فطلبت الجوار في الآخرة قبل طلب النجاة من فرعون.
ومن هؤلاء؛ فاطمة بنت محمد ﵌ فقد شهدت الأحوال المخالفة في مكة، والأحوال الموافقة في المدينة، وصبرت على ما جرى لأبيها أعظم أنواع الصبر.
والمرأة لا تُهنَّى بزوجها، وإنما تُهنَّى بجهدها وأخلاقها، وإذا اجتمع لها الأمران فذلك نورٌ على نور، كما حصل لأزواج النبي ﷺ خديجة، وعائشة ﵄، اجتمع لهن جمال الزوج، وجمال الجهد.
ومريم ابنة عمران نذرتها أمها وهي في بطنها للدين، فما عاشت دقيقةً واحدةً للدنيا؛ بل عاشت من أجل الدين في خدمة بيت المقدس: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢].
فهؤلاء سيدات نساء العالم؛ خديجة عربية، وعائشة عربية، وفاطمة بنت محمد قرشية، وآسية قبطية، ومريم إسرائيلية، فمريم رزقها الله الولد من غير زوج فتحملَّت كلام الناس، وصبرت، وقامت بما أمرها الله : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا
стр. 1472
جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ١٦ - ٢٦].
فكر الداعي إلى الله نشر الهداية في العالم في كل زمان ومكان: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
ومِزاجُ الداعي إلى الله التنازل عن كل شيء، وبذل كل شيء من أجل جمع الأمة على الدين؛ فالداعي الحق يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عن من ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، لتأليف قلوب الأمة، وجمعها على كلمة سواء.
ونمشي بجهد الدعوة إلى الله بأحسن الصفات؛ بالرحمة والشفقة، واللين والصبر، والعفو وحسن الظن، وحسن التوكل على الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
стр. 1473
٩ - الخزانة التاسعة
فقه الدعوة إلى الله:
في جهد الدعوة إلى الله لا نستغني عن أحد، فالكل محتاجٌ إلى الدعوة، والدعوة محتاجة للجميع، فالعين لها جهد، واللسان له جهد، والرِّجل لها جهد، واليد لها جهد، وكل الأعضاء تخدم الجسد، فالجسد محتاجٌ إلى الكل، والكل محتاجٌ إلى الجسد، وهكذا الدعوة إلى الله تحتاج كل الطبقات ليحصل الخير للجميع: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
ونحن لسنا ملائكة لا نخطئ، فأحيانًا اليد اليمنى تجرح اليد اليسرى، فالتي جرحت هي التي تداوي بالرحمة واللين، والتلطف، والاعتذار، والمسامحة، ومن الطرف الآخر العفو، والصفح، والصبر، وهذا مراد الله من العباد فيما بينهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وفي جهد الدعوة إلى الله نجعل الخطأ الكبير صغيرًا، ولا نجعل الصغير كبيرًا، لتجتمع الأمة ولا تتفرق، وفي جهد الدعوة نراعي الستر على الجميع؛ فنظهر الحق، ونستر الباطل، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا
стр. 1474
والآخرة، وأما الحق فنُظهره حتى ينتشر الخير في العالم من العلوم والصفات، ولابد من التوافق بين الدعوة والداعي؛ فالدعوة تكبر، وتزيد وتنتشر، والداعي يترقى كذلك في إيمانه، وأعماله، وأخلاقه، وبذلك يصل الخير إلى الجميع، ويترقى الجميع: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ونأخذ جميع أعمال الدين بالهمة والعزيمة ليأتي التوفيق والخير والبركات من الله .
والله سبحانه أمرنا بطلب الهداية في كل ركعة من الصلاة بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
وأوجب علينا جهد الهداية بقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
وأكرمَ من قام بجهد الهداية بالهداية بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والله سبحانه أنعم علينا بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تحصى؛ نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإمهال، ونعمة الهداية، ونعمة الإسعاد، ونعمة العقول ونعمة السمع، ونعمة البصر: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
فكل نعمةٍ وكل خيرٍ من الله، وكل شرٍ من النفس والشيطان: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، لقيامها بعمل الأنبياء والرسل، وقد أراد الله لها أن تكون لها القيادة إلى يوم القيامة، لأن الله يريد أن تكون القيادة للخير والحق والفضيلة، لا للشر؛ ومن ثم يجب عليها أن تعطي مما عندها
стр. 1475
من الخير، لا أن تأخذ من غيرها من أمم الجاهلية، في مجال العقيدة والسلوك والأخلاق والآداب، وهي خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وخير أمة يجب أن تقوم على صيانة الأمة، فتصون حياة البشرية كلها من الشر والفساد، والظلم والطغيان، وتقيمها على الحق والخير، والعدل والصلاح: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وخير أمة يجب أن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ليعمَّ الأمن وينتشر في العالم كله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
والمصائب للمؤمنين ابتلاء، والمصائب للكفار عقوبة، فإذا خسرت في تجارة فإن كنت مؤمنًا فهي ابتلاء: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وإن كنت كافرًا فهي عقوبة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
والابتلاء للتربية، فلا بد من الصبر عليه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ
стр. 1476
مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
والمعرفة لا تكون إلا عن جهل، والإنسان يتعرَّف كل يوم على ما كان يجهله، أما الله سبحانه فهو العليم بكل شيء، فلا يقال عنه عارف؛ لأنه عليمٌ وخبيرٌ بكل شيء، وعلمه لا أول له ولا آخر، ولا بداية له ولا نهاية: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
وحركات الإنسان في هذه الحياة أربع:
فهو إما أن يتحرك لتكميل الشهوات؛ كالكفار والبهائم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
أو يتحرك للحصول على الجاه والمناصب، أو يتحرك للفساد في الأرض كالطغاة والشياطين، أو يتحرك بعبادة الله، والدعوة إليه كالأنبياء، والملائكة، والمؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وكل حركاته الثلاث الأولى مذمومة، وأصحابها خاسرون بلا شك: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٦].
стр. 1477
وقد بعث الله الأنبياء والرسل لنقل الناس من تلك الحركات الثلاث إلى الحركة الرابعة؛ وهي عبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إليه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
والتربية الإيمانية هي البلوغ بالإنسان إلى كماله شيئًا فشيئًا، في أقواله، وأعماله، وأخلاقه، ويتم ذلك بكمال الإيمان والتوحيد، ثم القيام بالأعمال الصالحة حتى يكون هذا المؤمن للمتقين إمامًا: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وكل حكمٍ شرعي كالصلاة والصيام ونحوهما ففيه عقيدة وشريعة؛ فنعتقد أن الصلوات الخمس فرضٌ، وهذه عقيدة، وأداء الصلاة على الوجه الشرعي شريعة، فالدين كله تصديق الأخبار، وتطبيق الأحكام: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
стр. 1478
وصنع الإبرة والسكين والسيارة له مقصد، وكذلك الإنسان خلقه الله لمقصدٍ عظيم، هو عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
والله سبحانه حكيمٌ عليمٌ؛ خلق الدنيا لقضاء الحاجات، وتكميل الإيمان والأعمال الصالحات، وخلق الآخرة لتكميل الشهوات والمحبوبات، ورؤية رب الأرض والسماوات؛ فالدنيا لقضاء الضرورات، والآخرة لتكميل الشهوات: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وكل مخلوقٍ خلقه الله من الذرة إلى العرش محتاجٌ إلى الله في خلقه وبقائه، وحركته، ونفعه وضره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
وأخبار القرآن على ثلاثة أقسام:
أخبار الماضي.
وأخبار الحاضر.
وأخبار المستقبل
فأخبار الماضي للتثبيت والتصديق: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود: ١٢٠].
وأخبار الحاضر للتطبيق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 1479
وأخبار المستقبل للتشويق، والترغيب والترهيب: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
والداعي إلى الله يسعى دائمًا أن يكون الأول ليصل إلى درجة الإمامة في العبادة، في الدعوة، في الأخلاق: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
والداعي إلى الله إذا قال عنه الناس مجنون! فهو أعقل الناس عند الخالق: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ١ - ٢].
وقلب الداعي إلى الله لا بد أن تكون فيه الرحمة، وإلا تسلط عليه العدو، ولم يؤثر في الناس كلامه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وحركة القدم بالدعوة لتعمير القلوب بالتوحيد والإيمان، واليقين والتقوى، وحركة القلم لتعمير العقول بالعلوم النافعة، وحركة القلم لا تقوم إلا بعد حركة القدم: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وأوامر الله كلها ضمان لسلامتك وسعادتك في الدنيا والآخرة، وليست قيدًا لحريتك: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 1480
والتوحيد أن ترى كل أمر بيد الله وحده لا شريك له؛ فالوحوش والسباع كلها بيد الله وحده، وعلاقة الإنسان ليست بهذه السباع، وإنما علاقته بمن يملك هذه الوحوش، وهي مربوطةٌ في ملكه، فإن رضي الله عنك أبعدها عنك، وإن سخط عليك أرخى لأحدها الزمام، فوصل إليك: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
والبشرية إما أن تعيش تحت راية التوحيد التي تجمع الأمة على أساس الإيمان مَنْ كانوا، وحيث كانوا، أمةً واحدةً؛ وإما أن تعيش قطعانًا يأكل بعضها بعضًا، خلف سياج حدود الأرض واللغة، وحدود الجنس واللون، وكلها حدودٌ تُقام للأنعام، حتى لا يختلط قطيعٌ بقطيع: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
والزرع زرعان: زرع الشجر، وزرع الأثر؛ فمن زرع الشجر ربح الظل والثمر، ومن زرع طيِّب الأثر ربح محبة الله، ومحبة البشر: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وجَعْلُ حاجات النفس مِحورِ التفكير والاهتمام، يفضي بالإنسان إلى سوء الظن بالله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وروح العبادة هو الافتقار إلى الله في كل حال، كما قال موسى ﷺ : ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤].
стр. 1481
فهذه آيةٌ عظيمةٌ جامعةٌ للشكر، والثناء، والدعاء، وقد رزق بها موسى ﷺ الزوجة الصالحة، والسكن، والنبوة، والعمل الصالح.
وانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، من أعظم النعم التي يخصُّ الله بها أولياءه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وآسية زوج فرعون كانت ملكة تعيش في أعظم القصور الزاهية، فلما أبصر قلبها قصور الآخرة، زهدت بملك وقصور الدنيا الزائلة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم: ١١].
وسعادة النفوس فقط حين تؤمن أنه لن يصيبها إلا ما كتب الله لها: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
وكل مصيبةٍ قدَّرها الله فهي في صالح العبد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]
المسلم الذي يسلِّم قلبه وقالبه لربه يمتثل أمره فورًا، ولا يسأل عن الحكمة، ولو كان الأمر غريبًا لا يقبله العاقل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
وأعظم عقوبة للعبد أن تحول معاصيه بينه وبين فهم القرآن، والعمل بأحكامه.
стр. 1482
قال الله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف: ٥٧].
وإذا تطابق باطن الإنسان وظاهره بالإيمان والعمل الصالح، فتح الله القلوب لسماع مواعظه وتذكيره: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وشجرة حياتك أيها العبد: أمانةٌ من الله في يدك: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وسقيُها بالقرآن الذي يُثمر للإنسان كل خير، وبرٍّ، وإحسان: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والرعد والملائكة يسبحون بحمد ربهم، وهم لم يذنبوا خوفًا من الله، وإجلالًا لعظمته، واتقاءً لغضبه؛ فكيف بمن يعصيه، ويخالف أمره في كل لحظة: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].
فيا غافلًا: كن ذاكرًا لمولاك الذي خلقك، ورزقك، وهداك: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].
أيها المسلم قل خيرًا أو اصمت، فالكلمات قواطع، واللسان يقطع أعظم من قطع السكين الحادة، فأبق لسانك في غمده إن لم تلطف في قولك: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
стр. 1483
وقال لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
ولا يزال العبد بخير ما دام مستقيمًا أمينًا على سمعه، وبصره، ولسانه، وجوارحه، وعباداته، ومعاملاته: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ [هود: ٨٤].
والهداية بيد الهادي وحده لا شريك له: «يا عبادي! كلُّكُم ضالٌّ إِلَّا مَنْ هديتُهُ، فاستهْدُوني أَهْدِكم». أخرجه مسلم (١)
فمن أراد الهداية فليطلبها من الهادي: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]
وليجاهد نفسه في سبيل تحصيل الهداية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
ومهما بلغ البلاء بك فأحسن الظن بربك؛ فإنه ما ابتلاك إلا ليعافيك، وما منعك إلا ليعطيك، فمريم مرت بموقفٍ عظيمٍ آلمها، فقيل لها: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦].
ومن ذاق حلاوة المناجاة مع ربه أخَّر الحديث مع خلقه كما هو دأب الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
стр. 1484
وإذا اضطرمت الأمور، ورأيت سهام الهلاك قد أحاطت بك، فتيقن أن الله معك: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
ومن كان الله معه فكل شيءٍ معه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣].
وإذا أوجعتك كلمةٌ عابرةٌ نابيةٌ من حبيب فتجاوزها، ولا تلتفت إليها، فإن الأخوة والمحبة الإيمانية أكبر من أن تضيعها كلمة موجعة، كما قال إخوة يوسف ﷺ : ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ [يوسف: ٧٧].
ولما قالوا ذلك ندموا: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢].
والدنيا عَرَضٌ حاضر يأكل منه البر والفاجر، وهي سوقٌ اكتظ ثم انفض، وخرج الناس منه ما بين رابحٍ وخاسرٍ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
والدنيا دارٌ مشحونةٌ بالهموم، والآلام، والأحزان، أولها عناءٌ وشقاءٌ، وآخرها زوالٌ وفناءٌ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾ [فاطر: ٥].
стр. 1485
من استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزِن: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧].
والعاقل من الناس يعمُرُها بالإيمان والأعمال الصالحة، ويعبرُها إلى الدار الآخرة الباقية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والسفيه يتمرَّغ في شهواتها ويتقلَّب في ملذاتها، حتى تأتيه منيَّته وهو غافلٌ عن ربه، وعن دينه وشرعه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
стр. 1486
١٠ - الخزانة العاشرة
معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله:
الله حكيمٌ عليمٌ، أخفى له قبول العمل، لتبقى القلوب على وجل؛ وأبقى باب التوبة مفتوحًا، ليبقى الإنسان على أمل؛ وجعل العبرة بالخواتيم، لئلا يغتر الإنسان بسابق العمل.
وأسعد حياة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وأشقى حياة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].
والداعي العارف: هو الذي ينظر إلى النهايات السارة، لا إلى البدايات الشاقة، فيوسف ﷺ تحمل المشقات في البداية، ففاز في النهاية بالملك، والخلافة، وهداية إخوته: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
وعباد الرحمن هم الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان وحال، وعباد الرحمن هم أهل العبادة من صلاةٍ وصيامٍ، وذكرٍ ودعاء.
قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
стр. 1487
والله هو الرحمن الرحيم الذي استوى على العرش برحمته، فله فوقية الذات، فالله سبحانه فوق جميع مخلوقاته: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وله فوقية القدر، فله الكمال المطلق في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٣ - ١٦].
وله سبحانه فوقية القهر؛ فهو القاهر فوق عباده، القاهر لكل أحد: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
هو سبحانه الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والنعوت الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الملك الذي يفعل ما يشاء بقدرته، هو الخالق بلا مؤونة، المهلك بلا مخافة، والباعث بلا مشقة، أحدٌ غنيٌ عن كل أحد، واحدٌ يحتاج إليه كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
أوجدَ سبحانه كل شيءٍ من لا شيء، وقهر كل شيءٍ بقدرته، وأعطى كل أحدٍ بربوبيته، وعلم بكل شيءٍ فلا يخفى عليه شيءٍ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١].
стр. 1488
هو الملك الذي بيده مقاليد كل شيء، نوَّر الشمس والقمر بقدرته، وأسال البحار والمياه والأنهار بقدرته، وجمَّد الأحجار والجبال بقدرته، وأحاط بكل شيءٍ بسمعه، وبصره، وعلمه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك آمنتم بالله الواحد الأحد، وأحببتموه، وعظمتموه، وعبدتموه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومن لا يعرف ربه، كيف يعرف قيمة أمره!!
فاعرف الحاكم قبل أن تعرف أحكامه، واعرف الآمر قبل أن تعرف أوامره، ثم أطعه بموجب تلك المعرفة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الشورى لمصلحة الدين، والصلاة جماعة لمصلحة العبد، وكلاهما لازم، فكما تجتمع الأمة في صلاة الجماعة، كذلك تجتمع للشورى لمصلحة الدين كل يوم: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٨].
وأعظم تاج للإنسان في حياته أن يقول: أنا عبدٌ لله لا لغيره، كما قال عيسى ﷺ : ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا
стр. 1489
كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٢].
والحياة والموت بيد الله وحده، وما بين الحياة والموت من الأحوال كذلك بيد الله وحده؛ مثل الغنى والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف.
قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وكل ما في الكون من الآيات والمخلوقات مَظهرٌ لقدرة الله، والخلق والأمر كله بيد الله، وكل ما سوى الله ليس بيده شيء، والله وحده بيده كل شيء، وذلك ليعرف الإنسان ربه، ثم يؤمن به، ويعبده وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
والإيمان والتقوى هو المقصود، وجميع الوسائل والأسباب وسيلة للقيام بالمقصود، والوسائل لها أحكام المقاصد في الوجوب والأجور.
والأولاد أمانةٌ في أيدينا؛ نتعاهد تربيتهم البدنية والدينية ليُصبِحوا لنا صدقةً جاريةً إلى يوم القيامة.
قال النبي ﷺ : «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له». أخرجه مسلم (١)
ومن تعاهد تربية أولاده البدنية، وترك تربيتهم، الدينية صاروا سوسًا يأكل المال والعمل، يأكلون مالك في حياتك، ويرثون باقيه بعد موتك، ويأكلون أوقاتك كالسوس يأكل كل شيء.
стр. 1490
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨].
والأسواق جعلها الله لأسباب المعاش، والمساجد لأسباب المعاد، وإذا كانت الأمة تقضي أكثر الوقت في الأسواق مات الدين؛ لأن الأسواق إذا خلت من الدين كانت سوقًا للباطل، كما أن المساجد سوقًا للحق، وأحبُّ البقاع إلى الله في الأرض مساجدها، وأبغضها إليه أسواقها، لأن الشيطان يَركُز رايته في السوق، فيجعل هذا يكذب، وهذا يغش، وهذا يسرق، وهكذا: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
فكل المساجد مصادر الخير، وكل الأسواق مصادر الشر، والمؤمن يجتهد ليكون السوق كالمسجد في الأعمال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٩].
والدنيا بحذافيرها متاع، وهي مطيةٌ للأعمال، فإن كانت الأعمال صالحة كانت زادًا إلى الجنة، وإن كانت الأعمال فاسدة كانت زادًا إلى النار.
والدنيا دار الابتلاء، والآخرة دار الجزاء، فالله خلق الدنيا وملأها ابتلاءً، وخلق الجنة وملأها من ألوان النعيم، وخلق النار وملأها من ألوان العذاب، فكل دار مُلئت بمقصدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ
стр. 1491
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿(١) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
أول شُعب العقل الإيمان بالله ، ولزوم تقوى الله، وإصلاح السريرة، فإن من أصلح باطنه أصلح الله ظاهره، ومن فسد باطنه أفسد الشيطان ظاهره.
قال النبي ﷺ «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ». متفق عليه (١)
وقُطبُ الطاعات في الدنيا إصلاح السرائر بالإيمان والتقوى، ومن اتخذ طاعة الله تجارة أتته الأرباح في كل وقتٍ من غير بضاعة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].
والله سبحانه خلق الجن والإنس ليعبدوه، وخلق اللسان في الإنسان وفضّله على سائر الجوارح بأن أنطقه بتوحيده، وذكره، وتكبيره، فلا يليق بالعاقل أن
стр. 1492
يستعمله في غير ما خلق له مما أمره به مَنْ خلقه؛ من لزوم الذكر، والصدق، والدعاء، والدعوة، وغيرها من الطاعات والقربات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال النبي ﷺ : «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حتَّى يَكونَ صِدِّيقًا. وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا». متفق عليه (١)
ومن خُلُقِ العاقل الحياء، ولزوم الحياء أصل العقل، والحياء مجانبة المكروه من الخصال، وهو نوعان:
حياءٌ من الله عند الهمّ بمعصية، وحياءٌ من الناس عند فعل ما يُكرَه ويَشين، وكلاهما محمود.
قال رسول الله ﷺ : «إنَّ ممَّا أدرك النَّاسُ من كلامِ النُّبوَّةِ الأولَى: إذا لم تستحْيِ فاصنَعْ ما شئتَ» أخرجه البخاري (٢)
стр. 1493
ومن لم يستحِ من الناس في العلن، فاعلم أنه لا يستحِيي من الله في السر؛ والحياء شعبةٌ من شعب الإيمان، وبحسب قوة الحياء تقلّ المعاصي، وتكثر الطاعات، وبحسب ضعف الحياء تكثر المعاصي.
قال رسول الله ﷺ : «الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ». أخرجه مسلم (١)
والواجب على العاقل لزوم التواضع، واجتناب الكبر والعُجب، وأشد أنواع الكبر ذنبًا الاستكبار عن عبادة الله الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه، وتواضع العبد لربه نوعان:
الأول: تواضع العبد لربه عندما يفعل الطاعات، فلا يُعجب بها، بل يراها من فضل الله عليه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الثاني: ازدراء العبد نفسه، واستحقاره لها، عند ذكره ما قارف من المعاصي والفواحش، حتى لا يرى أحدًا إلا ويرى نفسه دونه في الطاعات، وفوقه في الجنايات: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا
стр. 1494
وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وقد أنزل الله القرآن تبيانًا لكل شيء، وكل حكمٍ موجودٌ في القرآن إما بالنص أو الاستنباط: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢].
والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا، ويصدِّق بعضه بعضًا، ويدلُّ بعضه على بعض، ثنَّى الله فيه الأخبار والأحكام، والأوامر والمناهي، والقصص مرارًا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
ويليه في البيان سنة رسول الله ﷺ ، وهي إما مؤكدةٌ لما ورد في القرآن، أو مُبينةٌ لما أُجمل فيه، أو تأتي بحكمٍ لم يُذكر في القرآن، وكلاهما وحيٌ من رب العالمين، وفقه الأئمة إنما خرج من رحم الأدلة الشرعية.
والسجود في القرآن نوعان:
الأول: سجود تسخير: وهو سجود جميع المخلوقات لله ، كما قال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦].
وقال : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
стр. 1495
الثاني: سجود تخيير: وهو سجود المكلفين من الإنس والجن، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وأشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه؛ الأنبياء أشد الناس بلاءً واختبارًا تثبيتًا لهم، وشدًا من عزمهم، لأن النفوس لا تثبت وتقوى إلا بعد شدة البلاء والمحن، وذلك لأن الله يعدِّهم لحمل الرسالة؛ فهم يستقبلون حِملًا شديدًا، وعبئًا ثقيلًا، وكذلك يبتلي الله الأنبياء ليخرج خير الصفات المكنونة في قلوبهم، والتي لا تظهر إلا بعد الابتلاء، وقد ابتلى الله إبراهيم ﵌ بأوامر شرعية ونوازل قدرية فأتمهن، فصبر على ابتلاء الأقدار، وأدى ما أمره الله به من التشريع: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].
وأعظم عدو للإنسان هو الشيطان؛ فأعظم عداوة للإنسان وأبينها هي العداوة التي لا ينتفع منها المعتدي، وهو إبليس، وإنما يفعلها كيدًا، ومكرًا، وحسدًا لمن يعادي، وهذه هي عداوة إبليس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
والأصل أن ما حرْمه الشرع فهو حرام، وما أحلّه الشرع فهو حلال، وما سكت عنه الشرع فهو عفو: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
стр. 1496
والإسلام ينقسم إلى معرفةٍ وطاعة؛ فالمعرفة أصل، والطاعة فرع المعرفة، فلا يُؤمر أحدٌ بطاعة الله إلا بعد معرفة الله، والإيمان به، فمعرفة الله والإيمان به هي الفقه الأكبر، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ومعرفة الأحكام العملية هي الفقه الأصغر، وكلاهما لازم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والله خلق هذا الكون وما فيه من الآيات والمخلوقات، ليُعرف بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ويُعبد وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
стр. 1497
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
٨ - خزائن العلم والإيمان
القسم الثاني
ويشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ - الخزانة العاشرة
стр. 1498
٨ - خزائن العلم والإيمان
القسم الثاني
الخزانة الأولى
ثمرات العلم والإيمان:
ثمرة التواضع المحبة والرِّفعة، فما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه، كما أن ثمرة القناعة الراحة والطُمأنينة، فاعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما تكبر أحد على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه،
والتكبر مطيَّة البغضاء والعداوة، والتواضع مطيَّة المحبة والإلفة، والعاقل حقًا إذا رأى من هو أكبر منه سنًا تواضع له، وقال: سبقني إلى الإسلام، وإذا رأى من هو أصغر منه سنًا تواضع له، وقال سبقته بالذنوب، وإذا رأى من هو مثله عدَّه أخاه، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ١٠].
ومن صفات العاقل أن يتحبَّب إلى الناس بلزوم حسن الخلق، وحسن الخلق يجلب المحبة والمودة، وسوء الخلق يورث الضغينة، والعداوة، والبغضاء.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
стр. 1499
ومن اتَّسع خُلُقه أحبه الإنسان والحيوان، ومن ضاق خُلقه سئمه أهله وجيرانه، واستثقله إخوانه، وتمنوا الخلاص منه.
وسبب استثقال الناس لسيئ الخلق شيئان:
أحدهما: مقارفة الإنسان ما نهى الله عنه من الآثام والفواحش، لأن من تعدى حُرمات الله أبغضه الله، ومن أبغضه الله أبغضته الملائكة، ثم توضع له البغضاء بين الناس في الأرض.
الثاني: استعمال الإنسان الخصال التي تكرهها النفوس النبيلة.
وحسن الخُلق بسطُ الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
ومن صفات العاقل مداراة الناس صدقةً، وصيانةً، ووقايةً، حتى يأتي الفرج والمخرج، فتبسمك في وجه أخيك صدقة، والإحسان إليه بأسر قلبه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
ورضى الناس غايةٌ لا تُدرك، والعاقل يلتمس رضى من لا يجد من معاشرته بُدًا، ومن دارى سلِم غالبًا، وما أكثر من دارى فلم يسلم، فكيف يسلم من لا يداري: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
والمداراة المشروعة تكون في غير معصية الله، لأن المداراة في المعصية مداهنة، وإقرارٌ لأخيك عليها.
والعاقل الحازم يداري صديق السوء، كما يداري صديق الصدق.
стр. 1500
والواجب على العاقل أن يلزم إفشاء السلام على من عرف، ومن لم يعرف؛ لأن السلام أمنٌ وتأمينٌ وأمانٌ، وخير الناس من بدأهم بالسلام.
قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَىْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ». أخرجه مسلم (١).
والبادئ بالسلام بين حسنتين؛ فضله على المُسلَّم عليهم، لأنه ذكرهم بالسلام، وبين رد الملائكة عليه إن لم يردوا عليه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
فالأخلاق الحسنة أحسن مطيةٍ يركبها المسلم في هذه الحياة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
حُسنُ الخلق: تبَسُّمك في وجه أخيك صدقة، والبشاشة إدام العلماء، وسجية العقلاء، وبساط الحكماء؛ لأن البِشرَ يطفئ نار العداوة، والتبسم يحرق هيجان المباغضة، والعاقل يستميل قلوب الناس إليه بالمزاح، وترك التعبُّس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
والمِزاح على ضربين:
مزاحٌ محمود: وهو الذي لا يشوبه ما كره الله ، ولا يكون بإثمٍ ولا قطيعة رحم.
стр. 1501
ومزاحٌ مذموم: وهو كل ما يثير العداوة والبغضاء، ويفسد الصداقة والمودة، ويوغر الصدور، وينبت الغلّ والحسد؛ فالمزاح في إثم يسود الوجه، ويدمي القلب، ويورث الضغينة، والعاقل يستعمل من المزاح ما يُنسب بفعله إلى الحلاوة والملاحة، ولا يؤذي به أحدًا من إخوانه، والمزاح ينبغي أن يكون بين الناس كالملح في الطعام، لابد من قليله، وكثيره يفسد قليله، ومن كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن مزح مع من لا يعرفه استخفَ به، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن مازح رجلًا من غير جنسه هان عليه، واجترأ عليه.
والعاقل يجالس العلماء ليستفيد من علومهم، وآدابهم، وأخلاقهم، ويجالس العامة ليعظهم، ويربيهم، ويحسن إليهم، وينصحهم، وما سوى ذلك فالوحدة خيرٌ من جليس السوء.
والعاقل يرى أنه قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بإخوانه، فيستكثر من الإخوان الصالحين الذين يذكرونه إذا نسي، ويعلمونه إذا جهل، ويصوّبونه إذا أخطأ، ويعينونه إذا عجز، ويسلونه إذا اغتم، ويأخذون بيده إذا عثر: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وصيانة الأخوة إنما تكون بالاستغناء عما في أيدي الإخوان، ومقصود المؤاخاة ليس الاجتماع والأكل والشرب، لأن البهائم والبغال والحمير يجتمعون على ذلك، وإنما المقصود التناصح، ولزوم التواضع، واكتساب المناقب: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
стр. 1502
والصاحب ساحب إما إلى الفضيلة، أو إلى الرذيلة، فعليك بإخوان الصدق فإنهم زينةٌ في الرخاء، وعدةٌ في البلاء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
والمروءة على ضربين:
مروءةٌ في السفر: وتكون ببذل الزاد، وقلة الخلاف مع الأصحاب، وحلاوة الحديث ممزوجةً بالمزاح القليل.
وأما مروءة الحضر: فتكون بكثرة الخطى إلى المساجد، وكثرة الإخوان في الله، وكثرة تلاوة القرآن، وبذل المنافع للناس، وكف الأذى عنهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وأعظم النعم العقل الذي تعقل به العلوم، والعلم الذي تعرف به ربك العظيم، وشرعه القويم، فأفضل ما أعطى الله لعبده غريزة العقل: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
والعقل نوعان:
عقلٌ مطبوع .. وعقلٌ مسموع.
فالعقل المطبوع هو الذي خلقه الله في أغلب بني آدم، وبه يتميز الإنسان العاقل من المجنون.
стр. 1503
والعقل المسموع هو العقل الذي هذَّب عن طريق السمع الذي هو القرآن والسنة، وبه يفرّق الإنسان بين الحق والباطل، والهدى والضلال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
وقوت العقول العلم والحكمة، وقوت القلوب الذكر والمواعظ، وقوت القلوب أعظم من قوت الأجساد؛ فقوت الأجساد الطعام والشراب، وقوت القلوب الذكر والمواعظ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والعقل تاج المؤمن، ومطيّة كل عملٍ صالح، وكما لا ينفع علمٌ وحفظٌ بلا عمل، كذلك لا ينفع عقلٌ بلا ورع؛ فالعلم يورث خشية الله وتقواه، وعبادته بالعبادات القلبية والبدنية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والعاقل لا يتكل على المال، ولا ينظر إلى الحال؛ لأن المال يحل ويرتحل، والأحوال تتقلب على العبد، كما يتقلب عليه الليل والنهار.
وحياة العاقل تقوم على ثلاثة أركان، وهي:
الصبر .. والتثبت .. وعدم التمني.
ولو كان للعقل أبوان لكان أحدهما الصبر، والآخر التثبت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
стр. 1504
والعاقل من يتعلم العلم في كل أوقاته، ليكون به عاملًا، ولا يكون العبد عالمًا حتى يكون متعلمًا، ولا يكون بالعلم عالمًا حتى يكون به عاملًا: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومن طلب العلم لغير ذلك ازداد بعلمه فخرًا، وعُجبًا، وكِبرًا، وللعمل تضييعًا وتركًا، فيكون فساده في المقتدين به أكثر من فساده في نفسه، كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ [النحل: ٢٥].
ومن طلب العلم ليعمل به، أسره وكسره علمه، وأخضعه لربه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن طلب العلم لغير ذلك زاده علمه فخرًا، وعجبًا، وكبرًا، وهذه أعظم صفات إبليس: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والعالم بالله ودينه طبيب الدين، وزينة الدنيا داء الدين، فإذا اجترَّ الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره.
وليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم الخشية لله عزوجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وعلى العاقل أن يطلب من العلم أفضله وأحسنه؛ وأفضله العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والعلم بدينه وشرعه، والعلم بوعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 1505
وإذا رزق الله العبد العلم فيجب عليه أمران:
الأول: العمل به
الثاني: إفادة غيره به: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
فأول بركة العلم خشية رب الناس، وإفادة الناس: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وما بخل أحدٌ بعلمه إلا حُرم العمل به والانتفاع به، وكما لا يُنتفع بالماء الساكن تحت الأرض حتى ينبُع، ولا ينتفع بالذهب حتى يُستخرج، كذلك لا ينتفع بالعلم ما لم ينشر ويطبق؛ والناس اثنان:
عالمٌ ومتعلم، ولا خير فيما بين ذلك.
وعلى العاقل بعد إصلاح سريرته بتقوى الله، ولزوم طلب العلم، أن يسعى في حفظ لسانه حتى يستقيم له، فإنه مسؤولٌ عما خرج منه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
والله سبحانه رفع درجة اللسان على سائر الجوارح، فليس منها شيءٌ أعظم أجرًا منه إذا أطاع، ولا أعظم ذنبًا منه إذا عصى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وعن أبي هريرة رضي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ». متفق عليه (١).
стр. 1506
وأفضل ما نطق به اللسان شهادة التوحيد، وذكر الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
فكلمة التوحيد لا إله إلا الله ينطقها اللسان مع موافقة القلب، هذه باب الدخول للإسلام، والإكثار من ذكر الله يثمر تعظيم الله ومحبته، ولهذا أمرنا الله بالإكثار من ذكره بقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
واللسان فيه عشر خصالٍ حميدة يجب على العاقل أن يعرفها، ويضع كل خصلةٍ منها في موضعها:
فاللسان أداةٌ يظهر بها البيان، وشاهدٌ يُخبر عما في الجَنان، وناطقٌ يُردُّ به الجواب، وحاكمٌ يفصل به الخطاب، وشافعٌ تدرك به الحاجات، وواصفٌ تدرك به معرفة الأشياء، وحاسدٌ تذهب به الضغينة، وناطقٌ تحصل به المودة والمحبة، ومتكلمٌ يزكي القلوب، ومسكنٌ تزول به الأحزان: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وآفة اللسان في أمرين:
السكوت عن الحق .. والكلام في الباطل.
فالساكت عن الحق شيطانٌ أخرس، والمتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق.
ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قلَّ حياؤه، ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومن قلَّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه شقي بدنه، وساء عمله.
стр. 1507
والناس ثلاثة:
منهم من عقله معه؛ وهو الذي يبصر ما يخرج من لسانه قبل أن يتكلم به.
ومنهم من عقله بفنائه؛ وهو الذي يبصر ما يخرج من لسانه بعد أن يتكلم به.
ومنهم من لا عقل له، فهو مع الرعاع حيث رعوا.
والعاقل لا يبدأ بالكلام إلا أن يُسأل، ولا يقول إلا لمن يقبل، ولا يرد على من شتم، ويحلم على من جهل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وأعقل الناس من تكلم مع ربه في العبادة: فيكبره، ويسبحه، ويحمده ويشكره: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ثم يتكلم مع خلقه بالدعوة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال النبي ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» أخرجه مسلم (١)
والتفكر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية، أعظم عبادةٍ في الدين؛ لأنها تثمر معرفة الله ، وتوحيد الله، والإيمان بالله، وحب الله، وتعظيمه، وتكبيره، وعبادته وحمده، وشكره؛ ولهذا أمرنا الله بالتفكر في ذلك بقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
стр. 1508
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
فالتفكر في خلق السماوات والأرض وما فيهما، وما عليهما، وما بينهما له آثارٌ عظيمة وثمراتٌ كثيرة ومنها:
الأولى: زيادة الإيمان في القلب بمشاهدة قدرة الله، وعظيم خلقه، وإتقان صنعه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثانية: التفكر، والتدبر، والاتعاظ، والاعتبار؛ وذلك يثمر قوة الإيمان، وصفاء التوحيد، والتعبد للرب: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثالثة: حسن الظن بالله، وكأن الإنسان يَرقُب نزول الخير من ربه الرحمن الرحيم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].
الرابعة: إظهار الحاجة، والفقر، والضعف لمن هذا خلقه، وهذه قدرته، وهذا ملكه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
الخامسة: إفراد الله في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعبادته، فمن رأى هذا الخلق العظيم، وهذا الملك الكبير، وتصريف ما فيه وتدبيره؛ آمن يقينًا أن الله واحدٌ لا شريك له في خلقه، وأمره، وعبادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
стр. 1509
السادسة: خوف العبد من ربه، فكلما ظهرت قوة السيد زاد خوف العبد، وأطاع ربه، ولم يعصه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
السابعة: تواضع الإنسان عند رؤية مخلوقٍ أعظم منه؛ كالسماء والأرض، والجبال، والبحار، فينفي عن نفسه صفة الكبر، وينزِّل نفسه منزلتها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثامنة: التوكل على الله وحده في تدبير أمور العبد، فمدبر هذه المخلوقات، والأفلاك، والأجرام العظيمة، أقدر على تدبير شأن العبد: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
التاسعة: كمال الإيمان بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله التي تُرى آثارها في هذه المخلوقات العظيمة من ظهور عظمة الله وقوته، وعظيم نعمه وإحسانه، وعظيم تدبيره ولطفه، وعظيم عزته وقوته، وبذلك يدرك القلب أن الخالق فوق جميع المخلوقات، فيتجاوز الخلق إلى الخالق، ويتجاوز الصور إلى المصور، ويتجاوز الاشتغال بالأموال والأشياء إلى الاشتغال بالإيمان والأعمال الصالحة، ويعبد الله وحده لا شريك له، لما له من صفات الجلال، والجمال، والكمال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ
стр. 1510
يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
العاشرة: هوان كل من يستعظم ويستعلي على الله من المتكبرين والجبابرة، وعدم الخوف منهم، وهوان كل معبود يُعبَد من دون الله عند تأمل عظمة الله، وعظمة ملكه وسلطانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].
الحادية عشرة: الحياء من الله العظيم الكريم، وحسن عبادته، والحذر من معصيته، لِما يراه العبد من عظمة ملكه، وعظيم نعمه، وتسخير كل ذلك للعبد، فضلاً من الله وإحساناً: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
الثانية عشرة: حصول المحبة لله في القلب، لما يراه العبد من عظيم نعم الله، وإحسانه إلى خلقه، وتسخير ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].