← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هو الأول والآخر الذي أحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فسبق كل شيءٍ بأوليته، وبقي بعد كل شيءٍ بآخريته، وهو الظاهر والباطن الذي أحاط بكل ظاهرٍ وباطن، فما من ظاهرٍ إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، الذي علا فوق كل ظاهر، ودنا من كل شيءٍ باطن، الظاهر بعلوه وعظمته، الباطن في قربه ودنوه. هو الأول والآخر الذي أحاطت أوليته وآخريته بالزمان كله، الظاهر والباطن الذي أحاط بظاهريته وباطنيته بالمكان كله. فسبحان المحيط الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا، المحيط بجميع الزمان والمكان: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. هو الأول والآخر الذي لا ابتداء لوجوده، الآخر الذي لا انتهاء لوجوده، الظاهر الذي علا كل شيء، الباطن الذي دنا من كل شيء، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، وما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. الله وحده هو الأول، والآخر، لأن الأمر منه ابتدأ وإليه يرجع، فما أسعد من آمن بالله، وأخلص عمله لربه، وسارع إلى السبق في كل فضيلة، وابتعد عن كل معصية ورذيلة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].

стр. 317

هو سبحانه الأول والآخر الذي جميع الخيرات والبركات جاءت منه، والغايات والنهايات كلها تنتهي إليه، وليس له سبحانه غاية ولا نهاية، لا في وجودٍ، ولا مزيد فضلٍ، ولا نهاية لحمده وعطائه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]. كلما ازداد العبد له شكرًا زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة زاده مثوبة، وكلما ازداد العبد لله قربًا اقترب منه أكثر، وكلما ازداد له ذكرًا ذكره ربه أكثر، عظيمٌ كريمٌ لا يقف على غايةٍ ولا نهايةٍ أبدًا، فالمؤمنون في الدنيا والآخرة في مزيد فضله الدائم بلا انتهاء: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]. هو ﷻ أول كل شيءٍ وآخره، هو المبتدئ بالفضل والإحسان حيث لا سبب ولا وسيلة، وكما أن الله هو رب كل شيءٍ وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح ولا فلاح إلا بأن يكون الله وحده غايته ونهايته ومقصودة: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]. فالتوحيد أصل كل خير، والشرك أصل كل شر: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. إن معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أعظم روافد الإيمان، وأفضل السبل لزيادة الإيمان، وذوق حلاوته، وأيسر الطرق للوصول إلى حقيقة التوحيد والإيمان، وصدق العبودية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 318

وأحب عباد الله إليه وأكرمهم عليه هم أهل هذه المعرفة؛ لأنهم في رياض معرفته حاضرون، وإلى جماله وجلاله ناظرون، وبأوامره الملكية الشرعية يعملون، إن نظروا إلى صفات جلاله هابوه، وإن نظروا إلى صفات جماله أحبوه، وإن نظروا إلى شدة نقمته خافوه، وإن نظروا إلى سعة رحمته رجوه وأنابوا إليه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فمن سار إلى الله باسمٍ من أسمائه الحسنى وصل إليه، ومن تعلق بصفةٍ من صفاته العلى أخذت بيديه حتى تدخله عليه بكمال الحب والتعظيم والذل له، فحياة القلوب في معرفته ومحبته وتعظيمه، وحياة الجوارح في التقرب إليه بالعبادة بما شرع، وحياة اللسان بدوام ذكره وشكره والثناء عليه والدعوة إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. ومن أيقن أن الله هو الأول فوض الأمور كلها إليه، وتوكل عليه وحده، ولم يلتفت إلى غيره، ومن أيقن أن الله هو الآخر أيقن أن الأمور كلها أولها وآخرها بدأت منه، وترجع إليه، فلا يلتفت إلى أحدٍ سواه. وهذان الاسمان الأول والآخر يوجبان للعبد الاضطرار إلى الله، ودوام الافتقار إليه، فهو الأول المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وهو الآخر الذي ينتهي به كل شيء. ومن أيقن أن الله هو الظاهر قصده وصمد إليه في جميع حوائجه، ومن أيقن أن الله هو الباطن علم قربه منه فاستحيا منه، لكثرة نعمه عليه، وكثرة

стр. 319

معصيته له، وأحبه وخافه ورجاه لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. لهذا معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله في باب التوحيد، وباب الإيمان، بمنزلة الرأس من الجسد، فالله له الأسماء الحسنى والصفات العلى. ومن أسمائه الحسنى الكبير ﷻ ، فهو الكبير الذي كل شيءٍ دونه، ولا شيء أعظم منه، الكبير الأكبر في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الذي صغر دون جلاله كل كبير: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. هو الكبير الذي كبر وتكبر عن التشبه بالمخلوقين، وكبر عن المثيل والشبيه والنظير، وكبر عن صفات النقص والعيب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. هو الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الذي من كبريائه وعظمته أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطوياتٌ بيمينه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. والكبرياء لله تتضمن العظمة، والكبرياء أعظم منها، واسم الله الكبير الصفة المشتقة منه هي الكبر: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. ومن عرف أن ربه هو الكبير أكثر من تكبيره، وعظم أوامره، وخاف منه وخشع له، وأحبه ومجده، وأفرده بالعبادة، وأطاع أمره، واجتنب نهيه، وانقاد لحكمه، وعظّم أوامره وحرماته: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].

стр. 320

فسبحان العلي الكبير الذي كبر وعلا في ذاته فلا أكبر ولا أعظم منه، وسبحان الكبير في صفاته، فصفاته كلها صفات كمالٍ وعظمةٍ وجلالٍ وجمال، وسبحان الكبير في أفعاله، فعظمة آياته ومخلوقاته تشهد بجلال أفعاله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧]. هو ﷻ الكبير العلي العظيم، ذو الجلال والكبرياء، الذي صغر دون جلاله وعظمته كل كبير، فلا إله إلا الله الكبير الذي له العظمة والجبروت، والإكبار والإجلال، والملك والسلطان، في السماوات والأرض: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. هو الكبير الذي كبر وتعالى عن جميع النقائص والعيوب والمساوئ، الكبير الذي كبر وعلا عن عبادة ما سواه، فلا يقبل أن يعبد معه غيره، الذي كبر عن الشبيه والمثيل، الكبير المصرف عباده على ما يريد من خلقٍ وتدبير وأمرٍ ونهي، لا يقضى دونه أمر ولا يرد حكمه أحد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣]. هو الكبير الذي كبر عن كل سوءٍ وشرٍ وظلم، والكبير في علوّه، العلي في كبريائه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦١ - ٦٢]. وجلا الله وكبرياؤه لا يعلمه إلا هو، ولا يدرك كنه ذلك أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فالعز إزاره، والكبرياء رداؤه فمن نازعه فيهما عذبه

стр. 321

كما قال النبي ﷺ : «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ». أخرجه مسلم (١). فالله هو الكبير المتكبر الذي له الكبرياء في العالم العلوي والعالم السفلي، الكبير الذي لا نهاية لكبريائه وعظمته، فهو سبحانه الكبير وحده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، والكبير الأكبر من كل شيء ذاتًا وقدرًا وشأنًا وعزةً وجلالًا وجمالًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]. فالله هو الكبير وحده لا شريك له، العظيم وحده لا شريك له، ولا حظ للعبد في هذه الاسماء الكبير والعظيم والعزيز، والكبرياء والعظمة والعزة لله وحده، وحظ العبد من ذلك الذلة والافتقار والصغار للكبير وللعظيم وللعزيز، وأن يتصاغر العبد لكبريائه، ويخضع لعظمته، ويذل لعزته، ويسارع إلى طاعته، ولا يستكبر عن عبادته، ويلازم التسبيح والتحميد والتكبير والإجلال لربه الكبير الأكبر المتعال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩]. ومن عرف ربه الكبير خلع عن نفسه أوصاف الربوبية، ولبس رداء العبودية، ومن تكبر عن الحق، وتكبر على الخلق، شقي في الدنيا والآخرة واستغنى الله عنه: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨]. ثم حُرم دخول جنة الخلد كما قال النبي ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». أخرجه مسلم (٢).

стр. 322

٩ - الخزانة التاسعة غذاء القلوب: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله أعظم أبواب التوحيد، وأول العلوم، وأوجب العلوم، وأشرف العلوم، لأنه أساس العبودية، والعلم به يدعو العبد إلى محبة الله، وتكبيره، وتعظيمه، وتوحيده، وخشيته، وتقواه، وإخلاص العمل له، ولتحصل للعبد معرفة المعبود قبل العبادة، ومعرفة المطاع قبل الطاعة، ومعرفة المسئول قبل السؤال، ومعرفة الآمر قبل معرفة الأوامر. فتستقر في القلوب عظمة الرب وجلاله، وتمتلئ بمحبته وإجلاله، وتطمئن بذكره وعبادته، ويجتمع باطن الإنسان وظاهره على طاعة مولاه، ويتفق سر الإنسان وعلانيته، على حسن الثناء على ربه، وحمده وشكره، والافتقار إليه، والانكسار بين يديه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. لهذا أمرنا الله أولًا بمعرفته قبل كل شيء، فمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أعظم العلوم نفعًا، وأحسنها ثمرة، وأحلاها طعمًا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وغذاء القلوب في هذا العلم الذي يثمر التوحيد والإيمان الصادق.

стр. 323

والله هو الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته، والكبير في قوته، وكل ما سواه مخلوقٌ صغيرٌ ضعيفٌ عاجزٌ محتاج، فإذا تسلط عليك أحد، فاعلم أن الله أرسله إليك ليؤدبك به، لتعود إليه. ثم الله ينتقم منه، فالطغاة عصيٌ بيد الله ينتقم الله بها من الظالمين، ثم ينتقم منها، كما سلط الله فرعون على بني إسرائيل، لما خالفوا أمر الله، ثم أغرق الله فرعون وجنوده في اليم. والأسباب بيد الله، وهي من جنود الله، والله له سنةٌ يفعلها، أو يعطلها، أو يعكسها، فالله أنجى إبراهيم ﷺ من النار وهي تشتعل، ودمر فرعون مع ملكه، وخسف بقارون مع ماله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠]. والأمر كله بيد الكبير وحده لا شريك له، هو الكبير الذي في يده كل شيء، فأن نأخذ بالأسباب، ونتوكل عليها، فهذا شرك، وأن نعطل الأسباب ولا نأخذ بها هذه معصية، وأن نأخذ بالأسباب، ولا نتوكل إلا على الله، فنعمل الأسباب بجوارحنا، ونتوكل على الله بقلوبنا، فهذا هو الإيمان بالله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. والله هو الكبير الذي له الكبرياء في السماوات والأرض، هو الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢]. والله كبيرٌ في ذاته، ولا يعرف كبرياءه إلا هو: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا

стр. 324

وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وهو ﷻ الكبير في قدرته: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وهو الكبير في كلامه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٨]. هو الكبير الذي خلق كل شيء، وقدر كل شيء، وعلم كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. هو ﷻ الكبير في ملكه وسلطانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وهو الكبير سبحانه في حكمه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. وهو الكبير في علمه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. فمن هذا شأنه، وهذا جلاله وكبرياؤه، وهذه قدرته، وهذا علمه، وهذا حكمه، وهذا سلطانه، يجب أن نؤمن به ولا نكفره، ويجب أن نطيعه ولا نعصيه، ويجب أن نذكره ولا ننساه، ويجب أن نحبه ونعظمه ونعبده وحده

стр. 325

لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦]. الذي يجب أن نحب هو العظيم الكبير، الكريم الرحيم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. فأعلى الحب أن تحب من يستحق الحب الكامل، وتطيع وتعبد من يستحق الطاعة والعبادة الكاملة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وبقدر المعرفة لله بأسمائه وصفاته وأفعاله تكون المحبة لله، وبقدر المحبة تكون الطاعة والعبادة، وبقدر الطاعة والعبادة تكون السعادة في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. الله هو الكبير الذي يجب أن يطاع، هو الكبير الذي يجب أن يعبد، فمن أطاع المخلوق، وعصى الخالق، فما قال الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسانه ألف مرة، ومن كذب على الله ورسوله ودينه والمؤمنين فما قال الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسانه ألف مرة. ومن أعرض عن ذكر الله، أو رضي بشرعٍ غير شرع الله، فما قال الله أكبر ولا مرة، وإن قالها بلسانه ألف مرة، ومن حلل الحرام أو حرم الحلال فما قال الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسانه ألف مرة، فلابد من تطابق القلب والقالب واللسان في الإيمان بالله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]. ومن حكم بغير ما أنزل الله فما قال الله أكبر ولا مرة، وإن قالها بلسانه ألف مرة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].

стр. 326

ومن أكل الربا أو فعل فاحشة الزنا أو اقتحم المحرمات فما قال الله أكبر ولا مرة، وإن قالها بلسانه ألف مرة. وكمال الإنسان أن يكمل غيره، كمال الإنسان أن يكون صالحًا ومصلحًا، يكون صالحًا ويصلح غيره، كمال الإنسان أن يكون عالمًا معلمًا لغيره، كمال الإنسان أن يأخذ من ربه ويحسن إلى خلقه، كمال الإنسان أن يحب لغيره كما يحب لنفسه، كمال الإنسان أن يكون ذاكرًا مذكرًا لغيره، كمال الإنسان أن يكون مؤمنًا يأمنه غيره، هذا هو الكبير من العبيد في أقواله وأعماله وأخلاقه، وحتى يحبك الله كن كبيرًا بكل ذلك: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. فالله هو الكبير في وجوده لم يسبقه عدم، ولا يلحقه زوال، وكل ما سواه من الموجودات سبقه عدم، ويلحقه زوال، فكل ما سوى الله مخلوقاتٌ سبقها عدم، وسيلحقها الزوال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. فالإنسان خلقه الله الكبير، ورزقه الكبير، وأنعم عليه الكبير، وهداه الكبير، فلا يليق بالإنسان إلا أن يعبد الكبير، ويشكر الكبير، ويؤمن بالكبير ﷻ : ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧]. ولا يليق بالإنسان أن يتعلق بما سواه من المخلوقات التي هي دونه، أو مثله من المخلوقات، لأن الإنسان خُلِق لعبادة الله، فالتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان خُلق للإنسان، والإنسان لله، خلقه الله لعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].

стр. 327

أي يوحدون، فلا يليق بالإنسان أبدًا أن يكون لغير الله، وأن يعبد غير الله، فسعادته في عبادة ربه وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. وغذاء القلوب سبعة أمور: ١ - معرفة الله. ٥ - ومعرفة خزائنه. ٢ - ومعرفة أسمائه. ٦ - ومعرفة وعده. ٣ - ومعرفة صفاته. ٧ - ومعرفة وعيده ٤ - ومعرفة أفعاله. هذا غذاء القلوب الذي يثمر الإيمان الكامل، والتقوى الكاملة. والله هو العظيم، عظيم الذات، والأسماء، والصفات، والأفعال، عظيم الشأن، كبير القدر، واسع الرحمة، واسع العلم، عظيم القدرة. والتعظيم لله ﷻ يكون بأمرين: أحدهما: وصفه بصفات الكمال من العلم المحيط، والقدرة النافذة، والرحمة الواسعة، والكبرياء والعظمة، وتنزيهه عن صفات النقص والعيب: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. الثاني: تعظيم الله وتكبيره بالقلوب والألسن والجوارح وحده لا شريك له، فهو المستحق لكل ذلك وحده من جميع خلقه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].

стр. 328

ويحصل ذلك للعبد ببذل الجهد في معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وذلك يثمر محبة الله وتعظيمه، والذل له، والانكسار بين يديه، والخضوع لعظمته وكبريائه، والخوف منه، والخشية له، وتحريك اللسان بحمده والثناء عليه، والاستغفار له، وقيام الجوارح واللسان بشكره وعبادته: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. والله ﷻ هو العلي العظيم، العلي الكبير، العزيز الجبار المتكبر، الكبير الذي له الكبرياء في السماوات والأرض، العظيم ذو الجلال والإكرام والعزة والجبروت، العظيم الذي تضاءل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصاغرت بجانب جلاله وكبريائه أنوف الملوك القاهرة، وذلت لعزته جميع العبيد في الدنيا والآخرة: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣]. هو العظيم المالك القادر القاهر لكل شيء، نواصي العباد بيده، وقلوبهم بيده، فلا يتصرفون ولا يعملون إلا بإذنه ومشيئته، ولا يتحركون ولا يسكنون إلا بإرادته: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. هو ﷻ العظيم الواحد الأحد، الذي له الكبرياء والعظمة وحده لا شريك له، وله الخلق كله، وله الأمر كله، وله الملك كله، ومنه الفضل كله، وإليه يُرجع الأمر كله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٣]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].

стр. 329

والكبرياء لله أكمل من العظمة؛ لأنه يتضمنها، ويزيد عليها، ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الأذان والإقامة والصلاة بقول «الله أكبر»، فذلك أكمل من قول «الله أعظم»، فالكبرياء رداؤه ﷻ ، والعظمة إزاره، والرداء أشرف من الإزار وأعلى وأكبر. «قال اللهُ ﵎: «الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزارِي، فمن نازَعَني واحِداً منهما قذفتُه في النَّارِ». رواه أبو داوود بسندٍ صحيح (١). والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، واسم الله العظيم يشتق منه صفة العظمة، وهي من صفات الله الذاتية الثابتة في القرآن والسنة: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]. وفي السنة نقول في الصلاة: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» أخرجه أبي داود (٢). والله سبحانه هو العظيم الحليم، الذي على عظمته وكبريائه وجلاله وجبروته وقوته غفورٌ حليم، رءوفٌ رحيمٌ بخلقه، وحلمه وعفوه ومغفرته عن قوةٍ وعظمة، ليس عن عجزٍ وحاجة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. فسبحان من عظمته يزينها الحلم والرفق والعفو والرأفة، أما عظماء البشر وملوكهم فالغالب عندهم ضعف الحلم، وقلة العفو، لأنهم يغترون بعظمتهم ويبطشون بمن خالفهم، لضعف الرحمة في قلوبهم، وعظمة الكبر في نفوسهم: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].

стр. 330

فسبحان الله العظيم الكبير المجيد الذي له الكبرياء والعظمة، والمجد والجلال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]. هو العظيم المجيد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، المجيد في أقواله وأفعاله، العظيم في ملكه وسلطانه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، الكبير الذي تكبر عن صفات النقص والعيب، وتكبر عن الشريك والمثيل، وتكبر عن كل ما سواه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. ومن عرف ربه العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله، آمن بكتابه العظيم، وامتثل أمره العظيم، ونال ثوابه العظيم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. ومن آمن بالله العظيم، صدق ذلك بجوارحه، وأوجب له هذا الإيمان بربه العظيم الخوف من الله، والحب لله، والحياء منه، والخضوع له، والتذلل لعظمته، والخشية له، والتوكل عليه، والاستعانة به، وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، والمسارعة إلى طاعته، والبعد عن معصيته، وإخلاص العمل له، وتعظيم أمره وكتابه والانقياد لحكمه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 331

ومن عظّم الله عظّم شعائره وحرماته، فحقق الطاعة الكاملة بامتثال أوامر الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والأذكار وغيرها وسائر الأركان والواجبات، والسنن والمستحبات: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. ومن عرف العظيم عظّم حرماته، فاجتنب ما نهى الله عنه وحرمه من الاعتقادات والأقوال والأعمال والأخلاق، من الشرك والنفاق، وترْك الواجبات، وفعل المحرمات كالزنا والربا وشرب الخمر، والسرقة، واجتنب الكذب وشهادة الزور والغيبة والنميمة وغيرها. فتعظيم الأمر والنهي ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨]. فمن عظم الله ولم يعظم أمره ونهيه فما عظم الله بقلبه مرة، ولو عظمه بلسانه ألف مرة: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].

стр. 332

ومن عرف العظيم حقًا كبّره حقًا، وحمده حقًا، ووحده حقًا، ومجده حقًا، وعبده حقًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].

стр. 333

١٠ - الخزانة العاشرة فقه عظمة الله ﷻ : قال النبي ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». متفقٌ عليه (١). هذا القلب لابد أن يعرف العظيم ليعظّمه، ويعرف الكبير ليكبره، ويعرف الكريم ليشكره، ويعرف القادر ليستعين به، ويعرف الرحمن ليسترحمه، ويعرف الغفور ليطلب المغفرة منه، فالله ﷻ هو العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، الرحمن الذي لا أرحم منه. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. واسم الله العظيم من أسماء الله الحسنى التي ظهر أثرها في هذا الكون العظيم. والعظيم اسمٌ يطلق على أمرين: الأول: عظمة الذوات والأجسام المحسوسة كالسماء والأرض، والجبال والبحار. الثاني: يطلق ويراد به عالي القدر والمنزلة والشأن، ومنه عظيم القوم الذي حكمهم فلا يقدرون على مخالفته. والله ﷻ هو العظيم في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن عظمة الله العلي الكبير أن السماوات والأرض في قبضة الرحمن أصغر من الخردلة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 334

وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. فلا إله إلا الله العلي العظيم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والعرش العظيم محيطٌ بالكرسي الكريم، والكرسي محيطٌ بالسماوات السبع، والسماوات السبع محيطةٌ بالأراضين السبع. كما قال النبي ﷺ : «آيَةُ الْكُرْسِيُّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ، كَفَضْلِ تِلْكَ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ». أخرجه ابن أبي شيبة وابن حبان (١). فإذا كانت هذه عظمة السماوات والأرض، وعظمة الكرسي والعرش، وهي من مخلوقات الله العظيم، فكيف بعظمة العظيم الذي خلقها وأمسكها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١]. فهذه عظمة ذاته ﷻ وهو العظيم في صفاته، فله الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فهو العظيم في كل شيء، عظيمٌ في قدره وشأنه، عظيمٌ في كبريائه، عظيمٌ في علوه، عظيمٌ في علمه، عظيمٌ في رحمته، عظيمٌ في قدرته، عظيمٌ في حلمه، عظيمٌ في عطائه وإحسانه، عظيمٌ في عقوبته وانتقامه، عظيمٌ في جلاله، عظيمٌ في جماله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ

стр. 335

بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وهو سبحانه العظيم في أفعاله، وله المثل الأعلى في كل شيء، وأفعاله في غاية الحكمة والعدل والرحمة والإحسان، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويبسط ويقبض، ويعطي ويمنع، ويخلق ويرزق، ويحيي ويميت: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧]. هو العظيم وحده لا شريك له، عظيم الرزق، عظيم العطاء، عظيم الأجر، عظيم الثواب: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥]. هو العظيم الغني عن كل ما سواه، بيده كل شيء، ولا يحتاج إلى أحد، بل يحتاج إليه كل أحد، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١]. هو سبحانه العظيم في ملكه وسلطانه، العظيم في خلقه وأمره، العظيم الذي لا تتعاظم عليه المسائل مهما كبرت وعظمت وكثرت، لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العظيم الذي لا يعطي إلا العطاء العظيم لأنه يعطي على قدر شأنه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].

стр. 336

وقال النبي ﷺ : «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ». أخرجه مسلم (١). هو العظيم الموصوف بصفات الكمال، الذي نزه نفسه عن كل صفة نقصٍ وعيب وعجز، وقدس نفسه عن المثيل والشبيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. هو العظيم في علوه، العظيم في عظمته، له العلو بأنواعه، وله العظمة بأنواعها، وله الكبرياء بأنواعه، وله الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤]. هو العظيم الذي نزه نفسه عن النقائص والعيوب، والمثيل والكفء، وعن كل شرٍ وسوء، لأنه العظيم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ولهذا قرن رسول الله ﷺ بين تسبيحه وتعظيمه فقال: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ». متفقٌ عليه (٢). إن العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله هو أول العلوم، وأعظمها، وأنفعها، وأولها وأوجبها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فمن عرف العظيم عظّمه وعظّم أمره، والله ﷻ هو العظيم المحيط بكل عظيم، فالملك كله بين يدي العظيم أصغر من الخردلة، هو العظيم الذي يمسك الأجرام العظيمة فلا تقع ولا تميد ولا تزول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ

стр. 337

لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢]. وفي الحديث: «أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ». متفق عليه (١). فما أعظم السماوات والأرض وما فيهما، وإذا كان العظيم سبحانه يجعلها بين أصابعه فكم تكون عظمته وجلاله وكبرياؤه؟!: قال الله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. فسبحان ربنا الملك العظيم الذي أحاط بكل شيء، ولا يحيط به شيء، العظيم الذي خلق بين الخلق عظمة يعظم بها بعضهم بعضًا، فمن الناس من يُعَظّم لسلطان، ومنهم من يُعظم لمال، ومنهم من يعظم لعلم، ومنهم من يُعظم لقوة، ومنهم من يُعظم لجاه، وكل واحدٍ من الخلق إنما يعظم لمعنىً دون معنى والعظمة المطلقة لله وحده لا شريك له: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤]. والله العظيم يعظم بكل صفة كمال؛ لأن الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].

стр. 338

هو سبحانه العظيم، وكتابه عظيم، وثوابه عظيم وعقابه عظيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ [الحجر: ٨٧]. هو سبحانه العظيم ذو الفضل العظيم، فلا يقدر أحدٌ من الخلق إحصاءه، ولا الإحاطة بمقداره: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤]. هو سبحانه العظيم الذي يملك كل عظيم، ذو الفضل العظيم الذي لا يعطي إلا كل عظيم، يعطي ﷻ بلا حد ولا عد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. وجعل العظيم سبحانه جزاء الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، إلى أضعافٍ مضاعفة: ﴿يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وهو سبحانه العظيم بالعطاء كمية وكيفيةً: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. وأما في المكان فهو ما عظمه العظيم من البقاع، كالمساجد الثلاثة في مضاعفة الأجور، والبيت المعمور، والعرش والكرسي. وأما في الزمان فهو ما عظمه العظيم من الساعات والأيام والليالي والشهور، كرمضان والأشهر الحُرم، وليلة القدر، وساعة الجمعة، وغير ذلك: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ [الحاقة: ٥٢].

стр. 339

والعظيم من صفات الله الذاتية والفعلية، فالذاتية، الله هو العظيم وحده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وملكه وسلطانه وأحكامه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وأما الفعلية، فالعظيم سبحانه يعظم الأجور والأرزاق والنعم والعطايا بإرادته ومشيئته التي هي من صفات أفعاله التي لها سببٌ معلوم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. فمتى حصلت من العبد التقوى وصلة الرحم، أو الجهاد، أو أنواع الطاعات، أو الصبر، وجد من ربه التعظيم الذي ليس له مثيل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ [الطلاق: ٥]. فمن عرف ربه العظيم وجب عليه أن يعظمه التعظيم كله، بقلبه ولسانه وجوارحه، وفي جميع أقواله وأعماله، وفي جميع الأحوال، وفي جميع الأماكن، وفي جميع الأوقات: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. فتواضع لربك العظيم، ولأوليائه المؤمنين، وسبح باسم ربك العظيم، ومجّد ربك العظيم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٧]. الله هو الملك الحق الواحد الأحد، هو العظيم الذي هو أعظم من كل عظيم في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ووجوده، فهو دائم الوجود وغيره

стр. 340

ليس كذلك، وهو أعظم من كل عظيم في كبريائه وعلمه، وقدرته وقهره، وملكه وسلطانه، وغناه وكرمه، وسمعه وبصره: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. هو العظيم الذي لا أعظم منه، فالعقول لا تصل إلى كنه صمديته، والأبصار لا تحيط بعظمة ملكه وسلطانه، والبصائر تقف عن إدراك أنوار عزته، فإليه المنتهى، وكل مخلوقٍ بالنسبة لجلاله وجماله وكماله كالعدم المحض: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. هو سبحانه العظيم الذي كل ما في الكون من المخلوقات العظيمة تدل على عظمته، فالعرش والكرسي، واللوح والقلم، والأنوار والظُّلم، والسماوات والأرض، والشمس والقمر، والماء والهواء، والجبال والبحار، كل ما خلقه الله من هذه المخلوقات العظيمة، وما سيخلقه إلى قيام الساعة، وأضعاف أضعاف ذلك، كل ذلك بالنسبة لعظمة الله كالذرة بالنسبة إلى العرش العظيم، بل هذه النسبة باطلة؛ لأن المخلوقات كلها كبيرها وصغيرها متناهية، والرب العظيم لا بداية له ولا نهاية، ومقدوراته غير متناهية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. ولا نسبة للمخلوق المتناهي إلى الخالق غير المتناهي البتة، وكبرياء الله وعظمته لا نهاية لها، وقدرته لا نهاية لها، فلا فرق عند العظيم القادر على كل شيء بين خلق مليار عالم من العوالم، وبين خلق ذرةٍ أو بعوضة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].

стр. 341

هو العظيم القادر، لا فرق عنده بين إزالة العرش والكرسي، والسماوات والأرض، وبين إزالة بيت عنكبوتٍ أو بعوضة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٨]. الله ﷻ هو العظيم الذي لا أعظم منه، وكل ما سواه حقيرٌ بالنسبة إليه، صغيرٌ بالنسبة إليه، ضعيفٌ بالنسبة إليه، فقيرٌ بالنسبة إليه، بل كل عظمةٍ وقوةٍ في المخلوقات فمنه ﷻ : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. فلا إله إلا الله، ما أجهل الخلق بربهم؟: قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. والإنسان يدرك ببصيرته أن كل شيءٍ اشترك في أمرٍ، من الأمور وفي صفةٍ من الصفات، وكان أحدهما كاملًا فيه، والآخر ناقصًا فيه، فإذا وصل الناقص إلى الكامل فني الناقص في الكامل بالكلية. فالقطرة من الماء إذا وقعت في البحر فنيت فيه، والشعلة من النار إذا وُضعت في خندقٍ عظيم من النار فكأنها فنيت فيه، وصوت البعوضة إذا حصل مع صوت الصاعقة فني فيه، فكذلك من كان ناقصًا في الملك، فإذا وصل إلى من كان كاملًا في الملك فني وصار كالعدم: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤]. فسبحان الله العظيم، والحمد لله العلي العظيم حمدًا لا يُعد ولا يُحد ولا يُرد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما بينهما، على عظمته وعظمة ملكه وسلطانه، وجميل أسمائه وصفاته: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ

стр. 342

رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. فهو سبحانه العظيم الذي يحمد بكل لسان، الذي لا يزيده تعظيم الخلق عظمة، ولا يزيده تكبيرهم له كبرياء، هو الغني العظيم، الذي يحتاجه البشر، وليس بحاجةٍ إلى البشر إن شكر أو كفر. هو العظيم الذي رفع السماء بلا عمد، وفجر الماء من الحجر، وقهر كل أحد، الواحد الأحد الغني عن كل أحد، الذي يحتاج إليه كل أحد: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨]. هو العظيم الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨]. هو العظيم الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض، وله ما بين السموات والأرض وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله مقاليد السموات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]. هو العظيم في ذاته، فلا أحد أعظم منه، العظيم في أسمائه، فله وحده الأسماء الحسنى، العظيم في صفاته، هو العظيم في ربوبيته، العظيم في إلوهيته، العظيم في كبريائه، العظيم في قدرته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].

стр. 343

إن المؤمن حقًا هو من آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٧ - ١٣٨]. والله هو العظيم الذي يحتاج إليه كل عظيم، وكل صغير وكل كبير، هو ﷻ العظيم العليم بكل شيء، القادر على كل شيء، الحفيظ لكل شيء، المحيط بكل شيء: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. الله هو الواحد الأحد الصمد، الذي لا يحتاج إلى أحد، والذي يحتاج إليه كل أحد، هو الغني عن الفروع والأصول، والشركاء والأنداد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. هو سبحانه العظيم الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، الذي تكاد السماوات والأرض يتفطرن من فوقهن إجلالاً لعظمته: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥]. فما أخسر وما أشقى من كفر بربه العظيم، وما أشد عذابه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ

стр. 344

(٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٣٧]. فسبحان الرب العظيم الذي أظهر عظمته في آياته ومخلوقاته، وفي ملكه وسلطانه، وفي كتبه وأحكامه، وفي تدبيره وتصريفه، فسبح باسم ربك العظيم. وكل ما نراه من المخلوقات، وما لا نراه من المخلوقات كله دال على عظمة الله وسعة علمه، وعظمة قدرته: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٣٩]. هو سبحانه العظيم القادر على كل شيء، الخالق لكل شيء، خلق الإنسان من ماء مهين، وخلق قوته من الزروع والثمار، وخلق الماء الذي يشربه وخلق النار التي ينتفع بها: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٥٧ - ٧٤].

стр. 345

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ١ - خزائن الإيمان بالله القسم الثاني ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 346

١ - خزائن الإيمان بالله القسم الثاني ١ - الخزانة الأولى • مقتضيات الإيمان بالله ﷻ : الله هو العظيم الذي خلق المخلوقات العظيمة، واختار منها آدم وذريته، وجعلهم خلفاء الأرض، وأعطاهم الدين، والكتاب العظيم، وأمرهم بعبادته وحده لا شريك له، ووعدهم على ذلك الأمن في الدنيا والجنة في الآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨] .. وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. وشأن الرب ﷻ أنه العظيم الذي لا أعظم منه، وشأن العبد، أنه الضعيف الذي لا أضعف منه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]. فشأن العبد التواضع لربه العظيم، والتصاغر لربه الكبير، والافتقار إلى ربه الغني، فالله له الكبرياء، وله العظمة، فمن نازعه واحد منهما عذبه

стр. 347

كما قال النبي ﷺ عن الله أنه قال: «الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزارِي، فمن نازَعَني واحِدًا منهما قذفتُه في النَّارِ». أخرجه مسلم (١). ومن استكبر عن عبادة ربه العظيم أهلكه الله، وأدخله النار يوم القيامة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. وقوم عاد أعظم من تكبر عن عبادة الله، وكل أمة دمرهم الله لكفرهم، واستكبارهم وقد ذكرهم بما حصل لمن قبلهم من العذاب، وأنه سبحانه أهلك من هو أشد منهم قوة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ [الإسراء: ١٧]. وسنة الله أن من أصر على الكفر أهلكه الله، لأن الله لا يرضى لعباده الكفر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠]. فقوم عاد لما استكبروا، وافتخروا بقوتهم أخبر الله أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، فما كان فوق عاد إلا الله، عاد تفوقت في كل شيء، تفوقت في البنيان، وتفوقت في القوة العسكرية، وتفوقت في الصناعة، وتفوقت في القوة العلمية، فماذا فعل الله بهم مع هذه القوة والكفر والكبر: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت: ١٥ - ١٦].

стр. 348

وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ [الفجر: ٦ - ١٤]. فالإيمان الذي ينجي العبد هو الإيمان بالله العظيم، الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، أما الإيمان الذي لا يتبعه عمل، ولا ينشأ عنه محبة وتعظيم لله فلا ينفع صاحبه، فإبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾ [ص: ٧٩]. وفرعون قال حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠]. فلم ينفعهما ذلك، لأنه لم يُقرن الإيمان بالعمل، بالحب لله، بتعظيم الله، بعبادة الله، فالمؤمن حقًا، من آمن بالله العظيم حقًا ثم عبده بموجب هذه المعرفة العظيمة، فمن آمن بوجود الله، ولم يؤمن به ربًا عظيمًا قديرًا، بيده كل شيء، وعبده وحده، فما آمن بالله العظيم: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. ومن عصى الله بمعصية من زنا أو سرقة أو شهادة زور، وقال يا رب، فليس بمؤمن حقًا، وإيمانه لا يقدم ولا يؤخر، لأنه إيمان لم يحجزه عن معصية الله، فكفى بالمرء علمًا أن يخشى الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].

стр. 349

وكفى به جهلًا أن يعصي الله، أو يعجب بنفسه أو يعجب بعمله، أو يعجب بعلمه. قال النبي ﷺ : «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهو مُؤْمِنٌ» متفق عليه (١). وإذا نقص الإيمان وقع الإنسان في المعصية ثم عوقب فورًا: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]. والطريق إلى معرفة العظيم النظر والتفكر في الآيات الكونية، والآيات الشرعية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. الإيمان الذي يريده العظيم ﷻ ، الإيمان الذي ينجيك من النار، الإيمان الذي يدخلك الجنة، الإيمان الذي أمر الله رسله أن يبلغوه إلى الناس، هو الإيمان الذي يحمل العبد على طاعة الله، يحمله على حب الله، على تعظيم الله، على تكبير الله، على الذل لله، ويمنعه من معصية الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. الإيمان حقًا، الإيمان المطلوب الذي فيه الفوز والنجاة هو ما وقر في القلب يقينًا، وتبعته تقوى الله، فلا يفقدك الله حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 350

وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]. الله هو العظيم الذي جاوزت عظمته حدود العقول، فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، ولا يعرف الله بعظمته حقًا إلا الله وحده، والملائكة والأنبياء والرسل والمؤمنون إنما يعرفون من أسمائه وصفاته ما علمهم الله فقط: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]. الله هو الإله الحق، هو الرب العظيم، الذي له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]. وإذا امتلأ القلب بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ازداد نوره، فإن القلوب إذا امتلأت بالإيمان بالله العظيم، تحركت الألسن والجوارح بالأعمال الصالحة، المقرونة بالحب لله، والتعظيم له، والذل له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. والله ﷻ هو العظيم بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة صفاته أن الله له علو الشأن، وعلو الصفات، وقد وصف الله العرش بأنه عظيم وأنه كريم، فكم تكون عظمة وكرم من خلقه؟!. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].

стр. 351

فسبحان العظيم في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، يقول للشيء كن فيكون، يخلق ما يشاء، عظيم يفعل ما يريد: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]. فهذا الرب العظيم، وهذا الإله الكبير، وهذا الملك الحق، أيليق به أن يعصى؟ أيليق به أن نستهين بأوامره؟ أيليق به أن نعصيه في ملكه؟ أيليق به أن نعصيه بنعمه؟. قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٣ - ١٦]. هذا الرب العظيم الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، ألا نسعى لرضاه؟ ألا يطاع أمره؟ ألا تشكر نعمته؟ ألا تجب تقواه؟ ألا يرجو العبد جنته؟ ألا يخاف ناره؟ ألا نحذر سخطه؟. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧]. وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]. الملك كله لله العظيم، والخلق كله لله العظيم، والأمر كله بيد الله العظيم، وليس بيد أحد سواه شيئًا؛ لأنه ما كان شيئا حتى يفعل شيئًا، ومن أساء فإنما يسيء إلى نفسه، ولا يضر الله شيئاً، فمن سب الله أو رسوله أو دينه أو استهزأ أو استكبر عن عبادة ربه، وطاعة رسوله، فإنما يضر نفسه: ﴿مَنِ

стр. 352

اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. والله سبحانه هو العلى العظيم القوي القادر القاهر، مظهر دينه ولو كره الكافرون: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. ومن أثار الغبار من الأرض فإنما يثيره على نفسه، ومن أثار الغبار على هذا الدين فإنما يثيره على نفسه، لأن الدين يظهره ويحفظه العظيم ﷻ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. ومهما أنفق الكفار والملاحدة وبذلوا جهودهم المختلفة، فلن يستطيعوا إفساد هداية الله لخلقه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. والله بصير بالعباد، فمن آمن به وأطاعه نجا وأفلح، ومن كفر به وعصاه هلك وخسر: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]. • خلق الله في كل إنسان ثلاث أواني: ١ - آنية المعلومات والمعارف وهي العقول، ونشترك فيها مع الكفار. ٢ - وآنية التوحيد والإيمان وهي القلوب، ونشترك فيها مع الملائكة. ٣ - وآنية الطعام والشراب وهي المعدة، ونشترك فيها مع البهائم.

стр. 353

والمؤمنون أسعد الخلق بهذه النعم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والله سبحانه هو العظيم الذي لا يقف له شيء وأي نفس، وأي دولة، وأي حكومة بنت مجدها على سحق الشعوب وبنت غناها على إفقار الشعوب، وبنت عزها على إذلال الشعوب، وبنت حياتها على موت الشعوب، وبنت أمنها على إخافة الشعوب، إلا دمرها الله؛ لأن العظمة والعزة والكبرياء لله وحده لا شريك له، فمن نازعه في هذه الصفات هلك، كما قال سبحانه: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠]. وقال الله في الحديث القدسي: «الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزارِي، فمن نازَعَني واحِدًا منهما قذفتُه في النَّارِ». أخرجه أبو داود (١). والله لا يرضى بالطغيان أبدًا، ولا يرضى بالاستكبار أبدًا، ومن أذن الله له بالطغيان من البشر فإنما يوظف الله الطغيان لإظهار دينه، وإعزاز أوليائه، والله لم يأمره بذلك، ولكنه اختار الطغيان فسوف يحاسب عليه.

стр. 354

ثم يهلك الله هذا الطاغية، ويجعله مع الطغاة أثراً بعد عين، كما وظف الله طغيان فرعون، وسلطه على بني إسرائيل، عقوبة لهم ثم أغرقه وجنوده في البحر، وكما فعل الله بقوم عاد وثمود وسبأ: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة: ١ - ١٢]. وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧]. فالله بالمرصاد، لكل طاغ وظالم ومفسد: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤]. فالعظيم سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وليس لقدرته وعظمته بداية ولا نهاية، ولا أول ولا آخر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. هو العظيم الذي أعطى الحياة لكل حي، وأذن لكل حي أن يبقى حيًا، كما قال النبي ﷺ في دعاء الاستيقاظ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ

стр. 355

الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ» أخرجه ابن السني. (١). فطعام كل يوم، وحياة كل يوم، وهداية كل يوم، وعمل كل يوم، هو من فضل الله العظيم على العبد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. هو سبحانه العظيم في ملكه، العظيم في علمه، العظيم في قدرته، العظيم في خلقه، العظيم في عطاؤه، العظيم في ثوابه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣] الله عظيم قبل أن يعظمه الخلق، وكبير قبل أن يكبره الخلق، وحميد قبل أن يحمده الخلق، ورازق قبل أن يرزق الخلق، فإن عظمت ربك تولاك، وإن عظمت نفسك وكلك إليها: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. فالمؤمن يعيش في الدنيا مع المنعم، وينسب النعم إلى الله، والكافر يعيش في الدنيا مع النعمة، وينسب حصولها لنفسه، ويكفر بالمنعم سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩]. وإذا عرفت العظيم بأسمائه وصفاته، وأفعاله، فعظمه بقلبك ولسانك وجوارحك، وعظم كتابه، وعظم رسوله، وعظم دينه، وعظم أولياءه، وعظم شعائره: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
следующие страницы →