فسبحان العظيم في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، يقول للشيء كن فيكون، يخلق ما يشاء، عظيم يفعل ما يريد: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠].
فهذا الرب العظيم، وهذا الإله الكبير، وهذا الملك الحق، أيليق به أن يعصى؟ أيليق به أن نستهين بأوامره؟ أيليق به أن نعصيه في ملكه؟ أيليق به أن نعصيه بنعمه؟.
قال الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٣ - ١٦].
هذا الرب العظيم الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، ألا نسعى لرضاه؟ ألا يطاع أمره؟ ألا تشكر نعمته؟ ألا تجب تقواه؟ ألا يرجو العبد جنته؟ ألا يخاف ناره؟ ألا نحذر سخطه؟.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢].
الملك كله لله العظيم، والخلق كله لله العظيم، والأمر كله بيد الله العظيم، وليس بيد أحد سواه شيئًا؛ لأنه ما كان شيئا حتى يفعل شيئًا، ومن أساء فإنما يسيء إلى نفسه، ولا يضر الله شيئاً، فمن سب الله أو رسوله أو دينه أو استهزأ أو استكبر عن عبادة ربه، وطاعة رسوله، فإنما يضر نفسه: ﴿مَنِ
стр. 352
اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
والله سبحانه هو العلى العظيم القوي القادر القاهر، مظهر دينه ولو كره الكافرون: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
ومن أثار الغبار من الأرض فإنما يثيره على نفسه، ومن أثار الغبار على هذا الدين فإنما يثيره على نفسه، لأن الدين يظهره ويحفظه العظيم ﷻ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
ومهما أنفق الكفار والملاحدة وبذلوا جهودهم المختلفة، فلن يستطيعوا إفساد هداية الله لخلقه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
والله بصير بالعباد، فمن آمن به وأطاعه نجا وأفلح، ومن كفر به وعصاه هلك وخسر: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤].
• خلق الله في كل إنسان ثلاث أواني:
١ - آنية المعلومات والمعارف وهي العقول، ونشترك فيها مع الكفار.
٢ - وآنية التوحيد والإيمان وهي القلوب، ونشترك فيها مع الملائكة.
٣ - وآنية الطعام والشراب وهي المعدة، ونشترك فيها مع البهائم.
стр. 353
والمؤمنون أسعد الخلق بهذه النعم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
والله سبحانه هو العظيم الذي لا يقف له شيء وأي نفس، وأي دولة، وأي حكومة بنت مجدها على سحق الشعوب وبنت غناها على إفقار الشعوب، وبنت عزها على إذلال الشعوب، وبنت حياتها على موت الشعوب، وبنت أمنها على إخافة الشعوب، إلا دمرها الله؛ لأن العظمة والعزة والكبرياء لله وحده لا شريك له، فمن نازعه في هذه الصفات هلك، كما قال سبحانه: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٣٨ - ٤٠].
وقال الله في الحديث القدسي: «الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزارِي، فمن نازَعَني واحِدًا منهما قذفتُه في النَّارِ». أخرجه أبو داود (١).
والله لا يرضى بالطغيان أبدًا، ولا يرضى بالاستكبار أبدًا، ومن أذن الله له بالطغيان من البشر فإنما يوظف الله الطغيان لإظهار دينه، وإعزاز أوليائه، والله لم يأمره بذلك، ولكنه اختار الطغيان فسوف يحاسب عليه.
стр. 354
ثم يهلك الله هذا الطاغية، ويجعله مع الطغاة أثراً بعد عين، كما وظف الله طغيان فرعون، وسلطه على بني إسرائيل، عقوبة لهم ثم أغرقه وجنوده في البحر، وكما فعل الله بقوم عاد وثمود وسبأ: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ [الحاقة: ١ - ١٢].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧].
فالله بالمرصاد، لكل طاغ وظالم ومفسد: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
فالعظيم سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وليس لقدرته وعظمته بداية ولا نهاية، ولا أول ولا آخر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
هو العظيم الذي أعطى الحياة لكل حي، وأذن لكل حي أن يبقى حيًا، كما قال النبي ﷺ في دعاء الاستيقاظ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ
стр. 355
الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ» أخرجه ابن السني. (١).
فطعام كل يوم، وحياة كل يوم، وهداية كل يوم، وعمل كل يوم، هو من فضل الله العظيم على العبد: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
هو سبحانه العظيم في ملكه، العظيم في علمه، العظيم في قدرته، العظيم في خلقه، العظيم في عطاؤه، العظيم في ثوابه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]
الله عظيم قبل أن يعظمه الخلق، وكبير قبل أن يكبره الخلق، وحميد قبل أن يحمده الخلق، ورازق قبل أن يرزق الخلق، فإن عظمت ربك تولاك، وإن عظمت نفسك وكلك إليها: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
فالمؤمن يعيش في الدنيا مع المنعم، وينسب النعم إلى الله، والكافر يعيش في الدنيا مع النعمة، وينسب حصولها لنفسه، ويكفر بالمنعم سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩].
وإذا عرفت العظيم بأسمائه وصفاته، وأفعاله، فعظمه بقلبك ولسانك وجوارحك، وعظم كتابه، وعظم رسوله، وعظم دينه، وعظم أولياءه، وعظم شعائره: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
стр. 356
هو سبحانه العظيم الذي لا أعظم منه، فمهما عرفت من عظمته وكبريائه فهو أكبر مما عرفت.
هو مما لم تعرف، هو العظيم قبل أن نعظمه، والعظيم أبدًا سواء عظمته أو لم تعظمه، هو العظيم الذي لا بداية لعظمته، ولا نهاية، له ما في السماوات وما في الأرض، وهو العلي العظيم: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو العظيم الكبير المحيط بكل محيط، ولا يحيط به محيط، القادر المحيط بكل قادر، العظيم الذي لا أول له ولا آخر، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
والإيمان بأن لهذا الكون خالقًا ضرورةٌ فطرية، فطر الله الناس عليها، أما الإيمان بالله العظيم، الإيمان الكسبي الناشئ عن معرفة العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة نعمه وإحسانه، وعظمة دينه وشرعه، فهذا الإيمان المطلوب، الذي يخشع به القلب، وتخضع له الجوارح، بالطاعة والعبادة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
من عرف العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله آمن بالله العظيم، وأطاع أمره العظيم، وامتثل أمره العظيم ونال ثوابه العظيم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
стр. 357
ومن رأى بقلبه ربه العظيم يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، تلاشت عظمة نفسه، فكبر الله، وحمد الله، وأطاع الله، وأحب الله، وذل لله، وخضع لله، وبتعظيم العظيم، وتكبير الكبير، والذل للعزيز، يرفع الله مقام هذا العبد، وكلما ازداد العبد ذلًا وافتقارًا رفع الله ذكره وقدره: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ [الشرح: ١ - ٣].
هو ﷻ العظيم في رحمته، وأرحم الخلق بالخلق هم الأنبياء والرسل، وأعظمهم رحمة هو محمد ﷺ الذي دخل مكة متواضعًا، مطأطئ الرأس، تكاد عمامته أن تمس عنق راحلته، لأنه آمن بربه العظيم، وملأ قلبه علماً ورحمة وإيمانًا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ومن توكل على العظيم كفاه كل شيء، وأعانه، ومن أعتمد على نفسه أو علمه أو ماله أضله الله من جهة ما اعتمد عليه، ومن آثر طاعة الله على معصيته أفلح وربح، ومن آثر معصية الله على طاعته هلك وخسر، فمن ابتغى أمرًا بمعصية الله كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].
стр. 358
وأفضل أحوال العبد أن يعظم ربه العظيم، وأن يتواضع لربه الكبير، ويمتثل أمره، فهذا هو العظيم عند الله، فكم من خامل في الأرض أمام الناس، عظيما كبيرًا في السماء: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
ومن تيقن أن ربه هو العظيم وحده لا شريك له فينبغي أن يعظم كتابه، ويعظم شعائره وأولياءه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
ومن عظم الله بقلبه ولسانه وجوارحه استوى عنده التراب والذهب، واستوى عندهم مدح الناس وذمهم، وكانت عبادته في الخفاء أقوى منها في العلانية لكمال معرفته بالله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وليس من سنة الله العظيم أن يكون السارق كالمسروق، والظالم كالمظلوم والكافر كالمؤمن، ولا المتقي ربه كالفاجر، وعظمة العظيم تأبى التسوية بينهما، فلابد من حساب وثواب وعقاب لكل واحد: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
стр. 359
٢ - الخزانة الثانية
• أصل الإيمان بالله معرفة الله:
الله هو العظيم في ذاته، العظيم في علوه وقدره وشأنه، هو العظيم الذي أثنى على نفسهن وأثنى عليه خلقه، لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
وصفة العظمة لله تبدو ظاهرةً جلية فيما خلقه من عظائم المخلوقات، كالعرش والكرسي، والسماوات والأرض وما عليهما وما بينهما من عالم الجماد وعالم النبات، وعالم الحيوان، وعالم الطير، وعالم الإنسان، وعالم الجن، وعالم الملائكة: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾ [الشورى: ٤].
هو سبحانه العظيم الذي لا نهاية لعظمته وكبريائه وقدرته وعلمه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا عرفتم ذلك عرفتم العظيم، وكبرتم الكبير وعبدتموه، وذكرتموه وشكرتموه.
هو العظيم العزيز الجبار، القادر القاهر وحده لا شريك له، العظيم الذي لا يمتنع عليه شيء أبدًا، القادر الذي لا يعجزه شيء أبدًا، العظيم الذي لا يمكن أن يعصى كرهًا، أو يخالف أمره قهرًا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
فلا إله إلا الله، ما أعظم ملكه وسلطانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
стр. 360
هو العظيم الذي خلق الأجسام العظيمة، وأحاط بالأجرام العظيمة وخلق الأنوار العظيمة، وكلها تحت أمره وقهره: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
هو العظيم الذي أظهر عظمته في أفعالٍ يحدثها فتهابه مخلوقاته، كتجليه للجبل فصار دكًا من جلاله، وكتقليب الليل والنهار، والحر والبرد: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
ومن المخلوقات التي خلقها العظيم، من يُعظم بنفاسة الذات، وشرف الصفات، كالعرش والكرسي، ومن الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن الناس الأنبياء والرسل والمؤمنون، وأعظم هؤلاء قدرًا وشأنًا، وإيمانًا وأخلاقًا سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ومن عرف الله العظيم تواضع لعظمته، وخضع لعزته، فلا كرب إلا بذنب، ولا مصيبة إلا بمعصية الله العظيم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
ومعصية العظيم ﷻ عظيمة مهما صغر الذنب، لأن المعصية للعظيم عظيمة، لما فيها من مقابلة العظيم، ورد أمره: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وجميع الكروب بسبب الذنوب في حق العظيم، ومعصية العظيم من الخلق يحذرها الخلق، فكيف بمعصية العظيم الخالق ﷻ ، الذي لا أعظم منه؟!.
стр. 361
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
فمن أصابه كرب فليسارع إلى توحيد العظيم الذي عصاه الإنسان بجهله فيقول: لا اله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا اله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فلا يزيل الكرب إلا هذا الدعاء بالاعتراف للعظيم بالتوحيد، والاعتذار للعظيم من ذلك الذنب: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
والعظيم سبحانه أمرنا أن ندعوه وحده، ووعدنا على الدعاء بالإجابة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
لابد لقلب المؤمن أن يمتلئ يوميًا بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ليقوى على عبادته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨].
فالله هو العظيم الكبير وحده لا شريك له، ولا حظ للعبد في هذين الاسمين، وهاتين الصفتين، لا حظ له في الكبرياء، ولا حظ له في العظمة، وفي الصلاة يعظم، العبد العظيم ويكبر الكبير، ويخضع بقلبه وبلسانه وجوارحه للعظيم الكبير ﷻ فأكبر في الصلاة وأقول "الله أكبر" وأركع للعظيم، وأسجد للعظيم وأقول في الركوع "سبحان ربي
стр. 362
العظيم" وفي السجود "سبحان ربي الأعلى" فالصلاة أقوالًا وأفعالًا تخلص الإنسان من شوائب العظمة والكبرياء وتدربه على الخضوع والطاعة للعظيم الكبير الأعلى ﷻ : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقد وصف الله الأنبياء بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ولهذا فرض الله على المؤمنين خمس صلوات في اليوم والليلة رحمة بهم، وأمرهم بالمحافظة عليها حضرًا وسفرًا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وجميع تكاليف الدين شفاء ودواء، ولهذا أمرنا الله بتعظيم حرمات العظيم فعلًا أو تركًا، أمرًا أو نهيًا: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠].
وهذا التعظيم للشعائر والحرمات ناشئ عن تعظيم العظيم سبحانه، وذلك يكون بمعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
واسم الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سأل به أعطى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
واسم الله أضيفت إليه أسماء الله الحسنى كما قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ
стр. 363
لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].
فاسم الله متضمن لصفات الجلال والجمال والكمال لله ، واسم الله أول اسم افتتح الله به كتابه كما قال سبحانه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ١ - ٢].
ثم هو آخر اسم ذكر في القرآن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣)﴾ [الناس: ١ - ٣].
وهو أكثر أسماء الله ورودًا في القرآن حيث ورد قريبًا من ألف مرة، فما أعظم الله، وما أعظم أسماءه وصفاته وأفعاله، وما أعظم ملكه وسلطانه، وما أعظم دينه وشرعه وما أعظم جلاله وجماله وكتابه: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤].
إن أعظم علم أمر الله به هو العلم بـ "لا إله إلا الله": ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
واسم الله اسم انفرد الله به، فهو غير مشتق كأسماء الأعلام، وما سوى هذا الاسم من أسماء الله سبحانه فهو من باب الصفات المشتقة، ولهذا أضيفت إلى اسم الله الأسماء الحسنى، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
стр. 364
وهذا هو الصواب، فليس في الوجود شيء يسمى الله إلا الله وحده: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
فابحث كيف شئت، في أي وقت شئت، في أي مكان شئت، فلن تجد أحدًا يسمى الله إلا الله، والأسماء الحسنى كلها صفات لذاته، فهي تدل على الذات، وكل اسم منها يدل على صفة، كالعلم والقدرة والعفو وغير ذلك، واسم الله علم على الذات، وقيل أن اسم الله مشتق إما من " أله" إذا فزع إلى غيره ليجيره من أمر نزل به.
أو مشتق من "وله" "يوله" إذا أحبه فالله مألوه يحبه العباد، لما له من الأسماء الحسنى، والأفعال الكبرى، والصفات العلى، والنعم العظمى.
أو من "وله" الخالق فإن الله بالناس رءوف رحيم يحب عباده ويحبونه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
فالله ﷻ يحتجب عن خلقه بكمال قدرته، فهو الذي قهر العقول عن الوصول إلى كنه سرمديته، وقهر الأبصار عن الانتهاء إلى جلال عظمته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فالله هو الإله هو الموصوف بصفات استحق بها أن يعبد وحده، استحق بها أن يعبده جميع الخلق؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، فهو خالق الخلق ومالكهم، وللملك أن يأمر وينهى بما شاء، وأعظم أوامره، وأول أوامره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
стр. 365
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
وأعظم أوامره ﷻ : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
لهذا فطاعات العباد لا توجب على الله شيئًا؛ لأنهم ملكه وعبيده، هو الذي خلقهم ورزقهم، ولكنه جل جلال كريم يتبع العطاء بالعطاء؛ لأن العطاء أحب إليه من المنع، ونعم الله على الخلق لا تعد ولا تحصى، وجميع طاعات العباد لا يليق منها شيء بنعمه وأصناف كرمه ﷻ ؛ لأن هذه الطاعات من العباد ممزوجة بالجهل والتقصير، والغفلة والرياء، وشهوات النفس، فلهذا صارت نهاية معارف العارفين، الاعتراف بالتقصير، وكثرة التوبة والاستغفار من الذنوب: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٠ - ١٤].
وقال آدم وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فاللهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 366
الله ﷻ هو الملك الحق، الذي له ملك الكون كله، فمن أراد معرفة الملك، فلينظر في عظمة ملكه وسلطانه:
فالله له ملك العالم العلوي، والعالم السفلي، وله ملك عالم الغيب، وعالم الشهادة وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك السماوات والأرض، وله ملك ما بين السموات والأرض، وله ملك ما في السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، وله مقاليد السموات والأرض: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وجميع المخلوقات والموجودات كالذرة الصغيرة في ملك الله العظيم، لأن الله ملك قادر على ما لا نهاية له من المقدورات وجميع الموجودات والمخلوقات في ملكه متناهية، والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وملك الله في العالم العلوي والعالم السفلي لا يحيط به الخلق، وملكه وملكوته ومماليكه، لا يحيط بذلك أحد ولا يعلم ما في الملك والملكوت إلا مالكه وخالقه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
ومعاقد ملك الله لا يمكن عدها، لكن هذه أصولها:
الأول: ملك الخلق والإيجاد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 367
الثاني: ملك التدبير والتصريف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الثالث: ملك بقاء الملك ونزعه، سواء كان ملك الدين، أو ملك الدنيا، فملك الدين يهدي الله من يشاء، ويضل من يشاء: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧].
وأما ملك الدنيا فهو الذي جعل البعض خادمًا، والبعض مخدومًا، وجعل البعض ملكًا والبعض مملوكًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥].
فمن كان متمردًا عوقب: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
ومن كان مطيعًا فثوابه: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥].
فبيد الله الملك كله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
الرابع: ملك الإعزاز والإذلال: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
стр. 368
الخامس: ملك تقليب الأزمان والأحوال: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤].
السادس: ملك الإحياء والإماتة في جميع المخلوقات فالله هو الحي الذي يملك الإحياء والإماتة: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وبيده وحده الإحياء والإماتة في عالم النبات والحيوان والإنسان وكافة المخلوقات: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠].
وقال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
السابع: ملك الأرزاق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
فهو الملك الذي يملك جميع الأرزاق، وجميع المرزوقين، ويملك إيصالها إلى كل مرزوق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢].
стр. 369
الثامن: ملك البقاء والفناء، فجميع المخلوقات باقية بأمره، ولو رفع عنها أمر البقاء لزالت وفنيت وانتهت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وإذا شاء الله أفناها بأمره: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ولهذا استحق وحده أن يكون ربًا وإلهاً، واستحق أن يعبد ويطاع، ويشكر ويذكر: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فمن هذا ملكه، وهذه عظمته، وهذه كبرياؤه وهذا خلقه، هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
стр. 370
٣ - الخزانة الثالثة
• من عرف الله حقاً آمن به حقاً:
الله هو الملك الذي لا يزول ملكه أبدًا، فمن أطاع الله وحده لا شريك له، واجتنب عبادة ما سواه، جعله الله ملكًا يوم القيامة في ملك لا يزول: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ [الإنسان: ٢٠ - ٢١].
هو ﷻ الملك الذي إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، فمن أطاعه جعله الله يومًا يقول للشيء كن فيكون، وذلك في الجنة: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣١ - ٣٥].
والله هو الحي الذي لا يموت أبدًا، فمن أطاعه جعله حيًا لا يموت أبدًا، في نعيم أبدي: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
والمؤمن في الدنيا يربح ويخسر، أما يوم القيامة فيفوز ولا يخسر أبداً: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
стр. 371
ومتى يكون الإنسان في الدنيا ملكًا؟.
يكون المؤمن ملكًا بأمرين:
الأول: إذا انقطعت حاجة العبد عن غير الله، كان ملكًا مطلقًا، لأنه ملك نفسه، وحملها على طاعة الله، وملك شهواته فأخذ منها بقدر الحاجة وأعطى للدين بقدر الطاقة، وملك جوارحه، فسخرها في طاعة الله، وجعل الكل في طاعة مولاه، فمن كان لله في الدنيا، كان الله له في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وفي أعلى هذا المقام، محمد ﷺ ، الذي كان أعبد الخلق لربه، وأعرفهم به، وأتقاهم له، وأحسنهم أخلاقًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الثاني: أن القلب شبه المملكة، وسلطانه هو الروح وخصم هذا السلطان هو النفس، والحرب قائمةٌ بينهما، والملائكة مع الروح، والشياطين مع النفس، فإذا أشرقت في القلب شمس الهداية والإيمان استولى سلطان الروح على سلطان النفس، وقهره وأباد جمعه، وفرق شمله، وخلصت له هذه المملكة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
стр. 372
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وإن جاءت إلى هذا القلب ظلمات الخذلان من مغرب القهر والكبرياء، استولى سلطان النفس على الروح، وقهره وأخرجه من المملكة، وامتلأت المملكة من رايات الشياطين، وأعلام المبتلين: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
فمن عرف ربه ﷻ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الحميدة، آمن به وأحبه، وعظمه وكبره، وامتلأ قلبه بنور التوحيد والإيمان، وانقادت الجوارح واللسان لطاعة الله : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
إن من أعظم روافد الإيمان معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة عظمة ملكه وسلطانه، ومعرفة عظمة دينه وشرعه، ومعرفة عظمة نعمه وإحسانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
هو سبحانه الملك القدوس الذي له الملك كله، وله الخلق كله، وله الأمر كله، ومنه الفضل كله، وإليه يرجع الأمر كله، وهو القدوس الذي تقدست عن الحاجات ذاته، وتنزهت عن الآفات صفاته: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
стр. 373
هو الملك القدوس الذي تنزه عن العيوب والأنداد، وتقدس عن مكان يحويه، وعن زمانٍ يبليه، فهو الحي القيوم الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
هو الملك القدوس، الذي قدس نفسه عن الحاجة إلى غيره، وقدس قلوب أوليائه عن السكون إلى غيره: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
والله ﷻ هو اللطيف الخبير، هو اللطيف؛ الذي لا يراه أحد في الدنيا لطفًا وحكمة، ويراه المؤمنون يوم القيامة إكرامًا ومحبة، فالإنسان خلقه وقدراته لا تحتمل رؤية الله العظيم الكبير ذو الجلال والإكرام في الدنيا، أما في يوم القيامة فيراه المؤمنون لكن لا يحيطون به: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وقال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
ولو أدركه الخلق لأحاطوا به، والله أعز وأجل من أن يحيط به أحد، بل هو المحيط بكل أحد، الذي لا يحيط به أحد: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
стр. 374
ولو رأى الناس ربهم في الدنيا لبطلت التكاليف، وبطل العمل بالأمر والنهي، وبطل أمر الثواب والعقاب، لأن كل ذنب وراءه عقاب مباشر: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣].
فالكل يستقيم على طاعة الله، قهرًا وخوفًا لا حبًا، لأنهم يرون عظمة الله وجلاله فلا يعصونه، والله يريد أن تكون علاقة العباد بربهم علاقة حب لا علاقة قهر، فالملوك والسلاطين إذا كانوا في مجامع الناس تطاع ولا تعصى، لما يرون من سطوتهم وكثرة جنودهم.
وكذلك الله، ولله المثل الأعلى يرانا ولا نراه في الدنيا، ليعلم الله من يخافه بالغيب، ويعلم من يأتيه محبة واختيارًا، لا إجبارًا وخوفًا، فإذا تم الابتلاء في الدنيا، ومات المؤمن، رأى ربه إكرامًا منه، ومحبة له: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
الكبرياء والتكبر والكبر صفة كمال لله ، لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
والكبر والتكبر صفة نقص في الإنسان، وكمال الإنسان بالإيمان بالله، بالتواضع للكبير، والتذلل للعزيز، وما تواضع أحد لله إلا رفعه، وقيمة الإنسان بصفاته لا بذاته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
стр. 375
وأكبر أنواع الكبر أن يتكبر الإنسان عن عبادة الله الذي خلقه ورزقه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وعقوبة الكفر والكبر نار جهنم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
وأفضل صفات المؤمن التواضع لربه الكبير الذي خلقه وصوره، وأنطقه وأسمعه، فعليه أن يعبده كما أمره: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وصلاح قلب المؤمن في أربع خصال:
الأولى: التواضع لله.
الثانية: الفقر إلى الله.
الثالثة: الخوف من الله.
الرابعة: الرجاء لله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، مثمرة لجميع الخيرات العاجلة والآجلة، كالشجرة الطيبة المثمرة للثمار الطيبة، والقلب محل التوحيد والإيمان، فإذا صلح بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، صلح الجسد كله بأنواع الطاعات والعبادات، إما في الحال بالأقوال والأعمال والأخلاق
стр. 376
الحسنة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وإما في المآل فبنعيم الجنة، ورضوان الرب ﷻ : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وإذا فسد القلب بالكفر والضلال، فسد الجسد كله، أما في العاجل، فبالشقاء بسبب الغفلة والمعاصي: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وأما في الآجل فبعذاب النار، وغضب الجبار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
فشجرة التوحيد في القلب، أصلها معرفة الذات، ومعرفة فروعها التي هي الأسماء والصفات.
فهذه الشجرة الإيمانية لها ثلاثة فروع:
الأول: معرفة أسماء وصفات الذات؛ كالحي والقادر والعليم والسميع والبصير والقوي، وصفة الخلق والرزق والقدرة وأفعالها.
стр. 377
الثاني: معرفة صفات السلب؛ التي تسلب عن الله ما لا يليق بجلاله، من العيب والنقص والمثيل والشبيه، كسلب السنة والنوم والظلم عن الله : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩].
الثالث: معرفة صفات الله الفعلية، كالخلق والرزق، والنفع والضر، والغفر والستر، والأنعام، والإكرام، والإعزاز، والإزلال والإحياء والإماتة: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢].
وتثمر هذه المعارف العظيمة الثمار العظيمة التي تستقر في القلب يقينًا وحبًا لله، وتعظيمًا له، وتظهر على اللسان ذكرًا وتحميدًا، وتسبيحًا وتكبيرًا، وتمجيدًا لله ، وتنطلق من الجوارح عملًا صالحاً.
قال النبي ﷺ : «أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (١).
وثمرات هذه المعارف العظيمة أفضل نعم الله على العبيد، فعارف جمال الله محب، وعارف جلال الرب هائب، وعارف سعة رحمة الرب راغب، وعارف شدة نقمة الرب خائف، وعارف الواحد في أفعاله مفوض أمره إلى
стр. 378
الله، وعارف عظمة الرب فانٍ عن كل ما سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وأفضل الأحوال ما نشأ عن أشرف المعارف، وأشرف المعارف معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فشجرة التوحيد في القلب كشجرة النبات في الأرض: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٧].
الله ﷻ هو الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، والله هو الغني الذي له ما في السماوات وما في الأرض، الغني عن جميع العالمين، فهو غير محتاج إلى طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٥ - ٦].
стр. 379
وهو سبحانه المحمود قبل أن يحمده أحد، فالله سبحانه غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه؛ لأنه لو كان محتاجًا إلى غيره لكان مستكملًا بذلك الفعل، والمستكمل بغيره ناقص بذاته، وذلك على الله محال سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
ومع كونه غنيًا عن العالمين، فإن رحمته عامة شاملة، ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية، والنفوس الإنسانية، وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار، إلا بترتيب الترغيب في الطاعات، والترهيب من المحرمات والمعاصي، ومن رحمته على خلقه ترتيب الثواب على الطاعات وترتيب العقاب على المعاصي: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
هو سبحانه الغني وحده، وكل ما سواه فقير إليه، محتاج إليه: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾ [الكهف: ٥٨].
فكل ما في الوجود من الخيرات والبركات، والنعم والراحات، والكرامات والسعادات، فذلك كله من رحمة أرحم الراحمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
والخير في المخلوقات غالبٌ على الشر، فالمريض وإن كان كثيرًا، فالصحيح من الناس أكثر منه، والجائع من الناس وإن كان كثيرًا فالشبعان أكثر منه، والأعمى من الناس وإن كان كثيرًا فالبصير أكثر منه.
стр. 380
فالخير أغلب من الشر، والراحة أغلب من الشدة، والعافية أغلب من الآلام، فلا غنى إلا من الله، ولا علم إلا من الله، ولا رحمة إلا من الله، ولا شفاء إلا من الله، وكل رحمة من الخلق فمن آثار رحمة الله، وكل رحمة في الكون فمن آثار رحمة الله، فانظر إلى آثار رحمة الله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩].
ومن كان غنيًا عن الكل، فإنه لا يستكمل بطاعات المطيعين، ولا ينتقص بمعاصي المذنبين.
وإذا ثبت أن الله وحده هو ذو الرحمة الكاملة العامة، ثبت أنه ما رُتب العذاب على الذنوب، ولا الثواب على الطاعات، إلا لأجل الرحمة والفضل والكرم والإحسان إلى خلقه كما قال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
فلله الحمد والمنة على جزيل العطاء والإحسان: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
стр. 381
٤ - الخزانة الرابعة
• أقسام أسماء الله الحسنى:
الله له الأسماء الحسنى؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
• أقسام أسماء الله الحسنى من حيث الإطلاق:
أسماء الله الحسنى تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يسمى به الرب مفرداً أو مقترن بغيره، وهو غالب الأسماء الحسنى كالسميع والبصير، والقدير والعزيز، والحكيم والعليم، وغيرها فنقول مثلاً، يا سميع، يا كريم، يا حليم، ونقول يا سميع يا بصير، أو يا عزيز يا حكيم، وهكذا.
الثاني: ما لا يطلق على الرب مفرداً، بل مقروناً بمقابله، لأن الكمال في اقتران الاسمين معاً، ومن دعاه بواحد منها لم يكن مثنياً على ربه، ولا حامداً له، وهذه الأسماء تجري مجرى الاسم الواحد، فلا يذكر إلا مقترناً بغيره، كالمقدم والمؤخر، والقابض والباسط، فلا نقول يا قابض، يا مقدم فقط، بل نقول يا مقدم يا مؤخر، ويا قابض يا باسط، وهكذا.
والله هو الملك الحق، الذي له الملك التام، الواسع الشامل لكل ما في الكون، وحده لا شريك له: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩].
стр. 382
والإيمان بأن الله ملك السماوات والأرض وما بينهما، وما فيهما، له فائدتان عظيمتان:
الأولى: الإيمان بقضاء الله وقدره؛ فلو قضى الله عليك مرضاً أو فقراً أو بلاءاً فلا تعترض، لأنك ملكه، يتصرف فيك كما يشاء، كما يتصرف سبحانه في السحاب والشمس والقمر والرياح والبحار وغيرها من المخلوقات، فإن شاء أعطاك صحة، وإن شاء سلبها منك، وإن شاء أعطاك عقلاً، وإن شاء سلبه، وإن شاء أعطاك مالاً، وإن شاء سلبه، فإذا آمنت بهذا رضيت بقضائه.
الثانية: الرضا بشرعه، وقبوله والقيام به؛ لأنك ملكه، فإذا قال لك افعل فافعل، وإذا قال لك لا تفعل فلا تفعل، فمقتضى العبودية التامة أن تخضع لشرعه وتقبله، كما أنك قابل لقضائه وقدره.
ومقتضى الإيمان بأن الله ملك الإيمان بقضائه، والرضا بشرعه، فمن أطاع ربه بفعل الأوامر، واجتناب المناهي، فقد حقق العبودية التامة.
ومن عصى ربه بفعل المحرمات، وترك الواجبات، فقد خرج عن مقتضى العبودية التامة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
والله هو الرحمن الرحيم، فإذا ذكر الرحمن وحده كما في قوله سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
أو ذكر الرحيم وحده كما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 383
فمعناهما واحد، وهو ذو الرحمة الواسعة الشاملة، وإذا اجتمعا معاً في آية واحدة كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فالرحمن باعتبار الوصف لله بالرحمة الواسعة الشاملة، والرحيم باعتبار الفعل، أي موصل الرحمة إلى من يشاء من عباده.
والله هو العليم الخبير، هو العليم بظواهر الأمور، الخبير بالبواطن، وإذا اجتمع العلم والخبرة صار هذا أبلغ في الإحاطة، وفي الخبرة معنى زائداً على العلم، وكلاهما صفة مدح وكمال لله ، ولهذا يقرن الله بينهما في القرآن وهذا كمال آخر: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ [التحريم: ٣].
أقسام أسماء الله وصفاته:
أسماء الله وصفاته أربعة أقسام:
الأول: ما هو صفة كمال لله، لكن قد ينتج عنه نقص، فهذا يوصف الله به ولا يسمى به، مثل المريد والمتكلم، فيصح أن يوصف الله بأنه متكلم، كما قال سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
ويوصف بأنه مريد على سبيل الإطلاق، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧].
لكن لا يسمى بذلك، لأن الكلام والإرادة قد يكون بخير أو بشر، بصدق أو بكذب، بعدل أو بظلم.
стр. 384
الثاني: ما هو كمال على الإطلاق ولا ينقسم، فهذا يسمى الله به، ويوصف، وهو جميع أسماء الله الحسنى الواردة في القرآن والسنة، مثل الرحمن، الرحيم، السميع، البصير، الغفور، الكريم، ونحوها.
الثالث: ما لا يكون كمالًا عند الإطلاق، لكن هو كمال عند التقييد، هذا لا يسمى الله به، لكن يوصف به مقيدًا، مثل الخداع والاستهزاء والمكر والكيد والانتقام، فلا يسمى الله به فلا نقول: الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن نقول: إن الله ماكر بمن يمكر به وبرسله وهكذا: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
الرابع: ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاق، فهذا لا يوصف الله به أبدًا ولا يسمى به، مثل الخائن، العاجز، الضعيف، الأعور، لأن الله لا يجوز أن يوصف بصفة عيب مطلقًا، لأن أسماءه كلها حسنى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
والله هو الملك، الواحد الأحد، الغني عن كل أحد، هو الغني الذي له ملك السماوات والأرض، ومن زعم أن لله ولداً فقد سب الله مسبة عظيمة، وقد قال هذه المقالة ثلاث طوائف من الناس، اليهود والنصارى والمشركون: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ
стр. 385
ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧].
وقد أبطل الله هذه الدعوى الكاذبة من ستة أوجه:
الأول: تنزيه الله أن يكون له ولد، لأنه الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، فلا يحتاج لأحد: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].
الثاني: أن الله سبحانه مالك لكل مخلوقاته، وعموم ملكه يستلزم استغناءه عن الولد: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦].
الثالث: أن كل ما سوى الله مخلوق، مملوك، والمخلوق والمملوك لا يمكن أن يكون ولدًا للخالق: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩].
الرابع: أن العباد كلهم خاضعون لله، مربوبون له، عابدون له، والعبد لا يكون ولدًا لربه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦].
الخامس: أن الله مبدع الخلق كلهم، والقادر على خلق السماوات والأرض، قادر على أن يخلق إنسانًا بلا أب: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧].
стр. 386
السادس: أن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن كانت هذه هي قدرته فلا يستحيل عليه أن يوجد ولد بدون أب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧].
أقسام أسماء الله الحسنى من حيث المعنى:
أسماء الله الحسنى من حيث معانيها تنقسم إلى ستة أقسام:
الأول: الأسماء الدالة على ذات الله ووحدانيته مثل: الله، الإله، الواحد، الأحد، الحق، الحي، القيوم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، وأمثالها من الأسماء الحسنى.
الثاني: الأسماء الدالة على الملك والقدرة مثل: الملك، العزيز، الجبار، المهيمن، القهار، القادر، القوي، المقدم، والمؤخر وأمثالها.
الثالث: الأسماء الدالة على الخلق والإيجاد والإمداد، مثل: الخالق، البارئ، المصور، الرزاق، الوهاب، الكريم، البر، المقيت وأمثالها.
الرابع: الأسماء الدالة على العلم والإحاطة، مثل: السميع، البصير، العليم، الخبير، الرقيب، الشهيد، الحفيظ، المحيط وأمثالها.
الخامس: الأسماء الدالة على الرفق والرحمة، والعفو والمغفرة، مثل: الرب، الرحمن، الرحيم، الرءوف، الحليم، الحميد، الشكور، الودود، الولي، النصير، القريب، المجيب، العفو، الغفور، التواب، وأمثالها.
السادس: الأسماء الدالة على الهداية والبيان، مثل الهادي، المبين، الوكيل، الكفيل وأمثالها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
стр. 387
والله هو الواحد الأحد الذي لا مثيل له، الأحد الذي لا أجزء له، فالله واحد لا ند له، أحد لا أجزاء له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والمخلوق كله ليس واحدًا، لأن له مثل، وليس أحدًا لأن له أجزاء، الشمس واحدة، لكنها ليست أحداً، لأنها مركبة من أجزاء والإنسان ليس واحداً لأن له مثل، وليس أحداً، لأن له أجزاء، والله وحده هو الواحد الأحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
والله هو الملك الحق، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، وليس كمثله أحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فالله هو القوي الذي ليس كمثل قوته أحد، القوي الذي لا أحد أقوى منه، القوي الذي كل قوة في العالم من قوته، فهو الذي خلق القوة في كل قوي، وهو القوي الذي وهب القوة لكل قوي.
هو القوي الذي يملك خزائن القوة كلها، هو القوي المحيط بكل قوي، القوي القادر القاهر لكل قوي، القوي الذي له القوة المطلقة، وكل ما سواه ضعيف القوة، هو القوي الذي خلق القوة في كل قوي، ولو رفعها عنه لعاد ضعيفاً.
هو ﷻ القوي الذي يمسك السماوات والأرض أن تزول، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤].
стр. 388
وهكذا في سائر الأسماء، فليس كمثله أحد، في العظمة، في الكبرياء، في الرحمة، في الكرم، في الحلم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وللمخلوق من الأسماء الحسنى ما يليق به، فالله هو الحي الأعلى، وهو الكريم الأعلى، وهو الرحيم الأعلى، وهو القادر الأعلى، والمخلوق هو الحي الأدنى، الذي يهلك ويموت.
والمخلوق هو الكريم الأدنى الذي تكرم بما تكرم الله به عليه، وهو الرحيم الأدنى الذي ﵀، فرحم برحمة الله خلقه، وهكذا في بقية الأسماء لابد للقلب أن يعرف هذا عن ربه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله.
ومقصود الله من خلقه في الدنيا، تحصيل معاني أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، والتعبد لله بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الله هو الملك الحق وحده لا شريك له، فهو ملك عظيم، غني، كريم، رحيم، لا يشبه ملوك البشر، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض، وله ما بين السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، وله مقاليد السموات والأرض، وله ملك العالم العلوي، والعالم السفلي، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك عالم الغيب والشهادة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ
стр. 389
الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
فملكه ﷻ لا يشبه ملوك البشر، لأنهم إن تصدقوا بشيء نقص ملكهم، وقلت خزائنهم وملكهم محدود، وحياتهم محدودة، أما الله ﷻ فهو الملك الذي لا ينقص ملكه بالعطاء والإحسان، بل يزداد ملكه مع كثرة العطاء، فكلما أعطى الله من الأموال والأولاد والنعم، كان حكمه وتكليفه لازمًا على الكل، وكلما كان الخلق أكثر عطاءً كانوا أوسع ملكًا، وأكثر عبادة: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
والله سبحانه الملك المالك لكل شيء، فهو الملك المطلق الذي كل شيء ملكه، فهو واسع الملك، له ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك عالم الغيب والشهادة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
أما ملوك الدنيا فهم عبيده، يؤتي الملك منهم من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وهم عبيد في صورة ملوك، لأنهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم موتًا ولا حياةً، ولا نفعًا ولا ضرًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والملك الحق سبحانه ملك رحمن رحيم، سلام، مؤمن، لا يجور ولا يظلم أحدًا، ومن رحمته أن جعل الملك له، وحده يوم القيامة، حتى لا يظلم أحد: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦].
أما ملوك الدنيا فمنهم العادل، والظالم، وقلما يخلوا ملك من ظلم وقسوة.
стр. 390
والملك من البشر تجب على الرعية طاعته، فإن لم يطيعوه وقع الهرج والمرج في العالم، واضطرب الأمن، وسفكت الدماء، بمخالفة الملك المجازي، فبمخالفة الملك المجازي يفضي ذلك إلى تخريب العالم، وفساد الأحوال، واضطراب الأمن، فكيف بمخالفة أوامر ملك الملوك؟ كم يكون تأثيرها في زوال المصالح، وحصول المفاسد؟!.
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
والله سبحانه ملك ومالك، فالملك يرجى منه العدل والإنصاف، والمالك يطلب منه العبد حوائجه من الطعام والشراب والكسوة وغيرها، والملك يطمع فيك، ويريدك له، والمالك أنت تطمع فيه، ويريدك أن تطلب منه المغفرة والرحمة والأرزاق والجنة.
والملك له هيبة وسياسة، والملك به رحمة ورأفة، وحاجتنا إلى العطاء والرحمة والرأفة أشد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].