٣ - الخزانة الثالثة
• أقسام الإحسان:
الإحسان قسمان:
الأول: إحسانٌ في عبادة الله، ويكون بتوحيده، والإيمان به، وطاعته، وحسن عبادته.
الثاني: إحسانٌ إلى عباد الله، ويكون ببذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، وحسن الظن.
والإحسان في عبادة الله: أن تعبد الله كأنك تراه بقلبٍ حاضر راغب طلبًا ومحبةً وشوقًا إليه، فإن لم تفعل فاعلم أن الله يراك فاعبده خوفًا منه وخشيةً له، وهذه دون الأولى.
أما الإحسان إلى عباد الله: أن تعاملهم بما هو أحسن من الأقوال والأفعال والأخلاق، والبذل والعطاء، والعون والمساعدة ونحو ذلك من النصح والتوجيه والإرشاد والتعليم: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
والإحسان إلى الناس ينقسم إلى قسمين:
الأول: إحسانٌ إلى من أحسن إليك، وهذا حسن.
الثاني: إحسانٌ إلى من أساء إليك، وهذا أحسن القسمين، لما فيه من العفو والإحسان.
والإساءة تنقسم إلى قسمين:
الأولى: إساءةٌ إلى من أساء إليك.
стр. 177
الثانية: إساءةٌ إلى من أحسن إليك، وهذه أقبح القسمين، لما فيها من الظلم والعدوان.
فإحسان الله إلى الكفار أعظم أنواع الإحسان بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، وإساءتهم وكفرهم أعظم وأقبح أنواع الإساءة، فالكفار شر البرية، وجنايتهم أعظم الجنايات ولهذا استحقوا أعظم العقوبات، وهي نار جهنم التي تنتظرهم حيث لا أمل في الفرار ولا أمل في الإخراج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
• أنواع إحسان الرب:
أحسن الله إلى جميع عباده بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى:
الأولى: نعمة الخلق والإيجاد.
والثانية: نعمة القوت والإمداد.
والثالثة: نعمة الهداية والإسعاد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وكما ملأ الله الكون بنعمه التي لا تُعد ولا تُحصى فلنملأه بمحبته وعبادته وذكره وشكره وتمجيده: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
• أقسام الإحسان: الإحسان ثلاثة أقسام:
الأول: إحسان في عبادة الرب سبحانه بالإخلاص، وحسن المتابعة، وكماله أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، ويكون
стр. 178
بتصديق أخبار الله ورسوله، وفعل الأوامر، واجتناب المناهي: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
الثاني: إحسان إلى النفس، ويكون بحملها على كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، والأخلاق، وزجرها عن كل ما نهى الله ورسوله عنه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
الثالث: إحسان إلى الغير، ويكون بالنصح له، والدعاء له، والتعاون معه على البر والتقوى، وبذل الندى له، وكف الأذى عنه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فكل مسلم أطاع الله ورسوله بفعل واجب أو مندوب، وأطاع الله ورسوله بترك محرم أو مكروه، فهو محسن إلى نفسه بتعريضها لنيل ثواب الله، ونجاتها من عقاب الله، فهو قائم بحق نفسه بالعمل الصالح وثوابه، وقائم بحق ربه بتوحيده والإيمان به وطاعته: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
стр. 179
ومن فعل واجبًا أو مندوبًا متعديين إلى غيره، أو اجتنب محرمًا أو مكروهًا متعديين إلى غيره، فقد قام بحق نفسه، وحق ربه، وحق من تعدى إليه ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالي: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
والقرآن الكريم مملوء بالترغيب في هذا النوع: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وكل عبد مطيع لله محسن إلى نفسه، فإن كان إحسانه متعديًا إلى غيره تعدد أجره وثوابه بقدر من تعلق به إحسانه، وبقدر حجم إحسانه، وبقدر أنواع إحسانه، وبقدر ما يتحقق بإحسانه من جلب المصالح، ودرأ المفاسد: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
فإن كان حاكمًا أو أميرًا، فهو محسن إلى نفسه، وإلى كل من يتعلق به إحسانه من ولاته وقضاته ورعيته.
وإن كان قاضيًا فهو محسن إلى نفسه بطاعة ربه، ومحسن إلى المدعي إن كانت له حجة بنصره، بإيصال حقه إليه، ومحسن إلى المدعى عليه ظلمًا بنصره، وحفظ حقه ممن ظلمه.
وإن كان مفتيًا، فهو محسن إلى نفسه، ومحسن إلى المستفتي بإجابته.
стр. 180
وقد فتح الله الكريم لعباده أبوابًا كثيرة إلى الجنان، حتى إنهم ليثيبهم على النيات والقصود، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» متفق عليه (١).
ولكل عمل ثواب أو عقاب بحسب حسن العمل أو سوءة، فمن أصبح عازمًا على الإحسان على حسب الإمكان، فإنه يؤجر على مقصوده، وإن لم يقع مقصوده، وتختلف أجور القصود باختلاف رتب المقصود، فمن تصدى للحكم بالعدل بين الناس، فله ثوابان، ثواب على قصده ونيته، وثواب على تصديه لذلك، وإن لم يتحاكم إليه أحد، وإن تحاكم إليه أحد أثيب على كل حكومة بعشر حسنات، يختلف أجرها بحسب المحكوم به من تحقيق المصالح، أو درء المفاسد: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
ومن تصدى للفتيَا أثيب ثوابين:
أحدهما: على قصده ونيته.
والثاني: على تصديه لذلك، وتفريغ نفسه لذلك وإن لم يستفتيه أحد، فإن استفتاه أحد، فأجاب أثيب على كل جواب بعشر حسنات تختلف رتبها وثوابها باختلاف رتب المصالح والمفاسد، ولا يهلك على الله إلا هالك.
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وتلك التجارة الرابحة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)
стр. 181
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].
وكذا الإساءة في الأقوال والأفعال، فمن ارتكب محرمًا أو مكروهًا، أو منع واجبًا أو مندوبًا، فهو مسيء إلى نفسه، مضيع لحق نفسه وحق ربه؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ [فصلت: ٤٦].
ومن يكسب إثمًا فإنما يكسبه على نفسه، ومن عصى الله معصية تتعلق بغيره، فهو مسيء إلى نفسه، ظالم لها، مضيع لحقها، مضيع لحق ربه من طاعته، مضيع لحق من تعلقت به معصيته من الناس والبهائم: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
ومن سُر بمعصية الله فهو آثم من جهتين:
الأولى: إثم المعصية التي فعلها.
الثانية: إثم سروره بالمعصية من جهة أنها معصية، لأن الأعمال ثوابها وعقابها بحسب فاعلها.
• الإحسان: هو فعل ما هو حسن من الأقوال والأعمال والأخلاق، والحسن هو الجمال، والجمال محبوب لذاته، والله جميل يحب الجميل من الأقوال والأفعال والأخلاق والأشياء: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال النبي ﷺ : «إن الله جميل يحب الجمال» أخرجه مسلم (١)
стр. 182
ومواطن الإحسان ثلاث:
الأولى: إحسان في النية.
الثانية: إحسان في الحال.
الثالثة: إحسان في العمل.
فالنية: أن ينطوي قلب الإنسان على نية تحب الخير والإحسان لكل الخلق.
والحال: أن تكون محسنًا لله ابتغاء مرضاته، حال الحب وحال الكره، حال الأمن وحال الخوف، حال الصحة وحال المرض، حال الغنى وحال الفقر.
والعمل: أن تكون محسنًا في كل عمل صالح، في كل عبادة، أو دعوة أو تعليم، في كل صلاة وزكاة، وفي كل ذكر ودعاء، وغيرها من أنواع الطاعات والعبادات، ولا يكون ذلك إلا باتباع النبي ﷺ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
والله سبحانه محسنٌ إلى جميع خلقه بأعظم أنواع الإحسان، فأحسن إلى الناس بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، فيجب عليهم أن يقابلوا هذا الإحسان العظيم بذكر المحسن، وتكبيره، وحمده وشكره، والإحسان إلى خلقه بجميع أنواع الإحسان: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا
стр. 183
نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
والله سبحانه خلق الناس للجنة، وللرحمة، لا للعذاب والشقاء، وثمن الجنة أن تكون محسنًا في عبادة الله، في توحيد الله، وتحسن إلى عباده بأنواع الإحسان: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
فمن آمن بالله، واستقام على دينه، وأعطى ما يجب عليه، فله الحسنى وهي الجنة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧].
• فالناس اثنان:
محسنٌ .. ومسيء.
فالمحسن الذي استقام على دين الله، وأعطى مما أعطاه الله، فهذا أخذ وأعطى لله، وعاش للناس: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
والمسيء أخذ من الله هذه النعم، ولم يعطي لله، وعاش لنفسه: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٨ - ١٠].
والإحسان الذي يحبه الله، أن نعمل عملًا حسنًا نستحق به دخول الجنة، وأن نحسن إلى خلق الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
والله سبحانه يأمر عباده بالعدل والإحسان، فالعدل واجب، والإحسان مندوب، وهو أفضل من العدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ
стр. 184
ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
فالعبد مأمور بالعدل والإحسان، فالعدل: هو الحق، والإحسان: ما زاد على الواجب شرعًا، فأحسن كما أحسن الله إليك: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
وأعلى الإحسان مع البشر أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتحسن إلى من أساء إليك، وأحسن الناس في هذا سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وللبشرية اسوة في أقواله وأفعاله وأخلاقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وكفى المحسن بقوله، أو فعله، أو خلقه حب الله له: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والإحسان فيه للقلب راحة، وطمأنينة، وسعادة، ونجاة، وفيه رضا الله عنك، وحبه لك، وفيه مسرة الناس، وحبهم لك، والله سبحانك معك إذا أحسنت بقول أو فعل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
стр. 185
وإذا كان الله معك، فمعك كل شيء، وإذا كان عليك، فليس معك شيء، إذا كان الله معك وفقك، وهداك وأسعدك، وأعطاك الحكمة، وما يسعدك في الدنيا والآخرة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
والإحسان درجات: كل درجة تعلو بصاحبها إلى أعلى منها، فالأعمال الصالحة بأنواعها هي أعظم درجات الإحسان، سواء كانت أقوالًا، أو أفعالًا، أو أخلاقًا، ودونها أن تكف شرك عن الناس، فمن أخذ بأي درجة من درجات الإحسان، سواءً كانت بذلًا وعطاءً، أو قولاً أو فعلاً، أو كفًّا عن الأذى، إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
стр. 186
٤ - الخزانة الرابعة
• محاسن الإسلام:
الإسلام كله محاسن، ومكارم، ومصالح، كما قال النبي ﷺ : «إِنما بُعِثتُ لأُتمّمَ مَكارِمَ الأَخلاق» أخرجه البخاري في الأدب المفرد. (١)
وفي رواية «صالح الأخلاق» أخرجه أحمد (٢).
والله سبحانه يحب الإحسان والمحسنين، ويأمر بالعدل والإحسان، وأمرنا بالإحسان في كل شيء، ومع كل أحد، وفي كل حال كما قال سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
وقال النبي ﷺ :» إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فليُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» أخرجه مسلم (٣).
• دوائر الإحسان الى الخلق:
الإحسان دوائر ودرجات ورتب:
فالدائرة الأولى: أن تحسن أيها العبد إلى نفسك، وتزكيها بالعلم الإلهي، فتملأ قلبك بالتوحيد والإيمان، وتحمل نفسك على طاعة الله، وحسن عبادته: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
стр. 187
وأعظم الإحسان، الإحسان إلى النفس بحملها على طاعة الله وعبادته: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
والدائرة الثانية: الإحسان إلى الوالدين، كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
والدائرة الثالثة: قرابة النسب، وقرابة الجوار، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
والدائرة الرابعة: أهل الحاجة والفقراء والضعفاء، فهم محل الإحسان، فالله أعطانا من فضله وكرمه ثلاث أواني، آنية الكفار لندعوهم إلى الإسلام، وآنية أهل الجهل لنعلمهم الشريعة، وآنية أهل الحاجة من الفقراء والمساكين، فهم محل صدقاتنا، فلنتعبد لله بهذه الأمور.
والدائرة الخامسة: المخالف لك في دينك، تحسن إليه، لعل إحسانك إليه يكون سببًا لهدايته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
стр. 188
الدائرة السادسة: الإحسان إلى غير الإنسان من حيوان مريض، أو عطشان، أو جائع، كما قال النبي ﷺ : «في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» أخرجه البخاري (١).
والدائرة السابعة: عدم تلويث البيئة، وإفسادها: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
فهذه سبع دوائر للإحسان، فخذ نصيبك منها: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
• أما ميادين الإحسان فهي كثيرة جدًّا ومنها:
أولًا: حسن العلاقات الاجتماعية: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦].
ثانيًا: حن العلاقات الاجتماعية والمالية: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
ثالثًا: الإحسان عند المصائب: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
ومن أحسن وجد حلاوة الإحسان في قلبه، وقلب غيره.
الحادي عشر: الإحسان عند ولاية الضعفاء كالأيتام ونحوهم: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
الثاني عشر: الإحسان إلى النفس بأنواع الإحسان: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
أما طريق الإحسان: فهو أن تعبد الله كأنك تراه، بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الكبرى، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إن الله بكل شيء بصير: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
الثالث عشر: الإحسان عند دعوة الناس: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
• أنواع الإحسان:
الإحسان نوعان:
مادي .. ومعنوي.
فالمادي: هو جمال الصورة التي خلقها الله لجماد، أو نبات، أو حيوان، أو إنسان: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
والإحسان المعنوي: هو جمال القلب بالتوحيد، والإيمان، والتقوى، وجمال الروح، وجمال الأخلاق، فالصدق شيء حسن، والعفو شيء حسن، والحلم شيء حسن، وهكذا غيرها من مكارم الأخلاق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ
стр. 191
لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
والإيمان والهداية والتقوى: أعظم أنواع الحسن والإحسان: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
والله سبحانه أحسن إلى عباده بصنوف النعم، وكل أفعال ﷺ حسن وأحسن، وليس فيها سيء ولا أسوأ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
فهو سبحانه أحسن الخالقين أنزل على هذه الأمة أحسن كتاب: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].
وكل خلقه خلَقه في أحسن صورة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
فهو رب كريم، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأكرم هذه الأمة بأحسن دين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
وأمرها بالعدل والإحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
ونهاها عن الظلم والطغيان: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
стр. 192
وأكرمها بأحسن جزاء، إذا أحسنت في أقوالها، وأعمالها، وأخلاقها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
والإنسان مخير فيما يعمل، إما أن يعمل الحسن أو الأحسن، أو يعمل السيئ أو الأسوأ، فالحسن والأحسن هو منهج الله، والسيئ والأسوأ هو ما عدا منهج الله، وإتباع أوامر الله هو أحسن المناهج: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
والكفر وإتباع الشهوات هو أسوأ المناهج: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
والله سبحانه حمَّل الإنسان الأمانة، بأن يسير على منهج الله، لا حسب هواه وشهواته: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣].
وكل شر في العالم نتيجة مخالفة منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
أو إتباع الهوى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
стр. 193
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
وأعظم من حمل لواء الإحسان من الخلق هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي مقدمتهم سيد الخلق محمد ﷺ الذي تميز بكمال حسن خُلقه، وكمال رحمته: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال الله تعالى عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
والله سبحانه ابتلى الناس من أجل أن يبين الأول، فالأول، وليبين المتقدم من المتأخر، لأن دلائل الإيمان كثيرة، فالامتحان والابتلاء من أجل ترتيب الفائزين والناجحين، والمتقدمين: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ١ - ٢].
أما من أعرض عن دين الله، فهذا خاسر في دنياه وأخراه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
ومن أحسن في أعماله يرجو ثواب الله ورضاه، زاده الله من الخير جزاءً على إحسانه: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾ [البقرة: ٥٨].
فكن أول المحسنين بأقوالك وأفعالك، وأموالك، يثيبك الله عليه أحسن ثواب: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥].
стр. 194
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
فمن أحسن وأساء فقد ظلم نفسه وغيره، ومن أحسن واتقى، فقد أحسن إلى نفسه، وأحسن إلى غيره: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ [آل عمران: ١٧٢].
ومعيَّة الله مع كل متقٍ ومحسن: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
ورحمة الله أوسع عطاء من الله لخلقه، والإحسان أوسع باب تصل منه إليك: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
والله سبحانه يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ويعطي الملك من يحب، ومن لا يحب، ويعطي المال من يحب، ومن لا يحب، لكنه سبحانه لا يعطي الدين إلا من يحب: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ [يوسف: ٢٢].
والله سبحانه يريد من عبده القول الحسن، والعمل الحسن، والخلق الحسن ليجزيه يوم القيامة بأحسن منه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
стр. 195
٤ - خزائن اليقين
وتشمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
стр. 196
٤ - خزائن اليقين
١ - الخزانة الأولى
أقسام اليقين ثلاثة:
يقين حسي .. ويقين عقلي .. ويقين خبري.
وعلم اليقين هو العلم الذي يلامس القلوب، ويملأها بخشية الله ومحبته، وجلاله، وعظمته، ثم يتحول إلى أعمال صالحة صادرة عن اللسان أقوالًا، وعن الجوارح أعمالًا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والعلم اليقيني يحصل بأحد ثلاثة أمور:
الأول: ما يدرك بالحواس الخمس من السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، كالسماء والأرض، والجبل والبحر، والحلو والمر، واللين والخشن.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثاني: ما يدرك بالعقل كالواحد أقل من الاثنين، والخمسة أكثر من الثلاثة، والجماعة أقوى من الواحد، وهكذا.
стр. 197
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
الثالث: الوحي من القرآن والسنة، فإذا قال الله ورسوله، فقد صدق الله ورسوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
• درجات اليقين ثلاث:
علم اليقين .. عين اليقين .. حق اليقين.
كالعسل إذا سمعت أنه لذيذ حلو أسود، ثم رأيته، ثم ذقته، فعلم اليقين يكون في القلب، وعين اليقين يدرك بالحواس، وحق اليقين أن تعلمه وتراه وتذوقه: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ [التكاثر: ٥ - ٧].
وفي آية أخرى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦].
• أما أهل اليقين فهم قسمان:
الأول: يقين المسلم بالجهد تأتي الهداية، وبالهداية تأتي الطاعة، وبالطاعة يأتي رضا الله، وبعد رضا الله يأتي قبول الدعاء، وبهذا الجهد تصلح الحياة:
стр. 198
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
الثاني: يقين الكافر بالجهد يأتي المال، وبالمال تأتي الأشياء، وبوجود الأشياء تكمل السعادة، وهذه متعة لا سعادة.
قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].
ففي جهد المسلم تصلح الحياة، وبجهد الكافر تفسد الحياة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
وزبدة اليقين هو حسن الظن بالله ، فيقين لا إله إلا الله أن يتغير اليقين على كل ما سوى الله، ويأتي اليقين على الله وحده لا شريك له، فهو الملك الحق: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فبيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، فيأتي اليقين على الله بأن ينفي القلب فعل جميع المخلوقات، ويتيقن أن الله وحده هو الفعال وحده، لا شريك له.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 199
• ومن تيقن ذلك بقلبه أكرمه الله بخمس كرامات:
الأولى: كمال اليقين على الله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ودينه، وشرعه، ووعده، ووعيده.
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثانية: خروج اليقين على المخلوقات من القلب، كما قال إبراهيم نافيًا ذلك عما سوى الله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٩].
الثالثة: لا أعبد المخلوق، ولا أتعلق به: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
الرابعة: أن الله يحفظني من شر المخلوقات؛ لأنه يسلب القوة منها كما سلب النار قانون الإحراق التي أوقدت لإبراهيم ﷺ : ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
الخامسة: أن الله يسخرها لي كما سخر النار لإبراهيم ﷺ ، فصارت بردًا وسلامًا، وسخر البحر لموسى، فكان طريقًا في البحر يبسًا.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٨].
стр. 200
وأعلى درجات الإيمان هو اليقين، لأنه إيمان حقيقي لا شك معه ولا تردد، بأن تتيقن ما غاب عنك، كما تشاهد ما حضر بين يديك على حد سواء، فتعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا هو مقام الإحسان في العبادة.
فإذا صار ما أخبر الله به من الغيب فيما يتعلق بالله وأسمائه، وصفاته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، بمنزلة المشاهد فهذا هو علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وكمال اليقين، وبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
فاليقين هو استقرار الأمر في القلب:
واليقين يتربى في قلب العبد إما بإخبار من تثق به، مثل قول الله ورسوله مثلًا، وهذا علم يقين، أو تراه عين يقين، كأن ترى الشيء بعينك، أو تراه بجزئياته وتفاصيله، فيكون حقيقة يقين.
• فمراحل اليقين ثلاث:
١ - علم يقين.
٢ - عين يقين.
٣ - حق يقين.
كأن يخبرك من تثق به أن العسل طعمه لذيذ حلو، ولونه أسود، فتصدقه بكلامه، فإذا رأيت العسل بعينك انتقل علم اليقين إلى عين القين، فإذا ذقته بلسانك انتقل من عين اليقين إلى حق اليقين، والمؤمن في دينه يكفيه علم اليقين، وسيرى يوم القيامة حق اليقين.
стр. 201
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦].
• نور الإيمان:
شرح الصدر نور يقذفه الله في قلب العبد، يرى فيه الخالق من المخلوق، والرب من العبد، والحق من الباطل: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
وعلامة هذا النور، رؤية الرب وحده يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويدبر العبيد، والأنس بالله، والرغبة فيما عنده، والخوف من عقابه، وعدم الالتفات لأحد سواه.
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فالأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، وليس بيد غيره شيء، ذاك هو كمال الإيمان والإحسان واليقين: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
стр. 202
وعلامات هذا النور في قلب المؤمن أيضًا التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله، بتصديق الأخبار، وتطبيق الأحكام، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وإذا انشرح الصدر امتلأ القلب بالإيمان والتقوى، واتسع لجميع أنواع العبادات والطاعات، فاللهم اشرح صدورنا لذلك ونورها بذلك.
ربِ اشرح لي صدري بمعرفة أنوار جلالك وكبريائك، والتخلق بأخلاق رسلك وأنبيائك، وامتثال أمرك، واجتناب نهيك، والاطلاع على أسرار عدلك في قضاءك، وحكمك، والانتقال من نور شمسك وقمرك، إلى أنوار جلالك وعزتك، وكبريائك، والاطلاع على مجامع آياتك في أرضك وسماواتك، واجعل سراج الإيمان في قلبي أعظم من نور الشمس والقمر.
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥].
стр. 203
٢ - الخزانة الثانية
• حقيقة اليقين:
الإيمان ما سمعته أذناك، ثم صدقت به من أمور الغيب: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
واليقين هو أعلى درجات الإيمان، لأنه إيمان لا شك معه ولا تردد، بأن يتيقن العبد أن ما غاب عنه كما يشاهد ما حضر بين يديه على حد سواء، فإذا صار ما أخبر الله به من أمور الغيب كالإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده، واليوم الآخر بمنزلة المشاهد، فهذا هو كمال اليقين.
فالإيمان: ما سمعته الأذن وصدقته، واليقين: ما تراه العين وصدقته: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٥ - ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٣ - ٦].
стр. 204
وتغيير اليقين من المخلوق إلى الخالق، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن الأموال والأشياء، إلى الإيمان والأعمال، يقوى في بيئة الإيمان التي يذكر فيها الله، وتبين فيها أسماءه وصفاته وأفعاله، وتبين فيها أمور الغيب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
فكل مخلوق لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
فجميع المخاليق بيد الله ، لأن الله خلق وملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فإذا تيقن القلب ذلك حقًا، عرف أن الملك الحق واحد لا شريك له، بيده مقاليد الأمور كلها، هو الذي يفعل ما يشاء، فيجعل الضار نافعًا، والنافع ضارًا، فكل ضار ونافع بيد الله، فإذا توجه القلب إلى الله سلب الله القوي من الضار قوته، وسخره لعبده وحفظه من شره، كما توجه إبراهيم إلى ربه، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، فسلب الله النار قوة الإحراق، وسخرها لحراسة إبراهيم وحفظه من إحراقها، وجعلها حارسة له: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ
стр. 205
(٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧١].
وكما توجه موسى ﷺ إلى ربه فسلب البحر خاصية الإغراق، وسخره لموسى بفتح الطرق اليابسة في جوفه، وحفظه من الغرق فيه، وأغرق فيه عدوه فرعون وجنوده: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ [طه: ٧٧ - ٧٩].
وكما توجه محمد ﷺ إلى ربه فطمس عنه أبصار الكفار حين خرج من مكة، من بيته ليذهب إلى الغار: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩].
وسخر الكافر ليكون دليلًا له في الهجرة، وحفظه من كيد الكفار ممن طلبه ليقتله، وهو سراقة بن مالك الذي صد الناس عنه، وكذا ما حصل له في الغار عند الهجرة.
وكما سلب الأعرابي الذي أراد قتله ﷺ الذي أخذ السيف وقال: من يمنعك مني يا محمد؟
فقال النبي ﷺ : «الله»، فسقط السيف من يد الأعرابي، ثم سخره له، فأمسك السيف بيده، ثم حفظه بهذا الأعرابي الكافر الذي صار يدافع عنه، ويدعو قومه إليه، ويقول: جئتكم من عند خير الناس.
فقوة اليقين في قلب الرسول ﷺ منعت الأعرابي أن يضره، وقوة الرحمة في قلب الرسول ﷺ منعته أن يضر الأعرابي، فعامله بخلاف ما يجب، فصار سبب لإسلامه وإسلام قومه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
стр. 206
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
نور الإيمان واليقين في قلب الإنسان أعظم من نور الشمس والقمر في الفضاء، ويتجلى ذلك كثيرًا في قلوب الأنبياء والرسل، ثم في قلوب المؤمنين بحسب معرفتهم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ونور الشمس والقمر نرى بهما المخلوقات، وبنور الإيمان واليقين نرى الخالق بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الكبرى، نراه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، في ملكه العظيم، يعطي ويمنع، ويبسط ويقبض، ويبتلي ويعافي، ويعز ويذل، ويكرم ويهين: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وشرح الصدر عبارة عن إيقاظ النور في القلب، حتى يصير القلب كالسراج، وذلك النور كالنار المضيئة من السراج تبدد الظلمات: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
أسباب تحصيل اليقين:
من أراد أن يستوقد سراج الإيمان واليقين في قلبه فلابد له من سبعة أمور:
الأول: زيادة المجاهدة، والنظر في الآيات الكونية، وتدبر الآيات القرآنية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 207
الثاني: دوام الدعاء والتضرع والانكسار بين يدي الله : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥].
الثالث: إتباع الهدى، والبعد عن الهوى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
الرابع: الإنابة إلى الله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ [الزمر: ٥٤].
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
الخامس: الصبر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
السادس: الشكر: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
السابع: الرضا بحكم الله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
واعلم أن هذه أسباب إلى الله ، والأمر كله بيد الله وحده، هو الذي يعلم حيث يجعل رسالته وهدايته، فنسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى الصراط المستقيم: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ [فاطر: ٢ - ٣].
стр. 208
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
اليقين الذي يجب نفيه، هو أن كل ما سوى الله لا ينفع ولا يضر إلا بأمر الله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وما سوى الله أنواع يجب نفيها، وإثبات الربوبية والألوهية والعبودية لله وحده لا شريك له:
الأول: الأصنام كلها سواء كانت أحجارًا، أو أهواءً، أو أشخاصًا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثاني: نفي اليقين على فعل المخلوقات كلها بنفسها، فالله وحده، هو خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده كل شيء، وكل ما سوا من المخلوقات عبيد له، يشهدون بوحدانيته، ويسبحون حمده، ويخضعون لأمره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثالث: نفي يقين الأمم السابقة، فيقين فرعون على الملك، ويقين قارون على المال، ويقين قوم نوح على الكثرة، ويقين قوم عاد على القوة، ويقين
стр. 209
قوم صالح على الصناعة، ويقين قوم سبأ على الزراعة، ويقين قوم شعيب على التجارة، ويقين قوم عيسى على الطب.
فهذه ثمانية أنواع من اليقين الفاسد في الأمم السابقة، وبحسب ذلك اليقين الذي تعلقوا به جاء الذنب، وبحسب الذنب جاء العذاب.
فدمر الله فرعون مع مُلكه، وخسف بقارون وبداره الأرض، وهكذا بقية الأمم الظالمة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
الرابع: عدم التعلق بأي محبوب من دون الله، ولزوم التعلق بالله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
وكيفية نفي الشيء؟.
أولًا: نبين أن الله هو الذي خلق الشيء من جماد ونبات وحيوان وسماء وارض وغيرها، ثم نبين حكمة خلقه، ثم نبين أنه لا يفعل شيئًا إلا بأمر الله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
стр. 210
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧].
فالشمس خلقها الله للإنارة، والسحب خلقها لنزول الغيث، والأرض خلقها للإنبات، والقمر خلقه الله ميقاتًا للشهر، فكل شيء خلقه الله له حكمة، لكن ليس بيده شيء، الأمر بيد واحد والمفتاح في يد واحد، ذلكم هو الله وحده لا شريك له: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
فنتيقن على الله وحده في كل شيء، ونفعل السبب حسب أمر الله، وامتثالًا لأمر الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]
ومن ترك الأسباب المشروعة اعتمادًا على الله، فقد ترك سنة الله التي أمر بها، ومن نفاها تحقيرًا لها فقد عطل أمر الله ، واستهان بخالقها، فمن عنده اليقين على ربه تيقن أن الملك بيد الله وحده وأن العزة بالسنة، فيطبق السنة في كل حال ومكان وزمان: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
стр. 211
٣ - الخزانة الثالثة
• مكان الإيمان واليقين:
الصدر مقر الإسلام: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
والقلب محل الإيمان واليقين.
قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧].
وإذا أسلم الإنسان لربه ، فالله يكرمه بكرامات كثيرة، فالله أعطى قلب المؤمن عشر كرامات، فضلًا من ربه الكريم:
الأولى: الحياة، ومن أحيا أرضًا ميتة فهي له، فالذي خلق القب وأحياه بالإيمان والتقوى هو الله، وليس لغيره فيه نصيب: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
وبهذه الكرامات العشر وغيرها شرح الله صدور المؤمنين للتوحيد والإيمان والعبادة والدعوة، والجهاد في سبيل الله، حتى قال قال الله عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
حكمة خلق الأسباب
الله خلق الأسباب للابتلاء، وجعل النجاة والعلاج في الإيمان والأعمال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وكل شيء لا يحصل إلا بأمر الله وحده: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
والله أمرنا بفعل الأسباب، لأننا في دار الأسباب، امتحانًا وابتلاءً.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
فأول تربية بفعل الأسباب هي:
الأولى: هل نختار الحلال أم الحرام؟، أم نختار الهدى أم الهوى.
والثانية: هل نتعلق بالله أم بالأسباب؟.
стр. 214
والثالثة: كما فعلت السبب بأمر الله، هل أترك السبب بأمر الله، فأغلق الدكان من أجل الصلاة؟
قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
فمن كان يقينه على الله صلحت حياته في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ومن كان يقينه على غير الله عذب به، واستدرجه الله بما أعطاه من النعم فيعاقب بالزلازل، أو الغرق، أو الخسف، ثم القتال فيما بينهمن ثم يفسد الاقتصاد: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
ومن خاف الله أمنه من كل شيء، ومن خاف غير الله سلطه الله عليه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
فالله خلقنا في الدنيا لتكميل الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، لا لتكميل الشهوات والأشياء، والأموال.
стр. 215
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ولما جاء الإيمان في حياة الصحابة جاء أمران:
١ - الاستعداد لفعل الأوامر.
٢ - النصرة من الله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
ومقصود الذكر والإيمان والعبادات هو إكمال التوحيد، وإكمال اليقين، وإكمال التقوى، فمقصد كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله تغيير اليقين من المخلوق إلى الخالق الذي له كل شيء، وبيده أمر كل شيء، وترك جميع الطرق إلا طريقة محمد رسول الله ﷺ فقط: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وكيف يأتي عندنا في الصلاة الاستعداد لترك كل شيء يوميًا لأجل امتثال أوامر الله، في الصلوات الخمس في كل وقت، ففي صلاة الفجر نترك النوم لأجل امتثال أوامر الله، وفي صلاة الظهر نترك العمل لأجل امتثال أوامر الله، وفي صلاة العصر نترك الراحة من أجل امتثال أوامر الله، وفي المغرب والعشاء نترك الشهوات من أجل امتثال أوامر الله.