فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨].
فنور التوحيد والإيمان يجعل المؤمن يعبد ربه ويناجيه، ويناديه ويعبده كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وهذه الحُجب العظيمة قلب المؤمن مع جميع هذه الحجب العظيمة في العالم العلوي، والعالم السفلي يطالع جلال الربوبية وجمال الألوهية، ويعبد الله بموجب هذه الرؤية؛ ولهذا كان القلب محل نظر الله، لما فيه من التوحيد والإيمان والتقوى كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». أخرجه مسلم (١).
وإذا كان القلب عرشًا لمعرفة الله، وجب أن يكون أشرف البقاع «قال النبي ﷺ أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». متفق عليه (٢).
لهذا هذا القلب إذا امتلأ بالتوحيد والإيمان والتقوى؛ فإن الله لا يرضى لهذا القلب الذي آمن بالله إلا أن يكون في جنة سقفها عرش الرحمن الذي استوى عليه الرحمن ﷻ ، كما قال النبي ﷺ : «فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ» أخرجه البخاري. (٣).
ولهذا كان القبر روضة من رياض الجنة؛ لأنه حل فيه هذا القلب المؤمن الذي امتلأ بالتوحيد والإيمان والتقوى، والأخلاق الحسنة، ومن جعل
стр. 247
قلبه بستانًا لمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وجلاله وكبريائه جعل الله جنته بستانًا له يوم القيامة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
فسبحان الرب الكريم الذي أدخل عبده المؤمن في الدنيا جنة المعرفة، ويوم القيامة يدخله جنة الزخرفة، وجنة الآخرة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ [ق: ٣٤].
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قولٍ أو عمل.
стр. 248
٣ - الخزانة الثالثة
• عظمة الإيمان بالله ﷻ :
الله عظيم، وكتابه عظيم، وثوابه عظيم، وعقابه عظيم، وفضله عظيم، وبلاؤه عظيم، وعرشه عظيم: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والنفوس جبلت على حب العظيم، وعلى حب الكريم، وعلى حب الجميل، وذلكم هو الله وحده الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والفضل العظيم أن ترى ربك العظيم، وتعبده كأنك تراه، وترى الحق حقًا وتعمل به، وترى الباطل باطلًا وتجتنبه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والعظيم من الناس من آمن بالله العظيم، من عظم الله وعظم أوامره، وعظم ما عظمه الله هم الأنبياء والمؤمنون: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥].
وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٣ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
فمن عظم الله، ولم يعظم أمره، فليس بمعظم الله، ولا يعصي الله إلا من جهل بالله كما قال الله عن الكافرين: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٧].
والعبادات لها جسدٌ وروح، فلها جسد هو شكلها، وروحها تعظيم الرب، وخشيته، ومحبته، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر بطلت، وبقدر ما تعرف الله تحبه، وبقدر ما تحبه تعظمه، وبقدر ما تعظمه تمتثل أمره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فالعلم بالله باب الإيمان، ومفتاح العبادة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فإذا عرف القلب ربه كبره وعظمه، وإذا رأى القلب نعمه وإحسانه أحبه وحمده وشكره، وهذه هي العبادة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
стр. 251
وأعظم أنواع التعظيم يجب أن تُصرف للعظيم ﷻ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
ثم تعظيم أمره ﷻ : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
وتعظيم أوامره تعظيمٌ له ﷻ ، وتعظيم الأوامر يكون بتصديق أخبار القرآن، وتطبيق أحكامه، وأمثال أوامره، واجتناب نواهيه، ابتغاء مرضاة الله فلا إفراد ولا تفريط، بلا إفراط: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
ولا تفريط: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
فالمتشدد ينفر الناس من الدين، والمقصر المتساهل يضيع هيبة أوامر الله بين الناس: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والذي يفتي الناس بالتشدد، أو يفتيهم بالتساهل، هذا لا يعظم أوامر الله ، والاعتدال عند الرخاء نأخذ بالأحوط، وعند الشدة نأخذ برخصة الشرع: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
ومن شأن المؤمن بربه أن يعظم الله، ويعظم أوامر الله، ويعظم ما عظم الله من المؤمنين والعلماء والصالحين، والسنن، ويعظم كتاب الله،
стр. 252
ويعظم رسوله، ويعظم المساجد والبقاع التي يذكر فيها اسم الله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
علم الإيمان بحر لا ساحل له، علم لا إله إلا الله علمٌ له بداية وليس له نهاية، علم لا إله إلا الله أعظم العلوم، وأساس كل عمل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وهذه آية من سورة محمد ﷺ ، وسورة محمدٍ ﷺ مدينة نزلت على النبي ﷺ وهو يجاهد من أجل إعلاء كلمة الله، وهو يُؤذى من أجل لا إله إلا الله، وهو يذل نفسه من أجل لا إله إلا الله، وهو يصبر من أجل لا إله إلا الله فصلوات الله وسلامه عليه.
لقد نزلت هذه الآية في أواخر العهد المدني، يعني نزلت بعد عشرين سنة، وهو ﷺ يضحى من أجل لا إله إلا الله، والله يقول له بعد ذلك: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن تعلم لا إله إلا الله تعلم العبودية لله في كل حال من أحوال الحياة، وتعلم الالتزام بمنهج الله وشرعه قلبًا وقالبًا، فعلم لا إله إلا الله هو تسليم القلب والقالب لله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
علم لا إله إلا الله يقتضي صبغ الحياة كلها بمنهج الله وشريعته في كل زمان ومكان وحال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
стр. 253
فليس علم لا إله إلا الله يقتضي الالتزام بمنهج الله في دقائق في الصلاة، أو يومًا في الصيام، أو ستة أيام في الحج، ثم بعد ذلك نخلع العبودية، ونتبع أهوائنا: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
فسلِّم القلب والقالب لله تعالى وحده: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١].
فلا إله إلا الله توحيد الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيد الله بأفعال العباد من صلاةٍ، وبيعٍ، ونكاحٍ، وأكلٍ ولباسٍ، ولا إله إلا الله تقتضي أن كل حركة لابد أن تحكمها لا إله إلا الله، وكل سكنه لابد أن تحكمها لا إله إلا الله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فنفعل الخير، ونستغفر من تقصيرنا، وتقصير غيرنا من المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨].
لا إله إلا الله تقتضي العبودية التامة داخل الصلاة وخارجها في الأقوال والأعمال والأخلاق، والأموال، والحياة العامة، والحياة الخاصة لهذا جاء بعدها: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 254
وعلم لا إله إلا الله يزداد بالنظر والتدبر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية والجهد لإعلاء كلمة الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
أما علم فقه الأحكام والمسائل فهو محدود أكتمل في ثلاثٍ وعشرين سنة، فلا يزاد عليه، ولا يُنقص منه، ومن زاد فعمله مردودٌ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه (١).
الله هو الرحمن الرحيم، الذي رحمته وسعت كل شيء، وكل رحمة في العالم فمن آثار رحمته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
والله هو الرب الرحمن الرحيم الذي بطن بذاته، وظهر بصفاته، واستعلن بأسمائه، وتجلى بأفعاله، وله الحمد على ربوبيته وألوهيته وحلمه ورحمته.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، هو الرحمن الرحيم الذي استوى على أعظم المخلوقات وهو العرش، بأعظم الصفات وهي الرحمة ليعلم عباده أنه الرحمن الرحيم، الذي يحب أن يرحم جميع خلقه كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
والله سبحانه أظهر من أسمائه الحسنى ما أظهر لآدم ﷺ لما علمه الأسماء كلها، فإذا كان يوم القيامة، أظهر منها قدرًا زائدًا على مقدار ما أظهره من قبل، على مقدار عظمة ذلك اليوم العظيم، بالإضافة إلى يوم الدنيا، ثم
стр. 255
يظهر الله لسيد الأنبياء والرسل محمد ﷺ في دار القرار منها قدرًا زائدًا على ما أظهره من قبل، على مقدار عظمة تلك الدار على ما قبلها.
ثم يظهر الرحمن الرحيم لعباده وأوليائه في الجنة من أسمائه المحجوبة والمكنونة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
فسبحان ربنا الرحمن الرحيم، الذي كتب بمقتضى هذا الاسم على نفسه الرحمة في كتابٍ وضعه عنده فوق العرش كما قال في الحديث القدسي «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» أخرجه البخاري. (١).
وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي». متفق عليه (٢).
فكان هذا الكتاب العظيم المبارك عقدًا لجميع العالم أعلاه وأسفله، ليمتلئ الكون كله بالرحمة، والأمن والعفو، والمغفرة، والحلم والصفح، والأناة، والتوبة، والإحسان، وحسن المعاملة وغيرها من آثار رحمته: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
فسبح باسم ربك العظيم، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، الذي حجب ذاته، وجلاله، وجماله عن خلقه بحجب النور التي لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
стр. 256
فيهلك كبرياؤه كل كبير، وتهلك عظمته كل عظمة، وعزته كل عزة، وكرمه كل كرم، وقدرته كل قدرة، وقهره كل قهر، فكان لا يقوم له شيء لولا رحمته السابقة باحتجابه عن خلقه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وقال النبي ﷺ : «حِجَابُهُ النُّورُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». أخرجه مسلم (١).
وجميع ما في العالم العلوي، والعالم السفلي، من حصول المنافع، والخيرات، والبركات، والمحامد، والمسار، والنعم، فمن آثار رحمة أرحم الراحمين، كما أن جميع ما صرف عن العباد من المصائب، والمكاره، والمضار، والمخاوف، والنقم، والآلام، فمن آثار رحمة الراحمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
فسبحان الله وبحمده لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
ومن رحمته ﷻ أن أوجد العالم كله متواشج الأرحام، ومتقارب الأصول، فجعل برحمته المخلوق الأعلى يعطف على الأسفل، وجعل الأسفل يتعلق بالأعلى، وأفقر الخلائق كلها بعضها إلى بعض، فأفقر الأعلى إلى الأسفل، ليؤدي إليه ماله عنده، وأفقر الأسفل إلى الأعلى ليقبل منه ما به وجوده، ثم أفقر الكل إليه إظهارًا لكمال غناه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].
стр. 257
وقد خلق الرحمن الرحيم مائة رحمة، وأنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض، لتكون سبيلاً إلى التعاطف والرحمة والرأفة، والمودة والحنان والسكن والتربية والنسل بين المخلوقات كلها من الأنس والجن والحيوان وغيرهم.
فعاش في تلك الرحمة العظيمة الواسعة أهل الأرض كلهم، وتناسلوا وتعاطفوا وتم عليهم أمر ربهم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». متفق عليه (١).
ورفع الرحمن الرحيم سبحانه أهل الإيمان والتوحيد درجة في ذلك، فتعاطفوا وتراحموا وتحابوا، وتوادوا، من أجل الرحمن، فتم لهم أمرهم أوله وآخره، وعاجله وآجله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
فإذا أراد الله فناء هذه الدنيا وأهلها، قبض عنهم معنى اسمه الرحمن حتى لا يبقى في الأرض مسلم، وأذن بإقامة القيامة على شرار الخلق فمقتهم وقبض الرحمة التي أنزلها إلى الأرض فيومئذ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ٢].
стр. 258
ثم يضيف الرحمن الرحيم تلك الرحمة إلى ما أمسك عنده، لتكون مائة رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فما أعظم رحمة الله بخلقه وأوليائه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
من أجل لا إله إلا الله اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
ومن أجل لا إله إلا الله ضحى المؤمن وجاهد، ومن أجلها هاجر وبذل، ومن أجلها ناصر وأنفق، ومن أجلها أعطى وبذل، ومن أجلها صبر وتحمل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
стр. 259
٤ - الخزانة الرابعة
• وجوب الدعوة إلى الإيمان بالله:
أعظم شيء في خزائن الله هو الهداية إلى الصراط المستقيم، الهداية إلى الكلمة الطيبة لا إله إلا الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].
فهذا القلب يتغذى بالكلمة الطيبة لا إله إلا الله، ونتبع ذلك بالجهد الطيب بالدعوة إلى لا إله إلا الله، ودعوة الناس إلى الحق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣].
الكلمة الطيبة هي بداية الطريق، لنعرف الخالق من المخلوق، ونعرف القادر من العاجز، ونعرف الملك من العبد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والدعوة إلى لا إله إلا الله، والعلم بلا إله إلا الله، هو أول دروس الإيمان، وعلم الإيمان زادٌ وغذاء لازمٌ لكل أحد، فهو حاجة كل مسلم ومسلمة، أما علم الأحكام فليس يحتاجه كل أحد، علم الإيمان يولد حب الله، ويثمر تعظيم الله، وتكبيره، وخوف الله، والتوكل عليه، والاستعانة به، وعبادة الله وطاعته: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
стр. 260
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وحالنا اليوم يشبه حال أهل الأعراف، لا حال أهل الجنة، ولا حال أهل النار: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [الأعراف: ٤٦ - ٤٧].
فنحن كأهل الأعراف نسمع عن وصف الجنة وحال أهلها فنقول: اللهم أجعلنا من أهلها، ونسمع عن وصف النار وحال أهلها ونقول: اللهم لا تجعلنا من أهلها، فنحن المؤمنين بين الخوف والرجاء، ونسأل الله أن يعطينا كما أعطاهم، وأن يجعل قلوبنا دائمًا بين الخوف والرجاء، وما تمكن هذا في قلب مؤمن إلا أمَّنه مما يخاف، وأعطاه ما يرجو، والكريم سبحانه إذا أطمعك أعطاك، وأطعمك الذي يُطعِم ولا يُطعَم، يطمعك حتى يعطيك: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].
ومن عرف الله خافه ورجاه، وفاز برضوانه وثوابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].
стр. 261
فيجب على كل أُذنٍ في العالم أن تسمع لا إله إلا الله، من أهل لا إله إلا الله؛ لتؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا، وتذوق طعم الإيمان وحلاوته.
كما قال النبي ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا». أخرجه مسلم (١).
وقال الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
تقول بلسانك لا إله إلا الله في الأذكار ألف مرة أو أكثر، هذا سنة، وتذكر بها الكافر والغافل هذا فرض: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فعلم الإيمان بالله وأسمائه وصفاته نحتاجه في كل ثانية تمر علينا؛ لأنه يثمر الإيمان الكامل، واليقين الصادق: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
أما علم الأحكام والمعاملات فأنت تاجر تعلم أحكام التجارة لتكون تجارتك عبادة، رغبت في الطلاق أسأل العلماء ليكون الطلاق صحيحًا، أردت قسمة ميراث اسأل الفقهاء فلسنا كلنا بحاجة إلى هذا العلم.
أما علم العبادات فكلنا نحتاج إليه، فنتعلم كيف نتوضأ؟ كيف نصلي؟ كيف نصوم؟ كيف نحج؟ ونعتمر وهكذا:
стр. 262
قال الله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
ويقول النبي ﷺ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». أخرجه البخاري (١).
الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أصدق الناس إيمانًا، وأقواهم توحيدًا، وأحسنهم أعمالًا وأخلاقًا، ودعوة وتعليماً: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الأنبياء والرسل هم قدوة الناس الذين أرسلهم الله للناس، والصحابة ﵃ تعلموا جهد الأنبياء في الدعوة من جهد نبينا محمد ﷺ ، تعلموا:
كرم الداعية .. حكمة الداعية .. رحمة الداعية .. صبر الداعية .. حلم الداعية .. يقين الداعية .. صدق الداعية .. تضحية الداعية.
تعلموا هذا وغيره من سيرة النبي ﷺ العملية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
والأمة إذا تركت الدعوة إلى لا إله إلا الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حرمت بركة الوحي، وإذا عظمت الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام، وإذا تسابت سقطت من عين الله، فأكل بعضها بعضاً: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
стр. 263
فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥].
فإذا تركت الأمة الدعوة إلى التوحيد حرمت فهم القرآن، وأصبحت قراءة القرآن للتبرك والأجور لا للتصديق والتطبيق والعلم والعمل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢].
فمن لم يقم على المقصد العظيم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إليه سقط من عين الله، وكل من لم يقم على مقصد الدعوة إلى الله من العباد يذم من يقرأ آيات العبادات ولا يطبقها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فالعابد فقط يذم من يخالفه في العبادات، وينكر عليه، ليصحح عمله، وهذا حسن.
أما من يقرأ آيات الدعوة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 264
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
فيعجب بقراءته ويقال له قارئ متقن، ولا نذم وننصح من يقرأ آيات الدعوة ولا يطبقها مع إن الدعوة إلى الله أم الفرائض كلها، وأول الواجبات بعد الايمان.
وقد لعن الله من تركها من الأمم السابقة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
صلاة الأنبياء، وضوء الأنبياء، صوم الأنبياء، حج الأنبياء، كل ذلك منسوخ بشريعة النبي ﷺ ، فلا نفعل ذلك كله إلا على شريعة نبينا محمد ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
أما الدعوة إلى الله، فندعو إلى الله على طريقة نبينا محمد ﷺ ، وعلى طريقة مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
стр. 265
وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].
فنتبع الأنبياء بالدعوة إلى الله، بالدعوة إلى لا إله إلا الله، بالدعوة إلى التوحيد والإيمان.
فحياة الأنبياء تذكرك بجهد الأنبياء، وحياة الحكام والرؤساء تجعلك تتعلق بالمناصب، وحياة الأغنياء تجعلك تتعلق بالشهوات، لهذا الله أمرنا بذكر جهد الأنبياء، ومعرفة جهد الأنبياء، لنقتدي بهم في التوحيد والإيمان وحسن الأخلاق والدعوة إلى الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦].
وممنوع أن نهتدي بهديهم بالتيمم والوضوء والصلاة والصوم وغيرها من العبادات؛ لأن شرائعهم منسوخة بالإسلام، فلنهتدي بهديهم في التوحيد والإيمان، والأخلاق، والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والإحسان إلى الخلق، والدعوة إلى مكارم الأخلاق: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
стр. 266
• أين يزيد الإيمان:
البيئات النافعة ثلاث:
بيئة مكان .. وبيئة أعمال .. وبيئة اجتماع.
وقد أرشدنا الله سبحانه إلى ثلاث بيئات تنور القلب وتملؤه بالتوحيد والإيمان، وتزين الجوارح بالتقوى والأعمال الصالحة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
فهذه البيئات الثلاث تزيد الإيمان.
بيئة مكان .. وبيئة أعمال .. وبيئة اجتماع.
فبيئة المكان: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦].
في بيوت ليس في شوارع، ليس في ملاعب، ليس في مقاهي، بل في بيوت المسلمين ومساجدهم؛ لأن هذه البيئات يذكر فيها الله والدار الآخرة فلها وقار، فمكانها هذه البيوت، بيوت المسلمين، ومساجد المسلمين.
وكان آخر دعاءٍ لنوح ﷺ : ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨].
فأول مراكز الدعوة إلى لا إله إلا الله هي بيوت المسلمين، ولهذا قال أهل الجنة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ [الطور: ٢٦].
فالصحابة ﵃ كونوا بيئة الإيمان في بيوتهم، فالصحابي يذكر أهله بما علمه من رسول الله ﷺ في المسجد، وأهله يذكرونه، فامتلأت
стр. 267
بيوتهم بالإيمان والأعمال الصالحة، وخلت من كثرة الأموال والأشياء الملهية.
ونحن حُرم أكثرنا بيئة الإيمان في بيته، فهو غالبًا مع أهله ضاحكُ أو مازحٌ أو غافل، فامتلأت بيوتنا نتيجة لذلك بالأموال والأشياء، والقيل والقال، وخلت غالبًا من زيادة الإيمان والأعمال إلا ما رحم ربك.
وفي بيئة الإيمان الله يكرمنا بخمس كرامات:
نتعلم الدين .. ونعمل بالدين .. ونثبت على الدين .. ونترقى في الدين .. وننشر الدين: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
والمؤسف حقًا أننا لو وضعنا جهازًا مسجلًا في بيوت الأنبياء والصحابة لوجدنا أن كل ما يقال فيها، وكل ما يعمل فيها، يصلح للنشر، ولو وضعنا في بيوتنا هذا المسجل لوجدنا أن أكثر ما نقول ونفعل لا يصلح للنشر: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
وحياة المسلم كلها لربه، فلا يعبث بها بهواه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
فمساجد المسلمين وبيوتهم أحسن البيئات للذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾ [الأحزاب: ٣٤].
стр. 268
فكان في القرن الأول مائة وأربعة وعشرون الف مسلم، بيوتهم كلها مدارس مع المسجد، أعمال البيت، وأعمال المسجد متطابقة، يذكر فيها الله والدار الآخرة، وقصص الأنبياء، وتملأ بالأعمال الصالحة، والعلم، والذكر، والدعاء: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
والثانية: بيئة الأعمال، فأصحاب النبي ﷺ مشغولون بالأعمال من عبادة لله، ودعوة إلى الله، وتعليمٍ لشرع الله، وذكرٍ لله، وزياراتٍ تتكون وتخرج من بيوت المسلمين ومساجدهم للدعوة إلى الله، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللهِ، نَادَاهُ مُنَادٍ، أَنْ: طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا» أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه. (١).
وقال النبي ﷺ : «إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَارْتَعُوا، قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ». أخرجه أحمد والترمذي (٢).
وقال النبي ﷺ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَه». أخرجه مسلم (٣).
فهذه البيئات الإيمانية تقام في المساجد، وفي بيوت المسلمين، فتزيد الإيمان، وتحسن الأعمال.
стр. 269
ويقول الله في الحديث القدسي: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ، فِيَّ وَالْمُتَنَاصِحِينَ فِيَّ». أخرجه أحمد (١).
والثالثة: بيئة الاجتماع، بيئة الأشخاص: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
رجال أتقياء في المسجد أو البيت، فبيئة المسجد كمستشفى عام، يعالج فيها الناس، وبيئة البيت كمستشفى خاص، ولابد للمسلم من بيئتين يحفظ بهما إيمانه وأعماله الصالحة، ويحفظ من الشر، فلا يدخل الشر بيتك، ولا يدخل مسجدك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فمن حافظ على هاتين البيئتين حفظه الله من الشر، وإذا ذهب إلى الناس يؤثر ولا يتأثر بدنياهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].
стр. 270
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
• حاجة كل إنسان إلى الإيمان بالله:
أركان الإيمان ستة وهي:
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
والإيمان بالله أعظم أركان الإيمان، والإيمان من أعظم نعم الله على عباده، والله غنيٌ عن العباد وإيمانهم وأعمالهم، وهو المؤمن قبل أن يخلق أحدًا كما في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا». أخرجه مسلم (١).
فالله هو الغني، وكل ما سواه محتاج إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فالإيمان بالله كله من أجل مصلحة العبد:
فأولًا: الإيمان من أجل مصلحة العبد وسعادته في الدنيا والآخرة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
стр. 271
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وثانيًا: أن من لم يؤمن فقد خسر كل شيء؛ لأنه لم يعرف أنه مخلوقٌ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله خليفةً في الدنيا في الأرض، ويوم القيامة جليسه إن آمن بالله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ [العصر: ١ - ٢].
والله جعل هذا الإنسان المخلوق المكرم، المخلوق المكلف، المخلوق الوحيد الذي خلقه الله لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، فمن لم يؤمن فقد خسر نفسه، وحقر نفسه، وأعرض عمن أكرمه الله، وأعرض عن الرب الذي أكرمه؛ لأنه غاب عنه أنه المخلوق الأول، وغاب عنه أن الكون كله مسخرٌ له: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وغاب عنه أن الله خلقه لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، ومن عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف ربه أحبه وكبره، وحمده وشكره، وأطاعه وعبده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 272
فما أشد خسران من كفر بالله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ الكهف: [١٠٣ - ١٠٦].
وثالثًا: أن كل إنسان في هذه الحياة عنده خيار، إما أن يؤمن، وإما أن يكفر: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
إما أن يؤمن وينبني على إيمانه أعمالٌ تسعده في الدنيا والآخرة، وإما أن يؤمن عند الموت حين لا ينفع الإيمان كما آمن فرعون حين أدركه الغرق: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢].
وكل إنسان عند الموت تنكشف له الحقيقة التي جاء بها الأنبياء، ولكن لا ينفع الإيمان عند الموت، حين معاينة الموت لا ينفع الإيمان: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].
стр. 273
٥ - الخزانة الخامسة
• حكمة خلق المخلوقات:
الله خلق الإنسان ليسعده في الدنيا والآخرة.
خلق الإنسان ليرحمه لا ليعذبه.
خلق الإنسان ليهديه لا ليضله.
والإيمان بالله يحقق الحكمة من خلق هذا الإنسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فما أرحم الرحمن بخلقه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وكل إنسان مفطورٌ في الدنيا على حب العظيم، وعلى حب الكريم، حب العظيم ليحتمي به ويلجأ إليه، وحب الكريم ليستفيد من خزائنه، وكذا الإنسان مفطورٌ على حب الحياة، وحب السلامة في هذه الحياة، وعلى حب الكمال في هذه الحياة.
وهذه الأمور التي جعل الله الإنسان مكرمًا بها وجبله عليها لا تتحقق إلا بالإيمان بالله ، فمن أجل سعادة الإنسان وسلامة وجوده يؤمن
стр. 274
بالله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
فأنت أيها الإنسان المخلوق الأول المكرم، الذي قبل حمل الأمانة من ربه، وهي الإيمان بالله، والعمل بالدين، والتزين به، من أجل ذلك سخر الله لك ما في السماوات وما في الأرض: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وذلك من أجل أن تتفرغ لعبادة الله، وتصل من المخلوقات إلى الخالق، ومن الصور إلى المصور، ومن الدنيا إلى الآخرة.
وهذا التسخير العظيم له مهمتان عظيمتان:
الأولى: تسخير تعريف، لتؤمن بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
والثانية: تسخير تكريم، لتشكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة.
فكل شيءٍ خلقه الله في الكون لأمرين، من أجل أن نتعرف على الله من خلاله، ومن أجل أن ننتفع به، فالكافر ينتفع بتسخير التكريم كما هو حال الكفار في كل زمانٍ ومكان، الذين انتفعوا من الجانب الثاني، وهو تسخير التكريم دون أن يعرفوا من سخره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
فكانوا مع المخلوق دون الخالق، ومع النعمة دون المنعم، فهم دائمًا في شقاء وهم، لأن من أحب غير الله عُذِّب به: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
стр. 275
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
فهؤلاء الكفار استفادوا من النعمة، وأعرضوا عن المنعم، فهم في شقاءٍ دائم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فالحكمة من وجود جميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي أمران:
الأول: أن نعرف الله من خلالها بأسمائه وصفاته وأفعاله، فنؤمن به ونعبده.
الثاني: أن ننتفع بها في الدنيا ونستعين بها على عبادة الله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
الأول: إذا عرفتم ذلك آمنتم به وعبدتموه وأطعتموه.
والثاني: أن ننتفع بهذه المخلوقات التي سخرها الله لنا.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
فمن آمن بالله العظيم فقد حقق الهدفين معًا، ومن انتفع بما خلقه الله، ولم يؤمن بالله، فقد عطل أكبر هدفً من تسخير هذه الأشياء له، وأكثر الخلق في هذا الوادي المظلم: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
стр. 276
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
فالهدف الإرشادي هو أن الله خلق هذه المخلوقات للدلالة على وحدانيته، هذا الهدف هو أكبر هدف من خلق المخلوقات التي خلقها سبحانه، فإذا لم يهتدي الإنسان بها إلى ربه فقد عطّل أكبر هدفٍ له في الحياة، وهو الإيمان بالله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
فالمخلوقات كلها مسخرةٌ للإنسان تسخير تعريف بربه وبأسمائه وصفاته وأفعاله، ليؤمن به ومسخرةٌ تسخير تكريم لهذا الإنسان الذي أكرمه الله بأن خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، وجعله في الدنيا خليفة، ويوم القيامة جليسه إن آمن به: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
ومقتضى تسخير التعريف أن تؤمن أيها الإنسان، ومقتضى تسخير التكريم أن تشكر الله الذي خلقك ورزقك، فإذا آمنت بالله ، وشكرته على نعمه، حققت الهدف العظيم من وجودك: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
فمن آمن بالله وشكره فقد حقق الهدف الأكبر من وجوده في هذه الدنيا، ونال السعادة في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ
стр. 277
تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
• درجات الإيمان بالله:
الإيمان بالله له درجتان:
الأولى: إيمانٌ مقرونٌ بالاستقامة على أوامر الله، وهذا هو الإيمان المطلوب من كل مؤمن، أن يحمله إيمانه بالله على توحيد الله، وعلى طاعة الله، وعلى الاستقامة على أوامر الله، وفعل كل ما يحبه الله ويرضاه في كل حال، واجتناب ما يغضب الله في كل حال، فهذا هو المؤمن حقًا، من المؤمنين بالله حقًا، وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون، ثم يليهم من آمن بهم واقتدى بهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وصفات هؤلاء المؤمنين علميةٌ وعملية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
وماذا أعد الله لهم يوم القيامة؟.
стр. 278
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
ثم يلي هؤلاء من آمن بالله، لكن لم يحمله إيمانه على كمال الطاعة، ثم يليهم من آمن بالله لكنه لم يستقم على طاعة الله لعدم قناعته بكثيرٍ من أوامر الله، فالمؤمن الناجي هو من قرن الإيمان بالعمل الصالح: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
فالإيمان الحقيقي، الإيمان المطلوب، تصديقٌ وتطبيق، والكفر تكذيبٌ وإعراض: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٢ - ١١٣].
فاستقم كما أُمرت لا كما اشتهيت.
الثاني: إيمانٌ لا يثمر الاستقامة في كل حال، فهذا إيمانٌ ناقصٌ، لا يقدم ولا يؤخر، وهو كإيمان إبليس الذي: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ [ص: ٧٩]، فآمن بالله ربًا.
وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [ص: ٧٦]، فآمن بالله خالقًا.
وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ [ص: ٨٢]، آمن بالله عزيزًا.
وقال: ﴿فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ [ص: ٧٩]، آمن باليوم الآخر.
فإبليس لم ينفعه إيمانه بهذا؛ لأنه لم يتبع الإيمان بالاستقامة، بل أبى واستكبر وكفر، وأعرض عن أوامر الله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
стр. 279
فهذا الإيمان الصوري الذي لا تقترن به استقامة، ووقوفٍ عند الحلال والحرام، ولا أثر له في السلوك، لا ينفع ولا يقدم ولا يؤخر، ومن تأمل حياة كثيرٍ من المسلمين رأى هذا الإيمان موجودًا اليوم في حياتهم، ومن تأمل ذلك جيدًا لا يجد أثرًا للإيمان الذي يريده الله من الناس.
فليس لإيمان هؤلاء أثرٌ في استقامتهم وسلوكهم، ولا في ضبط أكلهم وشربهم، وتجارتهم وإنفاقهم، ولا في ضبط سلوك زوجاتهم وأولادهم، ولا في ضبط حياتهم، فمن لم يجد للإيمان أثرًا في السلوك ظاهرًا، فهذا إيمانٌ إبليسيّ، لأنه متجردٌ عن الاستقامة والطاعة لله كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
وقال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٤ - ٥٥].
فأثبت لهم بعض الأعمال الصورية، لكنهم عند الله كفروا بالله ورسوله.
• دلائل الإيمان بالله:
دلائل الإيمان والمخلوقات تُعلم من ثلاث جهات:
الحسيات .. والعقليات .. والاخبارات.
الأول: الشيء الذي ظهرت ذاته، وظهرت آثاره، كالسماء والأرض، والجبال والبحار ونحوهما.
فهذا طريق العلم به الحواس الخمس:
١ - السمع. ٢ - والبصر.
الثالثة: الشيء الذي غابت ذاته، وغابت آثاره، أداة العلم به الخبر، كإخبار الله عن الملائكة، والجنن واليوم الآخر، فهذه الغيبيات طريق العلم بها، والإيمان بها، الخبر الصادق من الله ورسوله، فهذه الغيبيات يجب الإيمان بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٠].
فهذا إيمانٌ إخباريٌ أو سمعيٌ أو نصي، والأول إيمانٌ حسي، والثاني إيمانٌ عقلي.
فكل شيءٍ محسوس يدل على وجود الله، وكل شيءٍ معقول يدل على وجود الله، وكل خبرٍ عن الله ورسوله إيمانٌ خبري، يجب التصديق به: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وكل خبرٍ عن الله ورسوله يجب أن نؤمن به كأننا نراه، فالمؤمن حقًا من صدق الأخبار من الله ورسوله كأنه يراها، ثم فعل مقتضى هذه الأخبار من الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
стр. 282
والعالم قسمان:
عالم الغيب .. وعالم الشهادة.
وعالم الشهادة ذرةٌ من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
فعالم الشهادة ما نراه من السماوات والأرض والجبال والبحار، وعالم الغيب ما أخبرك الله عنه، وعالم الغيب لا نستطيع أن نضيف عليه شيئًا؛ لأنه خاصٌ بعلام الغيوب، فهو الذي يعلم الغيب والشهادة، فالمؤمن يسكت عما سكت عنه القرآن، ويصدق بكل ما كان وما يكون وما سيكون من أمور الغيب مما ورد في القرآن والسنة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
فالله هو عالم الغيب والشهادة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
стр. 283
٦ - الخزانة السادسة
• فقه الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله:
الإيمان بالله أعظم شيءٍ في خزائن الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
والإيمان نعمة من الله يخص بها طالبها: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩].
والإيمان بيد الله ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
والله أقام الحجة بأن خلق الإنسان في أحسن تقويم، ووهبه السمع والبصر والعقل، وأكرمه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
والهداية إلى الإيمان بيد الله وحده: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
فلا إله إلا الله، ما أعظم مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي.
стр. 284
والمخلوقات التي خلقها الله أربعة أنواع:
الأول: مخلوقات لها عقول بلا شهوات، وهم عالم الملائكة.
الثاني: مخلوقات لها شهوات بلا عقول، وهم عالم الحيوانات.
الثالث: مخلوقاتٌ لها عقول ولها شهوات، وهم عالم البشر.
الرابع: مخلوقاتٌ لا عقول لها ولا شهوات، وهم عالم الجماد والنبات.
فمن سما بعقله من البشر على شهواته أصبح فوق الملائكة؛ لأنه جاء إلى عبادة الله وإلى الإيمان بالله اختيارًا، وأما الملائكة فعبدوا الله تسخيرًا، فهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وإن سمت شهوات الإنسان على عقله، أصبح دون الحيوان: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
فالذي سما بعقله، آمن بالله، يكون فوق الملائكة درجة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧].
ومن أعرض عن ربه، ولم يستعمل ما أعطاه الله من العقل الذي يعرف به ربه، فهو أضل من الأنعام: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فالملائكة مخلوقاتٌ نورانية، خلقهم الله مخلوقاتٌ مسخرة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
стр. 285
وتقوم الملائكة بتدبير أوامر الله في هذا الكون، ويسبحون بحمد ربهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
ومع كل إنسان ملكٌ يلهمه الخير، وشيطانه يوسوس له بالشر، وليس لكل واحدٍ منهما سلطةٌ على الإنسان كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].
فالإنسان مخير أن يؤمن أو يكفر، أو يطيع أو يعصي: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فمن آمن بالله فهو أسعد الناس، ومن كفر به فهو أشقى الناس.
وفي القلب نوايا لا يعلمها الملك ولا الشيطان، والحكمة من اقتران الملك والشيطان بالإنسان، أن نعلم بأن الله خلق الإنسان متحركًا، فهو إما أن يستجيب لإلهام الملك، أو لوسوسة الشيطان، فإن استجاب للشيطان فهذا من اختيار الإنسان وصنعه، فهو اختار المعصية والشيطان زينها له: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
وإن أطاع الله فبفضل الله ، والملك أعانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
والإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان، وأحد أركان ضبط حركة الإنسان في تصرفاته، فمن آمن بالملائكة وبوجودهم استحيا من الله، واستحيا من الملائكة الذين يسمعونهن ويسجلون كلامه، فاستحيا من الملائكة أن