وصفاته وأفعاله، ومعناه أن يتيقن العبد ويقر أن الله وحده هو الرب الخالق المالك الذي يدبر ويصرف هذا الكون العظيم، الرب الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، العليم بكل شيء، المحيط بكل شيء، الخالق لكل شيء، القادر على كل شيء، الموصوف بصفات الكمال، المنزه عن جميع العيوب والنقائص، له وحده الأسماء الحسنى، والصفات العلى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].
وليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثاني: توحيد القصد والطلب ويسمى توحيد الألوهية والعبادة وهو إفراد الله بجميع أنواع العبادة، كالدعاء والصلاة والخوف والرجاء ونحوها، ومعناه أن يتيقن العبد ويقر أن الله وحده ذو الألوهية على خلقه أجمعين، وأنه سبحانه المستحق للعبادة وحده دون سواه، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وعظيم نعمه وإحسانه، فلا يجوز لأحد صرف شيء من أنواع العبادة لغيره، كالدعاء والصلاة والاستعانة والتوكل، والخوف والرجاء، والذبح والنذر، وغيرها من أنواع العبادات إلا لله وحده دون سواه، ومن صرف منها شيئًا لغير الله فهو مشرك كافر: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧].
стр. 1052
٣ - الخزانة الثالثة
وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، يقر به الإنسان بموجب فطرته ونظره في هذا الكون العظيم، والإقرار به وحده لا يكفي للإيمان بالله والنجاة من العذاب فقد أقر به إبليس فقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ [ص: ٧٩].
وأقر به المشركون فلم ينفعهم، لأنهم لم يقروا بتوحيد العبادة لله وحده لا شريك له: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥].
فمن أقر بتوحيد الربوبية فقط لم يكن موحدًا ولا مسلمًا، ولم يحرم ماله ولا دمه حتى ير بتوحيد الألوهية، فيشهد أن الله وحده لا شريك له، ويقر بأن الله وحده هو المستحق للعبادة دون سواه، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، ويجتنب عبادة سواه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وتوحيد الألوهية والعبادة كفر به وجحده أكثر الخلق، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل إلى الناس، وأنزل عليهم الكتب، ليأمروهم بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
وتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمان، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، فمن أقر بأن الله وحده هو الخالق المالك الرازق لزمه أن يقر بأنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده، فلا يدعوا إلا الله، ولا يستغيث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يصرف شيئاً من أنواع العبادة إلا له وحده دون
стр. 1053
سواه، وتوحيد الألوهية مستلزم لتوحيد الربوبية، فكل من عبد الله وحده، ولم يشرك به أحدًا، لابد أن يكون قد أعتقد أن الله ربه وخالقه ومالكه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والربوبية والألوهية تارةً يذكران معًا فيفترقان في المعنى، فيكون معنى الرب المالك الذي له الخلق والأمر والملك، ويكون معنى الإله: المعبود بحق، المستحق العبادة وحده دون سواه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣].
وتارة يذكر أحدهما مفردًا عن الآخر فيجتمعان في المعنى كقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
والله هو رب العالمين، وهو رب الناس كلهم، وإله الناس كلهم، وملك الناس كلهم، هو رب عظيم، رب كريم، لم يمنع فضله عن من لم يعبده، فمن آمن بالله إلهًا يأخذ عطاء ربوبيته من أنواع النعم، ويأخذ عطاء ألوهيته وهو الدين والجنة.
ومن لم يؤمن به أخذ عطاء ربوبيته في الدنيا، ولم يأخذ عطاء ألوهيته يوم القيامة، وهو الجنة، لأنه لم يؤمن به إلهًا، ولم يعبده، والإنسان إنما يأخذ أجره ممن عمل له، والكافر لم يعمل لله، فليس له في الآخرة إلا النار
: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا
стр. 1054
بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
وقال: النبي ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» متفق عليه (١).
وقال: ﷺ : «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ». أخرجه مسلم (٢).
وحقيقة التوحيد ولبابه أن يرى الإنسان الأمور كلها من الله وحده، رؤية تقطع الالتفات إلى غيره من الأسباب، فلا يرى الخير والشر، والعطاء والمنع، والنفع والضر، والتصريف والتدبير، إلا منه وحده لا شريك له، وأن يعبده سبحانه بموجب هذا العلم، عبادة يفرده بها ولا يعبد غيره معه:
стр. 1055
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وكلمة التوحيد "لا اله إلا الله" كلمة عظيمة، كما قال: النبي ﷺ : «إِنَّ نُوحًا ﵇ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، دَعَا ابْنَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي قَاصِرٌ عَلَيْكُمَا الْوَصِيَّةَ، آمُرُكُمَا بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكُمَا عَنِ اثْنَتَيْنِ، أَنْهَاكُمَا عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ، وَآمُرُكُمَا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهِمَا لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، كَانَتْ أَرْجَحَ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا حَلْقَةً، فَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَلَيْهمَا، لَفَصَمَتْهَا، أَوْ لَقَصَمَتْهَا، وَآمُرُكُمَا بِسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ،، وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ». أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح (١).
وكمال كلمة التوحيد لا يتم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
• ثمرات حقيقة التوحيد:
أما ثمرات حقيقة التوحيد، فهي كثيرة ومن أعظمها رضا الله عن العبد، وحب الله له، ورحمته له، وكفايته له، وقبوله عمله، وإسعاده في الدنيا والآخرة، وتثمر للعبد قوة التوكل على الله وحده، وترك شكاية الخلق، وترك لومهم، والرضا عن الله تعالى ومحبته، والتسليم لحكمه وحسن عبادته، ولزوم طاعته وحسن الظن به، والطمأنينة بذكره والفوز بجنته والنجاة من النار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
стр. 1056
الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
• خطر الشرك بالله:
الشرك بالله أظلم الظلم، كما أن التوحيد أعدل العدل، فالشرك بالله أظلم الظلم، لأنه صرف خالص حق الله لأحد من خلقه، وتسوية المخلوقين بأحسن الخالقين، وتسوية العبد بالرب.
والشرك أعظم ذنب عصي الله به في الأرض، وقد توعد الله من أشرك بالله بأعظم العقوبات، لشناعة الكفر والشرك وقبحه، فمن عقوبات الكفر والشرك، خروج المشرك من ملة الإسلام، وحبوط عمل المشرك، ومن مات مع الشرك حرم الله عليه الجنة وأدخله النار: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
والله لا يغفر الشرك إلا بالتوبة، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
وعقوبة أهل الشرك عقوبةٌ عظيمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
стр. 1057
وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ». متفق عليه (١).
وأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها هي التعلق بغير الله من مخلوقاته، ومن تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به، وعذبه به، وخذله من جهته، وصار مذمومًا لا حامد له، مخذولًا لا ناصر له: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
مذمومًا لا حامد لك، مخذولًا لا ناصر لك: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
والإشراك بالله في أسمائه وصفاته وأفعاله، والإشراك بالله في حكمه، والإشراك بالله في عبادته والإشراك بالله في حكمه، والإشراك بالله في ملكه، هذه الأقسام كلها شرك بالله الملك الحق، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى.
فالأول: شرك في الربوبية.
والثاني: شرك في الطاعة.
والثالث: شرك في العبادة.
والله هو الرب العلي، الكبير المالك الخالق لكل شيء وحده لا شريك له، فله وحده حق التشريع، وله وحده حق العبادة، وله وحده الملك، والشرك بالله في حكمه كالشرك بالله في عبادته، كلاهما شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام، لأن العبادة حق لله وحده لا شريك له: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 1058
والحكم حق لله وحده، لا شريك له: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الكهف: ٢٦].
وكل من اتبع تشريعًا سوى ما أنزل الله فهو مشرك كافر بالله، وربه ذلك التشريع الذي وضعه إبليس له على ألسنة أوليائه من الكفرة ليحكموا به.
قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
وعبادة الشيطان هي إتباع نظامه وشرعه الذي يجر به الخلق إلى الشرك والكفر ثم إلى غضب الله وسخطه وناره، وقد حذرنا الله من هذا العدو المبين بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
والمذاهب والأنظمة الوضعية المخالفة لشرع الله كلها أنداد تعبد من دون الله، والحكم بها، والحب فيها، والبغض لمعاديها، كل ذلك من الشرك الأكبر: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
стр. 1059
والكفار الذين يسجدون للأصنام كفرة فجرة، فإذا غيروا حكم الله، واتبعوا تشريع الشيطان، كان ذلك كفرًا جديدًا زائدًا على كفرهم الأول، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾ [التوبة: ٣٧].
стр. 1060
٤ - الخزانة الرابعة
قيمة التوحيد:
الله هو الواحد الأحد، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى، وغذاء القلوب يكون بمعرفة الله وتوحيده بأسمائه وصفاته وأفعاله ومعرفة خزائنه ووعده ووعيده، وعبادته وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فإذا كان مكان الصلاة المسجد، ومكان الصوم رمضان، ومكان الحج مكة، فكذلك أعظم الأمور صناعة أجواء الإيمان، صناعة أجواء الهداية، صناعة أجواء التوحيد، لأن التوحيد أعظم من الصلاة والصوم والحج، فهو الأصل، وهذه الأمور وغيرها فرعٌ عليه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وبيئة التوحيد كل الزمان، وكل المكان، وكل الناس، وهي دعوة الناس إلى أنه لا اله إلا الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فمجالس الخير، مجالس التوحيد، ومجالس الشر، مجالس الشياطين، ومجالس الشرك، مجالس التوحيد يقوم الناس منها بالخير والعلم والإيمان والتقوى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
стр. 1061
ومجالس الشر يقوم الناس منها على مثل جيفة الحمار.
وفي الجو الإيماني نستفيد من كتاب الله وسنة النبي ﷺ زيادة الإيمان، وزيادة التقوى، ونكون فوق أجنحة الملائكة أنها تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وفي جو الغفلة يكون الإنسان تلميذًا للشيطان تحت أجنحة الشياطين، ويعلمهم الشيطان الكذب والحسد، ويجرهم إلى الكفر والشرك والمعاصي، ويُخرج منهم جيلاً سيئًا، شيبًا حسده، وشبابًا فسقه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
• فضل الدعوة إلى التوحيد:
الذي يقوم بالدعوة إلى الله له مقام عظيم عند الله، ويرزقه الله ثوابًا عظيمًا، وعقلًا سليمًا، ولسانًا حكيمًا، وقلبًا رحيمًا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وكل من دعا إلى الله، وعظمه بين خلقه، ووحده بينهم فإنه يستفيد أربع كرامات:
الأولى: يعظم الله في قلبه.
الثانية: يعظم هو عند الله.
الثالثة: يعظم في أعين الناس.
الرابعة: يعظم كلامه عند الناس؛ لأنه عظم العظيم سبحانه.
стр. 1062
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ولا يمكن أبدًا أن يجتمع الناس إذا لم يذكروا كلمة التوحيد، لا اله إلا الله محمد رسول الله، في عباداتهم ومعاملاتهم.
وأسباب الاجتماع والأمن والهداية والطمأنينة ما يلي:
أولًا: تحكيم كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، في جميع الأمور: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ثانيًا: الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عند النزاع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
ثالثًا: أداء حقوق الله، وحقوق عباده، فالدين ركنان:
الأولى: عبادة الحق. الثانية: والإحسان إلى الخلق.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ
стр. 1063
بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
رابعًا: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
خامساً: طاعة ولاة أمور المسلمين، فيما يأمرون به من الخير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
وقال ﷺ : «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي» أخرجه مسلم (١).
سادساً: إقامة الصلوات الخمس مع الجماعة، وشهود الجمعة وصلاة العيد، ونحو ذلك مما يجمع القلوب على الإيمان والمحبة والأخوة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
• حلاوة التوحيد:
الله هو الواحد الأحد، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
стр. 1064
فهو ﷻ واحدٌ في ذاته لا قسيم له، واحدٌ في أسمائه لا شبيه له، واحدٌ في صفاته لا مثيل له واحدٌ في أفعاله لا شريك له، وواحدٌ في ألوهيته لا شريك له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فمن عرف ذلك وحد ربه، وأحبه، وكبره، واستأنس به، واستوحش من غيره: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فسبحانه هو وحده المتفرد بالربوبية والأسماء والصفات، المتفرد بالألوهية والعبودية، الذي قهر كل شيء على ما أراد خلقًا وحجماً ونوعًا ولونًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وهذا الرب العظيم ﷻ بقدر معرفته يكون توحيده ﷻ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وتوحيده ﷻ يأتي بالنظر والتدبر في الآيات الكونية، والنظر والتدبر في الآيات الشرعية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ
стр. 1065
يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس: ٥ - ٦].
وفي البيئة الإيمانية الذاكرة نتربى على معاني التوحيد المعطي هو الله، الذي يمنع هو الله، القادر هو الله، الكبير هو الله، الشافي هو الله، الغني هو الله، الرحمن هو الله، وهكذا، وبهذا يحصل اليقين، ويهتم العبد بأعماله لا بحاله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
فيعبد ربه العظيم كما أمره، وهو يرزقه كما وعده: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
ومحبوبات الله عندنا، ومحبوباتنا عنده، ومحبوبات الله هي التوحيد والإيمان والتقوى، والأعمال الصالحة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
فهذه عشر محبوبات من محبوبات الله وعلينا تكميلها في الدنيا، ومحبوباتنا عنده ﷻ ، من دخول الجنة، والتنعم بنعيمها، ورؤية الرب، والقرب منه، وسماع كلامه، والفوز برضوانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
فإذا أكملنا محبوبات الله في الدنيا، أكمل محبوباتنا في الآخرة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
стр. 1066
ومحبوبات الرب هي جميع أنواع الطاعات والأعمال الصالحة التي أمر الله ورسوله بها، وإذا حققنا مراد الله منا بالإيمان، والأعمال الصالحة، حقق الله مرادنا منه، بالأمن والخلافة في الأرض في الدنيا، والجنة في الآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
وأجهل الناس من يطلب مراده من الله، دون أن يحقق مراد الله منه، فالجنة غالية، وسلعة الله غالية، فعلى الإنسان أن يتعلم العلم الإلهي، ويعمل به ويدعو إليه، ليرزقه الله حقيقة الإيمان، وحقيقة التقوى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
فالمؤمن حقاً هو الذي يعبد الله حقاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 1067
٥ - الخزانة الخامسة
• حقيقة التوحيد:
التوحيد له دراية فقهية، وله دراية إيمانية.
فالدراية الفقهية العلمية معرفة أقسامه وأركانه وشروطه وهذه مطلوبة، لأن من لا يعرف الحدود يضل، لكن الأهم الدراية الإيمانية، التي تملأ القلب إيمانًا وتوحيدًا وحبًا لله ، وتحرك الجوارح بالعبادة، واللسان بكثرة الذكر والحمد والاستغفار: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وكل ما سوى الله حجاب عن الله أشغل عن عبادة الله، وكلما كان تدبر العبد في مراتب مخلوقات الله تعالى أكثر، كان شروق نور المعرفة ونور التوحيد، ونور الإيمان في القلب أجلى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وكل ما سوى الله دليل على الله، فالخلائق تدل على الخالق، والصور تدل على المصور، والرزق يدل على الرزاق والرحمة تدل على الرحمن، والقوة تدل على القوي، والحركة تدل على المحرك: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
(٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٧٢].
• وأعظم من دعا إلى التوحيد من البشر:
أعظم من دعا إلى التوحيد هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وذلك لكمال معرفتهم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخزائنه ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه وعظمة ملكه وسلطانه وعظمة دينه وشرعه، وعظمة إنعامه وإحسانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]
وأعظم من دعا إلى التوحيد من الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هما الخليلان، إبراهيم ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
وقد اتخذ الله محمدًا ﷺ خليلًا كما اتخذ إبراهيم ﷺ خليلًا، ولما قام إبراهيم ﷺ بإظهار حجة الله في التوحيد، ونصرها ودافع عنها، ونشرها وبذل كل شيء من أجلها بذل نفسه وماله ووقته، وضحى بكل شيء من
стр. 1070
أجلها أكرمه الله، وأنعم عليه، وأحسن إليه، جزاء على جهده العظيم في الدعوة إلى التوحيد والذب عنه.
ومن تلك النعم ووجوه الإكرام والإحسان التي أكرم الله بها إبراهيم ﷺ ما يلي:
أولًا: أن الله أتاه حسن الحجة على قومه وهداه إليها، وأوقف عقله على حقيقتها، وذلك من أشرف النعم كما فعل ذلك مع أبيه، ومع قومه، ومع ملك زمانه.
ثانيًا: أن الله خص إبراهيم ﷺ بالرفعة، والدرجات العالية في الدنيا والآخرة، وذلك بالعلم والنبوة والحكمة، والشرف والثواب العظيم في الدنيا وفي الجنة: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢].
ثالثًا: أن الله جعل إبراهيم ﷺ عزيزًا في الدنيا، لأنه جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله من بعده إلى يوم القيامة جزاءً له على القيام بنشر التوحيد والذب عنه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥].
رابعًا: أن الله جعل إبراهيم ﷺ في أشرف الأنساب، لأن الأنبياء بعده كلهم من ذريته وأخرجهم من أصلاب آباء طاهرين، مثل نوح، فاكتمل شرفه من
стр. 1071
جهة الآباء، ومن جهة الأولاد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾ [الحديد: ٢٦].
خامسًا: أن الله خص كل طائفة من طوائف الأنبياء من ذريته بنوع من الإكرام والفضل، كما قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٨].
ثم أمر نبيه محمداً ﷺ الذي هو من نسل إسماعيل ابن إبراهيم، وأمره بإتباع ملة إبراهيم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٨٩ - ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].
فجعل الله الملك والسلطان والقدرة، لسليمان وداود، فالملك والسلطان والقدرة أعطى الله سليمان وداود منها نصيبًا عظيمًا، والبلاء الشديد خص الله به أيوب ﷺ ، ومنهم من جمع بين الملك والسلطان، و الصبر على
стр. 1072
البلاء الشديد وهو يوسف ﷺ فإنه نال من البلاء الشديد في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر ثم تمنى الموت بعد ذلك فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
ومنهم من خصه الله بقوة المعجزات والمهابة العظيمة، والتقريب والتكريم العظيم، وذلك في حق موسى وهارون.
ومنهم من خصه الله بالزهد الشديد، والإعراض عن الدنيا، وترك مخالطة الخلق وذلك في حق زكريا ويحيى وعيسى واليأس، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ [الأنعام: ٨٥].
ثم جمع جميع صفات الأنبياء في سيد الأنبياء محمد ﷺ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
والأنبياء الذين لم يبق لهم بين الخلق أتباع وأشياع هم إسماعيل واليسع ويونس ولوط، فهذه مراتب الأنبياء من ذريته، وقد ذكرهم الله على الترتيب.
стр. 1073
٦ - الخزانة السادسة
• دلائل وحدانية الله :
الله خلق جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي، وفي عالم الغيب وعالم الشهادة، وفي الدنيا والآخرة، خلق جميع هذه المخلوقات شاهدة بوحدانيته، ومسبحة بحمده، وخاضعة لأمره، ومستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته، سبحانه هو الله الواحد القهار، ودلائل وحدانية الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، ففي كل ذرة، وفي كل كبير، وكل صغير، دليلٌ على وحدانية الله، ودليل على جمال وجلال أسمائه وصفاته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
ودلائل وحدانية الله بينها الله في الكون المنظور، والقرآن المسطور، وهذه الدلائل تدل على وجود الله أولًا، وعلى توحيده ثانيًا، وعلى تنزيهه عن الأنداد والأصنام، والمثيل والشبيه ثالثًا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
стр. 1074
وقد ذكر الله في هذه الآية العظيمة ثمانية دلائل على وحدانية الله ﷻ :
الأول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
خلق السماوات العظيمة وأعدادها وأفلاكها، وشمسها وقمرها ونجومها، وجريانها في الفلك واختلاف ألوانها وأحجامها ونورها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦].
الثاني: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
خلق الأرض وأعدادها واختلاف أشكالها وألوانها وسهولها وجبالها وبحارها وأنهارها ومعادنها وحيواناتها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثالث: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
اختلاف الليل والنهار، والذهاب والمجيء، والطول والقصر، والزيادة والنقصان، والظلام والنور والحرارة والبرودة، والمكان والزمان: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
الرابع: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
ففلك السماء اسم لأجواف سبعة، تجري فيها الكواكب، وفلك البحر السفينة سميت فلكًا، لأنها تدور في الماء أسهل دوران، وتحمل الناس والبضائع من بلد إلى بلد، وتجري في البحر كما تجري النجوم في الفضاء.
стр. 1075
والبحور التي خلقها الله في الأرض كثيرة، أكبرها المحيط الأطلسي، والمحيط الهادي، والمحيط الهندي، والمحيط المتجمد الشمالي، والمحيط المتجمد الجنوبي، ولها خلجان وبحور وبحيرات وطول وعرض وتصب فيها أنهار ومخلوقات لا يحصيها إلا الله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
الخامس: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الجاثية: ٥].
فنزول الماء من السماء آية، وجريانه في الأنهار آية، وحصول النباتات والزروع بسببه آية، وحياة الإنسان والبهائم به آية، وحلاوته ومرارته آية: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
السادس: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤].
فكل ما يدب على وجه الأرض من أنواع الأحياء من الآدميين، والحيوانات، والطيور، والحشرات وغيرها تدل على وحدانية الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
السابع: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة: ١٦٤].
فتصريف الرياح آية، وإرسالها آية، وقوتها وضعفها آية، ونفع الإنسان والحيوان والنبات بها آية.
стр. 1076
الثامن: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤].
فهذا السحاب فيه آيات عظيمة متكررة، هذا السحاب المسخر بين السماء والأرض الذي يسير في الفضاء يحمل الماء، ويسقي الخلق في أماكنهم بمقدار.
فهذه الآيات الثمان العظيمة تدل على وحدانية الله، وعلى كمال قدرته على الخلق والإتقان، وتدل على وحدانية الله ووجوب حمده وشكره وعبادته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
• فقه كلمة التوحيد:
في تقديم النفي على الإثبات في كلمة التوحيد، "أشهد أن لا اله إلا الله" حكم وأسرار:
الحكمة الأولى: أن نفي الربوبية عن غير الله، ثم إثباتها لله وحده لا شريك له آكد في الإثبات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الثانية: أن لكل إنسان قلبًا واحداً لا يتسع لشيئين مرة واحدة، فإذا شغل بواحد لن يتسع للثاني، فلا اله إلا الله، (لا إله) إخراج لكل ما سوى الله من القلب، فإذا خلا عن كل ما سوى الله، ثم حضر فيه سلطان (إلا الله)، أشرق نوره وكمل لمعانه في القلب.
стр. 1077
الثالثة: كما أن الطهارة مقدمة على الصلاة، والاستعاذة مقدمة على تلاوة القرآن، ونظافة البيت مقدمة على استقبال الضيف، فكذا لا إله لتنظيف القلب من غير الله، وإلا الله، جلاء الأنوار عن حضرة الملك الجبار، فالأول انفصال عما سوى الحق، والثاني اتصال بالحق، ورؤية الحق: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والناس في قول هذه الكلمة (أشهد أن لا اله إلا الله) مراتب وطبقات:
فأدناها: من قال لا إله إلا الله بلسانه، فهذا يحقن دمه، ويحرز ماله، وهذه درجة يشترك فيها المؤمن والمنافق، فمن نطق بهذه الكلمة نال بركتها، فإن طلب بها الدنيا نال بها الأمن والسلامة، وإن قصد بها الآخرة جمع بين الحظين، وأحرز بها السعادة في الدارين.
الطبقة الثانية: هي القول باللسان مع الاعتقاد بالقلب على سبيل التقليد لا العلم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
الطبقة الثالثة: الذين ضموا إلى الاعتقاد بالقلب معرفة الدلائل الإقناعية، لكن لم يبلغوا درجة اليقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
الطبقة الرابعة: الذين أكدوا تلك العقائد بالدلائل القطعية، إلا أنهم لم يكونوا من أرباب المشاهدات، ولا من أصحاب التجلي، فإن أعلى مقامات العبد بين يدي ربه أن يعبد الله كأنه يراهن، فإن لم يكن يراه فإنه يراه.
стр. 1078
وهؤلاء قلة في الخلق، كما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإحسان فقال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». متفق عليه (١).
الطبقة الخامسة: أصحاب المجاهدات والمكاشفات، وعوالم المكاشفات لا نهاية لها، لأنها عبارة عن سفر العقل في مقامات جلال الله، ومدارج عظمته، وعظيم كبريائه، فهؤلاء كلما أظلمت عليهم سماء القلوب بسحاب الشهوات، سنح فيها لوائح الكشف والقرب، فرأت ربها بنوره الذي أشرقت له الظلمات، وتوالت عليها أنوار التجلي من غير انقطاع.
والقلب إذا امتلأ بأنوار التجلي استمر نهاره، وأشرقت أنواره: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
فهذه القلوب ترى ربها ببصائرها متجليًا بعظمته وجلاله وكبريائه، تراه ربًا عظيما له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وهذا المقام أعلى مقامات العلماء الربانيين، فلما كان في نهاية العلو كان الفتور فيه من أعظم الذنوب، وأصحابه أقل الناس في الناس، فدأبهم دوام الاستغفار، لمعرفتهم بالعظيم الجبار، وما يجب له، ورؤية تقصيرهم في العلم والعمل الذي لا يغسله إلا الاستغفار: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
стр. 1079
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ولهذا كان النبي ﷺ يستغفر الله في المجلس الواحد سبعين مرة، وفي رواية «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» أخرجه مسلم (١).
• كلمة التوحيد معرفة إقرار وتسليم وإذعان.
البر هو التوحيد، فمن توجه إلى كعبة التوحيد، فهو من أهل التوحيد، ومن توجه إلى الجهات الأخرى، وانشغل بها عن ربه، فليس من أهل التوحيد: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
فلا إله إلا الله أفضل الأذكار، وافضل الأدعية، وأفضل الأعمال، وهي مفزع الخلق كلهم، فالعدو لما جاءته المحنة، فزع إلى هذا الذكر، والولي لما جاءته المحنة فزع إلى هذا الذكر، أما العدو فهو فرعون لما قارب الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠].
فقال الله : ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١].
стр. 1080
فلم يقبل إيمانه، لأنه في غير وقته، أما الولي فهو يونس ﷺ حيث قالها في الظلمات، في ظلمة البحر، في ظلمة الليل، وفي ظلمة بطن الحوت: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
فاستجاب الله ليونس ﷺ لسبق معرفته بلا إله إلا الله، ولم يقبل من فرعون لعدم سبق معرفته بها، وعدم اعتقادها، وفرعون قالها لا للعبودية، بل لخلاص نفسه من الغرق، وأما يونس فقد قالها انكسارًا لربه، واعتذاراً إليه.
стр. 1081
٧ - الخزانة السابعة
• أقسام التوحيد:
التوحيد الذي أمر الله به قسمان:
الأول: توحيد الرب بأسمائه وصفاته وأفعاله، فهذا توحيد الرب بأفعاله.
الثاني: توحيد الله بأفعال العباد، فهذا توحيد الألوهية والعبادة، وكل آية في القرآن متضمنة للتوحيد بنوعيه، شاهدة لله به، وداعية إليه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والقرآن العظيم كتاب التوحيد والإيمان، والفضائل والأحكام.
فالقرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهذا هو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة الله في أمره ونهيه، فهذه حقوق التوحيد ومكملاته، فإن من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه وشرعه، فلابد أن يطيعه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته في الدنيا والآخرة، فهذا جزاء أهل توحيده والإيمان به: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
стр. 1082
وإما خبرٌ عن أهل الشرك، وعقابهم في الدنيا والآخرة فهذا جزاء من خرج عن حكم التوحيد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
فالقرآن كله في التوحيد وتقريره، وحقوقه وجزائه، وفي شأن أهل الشرك وجزائهم، وفي شأن أهل التوحيد وأعمالهم وجزائهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
التوحيد هو الإيمان بالله وحده لا شريك له، ومعنى وحدت الله جعلته منفردًا عمن يشاركه أو يشبهه في أسمائه وصفاته وأفعاله، فلا نظير له ولا شبيه له، فهو سبحانه الواحد الأحد، المنفرد عن الأنداد والأشكال، في جميع الأحوال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فهو الحي الذي ليس كمثله شيءٌ في الحياة، وهو القوي الذي ليس كمثله شيء في القوة، وهو العليم الذي ليس كمثله شيء في العلم.
فالتوحيد الواجب على العبد الإقرار بالقلب واللسان بأن الله رب كل شيء ومليكه، وله وحده الخلق والأمر، وله الملك، وله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى والمثل الأعلى، وأنه الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، فلا إله غيره، ولا رب سواه ولا شريك له: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
стр. 1083
ثم إفراده بالعبادة وإخلاص الدين له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
والتوحيد هو أن توحد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحده بالعبادة، فتعبده وحده لا شريك له، وتجتنب عبادة ما سواه، ويسمى التوحيد علم العقيدة، والعقيدة هي عقد القلب على تصديق خبر الرب، وتنفيذ أمره، والإيمان به إيماناً لا يقبل الشك، مع الثبات عليه إلى الممات.
فالعقيدة عقد القلب على تصديق خبر الرب، والاستعداد لتنفيذ أوامر الرب: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
• فالتوحيد قسمان:
توحيد الربوبية .. وتوحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية يسمى توحيد العبادة، وتوحيد الغاية، وتوحيد القصد والطلب، وتوحيد الشرع والقدر، وتوحيد الإرادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وسمي التوحيد الإرادة، لأنه توافقت إرادة العبد مع إرادة الرب الكونية، ومع إرادة الله الشرعية، ويسمى توحيد القدر والشرع، لأن العبد لا يسلم إلا بالإيمان بالقدر، والعمل بالشرع.
أما توحيد الربوبية فيسمى توحيد الوسيلة، وتوحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية وسيلةٌ لتوحيد العبادة، فأنا أعبد الله ، لأنه الخالق لكل شيء الذي بيده كل
стр. 1084
شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فجاء توحيد العبودية بعد معرفة توحيد الربوبية.
والله خلق كل موجود من غير موجود، ووهب له الحياة، وأعطاه القدرة على إنجاب مثله، كسائر أنواع النبات والحيوان، أما الإنسان فإن الله أكرمه بأن يوجد معدومًا من موجود، كما صنع السيارة من الحديد، ويوجد الإنسان معدومًا، ويظل جامدًا على الإيجاد، فلا حياة له، ولا نماء، فالله أحسن الخالقين، فتبارك الله أحسن الخالقين: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
• قوة كلمة التوحيد:
كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " كلمةٌ عظيمة، لو وضعت السماوات والأرض وما فيهن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله، ولو كانت السماوات والأرض حلقةً مفرغة، لفصمتهنً لا إله إلا الله.
فشهادة التوحيد هي التصديق والإقرار بلا إله إلا الله، وذلك يقتضي القيام بحقوقها، وهي أداء شرائع الإسلام بالتصديق بالأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فالله بعث رسوله محمدًا ﷺ إلى الكفار والمشركين في مكة، ودعاهم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله، ويشهدوا أنه رسول الله، فإذا قالوها
стр. 1085
عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره الله أن يأمرهم بالصلاة، ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالهجرة إلى المدينة.
فأمرهم فهاجروا فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره الله أن يأخذ من أموالهم صدقةً يطهرهم بها فأمرهم ففعلوا، ووالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا زكاتهم.
فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم، ويشهدوا كشهادتهم، ويصلوا صلاتهم، ويؤدوا زكاتهم، ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا زكاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتالهم.
فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره الله أن يأمر الناس بالطواف بالبيت تعبدًا، وأن يحلقوا رؤوسهم لله تذللًا، ففعلوا فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا زكاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم وأبناءهم.
فلما علم الله الصدق في كل ذلك من قلوبهم، وتابع عليهم شرائع الإسلام وحدوده، فقبلوا ذلك، ورضوا به، وفعلوه، وقاموا بامتثال كل ما أمرهم الله به، ونهاهم عنه، أنزل الله قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
стр. 1086
فكانوا خير أمةٍ أخرجت للناس، توحيدًا وإيمانًا، وعبادةً ودعوةً، وتعليمًا وأخلاقًا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وهؤلاء هم القرن الأول، أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فإنهم على الهدي المستقيم، أولئك أصحاب محمدٍ ﷺ أكمل الناس توحيدًا وإيمانًا، وبذلاً وعطاءً ومجاهدة وتضحيةً، وهجرةً ونصرةً، وقيامًا بهذا الدين، فرضي الله عنهم أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
• الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية:
أن توحيد الربوبية هو توحيد الرب بأسمائه وصفاته، وهو توحيد الرب بأفعاله، وهو متضمنٌ للإقرار بوجوده: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
فمن أنكر وجود الله فهو أسفه الخلق كلهم.
أما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، ويسمى باعتبار إضافته إلى الله بتوحيد الألوهية، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بتوحيد العبادة، وتوحيد القصد، وتوحيد العمل، وتوحيد الإرادة، وتوحيد الله بأفعال العباد.
стр. 1087
وتوحيد الربوبية مستلزمٌ لتوحيد الألوهية، لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له.
وتوحيد الألوهية متضمنٌ لتوحيد الربوبية، فكل من عبد الله لابد أن يكون قد عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقد ذكرهما الله في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
فالحمد عبادة موجهةٌ للرب الذي يربي العالمين، والتوحيد أصفى شيء، وأنقى شيء كالثوب الأبيض، كل شيءٍ يؤثر فيه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
وللتوحيد نواقض كما أن للوضوء نواقض، وللصلوات نواقض، ونواقض التوحيد هي الأمور التي تخرج العبد من الدين بالكلية، فيكون كافرًا مرتدًا عن دين الإسلام.
стр. 1088
٨ - الخزانة الثامنة
• نواقض التوحيد:
نواقض التوحيد كثيرة ويجمعها ثلاثة أمور:
الكفر الأكبر
والشرك الأكبر
والنفاق الأكبر.
أما منقصات التوحيد: وهي الأمور التي تنافي كمال التوحيد، ولا تنقضه بالكلية، فإذا وُجدت قدحت في كمال التوحيد وكمال الإيمان، ولم تخرج العبد من الإسلام، وهي كل معصية لا تصل إلى درجة الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر، ومن أهمها وسائل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والنفاق الأصغر، والبدع.
فالشرك الأكبر هو أن يتخذ العبد ندًا لله، يسويه به في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
والشرك أعظم ذنبٍ عُصِي الله به، فهو أكبر الكبائر، وأعظم الظلم، وأقبح القبائح وأنجسها، لأن الشرك صرف خالص حق الله تعالى وهو العبادة لغيره، أو وصف أحدٍ من خلقه بشيءٍ من صفاته التي اختص بها ﷻ ، ولهذا لا يغفره الله لمن مات، ولم يتب منه، لشدة شناعته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦].
стр. 1089
• عقوبات الشرك بالله:
الشرك ظلم عظيم وعقوباته عظيمة، أهمها:
أولًا: أن الله لا يغفره إذا مات صاحبه عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
ثانيًا: أن صاحبه حلال الدم والمال، خارجٌ من ملة الإسلام: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وهؤلاء الموجب لقتالهم هو كفرهم وشركهم وإصرارهم على ذلك.
ثالثًا: أن الله لا يقبل من المشركين عملًا، وما عملوا من عملٍ يكون هباءً منثورا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
وهذا الشرك محبطٌ لكل عمل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
رابعًا: أنه يحرم على المشرك أن يتزوج بمسلمة، لأنها أعلى منه في توحيدها وإيمانها، ويحرم على المسلم أن يتزوج بمشركة لأنها نجسة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ [البقرة: ٢٢١].
стр. 1090
خامسًا: إذا مات المشرك فلا يُغسّل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يوارى بثيابه في أي حفرةٍ لئلا يؤذي الناس برائحته.
سادسًا: أن المشرك لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث المشرك، كما قال النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» أخرجه مسلم (١).
سابعًا: أنه يحرم على المشرك دخول الجنة، وهو مخلدٌ في النار يوم القيامة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
• أقسام الشرك الأكبر:
ينقسم الشرك الأكبر إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الشرك في الربوبية. وهو أن يجعل الإنسان لله شريكًا معه في الملك والتدبير والخلق والرزق ونحو ذلك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٤].
ومن صور هذا الشرك شرك النصارى الذين يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
وشرك المجوس الذين يسندون حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، ومنه شرك القدرية الذين يقولون إن العبد يخلق أفعاله، ومنه شرك غلاة الصوفية والرافضة وغيرهم من عباد القبور الذين يعتقدون أن أرواح الأموات تقضي الحاجات، وتفرج الكربات: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ