← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وحقيقة الإيمان تحصل للعبد بقدر تدبر القرآن، وبقدر تدبر القرآن يكون التصديق، وبقدر قوة التصديق يزيد الإيمان، والذي يقرأ القرآن وليس عنده التصديق لا يزيد إيمانه، لكنه يتلذذ بالصوت فقط. ولتأتي حقيقة الإيمان بالله لا بد من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم العلم بكلامه، ثم العلم بأوامره، ثم العمل بموجب ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد: ١٩]. وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». رواه البخاري (١). وبهذا تأتي عظمه الله في قلوبنا، ثم تأتي عظمه كلامه، ثم تأتي عظمة أوامره، ثم تأتي حلاوة عبادته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. فإذا جاء العلم بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله زاد الإيمان في القلب، ثم جاء التوكل على الله، ثم جاء حب الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 142

وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. أما وزن الإيمان فلو وضعت سبع سموات وسبع أراضين في كفه، ولا إله إلا الله في كفه لرجحت بهن لا إله إلا الله، فما أعظم هذه الكلمة، وما أعظم نورها. أما قيمة الإيمان فالذي في قلبه مثقال ذرة من إيمان يعطيه الله يوم القيامة عشرة أمثال الدنيا في الجنة. وكل حياة الأنبياء والصحابة والمؤمنين اختبارٌ وابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم، الأمثل فالأمثل، ففي الخندق ضرب النبي ﷺ الصخرة فكبر وبشرهم بفتح فارس، ثم ضربها ﷺ فبشرهم بفتح الروم، ثم ضربها المرة الثالثة فكبر وبشرهم بفتح اليمن. فالصحابة صدقوه، وقالوا صدق الله ورسوله كما قال سبحانه في سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. والمنافقون كذبوا وقالوا: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢]. فالصحابة كذبوا المشاهدات، وصدقوا الخبر، والمنافقون صدقوا المشاهدات، وكذبوا الخبر فماذا حصل؟.

стр. 143

الصحابة ﵃ لما صدقوا الخبر جاء مددٌ من السماء بجنود لم يروها، وتفرق المشركون، والرياح قلبت قدورهم واقتلعت خيامهم وولوا مدبرين، وجاء الخوف عليهم فانصرفوا خائبين كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]. فبالدعوة يأتي الإيمان، ويغلب يقين الغيب على المشاهدات، والغيب يقوى بالكلام عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وكتبه ورسله وملائكته، اليوم الآخر، كالجنة والنار والقبر وغير ذلك. ويكون كذلك بالإكثار من ذكر الله فبالإكثار من ذكر الله تقوى الطاعات فيطمئن القلب، والذي يخالف أمر المخلوق لا يطمئن قلبه، فكيف يطمئن قلب من خالف أوامر الله ورسوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. • اصول تحصيل الايمان: الإيمان يحصل بأمور: الأول: تغيير اليقين من المخلوق إلى الخالق وحده بدعوة لا إله إلا الله بالنفي والإثبات، فجميع المخلوقات خلقها الله، وأمرها بيد الله وحده، فهي لا تنفع ولا تضر إلا بأمر الله وحده: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢]. قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. فالله هو الخالق لكل شيء، وبيده أمر كل شيء، وغيره ليس بيده شيء.

стр. 144

فالعرش شيء، والكرسي شيء والسموات شيء والملائكة شيء، والرياح شيء والشمس والقمر شيء، والنجوم شيء، والله خالق كل شيء وبيده أمر كل شيء، والأرض شيء، والجبال شيء، والبحار شيء، والأنهار شيء، والإنس شيء، والجن شيء، والجماد شيء، والنبات شيء، والله خالق كل شيء، وبيده أمر كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فإذا جاء اليقين على هذا خرج يقين المخلوق من القلب، وحفظنا الله من شره، وسلب الله القوة منه، وسخره لنا، ولا تتعلق قلوبنا به، بل تتعلق بالله وحده: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: ١٣]. فيقين الأنبياء وأتباعهم تصديق الخبر، وتكذيب النظر، والتعلق بالله وحده، فقد خرج يقين إبراهيم ﷺ على النار، وقوي يقينه على ربه، فحفظه الله من شر النار، وسلب الله النار القوة، وسخرها في حفظ إبراهيم، ولم يتعلق قلبه بها، بل تعلق بالله حين قال: حسبي الله ونعم وكيل: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠]. الثاني: نفي فعل المخلوق بنفسه من دون أمر الله، فالكون أصلاً ما كان شيئاً، كان الله ولم يكن شيئًا قبله، فنفي فاعليه الكون بنفسه فالكون مخلوق، وليس بيده شيء، ومدبر من ربه : ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 145

فكل ما سوى الله ليس بيده شيء؛ لأنه أصلاً ما كان شيئاً حتى يفعل شيئا. فالأمر كله لله، والكل عبيدٌ لله، فهم مماليكه شاهدون بوحدانيته، ومسبحون بحمده، وخاضعون لإرادته، ومستجيبون لمشيئته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. الثالث: نفي يقين الأمم السابقة الذين فسد يقينهم على بتصديق المشاهدات، والتوكل عليها، فهلكوا، فيقين فرعون على الملك فأهلكه الله مع ملكه، وقارون يقينه على المال فخسف الله به وبداره الأرض، وقوم نوح يقينهم على الكثرة فأغرقهم الله جميعًا، وقوم هود يقينهم على القوة فدمرهم الله بريح صرصر عاتية، وقوم صالح يقينهم على الصناعة فأهلكم الله بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وقوم سبأ يقينهم على الزراعة فأرسل الله عليهم سيل العرم فأهلكهم بالماء الذي هم معتمدون عليه، وقوم شعيب يقينهم على التجارة، وقوم عيسي يقينهم على الطب. وبحسب الذنب جاءت العقوبة فهلكوا جميعًا. فهؤلاء ثمان من الأمم أهلكهم الله بفساد يقينهم على المشاهدات، وعدم تصديقهم بالغيبيات: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. الرابع: عدم التعلق بالمحبوبات الثمانية، ولزوم التعلق بالله وحده لا شريك له، فكل ما سوى الله ليس بيده شيء، والله وحده هو الذي بيده كل شي:

стр. 146

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. فمن توكل على الله كفاه، ومن توكل على غيره خذله الله من جهته، ومن أشغله حب غير الله عن حب الله ورسوله وجهاد في سبيله فلينظر عقوبة الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥]. الخامس: نفي النفس فالنفس ليس بيدها شيء، والفضل كله لله وحده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وأعظم صنم معبود من دون الله هو هذه النفس: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. فالله هو الواحد الأحد، القادر على كل أحد، الأحد الذي بيده أمر كل أحد، وكل ما سواه عبيده، إن شاء نفع بهم، وإن شاء أهلك بهم: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. فالخلق والأمر، والعطا والمنع، والنفع والضر كله بيد الله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].

стр. 147

٧ - الخزانة السابعة حقيقة الايمان: الإيمانُ أغلى شيءٍ في خزائن الله، والإيمانُ إذا وقر في القلب فلابُد أن نُعبر عن وجودهِ إما بكلمةٍ طيبة، أو موعظةٍ بليغة، أو عملٍ صالح، أو خُلقٌ حسنَ، أو بدعوةِ ينشُرها، أو بصدقةٍ يُحسنُ بِها، أو بولاءٍ أو براء، فالإيمان يأتي بعدهُ تصديق الأخبار، وتطبيق الأحكام بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهي اللهُ عنهَ قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فالإيمان يُعبر عن وجودهِ في القلب بحركةِ جوارح الإنسان، ونُطقِ اللِسان. وكذا الكُفرِ يُعبر عن وجودهِ في قلب الإنسان بحركةِ جوارحهِ، ونُطقِ لسانهِ قال الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]. فالإيمان لهُ شُعب، والكُفرِ له شُعب، وشُعبِ الإيمان توصلُ إلى الجنة، وشعب الكُفرِ توصلُ إلى النارِ، لهذا لابُد من الجُهدِ على الإنسان حتى نسقي فطرتهُ بالإيمانيات ليزيد إيمانهُ، وتصلح أعماله فالمواد الأولية من خشبٍ أو حديد وغيرهِا لا قيمةَ لها غالية إلا إذا صُنِعت لتكون أبوابًا ونوافذ ومقاعد وآلات.

стр. 148

وكذا الإنسان لا بُد أن نسقي فطرتهُ، ليتدبر في الآيات الكونية والآيات القُرآنية، لتأتي فيهِ الصفات التي يُحبها الله ، يأتي فيهِ الإيمان والتقوى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. والجُهدُ على الإنسان ينقلهُ من الشركِ إلى التوحيد، ومن الظُلماتِ إلى النور، ومن الكُفرِ إلى الإيمان، فقيمة الإنسان بإيمانهِ وصفاتهِ، لا بذاتهِ وأمواله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. فنجتهد على هذا الإنسان بالدعوةِ إلى الله، ليزيد إيمانُنا وإيمان غيُرنا، وتأتي الصفات التي يُحبُها الله من الإيمان والتقوى، وتخرُج الصِفات التي يبغِضها الله من الكُفر والفجور: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والصِفات التي يُحبُها الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢].

стр. 149

فالمؤمن يُكمل محبوبات الرب من الإيمان والتقوى في الدنيا، والله يُكمل محبوبات العبد يوم القيامة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. وأسعد الناس من أرضى الله قبل أن يلقاهَ، ومن بر والديه قبل أن يُفارقَها، ومن ترك الدُنيا قبل أن تتركهَ، ومن عمر الآخرة بالأعمال الصالحة قبل أن تستقبلهَ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. من سُنةِ الله أن كُل شيء يزيد وينقص، ويقوي ويضُعُف ومن ذلك الإيمان، فإنهُ يزيد بالطاعة وينقُصُ بالمعصيةَ، وإذا نقصَ الإيمان فلا بُد من زيادتهِ لتتحقق الطاعة التامةِ لله ، وإذا ضعفَ الإيمان فلابُد من تقويتهَ ليتمكن حاملهِ من أداء الفرائض واجتناب النواهي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والإيمانُ فطرة، فطرة اللهُ التي فطر الناسُ عليها، وضعفهُ عارض، فالإيمانُ يزيد في البيئات الإيمانية، كالمساجد، وحلق التعليم، وحِلق الوعظ، والدعوة إلى الله، وينقصُ الإيمان في البيئات الغافلة كالأسواق التي بها أنواع الشهوات والمُحرمات وتلك هي مذابح الإيمان، وإذا قاد الإنسان ضعف إيمانهِ بترك واجب، وفعل مُحرم فهذا ضعفٍ خطير، يجب عليه أن يتوبَ منهُ سريعًا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].

стр. 150

وهُناك ضعفُا في الإيمان لا يؤدي لترك واجب، أو فعل مُحرم، فهذا فتور لذا ينبغي للإنسان أن يسوس نفسه، ويُراقب نفسهَ؛ ليعود لنشاطهِ في الطاعة ولزيادة الإيمان، أمر الله أن نعيش دائمًا في الأجواء الإيمانية الذاكرة وأن نهجر الأجواء الغافلة؛ ليزيد إيمانُنا، وتحسُن طاعتُنا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. والنفوس البشرية لها إقبالٌ وإدبارٌ على العمل، فإذا أقبلت فأحملها على طاعةِ الله، وأداءِ الفرائض والنوافل، إذا أدبرت فاحملها على الفرائض. والنفوسُ هكذا حسب جو الذكر والغفلة، ساعةً وساعة تكون حسب المجلس أو حسب الذكرِ أو عدمهِ، فالمؤمن يعيش بين القوةِ والفتور، لكنهُ مستقيمٌ على طاعةِ الله، بعيدٌ عن معصية الله، أما الضعف الذي يحمل العبدُ على معصية ربهِ، أو ترك فريضة، فهذا ضعفٌ خطير يحتاجُ إلى مُعالجةٍ سريعة، وتوبةٍ سريعة والجلوس في مجالس الإيمان: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. ومن سُنةِ الله إنهُ إذا ضعف الإيمان ضعفت الأعمال، ثُم ساءت الأحوال، ثُم جاء غضب الرب، ثُم شقيَ هذا الإنسان في الدُنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. وإذا قويَ الإيمان صلُحت الأعمال، ثُم حسُنت الأحوال، ثُم جاء رضا الرب، ثُم سعد هذا الإنسان في الدُنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا

стр. 151

بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. ومن سنة الله أنه إذا زاد الإيمان أقبل العبد على ربه، وزادت طاعته، وقويت عبادته، وكثرت أعماله الصالحة، وإذا ضعف الإيمان أقبل العبد على شهواته، وقلت طاعاته وضعفت عبادته، وكثرت أعماله السيئة: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [غافر: ٨٥]. • أسباب زيادة الإيمان: إذا ضعف الإيمان فلتقويته وزيادته أسباب منها: الأول: النظر والتدبر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٦ - ٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨].

стр. 152

وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. الثاني: النظر في سيرة النبي ﷺ أقوالًا وأعمالًا وأحوالًا وأخلاقًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. الثالث: مدارسة أركان الإيمان الستة وهي. الإيمان بالله .. وملائكته .. وكتبه .. ورسله .. واليوم الأخر .. والقدر خيره وشره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. الرابع: إحصاء أسماء الله الحسنى وفهم معانيها، والتعبد لله بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فالله كريم والتعبد له بأن تكون كريماً، والله عفو والتعبد له أن تكون عفوًا بين الناس، وأن تعفو عمن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك وهكذا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. الخامس: طلب العلم الشرعي أخبارًا وأحكامًا وأخلاقًا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].

стр. 153

وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. ويقول النبي ﷺ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» أخرجه مسلم (١). السادس: الإكثار من ذكر الله وتلاوة كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. ومن ذكر الله أحبه وأطاعه، وأقبل عليه، واستأنس به، واستوحش من غيره: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. السابع: المداومة على العمل الصالح بأنواعه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ

стр. 154

رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]. فعلينا المداومة على الفرائض، وإتباعها بالنوافل، والجمع بين الواجب والسنة؛ لنكون من السابقين بالأعمال الصالحة، والسنن التي أمر الله بها. أعظم شيء في خزائن الله : وأعظم شيء في خزائن الله هو الهداية إلى الإيمان، وإلى الصراط المستقيم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]. والإيمان له لفظ، وله طعم، وله حلاوة، وله حقيقة، وله ثمرة، فمن ذاق طعم الإيمان وجد حلاوته، ومن وجد حلاوته وصل إلى حقيقته، ومن وصل إلى حقيقته فاز بثمره: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 155

والإيمان من حيث وجوده نوعان: الأول: إيمان فطري: فطر الله عليه جميع الخلق: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. الثاني: إيمان كسبي: يحصله الإنسان بالنظر في الآيات الكونية الدالة على عظمة الله، وعظمة ملكه وسلطانه، والنظر في الآيات القرآنية الدالة على أسماء الله وصفاته وأفعاله ودينه وشرعه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. والإيمان من حيث التحصيل على ثلاث درجات: إيمان موجود .. وإيمان مفقود .. وإيمان مطلوب. والإيمان المطلوب هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر والقدر خيره وشره. والمطلوب هو الإيمان الكامل الذي تتحقق به مواعيد الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فنجتهد على الإيمان الموجود لتحصيل الإيمان المفقود، لنصل إلى الإيمان المطلوب، بكثرة التدبر والنظر في الآيات الكونية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 156

ففي السموات والأرض مخلوقات عظيمة لا يحصيها إلا الذي خلقها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فالنظر والتدبر يزيد الإيمان، والقرآن مملوءٌ بالآيات التي تحث الإنسان على أن يعمل عقله لينظر ويتدبر: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠]. والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، فكلما زاد الإيمان زادت الطاعات، وكلما نقص الإيمان نقصت المعاصي. • والإيمان كالمال له أربعة جهود: الأول: جهدٌ على تحصيله: بالنظر في الآيات الكونية التي تزيد الإيمان، وتدبر الآيات القرآنية. الثاني: جهدٌ على حفظه: بلزوم البيئة الإيمانية، والانقطاع عن الجو الغافل الذي يذهب الإيمان أو يضعفه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].

стр. 157

فمن جلس مع الصادقين زاد صدقه، ومن جلس مع المؤمنين زاد إيمانه، ومن جلس مع الصالحين زاد صلاحه. الثالث: جهد على الاستفادة من الإيمان عند الحاجة والضرورة، فتظهر قدرة الله له بذلك الإيمان، ويؤمن الناس، كما حصل للأنبياء إبراهيم وموسى ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام وغيرهم، حيث نصرهم الله لكمال يقينهم، وقوة توكلهم، كما جعل الله النار بردًا وسلامًا لإبراهيم ﷺ ، وفجر الماء لموسى ﷺ ، وكذا لمحمد ﷺ ، وفلق البحر لموسى ﷺ ومن أمن معه فأنجاهم الله وأغرق فيه فرعون وجنوده: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٧]. الرابع: جهد على نشر الإيمان في العالم؛ ليزيد الإيمان، وتزيد الأجور، وتنتشر الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]. • وسائل الحصول على كما الإيمان: للحصول على كمال الإيمان وحقيقة الإيمان لابد من العلم بسبعة أمور: الأول: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 158

الثاني: معرفة القرآن بأخباره وأحكامه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. الثالث: معرفة الرسول ﷺ بأقواله وأعماله وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١] الرابع: معرفة الإنسان وحكمة خلقه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. الخامس: معرفة الشيطان لنحذره: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. السادس: معرفة الدنيا التي نعيش فيها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. السابع: معرفة الآخرة التي سوف نصير إليها: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ آل [عمران: ١٤ - ١٥]. فهذه العلوم هي أصول العلم الإلهي، وأعظم أبواب التوحيد والإيمان، ومفاتيح أبواب الهداية. اللهم إنا نسألك إيمانَا كاملاً، ويقينًا صادقاً، وقلبًا خاشعاً، ولسانًا ذاكرا، يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 159

٣ - خزائن الإحسان وتشمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة

стр. 160

٣ - خزائن الإحسان ١ - الخزانة الأولى • الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان أكبر مراتب العبودية لله ؛ لما فيه من كمال الإيمان والتقوى، وقوة اليقين والصدق، ولذة القرب والمشاهدة، وحضور القلب، وحسن القول والعمل والخلق، وكمال الحب والتعظيم والذل لله . والله يحب المحسنين: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. والله مع المحسنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. وقال الله : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. فسبحان العليم بالظاهر والباطن، والمحسن والمسيء: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. ومن خشع قلبه حسن عمله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 161

• مراتب دين الاسلام: دين الإسلام على ثلاث مراتب، بعضها أوسع من بعض وهي: الإسلام .. والإيمان .. والإحسان. وكل مرتبة لها أركان. والفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان: أن الإسلام والإيمان إذا قُرن أحدهما بالآخر فالمقصود بالإسلام: الأعمال الظاهرة، وهي أركان الإسلام الخمسة. والمقصود بالإيمان: الأعمال الباطنة، وهي أركان الإيمان الستة. وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه. ودائرة الإحسان من جهة نفسه أعم من دائرة الإيمان، ودائرة الإيمان أعم من دائرة الإسلام. فالإحسان أعم من جهة نفسه؛ لأنه يشمل الإيمان فلا يصل العبد إلى مرتبة الإحسان إلا إذا حقق الإيمان، والإحسان أخص من جهة أهله؛ لأن أهل الإحسان طائفة من أهل الإيمان، فكل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسن. والإيمان أعم من الإسلام من جهة نفسه؛ لأنه يشمل الإسلام فلا يصل العبد إلى مرتبة الإيمان إلا إذا حقق الإسلام. والإيمان أخص من جهة أهله؛ لأن أهل الإيمان طائفة من أهل الإسلام ليسوا كلهم، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].

стр. 162

وعن عُمرَ ابن الخطاب ﵁ قالَ: «بَينَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ إذْ طلَعَ عَلَيْنا رَجُلٌ شَديدُ بَيَاضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حتَّى جَلَسَ إلى النَّبيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ؛ وقالَ: يا محمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ. فَقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِليْهِ سَبِيلًا». قالَ: صَدَقْتَ. قالَ: فَعَجِبْنا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ. قالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قالَ: صَدَقْتَ. قالَ: فَأَخْبِرْني عَنِ الإحسانِ؟ قالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإِنَّهُ يَرَاكَ». أخرجه مسلم (١). • مراتب لإحسان: الإحسان مرتبتان: المرتبة الأولى: أن يعبد المسلم ربه كأنه يراه عبادة طلب وشوق، ورغبة ومحبة، فهو يطلب من يحب وهو الله ويقصده ويعبده كأنه يراه بصفات جماله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وهذه أعلى المرتبتين.

стр. 163

المرتبة الثانية: إذا لم تعبد الله كأنك تراه وتطلبه، فاعبده كأنه هو الذي يراك عبادة خائف منه، هاربٍ من عذابه وعقابه متذللٍ له: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. وفقه الإحسان: أن يعلم العبد أن الحكمة التي خلق الله من أجلها السموات والأرض، وخلق من أجلها جميع المخلوقات، وخلق من أجلها الحياة والموت هي الابتلاء بحسن العمل، المبني على كمال التوحيد والإيمان بالله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢]. والطريق إلى إحسان العمل هو معرفة خالق السموات والأرض بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه، ووعده، ووعيده، ومراقبة الله في كل عمل، والعلم بأن الله بكل شيءٍ عليم وعلى كل شيءٍ شهيد وعلى كل شيءٍ قدير، والاقتداء بالرسول ﷺ فيما جاء به عن ربه : ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. وهذا أعظم واعظٍ في القرآن يدعو المسلم إلى إحسان العمل لربه، فيؤديه لله الملك الرحمن الرحيم بالمحبة له، والتعظيم له، والذل له، كأنه يراه، فإن لم

стр. 164

يكن يراه فإنه يراه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. فإحسان العمل هو الذي خلق الله الخلائق من أجل الابتلاء به، والطريق التي يصح بها الإحسان ويكمل هو الواعظ الأكبر في القرآن، وهو مراقبة الله، وعلم العبد أنه كأنه يرى وينظر إلى ربه جل وعلا حين يقف بين يديه في جميع أحواله، وأنه إن لم يكن يراه فالله بلا شك يراه في جميع أحواله، فإذا علم العبد أنه بين يدي جبار السموات والأرض، وأن الله يراه أحسن عمله لربه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. فإن من كان أمام ملك من ملوك الدنيا لابد أن يحسن عمله أمامه، ويطيعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فكيف لا يقف بين يدي ربه بصفة التعظيم له، والذل له، والحب له، ويحسن عمله لربه ﷻ . فليحسن العبد عمله لله العليم السميع البصير، الذي يسمعه إن تكلم، ويراه إن عمل، ويعلم بما في قلبه إن سكت، ليفوز برضاه، وينال أحسن ثوابه، وينجو من عقابه، ومن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ٢].

стр. 165

• كمال العبودية لله : وكمال العبودية لله وجل مبنية على أمرين: غاية الحب لله .. وغاية التعظيم والذل له. ويحصل ذلك بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه ونعمه، ومعرفة دينه وشرعه، ومعرفة ثوابه وعقابه. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والحب لله يولد الشوق والطلب، والتعظيم والذل له يولد الخوف والهرب، وهذا أصل الإحسان في عبادة الله سبحانه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. والله يحب المحسنين، والله مع المحسنين، فكن عبد المحسن، وعبد الرحمن، عبد الكريم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾ [لقمان: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].

стр. 166

والدين ركنان: الأول: عبادة الحق. الثاني: الإحسان إلى الخلق: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]. والإحسان في حق الله هو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والإحسان من أعظم وأكمل وأشرف مراتب العبودية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥]. ولإسلام هو: الاستسلام لله ظاهرًا بالأقوال والأعمال الظاهرة، وقد يكون الإسلام حقيقيًا موافقًا للباطن، وقد يكون نفاقًا. فأهل الإحسان قليلون في أهل الإيمان، وأهل الإيمان قليلون في أهل الإسلام، وأهل الإسلام قليلون في أهل الشرك: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]. والمسلمون يوم القيامة في أهل الشرك كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود. • حقيقة الإحسان: حقيقة الإحسان أن تعبد الله في مقامين: الأول: مقام المشاهدة، بأن تعبد الله كأنك تشاهده بأسمائه وصفاته وأفعاله، فتؤدي العبادة بكمال الإخلاص، مع كمال الإحسان، وهذه أكمل المرتبتين وأعلى المقامين أن تعبد الله كأنك تراه.

стр. 167

الثاني: المراقبة بأن تستحضر أن الله يراك في مقامك، وهذا يبعث العبد على الخوف والوجل من الله، ومرتبة المراقبة أقل شأنًا من مرتبة المشاهدة، ويتحقق الإحسان في عبادة الله بالجمع بين حسن السريرة، وحسن السيرة والإتيان بالواجبات والمستحبات واجتناب المنهيات والمكروهات واتقاء الشبهات، والإخلاص، وحسن المتابعة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. • والإحسان إلى الخلق يتحقق بأمرين: الأول: بذل النداء، وحسن القول والعمل معًا. قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. الثاني: كف الأذى عنهم، وتحمل الأذى منهم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزمل: ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].

стр. 168

٢ - الخزانة الثانية الله سبحانه أحسن الخالقين، والإنسان أحسن المخلوقين، والقرآن أحسن الكتب، ورسولنا ﷺ أحسن الرسل، وديننا أحسن الأديان، والجنة أحسن مقيلًا، والله خلقنا في هذه الدنيا ليبلونا أينا أحسن عملًا، وأمرنا أن نقول بالتي هي أحسن: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وأمرنا الله بالإحسان في كل حال، وأمرنا أن نعمل بأحسن شيء وهو الدين، وأن ندعو إلى أحسن شيء وهو الدعوة إلى الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. فالله أحسن الخالقين، والدعوة إليه أحسن الأعمال، وجزاء المسلم عند ربه أحسن الجزاء: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦]. ومن أحسن أحسن الله إليه بأحسن مما أحسن به: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. والله محسنٌ يحب الإحسان والمحسنين: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. فالله سبحانه أحسن الخالقين: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧]. والإنسان أحسن المخلوقين: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤].

стр. 169

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]. والقرآن العظيم أحسن الكتب: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]. وهذه الأمة أحسن الأمم وخيرها وأفضلها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. والرسول ﷺ أحسن الخلق خلقاً وخلقا وسيد الأنبياء والرسل: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وديننا أحسن الأديان: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]. والله خلقنا في هذه الدنيا ليبلونا أينا أحسن عملًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. وأمرنا الله أن نقول بالتي هي أحسن: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣].

стр. 170

وأمرنا الله بالإحسان في كل شيء وفي كل حال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. ودعانا سبحانه للعمل بأحسن شيء وهو الدين: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. وأمرنا سبحانه أن ندعو إلى أحسن شيء: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وأمرنا أن نعلم أحسن شيء: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال النبي ﷺ : «خَيْرُكُم من تَعَلَمَ القرآن وعَلْمَهُ». رواه البخاري (١). وجنة الله للمؤمن أحسن مقيلًا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]. ورضوان الله ورؤيته وسماع كلامه والقرب منه أحسن من ذلك كله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨]. فأحسن كما أحسن الله إليك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهداية والإسعاد: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ

стр. 171

الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. • الإحسان من حيث فعل العبد نوعان: الأول: إحسانٌ في عبادة الله بالقلب والجوارح، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وتؤدي العبادة حسنةً بالجوارح كما فعلها الرسول ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. الثاني: إحسانٌ في معاملة الخلق، وهو النصيحة لهم، وبذل المعروف، وبذل الندى وكف الأذى، والإحسان سببٌ لمحبة الله للعبد، وزيادة الأجر والخير: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨]. وكل إحسان من العبد إحسان من الرب، وإحسان الرب أحسن وأعظم من إحسان العبد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. والإحسان إلى ذوي القربة من أعظم أنواع الإحسان بعد الإحسان في عبادة الله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].

стр. 172

وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]. والإحسان يتفاوت بحسب القرب والبعد، فكل من كان أقرب لك فهو أولى بالإحسان منك، والإحسان عامٌ يشمل الإحسان بالقول والفعل والمال والجاه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وأعظم الإحسان هو دعوة الناس إلى ربهم ليعبدوه ويوحدوه. والقول الحسن مركبٌ من أمرين: الأول: قولٌ حسن في هيئته، بأن يكون بلطفٍ ولين، وعدم شدةٍ أو غلظة. الثاني: قولٌ حسن في معناه بأن يكون خيرًا، لأن كل قولٍ حسن فهو خير: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. ومن أحسن القول الدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. فالإحسان تحسين الظاهر والباطن. والإحسان في عبادة الرب له مرتبتان: الأولى: مقام المشاهدة، وهو أن تعبد الله كأنك تراه بقلبك، فتعبد الله وتستحضر قربه منك، وإقباله عليك، وإحسانه عليك، فيتولد من ذلك الحب له، والتعظيم له، والذل له، والخشية له. الثانية: مقام الإخلاص والمراقبة: وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله له، واطلاعه عليه، وقربه منه، وذلك موجبٌ لإخلاص العمل له؛ لأن استحضار ذلك في عمله يحمله على مراقبة الله له فيحسن عمله

стр. 173

والخوف منه والإخلاص له ويمنعه من الالتفات إلى غيره، وهذا مقام المراقبة، والأول أعلى المقامات وهو أن تعبد الله كأنك تراه، ويليه المقام الثاني وهو مقام المراقبة وهو أن تعبد الله إن لم تكن تراه فإنه يراك. والأقوال والأعمال والأخلاق والأشياء تنقسم إلى قسمين: حسنٌ .. وقبيح. والحسن ينقسم إلى قسمين: حسنٌ وأحسن .. وجميلٌ وأجمل. فالأحسن أجمل، والأجمل أفضل، كما قال لموسى ﷺ : ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]. وقد جمع الله بينهما في القرآن فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. فهذا حسن. ثم رغب في الصبر الذي هو أحسن فقال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]. وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. فهذا حسن، ثم رغب في الأفضل والأحسن فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. فالعدل حسن، والإحسان أحسن.

стр. 174

• والإحسان ثلاث درجات: الأول: أن تُحسن عملك. الثانية: أن تحسن إلى نفسك. الثالثة: أن تُحسن إلى غيرك. فإحسان العمل أعلاه أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فأنه يراك، فتحسن لربك العمل كما أحسن إليك بالنعم: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. فكما أمدك الله بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهداية والإسعاد، فاعبد الله مخلصًا له الدين، لأنه هو الذي خلقك في أحسن تقويم، ورزقك، وأمرك بعبادته، واصطفاك على ما سواك. والإحسان إلى الغير يكون بإيصال النفع إليه، ودفع الضرر عنه. فإيصال النفع يشمل تعليم الجاهل، وهداية الضال، والإحسان إلى المحتاج. وإعانة العاجز: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. أما دفع الضرر عنه فيكون بمنعه عما يضره من الأقوال والأعمال والأشياء، ومقابلة الإساءة منه بالإحسان إليه، والعفو عن زلته، فالمؤمن يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويحسن إلى من أساء إليه، فليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك فقط، فذاك مكافأة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. إنما الإحسان الجامع أن تحسن في عبادة ربك، وتحسن إلى نفسك بحملها على الطاعات، وأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، وتُحسن إلى من

стр. 175

أحسن إليك، وتُحسن إلى من أساء إليك: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. فهذا إحسانٌ إلى الغير. ثم قال سبحانه في الإحسان إلى النفس بحملها على فعل الطاعات، والتوبة من المعاصي، والبعد عن المحرمات: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦]. وقال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].

стр. 176

٣ - الخزانة الثالثة • أقسام الإحسان: الإحسان قسمان: الأول: إحسانٌ في عبادة الله، ويكون بتوحيده، والإيمان به، وطاعته، وحسن عبادته. الثاني: إحسانٌ إلى عباد الله، ويكون ببذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، وحسن الظن. والإحسان في عبادة الله: أن تعبد الله كأنك تراه بقلبٍ حاضر راغب طلبًا ومحبةً وشوقًا إليه، فإن لم تفعل فاعلم أن الله يراك فاعبده خوفًا منه وخشيةً له، وهذه دون الأولى. أما الإحسان إلى عباد الله: أن تعاملهم بما هو أحسن من الأقوال والأفعال والأخلاق، والبذل والعطاء، والعون والمساعدة ونحو ذلك من النصح والتوجيه والإرشاد والتعليم: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. والإحسان إلى الناس ينقسم إلى قسمين: الأول: إحسانٌ إلى من أحسن إليك، وهذا حسن. الثاني: إحسانٌ إلى من أساء إليك، وهذا أحسن القسمين، لما فيه من العفو والإحسان. والإساءة تنقسم إلى قسمين: الأولى: إساءةٌ إلى من أساء إليك.

стр. 177

الثانية: إساءةٌ إلى من أحسن إليك، وهذه أقبح القسمين، لما فيها من الظلم والعدوان. فإحسان الله إلى الكفار أعظم أنواع الإحسان بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، وإساءتهم وكفرهم أعظم وأقبح أنواع الإساءة، فالكفار شر البرية، وجنايتهم أعظم الجنايات ولهذا استحقوا أعظم العقوبات، وهي نار جهنم التي تنتظرهم حيث لا أمل في الفرار ولا أمل في الإخراج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]. • أنواع إحسان الرب: أحسن الله إلى جميع عباده بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى: الأولى: نعمة الخلق والإيجاد. والثانية: نعمة القوت والإمداد. والثالثة: نعمة الهداية والإسعاد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وكما ملأ الله الكون بنعمه التي لا تُعد ولا تُحصى فلنملأه بمحبته وعبادته وذكره وشكره وتمجيده: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. • أقسام الإحسان: الإحسان ثلاثة أقسام: الأول: إحسان في عبادة الرب سبحانه بالإخلاص، وحسن المتابعة، وكماله أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، ويكون

стр. 178

بتصديق أخبار الله ورسوله، وفعل الأوامر، واجتناب المناهي: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢]. الثاني: إحسان إلى النفس، ويكون بحملها على كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، والأخلاق، وزجرها عن كل ما نهى الله ورسوله عنه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. الثالث: إحسان إلى الغير، ويكون بالنصح له، والدعاء له، والتعاون معه على البر والتقوى، وبذل الندى له، وكف الأذى عنه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. فكل مسلم أطاع الله ورسوله بفعل واجب أو مندوب، وأطاع الله ورسوله بترك محرم أو مكروه، فهو محسن إلى نفسه بتعريضها لنيل ثواب الله، ونجاتها من عقاب الله، فهو قائم بحق نفسه بالعمل الصالح وثوابه، وقائم بحق ربه بتوحيده والإيمان به وطاعته: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].

стр. 179

ومن فعل واجبًا أو مندوبًا متعديين إلى غيره، أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديين إلى غيره، فقد قام بحق نفسه، وحق ربه، وحق من تعدى إليه ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وقال الله تعالي: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. والقرآن الكريم مملوء بالترغيب في هذا النوع: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. وكل عبد مطيع لله محسن إلى نفسه، فإن كان إحسانه متعديًا إلى غيره تعدد أجره وثوابه بقدر من تعلق به إحسانه، وبقدر حجم إحسانه، وبقدر أنواع إحسانه، وبقدر ما يتحقق بإحسانه من جلب المصالح، ودرأ المفاسد: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. فإن كان حاكمًا أو أميرًا، فهو محسن إلى نفسه، وإلى كل من يتعلق به إحسانه من ولاته وقضاته ورعيته. وإن كان قاضيًا فهو محسن إلى نفسه بطاعة ربه، ومحسن إلى المدعي إن كانت له حجة بنصره، بإيصال حقه إليه، ومحسن إلى المدعى عليه ظلمًا بنصره، وحفظ حقه ممن ظلمه. وإن كان مفتيًا، فهو محسن إلى نفسه، ومحسن إلى المستفتي بإجابته.

стр. 180

وقد فتح الله الكريم لعباده أبوابًا كثيرة إلى الجنان، حتى إنهم ليثيبهم على النيات والقصود، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» متفق عليه (١). ولكل عمل ثواب أو عقاب بحسب حسن العمل أو سوءة، فمن أصبح عازمًا على الإحسان على حسب الإمكان، فإنه يؤجر على مقصوده، وإن لم يقع مقصوده، وتختلف أجور القصود باختلاف رتب المقصود، فمن تصدى للحكم بالعدل بين الناس، فله ثوابان، ثواب على قصده ونيته، وثواب على تصديه لذلك، وإن لم يتحاكم إليه أحد، وإن تحاكم إليه أحد أثيب على كل حكومة بعشر حسنات، يختلف أجرها بحسب المحكوم به من تحقيق المصالح، أو درء المفاسد: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ومن تصدى للفتيَا أثيب ثوابين: أحدهما: على قصده ونيته. والثاني: على تصديه لذلك، وتفريغ نفسه لذلك وإن لم يستفتيه أحد، فإن استفتاه أحد، فأجاب أثيب على كل جواب بعشر حسنات تختلف رتبها وثوابها باختلاف رتب المصالح والمفاسد، ولا يهلك على الله إلا هالك. قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وتلك التجارة الرابحة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)
следующие страницы →