٢ - الخزانة الثانية
فقه الحمد والشكر:
كان الله ولم يكن شيئًا قبله ثم خلق الخلق، وقد أثنى على نفسه بأنه الخالق لكل شيء فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وقد أنعم الله علينا بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى، أنعم علينا بنعمة الخلق والإيجاد، ونعمة القوت والإمداد، ونعمة الهداية والإسعاد، فكل مخلوق وكل موجودٍ في العالم العلوي والعالم السفلي فإنما حصل بإيجاد الله وفضله وإحسانه، فالإيجاد نعمة من الله وكل موجود وكل مخلوق في عالم الأرواح وفي عالم الأجسام والعالم العلوي والعالم السفلي لله عليه نعمة ورحمة وإحسان.
والنعمة والرحمة والإحسان موجبة للحمد والشكر لله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فإذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
стр. 2452
استحضر في قلبه عظمة من يحمد وهو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الكبرى والمثل الأعلى، وعظمة جلاله وجماله وعظمة ملكه وسلطانه وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة دينه وشرعه، وعظمة النعم الصادرة منه الواصلة إلى كل ما سواه من خلقه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
وتَذكر العبد كثرة الحامدين له في كل مكان وفي كل زمان، فما من ذرة في الكون إلا وهي شاهدة بوحدانية الله ومسبحة بحمده وخاضعة لأمره ومستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
فليس الحمد لله على النعم الواصلة إلينا فقط ولا على النعم الواصلة إلى غيرنا فقط، بل الحمد الكامل لله على كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى عظيم عطائه وإحسانه، وعلى جمال دينه وشرعه، وعلى حسن ثوابه وعقابه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
стр. 2453
له الحمد ﷻ وحده على كل مخلوق خلقه وعلى كل نعمة أنعم بها وعلى كل حدثِ أحدثه من خلقٍ ورزقٍ ومن نور وظلمة ومن سكونٍ وحركة، ومن خلق العرش العظيم، وخلق الكرسي الكريم وخلق السماوات السبع والأراضين السبع ومن فيهما وما عليهما وما بينهما من عظيم وأنواع المخلوقات التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا هو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف: ١ - ٣].
اللهم ربنا لك الحمد على عظيم نعمك التي لا تُعد ولا تُحصى والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا ملء السماء وملء والأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد وأحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
الحمد لله الذي أنعم علي وعلى غيري وأعطاني خيرًا وصرف عني شرًا، وأكرمني وخلقني وسواني في بطن أمي وأنعم علي لما خرجت بنعمٍ لا تُعد ولا تُحصى، وأعظمها نعمة الإسلام فالحمد لله الذي مَنْ علي بالهداية والأمن في الدنيا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
стр. 2454
والحمد لله الذي مَنْ علي بهذا الدين العظيم الذي بسببه يفوز العبد بالجنة وينجو من النار يوم القيامة ويسعد برضوان ربه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧١ - ٧٢].
وقال النبي ﷺ «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ». متفق عليه (١).
فقه الحمد والشكر:
الحمد لله جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية تدل على الثبوت والاستمرار، والدين كله مجموعٌ في هذه الكلمة فالحمد لله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
стр. 2455
وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
والحمد لله لها تعلقٌ بالماضي ولها تعلقٌ بالحاضر ولها تعلقٌ بالمستقبل، أما تعلقها بالماضي فهو أن الحمد يقع شكرًا على النعم المتقدمة، وأما تعلقها بالحاضر هو أن الحمد يقع شكرًا على النعم الحاضرة، وأما تعلقها بالمستقبل فهو أن الحمد يوجب تجدد النعم وزيادتها في المستقبل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
والنعم السابقة توجب حب الله وحب عبادته والقيام بطاعته، فإذا حصل للعبد ذلك واشتغل بالشكر فتح الله له أبواب معرفته، ومعرفة أنواع نعمه فأحبه وأطاعه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤].
والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق بجلاله من صفات النقص والعيب ومشابهة الخلق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الجمعة: ١]
والتحميد يدل على التسبيح دلالة تضمن؛ لأنه يدل مع حصول تلك الصفة على كون الله محسنًا إلى الخلق منعمًا عليهم رحيمًا بهم، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
стр. 2456
فالتسبيح تنزيه الخالق ﷻ عما لا يليق به والتحميد وصف الخالق بما يليق به من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٣ - ٤٤].
والله هو الخالق الذي أحسن إلى خلقه بأنواع الإحسان، الكريم الذي أحسن إلى خلقه بكل شيء الغني عن كل ما سواه، فهو الغني عن كل أحد الذي يحتاج إليه كل أحد، هو الحميد الذي يستحق الحمد من كل ما سواه لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الكبرى والمثل الأعلى.
فله الحمد وحده على كماله وإحسانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
واعلم أن الله لا يكون مُحسنًا إلى العباد إلا إذا كان عالمًا بجميع المعلومات ليعلم أصناف حاجات العباد: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
стр. 2457
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
ولا يكون محسنًا كذلك إلا إذا كان قادرًا على كل المقدورات ليقدر على تحصيل ما يحتاج إليه الخلق وإيصالها إليهم فهو القادر على كل شيء، وغيره عاجزٌ عن كل شيء، ولولا أن الله أقدره لما قدر: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].
ولا يكون محسنًا كذلك إلا إذا كان غنيًا عن كل الحاجات، فلو لم يكن غنيًا لاشتغل سبحانه بدفع الحاجة عن نفسه عن دفع حاجة غيره، فثبت أن كونه محسنًا لا يتم إلا بعد كونه منزهًا عن النقائص والآفات والعيوب ومشابهة الخلق: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].
وإذا أحسن الرب إلى الخلق فيجب عليهم أن يحمدوه ويشكروه على إنعامه وإحسانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
المستحق للعبادة هو الملك الحق الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، المستحق للعبادة هو الله الذي له مُلك العالم العلوي ومُلك العالم السفلي وله مُلك عالم الغيب وعالم الشهادة، وله مُلك الدنيا ومُلك الآخرة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وقال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
لهذا كان الله مستحقًا لأعظم المحامد لعظيم نعمه وإحسانه ولجلاله وجماله، فهو المستحق لأعظم المحامد وجميل المدائح وعظيم الشكر وكثرة الذكر: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
стр. 2461
وكل حمدٍ ومدحٍ وشكرٍ من الناس للناس فإنما هو حمدٍ لله الذي خلقهم وأعطاهم ما يشكرون عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
فكل شيء في الكون من نعمة من نعمه وفضله وإحسانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
فكما ملأ الله الكون بنعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، فيجب علينا أن نملأه بحمده وشكره وذكره وتسبيحه وعبادته آناء الليل وآناء النهار: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والله أثبت الحمد لنفسه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
ثم وصف نفسه بكونه ربًا للعالمين جميعًا رحمانًا رحيمًا بالعالمين جميعهم، مالكًا لهم ومالكًا لعاقبة أمرهم يوم القيامة فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
ثم بين كيفية الحمد بقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]
وهذا يدل على أن استحقاق الله للحمد لكونه تعالى مربيًا لعباده، رحمانًا رحيمًا بهم مالكًا لهم في أخراهم كما هو مالكٌ لهم في دنياهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ
стр. 2462
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
ليس في الكون إلا اثنان:
١ - منِعم.
٢ - ومُنَعم عليه بالخلق والإيجاد
وهم كل ما سوى الله : ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وأعظم نعمة يُحمد الله عليها هي أنه رب العالمين الذي خلقهم ويربيهم بنعمه الظاهرة والباطنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
والمربي على قسمين:
أحدهما: مربي يربي غيره ليربى عليه المربي.
الثاني: مربي يربي غيره ليربى عليه المربىَ.
فالأول: تربية الخلق لأنهم إنما يربون غيرهم من الناس ليربحوا عليهم ثوابًا أو ثناءً أو مالًا.
والثاني: هو الحق سبحانه الذي يربي خلقه ويحسن إليهم لمصلحتهم لا ليربى عليهم؛ لأنه الغني عن كل ما سواه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
стр. 2463
وتربية الله تختلف عن تربية غيره من الناس من وجوه:
الأول: أن تربية الرب لعبيده لا لغرضه نفسه بل لمصلحتهم، وغيره يربي لغرض نفسه لا لغرض غيره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
وقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١٣].
فالله غنيٌ عن العالمين وعن عبادتهم، فهو الذي سبح نفسه قبل أن يسبحه أحد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠].
وحمد نفسه قبل أن يحمده الحامدون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وشهد لنفسه بالوحدانية قبل أن يخلق من يشهد له بالوحدانية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
الثاني: أن الله يربي ولا تنقص خزائنه ولو نقصت خزائنه لما صلح أن يكون إلهًا يُعبد؛ لأن الناقص لا يُعبد إنما يُعبد الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ووجود الناقص دليلًا على وجود الكامل فلابد للناقص أن يتوجه إلى الكامل ﷻ ليكمله ويهديه سواء السبيل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فالله يربي ولا تنقص خزائنه وغيره يربي فتنقص خزائنه.
стр. 2464
الثالث: أن الله يفرح بإلحاح الفقير بسؤاله ويحبه وغيره من المحسنين إذا ألح عليه الفقير أبغضه وحرمه، والله سبحانه كريمٌ العطاء أحب إليه من المنع، والرحمة أحب إليه من الانتقام.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
الرابع: أن الرب سبحانه يعطي عبده قبل السؤال وبعد السؤال، فهو الذي رباك حين كنت جنينًا في رحم الأم ورزقك وأحسن إليك، مع أنك ما سألته أما غيره من المحسنين فلا يعطيك إلا إذا طلبت منه.
الخامس: أن الله وصل إحسانه إلى عموم خلقه في كل آن وفي كل مكان، أما غيره من المحسنين فيخص إحسانه بقومٍ دون قوم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾ [يونس: ٦٠].
السادس: أن إحسان الله إلى خلقه لا ينقطع أبدًا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس:: ٣١ - ٣٢].
إلى عبادة غير الله وتتركون عبادة الذي خلقكم ورزقكم وأنعم عليكم بكل نعمة: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨]
стр. 2465
السابع: أن إحسان الله إلى خلقه لا ينقطع أبدًا أما غيره من المحسنين فينقطع إحسانه، إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت، فلهذا كله ثبت أن الله رب العالمين وأن رب العالمين هو المستحق للحمد وحده لا شريك له فهو المحسن إلى الخلق أجمعين، فلهذا استحق الحمد وحده، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
جهات التعظيم والشكر الذي يُحمد ويُشكر ويُعظم ويُبجل من الخلق في الدنيا لأحد أربعة أمور:
١ - إما لكونه كاملًا في ذاته وصفاته منزهًا عن النقائص والآفات.
٢ - إما لكونه محسنًا إليك وإلى غيرك.
٣ - إما لأنك ترجو وصول إحسانه إليك في المستقبل.
٤ - إما لأنك خائف من قهره وسطوته في المستقبل.
فهذه هي الجهات الموجبة للتعظيم وللشكر بين الخلق، ولا يستحق التعظيم المطلق والحمد المطلق على وجه الكمال إلا الله وحده، لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة والمثل الأعلى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقال سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
فكأن الله يقول لعباده إن كنتم ممن يعظمون الكمال الذاتي فاحمدوني فإني إله العالمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]
стр. 2466
وإن كنتم ممن يعظمون الإحسان فأنا رب العالمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وإن كنتم ممن يعظمون للطمع في المستقبل فأنا الرحمن الرحيم: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
وإن كنتم تعظمون للخوف فأنا مالك يوم الدين: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
ووجوه تربية الله لخلقه كثيرة غير متناهية، فالله رب كل مخلوق يربيه ظاهرًا وباطنًا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فالإنسان مثلًا خلقه الله من نطفة وقعت من صلب الأب إلى رحم الأم، ثم كان علقة ثم مضغة ثم تَولد منها بإذن ربها أعضاء مختلفة من العظام والأعصاب والأوردة والشرايين والعروق، ثم اتصل البعض بالبعض ثم حصل بكل واحد نوع خاص من أنواع القوى فحصلت القوى الباصرة في العين، والقوة السامعة في الأذن، والناطقة في اللسان، وكل ذلك يدل على تربية الله تعالى للعبد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
стр. 2467
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
ثانيًا: النبات مثلًا الحبة الواحدة منه إذا وقعت في الأرض وسُقيت بالماء انتفخت وانشقت من أعلاها وأسفلها.
أما الشق الأعلى فيخرج منه الجزء الصاعد من الشجرة فيحصل منه الساق ثم الأغصان ثم الأوراق ثم الأزهار ثم الثمار المختلفة الحجم واللون والطعم.
وأما الجزء الأسفل فيخرج منه العروق التي تغوص في الأرض، والله يربيها في كل الأحوال من أجل الإنسان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥]
ثم رتب الله على هذا وعلى خلق الإنسان خمسة أمور، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٦ - ٧]
لهذا اعبدوه واحمدوه واشكروه لأنه الذي خلقكم ورزقكم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
стр. 2468
ثالثًا: خلق الله النجوم والأفلاك الشمس والقمر لحصول مصالح الخلق، فخلق الليل والنهار، الليل للراحة والسكون والنهار للمعاش والحركة، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ [الفرقان: ٤٧ - ٥٠].
فلا إله إلا الله ما أجهل أكثر الخلق بربهم، وما أكثر طاعتهم لعدوه وعدوهم وهو الشيطان.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦١: ٦٠].
стр. 2469
٤ - الخزانة الرابعة
فقه الحمد:
الحمد لله رب العالمين ثناءً أثنى الله به على نفسه وهو متضمن لأمر عباده أن يثنوا عليه به، وحمد الله له ظرفٌ يقع فيه، فمن ظروفه المكانية السماوات والأرض، كما قال سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].
ومن ظروفه الزمانية الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص: ٧٠]
وأعظم صيغة جامعة للحمد كله ما أثنى الله بها على نفسه وأمر النبي ﷺ بقراءتها في كل ركعة في كل صلاة فريضة كانت أو نافلة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
فهي شاملة لحمد الله على كل نعمة ظاهرة أو باطنة، والله ﷻ هو المنعم بكل نعمة، لذا وجب أن يكون الحمد كله له، ولما كانت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
فاتحة الشكر جعلها الله فاتحة كلامه في كتابه العظيم، ولما كانت خاتمة الشكر جعلها الله خاتمة كلام أهل الجنة يوم القيامة، كما قال سبحانه عن أهل الجنة: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠].
стр. 2470
فالحمد لله الذي كل نعمة من فضله وإحسانه، والحمد لله على كمال أسمائه وصفاته، والحمد لله على عظمة ملكه وسلطانه، والحمد لله على كمال دينه وشرعه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
والحمد لله على نعمة الإسلام والقرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ [الكهف: ١ - ٣].
وكل من كانت نعم الله عليه أكثر، فيجب أن يكون أحمد الحامدين وأكثرهم حمدًا.
ومحمدُ ﷺ أعظم الخلق نعمة فهو رسول رب العالمين، أرسله الله رحمة للعالمين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فهو أحمد الناس لربه ولهذا سماه ربه محمد وأحمد فهو أحمد الخلق لربه.
وهو المحمود في السماوات والأرض من بين سائر الخلق، وإذا كان كذلك لزم أن تكون رحمة الله في حقه أعظم من جميع العالمين: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
الرحمن الرحيم أنزل كتابه العظيم على من أرسله رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
стр. 2471
فلله الحمد والشكر على نعمة الإسلام والقرآن والهداية إلى الصراط المستقيم، وله الحمد والشكر أن أرسل إلينا أفضل رسله وأنزل علينا أحسن كتبه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فقه الشكر:
الشكر هو:
القيام بطاعة المنعم في جنس ما أنعم عليك وأعم، فإذا أنعم الله عليك بالمال فليرى الله أثره عليك في بيتك ولباسك ونفقاتك وصدقاتك، ليرى عليك أثر نعمة الله عليك في هذا المال؛ لأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وإذا أنعم الله عليك بنعمة العلم؛ فليُرى عليك أثر هذا العلم من العمل به ونشره بين الناس وتعليمه الخلق والدعوة إلى الله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
وإذا أنعم الله عليك بالصحة، فبشكر هذه النعمة طاعة الله بها ومساعدة إخوانك، والإحسان إلى الخلق: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ
стр. 2472
وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
والشكر له فائدتان:
الأولى: الاعتراف بفضل الله وإحسانه، كما قال سليمان حين وصل إليه عرش بلقيس: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠].
الثاني: أن الشكر سبب لزيادة النعمة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
الشكر من حيث فاعله قسمان:
شكر العبد لربه .. وشكر الرب لعبده.
فشكر العبد لربه:
هو أن يستعين بنعمه على طاعته: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وشكر الرب لعبده:
هو أن يثيبه الثواب الجزيل على عمله القليل كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
стр. 2473
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
والله هو المنعم بكل نعمة، فيجب على الإنسان أن يشكر هذه النعمة بقلبه ولسانه وجوارحه.
وصفة التحدث بالنعمة أن التحدث بالنعمة التي أنعم الله بها على عباده نوعان:
تحديثٌ باللسان .. تحديثٌ بالأركان.
التحديث باللسان:
كأن يقول الإنسان الحمد لله الحمد لله الذي أنعم علي بنعم كثيرة، كنت فقيرًا فأغناني الله، وكنت جاهلًا فعلمني الله، وكنت ضالًا فهداني الله، وكنت جائعًا فأطعمني الله، وكنت عاريًا فكساني الله، وكنت معدومًا فأوجدني الله، وهكذا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
الثانية التحديث بالأركان:
وهي أن ترى أثر نعمة الله عليك بين الناس، فتلبس لباس الأغنياء لا لباس الفقراء وتركب كذلك وتسكن كذلك وتأكل كذلك وتنفق كذلك، والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ
стр. 2474
طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وإذا أعطاك الله علمًا تحدث به الناس وتنفعهم به وتعمل به؛ لأن هذا من التحدث بنعم الله وشكرها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١ - ١١].
فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
стр. 2475
٥ - الخزانة الخامسة
الحمد هو وصف الله بالمحامد والكمالات وتنزيهه عن كل ما ينافي ذلك، وأعظم حمدٍ لله هو ما جعله الله فاتحة لكتابه العظيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]
فهو سبحانه المنعم بكل نعمة، المحمود على كل نعمة، هو أهل الحمد والشكر، أهلٌ أن يعبد، وأهلٌ أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر، يحمد سبحانه على جميع إحسانه وإنعامه، وعلى كمال أسمائه وصفاته مع المحبة والتعظيم والذل له: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والله سبحانه قد حمد نفسه في ابتداء خلقه المخلوقات، فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام: ١].
ثانياً: حمد نفسه عند انتهاء الخلق، فقال سبحانه عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٤ - ٧٥].
стр. 2476
ثالثاً: حمد الله نفسه على كمال أسمائه وصفاته وتنزهه عن الشريك والند، فقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١٠ - ١١١].
رابعاً: حمد الله نفسه على ما أنزل على عبده من الدين الحق في كتابه العظيم، فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ [الكهف: ١ - ٤]
خامساً: حمد الله نفسه على كمال أسمائه وصفاته وجلاله وجماله، ونعمه المادية والروحية، فهو المحمود الذي يستحق الحمد على كل حال، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
هو ﷻ المحمود في ابتداء الخلق، وفي استمرار الخلق، وفي انتهاء الخلق، ومحمودٌ في كل حال، ولهذا حمد الله نفسه وأمر بحمده، فقال سبحانه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ
стр. 2477
اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ [النمل: ٥٩ - ٦٦].
فهذا هو الرب الذي يستحق أن يُعبد، وأن يُشكر فلا يُكفر، وأن يُطاع فلا يُعصى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فحمد الله واجبٌ على كل إنسان لجلاله وجماله وإنعامه وإحسانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وأخبر سبحانه أن جميع المخلوقات تسبح بحمده.
قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
وأخر دعاء أهل الجنة حمد ربهم، كما قال سبحانه: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠].
ومن فوائد الحمد:
١ - أن الإنسان إذا ابتدأ الشيء بحمد الله إن الله يجعل فيه البركة، فكل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع منزوع منه البركة، كما قال النبي ﷺ .
стр. 2478
٢ - أن الله يرضى عن العبد إذا أكل الأكلة، أو شرب الشربة وحمد الله عليها، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا». أخرجه مسلم (١).
اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السماء وملء الأرض وملأ ما شئت من شيء بعده، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا أنت.
فقه الحمد:
الله محمودُ على كل حال، يُحمد في حال السراء والضراء، أما في السراء فيحمد الإنسان ربه حمد شكر على نعمته عليه، وأما في الضراء فيحمد الإنسان ربه حمد تفويض لأنه لا يدري فلعل المصلحة فيما يكره، فيحمد ربه على كل حال.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
ولهذا كان النبي ﷺ : «إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يكرهه قال الحمد لله على كل حال». أخرجه ابن ماجة (٢).
стр. 2479
والحمد لله مبني على أمرين:
أحدهما: وجود الإله.
والثاني: كونه مستحقاً للحمد.
أما وجود الإله، فإن هذا العالم الكبير بما فيه من السماوات والأرض والجبال والبحار والشمس والقمر والجماد والنبات والحيوان والإنسان، محتاجاً إلى خالقًا يخلقه ومدبراً يدبره ومربي يربيه، وذلك هو الله رب العالمين الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
الثاني: أن الله وحده هو المستحق للحمد دون سواه.
فكل إنسانٍ في الدنيا لا يخلو من أمرين:
١ - إما أن يكون في السلامة والكرامة.
٢ - أو يكون في الفقر والمكاره.
فإن كان في السلامة والكرامة:
فأسباب ذلك إن ما حصل له بخلق الله وتكوينه وإيجاده ورحمته: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وإن كان في الفقر والمكاره:
فإن كان من الله فالله سبحانه وعد بالثواب الجزيل لمن نزل به البلاء وصبر: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ
стр. 2480
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وإن كان البلاء من العباد، فالله وعد المظلوم بأن ينتصف للمظلوم من الظالمين يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
فثبت بذلك أن الذي يستحق الحمد الذي لا نهاية له هو الله وحده لا شريك له: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والحمد لله فاتحة الشكر وخاتمته، ولما كانت هذه الكلمة فاتحة الشكر جعلها الله فاتحة كتابه العظيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وكانت خاتمة كلام أهل الجنة فقال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس: ١٠].
والحمد لله أول كلام آدم ﷺ ؛ فإنه لما خلقه الله ونفخت فيه الروح، عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين، فأول كلمات الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
هي فاتحة كتابه العظيم، وأخر أنبياء الله محمدٍ رسول ﷺ ، وبين الأول والأخر مناسبة، فجعل سبحانه أول آية من كتاب محمد الذي أنزله عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
стр. 2481
كذلك وضع لمحمد ﷺ من كلمة الحمد اسمان أحمد ومحمد: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
فهو أحمد الخلق لربه، ومحمد يحمده أهل السماء والأرض ويصلي عليه الله وملائكته.
والنبي ﷺ أحمد الحامدين لربه؛ لأنه أعرف الخلق بربه وبنعم ربه، لأن نعم الله عليه أكثر وكثره الحمد بحسب كثره النعمة والرحمة، والمرسل لمحمد ﷺ له اسمانٍ مشتقان من الرحمة هما الرحمن الرحيم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
والرسول ﷺ له اسمانٍ مشتقان من الرحمة هما محمد وأحمد: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وكتاب الله كله رحمة: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
ورسول الله ﷺ رحمة للخلق كلهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ونحن علينا أن نحمد الرب على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، ونرحم الخلق بدعوتهم إلى دينه وعبادته وحده لا شريك له: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
стр. 2482
وقال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الله أنعم على عبادة بنعمًا لا تُعد ولا تُحصى، كما قال سبحانه: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
وهذه النعم نوعان:
نعمُ مادية.
ونعمُ روحية.
وكلها من الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فالنعم المادية: هي كل ما خلقه الله في هذا الكون من أجل الإنسان، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
والنعم الروحية: هي الدين الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه لإسعاد العباد في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
فله سبحانه الحمد على جميع نعمه المادية والروحية حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماء وملء الأرض وملء ما شاء الله من شيءٍ بعد.
стр. 2483
له الحمد سبحانه على نعمة الصحة والعافية، وله الحمد على نعمة الأمن والرخاء، وله الحمد على نعمة الطعام والشراب، وله الحمد على نعمة السكن واللباس، وله الحمد على نعمة المراكب في البر والبحر والجو، وله الحمد على خلق الليل والنهار.
وله الحمد على خلق الزروع والثمار، وله الحمد على خلق ما يؤكل وما يُركب من الحيوان، وله الحمد على نعمة الإسلام، وعلى نعمة الهداية، وعلى نعمة الاستقامة، وعلى نعمة الطاعة والعبادة: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والله سبحانه غنيٌ كريم، ويده سحاء بالليل والنهار لا تغيظها نفقة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فموجب كل نعمة وكل طاعة لله شكرٌ للرب على نعمة الهداية، وعلى نعمة العطاء الذي يعطيه الله لعباده بغير حساب وبغير ثواب.
ومن العجيب أن الله يربى العباد كأنه ليس لهم عبيدٌ سواه، وأنت تخدمه كأن لك رباً غيره، ويفتح لك أبواب خزائنه وأنت واقفٌ بباب أضعف خلقه، فما أعظم وما أحسن هذه التربية من رب العباد لعباده، فالحمد لله رب العالمين.
أليس الله يطعمك ويسقيك كل يوم من غير عِوض، أليس مولاك يمدك كل يوم بالصحة والعافية والنور والهواء من غير عِوض، أليس الله يحفظك في النهار من الآفات من غير عِوض، أليس الله يحفظك بالليل من المخافات من غير عِوض، أليس الله الذي هداك إلى الصراط المستقيم وأعانك على سلوكه من غير عِوض: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
стр. 2484
والعبد لجهله وظلمه قد زج نفسه بالليل والنهار في أنواع المحظورات، وأقسام المحرمات والمنكرات، والله يوالي عليه نعمه وإحسانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
فما أعظم إحسان الله إلى عباده، وما أحسن تربيته لهم، وما أحبه لرحمتهم وإكرامهم، وما أشد عنايته بهم: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ [الأنبياء: ٤٢].
إنه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
إن أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين سنة، وقليلٌ منهم من يجاوز ذلك، فإذا كان عمر الإنسان سبعين عاماً نصفها نهار ونصفها ليل، فهو في نوم خمس وثلاثون سنة أو في اليقظة خمس وثلاثون سنة، فإذا أخذنا منها خمس عشرة سنة قبل البلوغ فبقي عشرون سنة، وفي هذه العشرين سنة أعذارٌ وأحوالٌ مختلفة، لعب ولهو وسفر ومرض وغفلة وسهو وغير ذلك.
فيبقي عشر سنوات هي عمر الإنسان الديني، وهذه العشر سنوات لا تعدل يوم واحد في الجنة، وكان العدل أن يبقى في الجنة بقدر ما عمل ولكنه فضل الله وكرمه ورحمته التي وسعت كل شيء فله الخلود أبدًا والنعيم أبدًا:: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٧ - ١٨].
стр. 2485
فمن قيد نفسه بأوامر الله في هذه الحياة لساعات قصيرة في الدنيا فالعدل أن يأخذ ثواب هذه الساعات مثلاً بمثل يوم القيامة، ولكن الكريم المنان أعطاه حياة أبدية وسعادة أبدية، وطيبات أبدية ولذات أبدية وخدمة أبدية وقصور أبدية وفوق ذلك كله رضاه سبحانه ورؤيته: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
فسبحان العزيز الغني الكريم، صاحب الجود والفوز والإنعام والإحسان، وله الحمد والشكر على ما أنعم به علينا من نعمة الظاهرة والباطنة في الدنيا، وله الحمد والثناء والشكر على ما أعد لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
стр. 2486
٦ - الخزانة السادسة
الله في هذه الحياة الدنيا يعطي المؤمنين والكافرين من نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وفي الكون من عطاء الله شيئان:
١ - شيء من نعم الله خلقه الله ينفعل لك ولغيرك مؤمناً أو كافراً بدون جُهد كنعمة الشمس والهواء والمطر والحرارة والبرودة والليل والنهار، ونحو ذلك من النعم التي لا تُعد ولا تُحصى.
٢ - وشيء من نعم الله خلقه الله ينفعل بك مؤمناً أو كافراً إذا قام به العبد وفق الأسباب التي خلقها الله، فمن زرع حصد ومن اكتسب ربح ومن تعلم علم ومن تزوج أنجب، لكن المؤمن يزيد رزقه بحصول البركة في عمله؛ لأنه يذكر الله ويستعين به فتحصل له البركة كما قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨].
فالحمد كله والثناء كله والشكر كله لله رب العالمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥]
فهو سبحانه المحمود لذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
стр. 2487
وهو المحمود سبحانه على ما خلقه في العالم العلوي والعالم السفلي من المخلوقات التي سخرها الله لنا: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
وهو المحمود على أوامره الكونية وأوامره الشرعية: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة والشياطين، وعلى خلق الرسل وأعدائهم.
وهو المحمود على عدله في أعدائه وعلى فضله وإنعامه على أولياءه، وكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده وخاضعة لأمره ومستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
والحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه الحب له، ومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته وهي أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وإما ظاهرة في مخلوقاته، فأسماء الله كلها حسنى ليس فيها اسم سوء:: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
стр. 2488
وصفاته كلها كمال ليس فيها صفة نقص، وأفعاله كلها حكمة ليس فيها فعل خالِ عن الحكمة والمصلحة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
الله هو المستحق للحمد كله فيستحيل أن يكون غير محمودٍ، كما يستحيل أن يكون غير قادر ولا خالقًا ولا حي، فهو المحمود على كل شيء وإن كان بعض خلقه يُحمد أيضاً كما يُحمد رسله وأنبيائه وأولياؤه فذلك من حمده ﵎، وما نالوه من الحمد فإنما نالوه بحمده، فهو المحمود أولاً وأخرًا، وله الحمد في الأولى والآخرة.
والله سبحانه له الملك، وقد أتي من الملك بعض خلقه، فله الحمد، وقد أتى غيره من الحمد ما شاء، وكما أن مُلك المخلوق داخلاً في ملكه فحمده أيضاً داخل في حمده، فما من محمود يُحمد على شيء مما دق أو جل إلا والله المحمود عليه بالذات والأولوية.
والله سبحانه له الحمد التام كله، فله عموم الحمد وكماله وهذا من خصائصه سبحانه فهو المحمود على كل حال وعلى كل شيء، فله أكمل حمد وأعظمه، كما أن له الملك التام العام فلا يملك كل شيء إلا هو: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فحمده سبحانه وحكمته في خلقه وأمره شاملًا لكل ما يحدثه من إحسانٍ ونعمه وامتحانٍ وبليه وما يقضيه الله من طاعة ومعصية، والله سبحانه محمودٌ على كل ذلك ومشكور.
стр. 2489
وله حمد المدح وحمد الشكر:
أما حمد المدح: فالله تعالى محمود على كمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو المحمود على كل ما خلق وأمر فهو رب العالمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وأما حمد الشكر:
فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن، إذا اقترن بواجبه من الإحسان، والنعمة إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والابتلاء إذا اقترن بالصبر كان نعمة، والطاعات من أجل نعمه سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
والمعاصي إذا اقترنت بواجبها من التوبة والاستغفار والإنابة والذل والخضوع لله فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، وإن كان سببها مبغوضاً مسخوطاً للرب سبحانه لكنه يحب ما ترتب عليها من التوبة والاستغفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
الله سبحانه توابًا يحب التوابين، عفوًا يحب العافين عن الناس، مؤمنٌ يحب المؤمنين، محسنٌ يحب المحسنين.
الله سبحانه يفرح بتوبة عبده من فرح رجل أضل راحلته في أرض مهلكه، ثم طلبها وآيس منها، ثم وجدها.
стр. 2490
قال النبي ﷺ : «لّلَهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَه». متفق عليهُ (١).
وفي الحديث أنه قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» أخرجه مسلم. (٢).
فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه ولوازم لابد منها، وما يحصل لتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوباً له فهذا الفرح أحب إليه بكثير، فله سبحانه من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة، هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه.
وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفاً على أسبابٍ لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار إلى الله كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه، وإن كان من الامتحان والابتلاء باعتبار صورته ونفسه.
والرب سبحانه محمودٌ على الأمرين، فإذا اتصل بالذنب الآثار المحمودة للرب سبحانه من التوبة والإنابة فهو عين مصلحة العبد وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استُعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة في الملأ الأعلى.