وبهذه الكرامات العشر وغيرها شرح الله صدور المؤمنين للتوحيد والإيمان والعبادة والدعوة، والجهاد في سبيل الله، حتى قال قال الله عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
حكمة خلق الأسباب
الله خلق الأسباب للابتلاء، وجعل النجاة والعلاج في الإيمان والأعمال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وكل شيء لا يحصل إلا بأمر الله وحده: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
والله أمرنا بفعل الأسباب، لأننا في دار الأسباب، امتحانًا وابتلاءً.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
فأول تربية بفعل الأسباب هي:
الأولى: هل نختار الحلال أم الحرام؟، أم نختار الهدى أم الهوى.
والثانية: هل نتعلق بالله أم بالأسباب؟.
стр. 214
والثالثة: كما فعلت السبب بأمر الله، هل أترك السبب بأمر الله، فأغلق الدكان من أجل الصلاة؟
قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
فمن كان يقينه على الله صلحت حياته في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
ومن كان يقينه على غير الله عذب به، واستدرجه الله بما أعطاه من النعم فيعاقب بالزلازل، أو الغرق، أو الخسف، ثم القتال فيما بينهمن ثم يفسد الاقتصاد: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
ومن خاف الله أمنه من كل شيء، ومن خاف غير الله سلطه الله عليه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥].
فالله خلقنا في الدنيا لتكميل الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، لا لتكميل الشهوات والأشياء، والأموال.
стр. 215
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ولما جاء الإيمان في حياة الصحابة جاء أمران:
١ - الاستعداد لفعل الأوامر.
٢ - النصرة من الله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
ومقصود الذكر والإيمان والعبادات هو إكمال التوحيد، وإكمال اليقين، وإكمال التقوى، فمقصد كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله تغيير اليقين من المخلوق إلى الخالق الذي له كل شيء، وبيده أمر كل شيء، وترك جميع الطرق إلا طريقة محمد رسول الله ﷺ فقط: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وكيف يأتي عندنا في الصلاة الاستعداد لترك كل شيء يوميًا لأجل امتثال أوامر الله، في الصلوات الخمس في كل وقت، ففي صلاة الفجر نترك النوم لأجل امتثال أوامر الله، وفي صلاة الظهر نترك العمل لأجل امتثال أوامر الله، وفي صلاة العصر نترك الراحة من أجل امتثال أوامر الله، وفي المغرب والعشاء نترك الشهوات من أجل امتثال أوامر الله.
стр. 216
فيكون العبد عبدًا لله داخل الصلاة، وخارج الصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
فمن ترك نومه وعمله وراحته وشهواته من أجل الصلاة، استعد لترك ذلك من أجل الصوم، والحج والدعوة والجهاد في سبيل الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
واليقين يحصل في القلب بالنظر، أو العقل، أو الخبر، فالبصر يحصل به اليقين على الأشياء الظاهرة، كالسماء، الأرض، والشمس والقمر، والجبال والبحار، وهذا اليقين مؤقت لا ينتفع به إلا من رآه، كانفلاق البحر لموسى ﷺ ، وانفجار الحجر بالماء لموسى ﷺ وكون النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﷺ .
وهذا اليقين لا يطول، وهو سريع الزوال، ولا يبقى في الأجيال المتعاقبة.
أما اليقين على العقل فهو أن العقل يعلم أن الخمسة أكثر من الثلاثة، وأن الكثرة تغلب القلة، أما اليقين على الخبر فهو أقوى أنواع اليقين، وهو يقين الأنبياء والمؤمنين على ربهم، وما أخبر به، وما وعد به: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
• وكل إنسان له حالان مع ربه:
o حال التولي.
o وحال التخلي.
стр. 217
فإذا وحد العبد ربه تولاه، وإذا توكل عليه كفاه، ولو كان ما كان من الفقر والعجز والضعف: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢].
وإذا اعتد الإنسان بنفسه وقوته وماله وعلمه، تخلى الله عنه: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].
وإذا توكل العبد على ربه كفاه: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٦].
فكن لله كما يريد، يكن لك كما تريد: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
ومقصود العبادات والأوامر أن يأتي اليقين على الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يأتي اليقين على قوله وقول رسوله، ثم يأتي اليقين على وعده ووعيده، وثوابه وعقابه، فإذا جاء اليقين على ذات الله، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الكبرى؛ جاء اليقين على قوله، ثم جاء اليقين على وعده ووعيده، وإذا جاء اليقين على الوعد والوعيد أقبلت النفس على الطاعات، ونفرت من المعاصي، وسارعت إلى فعل الخيرات كالأنبياء:
стр. 218
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وذلك لكمال معرفتهم بالله، ويقينهم عليه، ولا يمكن الحصول على هذا اليقين إلا بالتضحية بكل شيء من أجل الله، وترك كل شيء من أجل الله، فالمهاجرون تركوا، وبذلوا، والأنصار بذلوا، وأكرموا، فالمهاجرون ضحوا بالأوقات، والأموال، والأنفس، والشهوات، والأهل، والأوطان، والأنصار ضحوا بما يملكون، وبذلوا كل شيء من أجل استقبال المهاجرين، فجاءت النصرة، وجاء الرضوان من الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله سبحانه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وبحسب كثرة التضحيات مع الإيمان والتقوى يكون كمال اليقين، والناس متفاوتون في اليقين بحسب معرفتهم بالله، وبحسب تضحياتهم من أجل الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
موسوعة خزائن العلوم الإسلامية
١ - خزائن الإيمان بالله
القسم الأول
وتشتمل على ما يلي:
١ - الخزانة الأولى
٢ - الخزانة الثانية
٣ - الخزانة الثالثة
٤ - الخزانة الرابعة
٥ - الخزانة الخامسة
٦ - الخزانة السادسة
٧ - الخزانة السابعة
٨ - الخزانة الثامنة
٩ - الخزانة التاسعة
١٠ الخزانة العاشرة
стр. 222
١ - خزائن الإيمان بالله
القسم الأول
١ - الخزانة الأولى
• أركان الإيمان:
أركان الإيمان ستة
وهي المذكورة في حديث جبريل ﷺ حينما سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». أخرجه مسلم (١).
ورابطة الإيمان أعظم الروابط على الإطلاق، ولشدة قوتها ربطت بين الخالق والمخلوق، وربطت بين السماء والأرض، وربطت بين الأمة ورسولها العظيم، وربطت بين بني آدم في الأرض، وربطت بين بني آدم والملائكة، وربطت بين بني آدم والجن، وربطت بين الدنيا والآخرة، ومن أجلها خلق الله السماوات والأرض وما فيهن، وخلق الجنة والنار، والثواب والعقاب.
ومن أجلها كان الله ولي المؤمنين، ومن أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الجهاد في سبيل الله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
стр. 223
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
• أركان الإيمان بالله :
أعظم أركان الإيمان هو الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى، فقد فطر الله كل مخلوق على الإيمان بخالقه، كما قال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
ودل العقل على أن لهذا الكون خالقًا، فإن هذه المخلوقات العظيمة سابقها ولاحقها، لابد لها من خالقٍ أوجدها، وهي لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة، فتعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين كما قال سبحانه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦].
ودل الحس على وجود الله سبحانه، فإننا نرى تقليب الليل والنهار، وتقليب الحر والبرد، ورزق كل إنسان وحيوان، وتدبير أمور الخلائق مما يدل دلالةً قاطعة على وجوده تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
стр. 224
والله سبحانه أيد رسله وأنبياءه بآياتٍ ومعجزات رآها الناس أو سمعوا بها، وهي أمورٌ خارجةٌ عن قدرة البشر، ينصر الله بها رسله، ويؤيدهم بها، وهذا برهانٌ قاطعٌ على وجود مرسلهم، وهو الله ، كما جعل الله النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﷺ ، وفلق البحر لموسى ﷺ ، وأحيى الموتى لعيسى ﷺ ، وشق القمر لمحمدٍ ﷺ ، فلا ريب ولا شك في وجود ربنا : ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وكم أجاب الله من الداعين، وأعطى السائلين، وأغاث المكروبين، مما يدل بلا ريب على وجوده وعلمه وقدرته: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤].
ودل الشرع على وجود الله ، فالأحكام العظيمة العادلة المتضمنة لمصالح الخلق، والتي أنزلها الله في كتبه على أنبيائه ورسله دليلٌ على أنها من ربٍ حكيمٍ قادرٍ عليمٍ بمصالح عباده: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].
الثاني: الإيمان بان الله هو الرب وحده لا شريك له.
والرب هو الذي يستحق أن يعبد، هو الملك الذي بيده الملك، وله الخلق والأمر كله، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، والأمر كله لله وحده، الخلق خلقه، والملك ملكه، والأمر أمره: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى
стр. 225
يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٣].
هو الرب العزيز الرحيم، الغني الكريم الحميد، العليم القدير، يرحم إذا استرحم، ويغفر إذا استُغفر، ويعطي إذا سُئل، ويجيب إذا دعي، ويفعل ما يشاء، حيٌ قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
هو الملك الذي له وحده ملك السماوات والأرض، وله ملك ما في السماوات والأرض، وله ملك ما بين السموات والأرض، وله ملك خزائن السماوات والأرض، وله ملك غيب السماوات والأرض، وله ملك جنود السماوات والأرض، وله ملك مقاليد السموات والأرض، وله ملك مقاليد السموات والأرض، وله ملك ميراث السماوات والأرض: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
هو الملك الذي له وحده ملك عالم الغيب والشهادة، وله ملك العالم العلوي والسفلي، وله ملك الدنيا والآخرة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
فنعلم ونتيقن أن الله هو وحده الرب العظيم الذي خلق المخلوقات، وأوجد الموجودات، وصور الكائنات، وخلق الأرض
стр. 226
والسماوات: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
خلق ﷻ الشمس والقمر، وخلق الليل والنهار، وخلق الماء والنبات، وخلق الإنسان والحيوان، وخلق التراب والجبال والبحار، سبحانه هو الملك: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢].
خلق الله ﷻ كل شيءٍ بقدرته، ليس له وزيرٌ ولا مشيرٌ ولا معين، سبحانه هو الرب الواحد القهار، استوى على العرش برحمته، وأمسك السماء بقدرته، ودحى الأرض بمشيئته، وخلق الخلائق بإرادته، وقهر العباد بقوته: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
فسبحان ربنا الخالق لكل شيء: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وكذا نعلم ونتيقن أن الله سبحانه ربٌ قديرٌ على كل شيء، محيطٌ بكل شيء، مالكٌ لكل شيء، عليمٌ بكل شيء، قاهرٌ فوق كل شيء، خضعت الأعناق لعظمته، وخشعت الأصوات لهيبته، وذل الأقوياء لقوته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 227
يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
يعلم سبحانه ما في السماوات وما في الأرض: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
هو سبحانه العليم الذي يعلم مثاقيل الجبال، ويعلم مكاييل البحار، ويعلم عدد قطر الأمطار، ويعلم عدد ورق الأشجار، ويعلم عدد ذرات الرمال، ويعلم ما أظلم عليه الليل، وما أشرق عليه النهار: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
ونعلم ونتيقن أن الله ﷻ : ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
يخلق ويرزق، ويدبر الأمر، ويرسل الرياح، وينزل الغيث، ويحيي الأرض بعد موتها، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويحيي ويميت، ويعطي ويمنع، ويرفع ويضع: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
ونعلم ونتيقن أن خزائن كل شيءٍ عند الله وحده لا شريك، وأن خزائن السماوات والأرض كلها لله وحده، وكل شيءٍ في الوجود فخزائنه عند الله وحده لا شريك له، خزائن المياه، خزائن النبات، خزائن الهواء، خزائن المعادن، خزائن الصحة، خزائن المرض، خزائن الأمن، خزائن الخوف، خزائن النعيم، خزائن العذاب، خزائن الرحمة، خزائن الهداية، خزائن
стр. 228
القوة، خزائن العزة، كل هذه الخزائن وغيرها مما لا يحصيه إلا الله، كلها عند الله، وبيد الله وحده لا شريك له: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فلابد للقلب أن يعلم هذه الأمور العظيمة، وإذا علمنا ذلك، وتيقنا على قدرة الله، وعظمة الله، وقوة الله، وكبرياء الله، وعلم الله، ومُلك الله، وخزائن الله، ورحمة الله، ووحدانية الله، أقبلت القلوب إليه، وانشرحت الصدور لعبادته، وانقادت الجوارح لطاعته، ولهجت الألسن بذكره تعظيمًا وتكبيرًا، وتسبيحًا وتحميدًا، وتوبة واستغفارًا، فلا تسأل إلا إياه، ولا تستعين إلا به، ولا تتوكل إلا عليه، ولا تخاف إلا منه، ولا تعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
الثالث: الإيمان بألوهيته .
فنعلم ونتيقن أن الله هو الإله الحق لا شريك له، وأنه وحده المستحق للعبادة، فهو رب العالمين، وإله العالمين، ونعبده بما شرع مع كمال الذل له، وكمال الحب له، وكمال التعظيم له، فكما خضعنا لربوبيته خلقًا وتدبيرًا، فيجب أن نخضع لألوهيته أمرًا وشرعًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ونعلم ونتيقن بقلوبنا أن الله واحدٌ في ربوبيته لا شريك، وكذلك هو واحدٌ في ألوهيته لا شريك له، وكذلك هو واحدٌ في أسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له، ونعبده وحده لا شريك له، ونجتنب عبادة ما سواه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
стр. 229
فالله هو الإله الحق، وكل معبودٍ من دون الله فألوهيته باطلة وعبادته باطلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
فالله وحده هو الذي يستحق أن يعبد وحده، وأن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته، ومعناه فهمها، وحفظها، والاعتراف لله بها، والتعبد لله بها، والعمل بمقتضاها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فمعرفة أوصاف العظمة والكبرياء والمجد والجلال والجبروت لله ﷻ تملأ قلوب العباد هيبةً لله، وتعظيمًا له.
ومعرفة أوصاف العزة والقوة والقدرة تملأ القلوب ذلةً وانكسارًا وخضوعًا لله .
ومعرفة أوصاف الرحمة والبر والجود والإحسان والكرم تملأ القلوب حبًا لله، ورغبةً وطمعًا في فضل الله وإحسانه وجوده، ومعرفة أوصاف العلم والإحاطة توجب للعبد مراقبة ربه في جميع حركاته وسكناته، وفي أقواله وأفعاله.
ومعرفة مجموع هذه الصفات توجب للعبد تعظيم الله، ومحبة الله، والشوق إليه، والأنس به، والتوكل عليه، والتقرب إليه بعبادته وحده لا شريك له: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ
стр. 230
الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
فنثبت لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله، من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ .
ونؤمن بالله وأسمائه وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والآثار.
فنؤمن بأن الله رحيم ومعناه ذو رحمة، ومن آثار هذا الاسم العظيم أنه يرحم من يشاء، وهكذا القول في بقية الأسماء والصفات، ونثبت كل ذلك على ما يليق بجلاله سبحانه من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ونعلم ونتيقن أن الله وحده له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وندعوه بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقال النبي ﷺ : «إِنْ لله تِسْعَة وَتِسْعين اسْما مائَة غير وَاحِدَة من أحصاها دخل الْجنَّة» أخرجه البخاري (١).
• أصول الإيمان بأسماء الله وصفاته:
أصول الإيمان بأسماء الله وصفاته ثلاثة:
الأول: تنزيه الخالق سبحانه عن مشابهة المخلوقين في الذات والأسماء والصفات والأفعال على حد قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
стр. 231
الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من الأسماء والصفات: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية أسماء الله وصفاته وأفعاله، فكما لا نعلم كيفية ذاته ﷻ ، كذلك لا نعلم كيفية أسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
• أقسام أسماء الله الحسنى من حيث الإفراد والاقتران:
أسماء الله الحسنى تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يسمى الله بها مفردًا أو مقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء مثل السميع والبصير والقوي ونحوها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الثاني: ما لا يطلق على الرب مفردًا، بل مقترنًا بمقابله؛ لأن الكمال في اقتران الاسمين معًا، كالمقدم والمؤخر، والقابض والباسط ونحوهما.
فهذه الأسماء تجري مجرى الاسم الواحد فلا تذكر إلا مقترنة.
• أقسام أسماء الله الحسنى من حيث معانيها:
أسماء الله الحسنى من حيث معانيها ستة أقسام:
الأول: الأسماء الدالة على ذات الله ووحدانيته مثل:
الله، الإله، الواحد، الأحد، الحق، الحي، القيوم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، وأمثالها من الأسماء الحسنى.
الثاني: الأسماء الدالة على الملك والقدرة، فأسماء الله الدالة على الملك والقدرة مثل:
стр. 232
الملك، العزيز، الجبار، المهيمن، القهار، القادر، القوي، المقدم والمؤخر، وأمثالها.
الثالث: الأسماء الدالة على الخلق والإيجاد والإمداد مثل:
الخالق، البارئ، المصور، الرزاق، الوهاب، الكريم، البر، المقيت، وأمثالها.
الرابع: الأسماء الدالة على العلم والإحاطة مثل:
البصير، السميع، العليم، الخبير، الرقيب، الشهيد، الحفيظ، المحيط، وأمثالها.
الخامس: الأسماء الدالة على الرفق والرحمة والمغفرة مثل:
اسم الرب الرحمن، الرحيم، الرؤوف، الحليم، الحميد، الشكور، الودود، الولي، النصير، القريب، المجيب، العفو، الغفور، التواب، وأمثالها.
السادس: الأسماء الدالة على الهداية والبيان مثل:
الهادي، المبين، الوكيل، الكفيل، وأمثالها.
فلله ﷻ الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى في السماوات والأرض.
وجميع أسماء الله الحسنى واحدةٌ في الدلالة على الذات، متعددة المعاني والصفات: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
• أنواع الربوبية:
ربوبية الله ثلاثة أنواع:
الأولى: ربوبيةٌ عامة.
الثانية: وربوبيةٌ خاصة.
الثالثة: وربوبيةٌ لخاصة الخاصة.
стр. 233
فالربوبية العامة هي الشاملة لكل الخلق، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
والربوبية الخاصة هي للمؤمنين فقط، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧].
وأخص الخاصة، هي للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كما قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فالربوبية العامة تقتضي تربيةً عامة لجميع الخلائق.
والربوبية الخاصة تقتضي تربية خاصة لا تماثلها تربية أحدٍ من العالمين.
ويقابل ذلك العبودية، وهي ثلاثة أنواع:
الأولى: عبوديةٌ عامة.
الثانية: عبودية خاصة.
الثالثة: عبودية أخص الخاصة.
فالعبودية العامة يدخل فيها كل الخلق، فجميع الخلائق عبيدٌ لله، وهو الملك وحده لا شريك له: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].
والعبودية الخاصة يدخل فيها كل مؤمن، كما قال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤].
стр. 234
وعبودية خاصة الخاصة للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١].
فالتربية من الرب، والعبودية من العبد، ولكل نوعٍ من الخلق تربية من الرب، وعبودية من الخلق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
فالعبودية الخاصة تقتضي معرفةً خاصة، وعبوديةً خاصة، لا يماثلها أحدٌ من العالمين، والربوبية عناية الرب بالخلق إيجادًا وإمدادًا وإسعادًا وهداية.
فالربوبية عناية الرب بالخلق، وتختلف بحسب النوع، وبحسب الوظيفة التي كُلِّف بها العبد، فالشمس لها عبودية، والقمر له عبودية، والسماوات لها عبودية، والأرض لها عبودية، وكل شيء له عبودية: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
وجميع الخلائق الله خلقها دالةٌ على وحدانيته، ومسبحةٌ بحمده، ومستجيبةٌ لمشيئته، فجميع الخلائق تعبد الله تسخيرًا وتخييرًا، أما التسخير فهو لعموم الخلائق، وأما التخيير فهو للعقلاء من الجن والإنس: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠].
стр. 235
٢ - الخزانة الثانية
• فقه الإيمان بالله :
إذا آمن الإنسان بربه أخذ مفتاح الإيمان الذي يدخله الجنة، وبمفتاح الإيمان يحصل العبد على مفتاح القرب من الله، ومفتاح التقرب إليه، فيكون هو البادي، وإذا ذكر العبد ربه ذكره، وإذا أوفى بعهده وفّى الله بعهده له، وإذا نصر الله نصره الله، فإذا آمن الإنسان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله سلّم الله إليه مفتاح التقرب إلى ربه، والتودد إليه، بأنواع العبادات والطاعات، كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠].
وقال النبي ﷺ : «يَقُولُ اللهُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ، ذَكَرْتُهُ فِي ملأ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». متفقٌ عليه (١).
والإيمان بالله هو الإيمان بوجوده، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، فالإيمان بوجوده أن نعلم أن وراء المخلوقات خالقًا، ووراء الصور مصورًا، ووراء الأرزاق رازقًا، وهكذا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
стр. 236
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والإيمان بأسماء الله الحسنى أن نعلم أن الله له جميع الأسماء الحسنى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
والإيمان بصفاته أن نعلم أن الله متصفٌ بصفات الكمال والجلال والجمال، منزهٌ عن المثيل والشبيه، والعيب والنقص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والإيمان بأفعاله أن نعلم أن كل ما سوى الله مخلوق مُحدَث، وكل محدَثٍ لابد له من محدِث، وهو الله : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
والإيمان بأحكامه أن نعلم أمورً أربعة:
الأول: أن أحكام الله غير معللة بعلة، فالله غنيٌ عن العباد وأعمالهم، والخلق كلهم فقراء إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
الثاني: أن نعلم نفع الأحكام عائدٌ على العبد، لا على الرب، فالله منزهٌ عن جلب المنافع، ودفع المضار؛ لأنه غنيٌ عن العالمين، بل كل مخلوق محتاجٌ إلى ربه في كل شيء: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦].
стр. 237
الثالث: أن يعلم العبد أن لله الإلزام بالأحكام في الدنيا كيف شاء؛ لأن الخلق كلهم عبيده، يأمرهم بما شاء، ويكلفهم بما أراد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وهو يأمرهم بالأحكام لمصلحتهم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]
الرابع: أن يعلم العبد أنه لا يجب لأحدٍ على الحق سبحانه بسبب أعماله شيء، وأنه في الآخرة يغفر لن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله؛ لأن الخلق كلهم ملكه، ومماليكه، وعبيده: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
وقال النبي ﷺ : «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ». متفقٌ عليه (١).
فالله هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي أمده بالأقوات، وهو الذي هداه إلى الصراط المستقيم، وهو الذي اختار له العمل الذي يناسبه، وضاعف له الأجر، وأعانه على الطاعة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾ [الجاثية: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
стр. 238
ويحصل الإيمان بالله بمعرفة ذاته، والإقرار بوجوده، ومعرفة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعال الحميدة، فهو سبحانه الخالق وحده، وكل ما سواه مخلوق، وهو الغني، وكل ما سواه فقيرٌ إليه، وهو القوي، وكل ما سواه ضعيف، وهو الملك، وكل ما سواه عبيدٌ له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].
وهو الرحيم الذي خلق الرحمة في كل رحيم، وهو العليم الذي خلق العلم في كل عليم: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
وهو القوي الذي خلق القوة في كل قوي، وهو القادر الذي خلق القدرة في كل قادر.
فزبدة الإيمان حصول اليقين في القلب بأن الله بيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، ولذلك تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وزبدة اليقين حسن الظن بالله، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والله سبحانه الإله الحق، المعبود بحق، في السماوات والأرض كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾ [الزخرف: ٨٤].
وهو الإله الحق الذي يعلم السر في السماوات والأرض كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦].
стр. 239
وهو سبحانه الملك الحق الرحمن الرحيم الذي استوى على العرش فوق جميع خلقه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وهو العليم الخبير الذي يعلم سر العباد وجهرهم في السماوات والأرض كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ٣].
فهو سبحانه الذي استوى على العرش برحمته فوق جميع خلقه، فوق السماوات والأرض، والكرسي والعرش: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
ومن زعم أن الله تعالى في كل مكانٍ بذاته، فهذا قد ضل ضلالًا بعيدًا، وهو أجهل الخلق بالله؛ لأن جميع الأمكنة الموجودة والأزمنة أقل وأصغر وأذل من أن يحل في شيء منها رب السماوات والأرض، الذي له الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فالله هو العظيم المحيط بكل محيط، ولا يحيط به محيط، ولو أحاط به أحد من خلقه كالسماوات والأرض لكان مقدورًا عليه، لكن الله أحاط بكل شيءٍ علمًا، فهو أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وأعلى من كل شيء: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 240
فلا إله إلا الله، ما أجهل الخلق بربهم وما أجهلهم بآياته ومخلوقاته: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فهو الرب الكبير العظيم المحيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء، بل هو المحيط بكل شيء، ولا يكون فوقه شيء؛ لأنه العلي الأعلى فوق كل شيء، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، والسماوات والأرض في يده أصغر من الخردلة في يد أحدنا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
سبحانه لا نحصي ثناء عليه، ولا نحيط به علمًا، وهو العليم الخبير: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
فهو العليم بكل شيء الذي لا يخفى عليه شيء من أحوال الخلق: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
وهو العليم الذي لا يخفى عليه شيء، يعلم ما كان، ما يكون، وما سيكون قبل أن يكون: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [سبأ: ٣].
فسبحان العليم الذي وسع علمه كل شيء: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
стр. 241
الله هو الرب الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقد خلق الله هذا الكون العظيم، وأنزل كتابه الكريم، ليعرف بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، ليعملوا بدينه وشرعه، لينال الناس ثوابه أو عقابه.
وعظمة الله وعظمة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الكبرى لا بداية لها ولا نهاية، ولا أول لها ولا أخر: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فالله سبحانه هو الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، يفعل ما يشاء، ويخلق ما يشاء، ويرزق من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
وعظمة أسمائه وصفاته لا بداية لها، ولا نهاية، وأعرف الناس بالله هم الأنبياء والرسل، والملائكة، فالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكمال معرفتهم بالله: ﴿وَلَهُ
стр. 242
مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام الله هو الذي رباهم، واختارهم، وعلمهم، وهداهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٥].
ولكن لا يعرف كمال عظمة الله إلا الله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
لهذا أعرف الخلق بربه هو سيد الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، الذي كان خلقه القرآن، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
محمد ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا أمره ربه أن يستغفره مع أنه قد غُفر له؛ لأنه ﷺ كلما عرف جانباً من عظمة الله استحيا من المعرفة السابقة، وكلما ارتقت معرفته بالله رأى أنه أذنب في حق الله، حيث عرف أن معرفة الله أقل مما ينبغي، ولهذا قال له ربه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
لهذا ما من أحدٍ من البشر إلا وهو يؤمن بوجود الله إلا شواذ الخلق: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
стр. 243
وهذا فطرة من الله فطر عليها جميع عباده: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
لكن الإيمان المطلوب الذي ينجي هو أن تؤمن بالله العظيم وأن تعرف أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الكبرى ثم تعمل بموجب ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فإذا آمنت بالله العظيم، وعرفت أسماءه وصفاته وأفعاله، كبرته وعظمته، وأطعته وأحببته، واستحييت أن تعصيه كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
هؤلاء هم الأنبياء الذين عرفوا ربهم، فعبدوه كما يجب، ودعوا إليه كما أُمروا، فإذا لم تؤمن بالله العظيم فلن تطيعه، وسوف تهون عليك معصيته، فكل من عصى الله إنما هو جاهلٌ بالله كالكافر: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٧].
لهذا الذي أنكر الربوبية هم أجهل الخلق بالله، وهم شواذ الخلق كفرعون الذي قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].
لهذا من رحمة الله أن فطر عباده على الإيمان به، ثم أرسل، الرسل ليسقوا هذه الفطرة ببيان عظمة الله، وخلف هذا الكون العظيم، لينظروا في ملكوت
стр. 244
السماوات والأرض، ليؤمنوا بالله العظيم الذي خلق هذا الكون: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
فمن آمن أن لهذا الكون العظيم خالقًا ورازقًا ومدبرًا فهذه ضرورةٌ فطرية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ [لقمان: ٢٥].
أما الإيمان بالله العظيم، ومعرفة أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله العظمى، فهذا إيمانٌ كسبي نحصله بجهدٍ بشري، بالنظر في الآيات الكونية، والنظر في الآيات الشرعية، وهو مطلوب شرعًا، ليقوى الإيمان ويزيد، ثم تقوى العبادات والطاعات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وهذا الإيمان هو الذي يحمل صاحبه على طاعة الله وعبادته، وتقواه وخشيته، فالمؤمن يعظم ربه ويكبره، لما يرى من عظمة جلاله وكبريائه، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة نعمه وإحسانه، فيكبره، ويحمده ويشكره لما يعلمه من عظمة الله، وعظمة ملكه، وعظمة نعمه وإحسانه، فيقول الحمد لله رب العالمين: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وأي إيمانٍ لا يحمل صاحبه على طاعة الله لا قيمة له كإيمان إبليس، وإيمان الكفار، وإيمان فرعون، وهذا الإيمان لا يقدم ولا يؤخر: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
فإبليس عنده إيمان بالله حيث قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر: ٣٦].
стр. 245
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ [ص: ٨٢].
لكن هذه المعرفة بالرب، وهذه الأقوال، لم تغنه شيئًا، فقد عصى الله، وكفر واستكبر حين أمره الله بالسجود لآدم: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فكل من كفر الله، وكل من لم يستجب لأوامر الله، وكل من اقترف الكبائر وأصر على ذلك فهذا إيمان إبليسي؛ لأن الإيمان بالله يتبعه طاعةٌ لله، ولو آمن بالله العظيم لخشع قلبه لذكر الله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وأعظم نعمةٍ أنعم الله بها على عباده هي الهداية إلى الإيمان: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقلب المؤمن هو أشرف البقاع؛ لأنه مملوء بالتوحيد والإيمان والتقوى، بل قلب المؤمن أحسن من المرآة الصافية في الصفاء؛ لأن المرآة إن وقع عليها حجاب لم ير فيها شيء، أما قلب المؤمن فهو مشرقٌ بنور التوحيد والإيمان والتقوى، لا تحجبه عن ربه السماوات السبع، والكرسي والعرش، ولا تحجبه عن ربه ظلمات الأرض، ولا كهوف الجبال، ولا أعماق البحار: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)
стр. 246
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
فنور التوحيد والإيمان يجعل المؤمن يعبد ربه ويناجيه، ويناديه ويعبده كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وهذه الحُجب العظيمة قلب المؤمن مع جميع هذه الحجب العظيمة في العالم العلوي، والعالم السفلي يطالع جلال الربوبية وجمال الألوهية، ويعبد الله بموجب هذه الرؤية؛ ولهذا كان القلب محل نظر الله، لما فيه من التوحيد والإيمان والتقوى كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». أخرجه مسلم (١).
وإذا كان القلب عرشًا لمعرفة الله، وجب أن يكون أشرف البقاع «قال النبي ﷺ أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». متفق عليه (٢).
لهذا هذا القلب إذا امتلأ بالتوحيد والإيمان والتقوى؛ فإن الله لا يرضى لهذا القلب الذي آمن بالله إلا أن يكون في جنة سقفها عرش الرحمن الذي استوى عليه الرحمن ﷻ ، كما قال النبي ﷺ : «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ» أخرجه البخاري. (٣).
ولهذا كان القبر روضة من رياض الجنة؛ لأنه حل فيه هذا القلب المؤمن الذي امتلأ بالتوحيد والإيمان والتقوى، والأخلاق الحسنة، ومن جعل
стр. 247
قلبه بستانًا لمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وجلاله وكبريائه جعل الله جنته بستانًا له يوم القيامة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
فسبحان الرب الكريم الذي أدخل عبده المؤمن في الدنيا جنة المعرفة، ويوم القيامة يدخله جنة الزخرفة، وجنة الآخرة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق: ٣٤].
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قولٍ أو عمل.
стр. 248
٣ - الخزانة الثالثة
• عظمة الإيمان بالله ﷻ :
الله عظيم، وكتابه عظيم، وثوابه عظيم، وعقابه عظيم، وفضله عظيم، وبلاؤه عظيم، وعرشه عظيم: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والنفوس جبلت على حب العظيم، وعلى حب الكريم، وعلى حب الجميل، وذلكم هو الله وحده الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والفضل العظيم أن ترى ربك العظيم، وتعبده كأنك تراه، وترى الحق حقًا وتعمل به، وترى الباطل باطلًا وتجتنبه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والعظيم من الناس من آمن بالله العظيم، من عظم الله وعظم أوامره، وعظم ما عظمه الله هم الأنبياء والمؤمنون: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥].