وأفضل ما نطق به اللسان شهادة التوحيد، وذكر الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
فكلمة التوحيد لا إله إلا الله ينطقها اللسان مع موافقة القلب، هذه باب الدخول للإسلام، والإكثار من ذكر الله يثمر تعظيم الله ومحبته، ولهذا أمرنا الله بالإكثار من ذكره بقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨)﴾ [المزمل: ٨].
واللسان فيه عشر خصالٍ حميدة يجب على العاقل أن يعرفها، ويضع كل خصلةٍ منها في موضعها:
فاللسان أداةٌ يظهر بها البيان، وشاهدٌ يُخبر عما في الجَنان، وناطقٌ يُردُّ به الجواب، وحاكمٌ يفصل به الخطاب، وشافعٌ تدرك به الحاجات، وواصفٌ تدرك به معرفة الأشياء، وحاسدٌ تذهب به الضغينة، وناطقٌ تحصل به المودة والمحبة، ومتكلمٌ يزكي القلوب، ومسكنٌ تزول به الأحزان: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وآفة اللسان في أمرين:
السكوت عن الحق .. والكلام في الباطل.
فالساكت عن الحق شيطانٌ أخرس، والمتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق.
ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قلَّ حياؤه، ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومن قلَّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه شقي بدنه، وساء عمله.
стр. 1507
والناس ثلاثة:
منهم من عقله معه؛ وهو الذي يبصر ما يخرج من لسانه قبل أن يتكلم به.
ومنهم من عقله بفنائه؛ وهو الذي يبصر ما يخرج من لسانه بعد أن يتكلم به.
ومنهم من لا عقل له، فهو مع الرعاع حيث رعوا.
والعاقل لا يبدأ بالكلام إلا أن يُسأل، ولا يقول إلا لمن يقبل، ولا يرد على من شتم، ويحلم على من جهل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وأعقل الناس من تكلم مع ربه في العبادة: فيكبره، ويسبحه، ويحمده ويشكره: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ثم يتكلم مع خلقه بالدعوة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال النبي ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنا: لِمَنْ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» أخرجه مسلم (١)
والتفكر في الآيات الكونية، والتدبر للآيات القرآنية، أعظم عبادةٍ في الدين؛ لأنها تثمر معرفة الله ، وتوحيد الله، والإيمان بالله، وحب الله، وتعظيمه، وتكبيره، وعبادته وحمده، وشكره؛ ولهذا أمرنا الله بالتفكر في ذلك بقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
стр. 1508
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
فالتفكر في خلق السماوات والأرض وما فيهما، وما عليهما، وما بينهما له آثارٌ عظيمة وثمراتٌ كثيرة ومنها:
الأولى: زيادة الإيمان في القلب بمشاهدة قدرة الله، وعظيم خلقه، وإتقان صنعه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثانية: التفكر، والتدبر، والاتعاظ، والاعتبار؛ وذلك يثمر قوة الإيمان، وصفاء التوحيد، والتعبد للرب: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثالثة: حسن الظن بالله، وكأن الإنسان يَرقُب نزول الخير من ربه الرحمن الرحيم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].
الرابعة: إظهار الحاجة، والفقر، والضعف لمن هذا خلقه، وهذه قدرته، وهذا ملكه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
الخامسة: إفراد الله في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعبادته، فمن رأى هذا الخلق العظيم، وهذا الملك الكبير، وتصريف ما فيه وتدبيره؛ آمن يقينًا أن الله واحدٌ لا شريك له في خلقه، وأمره، وعبادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
стр. 1509
السادسة: خوف العبد من ربه، فكلما ظهرت قوة السيد زاد خوف العبد، وأطاع ربه، ولم يعصه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
السابعة: تواضع الإنسان عند رؤية مخلوقٍ أعظم منه؛ كالسماء والأرض، والجبال، والبحار، فينفي عن نفسه صفة الكبر، وينزِّل نفسه منزلتها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
الثامنة: التوكل على الله وحده في تدبير أمور العبد، فمدبر هذه المخلوقات، والأفلاك، والأجرام العظيمة، أقدر على تدبير شأن العبد: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
التاسعة: كمال الإيمان بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله التي تُرى آثارها في هذه المخلوقات العظيمة من ظهور عظمة الله وقوته، وعظيم نعمه وإحسانه، وعظيم تدبيره ولطفه، وعظيم عزته وقوته، وبذلك يدرك القلب أن الخالق فوق جميع المخلوقات، فيتجاوز الخلق إلى الخالق، ويتجاوز الصور إلى المصور، ويتجاوز الاشتغال بالأموال والأشياء إلى الاشتغال بالإيمان والأعمال الصالحة، ويعبد الله وحده لا شريك له، لما له من صفات الجلال، والجمال، والكمال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ
стр. 1510
يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
العاشرة: هوان كل من يستعظم ويستعلي على الله من المتكبرين والجبابرة، وعدم الخوف منهم، وهوان كل معبود يُعبَد من دون الله عند تأمل عظمة الله، وعظمة ملكه وسلطانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].
الحادية عشرة: الحياء من الله العظيم الكريم، وحسن عبادته، والحذر من معصيته، لِما يراه العبد من عظمة ملكه، وعظيم نعمه، وتسخير كل ذلك للعبد، فضلاً من الله وإحساناً: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
الثانية عشرة: حصول المحبة لله في القلب، لما يراه العبد من عظيم نعم الله، وإحسانه إلى خلقه، وتسخير ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
стр. 1511
٢ - الخزانة الثانية
سُبُل تحصيل حلاوة الإيمان، ولذة العبادة:
لتحصيل حلاوة الإيمان ولذة العبادة سبلٌ كثيرة، وأهمها:
الأولى: معرفة الله؛ فمن عرف ربه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، آمن به وأحبه، وذاق حلاوة قربه ومناجاته، وتلذذ بذكره، وأحسن عبادته: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
الثانية: من رأى ربه مَلِكًا عظيمًا، قويًا عزيزًا، رؤوفًا رحيمًا، محسنًا كريمًا، عفوًّا غفورًا، آمن به وأحبه، وعظَّمه، وكبره، ووحَّده في قلبه، ووجد في قلبه حلاوة ذكره، وطعم مناجاته، وسارع إلى كل ما يحبه ويرضاه، بالحب لله والتعظيم له، والذل له، كما قال الله عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الثالثة: من استحضر في قلبه جلال الله وجماله أحبه، وعبده كأنه يراه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الجميلة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الرابعة: حلاوة الإيمان ولذة العبادة رزقٌ من الله ؛ فمعرفة عظمة الله رزقٌ من الله، وتوحيد الله رزقٌ من الله، وكل نعمةٍ من الله سبحانه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ [الطلاق: ١١].
стр. 1512
ويحصل العبد على هذا الرزق بالنظر، والتدبر، والتفكر في الآيات القرآنية، والآيات الكونية: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤].
الخامسة: معرفة حقائق الإيمان تثمر حلاوة الإيمان، والجهل بالله سبب الكفر والشرك والمعاصي، وذلك كله يثمر الكآبة للعبد، والضيق والشدة، والحسرة والألم ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
فالشرك والمعاصي بأنواعها أعظم ما يحجب العبد عن الله، وأعظم ما يحرم العبد من حلاوة الإيمان، ولذة العبادة، ويشغله بالشهوات عن حلاوة القرب من الله، ولذة العبادات: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥].
فمن عرف الله حقًا آمن به حقًا، ووحَّده حقًا، وأحبه حقًا، ووجد حلاوة الإيمان، ولذة العبادة، لأنه يعبد الله كأنه يراه، فيحبه، ويخافه، ويخشاه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
السادسة: كل مؤمنٍ يشعر بحلاوة الإيمان ولذة العبادة بحسب قوة إيمانه، ويقينه، ومعرفته بجلال الله وجماله، وكمال أسمائه، وصفاته، وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فسبحان الملك، الرحمن الرحيم، الذي شرع أنواع العبادة من أجل توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، وذوق حلاوة الإيمان من خلال كل
стр. 1513
عبادة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وطعم الإيمان يسبق حلاوة الإيمان؛ فمن ذاق طعم الإيمان وجد حلاوته في كل أمرٍ ونهيٍ، وفي كل عبادة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وقال النبي ﷺ : «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولًا». أخرجه مسلم (١)
مظاهر رحمة الله:
الله هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والنعوت الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
стр. 1514
هو سبحانه الرحمن الرحيم الذي عمَّ برحمته جميع خلقه، المؤمن والكافر، والبر والفاجر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
هو سبحانه الرحمن الرحيم الذي تفضَّل على جميع خلقه بالطعام والشراب، والأمن، والعافية، والأموال، والأولاد، والسمع، والبصر، والعقل، والمعرفة: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وهذه رحمته العامة لكل البشر، المؤمن والكافر: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
أما رحمة الله الخاصة: فهي أن يشرح الله صدرك للإيمان به، ويحببه لك، ويعينك على ذكره وشكره، وحسن عبادته: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
ومن امتنَّ الله عليه برحمته العامة فليدعو ربه ويسأله أن يرزقه رحمته الخاصة؛ بأن يهديه للإيمان، ويعلمه القرآن، ويؤتيه الحكمة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
هو الرحمن الرحيم الذي كل رحمةٍ في العالم فمن آثار رحمته، وكل مخلوقٍ في العالم فمن آثار رحمته، وكل ثمرةٍ في العالم فمن آثار رحمته: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى: ٢٨].
стр. 1515
هو الرحمن الرحيم الذي أسعدك في الدنيا بالأمن والعافية، والزوج والولد، والمال، وأصناف النعم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
ومَن هذه أسماؤه، وهذه صفاته، وهذه أفعاله، هو وحده الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
ثم أعطاك الرحمن الرحيم مع تلك النعم الإيمان والهدى، وأخذ بيدك إلى معرفته، ووفقك للعمل الصالح، وأعانك عليه لتفوز بالجنة، وتنجو من النار: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [آل عمران: ٧٣ - ٧٤].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وللفوز بهذا قد يأخذ الله مالك الذي أعطاك، وكل ما يشغلك عنه، ويبتليك بالمصائب، والرزايا، والمكاره، وغيرها من الشدائد تلافيًا لضررٍ أشد، لعلك تتوب إليه: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ [السجدة: ٢١].
هو سبحانه ربك الرحمن الرحيم، البصير بعباده، العليم بأحوالهم، الذي إذا أراد أن يداوي مخلوقًا عاصيًا يعلم كيف يداويه، وكيف يصلحه، وكيف ينجيه، وكيف يعالجه، حتى يسعد في دنياه وأخراه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا
стр. 1516
أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
هو سبحانه الرؤوف الرحمن الرحيم بعباده، الغني عنهم، لم يبتليهم أو يُفقرهم، أو يضيِّق عليهم، إلا حبًا لهم، ورحمةً بهم، ودفعًا لهم إلى باب عبوديته: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
هو سبحانه الرحمن الرحيم الذي استوى على العرش برحمته، ليُعلِم عباده أنه الرحمن الرحيم الذي يحب أن يرحمهم جميعًا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
هو الرحمن الرحيم الذي كتب على نفسه الرحمة في كتابٍ وضعه عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي». متفق عليه (١).
وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].
فسبحان ربنا الرحمن الرحيم الذي بيده مقاليد الأمور، والذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
стр. 1517
توحيد الله هو أصل الأعمال، وموجب الكرامات، ونزول البركات؛ فكل ضيقٍ ينجلي بالتوحيد، وكل عبادةٍ أساسها التوحيد، وكل شركٍ يُدحر بالتوحيد، وكل شرٍ يدفع بالتوحيد، وكل عسيرٍ يزول بالتوحيد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
والله خلقنا في هذه الدنيا لوقتٍ قصير، وهذا الوقت القصير علينا فيه تحديد المصير إما إلى الجنة، أو إلى النار: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١].
والمشورة لدين الله روح الأعمال، وأم الأعمال، وحياة الأعمال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وكمال العبودية أن تخضع لأمر الدين في كل مكانٍ وزمانٍ وحال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
فقه الجهاد في سبيل الله:
الجهاد في الإسلام نوعان:
الأول: جهادٌ أكبر، وهو جهاد الدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢].
الثاني: جهادٌ أصغر، وهو قتال الكفار الذين يصدون عن سبيل الله، كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].
стр. 1518
وفلاح الإنسان وفوزه بالأعمال، لا بالأسباب، فنقوم بالأعمال الصالحة، والله يغير الأحوال بقدرته: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
ولمعرفة قدرة الله، ورحمة الله لا نحتاج إلى الأنبياء، فإن مظاهر قدرته وخلقه ورحمته مبثوثةٌ في الكون كله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
لكن نحتاج إلى الأنبياء لمعرفة أمر الله ونهيه، ومعرفة ما يحبه الله ويرضاه، ومعرفة ما يسخطه ويكرهه، ومعرفة الحق من الباطل، ومعرفة الثواب من العقاب: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وإذا استقام المسلم على طاعة الله استقام له كل شيء، وإذا انحرف المسلم من الطاعة إلى المعصية وقف في وجهه كل شيء: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
وإذا صلح الإنسان صلح ما حوله، وإذا فسد الإنسان فسد ما حوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
стр. 1519
وقدرة الله بذاته، وقدرة المخلوق بأسبابه، والمسلم يخرج في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وإحياء الدين كله في العالم كله؛ ليخرج الناس من هواهم إلى هدى ربهم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
لا إله إلا الله عقيدةٌ في القلب، ومحمد رسول الله طريقةٌ في الجوارح، وكل حركةٍ في الدين من عبادةٍ، أو دعوةٍ أو تعليمٍ، فيها حياة الدين، وكسر لَبِنات جدار الباطل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١].
فجاهد نفسك على الدعوة إلى الله، وعلى عبادة الله، وعلى تعليم شرع الله، وعلى الإحسان إلى خلق الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وثمرة المجاهدة هداية نفسك، وهداية غيرك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
стр. 1520
٣ - الخزانة الثالثة
فقه العلم والإيمان:
جميع الأحوال المحبوبة والمكروهة بيد الله وحده، وطريق تحصيل حلوها، ودفع مرِّها، هو الإيمان، والأعمال الصالحة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وأخطر شيءٍ على الداعي إلى الله أمران:
الأول: أن يظهر الداعي أنه مجتهدٌ وهو غير مجتهد، والجهد هو تحصيل الصفات التي يحبها الله من الإيمان والتقوى، والرحمة والحكمة، والحلم، والإحسان.
فيقول الداعي: إن الله معي، القادر معي، الغني معي، الكريم معي، الرحمن معي، كما قال سبحانه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
ولتحصيل الإيمان لابد من المجاهدة، والصبر والمصابرة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فإذا وصلت إلى الله بالصفات أكرمك الله بإيصال الخلق إليه، وعلامة ذلك؛ الخوف من الله، والوجل والاضطراب إذا نقص عملي.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
стр. 1521
الثاني: التعلق بالأسباب دون الفزع إلى الأعمال؛ فعند الأحوال نفزع إلى الأسباب لا إلى الله، فلان يقضي حاجتي، فلان يعمل التأشيرة أو الحجز، فأخطر شيء على الداعي أن يفزع إلى الأسباب لا إلى الأعمال، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
ويقول : ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وكلما كثرت معاصي الله بالسمع، والبصر، واللسان، والجوارح، قلَّت خشية الله في الصلاة وخارجها، وقلَّ الخشوع والبكاء عند مناجاة الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
والمفلح من الناس هو الذي حقق الهدف من وجوده، والهدف من وجود الإنسان عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وتؤخذ الإجازة من الحاكم في الفتوى، لا في الدعوة؛ لأنهذه الأمة كلهم دعاة إلى الله بأمر الله، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 1522
والدعوة إلى الله مسؤولية جميع الأمة؛ فنتعاون مع الجميع على البر والتقوى، نتعاون على التعليم والإحسان، ولا نتحاسد، ولا نتواجه، ولا نتباغض، ونتساند ولا نتعاند: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
فالشريعة الإسلامية أحسن الشرائع، وآخرها، وخاتمتها؛ فهي تحمل صفة العموم والخلود، فهي رحمةٌ للعالمين، تخاطب البشر أجمعين، وتعمّ الحيوان الأعجم، والنبات الأخضر، والجماد الأصم: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فسبحان من تسجد له جميع مخلوقاته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والله هو الملك الذي له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، وبيده الخير كله، الفعَّال لما يشاء، القوي الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
стр. 1523
ومن هذه صفاته، وهذه أفعاله، يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
والأعمال الصالحة تنقسم إلى قسمين:
الأول: العبادات بين العبد وربه، وأعظمها الصلاة.
الثاني: الأخلاق الحسنة بين المخلوق والمخلوق؛ وأصولها أربعة:
أن تصل من قطعك .. وتعطي من حرمك .. وتعفو عمن ظلمك .. وتحسن إلى من أساء إليك: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقد نرى كثيرًا من الدعاة المخلصين، والمجاهدين الصادقين، والعُبَّاد الصالحين، والقانتين، والصائمين، والذاكرين، وغيرهم من أهل الصفات الحسنة، ولكن قلَّما نجد من بينهم أصحاب الأخلاق الكريمة إلا قليلًا، فقد تكونت مجموعة الدعاة، ومجموعة العلماء، ومجموعة المتصدقين، ومجموعة المنفقين، ومجموعة المتعلمين، ومجموعة المجاهدين، لكن حتى الآن لم تتكون مجموعة الأخلاق الحسنة، والصفات العالية.
ومكارم الأخلاق ثلاث مائة وستون شعبة تقريباً، من تمسك بواحدة منها أدخله الله الجنة، ويجمع تلك الأخلاق أربع صفات:
أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك.
стр. 1524
وهذه الأربع شديدة المرارة، لا يقوم بها حقيقةً إلا صدِّيق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٣ - ٣٥].
وقد فرق الله الأخلاق الحسنة كلها أصولها وفروعها في أنبياء الله ورسله، ثم جمعها الله في سيدهم وأفضلهم محمدٍ ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ثم فرَّقها الله في أفراد أمة سيد الأنبياء والرسل، وأمرهم جميعًا بالاقتداء بمن جمع الله فيه أحسن الأقوال، والأعمال، والأخلاق، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فحسن الأخلاق هي الدين كله، سواءً كانت في حق الخالق بعبادته وحده لا شريك له، وعبادة من يستحق العبادة والطاعة، أو كانت في حسن معاشرة المخلوق، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦].
وقد بالغ رسول الله ﷺ في تبليغ الدين، والدعوة إلى الله، فنهاه ربه وقال له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦].
стр. 1525
وقال له: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٤].
ولما أطال ﷺ الصلوات، قال له ربه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ [طه: ٢ - ٣].
فلا تطل الصلاة لئلا تتورم قدماك ورجلاك، فخفف من صلاتك، وقيامك، وقراءتك، ولما أنفق ﵌ جميع ماله في سبيل الله قال له ربه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩].
ولما بالغ في مكارم الأخلاق؛ ما نهاه ربه، بل أثنى عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
فنعم الراكب، ونعم المركوب.
فزينة الرجال والنساء مكارم الأخلاق، وأحسن الأخلاق مع الوالدين، والأقارب، والجيران، مع المسلمين، والكفار، والخلق أجمعين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال ﷺ : «إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق». أخرجه أحمد والبيهقي (١).
والله هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والنعوت الجميلة، والمثل الأعلى في السماوات والأرض: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
والله أحسن الخالقين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وأمرنا الله أن نقول التي هي أحسن في كل حال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء: ٥٣].
وأمرنا سبحانه أن نفعل الذي هو أحسن فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وأمرنا أن ندفع السيئة بالتي هي أحسن، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
وبشرنا سبحانه بأن جزاء الإحسان من العبد إحسانٌ أحسن منه من الرب، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
وأخبرنا سبحانه بأن ثواب العمل في الجنة، والجنة أحسن مقيلا، فقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤].
وابتلانا سبحانه بأحسن الأعمال لا بأكثر الأعمال، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
وجعل سبحانه أحسن الأعمال بعد الإيمان الدعوة إلى الله، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
стр. 1528
٤ - الخزانة الرابعة
فقه معرفة عظمة الله ﷻ :
كان الله ﷻ ولم يكن شيء قبله، ولا شيءٌ معه، ثم أراد أن يُعرف ليُكبَّر ويُعظَّم، ويُحمَد ويُشكَر، ويُوحَّد ويُعبَد؛ فخلق السماوات والأرض وما فيهما، وما عليهما، وما بينهما، وما فوقهما: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
كان الله ولم تكن سماءٌ مرفوعةٌ، ولا أرضٌ مبسوطةٌ، ولا شمسٌ مضيئةٌ، ولا قمرٌ منيرٌ، ولا نجومٌ مبثوثةٌ، ولا بحارٌ سائلةٌ، ولا أنهارٌ جاريةٌ، ولا جبالٌ راسيةٌ، ولا سهولٌ واسعة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
كان الله ولم يكن شيء قبله، لم يكن ليلٌ ولا نهارٌ، ولا ماءٌ ولا سحابٌ، ولا جمادٌ ولا نباتٌ، ولا حيوانٌ ولا إنسانٌ، ولا ملكٌ ولا جانٌ، ولا هواءٌ ولا رياحٌ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، خلق جميع المخلوقات بقدرته؛ لتدل على جلاله، وجماله، وكماله، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله.
خلق السماوات ثم أمرها فاستقلت، وخلق الأرض ثم أمرها فاستقرت، وخلق الجبال ثم أمرها فرست، وخلق البحار ثم أمرها فسالت، وسيَّر الرياح في الكون فسارت، وأجرى الأنهار فجرت، وأمر الأرض بالإنبات فأنبتت،
стр. 1529
وأمر النار فاشتعلت، وأمر الرياح فهبت، وأمر السُحُب فأمطرت، وأمر الأشجار فأثمرت، وأمر العيون فانفجرت، وأمر الأرض فأنبتت من كل زوجٍ بهيجٍ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
كان الله ولم يكن شيءٌ قبله؛ خلق جميع المخلوقات في العالم العلوي، والعالم السفلي، ثم خلق الإنسان وكرَّمه بكل ما في السماوات والأرض، ليعرف ربه العظيم، ويشكر ربه الكريم، ويحب ربه الرحيم، ويعبده وحده لا شريك له: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
كان الله ولم يكن شيءٌ قبله؛ خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم أمر لسانه فتكلم، وأمر عينه فأبصرت، وأمر أذنه فسمعت، وأمر عقله ففكر، وأمر قلبه فعَرَف، وأمر رجله فمشت، وأمر يده فتحركت بمصالحه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
كم حجم هذا الإنسان الصغير بالنسبة للسماوات والأرض؟ كم حجمه بالنسبة للجبال والبحار؟
قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].
стр. 1530
ولكن الكريم كرَّم هذا الإنسان بأنواع الكرامات، وأسجد له ملائكة الأرض والسماوات، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، لأنه يريده خليفةً في الأرض في الدنيا، وجليسه يوم القيامة إن آمن: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
وقال : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقلب الإنسان هو الملك، والجوارح جنوده، فإذا صَلُح الملك صلح البدن كله، وإذا فسد الملك فسد البدن كله.
قال النبي ﷺ : «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ». متفق عليه (١)
فالقلب مخلوقٌ عظيم، وهو محل نظر الله، القلب هو الملك، ووزيره العقل، وترجمانه اللسان وجنوده الجوارح: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
ومن هذه صفاته، وهذه أفعاله، وهذه قدرته، وهذا خلقه، هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، ويستحق أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 1531
والله ﷻ هو الكبير القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، المحيط بكل شيء، المالك لكل شيء، الغني عن كل شيء، الخبير بكل شيء، المعطي لكل شيء، المنعم بكل شيء، الخالق لكل شيء: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
هو سبحانه العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، وضع اسمه الأعظم على السماء فاستقلت، ووضعه على الأرض، فاستقرت ووضعه على الجبال فرست، وعلى البحار فسالت، وعلى الأنهار فجرت، وعلى الرياح فهبت، وعلى السحب فأمطرت، وعلى الأرض فأبتت، وعلى الشمس فأضاءت، وعلى الحيوانات فتوالدت، وعلى العيون فتفجرت، وعلى الأرض فجمدت، وعلى المياه فسالت، وعلى النار فاشتعلت، وعلى الأشجار فأثمرت، وعلى النجوم فنورت: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
هو سبحانه الكبير الذي لا أكبر منه، العظيم الذي لا أعظم منه، القوي الذي لا أقوى منه، العزيز الذي لا أعز منه، الغني الذي لا أغنى منه، الكريم الذي لا أكرم منه، العليم الذي لا أعلم منه، الرحمن الذي لا أرحم منه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
стр. 1532
هو سبحانه الخالق القادر على كل شيء من الذرات والمجرات؛ خلق السماوات والأرض، وخلق الذكور والإناث، وخلق الليل والنهار، وخلق الشمس والقمر، وخلق الكبير والصغير، وخلق الجامد والسائل، وخلق البر والبحر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هو سبحانه المؤمن الذي ملأ قلوب أوليائه بالإيمان، وطهر قلوبهم من الشرك به، والذل لغيره، والخوف من غيره، والرجاء من سواه، والافتقار لغيره: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
هو ﷻ الكبير وكل ما سواه صغير، هو القوي وكل ما سواه ضعيف، هو الغني وكل ما سواه فقير، هو الملك وكل ما سواه عبد له، هو القادر وكل ما سواه عاجز، هو الكريم وكل ما سواه مكرَّم، هو المعطي وكل ما سواه مُعْطى، هو الخالق وكل ما سواه مخلوق: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
هو سبحانه الخلاق العليم لكل ما تراه وما لا تراه، الخالق لكل ما علمته وما لا تعلمه، الخالق لكل ما سمعت به وما لم تسمع به، هو الخالق لعالم الغيب والشهادة، وعالم الدنيا والآخرة، وعالم الأجساد والأرواح: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
هو سبحانه الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، الحي الذي خلق كل حي، الحي الذي يرزق كل حي، الحي الذي يرى كل حي، الحي الذي يسمع كل حي،
стр. 1533
الحي الظاهر فوق كل حي، الحي الباطن دون كل حي، الحي المحيط بكل حي، الحي القاهر لكل حي، حيٌ أقوى من كل حي، حيٌ قادر على كل حي، حيٌ ليس كمثله شيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو سبحانه الواحد الأحد، الخالق لكل أحد، الرازق لكل أحد، الغني عن كل أحد، القادر على كل أحد، المهيمن على كل أحد، المحيط بكل أحد، السميع لكل أحد، البصير بكل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
ومن هذه أسماؤه، وهذه صفاته، وهذه أفعاله؛ فهو الملك الحق الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
إن معرفة الله أوجب الواجبات، وأوجب المعارف؛ فمن عرف الله أكثر كان لله أحب وأعبد، وله أخشى وأتقى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن عرف الله بالربوبية قصده بالألوهية، وخضع له بالعبودية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
هو سبحانه الملك الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبيرة، والنعوت الجميلة، والأحكام المجيدة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
стр. 1534
هو سبحانه الملك الذي له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، وبيده الخير كله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
هو الملك الحق الذي له الملك الواسع، الكبير، العظيم، المحيط.
فله ملك السموات والأرض، وما فيهما، وما عليهما، وما بينهما، وما فوقهما: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
وله ملك عالم الغيب والشهادة، وله ملك العالم العلوي والسفلي، وله ملك ما بين السموات والأرض، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك خزائن السماوات والأرض، وله ملك جنود السماوات والأرض، وله ملك مقاليد السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، وله ملك كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
لا تتحرك ذرةٌ في أي مكان إلا بإذنه، ولا ينتقل أحدٌ من مكانٍ إلى مكان إلا بعلمه، ولا يقف شيءٌ إلا بأمره، ولا يسكن شيء إلا بإذنه، ولا يتكلم أحدٌ إلا بإذنه، ولا يسمع أحدٌ إلا بإذنه، ولا ينبت نباتٌ إلا بأمره، ولا يبقى جمادٌ إلا بإذنه، ولا ينفع شيءٌ إلا بإذنه، ولا يضر شيءٌ إلا بإذنه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
стр. 1535
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
هو سبحانه الملك العزيز الجبار؛ الذي بيده الملك والملكوت، وله العزة والجبروت، وحده لا شريك له: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
هو الملك الذي يخلق ويرزق، ويحكم ويدبر، ويعز ويذل، ويبسط ويقبض، ويحيي ويميت: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
هو الملك الذي له الأوامر الكونية في ملكه العظيم، وله الحكم كله في ملكه الكبير، وله الأوامر الجزائية على من أحسن، أو أساء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ومن هذا ملكه، ومن هذه قدرته، ومن هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله؛ هو وحده الرب الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
هو ﷻ القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء، ولا يقف له شيء، ولا يمتنع عليه شيء، ولا يفر منه شيء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
стр. 1536
هو سبحانه القوي القادر على كل شيء، رفع السماوات بلا عمد، خلقها بقدرته، وأمسكها بقوته، وقهرها بعزته: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
فلا قوة إلا بالله، ولا قوة إلا من الله، ولا قوة إلا بيد الله، ولا قوي إلا خاضعٌ له، وشاهدٌ بعظمته، وساجدٌ لكبريائه، وخاشعٌ لهيبته، وذليلٌ لكبريائه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة.
هو سبحانه الرب الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، هو العظيم في ذاته وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو العظيم في ملكه وسلطانه، هو العظيم في خلقه وأمره، هو العظيم في كبريائه وجبروته، هو العظيم في قوته وقدرته، هو العظيم في مغفرته ورحمته، هو العظيم في نعمه وإحسانه، هو العظيم في غناه وكرمه، هو العظيم في ثوابه وعقابه، هو العظيم في تدبيره وتصريفه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو ﷻ العظيم في حكمه وتشريعه؛ فكل ما أمر الله به فهو خير، وكل ما نهى الله عنه فهو شر، وكل ما أباحه الله فهو منفعة، وكل ما حرمه فهو مضرّة، وكل ما أوجبه من الفرائض والحقوق فهو مصلحة في كل زمانٍ
стр. 1537
ومكان، وكل ما ندب إليه فمصلحته راجحةٌ على مفسدته، وكل ما نهى الله عنه فهو ضررٌ في كل زمانٍ ومكان، وكل ما كرهه فمفسدته راجحةٌ على منفعته: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
هو العظيم في أحكامه، فلا أحكام أحسن من أحكامه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
هو سبحانه العظيم الذي ما ذُكِر اسمه على قليلٍ إلا كثَّره، ولا عند خوفٍ إلا أزاله، ولا عند كربٍ إلا كشفه، ولا عند همٍ إلا فرجه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
هو سبحانه العظيم الذي إذا ذُكر اسمه على ذليلٍ أناله العِزة، وإذا ذكر اسمه على ضعيفٍ أفاده القوة، ولا ذكر اسمه على مريضٍ إلا شفاه، ولا تعلَّق به خائفٌ إلا أمَّنه، ولا تعلق به ضالٌ إلا هداه، ولا ناداه مضطرٌ إلا أجابه، ولا سأله أحدٌ إلا أعطاه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢].
هو سبحانه الغني الذي يملك كل شيء، وعنده خزائن كل شيء؛ عنده خزائن السماوات والأرض، وعنده خزائن المخلوقات والأشياء، عنده خزائن الأقوال والأعمال، عنده خزائن الأخلاق والآداب، عنده خزائن الجماد والنبات، عنده خزائن الحيوانات والحشرات، عنده خزائن الأسماك والطيور، عنده خزائن الأمنَ والخوف، عنده خزائن البر والبحر، عنده خزائن العزة والذلة، عنده خزائن النصر والخُذلان، عنده خزائن الأموال والأرزاق: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
стр. 1538
هو سبحانه الملك العزيز الجبار؛ كل شيءٍ ملكه، وكل شيءٍ يدل على كمال قدرته وعلمه، وكل شيءٍ يشير إلى كمال عزته وجلاله وجماله، وكل شيءٍ يدل على كمال رحمته وإحسانه، نصَبَ أعلام الهُدى على باب حجته، فكل شيءٍ ينطق بعظمته، وكل شيءٍ يسبح بحمده، وكل شيءٍ يشهد بوحدانيته، وكل شيءٍ مستجيبٌ لمشيئته، ومسرعٌ لإرادته، وخاضعٌ لكبريائه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وكل مخلوقٍ في قبضته؛ إن شاء سيَّره، وإن شاء أوقفه، وإن شاء أحياه، وإن شاء أماته، وإن شاء أغناه، وإن شاء أفقره، وإن شاء أطعمه، وإن شاء منعه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
هو ﷻ الحي القيوم الذي جميع المخلوقات باقيةٌ بمشيئته، وجاريةٌ في بحر قدرته، أمسك السماوات والأرض بقوته، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
خلق الليل والنهار، وفجر العيون من الأحجار، وسكَّن البحار، وأجرى الأنهار، وفتق الأرض بالنبات، وفتق الظلام بالصباح، وفتق اللسان بالكلام، وفتق الليل بالنهار، وأجرى الكواكب في السماء، وسيَّر الخلائق في الأرض، وأجرى الفلك في البحر: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
والرب الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله، هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
стр. 1539
٥ - الخزانة الخامسة
فقه ذكر الله ﷻ :
ذِكرُ الله عبادةٌ من أعظم العبادات التي أمرنا الله بالإكثار منها في جميع الأوقات، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
وذِكر الله عبادةٌ مشروعةٌ في جميع الأوقات، والأماكن، والأحوال؛ لأن من ذَكر الله أطاعه ولم يعصه، وخافه، واتقاه، وذَكَرهُ مولاه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال النبي ﷺ : «أَلَا أُخْبِرُكُم بِخَيْرِ أعمالِكُم، وأَرفعِها في دَرَجاتِكُم، وأَزْكاها عِنْدَ مَلِيكِكُم، وخيرٌ لكم من إِنْفاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم فتَضْرِبوا أعْناقَهُم، ويَضْرِبوا أعْناقكُم!!، قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّه، قال: ذِكْرُ اللَّهِ». أخرجه الترمذي وابن ماجه (١)
وذِكر الله عبادةٌ واسعةٌ تدخل في الدين كله؛ بل هي الدين كله، وتدور مع المسلم حيثما تحرك، وأينما اتجه، وحيثما قال، وحيثما فعل، فإذا دعوت الله وسألته فأنت ذاكرٌ له، وإذا سبَّحت الله وحمدته فأنت ذاكرٌ له، وإذا كبَّرته ووحدته فأنت ذاكرٌ له، وإن استغفرته فأنت ذاكرٌ له، وإن صليت أوصمت فأنت ذاكرٌ له، وإن تصدَّقت أو زكيت فأنت ذاكرٌ له، وإن حجَّيت أو اعتمرت فأنت ذاكرٌ له، وإن قرأت القرآن أو علَّمته فأنت ذاكرٌ له، وإن ألقيت أو
стр. 1540
سمعت درسًا أو موعظةً فأنت ذاكرٌ له، وإن صبرت على بلائه، وشكرته على نعمائه فأنت ذاكرٌ له، وإن امتثلت أوامره فأنت ذاكرٌ له، وإن اجتنبت نواهيه فأنت ذاكرٌ له، وإن قرأت كتاب علم فأنت ذاكرٌ له، وإن دعوت إلى الله فأنت ذاكرٌ له، وإن علَّمت شرعه فأنت ذاكرٌ له، وإن أحسنت إلى خلقه فأنت ذاكرٌ له، وإن أمرت بالمعروف، أو نهيت عن المنكر، أو نصحت أحدًا فأنت ذاكرٌ له، ومهما قلت أو فعلت من أجله فأنت ذاكرٌ له، وإذا فعلت أي طاعة فأنت ذاكرٌ له، وإذا اجتنبت أي معصية فأنت ذاكرٌ له، وإذا تفكَّرت في عظمة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فأنت ذاكرٌ له، وإذا تفكرت في عظمة آياته ومخلوقاته فأنت ذاكرٌ له، وإذا تفكَّرت في عظمة نعمه وإحسانه فأنت ذاكرٌ له، وإذا تدبَّرت كتاب الله في أخباره وأحكامه فأنت ذاكرٌ له: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]. عن عائشة ﵂ قالت: "وكانَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَذْكُرُ اللَّهَ علَى كُلِّ أحْيَانِهِ". أخرجه مسلم (١)
وأصل مشروعية الصلاة لإقامة ذكر الله، ومن ذكر الله أحبَّه، وعظَّمه، وكبَّره، وحمده وشكره، وأطاعه وعبده: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
وقد جمع الله لعباده في الصلاة محاسن الأقوال والأعمال، والهيئات، والأدعية، والأذكار: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ
стр. 1541
الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ومن عرف الله أكثَرَ من ذِكره، وتكبيره، وحمده، وشكره.
وأفضل الذِّكر ما كان خفيًا بين العبد وربه، لأنه أقرب إلى الإخلاص، إلَّا ما ورد الشرع بإظهاره: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
ومن عصى الله غافلًا، أو جاهلًا، أو ناسيًا، أو متعمدًا فليذكُرِ الله تائبًا، نادمًا، معتذرًا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦].
وعلامة الإيمان الإكثار من ذكر الله، وعلامة الكفر عدم ذكر الله، وعلامة النفاق الإقلال من ذكر الله، لأنهم لم يؤمنوا به حتى يذكروه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].
وذِكر الله لك في الصلاة أعظم من ذِكرك له؛ لأنك أيها المسلم إذا ذكرت ربك في الصلاة أديت واجب العبودية، لكن الله إذا ذَكرك وأنت في الصلاة أحبك، ومنحك الرضا، ومنحك السعادة، والأمن والطمأنينة، وغفر لك: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
стр. 1542
وعلم الدين ينقسم إلى قسمين:
مهمٌ وأهم، وحسنٌ وأحسن، وواجبٌ وأوجب؛ فالعلم بأحكام الدين كأحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج وغيرها مهمٌ، وحسنٌ، وواجبٌ، حتى يَعبُدَ المسلم ربه بهذه الأعمال، ولكن العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله أهم، وأحسن، وأوجب؛ لأنه يثمر كمال التوحيد، والإيمان، والتقوى، فإذا عرفت ربك فاعلم بعد ذلك ما أمرك به، لتفوز برضوانه إذا عرفته وأطعته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
فقه الدعوة إلى الله:
والدعوة إلى الله أحسن الأعمال بعد الإيمان، لأن الله يخرج بها الناس من الشرك إلى التوحيد، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
فوظيفة كل مسلم الأساسية هي الدعوة إلى الله، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 1543
ووظيفة المسلم الفرعية الخاصة: مدرس، معلم، قاضي، تاجر، طبيب، مهندس، عامل، حِرفي، .. وهكذا.
والله أمرنا بهذا وهذا لتستقيم هذه الحياة لنا كلها على أوامر الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
فالدعوة إلى الله وظيفة الأمة كلها وجالاً ونساء: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
وجهد الدعوة إلى الله يثمر جهد العبادة، وجهد الإيمان، وجهد التقوى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والإنسان يخرج من الدنيا فقط بأمرين: بالحسنات، أو السيئات، أو بالحسنات والسيئات، ثم يُجازى بما عمل: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة/ ٦ - ١١].
وأعظم الحسنات وأوسعها لا توجد إلا في الدعوة إلى الله، لماذا؟
لأن الدعوة تثمر المؤمنين، والمتقين، والمحسنين، والمصلين، والصائمين، والمزكين، والدُعاة إلى الله وغيرهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي
стр. 1544
جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
فأحسن الجهود في الحياة: هو جهد الدعوة إلى الله في كل زمانٍ، وفي كل مكانٍ، وفي كل حالٍ، مع فعل الواجبات والمستحبات، وترك المنهيات والمكروهات: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فالتأسّي بالنبي ﵌ ينقسم إلى قسمين:
حسنٌ وأحسن، وواجبٌ وأوجب؛ فالأحسن والأوجب أن يكون جهدي كجهده ﷺ ، ودعوتي كدعوته، وأخلاقي كأخلاقه، ويومي كيومه، وليلي كليله، والحسن والواجب أن تكون عبادتي كعبادته، وصلاتي كصلاته، وسواكي كسواكه، وأكلي كأكله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الدين لك، وجهد الدعوة عليك، والعبادة فيما بينك وبين ربك، والدعوة فيما بينك وبين الخلق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
فقه حلاوة الإيمان:
أسعد الناس في الدنيا والآخرة من آمن بالله واستقام على أوامره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
стр. 1545
فإذا عرفت أيها الإنسان أنك المخلوق الأول، وأنك لن تدوم في الأرض، وأنك ستصير إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض إن آمنت، وأنك سترى ربك يوم القيامة الذي آمنت به، وأخلصت العبادة له؛ سارعت إلى كل طاعة وابتعدت عن كل معصية، وعظّمت من خلقك، ورزقك وهداك، وحمدته وشكرته، وأحببته ومجدته، وسجدت لعظمته، وتصاغرت لكبريائه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فأعقل الناس من آمن بالله، وصدَّق أخباره، وطبَّق أحكامه، وأخلص العبادة له؛ ففاز برضوانه، وعظيم ثوابه، ونجا من سخطه وعقابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وفي هذه الحياة الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة؛ وجنة الدنيا هي معرفة الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وتعظيمه، وحبه، وعبادته وحده لا شريك له: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
فأسعد الناس من آمن بمن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وحلاوة الإيمان أحلى من كل حلو، وأغلى من كل شيء؛ ومن دفع قيمة حلاوة الإيمان ذاق حلاوة الإيمان، وقيمة حلاوة الإيمان هي القيام بالدعوة إلى الله، وعبادة الله ، وتعليم شرعه، والإحسان إلى خلقه: ﴿وَمَنْ