← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الثالثة: الشيء الذي غابت ذاته، وغابت آثاره، أداة العلم به الخبر، كإخبار الله عن الملائكة، والجنن واليوم الآخر، فهذه الغيبيات طريق العلم بها، والإيمان بها، الخبر الصادق من الله ورسوله، فهذه الغيبيات يجب الإيمان بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٠]. فهذا إيمانٌ إخباريٌ أو سمعيٌ أو نصي، والأول إيمانٌ حسي، والثاني إيمانٌ عقلي. فكل شيءٍ محسوس يدل على وجود الله، وكل شيءٍ معقول يدل على وجود الله، وكل خبرٍ عن الله ورسوله إيمانٌ خبري، يجب التصديق به: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]. وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وكل خبرٍ عن الله ورسوله يجب أن نؤمن به كأننا نراه، فالمؤمن حقًا من صدق الأخبار من الله ورسوله كأنه يراها، ثم فعل مقتضى هذه الأخبار من الأعمال الصالحة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].

стр. 282

والعالم قسمان: عالم الغيب .. وعالم الشهادة. وعالم الشهادة ذرةٌ من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. فعالم الشهادة ما نراه من السماوات والأرض والجبال والبحار، وعالم الغيب ما أخبرك الله عنه، وعالم الغيب لا نستطيع أن نضيف عليه شيئًا؛ لأنه خاصٌ بعلام الغيوب، فهو الذي يعلم الغيب والشهادة، فالمؤمن يسكت عما سكت عنه القرآن، ويصدق بكل ما كان وما يكون وما سيكون من أمور الغيب مما ورد في القرآن والسنة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. فالله هو عالم الغيب والشهادة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].

стр. 283

٦ - الخزانة السادسة • فقه الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله: الإيمان بالله أعظم شيءٍ في خزائن الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. والإيمان نعمة من الله يخص بها طالبها: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾ [يونس: ٩٩]. والإيمان بيد الله ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. والله أقام الحجة بأن خلق الإنسان في أحسن تقويم، ووهبه السمع والبصر والعقل، وأكرمه بإرسال الرسل، وإنزال الكتب: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. والهداية إلى الإيمان بيد الله وحده: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ [يونس: ١٠٠]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]. فلا إله إلا الله، ما أعظم مخلوقاته في العالم العلوي، والعالم السفلي.

стр. 284

والمخلوقات التي خلقها الله أربعة أنواع: الأول: مخلوقات لها عقول بلا شهوات، وهم عالم الملائكة. الثاني: مخلوقات لها شهوات بلا عقول، وهم عالم الحيوانات. الثالث: مخلوقاتٌ لها عقول ولها شهوات، وهم عالم البشر. الرابع: مخلوقاتٌ لا عقول لها ولا شهوات، وهم عالم الجماد والنبات. فمن سما بعقله من البشر على شهواته أصبح فوق الملائكة؛ لأنه جاء إلى عبادة الله وإلى الإيمان بالله اختيارًا، وأما الملائكة فعبدوا الله تسخيرًا، فهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وإن سمت شهوات الإنسان على عقله، أصبح دون الحيوان: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. فالذي سما بعقله، آمن بالله، يكون فوق الملائكة درجة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧]. ومن أعرض عن ربه، ولم يستعمل ما أعطاه الله من العقل الذي يعرف به ربه، فهو أضل من الأنعام: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. فالملائكة مخلوقاتٌ نورانية، خلقهم الله مخلوقاتٌ مسخرة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].

стр. 285

وتقوم الملائكة بتدبير أوامر الله في هذا الكون، ويسبحون بحمد ربهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. ومع كل إنسان ملكٌ يلهمه الخير، وشيطانه يوسوس له بالشر، وليس لكل واحدٍ منهما سلطةٌ على الإنسان كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢]. فالإنسان مخير أن يؤمن أو يكفر، أو يطيع أو يعصي: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. فمن آمن بالله فهو أسعد الناس، ومن كفر به فهو أشقى الناس. وفي القلب نوايا لا يعلمها الملك ولا الشيطان، والحكمة من اقتران الملك والشيطان بالإنسان، أن نعلم بأن الله خلق الإنسان متحركًا، فهو إما أن يستجيب لإلهام الملك، أو لوسوسة الشيطان، فإن استجاب للشيطان فهذا من اختيار الإنسان وصنعه، فهو اختار المعصية والشيطان زينها له: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣]. وإن أطاع الله فبفضل الله ، والملك أعانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]. والإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان، وأحد أركان ضبط حركة الإنسان في تصرفاته، فمن آمن بالملائكة وبوجودهم استحيا من الله، واستحيا من الملائكة الذين يسمعونهن ويسجلون كلامه، فاستحيا من الملائكة أن

стр. 286

يعصي الله، والشيطان يجعل الإنسان مجاهدًا يجاهد نفسه وعدوه، ويحذر من عدوه دائمًا، فهو ملازمٌ لإيمانه، ولطاعة مولاه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الجميلة والمثل الأعلى. والإيمان بالله يتطلب معرفة سبعة أمور: ١ - معرفة الله. ٢ - ومعرفة أسمائه. ٣ - ومعرفة صفاته. ٤ - ومعرفة أفعاله .... ٥ - ومعرفة خزائنه. ٦ - ومعرفة وعده. ٧ - ومعرفة وعيد. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والله هو الواحد القهار، وحده لا شريك له، فهو الواحد الأحد، القادر على كل أحد، المالك لكل أحد، الغني عن كل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. فهو سبحانه القاهر فوق عباده، العالي بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله على كل ما سواه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].

стр. 287

هو وحده قاهر العدم بالإيجاد، وقاهر الموجود بالعدم، وقاهر النور بالظلام، وقاهر الظلام بالنور، وقاهر الليل بالنهار، وقاهر النهار بالليل: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾ [الزمر: ٤ - ٥]. هو سبحانه القهار الذي قهر هذا التراب فجعله إنسانًا يفكر ويعقل، ويسمع ويبصر، ويضحك ويبكي. هو سبحانه القهار الذي خلق كل المخلوقات، وقهرها على ما أراد، وقهر بعضها ببعض، قهر الرياح بالجبال التي تصدها، وقهر الجبال بالحديد الذي يكسرها، وقهر الحديد بالنار التي تذيبه، وقهر النار بالماء الذي يطفئها، وقهر الماء بالهواء الذي يصرفه، وقهر الهواء بأقطار السماوات والأرض التي تحيط به، ثم قهر الكل، لأنه وحده القاهر لكل قاهر ومقهور: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]. هو القهار ﷻ الذي يدمر من أصر على كفره بعد إنذاره: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. فسبحان قاهر الأحياء بالموت، وقاهر الأرواح في الأجساد، لا إله غيره، ولا رب سواه، يفعل بالأسباب، ويفعل بدون الأسباب ويفعل بضد الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].

стр. 288

والأسباب عطاءٌ من الله، لا تفعل بذاتها، خلقها الله إظهارًا لقدرته، وجعلها تفعل في الظاهر ابتلاءً لعباده، فالله وحده هو الفعال الذي بيده الخلق والأمر والملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. والأسباب مخلوقة، تأتي المسببات معها لا بها، لأنها مخلوقة، والمخلوق لا يخلق المخلوق، والمفعول لا يكون فاعلاً والله هو الفعال وحده لا شريك له، والأسباب والمخلوقات مخلوقاتٌ لله، لا شريكةٍ لله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ومن ظن أن الأسباب بسبب قوتها تفعل، وغفل عن قوة خالقها، وأن المسببات تنشأ بها لا معها، فقد جعلها شريكةً لله في الخلق والأمر: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣]. فالأسباب مملوكة، تأتي المسببات معها لا بها، بدليل أن الأسباب تأتي بالمسببات أحيانًا، وأحيانًا لا تأتي بها؛ لأن الله لم يُرد ذلك منها، فقد تمطر السماء ولا تنبت الأرض، وقد ينكح الرجل زوجته ولا تنجب، وكذا الشجرة قد تثمر وقد لا تثمر؛ لأن الأمر كله بيد واحد، والمفتاح بيد واحد، هو الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]. فسبحان من بيده الخلق والأمر، والتدبير والتصريف: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي

стр. 289

اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]. والله هو القادر على كل شيء، يفعل بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. فالله يفعل بالأسباب، كما ينزل المطر على الأرض، فتنبت من كل زوجٍ بهيج، ويفعل بدون الأسباب: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧]. ويفعل بدون الأسباب: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠]. ويفعل بضد الأسباب كما جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]. والمؤمن يرى الأسباب عطاءً من الله، والله خالقها، وهو المتصرف فيها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. والله هو العلي وقد ذكر الله هذا الاسم العظيم في أعظم آية في القرآن - وهي آية الكرسي كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ

стр. 290

عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والله ﷻ هو العلي المتعالي، هو العلي العالي الأعلى فوق كل شيء، العلي بذاته، العلي بأسمائه، العلي بصفاته، العلي بأفعاله، فلا أحد مثله، تعالى عن كل ما سواه من المخلوقات، العلي عن الصاحبة والولد وكل ما يحتاجه البشر، الغني عن كل أحد، الذي يحتاجه كل أحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. هو سبحانه العلي الأعلى، الذي رفع وأعلى من آمن به، وخفض من كفر به: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. فسبحان العلي الأعلى العالي فوق جميع مخلوقاته، والعلي والأعلى اسمان من أسماء الله، دالةٌ على إثبات العلو لله، والمتعال عن النقائص وعما لا يليق بجلاله، فالله عليٌ على كل أحد، متعالٍ عن كل نقصٍ وعيب. والله سبحانه هو الملك الحق، ومن خصائص الملك الأمر والنهي، والعطاء والمنع، والتدبير والتصريف، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣].

стр. 291

وأنواع علو الله أربعة: الأول: علو الذات، فهو سبحانه عالٍ على جميع مخلوقاته، مستوٍ على عرشه العظيم، ظاهرٌ فوق كل شيء، ومع علوه الأعلى فهو قريبٌ من داعيه وعابديه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. الثاني: علو القدر، عزة الله لا نهاية لها، وقدر الله لا نهاية له، وكبرياء الله لا نهاية له، فله العلو في العظمة والكبرياء، وله العلو في الجمال والجلال، وله العلو في العلم والرحمة، وغيرها من صفات الكمال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. الثالث: علو القهر، فهو القاهر سبحانه فوق عباده، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا قاهر غيره: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤]. وكل ما سواه مقهور. الرابع: علو التعالي: الله متعالٍ عن كل نقص، وعن كل عيب، وعن كل شبيه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩]. من أعظم روافد الإيمان وزيادته معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله. وأسماء الله توقيفية، وأسماء الله أعلامٌ وأوصاف. فكل أسماء الله تدل على ذاته، ولكل اسمٍ معنىً خاصٌ يُطلق على الله ، فكل اسمٍ من أسماء الله الحسنى متضمنٌ لصفة، ولا عكس، فليس كل صفة يؤخذ منها اسم، ولكن كل اسمٍ لله متضمنٌ لصفة من صفاته، فالعزيز اسمٌ متضمنٌ لصفة العزة، والرحمن اسمٌ متضمنٌ للرحمة، والغفور اسمٌ متضمن للمغفرة، وهكذا ..

стр. 292

والله وصف نفسه بأنه ينزل الغيث، ويمكر، ويكتب، فيوصف بذلك ولا يسمى به، وإذا ثبت الاسم لله بالنص، جاز لنا أن نشتق منه صفةً فقط إن كان لازمًا، كالواحد والأول، ونشتق منه صفةً وفعلًا إن كان الفعل متعديًا، فالرحمن اسمٌ نشتق منه صفة الرحمة، ونثبت الفعل لله بأنه يرحم، وإذا كان الفعل لازمًا أخذنا منه صفةً فقط، فالله واحد، فنصفه بالوحدانية وهكذا. وأسماء اله نوعان: مطلقة .. ومقيدة أو مضافة. فالمطلقة كالعزيز والرحمن والقوي والكبير والخالق وأمثالها. والمقيدة والمضافة كمالك الملك، بديع السماوات والأرض، جامع الناس، خير الغافرين، خير الرازقين، خير الفاتحين، سريع الحساب، علام الغيوب وأمثالها. فما ورد مطلقًا نطلقه على الله مطلقًا، ونناديه به، وما ورد مقيدًا نسمي الله به مقيدًا كما جاء في القرآن. أما ضوابط إطلاق الاسم على الله فهي ثلاثة: الأول: أن يكون الاسم واردًا في القرآن الكريم، أو السنة الصحيحة. الثاني: أن يكون مفردًا غير مقيدٍ ولا مضاف. الثالث: أن يتضمن صفة مدحٍ وثناءٍ على الله بنفسه. وإحصاء أسماء الله الحسنى له أربع مراتب: الأولى: عدها وحفظها واستحضارها بالقلب. الثانية: فهم معانيها.

стр. 293

الثالثة: معرفة آثارها في الكون، فالخالق يدل على أنه خلق جميع المخلوقات. والرابعة: دعاء الله بها، والتعبد له بمقتضاها، وشهود آثارها في الكون. ودعاء الله بها له مرتبتان: دعاء حمدٍ وثناءٍ وعبادة، ودعاء طلبٍ ومسألة. فلا يُثنى على الله إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. والله وترٌ يحب الوتر، والوتر أفضل من الشفع؛ لأن الوتر من صفات الخالق، والشفع من صفات المخلوق، والشفع يحتاج إلى الوتر، والوتر لا يحتاج إلى شفع: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». أخرجه مسلم (١).

стр. 294

٧ - الخزانة السابعة • فقه أسماء الله الحسنى: أعظم أركان الإيمان هو الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأسماء الله وصفاته كلها حسنى، وهي بالغةٌ في الحسن والجمال كماله ومنتهاه، فلا أحسن منها بوجهٍ من الوجوه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. فأسماء الله أحسن الأسماء، وصفاته أحسن الصفات، وأقواله أحسن الأقوال، وأفعاله أحسن الأفعال، ومخلوقاته أحسن المخلوقات، وأحكامه أحسن الأحكام، وشرائعه أحسن الشرائع، وكتبه أحسن الكتب، ورسله أحسن الرسل، وأوامره أحسن الأوامر، وثوابه أحسن الثواب، وعقابه أحسن العقاب: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥] وأسماء الله كلها حسنى لأنها تدل على صفات الكمال والجمال والجلال لله ، فهي أسماء مدحٍ وحمدٍ وثناء، وأسماء تمجيدٍ وتعظيمٍ وإجلال، وأسماء رحمةٍ ولطفٍ وإحسان: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. والله ﷻ لجلاله وجماله، وعظمته وكبريائه، وإحسانه وإنعامه، لا يُسمى إلا بأحسن الأسماء، ولا يوصف إلا بأحسن الصفات، ولا يحمد إلا بأحسن المحامد، ولا يعبد إلا بأحسن العبادات: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].

стр. 295

وأسماء الله الحسنى وصفاته العلى كثيرة، ليس لها حصر، ولا تُحدُّ بعددٍ معين، ولا يحيط بعلمها إلا الرب الذي تسمى بها واتصف بها ﷻ ، وتقدست أسماؤه، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه. قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. وأسماؤه كلها حسنى، ولهذا أمرنا الله بمعرفتها وتوحيد الله بها، والتعبد لله بموجبها، ودعاء الله بها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. وأسماء الله من حيث العلم بها ثلاثة أقسام: منها أسماء استأثر الله بعلمها، فلم يطلع عليها أحدًا من خلقه، ومنها ما علمه الله بعض خلقه ولم ينزله في كتابه، ومنها ما بينه في كتابه أو سماه به رسوله ﷺ في سنته. ولله من الأسماء الحسنى تسعةٌ وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدة، من أحصاها وحفظها وعمل بمقتضاها ودعا الله بها، أدخله الله الجنة: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». متفقٌ عليه (١).

стр. 296

وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحاً "، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟، فَقَالَ: بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا». أخرجه أحمد (١). معرفة أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الكبرى، في باب التوحيد والإيمان بالله، بمنزلة الرأس من الجسد، وأسماء الله وصفاته توقيفية، فنُثبت لله من الأسماء والصفات والأفعال ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله ﷺ في سنته، وننفي عن الله من الأسماء والصفات والأفعال ما نفاه عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ في سنته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فلا نتجاوز القرآن والحديث، ولا نقول على الله بلا علم، ولا نعمل إلا بما أنزل الله، ولا نقول على الله غير الحق: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].

стр. 297

وأسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في القرآن والسنة نؤمن بها كلها، ونعبده بموجبها، وأسماء ربنا أحسن الأسماء، وصفات ربنا أحسن الصفات، وأفعال ربنا أحسن الأفعال، وصفات ربنا أوسع من أسمائه، وأفعاله أوسع من أسمائه وصفاته، وأسماؤه وصفاته وأفعاله كلها دالةٌ على ذاته وجلاله وجماله وكماله. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وأسماء الله كلها مترادفة في الدلالة على الذات، متباينةٌ في الدلالة على الصفات، لدلالة كل اسمٍ منها على معنًى خاصٍ مستفادٍ منه، كالعظيم والكبير والعزيز والخالق والرزاق والكريم وغيرها من الأسماء الحسنى. فكل أسماء الله الحسنى تدل على ذات الله، ويسمى الله بها، وتدل على الصفات المتعددة للرب، كالخلق، والتصوير، والعلم، والقدرة، والرزق، والكرم ونحو ذلك، فأسماء الله الحسنى أعلامٌ وأوصاف، فهي أعلامٌ باعتبار دلالتها على الذات. وأوصافٌ باعتبار ما دلت عليه من المعاني من صفات الجلال والجمال، فالحي القيوم، والسميع البصير، والعزيز العليم، وغيرها من الأسماء الحسنى كلها أسماءٌ لمسمى واحد وهو الله سبحانه، لكن للحي معنًى خاص، وللقيوم معنًى خاص، وللسميع معنىً خاص، فالحي يدل على صفة الحياة، والسميع يدل على صفة السمع، والعليم يدل على صفة العلم، والرزاق يدل على صفة الرزق، وهكذا. وأسماء الله الحسنى كما أنها متعددة فهي كذلك متفاضلةٌ في المعاني، وفيها اسم الله الأعظم الذي أخفاه الله في أسمائه الحسنى، ليتعبد

стр. 298

الخلق بجميع أسماء الله الحسنى، ويدعونه بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقد سمع النبي ﷺ رجلًا يدعو وهو يقول: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فقال رسول الله ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى». أخرجه الترمذي وابن ماجة بسندٍ صحيح (١). وأسماء الله الحسنى من حيث دلالتها قسمان: الأول: الأسماء الدالة على صفة ذاتية لازمة، وهي كل اسمٍ لا يتعدى أثره فاعله، ولا يتجاوزه إلى المفعول به، ومن هذه الأسماء: الواحد، الأحد، العلي، العظيم، الكبير، الوتر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، وأمثالها. فما كان من هذه الأسماء فإنه يتضمن أمرين: ثبوت ذلك الاسم لله .. وثبوت الصفة التي تضمنها. فالواحد مثلًا يتضمن إثبات الواحد اسمًا لله، وإثبات الوحدانية صفةً له، والعظيم يتضمن إثبات العظيم اسمًا لله، وإثبات العظمة صفةً له، وهكذا في بقية الأسماء. الثاني: الأسماء الدالة على صفة فعلية متعدية من الخالق إلى المخلوق، ومن الفاعل للمفعول، ومن الملك إلى المملوك، ومن هذه الأسماء:

стр. 299

الخالق، البارئ، المصور، العفو، الغفور، الكريم، الرحيم، الرحمن، التواب، الرزاق، السميع، البصير، الرب، الفتاح، اللطيف، وأمثالها. وما كان من هذه الأسماء فإنه يتضمن ثلاثة أمور: o ثبوت ذلك الاسم لله. o وثبوت الصفة التي تضمنها. o وثبوت حكمها ومقتضاها. فالرحيم مثلًا يتضمن إثبات الرحيم اسمًا لله، وإثبات الرحمة صفةً لله، وإثبات مقتضاها وهو أن الله يرحم من يشاء. وهكذا في بقية الأسماء من هذا النوع. والفرق بين الصفات الذاتية والفعلية: أن الصفات الذاتية كالحي، السميع، البصير، لا تعلُّق لها بالمشيئة، فهي صفاتٌ ذاتيةٌ لازمة للرب لا تنفك عنه. والفعلية هي التي لها تعلقٌ بالمشيئة، إن شاء الله فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالخلق، والرزق مثلًا. فالحي صفة ذاتية لا تنفك عن الله أبدًا، أما الخلق فهي صفةٌ فعلية، فالله يخلق ما يشاء، متى شاء، على أي صورة شاء، في أي وقتٍ شاء. وصفة الذات لا يوجد لها مقابل في الأسماء، وصفات الفعل هي التي يوجد لها مقابل في الأسماء، فإذا قلنا: الله حي، فهي صفةٌ ذاتيةٌ لازمة، وإذا قلنا: الله يحيي، فهي صفة فعلٍ، لأنها تقتضي أن يكون مميتاً: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾ [يونس: ٥٦]. والله هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى في السماوات والأرض.

стр. 300

قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ [النحل: ٦٠]. واسم الله مشتقٌ من الإله، فالله مألوهٌ محبوبٌ مستحقٌ للعبادة وحده لا شريك له، فهو الرب المألوه المعبود الذي تألهه الخلائق وتحبه وتعظمه، وتخضع له، وتفزع إليه وحده في جميع حوائجها، لجلاله وجماله وكماله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. والرب هو السيد ومالك الشيء، ولا يقال الرب مطلقًا إلا لله وحده؛ لأنه المتكفل بكل مربوب خلقًا وتدبيرًا ورعاية، فالرب سبحانه هو الذي يربي خلقه بنعمه وإحسانه، المالك لكل ما سواه، الذي لا شبيه له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الملك الذي له الخلق والأمر في ملكه وسلطانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. والله هو الإله المحبوب المعبود الذي لا تصلح العبادة والذل والحب إلا له وحده لا شريك له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. فهو سبحانه الإله الذي يستحق أن يُؤله ويعبد وحده، الذي تألهه القلوب وتصمد إليه بالحب والتعظيم، والخوف والرجاء، لما له من صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].

стр. 301

والرب سبحانه هو القائم بالخلق والتدبير في ملكه وملكوته، الرب الذي خلق الخلائق وأنشأها، الرب الذي يقوم على هدايتها وإصلاحها وحفظها: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. فالربوبية تقوم على ركنين عظيمين جامعين هما: الأول: خلق الأشياء وإنشاؤها من العدم. الثاني: تدبير الأمر في خلقه، بهدايتهم لمصالحهم، وتصريف أحوالهم، والعناية بهم: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣]. فلا إله إلا الله، ما أظهر الربوبية والألوهية لرب العالمين: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. فالله وحده هو المستحق للعبادة، المألوه الذي تحبه القلوب، وتعظمه وتعبده عن محبة وتعظيمٍ وإجلالٍ، وطاعةٍ وتسليم، فاجتمع الخلق بصفة الربوبية، فالله رب كل أحدٍ وخالقه ورازقه، وافترقوا في صفة الإلهية، فآمن بالله، وألهه وأطاعه، وأقر له بأنه الإله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، المؤمنون، وهم الموحدون السعداء، وأشرك به، وكفر به، الأشقياء، فصاروا إلى النار، فالربوبية جمعتهم، لأنه خالقهم ورازقهم وهاديهم ﷻ .

стр. 302

والإلهية فرقتهم، لأن من الخلق من يعبد الله، ومنهم من يعبد الأصنام، والله لا إله غيره، ولا رب سواه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣]. فالله هو الرب الذي يربي جميع خلقه وحده بالنعم المادية والروحية، وهو ملك الناس الذي خلقهم وهم عبيده، والله إله الناس، إلهٌ لمن آمن به وأطاعه، فالله يواليه بالنصرة والرحمة والحفاظة، ومن عصاه وأعرض عنه وكله الله إلى نفسه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. واسم الله دالٌ على جميع الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ولهذا أضاف الله إليه جميع الأسماء الحسنى كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤]. وقد اقترن اسم الله والإله مع معظم الأسماء الحسنى، لأن الألوهية مستلزمه لجميع معاني الأسماء الحسنى، واقترن اسم الرب الذي بكثيرٍ من الأسماء الحسنى، فاقترن معظم أسماء الله الحسنى مع اسم الرب؛ لأن من صفات الرب يستحق أن يعبد كونه سميعًا بصيرًا، قادرًا خالقًا، حيًا قيومًا، كريمًا رحيماً، لطيفًا محسنًا، إلى غير ذلك من الصفات التي تستلزم الربوبية خلقًا ورزقًا ورحمةً وهداية.

стр. 303

والإيمان بالله ربًا وإلهاً يثمر للعبد توحيد الله بأفعاله، وتوحيد الله بأفعال العباد، وعبادته وحده لا شريك له، ويثمر محبة الله محبةً عظيمة أحب من النفس والأهل والمال والولد؛ لأنه الرب الذي يربي عباده بكل نعمة: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. ويكرمهم بكل خيرٍ وإحسان فضلًا منه ورحمة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وذلك يستلزم حب من يحبه الله، وبغض من يبغضه، وحمد الله وتعظيمه بما يليق بجلاله وعظمته وسلطانه وإنعامه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. والإيمان بالله ربًا وإلهاً يثمر التوكل على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، ويثمر التعلق بالله وحده، والشعور بالعزة به، وسقوط الخوف والهيبة من الخلق، فلا يعتز إلا بالله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يتضرع إلا إليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥]. وكلما عرف العبد ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، أثر هذا في دعائه، وقوة رجائه، والوثوق بقدرته، وكفايته وقضاء حاجته، ويثمر طمأنينة القلب وسعادته وأنسه بالله وحده: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وليس في الدنيا نعيمٌ يشبه نعيم الجنة إلا نعيم معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان به، ومحبته، وتوحيده، وتكبيره، وحمده، والثناء عليه.

стр. 304

قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. والله هو الملك الحق، الذي له ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك عالم الغيب وعالم الشهادة: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩]. وله ما في السموات والأرض: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾ [آل عمران: ١٠٩]. وله غيب السموات والأرض: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [هود: ١٢٣]. وله جنود السموات والأرض: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح: ٧]. وله خزائن السموات والأرض: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧]. وله ميراث السموات والأرض: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. وله مقاليد السموات والأرض: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٣]. فلا إله إلا الله ما أعظم ملكه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. فنشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هو ﷻ الإله الحق، المعبود بحق: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].

стр. 305

واسم الله علمٌ على ذات الله، وعلمٌ على أسمائه وصفاته، علمٌ على الملك، وعلمٌ على الخالق، وعلمٌ على الرب، وعلمٌ على العزيز؛ وعلمٌ على الرحمن: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. هو ﷻ الإله العظيم الذي لا أعظم منه، حارت في عظمة ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله الألباب والعقول، فالملك العظيم ملكه، والخلق العظيم له، والأمر كله بيده: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فسبحان من لا نهاية لعظمته، ولا نهاية لجلاله، ولا نهاية لجماله، ولا نهاية لقوته، ولا نهاية لعلمه، ولا نهاية لرحمته، ولا نهاية لملكه، سبحانه هو الواحد القهار. فلا يعطي ولا يمنع إلا الله وحده لا شريك له، ولا يعز ولا يذل إلا الله وحده لا شريك له، ولا يحيي ولا يميت إلا الله وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. فاسم الله مستلزمٌ لجميع معاني أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى، ولهذا كان اسم الله أكثر الأسماء ورودًا في القرآن، فقد ورد قريبًا من ألف مرة،

стр. 306

وأضيفت الأسماء الحسنى إليه، واقترنت به عامة الأدعية والأذكار كسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وغيرها. فالله هو الاسم الأعظم للرب، وجميع الأسماء الحسنى تعود إليه، وجميع القلوب مفطورةٌ على التوجه إليه، والإقرار بعظمته، والحب له، والفزع إليه، والذل بين يديه، والافتقار إليه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وهو الإله المحبوب، الودود، المطاع، المعبود، الحي القيوم، الذي تألهه القلوب وتحبه وتفزع إليه، لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. وكلمة التوحيد " لا إله إلا الله " مشتملةٌ على اسم الله الأعظم، وهي الدين كله، من أجلها خلق الله الخلق، وخلق السماوات والأرض، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشرائع، وخلق الجنة والنار، ونصب الصراط والميزان، ولا إله إلا الله أحسن ما نطق به اللسان، وأعظم ما وقر في القلب، وأفضل ما تعبد به الخلق. ولا إله إلا الله أقوى من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأثقل من كل شيء، فلو أن السماوات السبع والأراضين السبع وما فيهن وما عليهن وما بينهن وضعت في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأراضين السبع كن حلقةً مبهمة، لفصمتهن لا إله إلا الله. وما قال لا إله إلا الله على الحقيقة التامة أحدٌ قط سوى الله ﷻ ، لعلمه بنفسه، وكبر شهادته، ثم الملائكة، لأنهم أقرب خلقه إليه، ثم الأنبياء

стр. 307

والرسل، لأنهم أعرف الخلق بالله، ثم العلماء لأنهم ورثة الرسل، ثم عامة المؤمنين: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨]. فلا إله إلا الله العظيم، وسبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته، ما ذُكِر اسم الله ﷻ على قليلٍ إلا كثّره، ولا عند كربٍ إلا كشفه، ولا عند خوفٍ إلا أزاله، ولا عند همٍ إلا فرجه، ولا عند ضيقٍ إلا وسعه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ [غافر: ٦٢]. وما تعلق بالله ضعيفٌ إلا أفاده القوة، ولا ذليلٌ إلا أناله العزة، ولا مغلوبٌ إلا أيده ونصره، ولا تعلق به مضطرٌ إلا كشف ضره، ولا جاهلٌ إلا علمه، ولا مريضٌ إلا شفاه، ولا فقيرٌ إلا أغناه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. هو الإله الحق الذي خضعت الرقاب لعظمته، وخشعت الأصوات لهيبته، وفطر القلوب على تعظيمه ومحبته والذل له: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].

стр. 308

٨ - الخزانة الثامنة • معرفة الله أعظم أبواب التوحيد والإيمان: الله هو رب العالمين، له الخلق كله، وله الأمر كله، وله الحمد كله، وإليه يُرجع الأمر كله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥]. الله هو رب العالمين، هو رب كل شيء، وخالق كل شيء، ومالك كل شيء، ومقدر كل شيء، ومدبر كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وهو سبحانه الرب العظيم الذي له السؤدد والعزة والعظمة، والعلو والكبرياء، والجبروت والملكوت: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. وهو سبحانه الرب الذي أصلح خلقه، ورباهم بنعمه، الكافل لهم، القائم بمصالحهم، المواليهم بنعمه، كثير الخير والإحسان، فلا إله إلا الله كيف ينصرف العاقل عنه إلى غيره: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. هو الرب العظيم، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، هو الرب العظيم الذي يربي عباده بنعمه المادية والروحية، فله الحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].

стр. 309

وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١]. وهو سبحانه الرب الكريم، الذي يمد أجسامنا وعقولنا وجوارحنا وقلوبنا بما تحتاج إليه من الأقوات: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]. هو سبحانه الرب الخالق الرازق، الذي منه نعمة الخلق والإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهداية والإسعاد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. خلق الإنسان ولم يكن شيئًا من قبل، وأمده بالنعم التي لا تعد ولا تحصى، ثم هداه إليه، من أطاعه كافأه، ومن عصاه أدبه، ومن دعاه استجاب له، ومن استغفره غفر له، فلا تتعلق بأحد سواه: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٧ - ٨٢]. هو سبحانه الرب الحافظ لكل شيء، القريب من كل شيء، الرقيب على كل شيء، البصير بكل شيء، السميع لكل شيء، العليم بكل شيء، الذي له جميع الأسماء الحسنى، وله جميع الصفات العلى، وله المثل الأعلى، لا إله غيره، لا رب سواه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 310

هو الرب العظيم الذي له الخلق والأمر، فهو الرحمن الذي استوى على عرشه العظيم، وتفرد بتدبير ملكه الكبير، وتولى تربية خلقه بكل حال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]. فالخلق كله له، والرزق كله منه، والتدبير كله بيده، ومصير الأمور كلها إليه، ومراسيم التدبير كلها نازلة من عنده، تنفذها وتقسمها ملائكته بأمره، بالعطاء والمنع، والبسط والقبض، والرفع والخفض، والتحريك والتسكين، والإحياء والإماتة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]. هو سبحانه الرب القوي العزيز الكريم، الذي يكشف الكروب، ويرفع البلاء، ويجيب المضطر، ويغيث الملهوف، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩]. فسبحان ربنا العظيم الذي لا إله غيره، ولا رب سواه. الله هو الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا مثيل ولا نظير، الذي توحد بجميع الكمالات وحده لا شريك له، وهو الأحد الذي لا شبيه له ولا مثيل ولا شريك، وهو الوتر الفرد الذي لا شريك له ولا مثيل، فهو الوتر وجميع خلقه شفع، خلقوا أزواجًا: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات: ٤٩]. سبحانه هو الله الواحد القهار، فالقهر ملازمٌ للوحدانية، فالقاهر لا يكون إلا واحدًا، والواحد لا يكون إلا قاهرًا، فالذي يقهر جميع المخلوقات هو

стр. 311

الواحد الذي لا نظير له، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، لأنه الواحد الأحد القاهر القهار وحده لا شريك له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. هو ﷻ الواحد الأحد بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، هو الواحد الأحد الذي لا قسيم له، هو الواحد الأحد الذي لا شريك له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وملكه وسلطانه، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا نعبد إلا إياه، سبحانه هو الله الواحد القهار، هو الرب الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. والمؤمن حقًا من يرى أن الله وحده بيده الخير، وبيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، وهذا هو التوحيد المطلوب من البشر، توحيد الرب بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وتوحيده بأفعال العبد من صلاةٍ ودعاءٍ وذكرٍ وغيرها: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. ومن خرج عن هذا التوحيد وقع في آلامٍ وهمومٍ لا تحتمل، وفتح على نفسه أبواب شقاءٍ لا نهاية له: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. والتوحيد هو الذي فيه الفوز والنجاة فقط، ألّا ترى مع الله أحدًا فتعبده وحده، ولا تلتفت إلى أحدٍ سواه، وأن ترى كل شيءٍ في أقداره وأحكامه ينتهي إلى خير: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].

стр. 312

والله ﷻ هو الواحد الأحد الذي ليس له شريك، فهو واحدٌ في ذاته لا شريك له، واحدٌ في أسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له، واحدٌ في إلوهيته وعبوديته فلا شريك له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. والتوحيد أن تؤمن بالله ربًا وإلهًا واحدًا لا شريك له، وتتيقن أن الله وحده بيده كل شيء وغيره ليس بيده شيء فتعبده وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. واعلم أيها العبد أن نهاية العلم التوحيد، والتوحيد أفضل ما تعلمه العبيد، وأوجب شيءٍ على المخاليق: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. والتوحيد مأخوذٌ من اسم الله الواحد، وهو قسمان: الأول: توحيد الربوبية، وهو توحيد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، بأن تؤمن أن الله وحده لا شريك له ولا مثيل له في أسمائه وصفاته وأفعاله، واحدٌ لا شريك له في خلقه وتدبيره وأمره وملكه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. الثاني: توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد، بأن تؤمن أن الله وحده هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وتعبده بما شرع، ولا تعبد

стр. 313

معه أحدًا غيره، لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. فلا إله إلا الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. فسبحان الواحد الأحد الذي تناهى في عظمته وسؤدده، فلا شريك له ولا مثيل، الواحد الذي يكفيك من كل أحد، وكل أحد لا يكفيك من الواحد الأحد، الأحد الذي يحتاجه كل أحد، الواحد الذي لا يحتاج إلى أحد: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. فلا تدع مع الله إلهاً أخر: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [الإسراء: ٣٩]. تطيع الله مرة وتطيع هذا الإله مرة: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. الله واحدٌ أحد لا ثاني له، لا شريك له، لا مثيل له، هو الغني وحده لا شريك له، فتوجه إليه واعبده وحده لا شريك له: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥١ - ٥٣]. فاعبد الواحد الأحد الذي بيده جميع الأمور وحده لا شريك له: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣]. ودلائل وحدانيته ﷻ شائعةٌ في مخلوقاته في السماوات والأرض وشواهدها ظاهرةٌ، ورسومها بينةٌ ناطقة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ

стр. 314

فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨]. اللهم ارزقنا كمال التوحيد والإيمان: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]. الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، هو الأول الذي ليس قبله شيء، الذي لا ابتداء لوجوده، الآخر الذي ليس بعده شيء، الذي لا نهاية لوجوده، الظاهر فوق كل شيء الذي ليس فوقه شيء، الأعلى فوق كل شيء، الباطن دون كل شيء، العليم بكل شيء: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. هو الأول فليس قبله شيء، لم يزل كذلك أولًا، ولا يزال كذلك أبدا، له سبحانه أولية الشرف والسؤدد، وله أولية الجمال والجلال، وله الأولية في المراتب والمعالي كلها؛ لأنه العظيم الذي له جميع الأسماء الحسنى بحقائقها، وجميع الصفات العلى بكمالها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. هو سبحانه الخالق الأول، الرازق الأول، المحبوب الأول، المطلوب الأكبر، المبتغى الأعلى، الكبير الذي إليه المنتهى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ٤ - ٥]. هو سبحانه الأول قبل الأشياء، الباقي بعد فناء الأشياء، الذي كتب كل أولٍ وآخر، وخلق كل أولٍ وآخر، وملك كل أولٍ وآخر، وأعطى كل أولٍ وآخر.

стр. 315

قال رسول الله ﷺ : «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ». أخرجه البخاري (١). هو سبحانه أول الأولين فلا شيء قبله، وهو آخر الآخرين فلا شيء بعده، وهو سبحانه الأول الذي ابتدأ خلق كل شيء، الأول الذي أوّل الأول من المخلوقات، والآخر الذي أخّر الآخر من المخلوقات، وهو إله الأولين والآخرين ورب الخلق أجمعين: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. هو الأول بلا بداية، وهو الآخر بلا نهاية، ليس كمثله شيء في جميع ما يوصف به من كل شيء يليق بجلاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. هو الأول والآخر في الأسماء الحسنى، الأول والآخر في الصفات العلى، الأول والآخر في الجمال والجلال، الأول والآخر في الإحسان والإنعام، الأول والآخر في العدل والإحسان، الأول والآخر في الإيجاد والإمداد، الأول والآخر في التصريف والتدبير: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. هو الأول والآخر في القوة، الأول والآخر في العلم، الأول والآخر في الملك، الأول والآخر في الرحمة، هو الأول في العظمة والكبرياء، الآخر في العظمة والكبرياء، هو الأول في الجلال والجمال، والآخر في الجلال والجمال، هو الأول بإحسانه، الآخر بإحسانه، هو الأول والآخر في الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].

стр. 316

هو الأول والآخر الذي أحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فسبق كل شيءٍ بأوليته، وبقي بعد كل شيءٍ بآخريته، وهو الظاهر والباطن الذي أحاط بكل ظاهرٍ وباطن، فما من ظاهرٍ إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، الذي علا فوق كل ظاهر، ودنا من كل شيءٍ باطن، الظاهر بعلوه وعظمته، الباطن في قربه ودنوه. هو الأول والآخر الذي أحاطت أوليته وآخريته بالزمان كله، الظاهر والباطن الذي أحاط بظاهريته وباطنيته بالمكان كله. فسبحان المحيط الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا، المحيط بجميع الزمان والمكان: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. هو الأول والآخر الذي لا ابتداء لوجوده، الآخر الذي لا انتهاء لوجوده، الظاهر الذي علا كل شيء، الباطن الذي دنا من كل شيء، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، وما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. الله وحده هو الأول، والآخر، لأن الأمر منه ابتدأ وإليه يرجع، فما أسعد من آمن بالله، وأخلص عمله لربه، وسارع إلى السبق في كل فضيلة، وابتعد عن كل معصية ورذيلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].

стр. 317

هو سبحانه الأول والآخر الذي جميع الخيرات والبركات جاءت منه، والغايات والنهايات كلها تنتهي إليه، وليس له سبحانه غاية ولا نهاية، لا في وجودٍ، ولا مزيد فضلٍ، ولا نهاية لحمده وعطائه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]. كلما ازداد العبد له شكرًا زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة زاده مثوبة، وكلما ازداد العبد لله قربًا اقترب منه أكثر، وكلما ازداد له ذكرًا ذكره ربه أكثر، عظيمٌ كريمٌ لا يقف على غايةٍ ولا نهايةٍ أبدًا، فالمؤمنون في الدنيا والآخرة في مزيد فضله الدائم بلا انتهاء: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]. هو ﷻ أول كل شيءٍ وآخره، هو المبتدئ بالفضل والإحسان حيث لا سبب ولا وسيلة، وكما أن الله هو رب كل شيءٍ وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح ولا فلاح إلا بأن يكون الله وحده غايته ونهايته ومقصودة: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]. فالتوحيد أصل كل خير، والشرك أصل كل شر: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. إن معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أعظم روافد الإيمان، وأفضل السبل لزيادة الإيمان، وذوق حلاوته، وأيسر الطرق للوصول إلى حقيقة التوحيد والإيمان، وصدق العبودية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 318

وأحب عباد الله إليه وأكرمهم عليه هم أهل هذه المعرفة؛ لأنهم في رياض معرفته حاضرون، وإلى جماله وجلاله ناظرون، وبأوامره الملكية الشرعية يعملون، إن نظروا إلى صفات جلاله هابوه، وإن نظروا إلى صفات جماله أحبوه، وإن نظروا إلى شدة نقمته خافوه، وإن نظروا إلى سعة رحمته رجوه وأنابوا إليه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فمن سار إلى الله باسمٍ من أسمائه الحسنى وصل إليه، ومن تعلق بصفةٍ من صفاته العلى أخذت بيديه حتى تدخله عليه بكمال الحب والتعظيم والذل له، فحياة القلوب في معرفته ومحبته وتعظيمه، وحياة الجوارح في التقرب إليه بالعبادة بما شرع، وحياة اللسان بدوام ذكره وشكره والثناء عليه والدعوة إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. ومن أيقن أن الله هو الأول فوض الأمور كلها إليه، وتوكل عليه وحده، ولم يلتفت إلى غيره، ومن أيقن أن الله هو الآخر أيقن أن الأمور كلها أولها وآخرها بدأت منه، وترجع إليه، فلا يلتفت إلى أحدٍ سواه. وهذان الاسمان الأول والآخر يوجبان للعبد الاضطرار إلى الله، ودوام الافتقار إليه، فهو الأول المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وهو الآخر الذي ينتهي به كل شيء. ومن أيقن أن الله هو الظاهر قصده وصمد إليه في جميع حوائجه، ومن أيقن أن الله هو الباطن علم قربه منه فاستحيا منه، لكثرة نعمه عليه، وكثرة

стр. 319

معصيته له، وأحبه وخافه ورجاه لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. لهذا معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله في باب التوحيد، وباب الإيمان، بمنزلة الرأس من الجسد، فالله له الأسماء الحسنى والصفات العلى. ومن أسمائه الحسنى الكبير ﷻ ، فهو الكبير الذي كل شيءٍ دونه، ولا شيء أعظم منه، الكبير الأكبر في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الذي صغر دون جلاله كل كبير: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. هو الكبير الذي كبر وتكبر عن التشبه بالمخلوقين، وكبر عن المثيل والشبيه والنظير، وكبر عن صفات النقص والعيب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. هو الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الذي من كبريائه وعظمته أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطوياتٌ بيمينه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. والكبرياء لله تتضمن العظمة، والكبرياء أعظم منها، واسم الله الكبير الصفة المشتقة منه هي الكبر: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. ومن عرف أن ربه هو الكبير أكثر من تكبيره، وعظم أوامره، وخاف منه وخشع له، وأحبه ومجده، وأفرده بالعبادة، وأطاع أمره، واجتنب نهيه، وانقاد لحكمه، وعظّم أوامره وحرماته: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].

стр. 320

فسبحان العلي الكبير الذي كبر وعلا في ذاته فلا أكبر ولا أعظم منه، وسبحان الكبير في صفاته، فصفاته كلها صفات كمالٍ وعظمةٍ وجلالٍ وجمال، وسبحان الكبير في أفعاله، فعظمة آياته ومخلوقاته تشهد بجلال أفعاله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧]. هو ﷻ الكبير العلي العظيم، ذو الجلال والكبرياء، الذي صغر دون جلاله وعظمته كل كبير، فلا إله إلا الله الكبير الذي له العظمة والجبروت، والإكبار والإجلال، والملك والسلطان، في السماوات والأرض: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. هو الكبير الذي كبر وتعالى عن جميع النقائص والعيوب والمساوئ، الكبير الذي كبر وعلا عن عبادة ما سواه، فلا يقبل أن يعبد معه غيره، الذي كبر عن الشبيه والمثيل، الكبير المصرف عباده على ما يريد من خلقٍ وتدبير وأمرٍ ونهي، لا يقضى دونه أمر ولا يرد حكمه أحد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣]. هو الكبير الذي كبر عن كل سوءٍ وشرٍ وظلم، والكبير في علوّه، العلي في كبريائه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦١ - ٦٢]. وجلا الله وكبرياؤه لا يعلمه إلا هو، ولا يدرك كنه ذلك أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فالعز إزاره، والكبرياء رداؤه فمن نازعه فيهما عذبه
следующие страницы →