← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الثاني: أن هذا العلم الأزلي بأحوال العباد ومصائرهم ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم، إنما هم: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا، وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية، ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات الله المتلوة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ [ق: ٦ - ٧]. وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. لقد عَطلوا هذه الأجهزة وعاشوا غافلين، فهم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام لها استعدادات فطرية تهديها؛ تقبل إذا دعيت، وتنزجر إذا زُجرت. أما الجن والإنس فقد زُودوا بالقلب الواعي، والعين المبصرة، والأذن السامعة، فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكلة إلى استعداداتها الفطرية الهادية: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. فكفار الجن والإنس كل حيوان بهيم أهدى منهم، وهم أضل منه سبيلًا، فما أضل هؤلاء في الدنيا، وما أخسرهم في الآخرة: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].

стр. 1017

٩ - الخزانة التاسعة • حكمة القدير في القدر: إن كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون العظيم مخلوقة للرب بقدر، مدبرة بحكمة، فلا شيء جزاف، ولا شيء عبث، ولا شيء مصادفة، ولا شيء ارتجال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠]. قدر من الله يحدد وجود هذا المخلوق، وقدر يحدد حقيقته، وقدر يحدد صفته، وقدر يحدد وظيفته، وقدر يحدد مقداره، وقدر يحدد عمره، وقدر يحدد مكانه، وقدر يحدد زمانه، وقدر يحدد ارتباطه بما حوله من الأشياء، وقدر يحدد تأثيره في كيان هذا الوجود العظيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. فسبحان ربك الحكيم العليم الذي قدر كل شيء، قدر في كل شيء من مخلوقاته قدر يحدد الأبعاد بين النجوم والكواكب، وأحجام المخلوقات وكتلها، وألوانها وصورها، ونموها وتكاثرها، وسيرها وحركتها: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. قدر يحدد وضع الأرض التي نعيش عليها، لتكون صالحة لنوع الحياة التي قدر الله أن نكون فيها، فحجم هذه الأرض، وبعدها عن الشمس، وكتلة الشمس، ودرجة حرارتها، وميل الأرض على محورها بهذا القدر، ودورة الفَلك، وبُعد الشمس والقمر عن الأرض، وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض، ومهاب الرياح على هذه الأرض، واختلاف الفصول على هذه

стр. 1018

الأرض، إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديرًا دقيقًا، لو وقع الاختلال في أي منها لتبدل كل شيء: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. فسبحان العليم القدير الذي قدر هذه المقادير والأقدار: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]. والنسبة بين عوامل الحياة والبقاء، وعوامل الموت والفناء، في البيئة وفي طبيعة الأحياء من نبات، وحيوان، وإنسان، محفوظة دائمًا بالقدر الذي يسمح بنشأة الحياة وبقائها وامتدادها وانضباطها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فمثلًا الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد، قليلة التفريخ، ولا تعيش إلا في مناطق محدودة، وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار، ولو كانت مع عمرها الطويل كثيرة الفراخ تستطيع الحياة في كل موطن، لقضت على صغار الطيور وأفنتها على كثرتها، وكثرة تفريخها، أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة لطعام هذه الجوارح، وسواها من بني آدم، وللقيام بأدوارها الأخرى في هذه الأرض. فسبحان من خلق كل شيء وقدره تقديرًا: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]. وهكذا الماء موزون بأمر الله لو طغى لأفسد الأرض، ولو نقص لاختلت الحياة، ومات الأحياء من نبات وحيوان وإنسان: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. فلا إله الا الله، ما أعظم نعمه التي نسيها أكثر الخلق: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠].

стр. 1019

وكذلك الهواء موزون بأمر الله، لو زاد وصار عواصف قوية لدمر كل شيء، وما استطاع أن يعيش حي، ولو نقص لاختل وضع الحياة والأحياء: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧]. فقدر الله عام شامل لجميع المخلوقات، وكل ما خلقه الله في هذا الكون من المخلوقات وما يجري فيه من الأحوال، من الحركات والسكنات، والحياة والموت، والتغيير والتدبير. كل ذلك كائن بقدر الله القوي العزيز، تقديرًا في الزمان، وتقديرًا في المكان، وتقديرًا في المقدار، وتقديرًا في الأشكال، وتناسق مطلق بين جميع الكائنات والأحوال فسبحان الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣]. والله هو الملك الحق، الذي خلق الخلائق، وقدر المقادير، وكون الكائنات: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. فخلق كل شيء بقدر، وله حكمة معلومة للبشر، أو مطوية عنهم، فزواج يعقوب ﷺ من امرأة أخرى، هي أم يوسف وبنيامين، لم يكن حادثًا عارضًا، إنما كان قدرًا مقدورًا، ليحسد إخوة يوسف من غير أمه يوسف، ويأخذوه ويلقوه في الجُب، ليلتقطه بعض السيارة ثم يباع في مصر، لينشأ في قصر

стр. 1020

العزيز، لتراوده امرأة العزيز عن نفسه، ليستعلي على الإغراء، ليلقى في السجن، لماذا؟. ليلتقي في السجن مع خادمي الملك، ليفسر لهم الرؤيا، لماذا يتعذب يوسف هذا العذاب؟، ولماذا يتعذب يعقوب بفقد ابنه حتى عمي بصره؟، ولماذا يسام يوسف الطيب الزكي كل هذه الآلام والمتاعب؟، لماذا يمضي في هذا العذاب أكثر من ربع قرن؟؛ لأن الله يُعدَّه ليتولى أمر مصر وشعبها والشعوب المجاورة في سني القحط السبع، ثم ماذا؟ ليستقدم أبويه وإخوته إلى مصر، ليكون من نسلهم شعب بني إسرائيل، ليضطهدهم فرعون، لينشأ من بينهم موسى ﷺ ، وما صاحب حياته من تقدير وتدبير وظهور آيات الله التي غيرت مجرى العالم كله، وتغير بعد ذلك ملك فرعون، وأورث الله بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها. وزواج إبراهيم ﷺ جد يعقوب من هاجر المصرية بنت ملك المنوفية، لم يكن ذلك حادثًا شخصيًا عارضًا، إنما كان وما سبق في حياة إبراهيم ﷺ من أحداث، أدت إلى مغادرته موطنه في العراق، ومروره بمصر ليأخذ منها هاجر، لتلد له إسماعيل، ليسكن إسماعيل وأمه عند البيت المحرم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. لماذا؟ ليبلغ إسماعيل، ثم يتزوج ليكون من نسله محمد ﷺ ، ليكون من ذلك كله ذلك الحديث الأكبر، ببعثة محمد ﷺ رسولًا إلى البشرية كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].

стр. 1021

إن قَدر الله وراء طرف الخيط البعيد لكل حادث، ولكل نشأة، ولكل مصير، ووراء كل نقطة، وكل خطوة، وكل تبديل، أو تغيير في هذا الكون العظيم، إنه قدر الله النافذ الشامل، الدقيق العميق. ولكن البشر أحيانًا يرون طرف الخيط القريب، ولا يرون طرفه البعيد، فلله حكمة في كل ما خلقه ودبره، وأحيانًا يتطاول الزمن بين البدء والمصير في عمرهم القصير، فتخفى عليهم حكمة التدبير والتصريف من الحكيم الخبير: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. فيستعجل الخلق ويقترحون، وقد يسخطون أو يتطاولون، والله ﵎ يعلمهم في القرآن أن كل شيء بقدر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. يعلمهم ليسلموا الأمر إلى صاحب الأمر، وتطمئن قلوبهم به، وتستريح إلى أقداره الحكيمة، ويسيروا مع قدر الله في توافق وتناسق، وفي أنس بصحبة القدر الذي قدره المولى الكريم الرحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. ومع التقدير والتدبير القدرة الإلهية التي تفعل أعظم الأحداث، بأيسر الإشارات: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠]. وبأيسر الكلمات: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. إنها إشارة واحدة، أو كلمة واحدة من الرب ﷻ ، يتم بها كل أمر، الجليل والصغير سواء، وليس هناك كبير ولا صغير أمام قدرة الله، فهو الكبير وحده، وما سواه كله صغير، وهو الغني وحده وما سواه كله فقير، وهو الخالق وحده وكل ما سواه مخلوق له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 1022

هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. والصغير والكبير من تقدير البشر، لا من تقدير الخالق، وليس هناك زمن ولا ما يعادل لمح البصر، إنما هو تشبيه لتقريب الأمر إلى حس البشر، فالزمن إن هو إلا تصور بشري، ولا وجود له في حساب الله المطلق من هذه التصورات المحدودة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فسبحان الملك الجبار، الواحد القهار، الخالق الباري، الذي يخلق ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء بكلمة واحدة: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠]. واحدة تنشي هذا الوجود العظيم الهائل، وواحدة أخرى تبدل فيه وتغير، وواحدة تذهب به كما يشاء الله، وواحدة تحيي كل حي، وواحدة تذهب به هنا وهناك، وواحدة ترده إلى الموت، وواحدة تبعثه في صورة من الصور، وواحدة تصعق الخلائق جميعًا، وواحدة تبعثهم جميعًا، وواحدة تجمعهم يوم الحشر والحساب، وواحدة لا تحتاج إلى جهد ولا تحتاج إلى زمن، واحدة من الرب العظيم تفعل كل شيء ومعها التقدير، وكل أمر معها مقدرًا ميسور: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠]. بواحدة كان خلق السموات والأرض، وبواحدة كان هلاك المكذبين على مدار القرون، قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، وقوم شعيب، فهل من يتذكر ويعتبر؟.

стр. 1023

قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وكل حدث وكل عمل، وكل تدمير، مكتوب مرقوم: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥١ - ٥٣] فما أعظم الله، وما أعظم قدرته، وما أوسع ملكه، وما أشمل تدبيره، وما أعظم بطشه بمن عصاه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨] الله هو الذي خلق الخلق، وهو الذي يدبر الأمر في السموات والأرض، ولا يشغله شأن عن شأن، ينفذ أقداره وتدبيره في خلقه، في أوقاتها التي اقتضتها حكمته: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩]. فهذا الكون الكبير، وهذا الخلق العظيم، الذي لا تُعرف له حدود، ما نبصره وما لا نبصره، العالم العلوي، والعالم السفلي، عالم الغيب والشهادة، عالم الدنيا وعالم الآخرة، كلُ منوط بقدر الله سبحانه، متعلق بمشيئته وهو قائمُ بتدبيره سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 1024

وهذا التدبير العظيم، يتناول الوجود كله جملة، ويتناول كل فرد فيه على حدة، ويتناول كل عضو، ويتناول كل خلية، ويتناول كل ذرة، ويعطي كل شيء خلقه، كما يعطيه وظيفته: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]. ثم يراقبه الرقيب وهو يؤدي وظيفته في مُلكه العظيم: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ [الأحزاب: ٥٢]. هذا التدبير والتصريف، وهذه المراقبة والمتابعة، التي تتبع كل ما ينبت وما يسقط من ورقة وما يكمن من حبة في ظلمات الأرض، وكل رطب ويابس، وكل حيوان وطائر، تدبير عظيم شامل، يتبع الطيور في جوها، ويتبع الأسماك في بحارها، ويتبع الحيوانات في أرضها، ويتبع الديدان في مساربها، ويتبع الحشرات في مخابئها، ويتبع الوحوش في غاباتها. ويتبع كل بيضة، وكل فرخ، وكل جناح، وكل ريشة، وكل خلية في جسم حي، وصاحب الخلق والتدبير والتصريف لا يشغله شأن عن شأن، ولا يند عن علمه ظاهر ولا خاف، ولا يشغله المسموع عن المُبصر: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦]. ومن هذا شأن العباد وأعمالهم، من ملائكة في السماء، ومن إنس و جن في الأرض، يسمع سبحانه كلامهم، ويبصر أفعالهم، ويعلم أحوالهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم. فسبحان من خلق هذه الخلائق العظيمة، وتولى أمرها بالتدبير والتصريف، وأحاط بها كلها، فلا يخفى عليه شيء منها: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ

стр. 1025

الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. إن هذا الكون العظيم من الدقة والتدبير، بحيث لا يقع فيه شيء إلا وهو مقرر قبل خلقه محسوب زمانه، وزمان وقوعه، ومكان حدوثه، وحجم ذلك الحدث، لا مكان فيه للمصادفة، ولا شيء فيه جزاف: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠]. وقبل خلق الأرض، وقبل خلق الأنفس، كان في علم الله الشامل الكامل الدقيق، كل حدث سيظهر للخلائق في وقته المقدور: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وقال النبي ﷺ : «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيْرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» أخرجه مسلم (١). والله بكل شيء عليم، وفي علم الله لا شيء ماض، ولا شيء حاضر، ولا شيء قادم، فتلك الفواصل الزمنية مخلوقة، إنما هي معالم لنا نحن أبناء الفناء، نرى بها حدود الأشياء، فنحن لا ندرك الأشياء بغير حدود تميزها، حدودًا من الزمان، وحدودًا من المكان، وحدودًا من الأحجام، فتبارك الله رب العالمين: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].

стр. 1026

فالله سبحانه كامل الذات والصفات، وهو الحق الذي يطلع جملة على هذا الوجود بلا حدود ولا قيود ولا يند عنه شيء. وهو الحق ﷻ ، الذي يطلع جملة على ما في هذا الوجود العظيم بلا حدود ولا قيود، ولا يند عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤] وهذا الكون وما يقع فيه من أحداث، وأطوار منذ نشأته إلى نهايته، كان في علم الله جملة لا حدود فيه ولا فواصل، من زمان أو مكان. ومعرفة القلب بهذه المقادير التي قدرها الله، يسكب فيه الطمأنينة والسكون عند استقبال الأحداث خيرها وشرها، فلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعًا وتذهب معه حسرات عند الضراء، ولا تفرح الفرح الذي تُستطار به، وتفقد الاتزان عند السراء، فكل شيء لا يكون إلا بأمر الله ومشيئته: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].

стр. 1027

١٠ - الخزانة العاشرة • ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر: الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، هو القادر على كل شيء، العليم بكل شيء: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. أما الإنسان فضعيف يجزع، وتستخفه الأمور والأحداث، حين ينفصل بذاته عن هذا الكون الكبير وما فيه، ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض، يصادم وجوده الصغير، وذلك لجهله بالله، وبملكه وسلطانه. فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به، وتمر بغيره، والأرض كلها بما فيها من الذرات، وأن هذه الذرات كائنة في موضعها، في الصنع الكامل الدقيق، لازم بعضها البعض، وأن ذلك كله مقدر مرسوم، معلوم في علم الله المكنون: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. وأفعال الله كلها مقرونة بالحكمة المطلقة، المقرونة بالخير المطلق، وحين يستقر هذا في تصور الإنسان وشعوره، فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء، لإيمانه بربه، ومعرفته بأسمائه وصفاته، فلا يأسى العبد على واقعة أسىً يؤلمه ويزلزله، ولا يفرح بحاصل فرحًا يستخفه ويذهله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].

стр. 1028

ولكن يمضي المؤمن مع قدر الله في طواعية ورضا، رضا العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي ويجب أن يكون، والله لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهذه درجة عالية قد لا يستطيعها ولا يصل إليها إلا القليلون من البشر ممن رزقهم الله كمال الإيمان، وكمال اليقين. فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم أن لا يخرجهم الألم للضراء، ولا الفرح بالسراء، عن دائرة التوجه إلى الله وذكره بهذه وبتلك. ولن يجد أحد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما كان لا بد أن يكون: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. ومن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه، ويفعل ما أمره الله به، فهو حسبه وكافيه، لأنه الغني القوي العزيز، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخير طلب العبد إلى الوقت المناسب. فأمر الله لا بد من نفوذه، ولكن له وقت مقدر لا يتعداه، ولا يقصر عنه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق/ ٢ - ٣]. فالله له الخلق والأمر وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فالخلق قضاؤه وقدره وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جارية على خلقه قدرًا وشرعًا، ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري، وأما حكمه الديني الشرعي، فيطيعه الأبرار، ويعصيه الفجار: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا

стр. 1029

الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وفائدة الإيمان بالقضاء والقدر عظيمة جدًّا؛ لأن الإنسان إذا علم أن الشيء لا بد أن يقع كما أمر الله استراح واطمأن، وكان دائمًا في سرورًا وانشراح؛ لأنه يعلم أن كل ما أصابه من الله، وأن الله أرحم بالعبد من نفسه، فإذا أصيب بضراء صبر، وقال: هذا من عند الله، وانتظر الفرج من الله، ولجأ إلى الله في كشف هذه الضراء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وإن أصيب بسراء شكر، وقال: هذا من عند الله، وعلم أن ذلك لم يكن بحوله وقوته، ولكن بفضل الله ورحمته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. والإيمان بالقضاء والقدر هو مصدر الراحة والطمأنينة والسعادة لكل مسلم، فالمؤمن يعلم أن كل شيء بقدر الله، فلا يعُجب بنفسه عند حصول مراده، ولا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه؛ لأنه يعلم أن ذلك كله بقدر الله، وهو كائن لا محالة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]. وعن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ» أخرجه الإمام مسلم (١).

стр. 1030

وقال رسول الله ﷺ : «عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَصَبَرَ، فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ حَتَّى يُؤْجَرَ فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ» أخرجه أحمد وعبد الرزاق بسند حسن (١). • وبهذا تمت بفضل الله أركان الإيمان الستة، وهى: ١ - الإيمان بالله. ٢ - الإيمان بالملائكة ٣ - الإيمان بالكتب ٤ - الإيمان بالرسل ٥ - الإيمان باليوم الآخر ٦ - الإيمان بالقدر خيره وشره. وكل ركن منها يثمر للمؤمن ثمرات نافعة، لا حد لها في الدنيا والآخرة.

стр. 1031

• ثمرات الإيمان بأركان الإيمان: الأول: الإيمان بالله يثمر توحيد الله، والتوجه إليه في كل حال، والتوكل عليه في كل أمر، وعدم الالتفات إلى غيره، ويثمر محبة الله وتعظيمه، وشكره، وحمده، وعبادته، وطاعته، وخشيته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. الثاني: الإيمان بالملائكة يثمر محبة الملائكة على ما يقومون به من عبادة الله تعالى، والدعاء والاستغفار للمؤمنين، وحمد الله وشكره على عنايته ببني آدم، حيث وكل من الملائكة من يقوم بحفظهم، ونصرتهم، وكتابة أعمالهم، والدعاء لهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. والعلم بعظمة الله تعالى، وقدرته، وقوته، وحكمته، ورحمته، فقد خلق الملائكة الذين لا يعلم عددهم إلا الله، وجعل منهم حملة العرش، الواحد منهم مابين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة، فكيف بعظمة العرش العظيم؟ وكيف بعظمة من فوق العرش؟. فسبحان من له الملك كله، والخلق كله، والأمر كله: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٧].

стр. 1032

الثالث والرابع: الإيمان بالكتب والرسل يثمر قوة الإيمان بالله، ومحبة الله، وشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ومعرفة شرائع الله، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه الله وما يسخطه، ومعرفة أحوال الدار الآخرة، ومحبة رسل الله، وطاعتهم، والاقتداء بهم في نياتهم، وأقوالهم، وأعمالهم، وأخلاقهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. الخامس: الإيمان باليوم الآخر يثمر معرفة قدرة الله، وعظمة ملكه وسلطانه، والرغبة في فعل الطاعات والخيرات، واجتناب المعاصي والمنكرات، وحسن الاستعداد ليوم المعاد: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]. السادس: الإيمان بالقدر يثمر طمأنينة النفس، وسكونها، ورضاها بما قدر الله العزيز الرحيم. وإذا تحقق الإيمان بأركانه الستة في حياة المسلم، أحياه الله حياة طيبة في الدنيا، وكان مؤهلًا في الأخرة لدخول الجنة، والنجاة من النار، وذلك لا يتم إلا بطاعة الله ورسوله في كل شيء، وذلك فضل الله وحده لا شريك له: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].

стр. 1033

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية الجزء الثاني ويشتمل على المباحث التالية: السادس: خزائن التوحيد السابع: خزائن العلم الثامن: خزائن العلم والإيمان التاسع: خزائن الحق العاشر: خزائن العدل الحادي عشر: خزائن الهداية

стр. 1034

قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].

стр. 1035

٦ - خزائن التوحيد القسم الأول وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 1036

٦ - خزائن التوحيد القسم الأول ١ - الخزانة الأولى • فضائل التوحيد: الله هو الواحد الأحد، القادر على كل أحد، المحيط بكل أحد، القاهر لكل أحد، الغني عن كل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]. هو الواحد الأحد العليم بكل أحد، السميع لكل أحد البصير لكل أحد. هو الله الواحد الأحد الذي بيده تدبير كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. فتوحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده بعبادته وحده لا شريك له، هو السبب الأعظم لنيل السعادات، وتفريج الكربات في الدنيا والآخرة، وهو السبب الوحيد لنيل رضا الله وثواب: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 1037

ومثقال حبةٍ من التوحيد تمنع الخلود في النار، وإذا كمل التوحيد منع دخول النار بالكلية، والتوحيد سبب الأمن من الزيغ وسوء الخاتمة والهلاك، وهو سبب الاهتداء إلى الحق، وسلوك الصراط المستقيم، والاهتداء إلى الأعمال الصالحة والجنة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. والتوحيد يسهل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات، ويسلي صاحبه عند المصائب بطمعه في رضوان ربه وثوابه: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]. وجميع الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة متوقفةٌ في قبولها وترتيب الثواب عليها على التوحيد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. والتوحيد يحرر العبد من منة الخلق، والتعلق بهم، ورجائهم وخوفهم؛ لأن صاحبه متوكل على الله القوي القاهر القادر، لا يرجو ولا يخاف أحدًا سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].

стр. 1038

وقد تكفل الله لأهل التوحيد بالنصر والعزة والنجاح والنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧]. وقال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. • الأسباب المعينة على تحقيق التوحيد: الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه ووعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. فمن عرف ربه حقاً آمن به، ووحده، وكبره، وحمده واستغفره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. الثاني: الاعتقاد بالقلب. فلا يكفي العلم دون الاعتقاد، بأن يظهر أثره في القلب بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، كما قال الله عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 1039

وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. ومن أحب الله أطاعه، فصدق أخباره وطبق أحكامه، وأمتثل أمره، واجتنب نواهيه. الثالث: الانقياد لله وعدم الكبر. قال الله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. • وتحقيق التوحيد نوعان: الأول: تحقيقٌ واجب، وهو تخليص القلب من الشرك والنفاق وتطهيره من البدع وكبائر الذنوب، كما قال : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]. الثاني: تحقيقٌ مستحب، وهو تخليص القلب من التعلق بالمخلوقين بعدم سؤال ما فيه منة ومهانة وذلة، وعدم استعطاف الناس، بل يطلب حاجته من ربه، ولا يلفت إلى أحدٍ سواه. كما قال النبي ﷺ : «كنتُ رديفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ يا غلَّامُ - أو يا بنيَّ - ألا أعلِّمكَ كلماتٍ ينفعكَ اللَّهُ بهنَّ؟ فقلتُ: بلى فقالَ: احفظِ اللَّهَ يحفظكَ، احفظِ اللَّهَ تجدهُ أمامَكَ تعرَّف إليهِ في الرَّخاءِ يعرفُكَ في الشِّدَّةِ إذا سألتَ فاسألِ اللَّهَ وإذا استعنتَ فاستعن باللَّهِ قد جفَّ القلمُ بما هوَ كائنٌ فلو أنَّ

стр. 1040

الخلقَ كلَّهم جميعًا أرادوا أن ينفعوكَ بشيءٍ لم يقضهِ اللَّهُ لكَ لم يقدروا عليهِ وإن أرادوا أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يقضهِ اللَّهُ عليكَ لم يقدروا عليهِ فاعمل للَّهِ بالشُّكرِ واليقينِ واعلم أنَّ الصَّبرَ على ما تكرهُ خيرٌ كثيرٌ وأنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ وأنَّ معَ العسرِ يسرًا» أخرجه أحمد والترمذي (١). ومن حقق التوحيد الواجب والمتسحب دخل الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب. عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ العَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» أخرجه البخاري (٢). فالمعاصي نوعٌ من الشرك؛ لأنها صادرةٌ عن هوًى مخالف للشرع، فكأن صاحبها يجعل هواه إلهًا مع الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].

стр. 1041

• حقيقة التوحيد: الله هو الملك الحق، الواحد الأحد، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. والتوحيد هو إفراد الله تعالى بما يختص به، وما يجب له ، بأن يتيقن العبد بأن الله واحدٌ لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله ومعناه أن يتيقن العبد ويقر أن الله وحده رب كل شيءٍ ومليكه، وأنه الخالق وحده وأنه الحي القيوم الذي يدبر الكون كله وحده، لا شريك له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وأنه سبحانه هو الواحد الأحد المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبودٍ سواه فهو باطل، وأنه سبحانه متصفٌ بصفات الكمال، وصفات الجلال والجمال، منزهٌ عن كل عيب ونقص، له وحده الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. فالله ﷻ واحدٌ لا شريك له، أحدٌ لا مثيل له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، له الملك وله الخلق وله الأمر وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 1042

هو الملك وكل ما سواه مملوكٌ له، وهو الرب وكل ما سواه عبدٌ له، وهو الخالق وكل ما سواه مخلوق له: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣]. هو وحده الواحد الأحد، القادر على كل أحد، الغني عن كل أحد، الكريم الذي يرزق كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وهو سبحانه القوي وكل ما سواه ضعيف وهو القادر وكل ما سواه عاجز، وهو الكبير وكل ما سواه صغير، وهو الغني وكل ما سواه فقيرٌ إليه، في إيجاده وإمداده وهدايته، وهو العزيز وكل ما سواه ذليلٌ بين يديه، وهو الحق وكل معبودٌ سواه باطل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]. وهو سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، الرحمن الذي لا أرحم منه. وهو سبحانه القوي الذي خلق القوة في كل قوي، القادر الذي خلق القدرة في كل قادر، الرحمن الذي خلق الرحمة في كل راحم، العليم الذي علم كل مخلوق، الرازق الذي خلق جميع الأرزاق والمرزوقين: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].

стр. 1043

وهو سبحانه الإله الحق، الذي يستحق العبادة وحده دون سواه، لكمال ذاته وجلاله وجماله وجميل إحسانه، وله وحده الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، ليس له مثيل ولا شبيه ولا شريك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فهو القوي الذي ليس كمثله شيءٌ في القوة، وهو الرحمن الذي ليس كمثله شيءٌ في الرحمة وهكذا، وهو الحكيم العليم الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وهو سبحانه الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء، والظاهر فوق كل شيء، والباطن دون كل شيء، العليم بكل شيء وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. وهو سبحانه الملك الحق الذي بيده كل شيء، وكل ما سواه ليس بيده شيء، وما كان شيئًا حتى يفعل شيئًا، فتوجه إليه وحده لا شريك له: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. هو وحده المالك لكل شيء، القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، المنعم بكل شيء، هو وحده المحيط بكل محيط، القادر على كل قادر، القاهر لكل قاهر، الواحد المالك لكل واحد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].

стр. 1044

وقول لا إله إلا الله يكون بثلاثة أشياء: القلب. واللسان. والجوارح. فقول القلب اعتقاده بألوهية الله وحده، ووجوب عبادته، واعتقاد بطلان الشرك والكفر وبغضهما وتمني زوالهما. وعمل القلب افتقاره إلى الله، وتوكله عليه وحده، ورغبته ورهبته وخوفه ورجاؤه وحده، وعدم الالتفات إلى ما سواه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقول اللسان نطقه بشهادة التوحيد، أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والتصريح ببطلان آلهة الكفار وبغضها، والبراءة منها ومن أهلها: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾ [الأنعام: ١٩]. وعمل الجوارح فعل ما أمره الله ورسوله به، واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].

стр. 1045

وقال النبي ﷺ : «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ». أخرجه مسلم (١). • والشرك بالله قسمان: شرك أكبر .. وشرك أصغر. فالشرك الأكبر أن نجعل مع الله شريكاً في ربوبيته وألوهيته كالإشراك بالله في ربوبيته وأسمائه وصفاته، وعبادته: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. الثاني: الشرك الأصغر وهو كل وسيلة وذريعة توصل إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة الشرك الأكبر. والشرك بقسميه أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، لأنه تنقصٌ لرب العالمين بإثبات شريك له في أسمائه وصفاته وأفعاله، وشريك له في عبادته، وذلك من أظلم الظلم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. ولذلك لا يغفر الله لمن مات ولم يتب منه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].

стр. 1046

وأول شرك وقع في الأرض كان في قوم نوح، وسببه الغلو في الصالحين، فزين الشيطان لأولئك العكوف عند قبور أولئك الصالحين، وتصويرهم في مجالسهم، ودعاء الله عندهم، ثم دعائهم من دون الله. ثم زاد اليهود والنصارى على بدع قوم نوح بناء المساجد على القبور، وصوروا فيها صور صالحيهم، فوقعوا في الشرك بالله تعالى، وجعلوه دينًا يتقربون به إليه. فقال تعالى في قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح: ٢٢ - ٢٤]. وقال النبي ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» أخرجه البخاري (١).

стр. 1047

٢ - الخزانة الثانية • الفرق بين التوحيد والشرك: التوحيد حق الله على عباده، وهو إفراد الله بما يختص به من الصفات والأسماء والأفعال، وما يجب له من التوحيد والعبادة. والشرك هو جعل شريك لله تعالى في ربوبيته وأسمائه وصفاته، وفي عبادته، فإذا اعتقد الإنسان أن مع الله خالقًا أو معينًا فهو مشرك، ومن اعتقد أن أحدًا سوى الله يستحق أن يعبد فهو مشرك، ومن اعتقد أن لله مثيلًا في أسمائه وصفاته فهو مشرك، والشرك بالله ظلم عظيم، لأنه اعتداء على حق الله تعالى الخاص به وهو التوحيد. فالتوحيد أعدل العدل، والشرك أظلم الظلم، وأقبح القبيح، لأنه تنقص لرب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، ولعظيم خطر الشرك، فإنه من لقي الله مشركًا فإن الله لا يغفر له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. والشرك بالله أعظم الذنوب، فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، وذلك ظلم عظيم، وجرم شنيع، كما قال لقمان لأبنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. والشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وموجب للهلاك والخسران، وهو من أكبر الكبائر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].

стр. 1048

وقال النبي ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ». متفق عليه (١). • قبائح الشرك: ذكر الله للشرك أربع قبائح في أربع آيات وهي: الأولى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. الثانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦] الثالثة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. الرابعة: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣١]. والتوحيد والشرك ضدان لا يجتمعان، فإذا اجتمعا أبطل أحدهما الآخر، لأن التوحيد بناء والشرك هدم، فالشرك ينقص التوحيد، لأنه تنقص للرب، وهضم لحق الإله الحق، والشرك تسوية غير الله به فيما هو من خصائص الله ، وهو أعظم الذنوب، وأشدها إثمًا، وأكبرها عقوبة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].

стр. 1049

• والشرك بالله نوعان: الأول: شركٌ أكبر، وهو أن يعبد الإنسان مخلوقًا مع الله، أو من دون الله. الثاني: شركٌ أصغر وهو كل ما كان وسيلة للشرك الأكبر، كالحلف بغير الله، ويسير الرياء، وقول ما شاء الله وشئت. فالأول: مخرج من الملة، ومحبط للعمل. والثاني: لا يخرج من الملة، ولكنه يحبط العمل الذي قارنه أو ينقصه. وكلٌ من الشرك الأكبر والأصغر منه ما هو ظاهر جلي، وهو الشرك في الأقوال كدعاء غير الله، والحلف بغير الله، والشرك في الأفعال كالسجود لغير الله، والذبح لغير الله، ومنه ما هو شرك خفي وهو الشرك في النيات، كالرياء، وإرادة الدنيا بعمله الصالح، وقل من يسلم منه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦]. والشرك في أعمال القلوب كالتوكل على المخلوق، والخوف من المخلوق، فيما لا يقدر عليه إلا الله ونحو ذلك، وهذا الشرك بحر لا ساحل له. والشرك الأكبر لا يغفر إلا بالتوبة منه، أما الأصغر فمغفرته تحت المشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. • أركان التوحيد: الله هو الملك الحق، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، الله واحدٌ لا شريك له في ذاته، واحدٌ لا شريك له في أسمائه وصفاته، واحدٌ لا شريك له في أفعاله، واحد لا شريك له في عبادته، واحدٌ لا شريك له في حكمه، واحدٌ لا شريك له في ملكه:

стр. 1050

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فأركان التوحيد خمسة: الأول: الله واحد لا شريك له في ذاته: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. الثاني: الله واحد لا شريك له في أسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. الثالث: الله واحد لا شريك له في عبادته: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. الرابع: الله واحد لا شريك له في ملكه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. الخامس: الله واحد لا شريك له في حكمه، فله وحده الأحكام الكونية، وله الأحكام الشرعية وله الأحكام الجزائية: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ [القصص: ٨٨]. التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب نوعان: الأول: توحيد المعرفة والإثبات، ويسمى توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وهو إثبات حقيقة ذات الرب ، وتوحيد الله بأسمائه

стр. 1051

وصفاته وأفعاله، ومعناه أن يتيقن العبد ويقر أن الله وحده هو الرب الخالق المالك الذي يدبر ويصرف هذا الكون العظيم، الرب الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، العليم بكل شيء، المحيط بكل شيء، الخالق لكل شيء، القادر على كل شيء، الموصوف بصفات الكمال، المنزه عن جميع العيوب والنقائص، له وحده الأسماء الحسنى، والصفات العلى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]. وليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. الثاني: توحيد القصد والطلب ويسمى توحيد الألوهية والعبادة وهو إفراد الله بجميع أنواع العبادة، كالدعاء والصلاة والخوف والرجاء ونحوها، ومعناه أن يتيقن العبد ويقر أن الله وحده ذو الألوهية على خلقه أجمعين، وأنه سبحانه المستحق للعبادة وحده دون سواه، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعظيم نعمه وإحسانه، فلا يجوز لأحد صرف شيء من أنواع العبادة لغيره، كالدعاء والصلاة والاستعانة والتوكل، والخوف والرجاء، والذبح والنذر، وغيرها من أنواع العبادات إلا لله وحده دون سواه، ومن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].

стр. 1052

٣ - الخزانة الثالثة وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، يقر به الإنسان بموجب فطرته ونظره في هذا الكون العظيم، والإقرار به وحده لا يكفي للإيمان بالله والنجاة من العذاب فقد أقر به إبليس فقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ [ص: ٧٩]. وأقر به المشركون فلم ينفعهم، لأنهم لم يقروا بتوحيد العبادة لله وحده لا شريك له: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥]. فمن أقر بتوحيد الربوبية فقط لم يكن موحدًا ولا مسلمًا، ولم يحرم ماله ولا دمه حتى ير بتوحيد الألوهية، فيشهد أن الله وحده لا شريك له، ويقر بأن الله وحده هو المستحق للعبادة دون سواه، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، ويجتنب عبادة سواه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وتوحيد الألوهية والعبادة كفر به وجحده أكثر الخلق، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل إلى الناس، وأنزل عليهم الكتب، ليأمروهم بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. وتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، فمن أقر بأن الله وحده هو الخالق المالك الرازق لزمه أن يقر بأنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده، فلا يدعوا إلا الله، ولا يستغيث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يصرف شيئاً من أنواع العبادة إلا له وحده دون

стр. 1053

سواه، وتوحيد الألوهية مستلزم لتوحيد الربوبية، فكل من عبد الله وحده، ولم يشرك به أحدًا، لابد أن يكون قد أعتقد أن الله ربه وخالقه ومالكه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. والربوبية والألوهية تارةً يذكران معًا فيفترقان في المعنى، فيكون معنى الرب المالك الذي له الخلق والأمر والملك، ويكون معنى الإله: المعبود بحق، المستحق العبادة وحده دون سواه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]. وتارة يذكر أحدهما مفردًا عن الآخر فيجتمعان في المعنى كقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]. والله هو رب العالمين، وهو رب الناس كلهم، وإله الناس كلهم، وملك الناس كلهم، هو رب عظيم، رب كريم، لم يمنع فضله عن من لم يعبده، فمن آمن بالله إلهًا يأخذ عطاء ربوبيته من أنواع النعم، ويأخذ عطاء ألوهيته وهو الدين والجنة. ومن لم يؤمن به أخذ عطاء ربوبيته في الدنيا، ولم يأخذ عطاء ألوهيته يوم القيامة، وهو الجنة، لأنه لم يؤمن به إلهًا، ولم يعبده، والإنسان إنما يأخذ أجره ممن عمل له، والكافر لم يعمل لله، فليس له في الآخرة إلا النار : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا

стр. 1054

بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وقال: النبي ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» متفق عليه (١). وقال: ﷺ : «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ». أخرجه مسلم (٢). وحقيقة التوحيد ولبابه أن يرى الإنسان الأمور كلها من الله وحده، رؤية تقطع الالتفات إلى غيره من الأسباب، فلا يرى الخير والشر، والعطاء والمنع، والنفع والضر، والتصريف والتدبير، إلا منه وحده لا شريك له، وأن يعبده سبحانه بموجب هذا العلم، عبادة يفرده بها ولا يعبد غيره معه:

стр. 1055

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وكلمة التوحيد "لا اله إلا الله" كلمة عظيمة، كما قال: النبي ﷺ : «إِنَّ نُوحًا ﵇ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، دَعَا ابْنَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي قَاصِرٌ عَلَيْكُمَا الْوَصِيَّةَ، آمُرُكُمَا بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكُمَا عَنِ اثْنَتَيْنِ، أَنْهَاكُمَا عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ، وَآمُرُكُمَا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، كَانَتْ أَرْجَحَ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا حَلْقَةً، فَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَلَيْهمَا، لَفَصَمَتْهَا، أَوْ لَقَصَمَتْهَا، وَآمُرُكُمَا بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ،، وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ». أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح (١). وكمال كلمة التوحيد لا يتم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. • ثمرات حقيقة التوحيد: أما ثمرات حقيقة التوحيد، فهي كثيرة ومن أعظمها رضا الله عن العبد، وحب الله له، ورحمته له، وكفايته له، وقبوله عمله، وإسعاده في الدنيا والآخرة، وتثمر للعبد قوة التوكل على الله وحده، وترك شكاية الخلق، وترك لومهم، والرضا عن الله تعالى ومحبته، والتسليم لحكمه وحسن عبادته، ولزوم طاعته وحسن الظن به، والطمأنينة بذكره والفوز بجنته والنجاة من النار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
следующие страницы →