← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

إن الله كما ينزل من السماء ماءً فينبت به زرعاً مختلف ألوانه، كذلك أنزل من السماء ذكراً تتلقاه القلوب الحية، فتنفتح له، وتنشرح به، وتتحرك حركة الحياة بكل حسن وجميل من الأقوال والأعمال والأخلاق والآداب: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. وتتلقاه القلوب القاسية كما تتلقى الماء الصخرة القاسية التي لا حياة فيها ولا نداوة: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢]. وهذه القلوب قاسية كالحجارة أو أشد قسوة. والله حكيم عليم له ملك السماوات والأرض وله الخلق والأمر، وهو الكريم الذي يجود بكل نعمة على عباده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١]. • وحقوق الله ﵎ على العباد نوعان: أحدهما: أمره ونهيه الذي هو محض حقه على العباد، ويتم بعباده الله وحده لا شريك له، وطاعته في كل حال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. الثاني: شكر نعمه التي أنعم بها عليهم، فهو سبحانه يطالبهم بشكر نعمه والقيام بأمره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].

стр. 2102

فمشهد الواجب على العبد لا يزال يشهد فيه تقصير وتفريط، وأنه محتاج إلى عفو الله ومغفرته، فإن لم يتداركه بذلك هلك، وكلما كان الإنسان أفقه لدين الله كان شهوده للواجب عليه أتم، وشهوده لتقصيره أعظم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١]. فينشأ من ذلك التشمير للعمل الصالح، ودوام الاستقامة على أوامر الله، وكثرة التوبة والاستغفار، كما قال النبي ﷺ : «منْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» متفق عليه (١). فما أعظم نعم الله على عباده، وما أحسن ما دعاهم إليه من النظر إلى الآيات الكونية، والنظر الى الآيات القرآنية، وفي النظر فيهما يكمن الإيمان ويزيد، ويقوى التوحيد ويثبت، وتكمن الأعمال الصالحة، وتحسن الأخلاق، ويكمن اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى دينه وشرعه، وعلى وعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وأفضل الناس توفيقاً، وأكملهم توحيداً، وأحسنهم تقوى، من قرأ وعلم، وسمع وأبصر، وتفكر وتدبر، وتذكر وعقل، ونظر وتأمل، في آيات ربه المشهودة والمسموعة، واستقام على دينه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

стр. 2103

٩ - الخزانة التاسعة • فقه التفكر في القيام بين يدي الله: كيف تقف بين يدي ربك العظيم في الصلاة؟ المؤمن يقف بين يدي ربه العظيم في صلاته ناظراً إلى أمرين عزة الربوبية، وذلة العبودية فإذا وقفت أمام ربك في الصلاة فاستحضر عظمته وكبرياءه، واستحضر جملة مخلوقاته في العالم العلوي والعالم السفلي، وما فيهما من المخلوقات العظيمة العجيبة التي تشهد بوحدانية الله، وتسبح بحمده: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور: ٤١]. فإذا استحضرت هذه المخلوقات العظيمة فقل الله أكبر الذي خلق هذا الكون العظيم، والملك الكبير، لتجد طعم التكبير في قلبك. الله أكبر الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، المنزه عن مشابهة لمخلوقاته الذي تعجز العقول عن إدراك كنه عظمته وجلاله وكبريائه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. وصل لربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. وقل الله أكبر مما عرفت، ومما لم أعرف. وقل الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم والله أكبر من أن يقدر الخلق على أداء حق عبوديته، فطاعاتهم وعباداتهم قاصرةٌ عن واجب عبادته، وثناؤهم قاصرٌ عن مجده وكبريائه، وعلومهم

стр. 2104

قاصرةٌ عن معرفة كنه صماديته: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]. وإذا قلت الله أكبر فاجعل عين عقلك في آفاق جلال الله وجماله، ثم قل سبحانك اللهم بحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم انتقل منها إلى عالم الأمر والتكليف واقرأ سورة الفاتحة واجعلها مرآةً تبصر فيها جمال ربك وجلاله، وترى فيها عجائب عالم الدنيا والآخرة، وأنوار اسماء الله الحسنى، وصفاته العلى وقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]. آمين فإذا قلت: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣]. فأبصر به عالم الجمال وهو الفضل والإحسان، والرحمة الشاملة في ملك الله العظيم. وإذا قلت: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]. فأبصر به عالم الجلال وما يحصل به وفيه من الأهوال العظيمة. فإذا قلت: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧]. فأبصر به من تعبد، ودرجات أرباب السعادات من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومراتب الفساق المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق وتركوه، ودركات الكفار الضالين ذاكراً ربك ﷻ .

стр. 2105

وإذا انكشفت لك هذه الأحوال العظيمة فاعلم أنك ما عرفت إلا القليل فعد إلى الإقرار لربك الكبير بالكبرياء وقل الله أكبر، وأقر لنفسك بالذلة والمسكنة، ثم انزل من صفة الكبرياء إلى صفة العظمة بالركوع للعظيم، وقل سبحان ربي العظيم الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والارض، وله خزائن السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض وله ميراث السماوات والأرض ثم عد إلى القيام ثانياً قائلاً الله أكبر، وادعوا لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل سمع الله لمن حمده فإذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك ثم عد إلى التكبير، وانحدر به إلى الأرض متواضعاً بصفة العلو، وقل سبحان ربي الأعلى، لأن السجود أكثر تواضعاً من الركوع، والسجدة الأولى سجدة الشكر لما أعطانا الله من نعمه ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله والثانية سجدة العجز والخوف مما لم يصل إليه العبد من أداء حقوق جلال الله وكبريائه، وتذكر بالسجدة الأولى أنك خلقت من تراب، وتذكر بالسجدة الثانية أن ستعود إلى التراب. فلا إله إلا الله، ما أعظم الوقوف بين يدي الله بهذه المعاني: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨١]. • فقه التفكر والتدبر في الشريعة: الكفر ببعض الشريعة كفرٌ بجميعها، والكفر ببعض الرسل كفرٌ بجميعهم، والإيمان ببعض الرسل دون بعض كفر بالجميع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].

стр. 2106

وقال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. والفطرة من حيث هي فطرة تقبل الحق: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. لكن إذا وُجد موانع لم تتمكن من الهدى، وكل أمر لا يحصل إلا بوجود سببه، وانتفاء موانعه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [البقرة: ٨٨]. ومن آمن بالله أخذ مفتاح الإيمان الذي يُدخله الجنة، وبمفتاح الإيمان يحصل العبد على مفتاح التقرب إلى الله، فيكون هو البادئ، إذا ذكر العبد ربه ذكره، وإذا أوفى بعهده وفى الله بعهده، وإذا نصر ربه نصره الله. فإذا آمن الإنسان سلم الله إليه مفتاح التقرب إلى ربه، والتودد إليه بأنواع العبادات والطاعات: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠].

стр. 2107

ويقول الله في الحديث القدسي: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُ» متفق عليه (١). والتكليف من الله إسعاد للإنسان الذي آمن به. فالإسلام فيه سلم مع الرب، وسلم مع النفس، وسلم مع الناس، وسلم مع الكون ومن فيه، ليكتنف السلام الإنسان من كل جهة في الدنيا والآخرة. فالمسلم في سلام مع خالق الكون، يؤمن به، ويصدق أخباره، ويمتثل أوامره، فيسعد في الدنيا والآخرة. والمسلم في سلام مع النفس، يحملها على ما يسعدها في الدنيا والآخرة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. والمسلم في سلام مع الكون المسخر له، من سماء وأرض وغيرها من المخلوقات، وكل ذرة في الكون تُسر بطاعة الله، وتلعن من عصى الله، وكل عضو في الإنسان خاضع لإرادة الإنسان، فإن أطاع الله به سره ذلك و حمد العبد الذي أطاع ربه، وإن عصيت الله به أطاعك ذلك العضو ولعنك؛ لأن هذا العضو خاضع لأمرك في الدنيا، فأطع الله به ولا تعصه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. وجوارح الإنسان لا إرادة لها مع الإنسان، فهي خاضعة لإرادة الإنسان في جميع الطاعات والمعاصي، فإن أطاع الله بها فرحت وسُرت وحمدته، وإن عصي الله بها أطاعته ولعنته، فإذا كان يوم القيامة شهدت عند الملك الحق

стр. 2108

بما عملت أيها الإنسان من خير أو شر، ثم يسعد الله النفس التي أطاعت ويعذب النفس التي عصت، بخلق أجساد وأعضاء تناسب النعيم أو العذاب يوم القيامة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. والسلم والإسلام تساند القوى في النفس والكون بحيث لا تتعاند، والحرب إنما تنشأ من تعاند القوى في النفس والكون، تعاند قوى النفس هو حرب مع النفس، وتعاند قوى البشر حرب البشر مع البشر، وتعاند النفس مع أوامر الرب، والحرب لا تنشأ إلا إذا اختلفت الأهواء: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. وأهواء البشر مختلفة لا يمكن أن تتحد إلا إذا اجتمعت على الحق والهدى، إلا إذا كانت محروسة بقيم ممن لا هوى له وهو الله الحق ﷻ وإلا فسدت الكون: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾ [المؤمنون: ٧١]. فكل تابع يؤمن بأن المتبوع فوقه في الصفات، وليس في الكون إلا واحدٌ فقط له كمال الأسماء، والصفات، والأفعال، من العظمة والكبرياء، والقوة والقدرة، والغنى والرحمة، وهو الله الذي يحب طاعته وعبادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].

стр. 2109

وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وكل ما سوى الله خاضعٌ له، مطيعٌ لأمره الكوني، مؤمن بأنه فوقه، وهذا الإله الحق غني عمن سواه، وكل ما سواه محتاج إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وهذا الإله العظيم غني لا مصلحة له فيما شرع لعباده. أما المشرعون من البشر فلهم مصلحة فيما يشرعون، ولهذا يظلمون غيرهم، ليستفيدوا منهم ويقدموا حظهم على حقوق غيرهم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦]. فمن فر إلى الله أفلح، ومن تعلق بغير الله هلك: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فقه التدبر والتفكر في أمور الدين والدنيا: في الوجود اثنان: رب ومربوب .. وملك وعبيد .. وخالق ومخاليق. فالله ﷻ هو الرب العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. ولا معروف أعظم منه ﷻ ، ولا معروف أكبر منه، فهو العظيم، وهو الكبير الذي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].

стр. 2110

ولا معروف أشرف من تعظيمه، وإظهار عبوديته، وإظهار الخشوع والخضوع على باب عزته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وكل ما سوى رب العالمين فهم عبيده ومخاليقه، وقد أمرنا الله بإيصال الخير إليهم ورحمتهم، فمن كان منهم حيًا عاقلًا وهو الإنسان، فإيصال الخير إليه بدعوته إلى الإيمان بالله، وعبادة ربه ﷻ : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وإن كان حياً لا عاقلاً فيجب الإحسان إليه، وعدم إيذائه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]. وإن لم يكن حياً ولا عاقلاً، وهم جملة المخلوقات العظيمة في العالم العلوي، والعالم السفلى، فيجب النظر إليهم بعين التعظيم من حيث أنهم خلق الله الدال على عظمته وجلاله وجماله وكماله، والنظر إليهم وهم يشهدون لله بالوحدانية، ويسبحون بحمده، وكل ذرة من هذه المخلوقات العظيمة دال على عظمة الله وجلاله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 2111

وقال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. والحضارة المادية التي فتح الله على الإنسان أبوابها وفنونها، لها منافع ومضار. فالنافع منها: أنها خدمت الإنسان خدمات هائلة من حيث أنه جسد حيواني، فوفرت له الفراش الذي يجلس عليه، والسيارة التي يركبها والأواني التي يستعملها وغير ذلك من المنافع. ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ [النحل: ٨]. والضار منها: أنها أهملت بالكلية الناحية الروحية التي هي الدين الذي هو أصل كل خير في الدنيا والآخرة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. والحضارة المادية غنية بأنواع المنافع من الناحية الأولى من الأشياء الصناعية والتجارية والزراعية وغيرها، مفلسة إفلاسًا كليًا من الناحية الثانية، وقد ذم الله الكفار الذين:: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]. فنأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعطى للدين بقدر الطاقة:: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧]. وطغيان المادة على الروح يهدد العالم أجمع بالدمار الشامل، الذي يهدد العالم الآن كما هو مُشاهد الآن، وموقف المسلم من الحضارة المادية أنها

стр. 2112

مشتملة على خير وشر، ونافع وضار، وحسن وسيء، وطيب وخبيث، وحلو ومر، والعاقل يختار ما ينفعه، ويترك ما يضره. وموقفنا من هذه الحضارة واحد من أربعة أقسام: الأول: أخذ تلك الحضارة كلها نافعها وضارها، حلوها ومرها. الثاني: ترك نافعها وضارها. الثالث: أخذ ضارها، وترك نافعها. الرابع: أخذ منافعها، وترك ضارها، وهذا هو الصواب، وهذا هو الواجب: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. فالثلاثة الأولى كلها باطلة؛ لأنها تفسد الأمة وتضعفها، فتعين الأخذ بالقسم الرابع بأخذ النافع، وترك الضار الذي يهدم الأخلاق والدين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٢ - ٣٣]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].

стр. 2113

١٠ - الخزانة العاشرة • أقسام الموجودات: الموجود ثلاثة أقسام: الأول: موجود لا بداية له ولا نهاية، ولا أول ولا أخر، وهو الله وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. وهو حي قيومُ لا ينام ولا يموت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والرب الذي هذه أسمائه وصفاته يحب إخلاص العبادة له: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. الثاني: موجودٌ له مبدأ ومنتهى، وهم ما سوى الإنس والجن من المخلوقات كالنبات والحيوان، وغيرهم من المخلوقات التي يعلمها لله . الثالث: موجود له مبدأ، وليس له منتهى، وهم الجن والإنس. فهؤلاء يعيشون في الدنيا، ثم يموتون، ثم يبعثون يوم القيامة، ثم يُخلدون في الجنة أو النار كلُ حسب عمله أبد الآباد، فكن عالماً وعاملاً بكل ما يريده الله منك من الأقوال والأعمال والأخلاق: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].

стр. 2114

وما يريده الله منك أربعة أمور: الأمر الأول: عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. الثاني: تعليم شرع الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. فنتعلم العلم، ونعمل به، ونعلمه غيرنا. الثالث: الدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. الرابع: التخلق بالأخلاق العالية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. التفكر في أقسام الأحياء: الأحياء التي خلقها الله ثلاثة أقسام: الأول: حي ناطق لا يموت، وهم الملائكة. الثاني: حي ناطق يموت، وهم البشر. الثالث: حي غير ناطق يموت، وهم البهائم. وأشرف هذه الثلاثة الحي الناطق الذي لا يموت وهم الملائكة، وأوسطها الإنسان، وأدناها الحيوان. فالقسم الأول وهو الحي الناطق الذي لا يموت: وهم الملائكة، نحبهم ونقتدي بهم في طاعة الله، والبشر نجتهد عليهم ليكونوا مؤمنين، لينطقوا بكلمة التوحيد، ويستقيموا على أوامر الله.

стр. 2115

فالملائكة الذين: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠]. هؤلاء الملائكة هم قدوة البشر، وأما البهائم فنحمد الله على ما سخرها لنا، ونحسن إليها، فإن الله كتب الإحسان في كل شيء. قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ،» أخرجه مسلم (١). والإنسان الذي آمن بالله، وأمتثل أوامره، أشرف من الملائكة؛ لأنه جاء إلى الله اختياراً، أما الملائكة فهم مسخرون ومجبولون على الطاعة والتسبيح والتقديس كما جبلت الشمس على الإنارة، والأرض على الإنبات. والإنسان الذي كفر بالله وعصاه أخس رتبة من البهائم؛ لأن البهائم تأكل وتشرب، وتُغذي غيرها حليباً ولحماً وسمناً: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. • التفكر في خلق الإنسان: جمال الروح بالتوحيد والإيمان والتقوى: فنظر الملائكة يقع على الأرواح، ونظر البشر يقع على الأشباح، والملائكة أرواح نورانية مشغولة بطاعة الله، وامتثال أمره، وتسبيحه وتقديسه. هؤلاء الملائكة إذا رأوا في روحك الصورة الحسنة، وهي معرفة الله وتوحيده وطاعته قبلوك وأحبوك واستغفروا لك، ولهذا الملائكة لما رأوا

стр. 2116

روح أبيك آدم ﷺ محلاً للشهوة والغضب وغيرها من الصفات الذميمة ما قبلوه بل اعترضوا على كونه خليفة في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] وأبواك لما رأوا قبح صورتك حين كنت منياً، كذلك ما قبلوك، بل أظهروا النفرة واستقذروا ذلك المني، وغسلوا ثيابهم منه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٣]. ثم إن الله لما أعطاك الصورة الحسنة، وخرجت من بطن الأم، قبلوك وأحبوك، وكذلك الملائكة لما رأوا صورتك الروحية الحسنة المزينة بالتوحيد والإيمان والتقوى أحبوك واستغفروا لك: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾ [غافر: ٧ - ٨]. وأحسن الناس صورة، وأجمل الخلق روحاً، وأفضل الناس أخلاقاً، وأحسن الناس تعبداً، محمد ﷺ سيد الخلق أجمعين، الذي كان أحسن الناس خَلقاً وخُلقاً، وكان خُلقه القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وسنة الله جارية في المؤمنين والكافرين ثابتة لا تتبدل، فمن آمن بالله وأطاعه نصره ربه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧].

стр. 2117

وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. ومن كفر بالله وعصاه أهلكه الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ٦ - ١٤]. وكل من خالف رسل الله إنما خالفهم حرصاً على الدنيا وطلب لذاتها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. ثم انقرضوا فلم يبق من دنياهم آثر، وإنما بقي لهم اللعن في الدنيا، والعقاب في الآخرة، فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. والكافر بقي عليه بعد موته اللعنة في الدنيا، والعقوبة في الآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].

стр. 2118

والتأمل في حياة هؤلاء وهؤلاء يدفع العاقل إلى الإيمان بالله، والإعراض عن زينة الحياة الدنيا، وهجر الكفر والكافرين: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ [آل عمران: ١٣٧]. هذه عاقبتهم: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. • التفكر في أقسام خلق الله : الله له المُلك والملكوت، خلق كل شيء فقدره تقديرًا، هو الذي يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، خلق الله قوماً وجبلهم على الخير والطهارة والطاعة، وخلق قوماً وجبلهم على الخبث والخساسة، ثم يسر كلاً لما خُلق له، بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإكرامهم بالأسماع والأبصار والعقول، فصرف الطيبين بقدرته وإرادته إلى ما شاء من الخير، فأتوه طائعين، فأدخلهم جنته، وصرف الخبيثين بقدرته وإرادته إلى ما شاء من شرٍ، فأتوه طائعين، فأدخلهم النار: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. الله سبحانه بعلمه السابق يُصَرف أقدار الخلق وإراداتهم، حتى يأتوا بما سبق به العلم الأزلي، فلا يقع في ملكه شيء إلا بإرادته ومشيئته، وإذنه

стр. 2119

وعلمه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩]. وليس كل ما أراده الله يحبه، وكل فعله حقٌ سبحانه، وهو الحكيم العليم، فالله يحب الإيمان ويريده، ويكره الكفر ويريده، وخلق خلقه منهم كافر ومنهم مؤمن، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢]. وخلق عباده هكذا، ليُظهر فيهم عظمة أسمائه وصفاته، وبعض أسرار عظمته ﷻ ، فكما خلق من خلقه أشقياء ظهر فيهم ما عنده ﷻ من العدل والحكمة البالغة، وظهر فيهم بعض أسرار أسمائه كالجبار والقوي والقهار، وظهر فيهم عظمته وقدرته وشدة عقابه، ليحصل منهم الخوف منه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]. وخلق قوماً آخرين وفقهم للخير، ليُظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته من الرحمة والرأفة والكرم والحلم، ليجمع العبد بين المحبة والخوف. فاقتضت حكمة الله الحكيم ﷻ أن يقسم خلقه إلى صنفين، ليظهر فيهم بعض أسرار أسمائه وصفاته وأفعاله، وأقام الحجة على الكل ببعثة الرسل، وإنزال الكتب، وزودهم بالعقول والأسماع والأبصار، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١].

стр. 2120

موسوعة خزائن العلوم الاسلامية ١٢ - خزائن التفكر والتدبر القسم الثاني وتشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 2121

١٢ - خزائن التفكر والتدبر القسم الثاني ١ - الخزانة الأولى التفكر في عظمة خلق الماء: الماء الذي خلقه الله هو الذي ينزل من السماء غيثًا فيسكن في الأرض بأمر الله، وتخرج منه العيون، وتجتمع منه البحار والأنهار والسيول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ [ق: ٩ - ١٠]. فالرياح هي هذا الهواء الذي نحس بأثره، ولا نرى جسمه. والرياح خلق من خلق الله يرسلها الله تبشر بإتيان المطر بعدها، فهي بشير المطر والغيث، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦]. والغيث رحمة من الله يرحم بها عباده في الدنيا، فتنبت الزروع، وتثمر الأشجار وتسقي البهائم: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠].

стр. 2122

فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه وتدبيره: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧] وكما أن الله يرسل الرياح مبشرًة بالمطر منتشرة أمامه، كذلك يحمل عليها المطر، فالسحاب غير المطر، وإنما السحاب هو الوعاء الذي فيه المطر والمطر نفس الماء وهو نفس الودق، فالماء في وعاء السحاب وذلك الوعاء لكثرة الماء فيه ثقيل جدًا. والله بقدرته يحمله على متن الرياح، ثم تذهب به الرياح حيث شاء الله، فيسيل مطرًا من خلال الثقوب التي بالسحاب، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٧ - ٥٨]. وجميع المياه التي خلقها الله تنزل من السماء، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣]. والماء الذي يصبه الله في السحاب وهي المزن، ينزله الله من نهر تحت العرش، كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ

стр. 2123

الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ٩ - ١١]. والماء الذي ينزل في السحاب، ثم ينزل إلي الأرض مطراً وغيثاً، ينزل بأمر الله وعلمه وقدرته، فلا تنزل قطرة منه إلا بعلم الله ومشيئته، فالله خالق كل شيء وهو علي كل شيء وكيل، يصرف هذا الماء كيف يشاء، وينزله علي من يشاء من خلقه وهو العليم القدير: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. فهذا الماء العظيم يصرفه الله حيث شاء، فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، ليختبر عباده هل يشكرون ربهم إذا نزل عليهم هذا الغيث النافع، وهل يصبرون إذا صرفه عنهم ويتوبوا إلي ربهم، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٥٠]. وكم في هذا الماء العظيم الذي ينزل من السماء فيكون بحار وأنهارًا وعيوناً، كم فيه من المنافع العظيمة: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا

стр. 2124

فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ [الفرقان: ٥٣ - ٥٥]. وهذا الماء بقاؤه بيد الله وحده: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾ [المؤمنون: ١٨ - ٢٠]. فسبحان الكريم الرحمن الرحيم الذي مَنْ على عباده بهذا الماء العظيم، فأنزل من السماء ماء تحيا به الأرض ويسقي الأنعام وبني آدم، وأنزل وحيا من السماء تحيا به القلوب وتسعد في الدنيا والآخرة. والله هو الخلاق العليم الذي خلق كل شيء من السائلات والجامدات والعلويات والسفليات، فالله خلق الماء، وجعل خزائنه في السماء وأنزل من السماء ماءً، فأسكنه في الأرض في العيون والآبار، والأنهار والبحار، لينتفع به الإنسان والحيوان والنبات، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾ [المؤمنون: ١٨ - ٢٠]. وأنزل الله الماء من السماء بقدر معين يحصل به نفع الخلق، ويندفع عنهم به الضرر، ولم يحبسه عنهم لئلا يحصل لهم العطش والهلاك، وموت الإنسان والحيوان والنبات، ولم يكثره فيكون طوفاناً يغرق الخلق، كما قال

стр. 2125

سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. والله قادر على إذهابه بعد نزوله فإن الذي أنزله هو الذي يقدر على إذهابه؛ لكنه رحيم بعباده يسقيهم مع كفرهم ومعاصيهم، لعلهم يذكرون فيتوبون إلى الله الذي خلقهم وأمدهم بنعمه في كل لحظة، ومنها هذا الماء العظيم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ [الملك: ٣٠]. ومن رحمته سبحانه أن جعل الماء عذباً فراتاً، ولم يجعله ملحاً أجاجًا، كما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠]. ومن رحمة الله بخلقه أن أنزل لهم الماء من خزائنه في السماء، وأسكنه في خزائنه في الأرض، لينتفع به الخلق على الدوام، كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ [المؤمنون: ١٨]. فسبحان الخلاق العليم الذي خلق الماء بأنواعه المختلفة، حلو ومر، وعذب ومالح، وحار وبارد، جمعه في السحاب بقدرته، ثم فرقه قطرات على الأرض بقدرته، ثم جمعه مرة أخرى في البحار والأنهار والعيون بقدرته، وجعله سبباً لحياة كل حي من نبات وحيوان وإنسان: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. والرب الذي هذه أفعاله هو الرب الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].

стр. 2126

والله ﷻ خلق الماء، وأنزله من السماء، حيث حمل المطر في السحاب، وهي المزن التي تحمل الماء فتمتلئ السحابة بالماء، حتى تكون ثقيلة لكثرة ما فيها من الماء، ثم تحملها الرياح العظيمة، لتفرغه في أرض الله الواسعة فينزل الودق وهو المطر من خلال السحاب في لحظة بمقدار معين، في زمان معين، وفي مكان معين على وجه الأرض التي خلقها الله ، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤٣]. ونزول الماء من السماء فتحيا به الأرض بعد موتها، يدل على عظمة منزله، وكمال قدرته، وأنه يجب الإيمان به واستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له، كما قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٥٠]. وما يُقال أو يعتقد أن المطر بخار الماء فالله قادر على ذلك، ولكن شأنه ليس ذلك وليس المطر بخار من الأرض، وإنما هو نازل من السماء، ومن قال غير ذلك فليتب إلى الله؛ لأنه لم يصدق القرآن الذي صرح بنزوله من السماء بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ [المؤمنون: ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ [الحج: ٦٣].

стр. 2127

٢ - الخزانة الثانية • التفكر في خلق الرياح: الله هو خالق كل شيء، وله الخلق والأمر كله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. خلق الله العالم العلوي، وخلق العالم السفلى، وخلق ما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، والسحاب والرياح، فخلق الله الرياح العظيمة، وحكمها بقدرته، وصرفها بمشيئته: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]. والرياح نوعان: رياح الرحمة .. ورياح العذاب. فرياح الرحمة هي: المبشرات، والناشرات، والذاريات، والمرسلات، والرخاء، واللواقح. ورياح العذاب هي: العاصف، والقاصف، وهما في البحر، والعقيم والصرصر، وهما في البر. والرياح مختلفة المهاب وهى نوعان: رياح البر .. ورياح البحر.

стр. 2128

أما رياح البر فأربع: o الشمال تهب من جهة الشمال o والجنوب تهب من جهة الجنوب o والصبا تهب من جهة المشرق o والدبور تهب من جهة المغرب. وما بين كل واحدة من هذه المهاب فهي نكباء. أما رياح البحر فأربع: العاصف .. والقاصف .. والريح .. الطيبة. وقد أخبر الله عن رياح الرحمة بصيغة الجمع، لاختلاف منافعها من إثارة السحاب، وتلقيح النبات، ونقل البذور، وتغذية النبات: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠]. وأما ريح العذاب فإنها واحدة تُرسل من جهة واحدة لإهلاك ما أمرت بإهلاكه كالجيش العظيم الذي لا يقاومه شيء، ولها صفات في القوة بحسب جُرم من أرسلت عليه كالصرصر والنحس، والعاتية والعقيم: ﴿وَأَمَّا

стр. 2129

عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ [الحاقة: ٤ - ١٠]. وقال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت: ١٦]. وقد سخر الله للسحاب عدة رياح: رياح تثيره، ورياح تحفظه. ثم رياح تحمله في الجو كالجمل الذي يحمل الراوية. ثم رياح يؤلف بين قطعه حتى يجتمع. ثم رياح تلقحه بالماء. ثم رياح تُسيره وتسوقه إلى حيث شاء الله. ثم رياح تفرقه إذا نزل لئلا ينزل مجتمعاً فيهلك الدور والنبات والناس والزرع: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. فسبحان الرب العظيم الذي خلق ما نراه كالسماء والأرض، وما لا نراه كالروح والريح، وجعل الكل تحت قبضته وقهره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. التفكر في خلق الشمس والقمر والكواكب: عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق ﷻ ، والشمس آية من آيات الله العظيمة ومخلوقاته العجيبة التي نراها في كل يوم، فبطلوع الشمس وغروبها يصلح أمر العالم، فإذا طلعت تحرك الناس في معايشهم،

стр. 2130

ونضجت ثمارهم التي تخرج من أشجارهم، وإذا غربت هدأ الكون، واستراح الناس من التعب، ولو لم تغرب لكان الحرص الشديد على المعاش يحمل الناس على المداومة على العمل: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]. ولولا الغروب لحميت الأرض بدوام شروق الشمس، واحترق كل ما عليها من إنسان أو حيوان أو نبات، فمن ﵀ أن جعلها تطلع في وقت، وتغيب في وقت، ليحصل العمل والهدوء. وارتفاع الشمس وانخفاضها جعله الله سببًا لإقامة الفصول الأربعة التي تتم بها مصالح النبات والحيوان والإنسان، وهى الشتاء والربيع، والصيف والخريف. أما حركة الشمس فبها ينشر الله النور والحرارة في العالم. والله أنار الكون كله بكوكبِ واحد فكيف بنوره ﷻ : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]. فبحركة الشمس ينشر الله النور والحرارة في العالم، ولو كانت واقفة في مكان واحد لأشتد الحر في ذلك الموضع، واشتد البرد في سائر المواضع الأخرى، فاحترق من في الموضع الأول، وتجمد من في الموضع الثاني؛ ولكن الحكيم العليم الرحيم جعلها تجرى من جهة إلى جهة، فلا يبقى موضع مكشوف إلا أخذ حظه من الإنارة والحرارة: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].

стр. 2131

فهم يسبحون في هذا الفضاء، ويعبدون الله بكمال طاعته سبحانه. وأما منافع ميلها في حركتها عند خط الاستواء فلأجل أن تحصل منافعها للمخلوقات في كل بقعة. فسبحان الخلاق العليم الحكيم في خلقه وتدبيره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. والمشرق والمغرب للشمس والقمر فيه آيات عظيمة. فالمشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول: مفرد يدل على جهة الشروق والغروب، كما قال سبحانه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل: ٩]. الثاني: مثنى يدل على مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب، ومشرق الصيف تكون الشمس في أقصى الشمال، وبينهما مسافات عظيمة لا يعلمها إلا هو: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ [الرحمن: ١٧]. الثالث: جمع إما باعتبار الشارق والغارب؛ لأن الشارق والغارب كثير، الشمس والقمر والنجوم، كل أولئك لهم مشرق ومغرب، أو باعتبار مشرق كل يوم ومغربه، لأن كل يوم للشمس والقمر مشرق ومغرب. قال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ [المعارج: ٤٠ - ٤١]. وخلق الله الشمس كتلة عظيمة من اللهب، فسبحان من خلقها، وسبحان من ملأها بالنور وسبحان من ملأها بالحرارة وملا الكون بنورها، وهى أكبر من الأرض بأضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله، والمسافة بين الشمس

стр. 2132

والأرض مسافة عظيمة لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢]. وحرارة الشمس عند سطحها تقارب ستة ألاف درجة، وحرارتها في جوفها تقارب عشرين مليون درجة مئوية، ويمتد لهبها فوقها نص مليون كيلو متر. والشمس تمد الكون بالنور والحرارة، وهى تجرى في الكون لا تقف أبدًا، ولا يصل للأرض من حرارة الشمس إلا النزر اليسير من حرارة الشمس وأما البقية فتصب في الفضاء العظيم الواسع الذي خلقه الله ، وملأه بالنور، والحرارة، والبرودة، والهواء، ومع هذا القدر اليسير فكم فيه من البركة والخير لأهل الأرض. والشمس حرارتها ونورها وجريانها وارتفاعها بمقدار، فلو ارتفعت قليلًا لتجمد كل شيء ولو نزلت قليلًا لتبخر كل شيء في الأرض: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣].

стр. 2133

٣ - الخزانة الثالثة أقسام المخلوقات: الله هو خالق كل شيء، وجميع مخلوقاته في العالم العلوي والعالم السفلي شاهدة بوحدانية الله، ومسبحة بحمده، وخاضعة لأمره، ومستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠]. والمخلوقات التي خلقها الله على قسمين: أحدهما: مخلوقات غير مكلفة: وهم عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان. الثاني: مخلوقات مكلفة وهم ثلاثة أصناف: الملائكة .. والجن .. والإنس. فالملائكة: خلقهم الله من نور، وكلهم مؤمنون؛ لكنهم مسخرون، فهم يسبحون بالليل والنهار لا يفترون. قال الله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. والجن: خلقهم الله من نار، ومنهم المؤمن والكافر، فهم مخيرون، وأعظم كفار الجن إبليس وذريته، وأبوهم الجان، كما قال سبحانه: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧].

стр. 2134

والإنس: خلقهم الله من تراب، وهم مخيرون، ومنهم المؤمن والكافر. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. وأعظم كفار الإنس فرعون الذي قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. وقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وأبوهم جميعاً آدم ﷺ ، ولا شك أن المخلوق المكلف أفضل من غير المكلف، والملائكة أفضل من الجن، والبشر المؤمنون أفضل من الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]. فالله خالق كل شيء، هو خالق هذا الكون العظيم، العلوي منه والسفلي، سماواته وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وما في السموات والأرض من خلق، ومن أمم، ومن سنن، ومن جماد ونبات، ومن إنسان وحيوان: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. والله وحده هو الذي خلق هذا الليل الطامي، السادل، الشامل، الساكن، البارد. وهو سبحانه الذي خلق هذا الفجر الأبيض المتفتح في سدف الليل، وهو سبحانه خالق هذا الصبح الذي إذا تنفس دب النشاط في الحياة والأحياء،

стр. 2135

وتحركت الكائنات في طلب الرزق والمعاش: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨]. وهو سبحانه خالق هذه الظلال السارية الجارية يحسبها الرائي ساكنة، وهي تدب سائرة في هدوءِ ولطف. وهو سبحانه خالق هذا النبات النامي المتطلع أبداً إلى النمو والحياة والعلو. وهو سبحانه خالق هذا الطير الرائح الغادي القافز الراتب، والواثب الذي لا يستقر على حال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ [الملك: ١٩]. فمن هداه إلى داره، ومن ساقه إلى طعامه، ومن أمسكه في الجو؟. وهو سبحانه خالق هذه الخلائق الذاهبة الآيبة، الغادية الرائحة، مما لا يحصيه إلا الله من الحيوانات، والبهائم، والأنعام، وهي تتجول في البر والجو والبحر، في تدافعٍ وانطلاق وانتظام وانسجام. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨]. فسبحان الخلاق العليم الذي هذا خلقه، وهذا مُلكه، وهذا تدبيره، وهذا رزقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. التفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما: الله خالق كل شيء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].

стр. 2136

فربنا هو الخلاق العليم الحكيم في خلقه وتدبيره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. خلق سبحانه القمر وجعله للتوقيت الشهري، وخلق الشمس وجعلها للتوقيت اليومي، وبها يتبين الليل من النهار، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، وجعل سبحانه في طلوع القمر مصالح، وفي غروبه مصالح، ففي طلوعه نفعٌ لمن ضل الطريق، وفي غروبه نفعٌ لمن هرب من عدو. قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠]. فسبحان من خلق القمر وصوره ونوره، وعلي البروج دوره، وإذا شاء نوره، وإذا شاء كوره، وخلق سبحانه الشمس، وملأها بالنور والحرارة، ففي طلوعها مصالح للإنسان والحيوان والنبات، وفي غروبها مصالح من سكون الخلائق، وهدوئها واستعدادها لعمل جديد في يوم جديد: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧]. أما النجوم فقد خلقها الله لثلاث: o علامات يهتدي بها o ورجومًا للشياطين o وزينة للسماء.

стр. 2137

وهي أقسام: غاربة لا تطلع كالكواكب الجنوبية، وطالعة لا تغرب كالكواكب الشمالية، ومنها ما يغرب تارة، ويطلع أخرى، ومنها ثوابت، ومنها سيارات، ومنها بيضاء، ومنها حمراء، ومنها كبير، ومنها صغير. فسبحان الخلاق العليم الذي خلقها لحكمه ونفع عباده: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ١٢]. والله خلق السموات، وملأها بمن خلقهم من نور، وهم الملائكة، فهي مكان الطاعات التي كلها نور، فليس في السماء موضع قدم فيه معصية، بل كل العالم العلوي طاعات، وكله نور. وخلق سبحانه الأرض وملأها بكل ما يحتاجه الإنسان والحيوان، وأسكن فيها آدم ﷺ وذريته الذين خلقهم الله منها، وجعلهم خلفاء فيها. فهي أمهم التي فيها جميع حوائجهم: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]. فالأرض مائدة مفتوحة لآدم وذريته، فيها أنواع الأشجار والثمار والحبوب، والمعادن واللباس والمياه وغيرها من النعم التي لا تُعد ولا تحصى. فهذه النعم العظيمة جعلها الله للإنسان في الأرض، مع أن الدنيا سجن المؤمن فكيف الحال في الجنة التي فيها ما لا عينُ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ

стр. 2138

السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]. والأرض هي أم الإنسان الكبرى، ومواليدها تزيد على أربعين مليون من المواليد، من أنواع الأشجار والنباتات التي لا يحصيها إلا الله. فالأرض أم الإنسان الكبرى، وهي أشفق من الأم الآدمية؛ لأن الأرض تطعمك بأمر الله من ألوان الطعام، وتسقيك من أنواع الشراب، والأم إنما تسقيك لوناً واحداً هو الحليب: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٧ - ٨]. وإكراماً لهذا الإنسان سيعيده الله إليها إذا مات، فهي أمه التي خُلق منها، ثم يخرجها منها إلى دار القرار في الجنة إن كان مؤمناً، وإلى النار إن كان كافرًا: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥]. والله سبحانه لما خلق السماء والأرض جعل بينهما ما يشبه عقد النكاح، بإنزال الماء من السماء على الأرض، ليخرج به من بطن الأرض أنواع المواليد من الحبوب والثمار والأشجار والنبات التي جعلها الله رزقًا لبني آدم: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧] فهذه حكمة إنزال الماء، وإظهار الثمرات، أن نعرف هذه الأمور الخمسة التي ذكرها الله، والله قادرًا على خلق هذه الثمار بدون وسائط ولا تعب؛

стр. 2139

ولكن الله يريد بذلك تنبيه الناس إلى أنهم إذا تحملوا المشاق في الحرث والغرس والبناء من أجل تحصيل المصالح الدنيوية، فلأن يتحملوا أقل المشاق لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم وأولى، كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦]. والله قادراً على خلق الشفاء من دون الدواء، بل قادرٌ على أن يسلم الإنسان فلا يمرض أبداً، لكنه أجرى العادة بتوقيفه عليه رحمة بالإنسان وتنبيهاً له؛ بأن يتحمل مرارة الدواء دفعاً للضرر والمرض الذي يصيب البدن، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعاً لضرر العقاب أولى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]. فللدنيا حرث، وللأخرة حرث، والعاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، والكل من عطاء الله وحده: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].

стр. 2140

٤ - الخزانة الرابعة • التفكر في عظمة خلق الخالق ﷻ : قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. فسبحان الخلاق العليم الذي خلق هذه البشرية كلها من نفسٍ واحدة، وخلق هذه الأرحام التي تدفع، وهذه المواليد التي تتابع، والقبور التي تبلع. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] وهو سبحانه خالق هذه الشمس الجارية، وهذا القمر الساري، والكواكب المبثوثة، والنباتات المختلفة، والزروع المتنوعة، والبحار المسجرة، والأنهار الجارية، والجبال الراسية، فمن هذا خلقة ومن هذه قدرته، ومن هذه عظمته ومن هذا ملكه، أيحتاج إلى البشر، أو إلى عبادة البشر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. أنتم الفقراء إلى الله في خلقكم، وفي إمدادكم بالأرزاق، وفي إنزال المنهج الذي تسيرون عليه، أنتم الفقراء إلى الله في الهواء الذي تتنفسون منه، والماء الذي تشربون، والطعام الذي تأكلون.
следующие страницы →