← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والعقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وبعد ذلك، فمن آثر الهداية، ورغب فيها، وطلبها، وعمل بأسبابها، وجاهد في سبيل تحصيلها، هداه الله إليها، وأعانه على تحصيلها وتكميلها، وهذا من رحمة الله بعباده، وفضله عليهم، وإحسانه إليهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ومن أثر الضلالة، ورغب فيها، وطلبها، وعمل بأسبابها، تمت له، وولاه الله ما تولى، ولم يجد من الله صارفًا عنها، وهذا عدل الله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. فقه القدر: الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، هو الركن السادس من أركان الإيمان التي ذكرها النبي ﷺ في حديث جبريل حين سأله فقال: ما الأيمان؟ قال: «الإِيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» أخرجه مسلم (١). وقضاء الله وقدره كله خير ورحمة، وحكمة وإحسان، والقضاء يوصف بالخير والشر بالنسبة إلينا، فما قدره الله لنا، أو قدره علينا، فيه خير وشر، وحلو ومر؛ لأن أفعال الله كلها حكمة، ورحمة، وخير، بل أفعاله كلها أخير من غيرها: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨].

стр. 982

فأثر قدر الله علينا بالنسبة إلينا: منه ما هو حلو: من الصحة، والسلامة، والرزق، والأولاد. ومنه ما هو مر: من الأمراض، والمصائب وهلاك الأموال، والأولاد. وكل ذلك من الله خير وحكمة، فالله خلق الملائكة لحكمة، وخلق إبليس لحكمة، وأعطانا لحكمة، ومنعنا أمورًا لحكمة، فالخير كله بيديه، والشر ليس إليه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] ولا يسلم توحيد العبد إلا باتقاء الشركين: الشرك الأكبر والشرك الأصغر. ومن تساهل في الأصغر جره الشيطان إلى الأكبر: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. ومن أعظم الأشياء التي تخرم الإيمان عدم الرضا بالقدر خيره وشره، سواء وقع عليه، أو وقع على غيره، فالناس يتقلبون في أقدار الله من الغنى والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف، والربح والخسارة ونحو ذلك. • فقه الابتلاء: الناس عبيد لله ابتلاهم بأمرين: أحدهما: التكليف، وهي الأوامر الشرعية. الثاني: التقدير، وهو الأقدار الإلهية. قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

стр. 983

(١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. فكل إنسان مبتلى بأمرين: بالتكليف والتقدير. فالتكليف: يكون بالأمر والنهي. والتقدير: هو ما يجري على الإنسان من محبوب أو مكروه. والله يوصينا في القرآن كثيرًا بالتقوى والصبر، فالتقوى متعلقة بالابتلاء بامتثال أوامر الله، والصبر متعلقُ بالابتلاء بالقدر: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠]. وقال : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. فالمسلم مكلف بأمرين: الأول: أفعال الله فيه، وهي القدر، والمطلوب منه الصبر والرضا والحمد. الثاني: أوامر الله له، وهي التكليف، والمطلوب منه التقوى، وهي امتثال الأمر، واجتناب النهي، وهذان شقا التكليف، والابتلاء امتثال الأمر، والصبر على القدر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. فالله خلق الإنسان للابتلاء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].

стр. 984

إما عملًا بالتكليف وهو الأمر والنهي، أو عملًا أمام التقدير بالصبر والرضا، فالإنسان في كل حال مبتلى؛ إما بالتكليف، أو مبتلى بالتقدير الذي يجري عليه، والتقدير من الله حلو ومر، والهلكة من الله حلو ومر، والهلكة بالحلو أكثر من المر كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧]. فمن آمن بالقدر، رضي عن الله، ورضي الله عنه، ورضي بما قسم الله له، ولم يتمنى إلا ما قدر الله له من حلو ومر: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. فالناس مبتلون بالتكاليف وهي الأوامر والنواهي، كما هم مبتلون بالمقادير حلوها ومرها، والواجب تقوى الله في التكاليف، والصبر على المقادير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. فالواجب تقوى الله في التكاليف، والصبر على المقادير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. فإن قدر الله لك نعمة، فاشكر الله ولا تتمرد، وإن قدر الله عليك مصيبة فاصبر ولا تتسخط، فهذا عطاء، وهذا عطاء، والله يربي عباده بالسراء والضراء، وعلى العبد الرضا بهذا وهذا: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].

стр. 985

وهو سبحانه الحليم الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧]. والمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. فلا بد للناس من الابتلاء ليتبين الصادق من الكاذب، والابتلاء يكون بالمحبوب والمكروه، وبالحلو والمر، وبالعطاء والمنع: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. وعلم الله سابق على كل شيء قبل وقوعه، ولكن الله يظهره ليطابق لما كتبه في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].

стр. 986

٦ - الخزانة السادسة • فضل الله، وعدل الله: الله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: فمتى علم الله في قلب الإنسان خيرًا آتاه الخير، كما قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ [الأنفال: ٧٠]. ومن علم الله في قلبه الشر وكله إلى نفسه، وحال بينه وبين الخير، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥]. فمن اهتدى زاده الله هدى، ومن زاغ أزاغ الله قلبه، وحرمه مما ينفعه عقوبة له: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦]. فالله يعطي الفضل لمن شاء بسبب: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]

стр. 987

وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحج: ٥٤]. فالله يعطي الفضل لمن شاء من عباده بسبب، ويحرمه من شاء بسبب: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. فالله حكيم عليم يضع الشيء في موضعه، ويعطي الفضل من يستحقه، ويحرمه من لا يستحقه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. اعتراضات الخلق: اعتراضات الخلق ثلاثة أنواع: الأول: اعتراض بعض الناس على أسماء الله وصفاته بالشبه الباطلة، فالعاصم من ذلك كله التسليم للوحي الذي يرى به العبد الحق صريحًا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢] الثاني: اعتراض بعض الخلق على شرع الله وأمره، في العقيدة والأحكام. الثالث: الاعتراض على أفعال الله، وقضائه وقدره. وهذا اعتراض الجهال والسفهاء، وهو أنواع: أحدهما: كاعتراض المشركين على اختيار نبينا محمد ﷺ في قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١].

стр. 988

رد الله عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢]. الثاني: واعتراض اليهود على أنه ليس منهم. الثالث: الاعتراض على ما قضاه الله وقدره من النعم والمصائب. والعاصم من ذلك كله التسليم لمن آمنا به بكل شيء، بتصديق أخباره، وتنفيذ أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١]. والإنسان إذا فعل ما يستطيع مما أُمر ببذله أو فعله، وأخلفت الأمور فلم يتم ما أراد، فهذا الإنسان يفوض الأمر إلى الله الذي يفعل ما يشاء بحكمته ولا يختار لعبده إلا ما هو أصلح له في الدنيا و الآخرة، وهذا مأجور على فعل ما يقدر عليه، وفيما قدره الله حكمة ورحمة وإحسان.

стр. 989

فإذا بذل الإنسان الجهد، واستعان بالله، وسار الأمر على خلاف المطلوب ولم يتحقق ما يريد فلا يندم، ولا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فقد جرى ما قدر الله، ولو تفتح عمل الشيطان من الهم والحزن والضيق، وكم من إنسان كره وقوع شيء فصار في العاقبة خير له، كما قال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. وقال النبي ﷺ : «الْمُؤمن الْقوي خير وَأحب إِلَى الله من الْمُؤمن الضَّعِيف وفِي كل خير، احرص على مَا ينفعك، واستعن بِاللَّه وَلَا تعجز وَإِنْ أَصَابَك شَيْء فَلَا تقل لَو أَنِّي فعلت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِن قل قدر الله وَمَا شَاءَ فعل فَإِنْ لَو تفتح عمل الشَّيْطَان» أخرجه مسلم (١). • والاحتجاج بالقدر على قسمين: الأول: الاحتجاج بالقدر ممنوع ومحرمُ، إذا أراد الإنسان أن يستمر على معصية الله، ليدفع اللوم عن نفسه، فإن هذا من عمل الشيطان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١]. وقال الله : ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨]. فمن احتج بالقدر على ما يفعله من المعاصي فقد ظلم نفسه، وقال على الله غير الحق، فمثلًا كأن تقول لمن يتهاون بصلاة الجماعة صلي مع الجماعة، فيقول: لو هداني الله لصليت.

стр. 990

هذا ليس بصحيح؛ لأنه يحتج بالقدر، ليستمر في المعصية، وهذا لا يجوز، فإن الله أعطى الإنسان الخيار بأن يؤمن أو يكفر، أو يطيع ويعصي. قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ [الكهف: ٢٩]. الثاني: إذا وقع الإنسان في معصية، أو خطأ وتاب إلى الله وندم على ما فعل وقال: هذا شيء مقدر علي، ولكن أستغفر الله، وأتوب إليه. فهذا صحيح لا مانع منه، لأن الله كتب كل شيء: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٥٠]. وآدم ﷺ لما وقع في المعصية تاب إلى الله، فتاب الله عليه كما قال سبحانه عن أدم وحواء: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. فالله حكيمُ عليم، يقلب الأحوال على العباد، ليستخرج منهم العبودية في حال السراء، وفي حال الضراء، ليشكروه على النعم، ويصبروا على البلاء، والله يحب الصابرين، والله يحب الشاكرين. فالناس صنفان: قوي وضعيف .. وغني وفقير .. وصالح وفاسد .. ومسلم وكافر .. وطيب وخبيث .. ومبتلى ومعافى.

стр. 991

والقوة والضعف كلاهما يجري على العبد بقدر الله، فقد يكون الإنسان ضعيفًا في بدنه، أو ضعيفًا في عقله، أو ضعيفًا في ماله أو ضعيفًا في جاهه ونحو ذلك. وقد يكون الإنسان قويًا في كل ذلك، وكلاهما بمشيئة الله، فهو سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠]. والله حكيم عليم، بصير بالعباد، قد يجعل الإنسان ضعيفًا من وجه، لكنه قويًا عند الله من وجه أخر، يحبه الله لذلك ويكرمه، ويكون وجيهًا عنده في الدنيا والآخرة، وهذا هو المهم وهو المقصود. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أنه قال: مرَّ رجلٌ على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالسٍ: «مَا رَأَيُكَ في هَذَا» فقال هذا رجل من أشراف النَّاس، هذا والله حريٌّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفَّع، قال: فسكت رسول الله ﷺ ثم مرَّ رجُلٌ آخر، فقال له رسول الله ﷺ : «مَا رَأْيُكَ في هَذَا؟» فقال: يَا رسولَ الله، هذا من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب ألاّ ينكح، وإن شفع ألا يشفَّع، وإن قال لا يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ : «هذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْل هَذَا» أخرجه البخاري (١).

стр. 992

• فقه القدر الإلهي: القدر الإلهي نوعان: الأول: الأوامر الكونية التي يجريها الله في الكون، كالحياة، والموت والتصريف والتدبير، والتحريك والتسكين، والخلق والرزق، ونحو ذلك مما يجري في الكون، لنعلم به عظمة الله، وكمال قدرته، وسعة علمه، وعظيم إنعامه وإحسانه، فنطيعه ونعبده ولا نتعلق بأحد سواه، لما نراه من عظمة جلاله وجماله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وإذا علمتم ذلك، تعلقتم بالله، وتوجهتم إليه، وآمنتم به. الثاني: الأوامر الكونية المتعلقة بالإنسان، فالقدر الإلهي يجري على الإنسان بحسب إيمانه، وعمله الصالح، أو بحسب كفره، وعمله السيئ، فمن آمن وعمل صالحًا، أسعده الله في الدنيا، ثم تزداد سعادته عند الموت، ثم تزداد سعادته في القبر، ثم ينال كامل السعادة في الجنة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].

стр. 993

ومن كفر وعمل السيئات، شقي في الدنيا، ثم ازداد شقاؤه عند الموت، ثم يزداد عذابه في القبر، ثم ينال كامل العذاب في النار يوم القيامة: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. وقال عن الكفار: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. فيجري قدر الله على العبد من خير أو شر، أو نعمة أو نقمة، أو سعادة أو شقاوة، بحسب ما يصدر من الإنسان من عمل، فلكل إنسان من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة، بحسب ما يصدر منه من عمل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. فمن أحسن أحسن الله إليه، ومن أساء جنى على نفسه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦]. هكذا سنة الله في خلقه واحدة بواحدة: ﴿وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١]. فمن أطاع الله ورسوله، أكرمه الله في الدنيا بأكثر من ثلاثين كرامة ذكرها الله في القرآن، وذكرها النبي ﷺ في السنة. وأكرمه في الآخرة كذلك بأكثر من ثلاثين كرامة، ذكرها الله في القرآن وذكرها النبي ﷺ ، في السنة.

стр. 994

ومن عصى الله ورسوله، عاقبه في الدنيا بأكثر من ثلاثين عقوبة، ليعود إلى ربه، قد ذكرها الله في القرآن، وذكرها النبي ﷺ في سنته. وعاقبه في الآخرة بأكثر من ثلاثين عقوبة، ذكرها الله في القرآن، وذكرها النبي ﷺ في السنة. فكل قدر يجريه الله على الناس فإنما هو حسب ما يصدر منهم من خير أو شر، أو طاعة أو معصية، ولكن أكثر الناس لا يعلمون سر هذه الأقدار، ولهذا تجدهم يتوجهون إلى المخلوق في حلها، والحقيقة أن حلها بأيديهم، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ [الرعد: ١١]. يغيروا الشرك بالتوحيد، والكفر بالإيمان، والمعصية بالطاعة، والإساءة بالإحسان فيغير الله أحوالهم إلى خير، والعكس بالعكس: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣]. • كرامات المؤمن في الدنيا والأخرة: كرامات المؤمن في الدنيا كثيرة منها: الحياة الطيبة .. معية الله .. محبة الله له .. النصر، والأمن .. الخلافة في الأرض .. ولاية الله له، والطمأنينة .. حصول الهداية، وعدم الضلالة .. مغفرة الذنوب، وقبول الله لتوبته .. النجاة من الهلاك، والفوز بكل خير .. رحمة الله له، والفلاح، وحصول الرزق .. التيسير في الأمور، والدفاع عن المؤمن .. مضاعفة الثواب على الطاعات .. تثبيت الله وملائكته له ..

стр. 995

استجابة الله لدعائه .. رضا الله عنه، والأمن والطمأنينة عند الموت، وغير ذلك من الكرامات. أما كرامات المؤمن في الآخرة فكثيرة منها: دخول الجنة، وسماع كلام الله ، ورضوان الله على المؤمنين، ورضاه عنهم ورؤيتهم له، والقرب من الله ، والسلامة من الآفات، وملك القصور العظيمة، والخلود في الجنة، والأمن، والزوجات الطاهرات، والحور الحسان، والطعام اللذيذ بأنواعه، والشراب بأنواعه، والأنهار الجارية بأنواعها، والعيون بأنواعها، وغناء الحور العين وغيرها من الكرامات التي تزيد على ثلاثين كرامة. أما عقوبات الله للكافر في الدنيا فكثيرة منها: من أعرض عن دين الله عاقبه الله بالمعيشة الضنك، وعاقبه الله بقارعة قبل يوم القيامة، والعذاب الكبير لمن ظلم، ومن زاغ عن الدين أزاغ الله قلبه، ومن عادى أولياء الله حاربه الله، ومن عمل سوءاً جزاه الله به، ومن كفر غضب الله عليه وأدخله النار. أما عقوبات الكافر في الأخرة فكثيرة منه: دخول النار، والخلود في النار، والعذاب العظيم، والعذاب الشديد، والعذاب الأليم، والعذاب الكبير، والذل والإهانة، والطعام الكريه، والماء الحار، وسخط الرب، ولعنته وغير ذلك من العقوبات التي تزيد على ثلاثين عقوبة. نسأل الله السلامة والنجاة في الدنيا والأخرة. وغير ذلك من الكرامات والعقوبات، في الدنيا والآخرة، وكلها مذكورة في القرآن والسنة.

стр. 996

٧ - الخزانة السابعة فقه الإيمان بالقضاء والقدر: هل الإنسان مخير أو مسير؟. الله خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، والإنسان خلقه الله مسيرًا في أشياء، ومخيرًا في أشياء، فالإنسان مسير لا خيار له في خلقه ولونه، ونوعه، وطوله، وعرضه، وحركته: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]. هذه الأمور لا يحاسب عليها العبد، لأنها من فعل الله به. والإنسان مخيرُ في توجيه الحركة إلى خير أو شر، إلى إيمان أو كفر، إلى طاعة أو معصية، وهذه الأفعال هي التي يحاسب عليها العبد: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. والإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان التي يجب على العبد أن يؤمن بها ليكمل له الإيمان. لأن الإيمان ثلاث درجات: إيمان موجود .. وإيمانٍ مفقود .. وإيمانٍ مطلوب. والإيمان المطلوب: هو أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. والإيمان الموجود هو ما عرفه المؤمن، والإيمان المفقود هو ما جهله المؤمن.

стр. 997

فالإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان. ووجود الأمر والنهي في الشريعة، دليل على أن الإنسان مخير، يفعل ما يريد، ويترك ما يريد، فلا معنى للأمر والنهي إلا إذا كان الإنسان قادرًا على الفعل أو الترك، على الطاعة أو المعصية. ومن قال إن الإنسان مجبور على أفعاله من الله، فهو جاهل بالشرع، بل خلق الله الإنسان مخيرًا، قادرًا على الفعل أو الترك، مهيأ للطاعة أو المعصية، قادرًا على الكلام والسكوت، قادرًا على الضحك والبكاء، قادرًا على الحركة والسكون: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. ولولا الاختيار الذي أعطاه الله للإنسان، لبطل أمر التكليف، وأمر الثواب والعقاب، فالإنسان في حركته مخير: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ [المزمل: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١]. فمن رأى من الخلق أنه مسيرًا لا مخير، فهو جاهل وكاذب وسفيه، قال على الله غير الحق: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ

стр. 998

عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام: ١٤٨]. فالإنسان مخير في حركته، واختياره ما شاء لا مسير: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ الإنسان: [الإنسان: ٢ - ٣]. فالإنسان مخير بدليل قرآني، ودليلِ واقعي، ودليلِ حسي، فمن أراد الهداية وطلبها أعانه الله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣] ومن أراد الضلالة، لأنه مخير أذن الله له بذلك، والذي أراد الهدى أعانه الله، وإذا عزي الإضلال إلى الله، فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، إذا عُزي الإضلال إلى الله، فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال العبد الاختياري، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ

стр. 999

قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٨٨ - ٩١]. ومشيئة الله فوق مشيئة العبد، ولا يقع شيء في الكون إلا بإذنه سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩]. وما يفعله العبد يتحمل هو تبعة عمله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]. والله لو شاء أن يُجبر العباد على شيء، لأجبرهم على الهدى؛ لأنه حكيم رحيم بعباده، رءوف رحيم، ولكنه ترك الإنسان مخيرًا، إن شاء أن يؤمن أو يكفر، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وزوده بالسمع والبصر والعقل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ [السجدة: ١٣]. فالذي كفر بالله لم يستعمل الطاقة التي أعطاه الله في معرفة الله بأسمائه وصفاته، وأفعاله ومعرفة الحق: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ومن جهل الإنسان بالله وأحكامه، أنه قد يعزو أخطاءه ومعاصيه إلى القضاء والقدر، وأما فضائله فيعزوها إلى نفسه، فيقول ربحت ونجحت، ونجوت وتفوقت، فالسلبيات يعزوها إلى الله، والإيجابيات يعزوها إلى نفسه، إن الإنسان ظلوم كفار، وظلومُ جهول: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]

стр. 1000

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]. فقه القدر: الله كل إراداته خير، وأما مراداته، ففيها الخير والشر، وكل قضائه سبحانه خير، وأما مقضياته ففيها الخير والشر، والناس أوعية، منهم من يعلم الله تعالى في قلبه خيرًا فيوفقه، ومنهم من يعلم الله أن في قلبه شرًا فيخذله، وإذا أراد الله بعبده خيرًا فقهه في دينه، وأعطاه من العلم بشريعته ما لم يعطي أحداً من الناس: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤]. والفقه في الدين ليس هو العلم فقط، بل هو العلم، والعمل المقرون بالخشية، فالذي يحفظ أحكام الشريعة، ولا يعمل بها فهذا ليس بفقيه، ولكنه قارئ، لأن الفقيه هو الذي يعمل بما علم، مقرونًا بخشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣ - ٢]. وأهل الخشية هم: العلماء الربانيون، العلماء بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، فهؤلاء هم الذين يخشون الله ، لكمال معرفتهم بالله ودينه وشرعه، وهذه المعرفة سبب لخشية الله ﷻ ، ومن رزقه الله الخشية

стр. 1001

عُصم من الذنوب، وإن أذنب استغفر وتاب إلى الله ؛ لأنه يخشى الله ويخافه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. ومن رحمة الله بعبده أن هداه سبل معرفته، وأمره بالنظر في الآيات الكونية، والآيات الشرعية، ليعرف ربه الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. ومن رحمة الله بعبده، أنه إذا علق قلبه بمخلوق، خذله الله من جهته، فلم يقض ذلك المخلوق حاجته، ليعود إلى ربه؛ لأن الله يغار على عبده أن يتعلق بغيره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. فمن أعرض عن الله فهو يعيش في عذاب دائم في الدنيا والآخرة: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. ومن عرف ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله رضي عنه في كل ما يقدره عليه؛ لأن الله أرحم بالعبد من نفسه، لأن هذا الذي عرف ربه يعلم أن الله ما أراد به إلا خيرًا، ويعلم أن ما أراده الله لا بد أن يقع، وإرادة الله مقرونة بالقدرة المطلقة، والقدرة المطلقة مقرونة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة مقرونة بالخير المطلق: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. فكل ما قضاه الله وقدره، في الكون أو للإنسان كله حكمة ورحمة، وعدل، وإحسان، والخير كله بيد الله ، والشر كله ليس إليه: ﴿قُلِ

стр. 1002

اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦] فأفعال الله كلها خير، وإن رأى بعض الناس فيها شرًا، وذلك كخرق السفينة من الخضر، وقتل الغلام، وبناء الجدار. فظاهر فعل الخضر شر، لكن في باطنه كل خير، فالخير والشر يُنسب إلى العبد، أما فعل الله فكله خيرُ مطلق، فإذا كان الفعل بأمر الله كما حصل للخضر فكله خير، كما قال الخضر لموسى ﷺ : ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ [الكهف: ٧٨ - ٨٢]. فالله سبحانه خلق كل شيء؛ النور والظلام، والجنة والنار، والخير والشر، ولكن يُنسب الشر إلى فاعله، ولا يُنسب إلى الله أدبًا، كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠]. والإنسان مختار فيما يريد، والذي خيره الله بقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. ولو كان الإنسان مجبورًا على الطاعة أو المعصية لانتفت الحكمة من بعثة الأنبياء والرسل، فلماذا يرسل الله الأنبياء والرسل بالأوامر والنواهي؟، والناس مجبورون على الطاعة أو المعصية، هذا عبث، والله منزه عن

стр. 1003

العبث، لأنه الحكيم العليم بمصالح العباد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. والله سبحانه أمرنا ونهانا بأوامر نستطيع أن نفعلها فعلًا أو تركًا، ولم يكلفنا بما لا نستطيع، ولو كلفنا بما لا نستطيع لكان ظلمًا، والله منزه عن الظلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وإنما أرسل الله الرسل بما تستطيعه البشر: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]. • فقه الإيمان بالقدر: القدر: هو إيجاد الله للأشياء وفق علمه وإرادته خلقًا وأمرًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. وقال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]. والإيمان بالقضاء والقدر، من تمام الإيمان بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فالله رب كل شيء ومالكه وخالقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].

стр. 1004

فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه، وما أعظم أمره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فيجب على الإنسان أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فيؤمن الإنسان بذلك، ويؤمن بأن الله يعلم كل ما كان، وما يكون، وما سيكون من صغير وكبير، وخلقِ وأمر، ويؤمن بأن الله على كل شيء قدير، كل شيء أراده الله فلا بد أن يقع، وكل شيء وقع أراده الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]. ويرضى العبد ويُسَلم لكل ما قضاه الله وقدره، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠]. • مراتب الإيمان بالقدر: مراتب الإيمان بالقدر أربع، لا بد لكل إنسان من معرفتها واستحضارها في كل حال: الأولى: أن تؤمن بأن الله عالمُ بما كان وما يكون وما سيكون، من المخلوقات، والأحوال، والأوامر، والأشياء، وأن علم الله محيط بكل شيء: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]. فالله عالم بكل شيء قبل كونه، عالمُ بالمكان والزمان، وعالمُ بالعالم العلوي والعالم السفلي، وعالمُ بكل صغير وكبير، وعالمُ بكل قول أو فعل

стр. 1005

قبل كونه، وعالمُ بفعل العبد قبل أن يفعله، وعالمُ بقول العبد قبل أن يقوله، وعالمُ برزق العبد قبل أن يصل إليه، وعالمُ بموت الإنسان قبل أن يموت: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. والغيب ثلاثة أقسام: غيبُ كان .. وغيبُ يكون .. وغيبُ سيكون. والله وحده يعلم الغيب الماضي، والحاضر، والمستقبل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. فالله علمه محيط بكل شيء: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. وعلم الله بأقوال وأفعال العباد علم انكشاف، لا علم إجبار، لأن الله خلقهم مخيرين. المرتبة الثانية: أن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، فالله لما خلق القلم واللوح، قال للقلم اكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة، فكتب القلم كل شيء من المخلوقات، والأوامر، والأحوال، ومقادير الخلائق إلى أن تقوم الساعة.

стр. 1006

قال النبي ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ. فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ? قَالَ: اُكْتُبْ مَقَادِيْرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُوْمَ السَّاعَةُ» أخرجه أبو داود والترمذي (١). فلا يقع شيء في الكون إلا ما سبق بكتابته العلم الإلهي: قال النبي ﷺ : «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيْرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ؛ وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ» أخرجه مسلم (٢). فكل شيء كتبه الله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢]. وعلم الله مطلق لا بداية له، ولا نهاية، لكن كتب الله من علمه في اللوح المحفوظ ما يتعلق بالمخلوقات، والتدبيرات، وأفعال العباد. الثالثة: أن الله شاء كل شيء، فلا يحصل شيء إلا بإرادة الله سبحانه، فلا تسقط حبة إلا بأمر الله ، ولا تنتقل ذرة من مكان إلى مكان إلا بإرادة الله، ولا يتحرك شيء في الكون إلا بإرادة الله، ولا يموت أحد إلا بإرادة الله، ولا يفعل أحد شيئًا إلا بإرادة الله ومشيئته، فلا يقع في مُلك الله إلا ما يريده هو، لا ما يريد غيره: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ [آل عمران: ٤٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. الرابعة: أن الله خالق كل شيء قبل أن يخلق، ويظهر: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].

стр. 1007

وقال الله : ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]. فالله علم كل شيء قبل وقوعه، وكتبه، وشاءه، وخلقه، وأظهره كما كتبه في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٣] وقال الله : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. فسبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يريد في الدنيا والآخرة، وفي عالم الغيب والشهادة: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]. والله سبحانه أعطى كل إنسان القدرة على الفعل، وخلق الإنسان وصفاته وأفعاله، والفاعل الخير والشر هو الإنسان، وهو محاسب على الاختيار الذي أعطاه الله إياه: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. والإنسان مخير في الفعل والترك، له القدرة أن يجلس أو يمشي، وله إرادة أن يؤمن أو يكفر، وله قدرة أن يطيع أو يعصي: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].

стр. 1008

٨ - الخزانة الثامنة • أقسام القدر الإلهي: أقدار الله تنقسم إلى قسمين: أحدها: قدرُ مطلق مثبت؛ وهو ما في أم الكتاب اللوح، المحفوظ، الإمام المبين، فهذا لا يتبدل ولا يتغير ولا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له. الثاني: قدر معلق أو مقيد؛ وهو ما في صحف الملائكة، فهذا الذي يقع فيه المحو والإثبات، كما قال سبحانه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩] والقدر: الذي هو علم الله ومشيئته وكلامه غير مخلوق. وكذلك الشرع: الذي هو أمر الله ونهيه غير مخلوق لأنه كلامه. أما المقدرات: من الآجال، والأرزاق، والأعمال، والأحوال، فكلها مخلوقة، وكذا الأفعال المأمور بها والمنهي عنها كلها مخلوقة. فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع صفاتهم وأفعالهم مخلوقة: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. فعلى العبد أن يفعل ما أمره الله به، فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره فليتقبل قضاء الله بالرضا والطمأنينة والاستسلام؛ لأنه الأصل الذي كان مجهولًا له فكُشف الله عنه الستار: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وعلى العبد كذلك أن يستعين بالله في فعل ما أمره الله به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر، ينظر إلى

стр. 1009

القدر في المصائب لا في المعائب، فيصبر على المصائب، ويستغفر من المعائب: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. وهذان الأصلان يحصل بهما راحة القلب وطمأنينته لكل ما قدر الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]. وقد أمر الله بالاستعاذة بكلمات الله التامات كل من نزل منزلًا كما قال النبي ﷺ : «إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْه» أخرجه مسلم (١). وكلمات الله التي يُستعان بها نوعان: كلمات كونية .. وكلمات شرعية. والكلمات الكونية: هي التي كون الله بها الكائنات، لا يخرج عنها بَر ولا فاجر ولا أي مخلوق في الكون، فما من مُلك، ولا سلطان، ولا مال، ولا جمال، ولا علم، ولا حال، ولا تحريك، ولا تسكين، ولا تدبير، ولا تصريف إلا وهو واقع بمشيئة الله وقدرته وكلماته التامات. ولكن من ذلك ما هو محبوب لله مأمور به، ومنه ما هو مكروه لله منهي عنه، فسبحان من له الخلق والأمر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣]. والطاعات والمعاصي كلها واقعة بقضاء الله وقدره ومشيئته وإرادته، لكن الله يحب الطاعات ويأمر بها، ويكره المعاصي ويحذر منها.

стр. 1010

والقدر كما جرى بالمعصية جرى كذلك بعقابها، كما يقدر على العبد أمراضًا تُعقبه الألم، فالمرض بقدره، والألم بقدره، والعافية بقدره، فإذا قال العبد: قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب، كان بمنزلة قول المريض: قد تقدمت الإرادة بالمرض فلا أتألم ولا أتعالج. وهذا مع أنه جهل وسفه فإنه لا ينفع صاحبه، بل اعتلاله بالقدر ذنب ثانٍ يعاقب عليه؛ لأنه أذنب وكذب على الله، وإنما احتج بالقدر إبليس، وأما آدم فتاب، فتاب الله عليه. فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم ﷺ وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. ومن أراد الله شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها، فأبى واستكبر وكفر، كما قال سبحانه عن إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. فالقدر نؤمن به ولا نحتج به، ومن احتج بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولًا لقُبل من إبليس وغيره من العصاة، ولو كان القدر حجة للعباد على أفعالهم لم يعذب الله أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولو كان القدر حجة لم تقطع يد السارق، ولا قتل قاتل، ولا حُد شارب، ولا أقيم حد، ولا جاهد أحد في سبيل الله، ولا أمر بالمعروف أحد، ولا نهى عن المنكر أحد. والله سبحانه علم الأمور وكتبها على ما هي عليه. الله سبحانه عليمُ بكل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون؛ لأنه وحده عالم الغيب والشهادة، فالله سبحانه علم الأمور كلها وكتبها على ما هي عليه، فتقع كما شاء وكما أراد، فهو جل وعلا قد كتب أن فلانًا يؤمن

стр. 1011

ويعمل صالحًا، فيدخل الجنة، لكمال عِلمه السابق، وفلانًا يكفر ويعصي ويفسق، فيدخل النار لكمال عِلم الله به قبل أن يُخلق: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]. كما علم سبحانه أن فلانًا يتزوج فيأتيه ولد، ويأكل فيشبع، ويشرب فيروى، فمن ظن أنه يدخل الجنة بلا إيمان وعمل صالح كان ظنه فاسدًا وباطلًا، كمن اعتقد أنه يأتيه ولد بلا وطء، فالله قدر الأسباب والمسببات، وقد جعل الله لكل شيء سببًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. فللدنيا أسباب، وللجنة أسباب، وللنار أسباب، وللثواب أسباب، وللعقاب أسباب، والله سبحانه كتب أفعال العباد خيرها وشرها، وكتب ما يصيرون إليه من الشقاوة والسعادة؛ لكمال عِلمه بالشيء قبل وقوعه، لا أنه ألزم الناس به: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]. فالله خلق الناس مختارين، يؤمنون أو يكفرون، يطيعون أو يعصون، لكنه سبحانه جعل الأعمال سببًا للثواب والعقاب، وكتب ذلك وعلمه، كما كتب الأمراض وجعلها سببًا للآلام، وكما كتب أكل السم وجعله سببًا للموت، فالله قدر وكتب هذا وهذا؛ لأنه الذي أحاط وحده بكل شيء علمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢]. وكذلك من فعل ما نهى الله عنه من الكفر والمعاصي، فإنه يعمل ما كُتب الله عليه، وهو مستحق لما كتبه الله من الجزاء لمن عمل ذلك. فكل ما يجري في هذا الكون العظيم كائنُ بقضاء الله وقدره، وقد أمر الله أن نزيل الشر بالخير، والباطل بالحق بحسب الإمكان، فنزيل الكفر بالإيمان، ونزيل البدعة بالسنة بإذن الله، ونزيل المعصية بالطاعة، ونزيل السيئة بالحسنة.

стр. 1012

فيدفع المسلم ما قدره الله من الشر بما قدره الله من الخير مستعينًا بالله، كما يدفع المؤمن شر الكفار والفجار بالقوة ورباط الخيل، وكالدعاء والصدقة الذين يدفعان البلاء، وكالدواء الذي جعله الله سببًا للشفاء وهكذا. وما يكون من الشر جعله الله محنة لنا وابتلاءًا، والله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق والعصيان، بل أمرنا أن نكره ذلك، وندفعه بحسب الإمكان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. فندفع قدر الله بقدر الله وبما أمر الله، مع الصبر، والتوكل عليه، والاستعانة به في كل أمر، وهذا هو الابتلاء: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠]. والله ﵎ له الخلق والأمر، فهو الخالق لكل شيء ولكل ما يقع في هذا الكون، ولكل ما يقع للناس من أحوال، ولكل ما يقع من الناس من أعمال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فالناس يملكون بما أقدرهم الله عليه أن يتجهوا وأن يحاولوا، ولكن تحقق الفعل ووقوعه لا يكون إلا بإرادة من الله وقدر، فالإنسان قد يتجه ويحاول فعل الخير بالوسائل التي أرشد الله أنها تحقق الخير، ولكن تحقق الخير فعلًا يتم بإرادة الله وقدره فقط؛ لأنه ليست هناك قدرة غير قدرة الله تنشئ الأشياء والأحداث وتحقق ما يقع في هذا الكون العظيم من وقائع: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾ [الأنفال: ١٧].

стр. 1013

فإذًا يكون تحقق الخير بوسائله التي اتخذها الإنسان، وباتجاه الإنسان وجهده عملًا من أعمال القدرة الإلهية، فالله أقدره على الفعل فقدر، والله سدد رميته فأصاب. وكذلك الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء، ولكن وقوع السوء فعلًا لا يتم إلا بقدرة الله وقدر الله؛ لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأحداث والأشياء في هذا الكون غير قوة الله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس:/ ٣١ - ٣٢]. وفي الحالين يكون وجود الحدث هو تحققه من عند الله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨]. وكذلك الإنسان يسمع ويرى، ويعقل ويفهم، ويريد ويعمل ويحاسب على إرادته وعمله، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦]. أقسام الهداية: الهداية قسمان: الأولى: هداية الدلالة والإرشاد. الثانية: هداية التوفيق والإلهام. فهداية الدلالة والإرشاد: الله هدى عباده إلى معرفة توحيده، وعظمته، ونعمه وإحسانه، بالآيات الكونية، والآيات الشرعية، وكذلك الرسول ﷺ وأتباعه، قاموا بهداية الناس إلى الحق، كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا

стр. 1014

إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] أما هداية التوفيق والإلهام: فهي بيدِ الهادي وحده لا شريك له، كما أن الرزق بيد الرازق وحده ﷻ ، والعلم بيد العليم وحده، فكذلك الهداية بيدِ واحد، ومفتاح الهداية بيدِ واحد، والهدى هدى الله، فمن هداه الله فهو المهتدي حقًا، ومن أضله فهو الضال حقاً، الخاسر حقًا، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨]. وقال : ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧]. والله سبحانه يهدي من يجاهد لطلب الهداية، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وكذلك يُضل الله من يبغي الضلال لنفسه، ويعرض عن دلائل الهدى، وموجبات الإيمان، ويغلق قلبه وسمعه وبصره بما دونها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ومشيئة الله ﵎ التي يجري بها قدره في هذا الإنسان أنه خلق هذا الإنسان باستعداد مزدوج للهدى والضلال، والخير والشر، والطاعات والمعاصي.

стр. 1015

مع إيداع فطرته إدراك حقيقة الربوبية، والاتجاه إليها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. ومع إعطائه العقل المميز للضلال والهدى، ومع إرسال الرسل بالبينات لإيقاظ الفطرة إذا تعطلت، وهداية العقل إذا ضل. وكذلك اقتضت مشيئة الله أن يجري قدر الله بهداية من يجاهد للهدى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وأن يجري قدر الله كذلك بإضلال من لا يستخدم ما أودعه الله من عقل، وما أعطاه الله من أجهزة؛ كأجهزة الرؤية والسمع، في رؤية وإدراك الآيات التي بثها الله في صفحات الكون العظيم، والآيات الشرعية التي جاءت في القرآن الكريم. وفي كل الأحوال تتحقق مشيئة الله وحده، ولا يتحقق سواها، ويقع ما يقع بقدر الله لا بقوة سواه، وما كان شيء ليقع إلا يوقعه قدر الله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. وفي حدود هذا التقدير يتحرك الإنسان بنفسه، ويقع له ما يقع من الهدى والضلال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨]. وكثير من الجن والإنس مخلوقون لجهنم، وهم مهيئون لها، فما بالهم كذلك. هناك اعتباران: الأول: أن الله بعلمه الأزلي يعلم أن هؤلاء خلق صائرون إلى جهنم.

стр. 1016

الثاني: أن هذا العلم الأزلي بأحوال العباد ومصائرهم ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم، إنما هم: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا، وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية، ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات الله المتلوة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾ [ق: ٦ - ٧]. وقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. لقد عَطلوا هذه الأجهزة وعاشوا غافلين، فهم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام لها استعدادات فطرية تهديها؛ تقبل إذا دعيت، وتنزجر إذا زُجرت. أما الجن والإنس فقد زُودوا بالقلب الواعي، والعين المبصرة، والأذن السامعة، فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكلة إلى استعداداتها الفطرية الهادية: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. فكفار الجن والإنس كل حيوان بهيم أهدى منهم، وهم أضل منه سبيلًا، فما أضل هؤلاء في الدنيا، وما أخسرهم في الآخرة: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].

стр. 1017

٩ - الخزانة التاسعة • حكمة القدير في القدر: إن كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون العظيم مخلوقة للرب بقدر، مدبرة بحكمة، فلا شيء جزاف، ولا شيء عبث، ولا شيء مصادفة، ولا شيء ارتجال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠]. قدر من الله يحدد وجود هذا المخلوق، وقدر يحدد حقيقته، وقدر يحدد صفته، وقدر يحدد وظيفته، وقدر يحدد مقداره، وقدر يحدد عمره، وقدر يحدد مكانه، وقدر يحدد زمانه، وقدر يحدد ارتباطه بما حوله من الأشياء، وقدر يحدد تأثيره في كيان هذا الوجود العظيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. فسبحان ربك الحكيم العليم الذي قدر كل شيء، قدر في كل شيء من مخلوقاته قدر يحدد الأبعاد بين النجوم والكواكب، وأحجام المخلوقات وكتلها، وألوانها وصورها، ونموها وتكاثرها، وسيرها وحركتها: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. قدر يحدد وضع الأرض التي نعيش عليها، لتكون صالحة لنوع الحياة التي قدر الله أن نكون فيها، فحجم هذه الأرض، وبعدها عن الشمس، وكتلة الشمس، ودرجة حرارتها، وميل الأرض على محورها بهذا القدر، ودورة الفَلك، وبُعد الشمس والقمر عن الأرض، وتوزيع الماء واليابس في هذه الأرض، ومهاب الرياح على هذه الأرض، واختلاف الفصول على هذه

стр. 1018

الأرض، إلى آلاف من هذه النسب المقدرة تقديرًا دقيقًا، لو وقع الاختلال في أي منها لتبدل كل شيء: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. فسبحان العليم القدير الذي قدر هذه المقادير والأقدار: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]. والنسبة بين عوامل الحياة والبقاء، وعوامل الموت والفناء، في البيئة وفي طبيعة الأحياء من نبات، وحيوان، وإنسان، محفوظة دائمًا بالقدر الذي يسمح بنشأة الحياة وبقائها وامتدادها وانضباطها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فمثلًا الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد، قليلة التفريخ، ولا تعيش إلا في مناطق محدودة، وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار، ولو كانت مع عمرها الطويل كثيرة الفراخ تستطيع الحياة في كل موطن، لقضت على صغار الطيور وأفنتها على كثرتها، وكثرة تفريخها، أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة لطعام هذه الجوارح، وسواها من بني آدم، وللقيام بأدوارها الأخرى في هذه الأرض. فسبحان من خلق كل شيء وقدره تقديرًا: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]. وهكذا الماء موزون بأمر الله لو طغى لأفسد الأرض، ولو نقص لاختلت الحياة، ومات الأحياء من نبات وحيوان وإنسان: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. فلا إله الا الله، ما أعظم نعمه التي نسيها أكثر الخلق: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠].

стр. 1019

وكذلك الهواء موزون بأمر الله، لو زاد وصار عواصف قوية لدمر كل شيء، وما استطاع أن يعيش حي، ولو نقص لاختل وضع الحياة والأحياء: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧]. فقدر الله عام شامل لجميع المخلوقات، وكل ما خلقه الله في هذا الكون من المخلوقات وما يجري فيه من الأحوال، من الحركات والسكنات، والحياة والموت، والتغيير والتدبير. كل ذلك كائن بقدر الله القوي العزيز، تقديرًا في الزمان، وتقديرًا في المكان، وتقديرًا في المقدار، وتقديرًا في الأشكال، وتناسق مطلق بين جميع الكائنات والأحوال فسبحان الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣]. والله هو الملك الحق، الذي خلق الخلائق، وقدر المقادير، وكون الكائنات: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. فخلق كل شيء بقدر، وله حكمة معلومة للبشر، أو مطوية عنهم، فزواج يعقوب ﷺ من امرأة أخرى، هي أم يوسف وبنيامين، لم يكن حادثًا عارضًا، إنما كان قدرًا مقدورًا، ليحسد إخوة يوسف من غير أمه يوسف، ويأخذوه ويلقوه في الجُب، ليلتقطه بعض السيارة ثم يباع في مصر، لينشأ في قصر

стр. 1020

العزيز، لتراوده امرأة العزيز عن نفسه، ليستعلي على الإغراء، ليلقى في السجن، لماذا؟. ليلتقي في السجن مع خادمي الملك، ليفسر لهم الرؤيا، لماذا يتعذب يوسف هذا العذاب؟، ولماذا يتعذب يعقوب بفقد ابنه حتى عمي بصره؟، ولماذا يسام يوسف الطيب الزكي كل هذه الآلام والمتاعب؟، لماذا يمضي في هذا العذاب أكثر من ربع قرن؟؛ لأن الله يُعدَّه ليتولى أمر مصر وشعبها والشعوب المجاورة في سني القحط السبع، ثم ماذا؟ ليستقدم أبويه وإخوته إلى مصر، ليكون من نسلهم شعب بني إسرائيل، ليضطهدهم فرعون، لينشأ من بينهم موسى ﷺ ، وما صاحب حياته من تقدير وتدبير وظهور آيات الله التي غيرت مجرى العالم كله، وتغير بعد ذلك ملك فرعون، وأورث الله بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها. وزواج إبراهيم ﷺ جد يعقوب من هاجر المصرية بنت ملك المنوفية، لم يكن ذلك حادثًا شخصيًا عارضًا، إنما كان وما سبق في حياة إبراهيم ﷺ من أحداث، أدت إلى مغادرته موطنه في العراق، ومروره بمصر ليأخذ منها هاجر، لتلد له إسماعيل، ليسكن إسماعيل وأمه عند البيت المحرم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. لماذا؟ ليبلغ إسماعيل، ثم يتزوج ليكون من نسله محمد ﷺ ، ليكون من ذلك كله ذلك الحديث الأكبر، ببعثة محمد ﷺ رسولًا إلى البشرية كافة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨].
следующие страницы →