← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. الثاني: معرفة الدين الحق، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه إلى العباد؛ ليعملوا به ويعلموه للناس. قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. الثالث: معرفة الرسول، الذي أرسله الله بهذا الدين الحق، ومعرفة أقواله وأعماله وأخلاقه؛ ليتم للعبد الاقتداء به، والاهتداء بهديه، وإتباعه بكل ما جاء به. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 1402

ويجب على الإنسان أن يقتدي بالرسول ﷺ في خمسة أمور: في نيته وفكره وفي توحيده وإيمانه وفي توحيده وإيمانه وفي أعماله الصالحة وفي أخلاقه العالية. الرابع: معرفة هذا الإنسان الذي خلقه الله بيده، الذي سخر له ما في السموات، وما في الأرض، الذي يريد الله منه أن يكون له في الدنيا خليفة، وفي الآخرة جليسة، والجهد عليه حتى يؤمن بالحق، ويعمل بالحق، ويدعو إلى الحق: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. الخامس: معرفة عدو الإنسان، وهو الشيطان، ومعرفة خطواته، وكيده، ومكره بالإنسان؛ ليسلم الإنسان من شره، ويحذر من إتباعه، والوقوع في حبائله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].

стр. 1403

وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١ - ٦٠]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. السادس: معرفة الدنيا دار الإيمان والعمل، ومكان الابتلاء والاختبار، ودار الفناء والغرور. قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥]. السابع: معرفة الآخرة، دار الوعد، والوعيد، ودار الثواب، والعقاب، ومكان الخلود في دار القرار في الجنة، أو النار. قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].

стр. 1404

وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]. وقال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦] وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 1405

٨ - خزائن العلم والإيمان القسم الأول ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 1406

٨ - خزائن العلم والإيمان القسم الأول ١ - الخزانة الأولى: فقه العلم الإلهي العلم الإلهي أعظم العلوم، وأزكاها، وأوجبها؛ وهذا العلم إما أن تطلبه لله ، فيثمر أنواع العبادات، والخيرات، والبركات؛ أو تطلبه لغير الله فتكون أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة. وعلامة العلم الإلهي الذي لله أن يأتي بعد ذكر الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. وهذا العلم وحده هو الذي يُثمر خشية الله وتقواه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. ويُثمر القنوت لله ، والخوف منه، ورجاءه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وهذا العلم الإلهي يُثمر حب الله ، وتعظيمه، وتكبيره.

стр. 1407

ويُثمر الإكثار من ذكره، وحُسن عبادته: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وأعظم الحقوق الإلهية: حق الله تعالى، وحق كتابه، وحق رسوله ﵌. وحق العلم الإلهي أن تعمل به، وحق القول أن تَصدُقَ في الحديث، وحق القلب الإخلاص، وحق العين الاعتبار، وحق الأذن سماع الحق: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. والإيمان له ثلاث علامات: الأولى: وجلُ القلب عند ذكر الله . الثانية: زيادة الإيمان عند سماع القرآن. الثالثة: التوكّل على الله وحده: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. ومن استكمل هذه الثلاث فهو المؤمن حقًا، وجزاؤه عند ربه رِفعةُ الدرجات، والمغفرة، ودوام النعيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 1408

أقسام الحياة: حياة العقول مطلوبة، وحياة القلوب مطلوبة. وحياة العقول تُعمَّر بالأقلام: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١]. وحياة القلوب تعمَّر بالأقدام: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والحياة لها ثلاثة مواطن: حياة الدنيا .. وحياة البرزخ .. وحياة الآخرة. فحياة الدنيا للفناء، وحياة البرزخ للانتهاء، وحياة الآخرة للبقاء؛ فالحياةُ الدنيا لمعرفة الله وعبادته، وحياة البرزخ للسؤال عن الله، وحياة الآخرة لرؤية الله والخلود في الجنة لمن آمن، والخلود في النار لمن كفر؛ ففي الدنيا تكون الدراسة، وفي القبر الاختبار والسؤال، وفي الآخرة النتائج بالفوز أو الخسران: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. فيوم القيامة الفوز فقط للصادقين: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩]. لأنهم في الدنيا صادقون: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].

стр. 1409

وكذلك تعاونوا مع الصادقين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وحياة النبي ﷺ تنتشر في العالم بجناحين: الأخلاق الكريمة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ورحمةِ العالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ومن عاش هذه الحياة فهو أسعد الناس في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. والله سبحانه أكرمَ آدم ﷺ فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله مركبًا من جسدٍ وروحٍ، وجعل الروح جوهر الحياة، وضمن لها البقاء، وجعل الجسد وعاءً حافظًا للروح إلى أجل معلوم، واختص الله وحده بالكمال المطلق في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. وكتب على خلقه النقص المطلق من كل وجه، ليقف الصغير بباب الكبير ﷻ ، ويتوجه الفقير إلى الغني، ويسجد العاجز للقادر، ويلجأ الضعيف إلى القوي، وغير ذلك من الأسرار التي اقتضتها حكمته وكمال علمه ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. والإنسان كائنٌ حي مكونٌ من روحٍ وجسدٍ يعتري كلا منهما نقصٌ في الخَلق والخُلق، ونقصٌ في الشعور والإحساس؛ فالجسد ما دام حيًا تصيبه الأمراض الحسية في سمعه وبصره وجوارحه، والروح كائنٌ حيٌ تصيبه الأمراض النفسية من قلقٍ وخوفٍ، واكتئابٍ واضطرابٍ، ووسوسةٍ وشكوكٍ،

стр. 1410

وسحرٍ وحسدٍ، ونحو ذلك، فكل من الجسد والروح مخلوقان معرَّضان للنقص والقصور، والأمراض القلبية والبدنية: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ [الروم: ٥٤]. والأمراض التي تصيب البشر ثلاثة: الأول: مرضٌ بدنيٌ يحس به صاحبه، ولا يُحسُّ به غيره، كوجع الضرس، وألم الرأس. والثاني: مرضٌ عقليٌ يشعر به غيره، ولا يُحسُّ به صاحبه، كنقص العقل. والثالث: مرضٌ روحيٌ لا يشعر به صاحبه، ولا يشعر به غيره. وشفاء هذه الأمراض كلها في القرآن الكريم: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. ومفاتيح القلوب، ومقاليد الأمور، بيد الواحد الأحد، الغني عن كل أحد، القادر على كل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد، فلا تقف بباب أحدٍ سواه من المخاليق: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢]. وصحة الجسم في قلة الطعام، وصحة النفس في قلة الكلام إلا في ذكر الله، وصحة القلب في قلة الآثام، وصحة الروح في كثرة الصلاة على خير الأنام، وصحة القلوب والقوالب بذكر الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].

стр. 1411

ومن عرف الله حقًا آمن به حقًا، وأحبه حقًا، وكبره حقًا، وعبده حقًا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. كرامات الله لأدم وذريته: أكرم الله آدم وذريته بأنواع الكرامات ومن ذلك: الأولى: أن الله خلق آدم بيديه الكريمتين كما قال سبحانه: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ [ص: ٧٥]. الثانية: أن الله نفخ فيه من روحه، كما قال سبحانه للملائكة: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر: ٢٩]. الثالثة: أن الله أمر جميع الملائكة بالسجود لآدم لما قبل الأمانة، تقديرًا لمقامه، ورفعًا لذكره، وإظهارًا لكرامته: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. الرابعة: أن الله جعل آدم وذريته خلفاء الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] الخامسة: أن الله خلق ما في الأرض جميعًا لآدم وذريته إكرامًا لهم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]. السادسة: أن الله سخر لآدم وذريته ما في السماوات وما في الأرض ليكون ذلك عونًا على طاعتهم لربهم، وإظهارًا لفضله عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].

стр. 1412

السابعة: أن الله خصَّ آدم بمعرفة الأسماء كلها: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١]. الثامنة: أن الله خلق آدم وذريته في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [التغابن: ٣]. التاسعة: أن الله خصَّ آدم وذريته بالعقول التي يميزون بها بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. العاشرة: أن الله اجتبى آدم وذريته من بين الخلق، واختار الأنبياء والرسل منهم: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥]. الحادية عشرة: أن الله خصَّ آدم وذريته بأنواع الكرامات في الدنيا إظهارًا لمكانتهم، ورفعةً لشأنهم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. وأكرم المؤمنين منهم بأنواع الكرامات يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].

стр. 1413

الثانية عشرة: أن الله لما خلق آدم خلق منه زوجة ليأنس بها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. الثالثة عشرة: أن الله لما خلق آدم وزوجه، وأنعم عليهما بأنواع التكريم، أسكنهما الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥]. الرابعة عشرة: أن الله أكرم آدم وذريته بلباس الأبدان، ولباس الإيمان، والتقوى كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦]. وغير ذلك من أنواع الكرامات التي تزيد على أربعين كرامة مذكورة في القرآن والسنة.

стр. 1414

٢ - الخزانة الثانية: أقسام العلماء: العلماء قسمان: أحدهما: عالمٌ كالبئر، لا تستفيد منه حتى تذهب إليه، فهذا نفعه محدودٌ بمن حضر مجلسه. الثاني: عالمٌ كالسحب يتجوَّل بعلمه بين الناس، فيستفيد منه كل الناس، ويحبه كل الناس: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وعطاء الله للناس نوعان: أحدهما: عطاءٌ خاص؛ كعطاء المال، والأشياء، وعطاء الطب، ونحو ذلك من العطاءات، هذا عطاءٌ محدودٌ لبعض الناس. الثاني: عطاءٌ عام لكل الناس جميعًا؛ كعطاء الداعي إلى الله، وهو يدعو كل الناس إلى رب الناس، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فهذا عطاؤه عام لكل الناس كالشمس، والقمر، والسحب، والأرض، فمن أعطاه الله عطاءً خاصًا فليعطي من هذا العطاء الخاص غيره: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] لكن عليه ألا ينسى العطاء العام لكل الناس، وهو الدعوة إلى الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧].

стр. 1415

وأعلى مستوى في العطاء هو الدعوة إلى الله التي فيها نجاة الناس في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. فالداعي في الليل يقول لربه يا رحمن ارحمني، يا غفار، يا كريم، وفي النهار يغفرُ ويرحمُ ويكرمُ الناس، ففي الليل تعلقٌ مع الرب، وفي النهار تخلّقٌ مع الخلق: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. والعلم له حقوق؛ فحق العلم العمل به، وحق العمل إتباع السنة، وحق القول الصدق، وحق القلب الإخلاص: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وحق العين التدبر، وحق الأذن أن تسمع كتاب الله، ودروس العلم والمواعظ، وحق العقل التمييز بين البدائل، والتمييز بين الخالق والمخلوق، وأداء الحقوق الواجبة في أوقاتها ومقاديرها: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. واعلم أن الحياة الدنيا دار الإيمان والعمل والفناء، والبرزخ دار الانتهاء، والآخرة دار البقاء في الجنة أو النار: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وحياة الناس في الدنيا على أربع درجات: إما حياةٌ كحياة البهائم، أو حياةٌ كحياة السباع، أو حياةٌ كحياة الشياطين، أو حياةٌ كحياة الأنبياء والمرسلين، وهذه أعلى أنواع الحياة، ومن عاش هذه الحياة أسعده الله في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا

стр. 1416

تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. فخلق الله هذه الدنيا لمعرفة الله وعبادته، وجعل البرزخ للسؤال عن الله وعبادته، وجعل الآخرة لرؤية الله، والخلود في الجنة لمن آمن بالله، والخلود في النار لمن كفر بالله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. فقه الدعوة إلى الله: بعث الله كل نبيٍ ليعلِّم أمته كيف تعبُدَ الله وحده: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وهذه الأمة علَّمها النبي ﷺ كيف تدعو إلى الله، وكيف تعبد الله. فقال في الدعوة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال في العبادة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 1417

وأول فريضةٍ علَّمها النبي ﷺ أمته هي أن تعرف من هو الله، والفريضة الثانية كيف تدعو إلى الله، وتعرف من هو الله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. الدعوة إلى الله حكمةٌ في اللسان، وحرقةٌ في القلب، ودمعةٌ في العين، ورحمةٌ للخلق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وبسمة الداعي إلى الله ليؤلف قلوب الخلق على الإيمان بالله، أعظم عند الله من بكاء العابد، وعمل الدعوة إلى الله عملٌ عظيم، لأنه عمل العظماء من الأنبياء والمرسلين الذين يدعون إلى ربهم العظيم ﷻ ، وكلما عظم العمل، عظم الأجر والثواب: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وبالدعوة إلى الله يترقى الداعي إلى ما يدعو إليه من الأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وميدان جهد الأنبياء هو الإنسان، وبيئة جهد الأنبياء هو المسجد، وجبالٌ من الأعمال الانفرادية، أصغر من ذرةٍ من الأعمال الاجتماعية، والأعمال الاجتماعية هي الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين، وتأخر الناس في قبول الحق، حتى يترسَّخ الحق في قلب صاحب الدعوة، ثم يكون همه الأول الدعوة إلى الله في كل مكانٍ

стр. 1418

وزمانٍ وحالٍ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]. وفي هذه الدنيا يعيش المؤمن في جنة الأرواح، وفي الآخرة يَخلُد في جنة الأرواح والأشباح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]. وكمال الإنسان وكمال الحيوان بكمال بدنه، وكمال المسلم بكمال إيمانه، وتقواه، وأخلاقه، وجهد الصناعة على الأشياء، وجهد الأنبياء على النوع البشري: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وعبودية المخلوق للمخلوق ليستفيد منه، وعبودية المخلوق للخالق أن يستفيد هو من الخالق: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ [لقمان: ٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وأكثر كفار مكة ليست عندهم مشكلة في توحيد الربوبية والألوهية، ولكن عندهم مشكلة في محمد رسول الله ﷺ : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢].

стр. 1419

وجمال الدنيا بحسن العلاقة مع الله؛ بتصديق الأخبار، وفعل الأوامر، واجتناب النواهي: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. واصبر على أداء الطاعات، واصبر عن المحرمات، واصبر على الأقدار المؤلمة، لتسمع في الجنة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٤] ومن أحسن في ليله بحسن العبادة، وحلاوة المناجاة لله، كوفئ في نهاره بالإحسان إلى الخلق بالدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى خلق الله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. قول المسلم، قول الداعي إلى الله، قول أهل لا إله إلا الله، أن يقولوا لكل أحد: أن الفوز والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة هو فقط بيد الله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وأقوال المسلم كلها في الدعوة إلى الله، في توحيد الله، في ذكر الله، في الأمر بعبادة الله وحده: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].

стр. 1420

والله اصطفى الأنبياء والرسل بكلامه، وشرّفهم بالدعوة إليه، واصطفى هذه الأمة بكلامه وهو القرآن الكريم، وشرّفها بالدعوة إليه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وقد جعل الله مع كل سببٍ ماديٍ نافعٍ نفعًا محدودًا كالأكل، والشرب، والتجارة، والزراعة، والصناعة، ولو شاء الله لسلبه النفع، وجعل مع كل سببٍ ضارٍ ضررًا محدودًا، ولو شاء الله لسلبه الضرر، كما سلب ضرر النار عن خليله إبراهيم ﷺ . وجعل الله مع سببية الإيمان والتقوى معيّته ونصرته، وفوزٌ وفلاحٌ مطلقٌ غير محدود، حتميُّ النتائج. فالأسباب الإيمانية قطعية، والأسباب المادية ظنية، والأسباب نوعان: • أسبابٌ بأيدينا وبأيدي جميع الكفار، وهي الأسباب المادية وهي من عطاء الربوبية. • وأسبابٌ بأيدي المؤمنين فقط، وهي امتثال أوامر الله على طريقة رسوله ﷺ : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]. والصحابة ﵃ لما عرفوا ذلك بادروا إلى الأسباب الإيمانية، ولم يلتفتوا إلى الأسباب المادية وإن فعلوها، ولهذا تمتعوا بالمجاهدات،

стр. 1421

والتضحيات من أجل إعلاء كلمة الله، كما نتمتع الآن بالشهوات لتحقيق رغبة الجسد، فصارت مجاهداتهم لإحياء أوامر الله أحب إليهم من شهواتهم بسبب كمال إيمانهم، ويقينهم على ربهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. والصحابة ﵃ تعلموا من النبي ﷺ حب الآمر، وحب الأوامر قبل أن يتعلموا حب الثواب على الأوامر، فصلاة ركعتين فيها رضى الله، وفيها دخول الجنة، ومرضات ربي أحب إلي من مرضاة نفسي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]. والله خلق الدنيا الفانية من ترابٍ ورمالٍ، وأحجارٍ، وحديدٍ ونحاسٍ؛ وخلق الجنة لبنةٌ من ذهب، ولبنةٌ من فضة، وأنهار الماء واللبن، وأنهار الخمر والعسل، ولأهلها فيها من كل الثمرات: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥]. ذِكرُ حياة الملوك والأمراء والوزراء تُعَلّقُ قلب العبد بالجاه والمناصب، وذكر حياة التجار والأغنياء تُعَلّقُ قلب العبد بالأموال وأنواع الشهوات، وذكر حياة الأنبياء والرسل تُعَلّقُ قلب العبد بتوحيدهم وإيمانهم، وصفاتهم، وجهادهم، وجهدهم، وعبادتهم كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١].

стр. 1422

وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١]. وحياة البهائم تُعلّقُ قلب العبد بالسفليات والشهوات، وحياة الملائكة تُعلّقُه بالعلويات من الإيمانيات، والعبادات، وأنواع الطاعات. والمؤمن يخرج في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في البشرية؛ لنستطيب حياة النبي ﷺ ، ونزهد في حياتنا الماضية، ولهذا أمرنا الله بذكر حياة الأنبياء والرسل دون غيرهم، وكل الأمة إلا القليل عندهم سخاءٌ في الإنفاق على الشهوات والحاجات، وتقصيرٌ في القيام على المقصد العظيم، وهو عبادة الله وحده، والدعوة إليه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وأعلى مستويات التعبّد لله أن نمشي إلى كافر لندعوه الى الله، ونكون سببًا لنجاته من عذاب الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وأعلى أنواع التعبّد، التعبّد لله بالقوة الخُلُقية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وأن نُكرِمَ الناس من أجل أن يعرفوا ربهم، هذا تعبدٌ بصفة الكرم، وأن نُكرم لنعرف أن المعطي هو الذي أعطانا، ويريد منا أن نعطي ونكرم. والحق ثقيلٌ على النفوس المريضة، خفيفٌ على النفوس الطيبة، والباطل ثقيلٌ على النفوس المطمئنة، خفيفٌ على النفوس المريضة: ﴿إِنَّهُمْ

стр. 1423

كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والفقه في الدين ينقسم الى قسمين: الأول: فقه العبادات: وهو كيف يأتي الدين على الوجه الصحيح في حياتي. الثاني: فقه الدعوة: وهو كيف يأتي الدين الصحيح في حياتي، وفي حياة الآخرين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وفقه الدعوة له بداية، وليس له نهاية، وله كل الأوقات: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. أما فقه العبادة فبدايته في العهد المدني، وانتهى بموت النبي ﵌. والقرآن هو المصدر الأول لفقه الدعوة؛ فقد بيَّن الله فيه صفات الأنبياء والرسل، وكل من دعا إلى الله، والسُّنّة النبوية هي المصدر الأول لفقه العبادة؛ حيث فصَّلت السُّنّة كيفية الوضوء، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغيرها من العبادات، والقرآن المكي كله تفصيلٌ لفقه الدعوة، والقرآن المدني تفصيلٌ لفقه العبادة، والخطأ في العبادة يضُرُّك، والخطأ في الدعوة يكون فتنةً للعالم، والقرآن المكي فصَّل أحوال الداعي، ومجّده، وأثنى عليه، وفصَّل أحوال المدعو، وفصَّل ثواب الداعي والمدعو، كما قال الله عن الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].

стр. 1424

٣ - الخزانة الثالثة أركان الدين: الدين ركنان: عبادة الحق سبحانه، والإحسان إلى الخلق. قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وعبادة الحق فيها أجورٌ عظيمةٌ، ودعوة الخلق إلى الحق فيها أجور كثيرة، وأضعاف أضعاف أجور الشعائر التعبدية، لأن أجور الشعائر تنقطع بموتك، وأجور الدعوة إلى الله، والإحسان إلى الخلق، تزيد أجورك حيًا وميتًا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. والله خلق جميع المخلوقات لتعبُدَه، وتدلُّ على جلاله وجماله، وليعرِّف الله عباده بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وحظ النفس، وحق النفس، قد جاء بهما القرآن. أما حظ النفس: فهو ما تحتاجه في الحياة من طعامٍ، وشرابٍ، ولباسٍ، ونحو ذلك من الحاجات: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ

стр. 1425

وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٢]. وأما حق النفس: فهو حملُها على طاعة الله ورسوله بتعلم الدين، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على كل ذلك: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. وجميع الأحوال المحبوبة والمكروهة للابتلاء، وجميع الأعمال الصالحة للفلاح والنجاة: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. والأحوال من أمنٍ وخوفٍ، وغنىً وفقرٍ، تَمُرُّ، والأعمال الصالحة تبقى، والدنيا دار الحقوق، والآخرة دار الأجور، لهذا أمرنا الله بالعلم الإلهي لمعرفة الحقوق، ومعرفة الأجور: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 1426

والله سبحانه خلق الدنيا لنا، لنؤدي حقوق الله، ورسوله، وكتابه، وحقوق المؤمنين، وحقوق الناس كافة، وخلقنا للآخرة، لننال فيها كمال النعيم الأبديّ بعد أداء الحقوق والواجبات: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وأصحاب النبي ﷺ جلسوا معه بنيَّة الإتباع لسنّته، وصحبوه بنيَّة التربية، وقاموا من عنده بنيَّة تبليغ ما جاء به إلى البشرية كافة، أولئك أصحاب محمد ﵌ أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والنبي ﷺ جاء بالإيمان بالله، والعلم الذي يُبين الأجور والحقوق والواجبات، والعمل بموجبها، وإبلاغها للناس: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]. وفعل الأسباب مأمور بها شرعًا، لأنها تُعين على أداء الحقوق، والواجبات. وترك الأسباب منهيٌ عنه شرعًا، لأن من ترك الأسباب عجز عن أداء الحقوق والواجبات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].

стр. 1427

ولأن فعل الأسباب عبادةٌ وشريعةٌ يؤجر عليها العبد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. ومقصد بعثة الأنبياء والرسل أربعة أمور: توجيه الخلق من المخلوق إلى الخالق، وتوجيههم من الدار الفانية إلى الدار الباقية، وتوجيههم من الجهد على الأموال والشهوات إلى الجهد على الإيمان والأعمال الصالحة، وتغيير اليقين على المخلوق إلى اليقين على الخالق وحده لا شريك له: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وإذا كانت القلوب أَحدية، كانت الجوارح مُحمدية، ومن قَرَّت عينه في الصلاة، قَرَّت به كل عين تراه، وأحبه كل من يسمعه أو يراه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]. إذا دعوت غيرك إلى الله فلم يهتدِ، رجعت إليك الهداية كاملة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والأخوَّة ثلاث درجات: أخوة رحم .. وأخوّة إيمان .. وأخوّة إنسانية. o فالأخوّة الإيمانية تثمر المحبة o والأخوّة الإنسانية تثمر الرحمة o وأخوّة الرحم تثمر المحبة والرحمة قال الله تعالي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].

стр. 1428

وشجرة الدين عظيمة؛ سماؤها المجاهدة والتضحية، وسقايتها دمع العين بالبكاء، والتضرّع أمام الله ، وجذورها توحيد الله بأسمائه وصفاته، وأفعاله، وعبادته، وساقها أركان الإسلام الخمسة، وفروعها أركان الإيمان الستة، وأوراقها الطاعات، وأزهارها السُّنن، وثمارها الأخلاق الحسنة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. الداعي إلى الله يستبشر ويُبشِّر، ولا يُكشِّر ولا يُنفِّر، ويَسعد ويُسعد الناس، ويتجمَّل ويُجمِّل الناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. هذه الأمة خير الناس للناس، أخرجها الله للناس، لتُسعد جميع الناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهذه الأمة كانت شرَّ القرون، فصارت بفضل الله بالتوحيد والإيمان خير القرون، ومن استعمل ذكاءه للدنيا فقط سقط من عين الله، ومن استعمله في رضاه ﵁ وأرضاه: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. والناس اثنان: منهم من يحب أن يموت في سبيل الله، فهو مواظبٌ على فعل أوامر الله، فهذا يُذَكَّر ويُؤمَر بفعل الطاعات والواجبات والسنن، واجتناب المعاصي والكبائر والصغائر.

стр. 1429

ومنهم من يُحب أن يَعْمُر هذه الحياة الدنيا بأمور الدنيا من التجارة والصناعة، فهذا يُذكَّر بفتنة المال، وفتنة الشهوات، وخطر الإقبال على الدنيا، ونسيان الآخرة. والله وحده هو المعطي لخلقه من هذا وهذا، وهم درجات في العطاء والفضل. قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢٢]. أساس الأعمال: أساس العبادات الإيمان والإخلاص، وأساس المعاشرات الإحسان والإيثار، وأساس المعاملات الصدق والأمانة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وإذا فسدت العبادات فسدت المعاشرات، ثم فسدت المعاملات، ثم خرج الدين من حياة الناس، ثم نزلت بهم عقوبة الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].

стр. 1430

حتى تبقى المودة والمحبة نتعاشر بها في الدنيا كالإخوان، ونتعامل كالأجانب، لتبقى المودة والمحبة. والمعرض عن التوحيد مشركٌ شاء أم أبى، والمعرض عن الإيمان بالله كافرٌ شاء أم أبى، والمعرض عن طلب العلم جاهلٌ شاء أم أبى، والمعرض عن العمل بالسّنة مبتدعٌ شاء أم أبى، والمعرض عن العمل منافقٌ شاء أم أبى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ مِنْهُ، فَهو رَدٌّ». متفق عليه (١). والأعداء حقنوا أمة الإسلام بمذاهب ومبادئ مختلفة، لتحويلها عن دينها، وصرفها عن مصدر عِزِّها، لتفقد القدرة على إدارة نفسها، والتصرّف بذاتها، إلى الاعتماد على غيرها من أعدائها: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩]. والشيطان عدوٌ مبينٌ لكل إنسان؛ فالشيطان همه الوحيد أن يجعل الناس في الدنيا يكفرون، ويشركون، ويلحدون، ويتقاتلون، ويتفرقون، ويوم القيامة إلى جهنم يذهبون: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. أيها المسلم: بالجهد التجاري تُفرح زوجتك وأولادك، وبالجهد الإداري تُفرح رئيسك، وبالمناصب تُفرح أباك وأمك، وبالجهد الدعوي والتعليم تُفرح ربَّك، وأحبُّ شيءٍ إلى الله في الدنيا أن تضحِّي بكل شيءٍ من أجل

стр. 1431

مرضاته، وأحبُّ شيءٍ إليه في الآخرة أن يُفرحك بما يَسُرُّك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. والله فتح لعباده في الدنيا أبواب الهدى، وفتح لعباده في الآخرة أبواب الهوى، كما قال سبحانه عن الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ [الزخرف: ٧١]. والله ما مدح أهل الدنيا بأموالهم وأشيائهم، وإنما مدحهم بتوحيدهم، وإيمانهم، وأعمالهم، وتضحياتهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].

стр. 1432

وخلق الله الدنيا لاتِّباع الهُدى، ومخالفة الهوى، وخلق الآخرة لإكرام أهل الهُدى، وإذلال أهل الهوى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٣٤ - ٤١]. يجب علينا معرفة الحاكم قبل معرفة أحكامه، ومعرفة الآمر قبل معرفة أوامره، ثم معرفة أحكامه، ثم عبادته بموجب تلك المعرفة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].

стр. 1433

٤ - الخزانة الرابعة فقه الدعوة إلى الله: الدعوة إلى الله أعظم الأعمال بعد الإيمان بالله، فيجب علينا إيجاد الساجد قبل بناء المساجد، وإخراج الأبرار من الفُجّار، وأهل التقوى من أهل الفجور، والدنيا يصلحها اتباع الهدى، وترك الهوى، ويفسدها اتباع الهوى، وترك الهدى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣]. والدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. لأن جهد الدعوة لمصلحتي أنا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. أما فرض الكفاية: كتغسيل الميت، والصلاة عليه، فهو من أجل غيري. والدعوة إلى الله تقوم على أربعة أصول: الأول: بيان قدرة الله ، والاستفادة من قدرة الله بامتثال أوامره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. الثاني: بيان قصص الأنبياء والرسل للاقتداء بهم في دعوتهم، وتوحيدهم، وإيمانهم، وأخلاقهم، لأنهم قدوة للخلق: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ

стр. 1434

حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. الثالث: بيان التأييدات الغيبية للصحابة ﵃، لأنهم قدوة لنا: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]. الرابع: بيان الإيمان، وعلاماته، وأركانه، وشُعَبِه، ليكمل الإيمان في حياتنا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فهذه الأسباب تقوي الإيمان في القلوب، وإذا زاد الإيمان قويت الأعمال، وإذا زاد الإيمان، وقويت الأعمال، فاز العبد برضوان الله والجنة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وهذا الكون العظيم بحرٌ من الأدلة على وحدانية الله، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، ومشحونٌ بالبراهين الدالة على عظمة جلال الله وجماله، وكمال قدرته، وسعة علمه ورحمته: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. ببصرك ترى السماء والأرض، وببصيرتك ترى خالق السماوات والأرض، ببصرك ترى الجبال والبحار، وببصيرتك ترى الخالق الذي خلق الجبال والبحار، ببصرك ترى الأرزاق والنعم، وببصيرتك ترى الرزاق الذي خلق

стр. 1435

الأرزاق والنعم، ببصرك ترى الملوك والحكام، وببصيرتك ترى الذي ملَّكهم المُلك: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤]. بالبصر ترى المخلوقات والأشياء، وبالبصيرة ترى الخالق الذي خلقها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. كل سكران بحب الدنيا، وكل سكران بعبادة الهوى، وكل سكران بعبادة الشهوات؛ لا يمكن له ان يعرف ربه، ويعبده بالحب والتعظيم والذل له حتى يطهّر قلبه من هذه الحجب، والموانع، والعوائق، ثم يزكيها بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وكلُّ الناس في كلِّ صباح يُنفّذ صفقةً مع الرحمن أو مع الشيطان، وهو في ذلك إما رابحٌ أو خاسرٌ: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. وقال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال النبي ﷺ : «كُلُّ النَّاسِ يَغْدو، فَبائعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُها أَوْ مُوبِقُها» أخرجه مسلم. (١)

стр. 1436

أيها المسلم اقرأ أكثر تعرف ربك أكثر، تتعلم أكثر، تُكرِم أكثر، تتقي الله أكثر، تقوى أكثر، تُكبّر الله أكثر، تحب الله أكثر: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. أيها المسلم اقرأ القرآن قراءة البحث والعِرفان، وقراءة الشكر والعرفان، وقراءة التسليم والإذعان، تزداد إيمانا وهداية وتقوى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وابتلاءات الله لعباده نوعان: الأول: ابتلاءات كبيرة؛ كابتلاءات الأنبياء كابتلاء أيوب بالمرض، وابتلاء يونس في البحر، وابتلاء إبراهيم بالنار وذبح الولد، وابتلاء محمد ﵌ بأذى قومه له، فصبر حتى أظهره الله عليهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. قال النبي ﷺ : «أشدُّ النَّاسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ يُبتَلى الرَجُلُ على حسَبِ دِينِه». أخرجهالترمذي (١) الثاني: ابتلاءات صغرى؛ كالابتلاء بالأموال والأولاد، وحب الشهوات، والأمراض، ونحو ذلك من الفتن والابتلاءات التي يُبتلى بها الخلق، كما قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

стр. 1437

(١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. ومن علم الله من قلبه حُبَّ الحق هداه إليه، ومن علم منه عدم حُبِّ الحق تركه وما اختار: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. والعلم شيء، والمعرفة درجةٌ فوق العلم، وبها يرى ويعرف الإنسان حلاوة العلم ماثلًا بين عينيه. وحُجُب الشهوات والمعاصي تمنع القلب من رؤية الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، فالله قريبٌ شهيدٌ لكل شيء: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]. ومن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله بقلبه، وطهَّر قلبه من كل مخلوق، وأقبل على الطاعات الظاهرة والباطنة، واجتنب المعاصي القلبية والبدنية؛ رأى ربه حقًا، كما قال الله عن الكفار: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]. والله أكرم عباده بكرامتين، هما: الماء الذي به صلاح الأرض، والوحي الذي به صلاح القلوب؛ فالماء مخلوق عظيم، جعله الله سببًا للحياة، وهو مخلوقٌ حرُّ الحركة، سائلٌ شفافٌ لزجٌ، سريع الانتشار،. منضبط الحرارة الكامنة فيه؛ فالنبات تسعون بالمائة منه ماء، والإنسان والحيوان سبعون بالمائة منه ماء، وكل قطرة من الماء مغلَّفة بغلاف يحفظها، وقطرات الماء متآلفة فيما بينها عند تجمعها أو سيرها، ويصعد الماء إلى أعلى، وينزل إلى الأسفل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 1438

أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. إذا كان الله معك فكل ما سواه معك، وإذا كان الله عليك فكل ما سوى الله عليك، لأن الله له جنود السماوات والأرض، ينصر بها من يشاء، ويخذل بها من يشاء، وإذا أحبك الله هداك إلى الحكمة، وألقى محبتك في قلوب الخلق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]. وإذا أبغضك الله سلَّط الله عليك ما يشقيك، وألقى بُغضك في قلوب الخلق: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله تُخرجك من سجن وجودك الى حلاوة شهود ربك، والأُنس بقربه، وعلم الله واسعٌ لا يحيط به أحد، ورحمة الله واسعة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وليس عند العرش، ولا الكرسي، ولا اللوح المحفوظ، ولا أم الكتاب، ولا غير ذلك قابليةً أن يستوعب حدثًا واحدًا من علم الله إلا بمقدار ما هو مُهيَّأ له من علم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 1439

وقدرة الله واسعة، لا يحيط بها أحد، ورحمة الله واسعة لا يحيط بها أحد، ومغفرة الله واسعة لا يحيط بها أحد، وبصر الله واسع أحاط بكل شيء؛ فلو فتحنا ثقبًا صغيرًا في جدار غرفة ورأينا قلمًا يتحرك بالكتابة، وإذا فتحنا ثقبًا أوسع لرأينا اليد التي تحرك القلم، وإذا فتحنا الباب كله لرأينا الإنسان الذي يحرك اليد بالقلم، وإذا نظرنا إلى الكون العظيم لرأينا الرب العظيم الذي يدبِّر جميع المخلوقات بالتحريك، والتسكين، والحياة، والموت، والعطاء، والمنع: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. خطابات الله للبشر: إذا خاطب الله الناس في القرآن بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو يريد منهم أن يؤمنوا به. وإذا خاطبهم بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو يريد منهم أن يطيعوا من آمنوا به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وإذا خاطبهم بـ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ فهو يريد منهم أن يقتدوا بأبيهم آدم ﵌، وغيره من الأنبياء والرسل من أولاده. أقسام العقول: عقول الناس ثلاثة أقسام: عقول كبيرة .. وعقول متوسطة .. وعقول صغيرة.

стр. 1440

فالعقول الصغيرة: تفكر في الأشياء الصغيرة، وهي التي تعيش في عالم الأشخاص، ماذا قالوا؟ وماذا فعلوا؟ والعقول المتوسطة: هي التي تعيش في عالم الأشياء من التجارة والزراعة والصناعة. والعقول الكبيرة: هي التي تعيش في عالم الأفكار الكبيرة، وأعظم الأفكار، وأكبر الأفكار: كيف يحيا الدين في حياتي، وحياة الناس؟ وبهذا بعث الله الأنبياء والرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وأَعرف الخلق بالله أشدهم تعظيمًا له، وأشدهم حبًا له، وأشدهم حياءً منه، وأكثرهم استغفاراً له، وأعظم خشية له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. إن مثل العالم بالله بين الناس كمثل القمر بين الكواكب، ومثل العالم في البلد كمثل عينٍ عذبةٍ في البلد، تسقي الزروع والأشجار، والإنسان والحيوان، والعلم في الصدر كالمصباح في القصر، وكل حكمةٍ من أخيك خيرٌ لك من مالٍ يعطيك؛ لأن المال يُطغيك، والحكمة تهديك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
следующие страницы →