← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

أيها المسلم اقرأ أكثر تعرف ربك أكثر، تتعلم أكثر، تُكرِم أكثر، تتقي الله أكثر، تقوى أكثر، تُكبّر الله أكثر، تحب الله أكثر: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. أيها المسلم اقرأ القرآن قراءة البحث والعِرفان، وقراءة الشكر والعرفان، وقراءة التسليم والإذعان، تزداد إيمانا وهداية وتقوى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وابتلاءات الله لعباده نوعان: الأول: ابتلاءات كبيرة؛ كابتلاءات الأنبياء كابتلاء أيوب بالمرض، وابتلاء يونس في البحر، وابتلاء إبراهيم بالنار وذبح الولد، وابتلاء محمد ﵌ بأذى قومه له، فصبر حتى أظهره الله عليهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. قال النبي ﷺ : «أشدُّ النَّاسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ يُبتَلى الرَجُلُ على حسَبِ دِينِه». أخرجهالترمذي (١) الثاني: ابتلاءات صغرى؛ كالابتلاء بالأموال والأولاد، وحب الشهوات، والأمراض، ونحو ذلك من الفتن والابتلاءات التي يُبتلى بها الخلق، كما قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

стр. 1437

(١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. ومن علم الله من قلبه حُبَّ الحق هداه إليه، ومن علم منه عدم حُبِّ الحق تركه وما اختار: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. والعلم شيء، والمعرفة درجةٌ فوق العلم، وبها يرى ويعرف الإنسان حلاوة العلم ماثلًا بين عينيه. وحُجُب الشهوات والمعاصي تمنع القلب من رؤية الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، فالله قريبٌ شهيدٌ لكل شيء: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]. ومن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله بقلبه، وطهَّر قلبه من كل مخلوق، وأقبل على الطاعات الظاهرة والباطنة، واجتنب المعاصي القلبية والبدنية؛ رأى ربه حقًا، كما قال الله عن الكفار: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]. والله أكرم عباده بكرامتين، هما: الماء الذي به صلاح الأرض، والوحي الذي به صلاح القلوب؛ فالماء مخلوق عظيم، جعله الله سببًا للحياة، وهو مخلوقٌ حرُّ الحركة، سائلٌ شفافٌ لزجٌ، سريع الانتشار،. منضبط الحرارة الكامنة فيه؛ فالنبات تسعون بالمائة منه ماء، والإنسان والحيوان سبعون بالمائة منه ماء، وكل قطرة من الماء مغلَّفة بغلاف يحفظها، وقطرات الماء متآلفة فيما بينها عند تجمعها أو سيرها، ويصعد الماء إلى أعلى، وينزل إلى الأسفل: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 1438

أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. إذا كان الله معك فكل ما سواه معك، وإذا كان الله عليك فكل ما سوى الله عليك، لأن الله له جنود السماوات والأرض، ينصر بها من يشاء، ويخذل بها من يشاء، وإذا أحبك الله هداك إلى الحكمة، وألقى محبتك في قلوب الخلق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦]. وإذا أبغضك الله سلَّط الله عليك ما يشقيك، وألقى بُغضك في قلوب الخلق: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله تُخرجك من سجن وجودك الى حلاوة شهود ربك، والأُنس بقربه، وعلم الله واسعٌ لا يحيط به أحد، ورحمة الله واسعة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وليس عند العرش، ولا الكرسي، ولا اللوح المحفوظ، ولا أم الكتاب، ولا غير ذلك قابليةً أن يستوعب حدثًا واحدًا من علم الله إلا بمقدار ما هو مُهيَّأ له من علم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 1439

وقدرة الله واسعة، لا يحيط بها أحد، ورحمة الله واسعة لا يحيط بها أحد، ومغفرة الله واسعة لا يحيط بها أحد، وبصر الله واسع أحاط بكل شيء؛ فلو فتحنا ثقبًا صغيرًا في جدار غرفة ورأينا قلمًا يتحرك بالكتابة، وإذا فتحنا ثقبًا أوسع لرأينا اليد التي تحرك القلم، وإذا فتحنا الباب كله لرأينا الإنسان الذي يحرك اليد بالقلم، وإذا نظرنا إلى الكون العظيم لرأينا الرب العظيم الذي يدبِّر جميع المخلوقات بالتحريك، والتسكين، والحياة، والموت، والعطاء، والمنع: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. خطابات الله للبشر: إذا خاطب الله الناس في القرآن بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو يريد منهم أن يؤمنوا به. وإذا خاطبهم بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو يريد منهم أن يطيعوا من آمنوا به: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. وإذا خاطبهم بـ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ فهو يريد منهم أن يقتدوا بأبيهم آدم ﵌، وغيره من الأنبياء والرسل من أولاده. أقسام العقول: عقول الناس ثلاثة أقسام: عقول كبيرة .. وعقول متوسطة .. وعقول صغيرة.

стр. 1440

فالعقول الصغيرة: تفكر في الأشياء الصغيرة، وهي التي تعيش في عالم الأشخاص، ماذا قالوا؟ وماذا فعلوا؟ والعقول المتوسطة: هي التي تعيش في عالم الأشياء من التجارة والزراعة والصناعة. والعقول الكبيرة: هي التي تعيش في عالم الأفكار الكبيرة، وأعظم الأفكار، وأكبر الأفكار: كيف يحيا الدين في حياتي، وحياة الناس؟ وبهذا بعث الله الأنبياء والرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وأَعرف الخلق بالله أشدهم تعظيمًا له، وأشدهم حبًا له، وأشدهم حياءً منه، وأكثرهم استغفاراً له، وأعظم خشية له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. إن مثل العالم بالله بين الناس كمثل القمر بين الكواكب، ومثل العالم في البلد كمثل عينٍ عذبةٍ في البلد، تسقي الزروع والأشجار، والإنسان والحيوان، والعلم في الصدر كالمصباح في القصر، وكل حكمةٍ من أخيك خيرٌ لك من مالٍ يعطيك؛ لأن المال يُطغيك، والحكمة تهديك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ

стр. 1441

بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال الله عزوجل: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. ومن عُرِفَ بالحكمة لاحظته العيون بالوقار والهيبة، ومن اتخذ العلم إمامًا اتخذه الناس إمامًا، والعالم بالله كمثل الغيث أينما حلَّ نفع، وما عُبِدَ الله بمثل العلم والفقه في الدين: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. والعلم الإلهي هو الذي يورثُ خشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. والأقوات ثلاثة: قوت الأبدان: الطعام والشراب وقوت العقول: العلوم والحِكَم وقوت القلوب: التذكير والوعظ الذي يثمر حب الله وتعظيمه وعبادته. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 1442

٥ - الخزانة الخامسة فقه الدعوة إلى الله: الله غنيٌ عن كل ما سواه، وكل ما سواه محتاجٌ إليه، لم يشاركه أحدٌ في الخلق، ولم يشاركه أحدٌ في التدبير، ولم يشاركه أحدٌ في الحُكم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. هو سبحانه الغني عن كل ما سواه، سبحانه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]. والله من كمال رحمته بعباده أنه يُسعد المؤمن ولو كان فقيرًا، ويجعل حياة الكافر ضنكًا ولو كان غنيًا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦]. وقال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].

стр. 1443

إن مكان الإيمان في القلب، ومكان إظهار اليقين في اللسان، والذي يرزقه الله اليقين يكون كل وقته في الأعمال الصالحة، والذي يُحرم اليقين يكون كل وقته في الأموال والأشياء والأشكال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. في جُهد الدعوة إلى الله نُنزل الناس منازلهم، ونقدّرهم حسب مراتبهم، وعلى حسب مراتبهم نكرمهم بالقول والفعل، ولا نرى لأنفسنا رُتبة، بل نرى أننا أصغرهم وأقلهم، لأننا إذا نظرنا إلى رتبتنا ولم يقدّرنا الناس كان في أنفسنا على الناس شيء: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. والداعي إلى الله مليحٌ يذهب إلى مليحٍ، وهو أخوه المؤمن، فيتعلم منه أو يعلمه، والداعي إلى الله مليحٌ يذهب إلى قبيحٍ، وهو الكافر، فيدعوه إلى الله، ويكون سببًا لهدايته وملاحته. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وفعل الأسباب مأمورٌ به شرعًا، وأداء الأوامر مأمورٌ به شرعًا، لكن فعل الأسباب ظنيْ النتائج، وأداء الأوامر الشرعية قطعيُّ النتائج، فاليقين على جميع أوامر الله قطعي، من استغفر غفر الله له، ورزقه من فضله. قال الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].

стр. 1444

ومن سأل الله أجابه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. والطلب ثلاثة أنواع: طلب الدنيا يكون بالمشي: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]. وطلب الآخرة يكون بالسعي، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩]. وطلب الله يكون بالفرار إليه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فإلى الله فرار، وإلى الآخرة سعي، وإلى الدنيا مشي، وعلى قدر المعرفة بالله تكون المحبة لله، والحركة، والثمرة، وحسن العبادة، وحسن الثواب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٧ - ٨]. أعظم العقود: هو عقد بأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، والله قد اشترى. فهل أنت بعت أيها العبد؟ فالذي باع على ربه هو من شهد أن لا إله إلا الله، وأدّى مقتضاها، وهو أن لا تتعامل مع غيره، وتتعامل مع خلقه حسب أمره: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].

стр. 1445

وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وآدم ﷺ هو الذي تحمَّل الأمانة من بين المخلوقات، ولهذا أمر الله الملائكة بالسجود له، وجعله الله خليفةً في الأرض، وذريته من بعده؛ منهم من أدّى الأمانة، فآمن بالله وعَبَدَه وحده لا شريك له، ومنهم من خان الأمانة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. والله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأنعم عليه بكل نعمة؛ فعليه أن يشكر ربه على هذه النعم لتدوم له، فإذا لم يشكر ربه عليها سلبها الله منه، حفاظةً له لئلا ينشغل عنه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]. والعلاقة مع الخَلْق جسديةٌ ظاهرية، أما العلاقة مع الله فهي باطنيةٌ قلبيةٌ، فإذا وجد الله قلبك مع غيره غارَ عليك، لأنه أرحم بك من نفسك، ولأن القلب محَلَّ نظره سبحانه، كما قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ» أخرجه مسلم. (١)

стр. 1446

وإذا طهَّر العبد قلبه لله بالتوحيد والإيمان أعطاه المحبة له، وإذا أحبك الله أعطاك كل ما يُسعدك في الدنيا والآخرة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. وكل من تخافه من الخلق تهرب وتفرُّ منه، أما الله فكلما خِفته فررت إليه، لأنه لا ملجأ منه إلا إليه، وخوفك منه خوفُ حبٍ، لا خوف كره، كما قال الله عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ومن رحمة الله بعبده العاصي أنه يستره ويمهله ويغفر له، فالسِتر لا يفضحه الله بين الخلق، والمغفرة يغفر له جميع ذنوبه إذا استغفره. قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. والإمهال أن يتركه ليتوب إليه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]. والداعي إلى الله بالحكمة يذكر محاسن المدعو، فيثني على الإنسان بما فيه من الصفات الطيبة، لينشرح قلبه لكلامه، ويذكر محاسن المدعو إليه، وهو الله فيقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].

стр. 1447

وإذا جاءت حقيقة الإيمان في القلب تعلق القلب بالله وحده، وعلم أن الأمور كلها بيد الله وحده، وعلم أن رزقه سيأتيه ولن يأخذه غيره، فاطمئن إلى قلبه، وتوجه إليه في حاجاته، وعلم أن عمله لن يقوم به غيره فاجتهد في أدائه، وعلم أنه سيقابل ربه بعمله فاستحى من ذلك اللقاء: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠ - ٦١]. والقرآن الكريم يذكرك أيها الإنسان بمشاكل معادك، ومعاصيك، والشيطان يذكرك بمشاكل معاشك: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. والله أعطى محمداً ﷺ صفتين عظيمتين: الأولى: صفة الجلال. والثانية: صفة الجمال. فللرسول ﵌ جمالٌ ظاهر، وجمالٌ باطن، أما يوسف ﵌ فقد أُعطي شطر الحسن، ولهذا افتتنت به نساء مصر، أما جمال محمد ﷺ فقد كساه الله بالجلال والوقار. وموسى ﷺ مرَّ بثلاث مراحل من التربية: الأولى: التربية البدنية في قصر فرعون. والثانية: التربية الأخلاقية في رعي الغنم. والثالثة: التربية الإيمانية عند جانب الطور، فالله يربي أنبياءه قبل بعثتهم.

стр. 1448

وقد واجه النبي ﷺ ثلاثة أصناف من الأعداء: الأول: كفار مكة، وهذه أول جمرةٍ أطفأها الله في بدر. الثاني: اليهود في المدينة، وهذه أطفأها الله بعد غزوة بدر. والثالث: المنافقون بقيادة عبد الله بن أبي بن سلول، وهي أخطر الثلاث. ودين الإسلام دينٌ عظيم لا ينتشر إلا بالشورى والطاعة، فالشورى لحفاظة الدين، والطاعة لحفاظة الشخص، وبغير ذلك لا تتم الحفاظة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٨] وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. ومرادنا من أعمالنا تحصيل معية الله، ورضوانه، ومن كان الله معه فكل شيء معه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وتطبيق الأصول على النفس، أما الناس فنأخذهم باليسر والتماس الأعذار لهم: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾ [النساء: ٨٤].

стр. 1449

والدعوة إلى الله لجميع الأمة، والجميع محتاجون إلى الدعوة، لينتقل الجميع من الصلاح إلى الإصلاح، ومن الذكر إلى التذكير، فلا نستغني عن أحد، فكما أن العين لها جهد، والأذن لها جهد، واليد لها جهد، كذلك المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وقال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢] وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال النبي ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ». أخرجه مسلم (١)

стр. 1450

٦ - الخزانة السادسة حلاوة الإيمان: خزائن الحُسُن كلها عند الله، وحُسن الله لا يُدرَك، فكذلك حُسن الدين لا يُدرك، وكذا حُسن الدعوة إلى الله لا يُدرك: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. بفضل الله الصحابة انتقلوا من شرِّ أمة إلى خير أمة، ومن شرّ القرون إلى خير القرون، ومن الضلال المبين إلى الحق المبين، ومن شرّ الناس إلى خير الناس، ومن الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. والداعي الذي ينظر إلى تضحياته في الدعوة يتأخر، والذي ينظر إلى تقصيراته يتقدم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢]. وبجهد الدعوة إلى الله نتحصَّل على الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وبالأخلاق الحسنة الهداية تأتي في حياة الناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والأخلاق الحسنة هي ثمرة الجهد، وبالأخلاق يدخل الناس في الدين.

стр. 1451

قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وجهد الدعوة إلى الله هو الحكمة مع الرحمة والموعظة الحسنة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. ودين الإسلام نصفان: نصفٌ شكر، ونصفٌ صبر؛ والله يحب الشاكرين، ويحب الصابرين. فالشكر: قيام المسلم بجُهد الدعوة مع الأسباب الموافقة. والصبر: قيامه بالدعوة مع الأسباب المخالفة، وفي هذا وهذا أجور عظيمة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥]. وحلاوة الطعام تأتي بعد الطهي، وحلاوة الإيمان تأتي بعد المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وبقدر ما تأتي في القلوب عظمة الدعوة إلى الله، تأتي في القلوب خمس كرامات: عظمة الله، وعظمة أوامره، وعظمة الرسول ﷺ ، وعظمة أوامره، وعظمة اليوم الآخر. والدعوة إلى الله مركبة على العزيمة، والعبادات كلها مركبة على الرُخَص، فالدعوة إلى الله فرضُ عينٍ على كل مسلم ومسلمة، ولا رُخصة فيها لأحد،

стр. 1452

وجميع الرُخَص من أجل أسفار الدعوة إلى الله، وجميع أسفار النبي ﷺ كلها للدعوة إلى الله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. والشيطان عدو مبين للإنسان، يأتيه من جميع الجهات؛ من اليمين والشمال، ومن الأمام ومن الخلف، والشيطان يأتي للإنسان في الظلمة والنور. فيأتي في الظلمة ليُخرج الإنسان من الطاعة إلى المعصية، ويأتي في النور ليُخرج الإنسان من الكل إلى الجزء، ومن العمل الاجتماعي إلى العمل الانفرادي: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. والله استجاب دعاء أشقى الخلق، وهو إبليس حين طلب الإمهال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨]. فكيف لا يستجيب سبحانه دعاء الداعي، والسائل، والمضطر، والعاصي: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. والمؤمن يستفيد من صفات الربوبية؛ فكل نعمةٍ من ربه، ويستفيد من صفات الألوهية؛ من رحمة الله، من عفو الله، من مغفرة الله، من ستر الله:

стр. 1453

﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. أما الكافر فيستفيد من صفات الربوبية من النعم المادية فقط، ولا حظ له من صفات الألوهية، ولا حظ له في الآخرة، لأنه لم يؤمن بالله، كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وتكوين البيئة الإيمانية شرطٌ لقيام الدين، وحفظ الدين، وقد منع كفار مكة رسول الله ﷺ من تكوين البيئة عند الكعبة، فأقامها في دار الأرقم، وحين أرسل رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وعبد الله ابن أم مكتوم إلى المدينة تكونت البيئة الإيمانية، فأسلم في يوم واحد من الأنصار ثلاث مائة بيت، فلا يمكن فهم الدين إلا بتكوين البيئة الإيمانية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وهذه البيئة لا بد أن تكون متحركة تجوب العالم بالدين، لينتشر الدين في العالم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].

стр. 1454

وفي البيئة الإيمانية يكرمنا الله بخمس كرامات: نتعلم الدين .. ونعمل بالدين .. ونثبت على الدين .. ونترقّى في الدين .. وننشر الدين. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. وحب النبي ﵌ بغير إتباعه لا ينفع، فأبو طالب عم النبي ﷺ كان يحب النبي ﷺ ، ويدافع عنه، لكنه لم يؤمن به، فهو في النار، وفي الشعب أمر النبي ﷺ أن ينام في فراشه، ونام هو في فراش الرسول ﷺ ، وقال أقتل أنا، ولا تقتل أنت، لكن حبه هذا كان حب عصبية لمحمد، لا لدين محمد فلم ينفعه، فأبو طالب في قلبه العصبية لمحمد لا لدين محمد فلم يهده الله؛ أما بلال ففي قلبه العصبية لدين محمد ﷺ لا العصبية لمحمد فهداه الله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. أيها المسلم لا تعظِّم المخلوق فتفقد في قلبك تعظيم الخالق، ولا تعظِّم الدنيا فتفقد في قلبك تعظيم الآخرة، ولا تعظم الأشياء فتفقد في قلبك تعظيم أوامر ربك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].

стр. 1455

وكلما تعلَّق قلب العبد بغير الله من زوجٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ حرمه الله منه، وسلطه عليه، ليرجع إلى ربه الذي بيده جميع مصالحه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١] فنتحمل مرارة الدواء من أجل حلاوة الشفاء: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. وعلى قدر علمك بالله سيكون حسن ظنك به، وعلى قدر حسن ظنك بالله سيكون كمال توكلك عليه، وعلى قدر معرفتك بربك تكون قوة محبتك له، وعلى قدر محبتك له تكون قوة عبادتك له، وشكرك له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. ومن لم تكن في قلبه حقيقة لا إله إلا الله، فهو في الصورة يعبد الله، وفي الحقيقة يعبد غير الله ممن تعلق قلبه به من دون الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. ومن أعظم النعم على العبد العقل، فأشغل عقلك في فهم الشرع والقدر، وعطِّله عن انتقاد الشرع والقدر، حتى يرضى الله عنك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].

стр. 1456

٧ - الخزانة السابعة فقه الهجرة والنصرة: الهجرة هي ترك كل الدنيا من أجل إقامة كل الدين في العالم إلى الأبد. وهذه هي هجرة الصحابة الذين تركوا كل دنياهم لأعدائهم في مكة، فالمهاجرون ضحوا بأوقاتهم، وأموالهم، وأنفسهم، وديارهم، وأهلهم، وشهواتهم من أجل دين الله . والنُصرة: هي ترك دنياك من أجل إخوانك المؤمنين المهاجرين في سبيل الله لإعلاء كلمة الله. فالأنصار تركوا أموالهم من أجل الدين، وبذلوا أموالهم من أجل الدين، كعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبي وقاص، وغيرهم، … فالمهاجرون تركوا أموالهم لأعدائهم، والأنصار تركوها لإخوانهم المؤمنين، فالمهاجرون أعلى تضحية، لأنهم جمعوا بين الهجرة والنصرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩]. والدعوة إلى الله لا يمكن أن تقوم في العالم إلا بالهجرة والنصرة، وروح الهجرة الترك لكل شيء من أجل إقامة الدين، وروح النصرة البذل.

стр. 1457

والتربية لا تكمُل أبداً إلا بالهجرة والنصرة، وإذا جاءت الهجرة والنصرة من أجل دين الله، قام الدين، وحصل رضوان الله لأوليائه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. ومقصود الدعوة: تحصيل معيّة الخالق، ومعيّته سبحانه تحصل بالصفات التي هي ثمرة الدعوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. وأفضل الخلق بعد الأنبياء هم المهاجرون والأنصار الذين اكتملت فيهم الصفات، وشهدوا بدرًا، فلما استغاثوا بربهم جميعًا نصرهم الله جميعًا، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]. وبجهد الدعوة إلى الله، وقيام الصحابة بالهجرة والنصرة، ألَّف الله بين قلوبهم حتى صاروا إخوةً كالجسد الواحد: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. والطاعة ثمرة المعرفة، والله سبحانه يأمر وينهى، والرسول ﷺ يأمر وينهى، ولكن لن يطاع الله حقًا، حتى يُعرف حقًا؛ ولن يطاع الرسول حقًا حتى يُعرف حقًا؛ والله سبحانه في القرآن المكي يعرِّف بنفسه وأسمائه وصفاته

стр. 1458

وأفعاله، قبل أن يطلب من الناس أن يطيعوه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. بيَّن الله كيف عظمته، كيف قدرته، كيف قوته، كيف سمعه، كيف بصره، كيف ملكه، كيف خلقه، كيف علمه، كيف حلمه، كيف رزقه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والله يجعل الداعي الى الله سببًا لهداية البشرية إذا تعب ليستريح الناس، وجاع ليشبع الناس، إذا ضحى بكل شيء ليهتدي الناس، إذا بذل ما يملك لينتشر الدين، ويهتدي الناس، إذا ترك ما يملك من أجل أن ينتشر دين الله : ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦] والداعي إلى الله حقًا هو الذي يغار على الناس أن يدخلوا النار، فيصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، من أجل هداية الناس: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 1459

والفراغُ باب المعصية، وأكثر ما يصطاد الشيطان الإنسان عند الفراغ والتقلب في الشهوات: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. والنُّصرة بيد الله وحده، ونصرة الله لرسوله محمدٍ ﵌ فضلٌ عليه من ربه، فقد مات أبوه وهو حمل، وماتت أمه وهو ابن ست سنين، ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، ومات عمه أبو طالب الذي كان يدافع عنه، وماتت زوجته خديجة التي كانت تواسيه بنفسها ومالها، في عامٍ واحد، وليس له أخٌ أو ابنٌ ينصره؛ وذلك ليعلم الناس أن نصرته في السماء لا في الأرض، ومن رب البشر، لا بعون البشر: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢]. والنصرة من الناصر النصير وحده، وعبادة الله لا بد أن تكون مقرونةٌ بطاعته، ولن تكون عبده إذا كنت تطيع غيره، فالعبادة له وحده، والطاعة له وحده، وعبادته وطاعته لا تكون إلا بعد معرفته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وكمال حياة المسلم تكون بسبعة أمور: o تعلم الدين. o والعمل بالدين. o والثبات على الدين. o وإخلاص الدين لله. o وحفظ الدين.

стр. 1460

o وأداء الحقوق. o وكف العبد عما لا يعنيه، وإلا أُخذت حسناته يوم القيامة منه قال الله تعالي: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وكل شيءٍ قرينه الجهل فهو ظلمةٌ، وفسادٌ، وضياع، وكل شيءٍ قرينه العلم فهو نورٌ، وهدايةٌ، وفلاحٌ، وطمأنينة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وأركان الجاهلية التي تهلك الأمة وتمزقها أربعة: o ظن الجاهلية. o وحكم الجاهلية. o وتبرج الجاهلية. o وحمية الجاهلية. وكل هذه ذكرها الله في القرآن الكريم. فظن الجاهلية يسبب فساد قلوب الأمة، وحكم الجاهلية يسبب فساد حياة الأمة، وتبرج الجاهلية يسبب فساد النساء والرجال، وحمية الجاهلية يسبب فساد القبائل، وإذا استفحلت هذه الأمراض الأربعة أدت إلى ذل الأمة وهوانها، وهلاكها: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].

стр. 1461

وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. ولا يغرَّنك أيها المسلم أماكن الاجتماعات والمؤتمرات الفاخرة المزخرفة، فإن أعظم اجتماعٍ في التاريخ كان تحت شجرة، وأثمر ذلك الاجتماع عن رضوان الله ، ونزول السكينة على قلوب المؤمنين، وحصول نصر الله لهم، ووقوع الغنائم من أعدائهم بأيديهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩]. فالنصر من النصير وحده، والرزق من الرزاق وحده، والأمن من المؤمن وحده: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]. وقال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].

стр. 1462

٨ - الخزانة الثامنة فقه العلم والإيمان: الكون كله آياتٌ كونية، والقرآن كله آياتٌ شرعية، وهذه وهذه آياتٌ تهدي المخلوق إلى خالقه، وتذكّره بعظمة مولاه، وتعرّفه بعظيم نعمه وإحسانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. والكتب السماوية السابقة تحمل منهجًا ربانيًا مؤقتًا لأمةٍ مؤقتة، أما القرآن الكريم فيحمل منهجًا ربانيًا دائمًا إلى يوم القيامة لا يتبدل، ويحمل معجزةً خالدةً إلى يوم القيامة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]. أما التوراة فتحمل المنهج لأمة موسى؛ والمعجزة لموسى ﵌ العصا. والإنجيل يحمل المنهج لأمة عيسى؛ والمعجزة لعيسى ﵌ إبراء الأكمه والأبرص. والزبور يحمل المنهج لأمة داوود وهكذا .. والقرآن الكريم كتابٌ عظيمٌ، يحمل المنهج للبشرية إلى يوم القيامة، وهو مهيمنٌ على جميع الكتب؛ كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ

стр. 1463

مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. وكل ما يقوله الناس في الدين من الأحكام والقواعد شرحٌ للسُّنة، وكل السُّنة شرحٌ للقرآن الكريم، وكل القرآن شرحٌ لثلاثة أمور: شرحٌ لأسماء الله وصفاته وأفعاله؛ التي ثمرة معرفتها توحيد الله، والإيمان به، وتعظيمه، ومحبته، وحمده، وعبادته وحده لا شريك له؛ وشرحٌ لأحوال اليوم الآخر؛ وبيانٌ لحياة الرسل والأنبياء كيف نصرهم الله، وخذل أعداءهم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. والمعصية سواءً تعلقت بحق الله، أو حق آدمي، عظيمة؛ فلا تنظُر إلى عظمة المعصية، وانظر إلى عظمة من تعصيه، والمعصية في مكة أعظم، وفي أشهر الحج أعظم وأعظم؛ لأنها وقعت في حرم الرب، وأمام الرب، وأمام خلق الرب، والله هو الإله الذي تألهه القلوب، وتحبه، وتعظمه، ومحبة الله وتعظيمه يقتضي الذل له وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. والشرك تعلق القلب بغير الله، أو تعظيم غير الله كتعظيم الله، وبعد التوحيد أو الشرك تأتي الأعمال بحسب من تتعلق به أو تعظّمه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. والتوحيد هو إفراد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده بأنواع العبادة؛ فالتوحيد كالسماء في عُلُّوها وسَعتها، والتوحيد يرفع صاحبه إلى أعلى المنازل، وأرفع الدرجات، وأحسن الأعمال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا

стр. 1464

كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]. فالذي يسقط من السماء لا شك هالك، والذي يترك التوحيد لا شك هالك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. فالشرك سقوطٌ من العلو إلى السُفُل، فيسقط في أودية الهوى، أو تخطفه الشياطين ويوسوسون له بكل شبهة: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٠ - ٣٢]. فكلمة التوحيد لا إله إلا الله أصلها ثابتٌ في القلب، وفروعها من الأعمال الصالحة في السماء، فهذه الكلمة تُخرج أعمالًا يقبلها الله، وتُثمر حلاوة الإيمان، والثواب العظيم من الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨]. وحبُّ الرئاسة آخر الأمراض خروجًا من القلب؛ لأن حب الرئاسة شديد الخفاء، فإذا خرج استقام القلب لربه، وإبليس أول من أحبَّ الرئاسة، واستكبر عن السجود لآدم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].

стр. 1465

وبالدعوة إلى الله يزيد الإيمان، وبالبيئة الإيمانية يُحفظ الإيمان، وبالمجاهدة يترقى الإيمان في القلب: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وبالهجرة والنُّصرة ينتشر الإيمان، وتحصل الهداية، وترسخ في القلب حقيقة الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤]. ومن كان في معية من لا تدركه الأبصار، فلن تدركه الأبصار؛ فالرسول ﷺ وأبو بكر ﵁ في الغار في معية الله، في معية من لا تدركه الأبصار، فلم تدركهم أبصار من طلبهم من مشركي مكة: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠]. وتزول عن العبد جميع العوائق الداخلية إذا دعا بقوله سبحانه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ [طه: ٢٥]. وتزول عنه جميع العوائق الخارجية إذا دعا بقوله سبحانه: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ [طه: ٢٦]. فكن ذاكرًا لله، حامدًا له، مكبرًا له، في كل أوقاتك، واجمع ما تريد من ربك في ثلاث كلمات: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].

стр. 1466

ثم استغفر الله من كل أعمالك، ولا تثق إلا برحمة ربك: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣]. وإذا صَلُحَت الأخلاق، والمعاملات، والمعاشرات، بين المسلمين، فتح الله أبواب الهداية لدخول غير المسلمين في الإسلام، فغير المسلمين يتأثرون من حسن الأخلاق، وحسن المعاملات، وحسن المعاشرات أكثر من التأثّر بالصلوات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. ومقصود الهجرة والخروج في سبيل الله؛ ليقلَّ حب التعلُّق بالمال، والأهل. والله سبحانه ذكر جهد خمسة وعشرين نبيًا في القرآن في مجال الدعوة إلى الله، ولم يذكر عبادة الأنبياء لأن شرائعهم منسوخة بالقرآن، أما جُهدهم فهو باقٍ ذكره، ذكره الله في القرآن الكريم في عدة سور لتقتدي به هذه الأمة، كما قال الله لنبيه ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠]. وكل القرآن لا توجد فيه قصة عابدٍ واحدٍ، ولا ذاكرٍ، ولا زاهدٍ؛ بل كل القرآن يُبين قصص الدعاة إلى الله من الأنبياء والرسل وغيرهم، لأن الله يريد لهذه الأمة أن تتربى تربية الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 1467

فضل الإكثار من ذكر الله : أفضل الذكر وأنفعه وأحسنه وأتمه ما وطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار الشرعية، وشهد الذاكر من يذكر بأسمائه وصفاته وأفعاله، وفهم معنى الذكر ومقاصده. والمقصود من الذكر إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وإفراده بالحب، والتعظيم، والذل له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. ومن أراد أن يذكر الله حقًا فعليه الاتصاف بخمس صفات: الأولى: تفريغ القلب من كل ما يُشغله عن الله الثانية: والتوبة إلى الله الثالثة: ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله الرابعة: وتذكُّر لقاء الله يوم القيامة الخامسة: والتقرُّب إلى الله بالأعمال الصالحة فإذا خلا القلب من غير الله استعدَّ لذكر الله؛ فلا يذكر غير الله، ولا يرجو غير الله، ولا يفكر في غير الله، ولا يتعلق بغير الله، ولا يخاف إلا الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وأما التوبة فهي رجوع العبد عما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا؛ والله سبحانه توابٌ، يحب التوابين، ويفرح أشد الفرح بمن تاب إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 1468

وقال النبي ﷺ : «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُم وَقَعَ علَى بَعيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فلاةٍ». أخرجه مسلم (١) فتُب إلى الله في كل وقت، وفي كل حال، وقبل الطاعة، وأثناء الطاعة، وبعد الطاعة، وبعد المعصية تنجو وتُفلح وتسعد: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ [النور: ٣١]. ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله تُثمر كثرة ذكره، وحمده، وتكبيره، وتعظيمه، وأن تعبد الله كأنك تراه، والاستحياء منه، ولزوم الاستغفار والتوبة في كل حين: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فالله سبحانه هو الإله الذي يستحق أن يُؤْلَه، ويُحَبْ، ويُعبَد، ويُطاع وحده لا شريك له؛ لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظيم نعمه وإحسانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. والله هو الغني وأنت مفتقرٌ إلى الله من جميع الوجوه؛ في خلقك، في بقائك، في إمدادك، في حفظك، في جميع حوائجك، في هدايتك، وفي عبادتك: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. ومن علم أن جميع الخلق راجعون إلى ربهم؛ سارعَ إلى كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال، والأخلاق، وأكثرَ من ذكر ربه، وشكره بقلبه

стр. 1469

ولسانه وجوارحه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]. ومن عرف الله حقًا آمن به حقًا، وعبده حقًا، وأكثر من ذكره وعبادته، والتقرب إليه بجميع أنواع الطاعات والقُربات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والله قريبٌ من كل خلقه، لا يخفى عليه مثقال ذرة في ملكه، وقريبٌ من عابديه بالإجابة والقَبول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. فمن توفرت له هذه الصفات الخمس ذكر ربه حقًا في كل أحيانه، وخشي ربه واتقاه، ولم يتعلق بأحد سواه، واستأنس بربه، واستوحش من غيره: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. والإجابة من الله مقرونةٌ بحسن الاستجابة من العبد؛ بالإيمان بالله، والانقياد لأوامر الله ونواهيه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].

стр. 1470

والحدث حدثان: الأول: حَدَثُ اللسان؛ ويكون بالكذب، وشهادة الزور، والغيبة، والنميمة، والسب والشتم، ونحو ذلك من الدعوة إلى الباطل والشر والفساد. الثاني: حَدَثُ الفرج؛ ويكون بخروج البول والغائط، وحصول الجماع، والاحتلام، ونحو ذلك. فالأول يوجب التوبة، والثاني يوجب الطهارة، والله يحب من عباده التوبة من الأول، والتطهر من الثاني: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]. المؤمنات الصالحات التقيات: خديجة ﵂ زوج النبي ﵌، عاشت مع رسول الله ﷺ الأحوال المخالفة في مكة، وعائشة ﵂ عاشت معه الأحوال الموافقة في المدينة، وارتفع مقامها معه، فهي زوجة نبي، وطالبة علم، وابنة الصديق، وتسمى أم المؤمنين. وخديجة ﵂ لها مكانة، وذات مال، تزوجت النبي ﵌ أمينًا صادقًا، ولم تتزوجه نبيًا، ولا غنيًا، ولا أميرًا. وآسية زوج فرعون قبل إيمانها كانت سيدة مصر الأولى، ولما آمنت بالله صارت المعذبة الأولى من أجل أن ترضي الله ، فعذبها زوجها فرعون، ووضع لها الأوتاد، وأمر الجلادين بضربها، فقالت وهي تُعذَّب، كما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم: ١١].

стр. 1471

فطلبت الجوار في الآخرة قبل طلب النجاة من فرعون. ومن هؤلاء؛ فاطمة بنت محمد ﵌ فقد شهدت الأحوال المخالفة في مكة، والأحوال الموافقة في المدينة، وصبرت على ما جرى لأبيها أعظم أنواع الصبر. والمرأة لا تُهنَّى بزوجها، وإنما تُهنَّى بجهدها وأخلاقها، وإذا اجتمع لها الأمران فذلك نورٌ على نور، كما حصل لأزواج النبي ﷺ خديجة، وعائشة ﵄، اجتمع لهن جمال الزوج، وجمال الجهد. ومريم ابنة عمران نذرتها أمها وهي في بطنها للدين، فما عاشت دقيقةً واحدةً للدنيا؛ بل عاشت من أجل الدين في خدمة بيت المقدس: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢]. فهؤلاء سيدات نساء العالم؛ خديجة عربية، وعائشة عربية، وفاطمة بنت محمد قرشية، وآسية قبطية، ومريم إسرائيلية، فمريم رزقها الله الولد من غير زوج فتحملَّت كلام الناس، وصبرت، وقامت بما أمرها الله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا

стр. 1472

جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ١٦ - ٢٦]. فكر الداعي إلى الله نشر الهداية في العالم في كل زمان ومكان: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. ومِزاجُ الداعي إلى الله التنازل عن كل شيء، وبذل كل شيء من أجل جمع الأمة على الدين؛ فالداعي الحق يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عن من ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، لتأليف قلوب الأمة، وجمعها على كلمة سواء. ونمشي بجهد الدعوة إلى الله بأحسن الصفات؛ بالرحمة والشفقة، واللين والصبر، والعفو وحسن الظن، وحسن التوكل على الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].

стр. 1473

٩ - الخزانة التاسعة فقه الدعوة إلى الله: في جهد الدعوة إلى الله لا نستغني عن أحد، فالكل محتاجٌ إلى الدعوة، والدعوة محتاجة للجميع، فالعين لها جهد، واللسان له جهد، والرِّجل لها جهد، واليد لها جهد، وكل الأعضاء تخدم الجسد، فالجسد محتاجٌ إلى الكل، والكل محتاجٌ إلى الجسد، وهكذا الدعوة إلى الله تحتاج كل الطبقات ليحصل الخير للجميع: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. ونحن لسنا ملائكة لا نخطئ، فأحيانًا اليد اليمنى تجرح اليد اليسرى، فالتي جرحت هي التي تداوي بالرحمة واللين، والتلطف، والاعتذار، والمسامحة، ومن الطرف الآخر العفو، والصفح، والصبر، وهذا مراد الله من العباد فيما بينهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وفي جهد الدعوة إلى الله نجعل الخطأ الكبير صغيرًا، ولا نجعل الصغير كبيرًا، لتجتمع الأمة ولا تتفرق، وفي جهد الدعوة نراعي الستر على الجميع؛ فنظهر الحق، ونستر الباطل، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا

стр. 1474

والآخرة، وأما الحق فنُظهره حتى ينتشر الخير في العالم من العلوم والصفات، ولابد من التوافق بين الدعوة والداعي؛ فالدعوة تكبر، وتزيد وتنتشر، والداعي يترقى كذلك في إيمانه، وأعماله، وأخلاقه، وبذلك يصل الخير إلى الجميع، ويترقى الجميع: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ونأخذ جميع أعمال الدين بالهمة والعزيمة ليأتي التوفيق والخير والبركات من الله . والله سبحانه أمرنا بطلب الهداية في كل ركعة من الصلاة بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]. وأوجب علينا جهد الهداية بقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. وأكرمَ من قام بجهد الهداية بالهداية بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والله سبحانه أنعم علينا بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تحصى؛ نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإمهال، ونعمة الهداية، ونعمة الإسعاد، ونعمة العقول ونعمة السمع، ونعمة البصر: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. فكل نعمةٍ وكل خيرٍ من الله، وكل شرٍ من النفس والشيطان: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، لقيامها بعمل الأنبياء والرسل، وقد أراد الله لها أن تكون لها القيادة إلى يوم القيامة، لأن الله يريد أن تكون القيادة للخير والحق والفضيلة، لا للشر؛ ومن ثم يجب عليها أن تعطي مما عندها

стр. 1475

من الخير، لا أن تأخذ من غيرها من أمم الجاهلية، في مجال العقيدة والسلوك والأخلاق والآداب، وهي خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. وخير أمة يجب أن تقوم على صيانة الأمة، فتصون حياة البشرية كلها من الشر والفساد، والظلم والطغيان، وتقيمها على الحق والخير، والعدل والصلاح: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وخير أمة يجب أن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليعمَّ الأمن وينتشر في العالم كله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. والمصائب للمؤمنين ابتلاء، والمصائب للكفار عقوبة، فإذا خسرت في تجارة فإن كنت مؤمنًا فهي ابتلاء: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]. وإن كنت كافرًا فهي عقوبة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. والابتلاء للتربية، فلا بد من الصبر عليه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ
следующие страницы →