السادس: أن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن كانت هذه هي قدرته فلا يستحيل عليه أن يوجد ولد بدون أب: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧].
أقسام أسماء الله الحسنى من حيث المعنى:
أسماء الله الحسنى من حيث معانيها تنقسم إلى ستة أقسام:
الأول: الأسماء الدالة على ذات الله ووحدانيته مثل: الله، الإله، الواحد، الأحد، الحق، الحي، القيوم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، وأمثالها من الأسماء الحسنى.
الثاني: الأسماء الدالة على الملك والقدرة مثل: الملك، العزيز، الجبار، المهيمن، القهار، القادر، القوي، المقدم، والمؤخر وأمثالها.
الثالث: الأسماء الدالة على الخلق والإيجاد والإمداد، مثل: الخالق، البارئ، المصور، الرزاق، الوهاب، الكريم، البر، المقيت وأمثالها.
الرابع: الأسماء الدالة على العلم والإحاطة، مثل: السميع، البصير، العليم، الخبير، الرقيب، الشهيد، الحفيظ، المحيط وأمثالها.
الخامس: الأسماء الدالة على الرفق والرحمة، والعفو والمغفرة، مثل: الرب، الرحمن، الرحيم، الرءوف، الحليم، الحميد، الشكور، الودود، الولي، النصير، القريب، المجيب، العفو، الغفور، التواب، وأمثالها.
السادس: الأسماء الدالة على الهداية والبيان، مثل الهادي، المبين، الوكيل، الكفيل وأمثالها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
стр. 387
والله هو الواحد الأحد الذي لا مثيل له، الأحد الذي لا أجزء له، فالله واحد لا ند له، أحد لا أجزاء له: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والمخلوق كله ليس واحدًا، لأن له مثل، وليس أحدًا لأن له أجزاء، الشمس واحدة، لكنها ليست أحداً، لأنها مركبة من أجزاء والإنسان ليس واحداً لأن له مثل، وليس أحداً، لأن له أجزاء، والله وحده هو الواحد الأحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
والله هو الملك الحق، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، وليس كمثله أحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فالله هو القوي الذي ليس كمثل قوته أحد، القوي الذي لا أحد أقوى منه، القوي الذي كل قوة في العالم من قوته، فهو الذي خلق القوة في كل قوي، وهو القوي الذي وهب القوة لكل قوي.
هو القوي الذي يملك خزائن القوة كلها، هو القوي المحيط بكل قوي، القوي القادر القاهر لكل قوي، القوي الذي له القوة المطلقة، وكل ما سواه ضعيف القوة، هو القوي الذي خلق القوة في كل قوي، ولو رفعها عنه لعاد ضعيفاً.
هو ﷻ القوي الذي يمسك السماوات والأرض أن تزول، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٤].
стр. 388
وهكذا في سائر الأسماء، فليس كمثله أحد، في العظمة، في الكبرياء، في الرحمة، في الكرم، في الحلم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وللمخلوق من الأسماء الحسنى ما يليق به، فالله هو الحي الأعلى، وهو الكريم الأعلى، وهو الرحيم الأعلى، وهو القادر الأعلى، والمخلوق هو الحي الأدنى، الذي يهلك ويموت.
والمخلوق هو الكريم الأدنى الذي تكرم بما تكرم الله به عليه، وهو الرحيم الأدنى الذي ﵀، فرحم برحمة الله خلقه، وهكذا في بقية الأسماء لابد للقلب أن يعرف هذا عن ربه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله.
ومقصود الله من خلقه في الدنيا، تحصيل معاني أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، والتعبد لله بها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
الله هو الملك الحق وحده لا شريك له، فهو ملك عظيم، غني، كريم، رحيم، لا يشبه ملوك البشر، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
له ملك السماوات والأرض، وله ما في السماوات والأرض، وله ما بين السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، وله مقاليد السموات والأرض، وله ملك العالم العلوي، والعالم السفلي، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك عالم الغيب والشهادة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ
стр. 389
الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
فملكه ﷻ لا يشبه ملوك البشر، لأنهم إن تصدقوا بشيء نقص ملكهم، وقلت خزائنهم وملكهم محدود، وحياتهم محدودة، أما الله ﷻ فهو الملك الذي لا ينقص ملكه بالعطاء والإحسان، بل يزداد ملكه مع كثرة العطاء، فكلما أعطى الله من الأموال والأولاد والنعم، كان حكمه وتكليفه لازمًا على الكل، وكلما كان الخلق أكثر عطاءً كانوا أوسع ملكًا، وأكثر عبادة: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
والله سبحانه الملك المالك لكل شيء، فهو الملك المطلق الذي كل شيء ملكه، فهو واسع الملك، له ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك عالم الغيب والشهادة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
أما ملوك الدنيا فهم عبيده، يؤتي الملك منهم من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، وهم عبيد في صورة ملوك، لأنهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم موتًا ولا حياةً، ولا نفعًا ولا ضرًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
والملك الحق سبحانه ملك رحمن رحيم، سلام، مؤمن، لا يجور ولا يظلم أحدًا، ومن رحمته أن جعل الملك له، وحده يوم القيامة، حتى لا يظلم أحد: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦].
أما ملوك الدنيا فمنهم العادل، والظالم، وقلما يخلوا ملك من ظلم وقسوة.
стр. 390
والملك من البشر تجب على الرعية طاعته، فإن لم يطيعوه وقع الهرج والمرج في العالم، واضطرب الأمن، وسفكت الدماء، بمخالفة الملك المجازي، فبمخالفة الملك المجازي يفضي ذلك إلى تخريب العالم، وفساد الأحوال، واضطراب الأمن، فكيف بمخالفة أوامر ملك الملوك؟ كم يكون تأثيرها في زوال المصالح، وحصول المفاسد؟!.
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
والله سبحانه ملك ومالك، فالملك يرجى منه العدل والإنصاف، والمالك يطلب منه العبد حوائجه من الطعام والشراب والكسوة وغيرها، والملك يطمع فيك، ويريدك له، والمالك أنت تطمع فيه، ويريدك أن تطلب منه المغفرة والرحمة والأرزاق والجنة.
والملك له هيبة وسياسة، والملك به رحمة ورأفة، وحاجتنا إلى العطاء والرحمة والرأفة أشد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
стр. 391
٥ - الخزانة الخامسة
فقه أسماء الله وصفاته وأفعاله:
الله هو الملك العظيم الذي له ملك الدنيا والآخرة، وله ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وهو سبحانه القدوس الذي قدس نفوس الأبرار عن المعاصي، القدوس الذي تقدس وتنزه عن مكان يحويه، وعن زمان يبليه، القدوس الذي قدس قلوب أوليائه عن السكون إلى غيره، وأعانهم على معرفة الحق لذاته، ومعرفة الخير لأجل العمل به.
وهو سبحانه القدوس البريء من جميع العيوب والنقائص: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
هو السلام، السليم من الآفات والعيوب، والنقائص، السلام الواهب للسلامة، الذي سلم الخلق من ظلمه، فلا يظلم أحدًا، السلام الذي يسلم على أوليائه يوم القيامة: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨].
وأما حظ العبد من هذا الاسم الكريم، فهو أن العبد له سلامة في الدنيا، وسلامة في الدين.
أما سلامته في الدنيا فهي أن يتخلص من المؤذيات، ويظفر بالحاجات النافعة.
وأما السلامة في الدين فهي على ثلاث مراتب:
الأولى: السلامة في مقام الشريعة وهي أن يسلم دينه من البدع والشبهات وتسلم أعماله عن متابعة الهوى والشهوات.
الثانية: السلامة في مقام الطريقة، وهي أن يكون عقله أمير شهواته، فلا يصدر منه إلا كل قول وعمل وخلق سليم.
стр. 392
الثالثة: السلامة في مقام الحقيقة، فلا يكون في قلبه التفات إلى غير الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والسلام ضد الوحشة، وأوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن:
يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيجد نفسه في محشر عظيم مخيف.
وقد أكرم الله نبيه عيسى فخصه بالسلامة في هذه المواطن الثلاثة، كما قال سبحانه عن نبيه عيسى ﷺ : ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٣٣ - ٣٦].
والله سبحانه هو المؤمن، الذي صدق في الشهادة لنفسه، بالوحدانية، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وصدق أنبياءه بإظهار المعجزات على أيديهم، وشهد لهم بالرسالة، وصدق عباده فيما وعدهم به من الثواب، في الدنيا والآخرة، والأمن والرزق في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
стр. 393
وهو سبحانه المؤمن الذي يجعل عباده آمنين في الدنيا والآخرة من المكروهات، أما في الدنيا فبما وهبهم من الأسماع والأبصار، والعيون والجوارح، فالإنسان ضعيف في أصل فطرته، فهو عرضة للآفات، وتأتي المخافات تارة من الآفات المتولدة في باطنه، كالجوع والعطش، وتارة من خارجه كالغرق، والحرق، والأسر ونحوها، ولا يؤمنه من ذلك إلا ربه المؤمن ﷻ : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وأما في الآخرة فالله يؤمن أولياءه من العذاب لما آمنوا به، فلا أمن في العالم إلا من الله وحده.
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم، أن يأمن الخلق كلهم جانبه، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به، بدفع ما يضره ويؤلمه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والله ﷻ هو العزيز.
والعزيز يطلق على من اتصف بأربع صفات:
الأولى: العزيز الذي لا مثل له، ولا نظير، وليس ذلك إلا لله وحده: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثانية: العزيز الغالب الذي لا يغلب أبدًا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
الثالثة: العزيز القوي الشديد الذي لا يضعف أبدًا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
стр. 394
الرابعة: العزيز الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والله سبحانه هو العزيز الذي لا مثل له، ولا شريك له، العزيز الذي جمع جميع المخلوقات، العزيز الذي جميع المخلوقات محتاجة إليه، العزيز الذي يصعب الوصول إليه لعظمته وجلاله وعلوه، فلا قدرة لأحد عليه، بل هو القادر على كل ما سواه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم، أن العزيز من العباد من يحتاج إليه الخلق، ليرشدهم في دنياهم وأخراهم، وهم الأنبياء، ثم العلماء، ثم الملوك الذين يحكمون بشرع الله، وعزة كل أحد بقدر علو مرتبته في الدين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، فهو ﷻ الخالق البارئ المصور، هو الخالق لكل شيء في العالم العلوي والعالم السفلي، وفي عالم الدنيا وفي عالم الآخرة، هو الخالق الذي قدر كل شيء في علمه بالمقدار النافع المطابق للمصلحة في جميع مخلوقاته، البارئ الذي أبدع تلك الأجسام، وأخرجها من العدم إلى الوجود، المصور الذي صور كل مخلوق بصورة تميزه عن غيره: ﴿هُوَ
стр. 395
اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
هو سبحانه الخالق الذي بدأ الخلق بلا مشير ولا معين، الخالق الذي أظهر المخلوقات من العدم بقدرته، وقدر كل واحد منها بمقدار معين بإرادته، وصورها بصورة حسنة بمشيئته: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
فسبحان الخالق البارئ المصور، الذي بيده الخلق والبرء والتصوير، والرزق، والهداية، وكل نعمة لك رب العالمين: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٢]
هو سبحانه الخالق، البارئ، المصور، الذي خلق البشر في أحسن تقويم، وزين ظواهرهم بالصورة الحسنة، وزين بواطنهم بالسيرة الحسنة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
والله له أسماء الجلال، وأسماء الجمال، ومن أسماء جماله أنه الغفور و الغفار، والغفور والغفار مشتقة من المغفرة، والآيات الواردة في المغفرة كثيرة جداً، منها ما ورد بلفظ الماضي إشارة إلى أن كل من استغفر ربه غفر له، كما قال سبحانه عن داود ﷺ : ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤].
ومنها ما ورد بلفظ المستقبل، كقوله سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
стр. 396
ترغيباً للعباد في استغفار الغفور.
ومنها ما ورد بلفظ الأمر، تعليماً للعباد لطلب المغفرة من الغفور كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ومنها ما ورد بلفظ المصدر كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وآدم ﷺ أظهر الذلة، ثم طلب المغفرة، فغفر الله له: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وموسى ﷺ أظهر الذلة ثم طلب المغفرة، فغفر الله له: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص: ١٦].
فلله الحمد حمداً طيباً كثيراً مباركاً لا نهاية لعدده، لربنا الغفور الغفار، الذي أظهر الجميل، وستر القبيح، وهذا الستر إما في الدنيا أو في الآخرة.
أما الدنيا ففي أحوال النفس والبدن، أما النفس فالله سبحانه جعل مستقر الخواطر والإرادات القبيحة في قلب العبد، وسترها حتى لا يطلع أحد عليها، ولو كشف هذا للخلق لمقتوا هذا العبد، وسعوا في إهلاكه، لكن الله هو الستير، الذي ستر ذلك على عبده.
وأما البدن فالله جعل محاسن البدن، من العيون، والشعور، وملاحة الوجه مكشوفة، وجعل مقابح بدنه التي تستقبحها الأعين مستورة في باطنه.
وأما في الآخرة فالله الغفور الرحيم، يغفر ذنوب من استغفر، ولا يطلع المذنب ولا غيره عليها، صوناً له عن ألم الخجل من الله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
стр. 397
هو سبحانه غافر الذنب إكراماً، وقابل التوب إنعاماً، وشديد العقاب عدلاً، وذي الطول إحساناً وفضلاً، لا إله إلا هو، واحد أحد إليه المصير: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ٣].
هو سبحانه الرب الغفور الرحيم، الغافر الذي يزيل معاصيك من ديوانك، الغفور الذي ينسي الملائكة أفعالك، الغفار الذي ينسيك ذنوبك حتى كأنك لم تفعلها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
واعلم أنه لا يخلوا مخلوق من حسن أو قبح، فمن تغافل عن قبائح الخلق، وذكر محاسنهم، فله حظ ونصيب من اسم الله الغفور، فاغفر غفر الله لك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
والله هو الوهاب، والهبة هي التمليك بغير عوض.
هو الوهاب الذي كل شيء في الكون من هباته في العالم العلوي والعالم السفلي، والواهب من الخلق إنما وهب لأن الوهاب وهبه، فوهب مما أعطاه الله لغيره: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فالله سبحانه هو الوهاب وحده لا شريك له، فالعبد ملك الله، والعبد لا يهب إلا لعوض، والله هو الوهاب الذي جميع خلقه من هباته: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
стр. 398
أما الله فهو الملك، الذي يملك من شاء من خلقه ما شاء من فضله، وهو سبحانه الغني عن كل ما سواه، المنزه عن الحاجات والأعراض، فهو الوهاب الذي يعطي بلا حد ولا عوض، لأنه لا تنقص خزائنه أبداً: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
هو سبحانه الوهاب جزيل العطاء والنوال، كثير المن والإفضال، يعطي من غير سؤال، ولا يقطع نواله عن العبد في أي حال.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم أن يبذل ما أعطاه الله في سبيل مرضاة مولاه، وأن يقتصر على عبادة مولاه، ويبعد عمن سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والله هو الرزاق، الذي تكفل بجميع أرزاق الخلق.
ورزق الله نوعان:
الأول: رزق الأبدان: بالأطعمة والأشربة ونحوهما.
والثاني: رزق القلوب بالتوحيد والإيمان والمعارف الإلهية، وهذا أشرف الرزقين فإن ثمرته حياة الأبد وثمرة الظاهر إلى مدة قريبة الأمد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقد أمر الله الرزق بطلبك، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وأجلها، ورزقك يعرف عنوانك، وأنت لا تعرف عنوانه، ورزقك لن يأخذه غيرك، كما أنك لن تأخذ رزق غيرك، فالله قسم الأرزاق كلها،
стр. 399
مكاناً، وزماناً، وكمية، ونوعية، فقد أمر الله الرزق بطلبك، وأمرك بطلب رضاه، والجنة، فلا تشتغل بما ضمن الله لك، عما أراده الله منك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٦٠].
فلا إله إلا الله، خالق الأرزاق وتوصيلها إلى المخاليق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
فيجب على العبد عبادة الرب الخالق الرازق الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
أقسام أسماء الله الحسنى:
أسماء الله الحسنى ثلاثة أقسام:
الأول: ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ ، فيجب علينا إثباته كالسمع والبصر، والحياة والقدرة فأمثالها.
الثاني: ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله، فيجب علينا نفيه كالظلم والغفلة، وكذا ما نفاه عنه رسوله ﷺ : ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
стр. 400
الثالث: ما سكت الله عنه، فيجب أن نسكت عنه، فإن كان دالاً على نقص محض فيجب علينا نفيه؛ لأن الله منزه عن كل نقص وعيب: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
• أقسام صفات الرب :
صفات الرب قسمان:
الأول: الصفات الثبوتية وهي كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من صفات الجلال والجمال كالقدرة والعلم، والقوة والرحمة، والحياة والعزة.
الثاني: الصفات المنفية وهي كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص كالنوم والغفلة، ونحوهما.
والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين:
الأول: صفات الذات: وهي التي لا تنفك عن الله بحال من الأحوال، كالحياة والعلم والقدرة والوجه واليدين والعينين.
الثاني: الصفات الفعلية: وهي الصفات التي تتعلق بمشيئة الله وإرادته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالخلق والرزق ونحوهما كالضحك والفرح والعجب، والرضا والسخط، والإحياء والإماتة، وكل صفات الأفعال صادرة عن صفات ثلاث، القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة.
والصفات الفعلية نوعان:
الأولى: صفات فعلية لها سبب معلوم، كالرضا والفرح ونحوهما.
стр. 401
كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» أخرجه مسلم (١).
الثانية: صفات فعلية، ليس لها سبب معلوم كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر.
وجميع الصفات الفعلية ترجع إلى الصفات الذاتية، فهي راجعة إلى مشيئة الله وإرادته، وقد تكون الصفة ذاتية من جهة، فعلية من جهة كالعلم، فالله عليم يعلم، ورحمن يرحم وكريم يكرم وهكذا، وعلم الله صفة ذاتية لله لازمة لا تنفك عنه أبداً، فهو الذي يعلم ما كان وما يكون وما سيكون.
والصفات المنفية كذلك قسمان:
الأولى: صفات منفية متصلة، وهي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال كالنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي لكمال عدل الله، والجهل المنافي لكمال علم الله وهكذا.
الثانية: صفات منفية منفصلة، كنفي الشريك لله في ربوبيته وألوهيته، ونفي الصاحبة والولد عنه، ونفي الند والمثل، فيجب تنزيه الله عن كل ذلك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والله مالك الملك والملكوت، كامل العلم والإحاطة، كامل القدرة والقهر، كامل التكوين والإعدام، والموصوف بهذه الكمالات يجب على الخلق أن يعبدوه، وينقادوا له، ويخضعوا لأمره: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
стр. 402
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤].
فقوله سبحانه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
إشارة إلى أنه كامل الملك والملكوت.
وقوله ﷻ : ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
إشارة إلى أنه كامل العلم والإحاطة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤].
إشارةٌ إلى أنه كامل القدرة.
والله سبحانه كما أنه الكامل في الملك والعلم والقدرة فهو كذلك الكامل في الرحمة والكرم ومضاعفة الحسنات وغفران السيئات: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
стр. 403
٦ - الخزانة السادسة
• معرفة الله أعظم سبب للإيمان به:
الله هو الرب الواحد الأحد الصمد، الذي تكامل سؤدده، وشرفه، وعظمته، وعلمه، وحكمته.
هو الصمد الذي يلجأ إليه عند الشدائد، الصمد الذي يلجأ إليه الخلق عند الحوائج والعظائم والشدائد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الصمد الذي تنزه وتقدس عن مشابهة خلقه، الذي لا جوف له، ولا يحتاج إلى الطعام؛ لأنه سبحانه هو الغني الذي له ما في السماوات وما في الأرض: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [الأنعام: ١٤ - ١٥].
فالله هو الغني عن كل ما سواه، هو الغني بذاته وصفاته وأفعاله سبحانه، هو الغني الذي له ما في السماوات وما في الأرض وكل ما سواه فقير إليه، ومحتاج إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فيجب على الفقير أن يقف بباب الغني، ويجب على الصغير أن يق بباب الكبير، ويجب على المخلوق أن يقف بباب الخالق، فيحمده ويمجده ويسأله ويستغفره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
стр. 404
والله ولي المؤمنين، والشيطان ولي الكافرين، والولي هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به، فالإيمان سبب يوالي به المؤمنون ربهم بالطاعة، ويواليهم به ربهم بالثواب والنصر والإعانة، فالله ولي المؤمنين والمؤمنين والمؤمنون أولياؤه، بالتوحيد والإيمان والطاعات، وهو يواليهم بالأجر والثواب والعون، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والمؤمنون بعضهم أولياء بعضٍ بالحب والأخوة والرحمة كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والله مولى المؤمنين ينصرهم ويثيبهم دون الكافرين كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد: ١١].
والله سبحانه مولى الخلق كلهم بالملك والقدرة ونفوذ المشيئة، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام: ٦١ - ٦٢].
стр. 405
والله ﷻ عالم بخفايا الأمور، وما تنكشف عنه الغيوب، وما تجري به الأقدار، فلا يفعل فعلاً ولا عملًا، ولا تكليفًا ولا جزاءًا إلا وهو في غاية الحكمة، وغاية الإحسان، وغاية العدل، وغاية الرحمة، فالله عليم بكل شيء، محيط بكل شيء، قدير على كل شيء.
والعلم بأن الله عليم بكل شيء يقتضي أن الله لا يدعوك إلا لما فيه الخير والعواقب الحسنة، لأنه يعلم عواقب الأمور، وما تؤول إليه، وما تنكشف عنه الغيوب، وما تجري به الأقدار، فلا يأمرك إلا بما هو خير مؤكد بيقين: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فسبحان من وسع علمه كل ذرة في ملكه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وكون الله حكيمًا يدل على أنه لا يأمرك إلا بالخير، ولا ينهاك إلا عن الشر، فإذا كان الله كافي الأسماء والصفات، كان ذلك مدعاة لأن يطاع ويُتبع في كل ما يأمر به، وكل ما ينهى عنه، لأنه عليم حكيم لا يضع الشيء إلا في موضعه، وذلك يبعث العبد إلى إحسان العمل، ومراقبة الله في جميع أحواله وأقواله وأعماله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
стр. 406
فالعبد مخلوق لأجل أن يختبر في إحسان العمل، الذي من نجح فيه إخلاصًا ومتابعة دخل الجنة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
فنحن خلقنا الله في هذه الدنيا من أجل الاختبار في إحسان العمل، وإحسان العمل لا يتم إلا بمراقبة الله، وإخلاص العمل له، وإتباع رسوله في كل ما جاء به، بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وأعظم واعظ للعبد أن يعلم أن الله رقيب عليه، مطلع عليه، يحصي عليه جميع أحواله وأقواله وأعماله، ويعلم جميع نياته وأقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، بل لا يعزب عنه سبحانه مثقال ذرة في العالم العلوي والعالم السفلي: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وإذا علم العبد أن ربه رقيب عليه، شهيد عليه، وسميع لأقواله، وبصيرًا بأفعاله أحسن عبادة ربه، واتبع رسوله ﷺ .
والمراقبة هي الواعظ الأعظم، لا تكاد تخلوا منها ورقة في المصحف، والمراقبة والعلم أعظم واعظ وأعظم زاجر: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].
стр. 407
الإيمان بالله أساس تبنى عليه الأعمال الصالحة، ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله من أعظم روافد الإيمان، وعلامة الإيمان أن المؤمن يحصل له وجل القلب عند سماع ذكر الله خوفًا من الزيغ عن الهدى، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
وتحصل كذلك للمؤمنين الطمأنينة، وانشراح الصدر، عند ذكر الله كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فالقلب يتغذى بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه، ومعرفة وعده ووعيده، فيمتلئ القلب بالإيمان، وتتحرك الجوارح بأنواع الطاعات والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فهو ﷻ القيوم والقيم والقيام والقائم على ملكه العظيم، فهو سبحانه القائم بالقسط وهو العدل، وقائم على كل نفس بما كسبت: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» متفق عليه (١).
стр. 408
فالله ﷻ قيوم السماوات والأرض، وكل مخلوق له نصيب من القيام، فهو قائم بالقيم القيوم الذي أقامه على ما يريد، وعدل الله يستلزم الإحسان فكل ما يفعله هو إحسان إلى العباد، والقيام يقتضي القوة، والثبات، والاستقرار، ويقتضي العدل والاستقامة، وقيام الله على كل نفس بالعدل يستلزم قدرته العظيمة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا علمتم ذلك آمنتم به، وأحببتموه، وعظمتموه، وعبدتموه وحده، فهو ﷻ القادر القدير المقتدر، خالق كل شيء وحده، القدير على كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فكل ما يقدر الله فإما أن يكون موجودًا في الأعيان، أو في الأذهان، فهو سبحانه خالق الموجودات العينية كالسماء والأرض، ومعلم الصور الذهنية فلا يخلو شيء أصلًا عن تخليقه أو تعليمه، فهو خالق هذا ومعلم هذا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
فالله خالق كل شيء وقيوم كل شيء، وكل ما أقامه القيوم فله قيام، ولكل مخلوق قدرٌ ممن خلقه يحدد نوعه، وشكله، وحركته، وزمانه، ومكانه، وحياته، وموته، فلكل مخلوق من هذه المخلوقات العظيمة في العالم العلوي والعالم السفلي قدرٌ ممن خلقه يحدد نوعه وشكله وحركته: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
стр. 409
وقال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
والله هو الملك الحق الذي استوى على العرش برحمته كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
بائن من خلقه، لا يحتاج إلى أحد من خلقه لا العرش ولا غيره، بل جميع المخلوقات محتاجةٌ إلى الله، مضطرة إليه، في وجودها وبقائها وحركتها وسكونها: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
والله سبحانه جعل الأعلى من المخلوقات مستغنيًا عن الأسفل، فالعرش فوق السماوات، وليس محتاجًا إليها، والكرسي فوق السماوات، وليس محتاجًا إليها، والسماوات فوق الأرض، وليست محتاجة إلى الأرض لتحملها، والله فوق العرش، ليس محتاجًا إلى العرش، بل العرش محتاجٌ إليه سبحانه، والشمس فوق الأرض وليست محتاجة إليها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فالله استوى على العرش بقدرته ورحمته وعظمته وجلاله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
فهو العلي الأعلى العالي فوق جميع مخلوقاته، ومع علوه فهو قريب من عباده، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ويعلم سرهم وجهرهم: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
стр. 410
وصفات الرب ليست كصفات خلقه، فالله مستو على العرش، وليس مفتقرًا إليه، واستواء الله على العرش ليس كاستواء الملك المخلوق على سريره، الملك المخلوق مفتقر إلى سريره ليحمله، ولو زال سريره عنه لسقط، لأن هذا فقير محتاج إلى فقير، والفقير محتاج إلى الغني، القادر، القاهر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، فالله غني عن العرش، وكل ما سواه، بل العرش مفتقر إلى ربه، وهو سبحانه خالق العرش، وممسك العرش، وحملة العرش، فالله خلق المخلوقات عاليًا وسافلًا، وجعل العالي غنيًا عن السافل، كما جعل الهواء فوق الأرض، وليس محتاجاً إليها، وجعل السماء فوق الهواء، وليست مفتقرة إليه ليحملها، فالله في علوه أعظم وأجل أن يحتاج إلى من دونه من خلقه من العرش وغيره: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ [يونس: ٦٨].
الله هو الخلاق العليم الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، وخلق سبع أراضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وخلق الله الماء فوق السماء السابعة العليا، وعرش الرحمن فوق الماء، والله فوق العرش: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
стр. 411
وكرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وهو مستو على العرش العظيم الذي أحاط بجميع المخلوقات: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
والله عليم بكل شيء، يعلم ما في السماوات السبع، والأرضين السبع، وما عليهما وما بينهما، ويعلم ما تحت الثرى، وما في قعر البحر، ومنبت كل شعرة وشجرة، وزرع ونبات، ويعلم مسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الرمل والحصى والتراب، ومثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وأعمال العباد، وآثارهم، وكلامهم، وأنفاسهم: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
هو العليم السميع البصير الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه مثقال ذرة من ملكه العظيم، حجابه النور الذي لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصرهم من خلقه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وهو الغني الذي لا شريك له، وكل ما سواه فقير إليه في خلقه وإيجاده وإمداده وهو ﷻ العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
стр. 412
والله هو العليم الخبير، والذي دعا عباده إلى معرفة علمه العظيم، وملكه الواسع، وقدرته الشاملة، والتعبد لله بموجب ذلك، فإذا عرفوه بكبريائه وعظمته، وإنعامه وإحسانه، أمنوا به وعظموه، وأحبوه وعبدوه وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
والله هو الحكيم العليم، أخفى اثنين في اثنين:
أخفى رضاه في طاعته، وأخفى سخطه في معصيته، فلا نعلم في أي طاعة يرضى عنا ربنا، ولا نعلم في أي معصية يسخط علينا ربنا.
ثانيًا: أخفى الله أولياءه في عباده ولا يعلم أولياءه من أعدائه إلا هو، لأنه هو العليم الخبير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]
ولحكم عظيمة أخفى الله أمورًا، وأظهر أخرى.
فأظهر المخلوقات من سماء وأرض وجبال وبحار وغيرها وأخفى نفسه، وأظهر الدنيا وأخفى الآخرة، وأظهر قيمة الأموال والأشياء وأخفى قيمة الإيمان والأعمال الصالحة، وأظهر الأجساد وأخفى الأرواح، وأظهر السنن الكونية، وأخفى القدرة الإلهية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
стр. 413
٧ - الخزانة السابعة
• فقه أسماء الله وصفاته وأفعاله:
الله عليم بكل شيء، بصير بكل شيء، خبير بكل شيء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو مع عباده أينما كانوا في برٍ أو بحرٍ أو جو، في ليل أو نهار، في نور أو ظلام، فهو معهم في أي مكان كانوا، وفي أي زمان كانوا، وفي أي حال كانوا: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وذلك لكمال علمه وإحاطته بالخلق علمًا وقدرة، وسلطانًا وتدبيرًا، لكنه ليس معنا في نفس المكان الذي نحن فيه؛ لأنه سبحانه هو الكبير المتعال فوق كل شيء، مستو على عرشه، عالٍ على خلقه، ولا يمكن أن يحيط به شيء من خلقه، لأنه هو المحيط بكل محيط، ولا يحيط به محيط ﷻ ، ولا يمكن أن يسعه شيء من مخلوقاته، بل: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
لكنه سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
فهو العلي في دنوه، والقريب في علوه ﷻ .
فلا إله إلا الله، ما أعظم علمه وقدرته: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ
стр. 414
مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾ [الحديد: ٣ - ٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].
فيجب أن نعلم أن الله ليس في الأرض بذاته، لأننا لو توهمنا هذا لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه، وإحاطة خلقه به، وسعة خلقه له، وهذا باطل، فالله هو الكبير المتعال، المحيط بكل محيط، وكل ما سواه صغير ودونه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
هو الله العلي الأعلى، الذي أحاط بكل خلقه، وهو الواسع الذي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
فالله مع الخلق، لكنه فوق عرشه، لأن الله ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا منافاة بين العلو والمعية، حتى في المخلوق، فنحن نسير على الأرض والقمر معنا ونسير على الأرض والشمس معنا، فنحن في الأرض والشمس والقمر معنا، وهما في السماء؛ لأن كلاً منهما معنا، لأنه ما غاب عنا، والله أعظم من ذلك وأعلى وأجل: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
وهو العلي العظيم، وهو العلي الأعلى، فالله سبحانه فوق عرشه، فوق جميع مخلوقاته، مع جميع خلقه أينما كانوا، يحيط بهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، وثمرة هذه المعية أن تراقب الله، وتخاف منه، وتعبد الله وكأنك تراه، وتقوم بطاعته، وتحذر من معصيته: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا
стр. 415
يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤].
• أقسام المعية:
المعية التي أضافها الله إلى نفسه تنقسم إلى أقسام:
فتارة يكون مقتضاها الإحاطة بالخلق، علمًا وقدرة، وسلطانًا، وتدبيرًا، وسمعا وبصرًا، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧].
وتارة يريد الله بها التهديد والإنذار كما قال سبحانه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨].
فهذا تهديد لهم يظنون أن الله لا يعلم بعملهم والله بكل شيء عليم.
وتارةً يراد بالمعية النصر والتثبيت والتأييد.
وهذا القسم ينقسم إلى قسمين:
الأول: تارة يضاف إلى المخلوق بالوصف كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
فأي مؤمن يكون متقيًا محسنًا فالله معه.
الثاني: وتارة يضاف إلى المخلوق بالعين؛ أي الشخص نفسه، كما قال سبحانه عن النبي ﷺ وأبي بكر ﵁: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
стр. 416
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].
وكما قال سبحانه عن موسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
فهذه معية خاصة مقيدة بالشخص، والتي قبلها مقيدة بالوصف.
والله له أسماء الجلال والجمال، فهو العزيز الجبار، وهو الرحمن الرحيم، ففي مقام التهديد والوعيد يقدم الله صفات الجلال كما قدم ذكر شدة العقاب في قوله سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
وقال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ [المائدة: ٩٩].
وإذا تحدث الله عن نفسه ليبين صفاته، قدم صفات الجمال على صفات الجلال كما قال سبحانه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣].
وهو ﷻ الرحمن الرحيم، والرحمن ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقين في الدنيا من مسلم وكافر وحيوان، فنعمه على الخلائق لا تعد ولا تحصى، لأنه لا خالق غيره، ولا رازق سواه، والرحيم هو الذي
стр. 417
يرحم عباده المؤمنين في الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فالله ذو رحمة واسعة، حيث أمهل البشر في الدنيا مع معاصيهم، وأغدق عليهم نعمه التي لا تعد ولا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
وأعطاهم الأمن والعافية، وهم يكذبون رسله، ويرتكبون مساخطه، ويخالفون أوامره، ويعصونه بنعمه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ [الأنعام: ١٤٧].
وربوبية الله لعباده نوعان:
الأول: ربوبية عامة لجميع الخلق، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
فهو رب جميع العوالم، هو الذي خلقها، وهو الذي أبقاها، وهو الذي يحركها ويسكنها.
الثانية: ربوبية خاصة لمن شاء من عباده، وهي تقتضي عناية خاصة من الله لعبده المؤمن كما قال سبحانه عن موسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
وقال عن موسى ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢].
وقد اجتمع النوعان في قول سحرة فرعون لما آمنوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢].
стр. 418
• أقسام أسماء الله الحسنى:
أسماء الله كلها حسنى كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
• وأسماء الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الأسماء الحسنى المطلقة كالعزيز، القوي، الرحمن، الرحيم.
الثاني: الأسماء الحسنى المقيدة كغافر الذنب، وقابل التوب، وفاطر السماوات والأرض، وفالق الإصباح ونحوها.
الثالث: الأسماء المتقابلة: كالمقدم والمؤخر، والقابض والباسط ونحوها.
والله بيده ملكوت السماوات والأرض، فبيده العطاء والمنع، والبسط والقبض، فالعطاء من الله خير، والمنع منه خير، والبسط خير، والقبض خير، والإعزاز خير، والإذلال خير: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
فهذه الأسماء المتقابلة والصفات لا تذكر وحدها، بل تذكر مقترنة بما يقابلها؛ لأن الكمال في الاتصاف بهما معًا، لأن الله متصف بهذا وهذا.
الله سبحانه حكيم عليم ما منع إلا ليعطي، وما ابتلى إلا ليعافي، وما قبض إلا ليبسط، لأنه الرب الرحيم الحكيم الذي يربي عباده بما يصلحهم.
فسبحان ربنا العلي الأعلى الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى في السماوات والأرض: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
стр. 419
• أقسام أسماء الله الحسنى:
أسماء الله الحسنى أربعة أقسام:
الأول: اسم ذات، وهو اسم الله.
الثاني: أسماء تنزيه كالقدوس والسبوح.
الثالث: أسماء صفات كالقوي والرحمن والرحيم وأمثالها.
الرابع: أسماء أفعال كالعزيز والرزاق والخالق، فالعزيز الذي لا مثل له من أسماء التنزيه، والعزيز الذي لا يغلب من أسماء الصفات، والعزيز القوي من أسماء الصفات، والعزيز الذي يعز من شاء من أسماء الأفعال وهكذا في بقية الأسماء نتعلمها، ونتعبد لله بموجبها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].
فالله له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، لهذا استحق العبادة لجلاله وجماله وكماله، فالله ﷻ هو الخالق لكل شيء القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، المالك لكل شيء: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
والعالم العلوي، والعالم السفلي، كله في قبضته، وتحت قهره، فكل ذرة في الكون لا توجد إلا بأمره، ولا تبقى إلا بأمره، ولا تتحرك إلا بأمره، ولا تسكن إلا بأمره، ولا تنفع إلا بإذنه، ولا تضر إلا بإذنه، ولكل ذرة في الكون سجل عند العليم الخبير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
стр. 420
والكون كله مظهر لقدرة الله، فيه جميع المخلوقات العلوية والسفلية، ومظهر لقدرة الله في كل وقت: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فسبحان الملك القادر الذي يحرك مليارات الذرات والنجوم والذوات في آن واحد، ويبقي هذا الملك العظيم بقدرته، ولو شاء الله لرفع عنه أمر البقاء ففني كله في لحظة واحدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
فهو سبحانه الخالق الذي خلق هذه الخلائق العظيمة شاهدة له بالوحدانية، ومسبحة بحمده، وخاضعة لأمره، ومستجيبة لمشيئته، ومسرعة إلى إرادته.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
والله هو المعبود بحق، والله وحده هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له؛ لأنه الخالق البارئ المصور، الملك القدوس، الرحمن الرحيم، فهو الإله العظيم الذي لا أعظم منه، الكبير الذي لا أكبر منه، القوي الذي لا أقوى منه، القادر الذي لا أقدر منه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
стр. 421
(٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٦ - ٢٨].
هو الرب العظيم الذي حارت في عظمة ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله الألباب والعقول والأفئدة فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، فلا يعطي ولا يمنع إلا الله، ولا يعز ولا يذل إلا الله، ولا يحيي ولا يميت إلا الله وحده لا شريك له: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠].
ومن أيقن أنه لا اله إلا الله وحده، عبده وحده، وأطاعه وحده، ورجاه وحده وخافه وحده، وأحبه وحده: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فلا إله للرغبة إلا الله، ولا اله للرهبة إلا الله، فإذا رغبت فلا ترغب إلا في الله، وإذا خفت فلا تخاف إلا من الله، هو وحده الذي يزيل الغمة، ويكشف الكربة، ويعطي النعمة، والموحد حقًا من أيقن أن أمره كله بيد ربه، لا بيد غيره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فإذا أردت أن تحب فالحب الذي يدفع الإنسان للتذلل والانكسار بين يدي الله هو حب الله، فلا تحب إلا الله، وإذا أردت أن تثق بأحد فلا تثق إلا بالله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
стр. 422
وإذا أردت أن تتوكل فلا تتوكل إلا على الله وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
والإنسان قد يغره منصبه أو ماله أو أعوانه، فيعرض عن ربه، فإذا وقع في محنة مهلكة، عاد إلى فطرته، وفزع إلى ربه بالتوحيد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وكما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠].
فنهاية العلم الإلهي التوحيد، ونهاية العمل التقوى.
وعبادة الله لا تسمى عبادة إلا مع كمال الحب والتعظيم وكمال الذل لله ومن أحب أحدًا، أو شيئاً، وعصى الله من أجله، فقد عبده: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
وعبادة الشيطان هي طاعته: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
стр. 423
٨ - الخزانة الثامنة
• معرفة الله أعظم أبواب الإيمان بالله:
الله نور السماوات والأرض، هو النور الظاهر بنفسه، المبين الذي هو أبين من كل بين، هو النور المظهر لغيره من ظلمة العدم إلى نور الوجود.
هو الظاهر بذاته المظهر لكل ما سواه من مخلوقاته وآياته، هو النور الهادي الذي يرشد بهدايته كل أحد، هو النور الهادي الذي يرشد بهدايته من يشاء من عباده، فيبين له الحق، ويلهمه إتباعه، هو النور الظاهر الذي ظهر به كل ظهور: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
فسبحان النور الذي نور الكون بنوره الذي وسع كل شيء، ونور المخلوقات الظاهرة كالشمس والقمر، والنجوم والكواكب، ونور القلوب بالتوحيد والإيمان: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والله هو نور السماوات والأرض، إن اتصلت به أعطاك من نوره بما يدلك عليه ويعينك على عبادته، ويهديك إلى سبل مرضاته: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
стр. 424
هو ﷻ النور الذي أحيا قلوب العارفين بنور معرفته، وأحيا نفوس العابدين بنور عبادته: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وإذا ملأ الله قلب عبده بنور التوحيد والإيمان أبصر الطريق، وأحسن التصرف، وقال القول الحسن، وعمل العمل الصالح، وتخلق بالأخلاق الحسنة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وإذا خلا قلب العبد من نور الإيمان، خبط خبط عشواء، لأنه أعمى، فأساء التصرف، وأساء القول، وأساء العمل: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢].
واعلم أن الرؤية الحسية أساسها نور الشمس والقمر، مع نور العين، فلترى الأشياء والذوات فلابد من هذا وهذا، أما الرؤية القلبية فأساسها نور الله ، فمن اتصل بالله ظهر على وجهه نور الإيمان، وامتلأ قلبه بنور الإيمان، فعبادة الله تكسب القلب نورًا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
والله هو الحفيظ لجميع ما في ملكه، فاحفظ الله يحفظك، وافعل الأسباب المشروعة لحفظ الصحة والمال والأهل، وتوكل على الحفيظ وحده في حفظها: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ [هود: ٥٧].
стр. 425
قال النبي ﷺ : «احْفَظْ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنفَعُوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوْكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضَرُّوْكَ إِلَّا بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد (١).
وما عند الله لن يناله العبد إلا إذا اتبع منهج ربه، حفظ الجوارح بطاعة الله، وحفظ العين بالبكاء من خشية الله، والغض عن محارم الله، وحفظ اللسان بالكف عن كل شي، وترك ما لا يعني، وإشغاله بالذكر والحمد، والدعاء والدعوة وحفظ المال بتأدية الزكاة، والكسب المشروع، وحفظ الوقت باستعماله فيما يرضي الله : ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
واعلم بأن الله حفيظ عليم لا ينسى شيئًا، فكل أعمال الإنسان وأقواله ومواقفه وعطائه، وخيره وشره، كل ذلك محفوظ عند الحفيظ سبحانه في كتاب مرقوم يستحيل أن يضيع منه كلمة أو صفحة: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].