ ﵁ كَمَا فِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١٥١٠) -: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ».
• وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَخْصِيْصَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لَيْسَ لِكَوْنِهَا مَقْصُودَةً لِعَيْنِهَا، وَلَكِن لِأَنَّها كَانَتْ طَعَامَهُمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ.
• وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنَ الدَّقِيْقِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّ الطَّحْنَ إِنَّمَا فرَّق أَجْزَاءَهُ، وَكَفَى الْفَقِيْرَ مُؤْنَتَهُ، قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ١٧٩): وَلَكِنْ عَلَى أَنْ
стр. 319
يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ فِي الدَّقِيْقِ الْوَزْنَ؛ لِأَنَّ الْحَبَّ إِذَا طُحِنَ انتَشَرَتْ أَجْزَاؤُهُ، فَالصَّاعُ مِنَ الدَّقِيْقِ يَكُونُ صَاعًا إِلَّا سُدُسًا تَقْرِيبًا مِنَ الْحَبِّ، وَالصَّاعُ مِنَ الْحَبِّ (الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ) يَكُونُ صَاعًا وَزِيَادَةً مِنَ الدَّقِيْقِ. ا. هـ.
• وَالْأَحْوَطُ إِخْرَاجُهُ حَبًّا؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ لِأَطْوَلَ مِمَّا يُدَّخَرُ الدَّقِيْقُ.
• وَالصَّاعُ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ أَوْ حَفَنَاتٍ بِالْيَدَيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ الْمُمْتَلِئَتَيْنِ.
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ ﵀: مِقْدَارُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنَ الطَّعَامِ بِالصَّاعِ النَّبَوِيِّ، الَّذِيْ زِنَتُهُ كِيْلُوَانِ وَأَرْبَعُونَ جِرَامًا بِالْبُرِّ (الْقَمْحِ) الْجَيِّدِ، أَوْ مَا يُوَازِنُهُ.
• وَقَالَ: فَإِذَا اتَّخَذْتَ إِنَاءً يَسَعُ كِيْلُوَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ جِرَامًا مِنَ الْبُرِّ الرَّزِيْنِ، ثُمَّ قِسْتَ بِهِ الْفِطْرَةَ فَقَدْ أَدَّيْتَ الصَّاعَ. ا. هـ. (١)
• قُلْتُ: وَقُدِّرَ الصَّاعُ النَّبَوِيُّ كَيْلًا أَيْضًا بِمِلْءِ خَمْسِ عُلَبٍ مِنَ عُلَبِ الْأَنَانَاسِ مَمْسُوحَةً.
• وَلَا يُجْزِئُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَّا الطَّعَامُ، وَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهَا نُقُودًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُخْرِجُوهَا إِلَّا طَعَامًا، مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى إِخْرَاجِهَا نُقُودًا.
التَّاسِعُ: الْحِكْمَةُ مِنْهَا: هِيَ: مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٦٠٩)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٨٢٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِيْنِ».
الْعَاشِرُ: مَصْرِفُهَا: هُمُ الْفُقَرَاءُ والْمَسَاكِيْنُ فِي بَلَدِ مَنْ يُخْرِجُهَا، دُونَ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي هِيَ مَصْرِفُ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ، وَالْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. стр. 320
• وَالدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّها لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ خَاصَّةً، دُونَ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ: مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِيْنِ».
• قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: «وَطُعْمَةً»، بِضَمِّ الطَّاءِ، وَهُوَ: الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ تُصْرَفُ فِي الْمَسَاكِينِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ. ا. هـ.
• وَهُوَ تَرْجيِحُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيةَ، وَابْنِ عُثَيْمِينٍ -رحمهما الله-. (١)
• وَلَا حَرَجَ فِي قَبُولِهَا؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ فَرَضَهُ اللهُ لَهُمْ.
• وَيَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى فُقَرَاءِ بَلَدٍ أُخْرَى أَهْلُهَا أَشَدُّ حَاجَةً.
• وَيَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ لِوَاحِدٍ، أَوْ لِعِدَّةِ أَشْخَاصٍ، أَوْ عَنْ عِدَّةِ أَشْخَاصٍ لِعدَّةٍ أَوْ لِوَاحِدٍ.
• [إِخْوَانِي: إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ قَدْ قَرُبَ رَحِيلُهُ، وَأَزِفَ تَحْوِيلُهُ، وَهُوَ ذَاهِبٌ عَنْكُمْ بِأَفْعَالِكُمْ، وَقَادِمٌ عَلَيْكُمْ غَدًا بِأَعْمَالِكُمْ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَاذَا أَوْدَعْتُمُوهُ؟ وَبِأَيِّ الأَعْمَالِ وَدَّعْتُمُوهُ؟
• أَتُرَاهُ يَرْحَلُ حَامِدًا صَنِيعَكُمْ؟ أَوْ ذَامًّا تَضْيِيعَكُمْ؟ مَا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَاتِ سَاعَاتِهِ! وَمَا كَانَ أَحْلَى جَمِيعَ طَاعَاتِهِ!.
• أَيْنَ الْمُخْلِصُ الْمُتَعَبِّدُ؟!، أَيْنَ الرَّاهِبُ الْمُتَزَهِّدُ؟!، أَيْنَ الْمُنْقَطِعُ الْمُتَفَرِّدُ؟!، أَيْنَ الْعَامِلُ الْمُجَوِّدُ؟!، رَحَلَ عَنْكَ شَهْرُ الصِّيَامِ، وَوَدَّعَكَ زَمَانُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الْمَسَاجِدِ следующие страницы →