وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت يا ذا الجلال والإكرام.
• الأجواء الإيمانية منجية للعبد؛ لأنها تعنى بمعرفة الله، وطاعة الله ورسوله، ومعرفة الأعمال الصالحة، والدار الآخرة، والأجواء الغافلة مهلكة؛ لأنها تعنى بالتعلق بالمخلوق والدنيا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥].
وإذا عاش الإنسان في الجو الغافل لا يبالي الشيطان بصلاته ولا صومه ولا عبادته؛ لأنه لا روح فيها، ولا ثمرة لها، بل تزيد صاحبها غرورًا ونفورًا وبعدًا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
وإذا اقترن الشيطان بالإنسان ضل وأضل: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨].
والله هو الرحمن الرحيم الذي يربي عباده بالجو الإيماني، والشيطان يربي أتباعه بالجو الغافل.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
لهذا وجب علينا لزوم الجو الإيماني الذاكر والبعد عن الجو الغافل: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ
стр. 107
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
والأجواء العالمية الآن في العالم كله غافلة جاهلة يربي فيها الشيطان أتباعه على الظلم والفساد والرذيلة والشهوات: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].
فلابد من صناعة الأجواء الإيمانية، باختراق الأجواء الغافلة بالدعوة إلى الله؛ لتصبح الأجواء كلها مؤمنة ذاكرةٌ مطمئنةٌ، لا كافرة غافلة مضطربة: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وأكثر الناس استولى عليهم الشيطان، فأسر قلوبهم، وتحكم في حياتهم: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
ففي الجو الإيماني، جو الذكر والمواعظ، نتعلم التوحيد والإيمان، ونعرف قيمة الأعمال الصالحة و عمارة الدار الآخرة، وحسن الأخلاق وهذا الجو مرتع خصب للملائكة، وبه تحيى القلوب، وتغفر الذنوب، كَمَا قال ﷺ : «لَا
стр. 108
يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أخرجه مسلم (١).
ففي الجو الإيماني تحضر الملائكة، وتنفر الشياطين التي تسعى لتعطيل الأسماع والأبصار والأفئدة عن العبودية لله لتكون غافلة ضالة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وكما نضطر في حياتنا إلى مخالطة الناس في الأمور الكسبية، كذلك يجب علينا أن نخالطهم لننقلهم من الجو الغافل إلى الجو الذاكر بإذن الله، وننقلهم من الجو الكافر إلى الجو الإيماني، ومن جو الضلالة إلى جو الهداية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
стр. 109
٣ - الخزانة الثالثة
• كل الناس في الدنيا جنود وهؤلاء الجنود قسمان:
أحدهما: جنود الرحمن.
الثاني: وجنود الشيطان.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وكل الناس جنودٌ للشيطان إلا جنود الرحمن: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
فجنود الرحمن صفاتهم أربع كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
وجنود الشيطان صفاتهم أربع كما قال الله : ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨].
فمجالس الإيمان يحبها الله، وتحضرها الملائكة، ويربح فيها العبد، ومجالس الغفلة يُبغضها الله، ويخسر فيها الإنسان، وتحضرُ فيها الشياطين، وجميع أهل الغفلة أسرى للشياطين، يتحكمون في أفكارهم وأوقاتهم وأموالهم وأعمالهم؛ لأنهم سلموا أنفسهم لهم فأوقعوهم في
стр. 110
الخسران: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
وقد كتب الله الذلة والصغار والهوان على كل مَنْ خرج من جند الرحمن إلى جند الشيطان: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٧].
وكل مَنْ بخلَ بوقته ومالهِ ونفسهِ عن نصرة الحق أنفقَ أضعافهُ في الباطل، ودفعته الشياطين إلى كل شر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
فالمؤمن حقًا مَنْ فعل الخير، واجتنب الشر، ولزم أهل الذكر، وابتعد عن أهل الغفلة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
فالإيمان يزيد مع أهل الإيمان؛ لأنها سوق الطاعات سوقُ الأرباح، وينقص الإيمان في جو الغفلة؛ لأنها سوقُ المعاصي وسوقُ الخسران، وكل شيء في سوقه سهلٌ جدًا، وكل شيءٍ في غير سوقه صعبٌ جدًا، فالطاعات سهلةٌ
стр. 111
جدا في الجو الإيماني، والمعاصي صعبةٌ جدًا في الجو الإيماني: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
والمعاصي سهلةُ جدا في الجو الغافل، والطاعات صعبة جدًا في الجو الغافل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
لهذا أمرنا الله بلزوم سوق الإيمان والطاعات؛ لأنه سوق الأرباح، كما قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
ولابد من التعاون على إقامة سوق الإيمان والطاعات؛ لتسهل علينا الطاعات وتكره نفوسنا المعاصي، وتحصل لنا ولغيرنا الهداية.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 112
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
ففي الجو الإيماني لن يُفلسَ المرء أبدًا، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وفي الجو الغافل لن تربح أبدًا.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩].
درجات الإيمان:
الإيمان درجات فله لفظٌ، وله صورة، وله طعمٌ، وله حلاوة، وله حقيقة، وله ثمرة.
فطعم الإيمان:
كما قال النبي ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الإيْمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا». أخرجه مسلم (١).
وأما حلاوة الإيمان:
فكما قال النبي ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ،
стр. 113
وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ». متفقٌ عليه (١).
وأما حقيقة الإيمان:
فتحصل لمن كان عنده كمال اليقين، وحقيقة الدين، وقام بجهد الدين، عبادةً ودعوة وهجرة ونصرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فلفظ الإيمان معلوم، وصورة الإيمان معلومة، أما طعم الإيمان وحلاوته فتذاق بالقلوب كما تذاق حلاوة الأطعمة والأشربة باللسان فتقبل أو ترد، وكما أن الأبدان لا تجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحتها، فإذا سقمت ومرضت لم تجد حلاوة ما ينفعها، بل قد تستحلي ما يضرها وإن كان مرًا لشدة سُقمها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦].
فما أعظم جرم هؤلاء، وما أشد عقوبتهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ [البقرة: ١٧٥].
وكذلك القلب لا يجد حلاوة الإيمان إلا إذا كان صحيحًا سليمًا سالمًا من الأسقام والأهواء، سالماً من الشهوات المحرمة والأهواء المضلة، ومتى أصابه السقم لم يجد حلاوة الإيمان ولا طعمه ولا حقيقته، بل قد يستحلى ما فيه هلاكه من المعاصي والفواحش: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا
стр. 114
فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩].
• والإيمان بالنسبة لكل مؤمن له ثلاث حالات:
فهناك أيمانٌ مطلوب .. وهناك أيمانٌ موجود .. وهناك أيمانٌ مفقود.
فالإيمان المطلوب:
هو الإيمان الذي ربى الله عليه أنبياءه ورسله، وربى عليه النبي ﷺ أمته، وهذا الإيمان تحصل به للعباد الحياة الطيبة في الدنيا، والجنة في الآخرة، وتتحقق به موعودات الله لأهله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
والإيمان الموجود:
هو إيمانٌ أقل من الإيمان المطلوب، وهو إيمان الإنسان الموجود وهو نسبةٌ من الإيمان المطلوب، لا يحقق للعبد كمال الإيمان والتقوى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات: ١٤].
стр. 115
والإيمان المفقود:
وهو ما فقده الإنسان من الإيمان المطلوب فعليه تحصيله، وذلك بالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات القرآنية، وزيادة الإيمان بأركانه الستة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر خيره وشره).
ولهذا طلب الله منا تكميل الإيمان الموجود، بالإيمان المفقود، حتى نصل إلى الإيمان المطلوب فقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
فبزيادة الإيمان يمتلئ القلب بالإيمان، فتزيد الأعمال وتحسن الأعمال، ويقبل الله هذه الأعمال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
اللهم إنَّا نسألك إيمانًا كاملا، ويقينًا صادقا، وقلبًا خاشعا، ولسانًا ذاكرا، يا ذا الجلال والإكرام.
стр. 116
٤ - الخزانة الرابعة
• صلاح القلوب.
الإيمان يتم بثلاث مراحل:
التخلية .. ثم التزكية .. ثم التحلية.
أولاً: التخلية، فنخلي القلوب من حب الدنيا، والتعلق بغير الله؛ لتكون صافيةً قابلةً للتزكية بمكارم الأخلاق، ويتم ذلك بأن نعيش في بيئة الإيمان حيث لا نسمع ولا نرى ولا نعمل ولا نقول إلا ما يحب الله ورسوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
وكما استخدمنا أبصارنا وعقولنا وأسماعنا وأوقاتنا من أجل الدنيا، نستخدمها فيما يحبه الله ورسوله من الأقوال الحسنة والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية؛ لتفرغ من حب الدنيا.
ثانيًا: التزكية والتربية، بتطهير القلوب من الشرك، وتطهير الجوارح من المعاصي: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣].
ثالثًا: ثم تأتي التحلية فلا يمكن أن يتحلى الإنسان بالفضائل، حتى يتخلى عن الرذائل، فنلزم بيئة الإيمان والعلم؛ ليدخل التوحيد، ويخرج الشرك، ويدخل الإيمان، ويخرج الكفر، ويحل العلم بدل الجهل، وتأتي الاستقامة بدل الانحراف، وتأتي الأخلاق الحسنة بدل الأخلاق السيئة: ﴿هُوَ الَّذِي
стр. 117
بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
يتلو عليهم ﷺ آياته؛ ليخرج من قلوبهم التعلق بغير الله، ويزكيهم ويطهر قلوبهم من الأخلاق الرديئة ويجملهم بالأخلاق الحسنة، ويتم ذلك بالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢].
هذه هي التحلية بالفضائل والعلم والتوحيد والإيمان والهدى وحسن الخلق: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢].
وإذا صلح القلب، أثمر كثرة ذكر الله وتعظيمه، ودوام شكره، والصبر على طاعته وأقداره المؤلمة، وكمال اليقين، والتوكل عليه وخشيته، والطمع في رحمته: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
فمن رزقه الله هذه الثلاث، بث الله فيه روح الدعوة، والعبادة، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله ، وهذه الثلاث تحتاج إلى بيئة إيمانية، يكمل فيها الإيمان، ويقوى اليقين، ويحصل الأثر: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
стр. 118
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
بيئة الإيمان:
أمر الله رسوله ﷺ أن يجلس مع فقراء المؤمنين في بيئة الإيمان، فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
وفي سورة الأنعام، نهاه الله أن يطردهم من مجلسه، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢].
وفي بيئة الإيمان نستفيد خمس كرامات:
نتعلم الدين .. ونعمل بالدين .. ونثبت على الدين .. ونترقى في الدين .. وندعو إلى الدين.
وهؤلاء المؤمنين خير الناس؛ لأنهم الصف الأول في الإسلام، فهم مواظبون على الأعمال الصالحة في جميع الأوقات بالغداةِ والعشي.
فـ (الغداة) هي: الوقت الذي ينتقل فيه الإنسان من النوم إلى اليقظة، وهذا الانتقال شبيهٌ بالانتقال من الموت إلى الحياة.
стр. 119
و (العشي) هو: الوقت الذي ينتقل فيه الإنسان من اليقظة إلى النوم، وهذا الانتقال شبيهٌ بالانتقال من الحياة إلى الموت.
والعاقل يكون في هذين الوقتين كثير الذكر لربه، عظيم الشكر له، دائم الاستغفار له، دائم العبادة له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
ثم نهاه ﷻ أن يزدري فقراء المؤمنين، وأن تنبوا عيناه عنهم؛ لأجل مجالسة الأغنياء الكفار لعلهم يسلمون، فإن ذلك يدل على رغبته في زينة الدنيا بمجالسة أهل الدنيا: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].
فأمره بمجالسة فقراء المسلمين، ثم نهاه عن الالتفات إلى أموال الأغنياء، وحياة الأغنياء وأقوال الأغنياء والمتكبرين، فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
والإيمان الحق الذي يريده الله من كل إنسان: هو الذي يزرع في القلب هيبة الجبار، وتعظيم الكبير المتعال، ويملؤه بحب الرحمن الرحيم، ويتواطأ على ذلك القلب واللسان والجوارح، ويظهر ذلك على اللسان قولًا وذكرًا، وعلى القلب خشية وتقوى، وعلى الجوارح عملًا وأخلاقًا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
стр. 120
الثروة تنقسم إلى قسمين:
الأولى: ثروةٌ داخلية: وهي الأمن والإيمان، والطمأنينة والسكينة.
الثانية: وثروةٌ خارجية: من الأموال والأشياء.
وأعظم ثروة، وأعظم شيء، أن يخرج الإنسان من الدنيا ومعه الإيمان والتقوى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
وإذا مات الإنسان قال الناس عن الميت: ماذا خلف وماذا أخر؟ وقالت الملائكة: ماذا قدم؟
فالناس ينظرون إلى الثروة الخارجية، والملائكة ينظرون إلى الثروة الداخلية وهي الإيمان والتقوى، وكل إنسانٍ في هذه الدنيا ترافقه ثروته الداخلية لا الخارجية، فليس كل أحد يستطيع أن ينقل ثروته الخارجية معه.
أما الثروة الداخلية: وهي تقوى الله، والأعمال الصالحة، وحسن الخلق، فترافق الإنسان في الدنيا والآخرة، ولهذا أمرنا الله بتحصيلها، بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وتحصيل هذه الثروة العظيمة في الدنيا، أما في الآخرة فيكون ثوابها، فالله هو الحق، وأراد من الإنسان أن يؤمن بالحق، ويعمل بالحق ويدعوا إلى الحق، وهذه أعظم ثروةٍ يصل بها إلى الحق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
стр. 121
والدنيا دار الإيمان والعمل، والآخرة دار الثواب والعقاب.
وإذا خرج المؤمن من الدنيا؛ ظهرت أمامه نتيجة حياته فورًا.
والنتيجة شيئان فقط:
فالقبر إما روضة من رياض الجنة .. أو حفرة من حفر النار.
والآخرة إما خافضةٌ للناس، وإما رافعة لهم: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ١ - ٣].
والذي يرفع الإنسان عمله الصالح، والذي يخفضه عمله السيئ، فالعمل الصالح يرتفع إلى الله، ويرفع صاحبه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
لذلك الإنسان يوم القيامة يأتي إما حاملًا أو محمولًا، فالمؤمن تحمله حسناته، والكافر يحمل أوزاره، والسعيد من جاء يوم القيامة محمولًا لا حاملاً: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠].
والكافر يحمل أوزاره: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ [الأنعام: ٣١].
وجسد الإنسان كل يومٍ تخرج منه الأعمال الصالحة أو السيئة، فالإنسان مكينة أعمال، كالشجرة مكينة ثمار، وكما يتفكر الإنسان في دنياه لمعاشه، يجب أن يتفكر في دنياه لمعاده: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
стр. 122
والأعمال لها صفتان:
فهي إما نورانية .. أو ظلمانية.
فالحق كله نور، والباطل كله ظلام، والأعمال كلها ترتفع إلى الله، ونتيجة هذه الأعمال فورًا تترجم إلى حسنات وسيئات، فتكون في الجنة أو النار بحسب العمل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
فمن قال سبحان الله غرست له نخلةٌ في الجنة، ثم يأتي أثر العمل الصالح نورًا من الجنة إلى القلب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وأثار الحسنات في الدنيا البركة، وأثارها يوم القيامة نعيم الجنة.
وكذا السيئات يأتي أثرها في القلب من نار جهنم، وكل معصيةٍ لها نوعٌ من العذاب، إما عذابٌ اليم، أو عذابٌ شديد، أو عذابٌ كبير، أو عذاب عظيم، وكذا كل طاعة لها نوعٌ من النعيم، والجنة كثيرة الدرجات، فللمجاهدين في سبيل الله مائة درجة ما بين الدرجة والأخرى كما بين السماء والأرض: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٤].
والنار سبع دركات، عددها عدد الأعضاء التي يطيع الإنسان فيها ربه أو يعصيه، العينان، والأذنان، واليدان، والرجلان، والفم، واللسان، والأنف، فكل عملٍ سيء يخرج من الإنسان إلى الله، ثم إلى النار، ثم يأتي أثره من النار إلى قلب الإنسان الذي عمله، فأصحاب السيئات في الدنيا في جحيمٍ وقلقٍ وضنكٍ وشدة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا
стр. 123
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
والقيامة كلها ظلمة، وكل أحدٍ يمشي بنوره، المؤمن يسير إلى الجنة بنور الإيمان، والكافر يسير إلى جهنم بظلمة الكفر، وجهنم أظلم ما خلق الله سوادًا وظلمةً وضيقًا: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩].
والجنة كلها نورٌ من نور الله، فهي أعظم ما خلق الله من النور بعد العرش العظيم: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾ [الحديد: ١٢].
وحفاظة الأمة بالإيمان والتقوى، بالدعوة لا بالعبادة فقط؛ لأنك بالدعوة أنت تبني، والشيطان يخسر، وبالعبادة أنت تبني، والشيطان يهدم.
والعابد ينقطع عمله بموته، أما الداعي فعمله مستمر، فإذا ما جرى له عمل غيره ممن هداه الله على يده، وفي كل يوم يكتب له حيًا أو ميتًا، أعظم مما يكتب لأعبد إنسان؛ لأن صلاة وصيام وجهاد وحج، وجميع أعمال الخير التي يعملها من دعاهم إلى الله في صحيفته، كما قال النبي ﷺ : «من دَعَا إِلَى هُدَى فَلَهُ أَجُرُّهُ، وَاِجْرِ مِنْ عَمَلٍ بِهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ، لَا يَنْقُصَ ذَلِكَ مِنْ أَجَوْرِهِمْ شَيْئًا» أخرجه مسلم (١).
وإبليس يأتي للإنسان في حالتين:
الأولى: إذا هممت بطاعة الله.
الثانية: وإذا أردت الخروج في سبيل الله للدعوة إلى الله.
стр. 124
لكنه يفر من الدعوة، ويوسوس في العبادة، ويهدم ما تبني من الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
فعلى المسلم أن ينوي الدعوة إلى الله إلى قيام الساعة لا إلى الموت؛ لأنك قد تموت الآن والأعمال بالنيات، فمن نوى دعوة جميع العالم ومات، أعطاه الله ما نوى قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» متفق عليه (١).
أقسام الإيمان بالله عزل وجل:
ينقسم الإيمان بالله إلى قسمين:
الأول: إيمانٌ فطري، فقد فطر الله عباده على التوحيد والإيمان به، وأنه الخالق الرازق الذي يدبر هذا الكون العظيم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
الثاني: إيمانٌ كسبي، وهو الإيمان بالله العظيم، ومعرفة أسمائه الحسنى، ومعرفة صفاته العلا، ومعرفة أفعاله الجميلة، من خلال النظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، فهذا إيمانٌ كسبي، يحصله الإنسان بجهدٍ بشري، والأول إيمانٌ فطري، مركوزٌ في فطرة كل إنسان، والمطلوب من كل إنسان تحصيل الإيمان الكسبي الذي يزيد الإيمان الفطري ويحرك الجوارح بالأمر التعبدي: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 125
فالإيمان الذي ينجي صاحبه من النار: هو هذا الإيمان، فمن آمن بالله العظيم، وعرف أسمائه وصفاته، أطاعه وأحبه، واستحي من معصيته، ومن اكتفى بالإيمان الفطري دون الكسبي، ولم يعرف ربه العظيم كما يجب، لم يطعه وهانت عليه معصيته: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
والإيمان الكسبي هو الذي يحمل صاحبه على عبادة الله وطاعته، واجتناب معصيته، وكل إيمان لا يحمل صاحبه على طاعة الله؛ فهو إيمانٌ لا قيمة له كإيمان إبليس، حيث قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩].
وحين أُمر بالسجود لآدم أبى واستكبر، فهذا الإيمان وهذا القول لم ينفعه، فقد عصى وكفر واستكبر؛ لأن الإيمان بالله لابد أن يتبعه طاعةٌ لله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
والكفر: هو الستر والتغطية للإيمان المركوز في فطرة الإنسان، والإيمان بالله يحقق للإنسان كل خير ويدفع عنه كل شر، والشر الذي يدفعه الإيمان هو الكفر والنار فالكفر يستر وجود الله، والإيمان يقي الناس شر الكفر والنار.
أقسام الكفار:
الكافرون قسمان:
الأول: قسمٌ كفر بالله أولًا ثم استمع الوحي، فعاد إلى فطرته الأولى وأمن بالله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
стр. 126
الثاني: قسمٌ كابر وعاند ثم استمع الوحي ولم يستحب؛ لأنه مستفيدٌ من الكفر؛ لأنه يرتع في الشهوات ويكسب كيف شاء، والإيمان يعطل عنه هذه الفائدة التي تضره، فهؤلاء الذين يحاربون الإيمان وأهله، فالذي يصر على الكفر هو المنتفع بالكفر: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
أما القسم الأول: وهم الأكثر، فهؤلاء إذا علموا أن الإيمان يحقق لهم الخير والهدى، ويدفع عنهم الشر آمنوا بالله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥].
ولو لم يوجد منتفعٌ بالكفر؛ لما تأصل الكفر في الناس، فالأصل هو الإيمان، والكفر ساترٌ للإيمان لمصلحةٍ أو جهل ن فالأصل الفطري هو الإيمان: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
والكفر طارئ بسبب الغفلة؛ ولأجل هذا تابع الله إرسال الرسل، لرد الناس إلى فطرتهم الأولى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣].
ولما كان الإيمان يضيق على السلاطين، وأصحاب السيطرة، والاستغلال والشهوات، ستروا الإيمان، وأصروا على الكفر، لمصالحهم على حساب غيرهم: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥].
والمؤمن يريد أن يحافظ على ذاتيته الأصيلة وهي فطرة الإيمان، وعلى ذاتيته الوكيلة وهي الخلافة في الأرض والدعوة لغيره من الناس.
стр. 127
والكافر يريد أن يحافظ على ذاتيته الطارئة وهي الكفر، فإن كانت بسبب الجهل زالت بالدعوة، وإن كانت بسبب المصلحة أو الكبر زالت بالجهاد الذي شرعه الله؛ ليكون الدين كله لله، كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٣٩ - ٤٠].
فالأولى: وهي الفطرة على الإيمان حق.
والثانية: وهي انتقال الكافر من هذه الفطرة إلى الكفر.
الأولى حق، والثانية حمق، والحمق يزال أولًا باللين والرحمة والدعوة فإن لم يستجب الإنسان لذلك؛ أزيل بالشدة والقسوة، قطعًا لدابر الشر عن الناس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
فالإيمان والكفر، كالنور والظلام، طرفان متقابلان لا يجتمعان أبداً، وأهل كل واحد يدعو الأخر إلى صفه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣].
стр. 128
٥ - الخزانة الخامسة
الإيمان هو أعظم نعم الله على عباده فإذا آمن الإنسان بالله أخذ مفتاح الإيمان الذي يدخله الجنة، وبمفتاح الإيمان يحصل العبد على مفتاح القرب من الله فيكون هو البادي، فإذا ذكر العبد ربه ذكره، وإذا أوفى بعهده وفى الله بعده، وإذا نصرهُ نصره، فإذا آمن الإنسان سلم الله إليه مفتاح التقرب إليه، والتودد إليه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال الله في الحديث القدسي: «منْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَمن تقْرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا تقْرَبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمن أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». أخرجه البخاري (١).
اللهم ارزقنا مفتاح التقرب إليك يا ذا الجلال والإكرام.
والإيمان بالله يعطي الإنسان فرصة الانتفاع بالأشياء المادية مما ينفعه في دنياه وأخراه، والحضارة المادية اشتملت على منافع ومضار، والنافع منها أنها خدمت الإنسان خدماتٍ هائلة من حيث أنه جسدٌ حيواني في لباسه ومركبه وطعامه وشرابه واسلوب حياته وغير ذلك.
والضار منها أنها أهملت بالكلية الناحية الروحية التي هي الدين الذي هو رأس كل خير في الدنيا والآخرة، والحضارة المادية غنيةٌ بأنواع المنافع من الناحية الأولى، مفلسةً إفلاسًا كليًا من الناحية الثانية، وهي الناحية الروحية الأخلاقية، وطغيان المادة على الروح يهدد العالم أجمع بالدمار الشامل كما
стр. 129
هو مشاهدٌ الآن: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد: ٥].
• وموقف المسلم من الحضارة المادية: أنها مشتملةٌ على خيرٍ وشر، ونافعٍ وضار، وحسنٍ وسيء، وطيبٍ وخبيث.
وموقفنا منها واحدٌ من أربعة أقسام:
الأول: أخذ تلك الحضارة كلها نافعها وضارها حلوها ومرها.
الثاني: ترك نافعها وضارها.
الثالث: أخذُ ضارها، وترك نافعها.
الرابع: أخذ نافعها، وترك ضارها.
فالثلاثة الأولى كلها باطلة ضارة ولا تجوز؛ لأنها تفسد الأمة، وتضعفها وتهلكها، فتعين الأخذ بالقسم الرابع بأخذ النافع من المصنوعات، وترك الضار الذي يهدم الدين والأخلاق:
رابطة الإيمان أعظم الروابط على الإطلاق، ولشدة قوتها، وعظيم منفعتها ربطت بين السماء والأرض، وربطت بين الخالق والمخلوق، ومن أجلها كان الله ولي المؤمنين وعدو الكافرين، وربطت بين بني آدم في الأرض، وربطت بين بني آدم والجن، وربطت بين بني آدم في الأرض والملائكة في السماء، وربطت بين الأمة ورسولها العظيم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
стр. 130
وقد دعا النبي ﷺ الناس إلى الإيمان فانقسموا إلى ثلاثة أقسام:
الأول: من أمن بالله ظاهرًا وباطنًا وهم المؤمنون.
الثاني: من كفر بالله ظاهرًا وباطنًا وهم الكفار والمشركون.
الثالث: من أمن بالله ظاهرًا، وكفر به باطنًا وهم المنافقون.
فالأول خير الأقسام، والثالث شر الأقسام وهم المنافقون: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ [المنافقون: ٤].
ومن سبق في علم الله أنه يؤمن فإن الله يهديه للإيمان: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومن سبق في علم الله أنه لا يؤمن فإن الله لا يهديه للإيمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦ - ٧].
وسائل تقوية الإيمان:
الإيمان بالله أعظم المطالب ولابد من الجهد عليه؛ حتى يزيد ولا ينقص، وقد جعل الله لزيادة الإيمان أسبابًا تجلبه وتقويه.
ومن أعظم ما يجلب الإيمان ويقويه ما يلي:
الأول: معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العُلا، وأفعاله الحميدة وفهمها، والتعبد لله بها
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩].
стр. 131
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الثاني: تدبر القرآن العظيم، وفهم معانيه وأحكامه وأخباره
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
الثالث: النظر والتفكر في الآيات الكونية في السماوات والأرض وما فيهنِّ من المخلوقات المختلفة التي تدل على عظمة خالقها، وكمال قدرته، وسعت علمه، وما في السماوات والأرض وما فيهما من الحسن والجمال، والإحكام والإتقان
قال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الرابع: معرفةُ النبي ﷺ ، ومعرفة سيرته وأخلاقه، ومعرفةُ أحاديثه وما تدعو إليه من علوم الإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
стр. 132
الخامس: النظر إلى فقر المخلوقات كلها إلى ربها
ففي الكون اثنان خالقٌ ومخلوق، وملكٌ وعبيد، فالنظر إلى فقر المخلوقات واضطرارها إلى خالقها الذي لا تستغني عنه طرفة عين يثمر كمال الإيمان بالله
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
سادسًا: التفكر في كثرة نعم الله التي لا يخلوا منها مخلوقٌ طرفة عين
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
سابعًا: الإكثار من ذكر الله، ومن الدعاء الذي هو العبادة.
فنصيب العبد من الإيمان على قدر كثرة الذكر والدعاء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
فبكثرة الذكر لله تأتي محبته، ويأتي تعظيمه، ويمتلئ القلب بالتوحيد والإيمان والتعظيم والحب لله وإذا امتلأ القلب بالإيمان؛ تحركت الجوارح بأنواع الطاعات، وتحرك اللسان بالذكر والدعاء والدعوة والتكبير لله
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
стр. 133
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ثامنًا: معرفة محاسن الإسلام.
فالإسلام كله محاسن، عقائده أحسن العقائد وأنفعها، وأخلاقه أحسن الأخلاق وأجملها، وأحكامه أحسن الأحكام وأعدلها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
تاسعًا: الاجتهاد في الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى خلق الله؛ ابتغاء مرضاة الله فيعبد العبد ربه كأنه يراه، ويعامل خلقه بما يحب أن يعاملوه به.
قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
فالدين ركنان:
الأول: عبادة الحق.
الثاني: الإحسان إلى الخلق.
قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
العاشر: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق، والتواصي الصبر وبذلك يكمل العبد نفسه، ويكمل غيره
قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
стр. 134
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فبقدر المجاهدة تأتي قوة الإيمان، وتأتي قوة العبادة، ويأتي كمال الأخلاق: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦].
الحادي عشر: تكميل شعب الإيمان بمحاسن الأقوال والأعمال والأخلاق، واجتناب شعب الكفر والنفاق والفسوق والعصيان.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠].
الثاني عشر: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس.
قال في الحديث القدسي: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» أخرجه البخاري (١).
وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس، فنقدم التضحيات من أجل دين الله وما يحبه الله، والتوبة إلى الله ، وسائر أنواع الطاعات من العبادات القلبية والبدنية.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 135
الثالث عشر: الخلوة بالله وقت نزوله إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ومُناجاته بتلاوة كتابه، والوقوف بين يديه بصفات الحب له والتعظيم له والذل له، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وقال : ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].
الرابع عشر: لزوم بيئة الإيمان والذكر بمجالسة العلماء والدعاة والصالحين، واجتناب كل سببٍ يحُول بين قلب العبد وبين الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
стр. 136
٦ - الخزانة السادسة
فقه الإيمان بالله :
بحسب معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة عظمة إنعامه وإحسانه، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، يقوى الإيمان في القلب، وكلما زاد الإيمان في القلب قويت محبة الله، وكلما قويت محبة الله في القلب تحركت الجوارح بطاعة الله وعبادته، ثم استقامت على ذلك، بكمال الحب والتعظيم والذل لله ، وصارت شهوات النفس في كل ما يحبه الله ويرضاه، ونالت من ربها ما تحب وترجو.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وإذا كان حجم الإيمان أكبر من حجم الشهوات، حصلت الاستقامة، وحصلت النجاة، وحصل الفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 137
إما إذا كان حجم الشهوات أكبر من حجم الإيمان، أو كان حجم الإيمان مساوٍ لحجم الشهوات، فهنا يحصل الانحراف والصراع؛ فلا بد من تقوية الإيمان الذي يمنع من مباشرة الشهوات المحرمة، ويحمل على طاعة الله .
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
ومن ذكر الله أحبه وكبره، وأطاعه ولم يعصه.
وعلامة الإيمان الكافي أن يحمل العبد على طاعة الله وعبادته، أما أن لم يحملك الإيمان على طاعة الله فهو غير كاف، بل هو الخسران المبين كإيمان إبليس والكفار، وقد أودع الله في كل إنسان عقلا يعرف به ربه، ويعرف به ما ينفعه وما يضره، وأودع فيه شهوات لحفظ حياته، وبقاء نسله، وذلك لحكمه الابتلاء فالعقل له نداء، والشهوة لها نداء فإذا غلب نداء العقل أفلح الإنسان.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
стр. 138
وإذا غلب نداء الشهوة خسر هذا الإنسان: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى عن الكفار: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
فمن غلب عقله شهواته نجا، ومن غلبت شهواته عقله هلك.
وكل إنسان مبتلي بنداء العقل، وبنداء الشهوة فهو ممتحن بين أن ينام وأن يصلي، أو بين أن يفطر أو يصوم، فالعقل المُقاد بالشرع يقول: قم فصل، وصم رمضان ولا تفطر، والعقل المُقاد بالشهوة يقول: أخلد إلى الفراش أنت متعب ودع الصيام فأنت لا تتحمل الجوع.
وكل إنسان ابتلاه الله بالطاعات والمعاصي، وبالأوامر الإلهية، والشهوات الحيوانية، وبالأموال والأشياء، وبالإيمان والعمل الصالح: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
والناس كلهم ما بين مؤمن وكافر، ورابح وخاسر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
стр. 139
فمن خضع عقله لشرع ربه نجا، ومن خضع عقله لشهوات نفسه هلك: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٣].
وقد رُكب المَلَك من عقل بلا شهوة، ورُكب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكب الإنسان من شهوة وعقل، فمن سما عقله من البشر على شهواته أصبح فوق الملائكة؛ لأنه جاء إلى الله بالإيمان والتقوى اختيارًا لا إجبارًا، ومن سمت شهواته على عقله أصبح دون الحيوان: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
اللهم أهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت.
الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهذه كلها غيب، فالإيمان تكذيب المشاهدات من القلب، وتصديق الغيبيات من القلب: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
стр. 140
والناس اثنان:
أحدهما: من أسس حياته على المشاهدات فقط وهم: الكفار والحيوان.
الثاني: من أسس حياته على الغيب وهم: الأنبياء والمؤمنون.
فالكافر أضل من الحيوان؛ لأن الحيوان يذكر الله الذي خلقه، والكافر لا يذكر الله الذي أوجده، والحيوان يعرف شارة صاحبة فيطيعه، والكافر لا يعرف أوامر ربه، وأن عرفه لم يطعه، والحيوان يعرف ما أحله الله له فيأكله، والكافر لا يعرف ما أحله الله له ولا ما حرم الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وعلى قدر التصديق بالغيب بالوحي ينشأ النور في القلب، ثم يأتي النور في كل الجسم، فلا يعصي هذا العبد ربه بجوارحه، لكن لو اغتاب أو أكل لقمة حرام نقص نور الإيمان في قلبه، ثم وقع في المعاصي، فالإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، والصحابة لما سمعوا القرآن زادهم إيمانا، لأن في قلوبهم التصديق، والمنافقون سمعوا القرآن فزادهم رجسًا إلى رجسهم، لأن في قلوبهم التكذيب: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٦].
وصدق الإيمان هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، إيمانًا لا شك معه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)
стр. 141
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وحقيقة الإيمان تحصل للعبد بقدر تدبر القرآن، وبقدر تدبر القرآن يكون التصديق، وبقدر قوة التصديق يزيد الإيمان، والذي يقرأ القرآن وليس عنده التصديق لا يزيد إيمانه، لكنه يتلذذ بالصوت فقط.
ولتأتي حقيقة الإيمان بالله لا بد من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم العلم بكلامه، ثم العلم بأوامره، ثم العمل بموجب ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩].
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». رواه البخاري (١).
وبهذا تأتي عظمه الله في قلوبنا، ثم تأتي عظمه كلامه، ثم تأتي عظمة أوامره، ثم تأتي حلاوة عبادته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
فإذا جاء العلم بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله زاد الإيمان في القلب، ثم جاء التوكل على الله، ثم جاء حب الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
стр. 142
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
أما وزن الإيمان فلو وضعت سبع سموات وسبع أراضين في كفه، ولا إله إلا الله في كفه لرجحت بهن لا إله إلا الله، فما أعظم هذه الكلمة، وما أعظم نورها.
أما قيمة الإيمان فالذي في قلبه مثقال ذرة من إيمان يعطيه الله يوم القيامة عشرة أمثال الدنيا في الجنة.
وكل حياة الأنبياء والصحابة والمؤمنين اختبارٌ وابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم، الأمثل فالأمثل، ففي الخندق ضرب النبي ﷺ الصخرة فكبر وبشرهم بفتح فارس، ثم ضربها ﷺ فبشرهم بفتح الروم، ثم ضربها المرة الثالثة فكبر وبشرهم بفتح اليمن.
فالصحابة صدقوه، وقالوا صدق الله ورسوله كما قال سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
والمنافقون كذبوا وقالوا: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢].
فالصحابة كذبوا المشاهدات، وصدقوا الخبر، والمنافقون صدقوا المشاهدات، وكذبوا الخبر فماذا حصل؟.
стр. 143
الصحابة ﵃ لما صدقوا الخبر جاء مددٌ من السماء بجنود لم يروها، وتفرق المشركون، والرياح قلبت قدورهم واقتلعت خيامهم وولوا مدبرين، وجاء الخوف عليهم فانصرفوا خائبين كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].
فبالدعوة يأتي الإيمان، ويغلب يقين الغيب على المشاهدات، والغيب يقوى بالكلام عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وكتبه ورسله وملائكته، اليوم الآخر، كالجنة والنار والقبر وغير ذلك.
ويكون كذلك بالإكثار من ذكر الله فبالإكثار من ذكر الله تقوى الطاعات فيطمئن القلب، والذي يخالف أمر المخلوق لا يطمئن قلبه، فكيف يطمئن قلب من خالف أوامر الله ورسوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
• اصول تحصيل الايمان:
الإيمان يحصل بأمور:
الأول: تغيير اليقين من المخلوق إلى الخالق وحده بدعوة لا إله إلا الله بالنفي والإثبات، فجميع المخلوقات خلقها الله، وأمرها بيد الله وحده، فهي لا تنفع ولا تضر إلا بأمر الله وحده: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فالله هو الخالق لكل شيء، وبيده أمر كل شيء، وغيره ليس بيده شيء.
стр. 144
فالعرش شيء، والكرسي شيء والسموات شيء والملائكة شيء، والرياح شيء والشمس والقمر شيء، والنجوم شيء، والله خالق كل شيء وبيده أمر كل شيء، والأرض شيء، والجبال شيء، والبحار شيء، والأنهار شيء، والإنس شيء، والجن شيء، والجماد شيء، والنبات شيء، والله خالق كل شيء، وبيده أمر كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فإذا جاء اليقين على هذا خرج يقين المخلوق من القلب، وحفظنا الله من شره، وسلب الله القوة منه، وسخره لنا، ولا تتعلق قلوبنا به، بل تتعلق بالله وحده: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣].
فيقين الأنبياء وأتباعهم تصديق الخبر، وتكذيب النظر، والتعلق بالله وحده،
فقد خرج يقين إبراهيم ﷺ على النار، وقوي يقينه على ربه، فحفظه الله من شر النار، وسلب الله النار القوة، وسخرها في حفظ إبراهيم، ولم يتعلق قلبه بها، بل تعلق بالله حين قال: حسبي الله ونعم وكيل: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
الثاني: نفي فعل المخلوق بنفسه من دون أمر الله، فالكون أصلاً ما كان شيئاً، كان الله ولم يكن شيئًا قبله، فنفي فاعليه الكون بنفسه فالكون مخلوق، وليس بيده شيء، ومدبر من ربه : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
стр. 145
فكل ما سوى الله ليس بيده شيء؛ لأنه أصلاً ما كان شيئاً حتى يفعل شيئا.
فالأمر كله لله، والكل عبيدٌ لله، فهم مماليكه شاهدون بوحدانيته، ومسبحون بحمده، وخاضعون لإرادته، ومستجيبون لمشيئته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
الثالث: نفي يقين الأمم السابقة الذين فسد يقينهم على بتصديق المشاهدات، والتوكل عليها، فهلكوا، فيقين فرعون على الملك فأهلكه الله مع ملكه، وقارون يقينه على المال فخسف الله به وبداره الأرض، وقوم نوح يقينهم على الكثرة فأغرقهم الله جميعًا، وقوم هود يقينهم على القوة فدمرهم الله بريح صرصر عاتية، وقوم صالح يقينهم على الصناعة فأهلكم الله بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وقوم سبأ يقينهم على الزراعة فأرسل الله عليهم سيل العرم فأهلكهم بالماء الذي هم معتمدون عليه، وقوم شعيب يقينهم على التجارة، وقوم عيسي يقينهم على الطب.
وبحسب الذنب جاءت العقوبة فهلكوا جميعًا.
فهؤلاء ثمان من الأمم أهلكهم الله بفساد يقينهم على المشاهدات، وعدم تصديقهم بالغيبيات: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
الرابع: عدم التعلق بالمحبوبات الثمانية، ولزوم التعلق بالله وحده لا شريك له، فكل ما سوى الله ليس بيده شيء، والله وحده هو الذي بيده كل شي: