وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].
فسبحان الله ما أجهل العبد بربه، وما أجهله بملكه وسلطانه، وما أجهله بدينه وشرعه وثوابه وعقابه.
• فالناس أربعة:
١ - رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالمٌ فخذوا عنه.
٢ - ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذاك ناسٍ فذكروه.
٣ - ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك طالب علمٍ فعلموه.
٤ - ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك أحمق فارفضوه.
فالناس مختلفون في العقول والأفهام، والإقبال والإدبار، والله سبحانه يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٣].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
• فضل الله آدم على غيره من الملائكة وغيرهم في أمور:
فالله سبحانه خلق آدم بيده، وأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وجعله خليفةً في الأرض، وقد بلغ آدم ﷺ في
стр. 3887
منصب الخلافة أعلى الدرجات. فالدنيا خلقها الله متعةً لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، والملائكة في طاعته، وإعانته؛ فبعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه، وبعضهم مستغفرين لزلاته، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبر عليه.
ومع هذه الكرامات والمناصب العالية يقول الله له: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥].
فهو في الدنيا خليفة، ويوم القيامة إذا آمن جليسه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فكم من الكرامات أعطاها الله لهذا الإنسان خلقه الله في أحسن تقويم، وأنعم عليه بنعمٍ لا تعد، ولا تحصى، وميزه على عقله، على غيره بالعقل والنطق والعلم.
وكل من عرف شيئًا؛ فإما أن يكون قادرًا على تعريف غيره به، أو يكون عاجزًا عن تعريف غيره به.
فالأول: هو الإنسان فإنه يعلم بالأشياء ويمكنه تعريف غيره بكل ما عرفه.
والثاني: هو الحيوان فأنه إذا حصل له ألم أو لذة يعجز عن تعريف غيره به.
والناس يوم القيامة يصدرون للمحاسبة، ورؤية الأعمال ثم الجزاء عليها، ويصدرون أشتاتًا: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
стр. 3888
فبعضهم يذهب إلى الموقف راكبًا مع الثياب الحسنة وبياض الوجه وهم المؤمنون وهم درجات.
قال الله تَعَالىَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٥ - ٨٦].
ومنهم من يَذهب من يُذهب بهم حفاةً، عراةً، سود الوجوه، مقيدين في السلاسل والأغلال وهم الكفار، وهم درجات: فيذهب اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، كل فريقٍ مع شكله.
وحسنات الكافر محبِطةٌ، محبَطةٌ بكفره، وسيئات المؤمن مغفورةٌ إما ابتداءً، وإما بسبب اجتناب الكبائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
وليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وهذا هو الحق والعدل والكرم:
فإن المعصية وإن قلت وصغرت ففيها استخفاف بالملك العظيم الجبار الذي له ملك السماوات والأرض وله من في السماوات والأرض، وله خزائن السماوات والأرض، وله غيب السماوات والأرض، وله جنود السماوات والأرض، وله ميراث السماوات والأرض، والكريم القادر على كل شيء الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى لا يحتمل ذلك.
стр. 3889
وفي الطاعة تعظيمٌ للملك، فهذا التعظيم وإن قل فالكريم لا يضيعه، بل يضاعف أجره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
فكل ذنب مهما كان فهو عظيم؛ لأنه وقع في حق العظيم سبحانه الذي له الخلق والأمر وبيده مقاليد الأمور.
قال الله تَعَالىَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ولأنه وقع في مقابلة نعم ربه العظيمة: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
فقه الأرواح:
الأجساد مساكن الأرواح وفي كل جسدٍ روحان:
إحداهما: روح اليقظة:
وهذه الروح هي التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظًا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات بعد مفارقة الجسد، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢].
الثانية: روح الحياة:
стр. 3890
وهي الروح التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان حيًا فإذا فارقته مات الجسد، فإذا رجعت إليه حيي الجسد عند البعث، كما قال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٩٦].
وهاتان الروحان في باطن الإنسان ولا يُعرف أين مقرهما، فهما كجنينٍ في بطن امرأةٍ واحدة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
وكذا في باطن الإنسان روحان أخريان:
١ - روحٌ ملكية: تأمر الإنسان بالخير، وتنهاه عن الشر.
٢ - وروحٌ شيطانية: تأمر الإنسان بالشر وتنهاه عن الخير.
قال الله تَعَالىَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦]
وفي الحديث «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ
стр. 3891
بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ». صححه ابن حبان (١).
وفي الحديث «التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ». أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢).
وقال ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ قَالُوا: وَإِيَّاكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» أخرجه مسلم (٣).
وماهية الروح ومكانها لا يعلمها، لا يعلمه إلا الله، فالله عليمٌ بكل شيء ونحن لا نعلم من العلم إلا قليلًا.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
والله أظهر أشياء وأخفى أشياء:
١ - فأظهر مخلوقاته، وأخفى نفسه.
٢ - وأظهر الدنيا وأخفى الآخرة.
٣ - وأظهر قيمة الأموال والأشياء وأخفى قيمة الإيمان والأعمال الصالحة.
٤ - وأظهر سنته وأخفى قدرته.
٥ - وأظهر الأجساد وأخفى الأرواح.
стр. 3892
قال الله تَعَالىَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والروح: جزءٌ لطيف خفيف يخرج من البدن عند الموت، ولا يمكن أن نشاهده وإنما يشاهده الميت، فيشاهد نفسه خرجت من جسده، كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ». أخرجه مسلم (١).
والأرواح يوم القيامة تنتقل إلى أجسادٍ أخرى؛ فالكافر ضرسه مثل أحد، وعرقه مثل جبل البيضاء، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام ومقعده في النار كما بين مكة والمدينة.
وجسد المؤمن كمثل جسد آدم ستون ذراعًا في السماء، فسبحان الخلاق العليم الذي يخلق ما يشاء ويحكم ما يريد: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
وسعادة الدنيا والآخرة تكون بالإيمان والطاعات، وشقاوة الدنيا والآخرة تكون بالكفر والمعاصي: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
• والناس في الجنة نوعان:
سعيدٌ، وأسعد .. وسابقون وأبرار.
стр. 3893
• والناس في النار اثنان:
شقيٌ .. وأشقى.
قال الله تَعَالىَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨].
• والناس أربعة أصناف:
أحدها: سعيدٌ في الدنيا والآخرة وهم أهل الإيمان والتقوى، وفي مقدمتهم الرسل والأنبياء.
الثاني: شقيٌ في الدنيا والآخرة وهم أهل الكفر والفجور، وفي مقدمتهم إبليس وفرعون وقارون وأبا جهل وغيرهم من أئمة الكفر.
الثالث: سعيدٌ في الدنيا شقيٌ في الآخرة وهم أغنياء الكفار وإن كانت سعادة دون سعادة.
الرابع: شقي في الدنيا سعيدٌ في الآخرة وهم أهل الفقر والبلاء من المسلمين.
فليتق العبد ربه الذي خلقه، وصوره وأنعم عليه، وأكرمه، وأحسن إليه، وهداه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
стр. 3894
٦ - الخزانة السادسة
• خلق آدم ﷺ :
أول ما خلق الله ﵎ العرش ثم خلق القلم وكتب به المقادير قبل كونها، وخلق آدم ﷺ آخر المخلوقات تمهيدًا وتهيئةً للدار قبل نزول الساكن.
ولكرامة آدم على خالقه هيأ الله له مصالحه وحوائجه وأسباب حياته قبل خلقه.
وخلق آدم ﷺ من أعظم الآيات فقد جمع الله ما فرقه في العالم في خلق آدم فهو العالم الصغير، وفيه ما في العالم الكبير، وهو خلاصة الوجود وثمرته.
والنفوس تتطلع دائمًا إلى النهايات والله أخر أفضل الكتب، وأفضل الرسل، وأفضل الشرائع، وأفضل الأمم إلى آخر الزمان، وجعل الآخرة خيرًا من الأولى.
فلما افتتح الله خلق هذا العالم بالقلم كان من أحسن المناسبة أن يختمه بخلق الإنسان فإن القلم آلة العلم والإنسان هو العالِم؛ ولهذا أظهر الله فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خصه به دونهم، كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١].
стр. 3895
وقد خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء إظهارًا لشرفه، وأسكنه جنته.
ولما تم خلقه في أحسن تقويم، وظهر كمال آدم على غيره جرى قدر الله بالذنب ليتبين أثر العبودية في الذل وما زالت تلك الأكلة من الشجرة تعاوده وتخيفه حتى استولى داؤه على أولاده وهو حب الشهوات، فأرسل إليهم اللطيف الخبير الدواء على أيدي من اختارهم واصطفاهم واجتباهم من أنبيائه ورسله، كما قال سبحانه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٧ - ٣٨].
فحماهم الشافي ﷻ بالمناهي، وحفظ القوة لهم بالأوامر.
واستفرغ منهم الأخلاق الرديئة بالتوبة فجاءت إليهم العافية من كل ناحية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
وبعث الله الأنبياء والرسل لبني آدم فتزينت قلوب من هداهم الله بالإيمان، وتجملت بالتقوى وتحلت جوارحهم بالطاعات ورضي الله، ورضي عنهم ربهم، وصاروا أئمةً في الخير.
ولما سلم لآدم أصل العبودية وهو التوحيد لم يقدح فيه الذنب وحين علم اللطيف الكبير، واللطيف الخبير أن ذنب عبده لم يكن قصدًا لمخالفته،
стр. 3896
ولا قدحًا في حكمته علمه كيف يعتذر إلى ربه فقال: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وقال الله : ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فآدم ﷺ لم يرد بمعصيته مخالفة سيده، ولا الجرأة على محارمه، ولكنها غلبان الطبع، وتزيين النفس والشيطان فألهمه الله التوبة وقبلها منه.
• وبخلق آدم من الطين سر عجيب:
فالطين مركبٌ على أصلين الماء الذي جعل الله منه كل شيءٍ حي، والتراب الذي جعل الله خزانة المنافع والنعم وفي ذلك إشارة إلى أن هذا الإنسان يحمل الهدى الذي به حياة العالم، ويحمل الدين الذي كله منافع.
ومن كرامة الله لآدم أن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وجميع المخلوقات خلقها الله بأمره فقال لها كوني فكانت: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
ومن كرامته له كذلك:
أن أسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها دون غيره من الملائكة، ثم جعل فيه الاستعداد للترقي حتى يصبح كالملائكة، أو الهبوط حتى يكون أسفل من الحيوان فيقضي حياته على طريقة الحيوان من أكلٍ وشربٍ ولهوٍ ولعب.
стр. 3897
• والله ﵎ عزيزٌ حكيم:
ما خلق ذرةً في الكون عبثًا، وقيمة الإنسان ومكانته بين المخلوقات عظيمة، فمكانته بين السماوات والأرض كمكانة القلب من الجسم، وبقاء المخلوقات مرهونٌ بوجود الإنسان، وكما أن القلب إذا فَقد إذا فُقد هلك البدن فكذلك الإنسان إذا فَقد أنهى الله هذا الكون وطواه.
• وقد خلق الله جميع المخلوقات وجعل لكل مخلوقٍ مقصدًا:
وأشرف المخلوقات مقصدًا هو الإنسان هو من المخلوقات بمنزلة القلب من البدن، وقد شاء الله أن يخلق آدم ويستخلفه في الأرض فأقدره على أشياء، وأعجزه على أشياء وعلمه أشياء، وستر عنه أشياء، وقهره على أشياء وجعل له الخيار في أشياء، وذلك ليستكمل مقومات الخلافة، ولا ينسى أنه غير أصيل فله مرجعٌ يعود إليه، وقوةٌ أعلى يعود إليها، ويستعين بها تمده بما شاء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
أرسل الله آدم إلى الأرض ليقيم أمر الله في ذريته، ولم يرسل الله آدم إلى الأرض ليقيم أمر الله دون تدريبٍ عملي، بل جعل له تجربةً واقعية يعيش فيها التكليف بأمره ونهيه، وبمقومات التكليف من الغفلة، والنسيان، وإغواء الشيطان، وتزيينه قبل أن يهبط إلى الأرض فإذا أخطأ رده الله إلى الصواب بلطف.
стр. 3898
فأسكنه الله الجنة مع زوجه، وأمده بكل ما يحتاج بدون تعب ولا نصب كما قال سبحانه: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٧ - ١١٨].
ثم استقبل آدم ﷺ المنهج من ربه أمرًا ونهيًا: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥].
ثم حذر سبحانه آدم ﷺ من معوقات التكليف خاصةً الشيطان فقال: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
ثم كان ما كان من الشيطان فأغرى آدم وزوجه بالأكل من الشجرة: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠].
فأغراهما بالأكل من الشجرة ليحصل لهما الخلود والملك، وأكد ذلك لهما بصفة الناصح الذي يريد لهما الذي يريد لهما الخير: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف: ٢٠ - ٢١].
ونسي آدم ﷺ أنه في دور التجربة والتدريب فأكل وزوجه من الشجرة، فماذا حصل لهما؟.
стр. 3899
قال الله : ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ [الأعراف: ٢٢].
وماذا كان جزاء آدم ﷺ حين نسي أمر ربه، وأكل من الشجرة؟.
كان الجزاء فقط أن يلقنه الله مولاه كيف يرجع إليه ويتوب إليه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
واعترف آدم وزوجه بالذنب وسألا ربهما أن يغفره لهما ويرحمهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
فاستجاب الله لدعاء آدم ﷺ واجتباه وتاب عليه وهداه كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢].
وبعد هذه التربية لآدم في الجنة، وبعدما ظهرت له عداوة الشيطان، وبعدما علمه الله كيف يتخلص من الذنب أهبط الله آدم إلى الأرض ليقوم وذريته بالخلافة فيها، وأهبط معه الشيطان، وحذره منه: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾ [الأعراف: ٢٤].
ولما أهبط الله آدم وزوجه إلى الأرض رزقهم الذرية، وأخبرهما بحال إقامتهم فيها، وأنه جعل لهم فيها حياةً، وأنه جعل لهم فيها حياة مشحونةً بالامتحان والابتلاء ثم يتلوها الموت، وأنهم لا يزالون فيها يرسل الله إليهم رسله، وينزل عليهم كتبه حتى يأتيهم الموت فيدفنون فيها ثم إذا استكملوا
стр. 3900
بعثها الله، بعثهم الله وأخرجهم منها إلى الدار التي هي الدار حقيقةً التي هي دار المقامة كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف: ٢٥].
ثم امتن عليهم بما يسر لهم من اللباس والطعام والشراب والسكن والمركب مبينًا لهم أن هذا ليس مقصوده، مقصودًا بالذات، وإنما أنزله الله ليكون معونةً لهم على عبادته وطاعته، وأن يعرفوا المنعم فيشكروه، وأن لباس التقوى خير لباسٍ يلبسه العبد وهو جمال القلب والروح، كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
ثم حذر الله بني آدم أن يفعل بهم الشيطان كما فعل بأبيهم آدم فيغريهم بالمعاصي ويزينها لهم، فينقادون له فليحذروا منه لئلا يقعوا في معصية الله يا بني، قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧].
• فآدم ﷺ أبو البشر:
البشر فيهم المؤمن والكافر ففي فترة التربية في الجنة كان آدم ﷺ بشرًا عاديًا غفلةً وسهوًا ونسيانًا وضعفًا: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
стр. 3901
وفي الطور الثاني يمثل آدم ﷺ المصطفين الأخيار المبلغين عن الله فيجب أن يكون معصومًا لأنه رسولٌ من الله.
وآدم ﷺ عصى ربه، وإبليس عصى ربه لكن الفرق أن آدم ﷺ عصى ربه ولم يَرد الأمر على الله بل اتهم نفسه، وأقر بالظلم وأقر بالظلم والتقصير والغفلة والنسيان: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
أما إبليس فقد رد الأمر على ربه وتكبر وخالف أمر ربه كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وبسبب هذا الإباء والاستكبار طرده الله ولعنه، فمن رد الأمر على الله واستكبر عن امتثال أمره ففيه شبهٌ بإبليس، ومن عصى الله واعتذر وتاب إلى ربه ففيه شبهٌ بآدم ﷺ .
آدم وزوجه حوا لما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن، عن الأكل منها بدت لهما سوءاتهما، كما قال سبحانه: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١].
وفي هذا إشارة إلى أن إلى أن الدين حين يُخالف تبدو عورات الناس، فلا عورة في مجتمع إلا إذا كان أمرٌ من أوامر الله قد خولف، ولما عصى آدم ﷺ ثم تاب وتاب الله عليه أهبطه إلى الأرض للقيام بالخلافة وتنفيذ أوامر
стр. 3902
الله، وهبط معه إبليس ليظل مجاهدًا في سبيل الله، ويظهر الله نصرته لوليه ويخذل عدوه.
ثم بدأ المنهج الإلهي في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
ومعصية آدم ﷺ ذكرها الله، بقوله سبحانه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١].
والعصيان قد يكون عمدًا فيكون ذنبًا، وقد يكون خطئًا أو نسيانًا فيكون زلة، وهذه معصية آدم ﷺ فمعصيته خطأٌ ونسيان: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦].
ومما يدل على أن معصية آدم لم تكن عمدًا ولا قصدًا بل نسيانًا قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
ومن ثم فلا مؤاخذة لأن الله لا يؤاخذ على الخطأ والنسيان، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: «قَالَ قَدْ فَعَلْتُ» أخرجه مسلم (١).
стр. 3903
وإنما اعتبر القرآن النسيان معصية لآدم فذلك لمقام آدم ﷺ الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وعلمه الأسماء كلها، والذي شأنه هكذا يجب أن يكون يقظًا كأقوى ما يكون بحيث لا ينسى وصاية الله له.
ولما علم الله منه بان معصيته لم تكن بسبب الكبر بل بسبب الغفلة والنسيان والشهوة وإغواء الشيطان ألهمه الله التوبة، وتاب عليه كما قال سبحانه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وترك الأمر معصية، وارتكاب النهي فسق، وارتكاب النهي أخف من ارتكاب أخف من ترك الأمر، وترك الأمر ذنب إبليس لأن الله أمره بالسجود فامتنع، وبسبب هذا الكبر أخرج إبليس من رحمة الله، وارتكاب النهي ذنب آدم ﷺ .
• وآدم في الجنة أصيب بآفتين:
النسيان وضعف العزيمة كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
وهذان مرضان.
علاج الأول: بالذكر والتذكير، علاج النسيان بالذكر والتذكير.
علاج الثاني: وهو ضعف العزم يكون بتكوين بيئة الإيمان والأعمال الصالحة.
стр. 3904
وآدم في الجنة ليس عنده من يذكره إذا نسي وليس عنده بيئةٌ للأعمال التي تقوي عزيمته إذا ضعف وغلبته الشهوة، إذا ضعف وغلبته الشهوة، فسهل التأثير عليه وإغراؤه، ووقع في ارتكاب النهي وأكل من الشجرة نسيانًا لا عمدًا وهاتان الآفتان لازمتان لكل إنسان وشفاء الإنسان منهما بالتذكير وتكوين بيئة الإيمان والأعمال الصالحة التي تقوى بها العزيمة إذا ضعف الإنسان.
والله سبحانه ابتلى آدم وذريته بأن حبب لكل إنسان حب الخلد وحب المال، حب الخلد وحب الملك الذي لا يبلى، وبهما تمكن الشيطان من إغواء آدم ﷺ ولما كان هذا نسيانًا من آدم للعهد ألهمه الله أن يتوب: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧].
وقد من الله على آدم بنعم كثيرة، وعلمه الإيمان والتوحيد ومعرفة ربه وألهمه اليقين على ذاته وأسمائه وصفاته. وحذره من عدوه الشيطان بقوله: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
وإبليس أول من اجتهد لتغيير اليقين على ذات الله لليقين على الأشياء، بإغراء آدم بالأكل من الشجرة ليحصل له الملك والخلد
• فالشيطان أول من أول من أفسد يقين آدم:
ولا يزال يفسد يقين ذريته فهو جاهدٌ على البشر ليحُول ليُحَوِل يقينهم على ربهم إلى اليقين على المخلوقات،
стр. 3905
ويشغلهم بالأموال والأشياء عن الإيمان والأعمال الصالحة، ويزين لهم العادات والتقاليد بدل من السنن والحكام، ويزين لهم الخلود في الدنيا، وينسيهم ذكر الموت ودار الخلود، ولكن الله تاب على آدم، وهداه، وحذر ذريته من طاعة عدوهم الشيطان الذي غر أباهم حتى وقع في المعصية.
وآدم ﷺ لما طلب الخلود في الجنة من جانب الشجرة التي أغراه الشيطان بالأكل منها عوقب بالخروج منها.
وكذلك يوسف لما طلب الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا عوقب باللبث فيه بضع سنين، وذلك كله بإغواء الشيطان وتزيينه الذي زين لآدم ولا زال يزين لذريته معصية الله، وذلك كله بإغواء الشيطان وتزيينه وحرصه على إفساد يقين العباد ليعصوا ربهم ويطيعوه فيهلكون معه، وحين خلق الله آدم قال الله للملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
قال الله لهم: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
فقه خلق آدم ﷺ :
خلق الله آدم ﷺ وأكرمه وأسكنه جنته وابتلاه ليربيه لا ليعذبه، فسلط الله عليه عدوه بعد أن حذره منه، ولكن آدم ﷺ ضعُف وعصى ربه فهبطه الله
стр. 3906
إلى الأرض، هبط إلى الأرض ﷺ مؤمنٌ بربه مستغفرٌ من ذنبه مأخوذٌ عليه عهد الخلافة أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان والهوى.
ثم مضى بآدم ﷺ الزمن وجاءت ذريته وبث الله من نسله رجالًا كثيرًا ونساءً، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]
وحل بالإنسان ما حل بأبيه آدم ﷺ من النسيان والضعف وتسلط عليه الشيطان وأغراه بالمعاصي وزينها له كما فعل بأبيه فغلبه الشيطان، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
لقد هبط آدم ﷺ إلى الأرض موحدًا مهتديًا تائبًا، ولكن ها نحن نرى أكثر البشرية ضالًا مفتريًا ظالمًا كذابًا مشركًا معاندًا لرسل ربه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].
وقال الله : ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢].
فلابد من الإنقاذ مرةٍ أخرى ومن رحمة الله للبشرية أنه كلما انحرفت عن منهج الله بعث الله إليها رسولًا يردها إليه، فقد أرسل الله مئة وأربعةٌ وعشرون نبيًا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر حتى ختمهم بمحمد ﷺ وتسلمت أمته من بعده إبلاغ هذا الدين، والقيام عليه في أنحاء الأرض إلى
стр. 3907
يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
والمنهج هو الهدى الذي أرسل به رسله دعوةٌ إلى التوحيد والإيمان بالله، والترغيب في الطاعات وتحذيرٌ من المعاصي وأمرٌ بكل خير وتحذيرٌ من كل شر: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقيمة الشيء ترتفع بقدر ما فيه من الصفات، وكذلك قيمة المسلم عند الله ترتفع بقدر ما يحمل من الإيمان والتقوى، وما يقوم به من الأعمال الصالحة، وبنو آدم كثيرون ولكن الله اشترى منهم أحسنهم وأفضلهم وأكملهم وهم المؤمنون فهؤلاء خير الناس وأحسن الناس وأغلى الناس، والسلعة إذا خفي عليك قدرها وأردت أن تعرف قيمتها، فانظر إلى المشتري لها من هو؟ وانظر إلى الثمن المبذول فيها، وانظر إلى من جار على يديه عقد الشراء؟
فالسلعة: النفس المؤمنة
والمشتري لها: هو الله الغني عن العالمين،
وثمنها جنات النعيم،
стр. 3908
والسفير في هذا العقد خير خلقه من الملائكة وأكرمهم عليه وهو جبريل ﷺ ، وخير خلقه من البشر وأكرمهم عليه وهو محمد ﷺ .
وصفات هذه السلعة: الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ﴾ [التوبة: ١١١].
والذين اشتراهم الله لهم صفات هي: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
لقد خلق الله آدم ﷺ من الأرض، فمن الطين كون الله كل عناصر جسده فيما عدا سر الحياة الذي لا يدري أحدٌ كيف جاء؟! وفيما عدا تلك النفخة العلوية التي جعلت منه إنسانًا، ونحن نجهل كنه هذه النفخة وهذه الروح فما أحدٌ يعلمها إلا الله، كما قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
ولكننا نعرف آثارها فآثارها هي التي ميزت هذا الكائن الإنساني على سائر الخلائق في هذه الأرض، ميزته بالقابلية للرقي العقلي والروحي، فجعلت عقله ينظر تجارب الماضي ويصمم خطط المستقبل ويتقي ويحذر: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
стр. 3909
وجعلت روحه تتجاوز المُدرك بالحواس والمدرك بالعقول، ليتصل بالغيب المجهول بالحواس والعقول، وخاصية الالتقاء العقلي والروحي خاصيةٌ إنسانيةٌ بحتة لا يشاركه فيه أحد من الأحياء في هذه الأرض سوى الجن، لقد نفخ الله من روحه في هذا الكائن البشري لأن إرادته اقتضت أن يكون خليفةً في الأرض ويتسلم مقاليد هذا الكوكب في الحدود التي قدرها الله له وهي الخلافة في الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
وقد أودع الله الإنسان القدرة على المعرفة، ومن يومها وهو يرتقي كلما اتصل بربه واستمد منه منهج الحياة وقام بأمر الخلافة الراشدة: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وما كان لهذا الإسلام الصغير الحجم القصير الأجل المحدود المعرفة أن ينال شيئًا من هذه الكرامة لولا لُطف ربه وكرمه ورحمته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فلله كم كرامة؟ وكم نعمة؟ وكم رحمة؟
حصلت للبشرية في خلق آدم ﷺ ﷺ ، وفي سجود الملائكة له، وفي سكنه الجنة، وفي هبوطه للأرض، وفي كونه خليفةً في الأرض، وفي نسله وذريته، فكم من الأنبياء والرسل الذي أخرجوا من نسله، وكم من العباد والزهاد، وكم من العلماء والدعاء والمصلحين خرجوا من نسله، فقد أظهر
стр. 3910
الله فضل آدم على الملائكة بما خصه من العلم الذي لم تعلمه الملائكة وأمرهم بالسجود له تكريمًا له وإظهارًا لفضله وامتحانه بالسجود لمن زعم أنه يُفسدُ في الأرض ويسفكُ الدماء فاسجدهم له وأظهر فضله عليهم، لما أثنوا على أنفسهم وذموا الخليفة الذي اصطفاه ربهم.
واستخرج سبحانه ما كان كامنًا في نفس إبليس من الكِبر والمعصية، والذي ظهر عند أمره بالسجود مع الملائكة لآدم ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
فاستحق إبليس اللعنة والطرد والإبعاد على ما كان كامنًا في نفسه والله يعلم ذلك، ولكن لم يكن ليعاقبه على ما علمه بل على وقوع المعلومة الذي لم تكن الملائكة تعلمه فلما امتنع من السجود علموا خُبثه، وسبب معصية إبليس الاستكبار والإباء والكفر بينما ذكر تلك الشبهة عنوةً، إذ ليس في أمره بالسجود لآدم ما يُناقض الحكمة بوجه، وشبهة إبليس داحضة أنه قال: أنه خُلِقَ من نار وآدم خُلِقَ من طين والنار خيرٌ من الطين فهو خيرٌ من آدم فكيف يخضع له، ويسجد له؟!.
كما قال سبحانه لإبليس: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢].
فلما امتنع إبليس من السجود وعصا ربه واستكبر حطه الله من مرتبته العالية إلى أسفل سافلين، وأهبطه من الجنة لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تليق
стр. 3911
بأخبث خلق الله وشرهم فأُهبط إلى الأرض ذليلًا مهانًا ملعونًا جزاءً على كبره وعُجبهِ، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ [الأعراف: ١٣].
وقال الله : ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٨].
شُبهة إبليس أنه قال: أنه خُلق من نار وآدم ﷺ خُلِقَ من طين، والنار خيرٌ من الطين، فهو خيرٌ من آدم كيف يخضع له؟!.
كما قال سبحانه لإبليس: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧٥ - ٧٦].
وشُبهة إبليس باطلةٌ حسًا وعقلًا وشرعًا، فإن الطين والتراب خيرٌ من النار، لأن النار طبعها الفساد والإتلافُ والإحراق، والتراب طبعه النفعُ والإنبات، والنار طبعها الخفة والطيش، والتراب طبعه الخفة والسكون، والتراب يخلق الله فيه أرزاق الحيوان ولباسهم ومساكنهم بخلاف النار التي تحرق كل شيء، والتراب إذا وُضع فيه الحبة أخرجه أضعافًا كثيرة بخلاف النار التي تأكل كل ما يُوضع فيها، والأرض وصفها الله بالبركة.
وأما النار فهي مذهبةٌ للبركة، وأوضع الله في الأرض من المنافع والأقوات والثمار والأشياء والمعادن والعيون والنبات والحيوان وغيرها ما لم يودع في
стр. 3912
النار شيءٍ منها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
فالنار وإن كان فيها بعض المنافع فالشر كامنٌ فيها، وقد استخرج الله من هذه الخليفة وذريته الأنبياء والرسل والعُباد والعلماء والمجاهدين والمتصدقين والأولياء والمؤمنين والصابرين والصائمين وعمر بهم الجنة، وميز الخبيث من ذريته من الطيب، وعمر بهم النار.
وقد خلق الله آدم ﷺ في أحسن تقويم وأكمل صورةٍ وأجملها وأكمل محاسنه الباطنة بالعلم والحلم والوقار، وتولى ربه خلقه بيده فجاء في أحسن خلق وأجمل صورة طوله في السماء:
ستون ذراعًا قد أُلبس رداء الجمال والحسن والمهابةِ والبهاء: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
فرأت الملائكة منظرًا لم يشاهدوا أحسن منه هو أجمل فوقعوا كلهم سجودًا أمام ربهم إلا إبليس فإنه امتنع عن السجود حسدًا، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
والله سبحانه بكمال قدرته خلق خلقه أصنافًا ليُظهر كمال قدرته لعباده، وخلق سبحانه من خلقه عقولٌ بلا شهوات كالملائكة، وخلق منهم شهواتٌ
стр. 3913
بلا عقول كالحيوانات، ومنهم من له عقول وشهوة كالإنس والجن، ومنهم من لا عقل له ولا شهوة كباقي المخلوقات من جمادٍ ونبات، وقد اقتضت حكمة الله تفضيل بني آدم على كثيرٍ من خلقه فميزهم الله وكرمهم بما شاء، وجعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم، فهي عبوديةٌ اختيارية تزاحمها المعارضات والموانع والشهوات: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
أما عبودية غيره من الملائكة فهي عبوديةٌ بلا معارض، إذ هم مجبُلون عليها كما جُبلت الشمس على الإنارة، وجُبلت الأرض على الإنبات، والله ﵎ سبق في علمه أن يجعل في الأرض خليفة وأعلم بذلك ملائكته وأسكنه في الجنة ليُربيه ويريده النعيم الذي أعده الله له ولأولاده، فأمره الله ونهاه وأعلمه بعدوه وحذره منه ووفر له كل ما يحتاجه في الجنة، وأمره بالأكل من كل شيءٍ في الجنة، ونهوه عن الأكل من شجرةٍ واحدة.
وخلا بينهم وبين عدوهم إبليس ليمتحن إيمانه وطاعته قبل نزوله على ميدان العمل، ووسوس إليه الشيطان بالأكل فنسي وغلبته الشهوة فأكل، وخلا بينه وبين نفسه حتى عصا الله، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٥ - ٣٦].
стр. 3914
ثم ألهم الله آدم التوبة فتاب، وتاب الله عليه، وبعد أن كملت تربيته وعرف عدوه وعاش في داره، أهبطه الله من دار النعيم إلى دار الابتلاء والعمل، ليعود إليها ومن آمن من ذريته على أكمل الوجوه، فكم لله من حكمة من إهباط آدم للأرض تعجز الألسن عن وصفها وتعجز العقول عن إدراكها والإحاطة بها: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
ومن تلك الحكم:
أن الله أنزل آدم ﷺ ليكون إيمانه وإيمان ذريته تامًا، وليكون الإيمان قولٌ وعملٌ وجهادٌ وصبرٌ وبذلٌ وترك، وهذا إنما يكون في دار امتحان لا في جنة النعيم.
ومنها: أن الله خلق آدم وذريته ليستعمرهم في الأرض، ويجعلهم خلفاء في الأرض فخلقهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه، فإذا وافوا دار النعيم بعد التعب والكد عرفوا قدر تلك الدار وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الحور والولدان.
ومنها: أن الله أراد أن يتخذ من ذرية آدم رسلًا وأنبياء وشهداء يحبهم ويحبونه وينزل عليهم كتبه يؤثرون محابه ومراضيه على شهواته أنفسهم وما يحبونه فأنزلهم إلى دار الابتلاء والامتحان ليُكملوا مراتب العبودية صبرًا وشكرًا يعبدوه بالسراء والضراء بما تكره نفوسهم، وهذا لا يحصل إلا في دار النعيم، وهذا لا يحصل في دار النعيم المطلق الخالية من الابتلاء.
стр. 3915
ومنها: أنها سبحانه له الأسماء الحسنى الغفور الرحيم والعزيز والكريم والملك والجبار، وهذه لها آثار فأنزل الله آدم إلى الأرض، وجعل له ذرية ليُظهر آثار أسمائه وصفاته فيهم وفيما حوله من المخلوقات.
فإن الله هو الملك العظيم الذي يأمر وينهى ويُعطي ويمنع ويُعز ويُذل ويُثيب ويُعاقب، فأنزل أبوي الإنس والجن إلى دارٍ تجري عليهم فيها هذه الأحكام، ثم يعودون إليه مع ذرياتهم فيحاسبهم على ما عملوا، كما قال سبحانه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٣٠].
والله ﵎ هو الملك الذي يملك كل شيء له ملك السماوات والأرض وله ملك الدنيا والآخرة وله ملك عالم الغيب والشهادة، وهو ربنا ونحن عبيده وهو مالك الملك، ولابد للملك من جنود، والله له جنود السماوات والأرض من الملائكة وغيرهم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١]
ولابد للملك من أوامر تصح به أحوال رعيته وهي الكتب السماوية المشتملة على الحث والترغيب والنهي والتحذير، ولابد له من سفراء بينه وبين خلقه وهم الأنبياء والرسل الذين يبينون للناس ما نُزل إليهم من ربهم، ولابد أن تكون له محكمة يحاسب فيها من أطاع ومن عصى، فيجزي على الخير خيرًا وعلى الشر شرًا، وهي يوم القيامة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ
стр. 3916
أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
ولابد له بعد الحساب أن يكرم على طاعته بما يُسعدهم وهو الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]
ولابد له أن يُذل ويُهين أهل معصيته بما أعد لهم من العذاب وهي النار، دار الأشقياء والمشركين والكفار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
وقال الله : ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٨ - ٩٩].
стр. 3917
٧ - الخزانة السابعة
خلق الله ﵎ الإنسان في أحسن تقويم، وخلقُ الإنسان من أعظمُ الدلائل على خالقه وفاطره: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وفي الإنسان من العجائب الدالة على عظمة الله وقدرته وكمال علمه وإرادته ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه وتعجز العقول عن إدراك كونه وتعجز الألسنة عن وصفه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق: ٥ - ١٠].
وقد أمرنا الله بالنظر والتدبر والتفكر في خلق الإنسان نظر اعتبارٍ وتفكر وتأملٍ وتدبر، وكما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ولو فكر الإنسان في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره، كما قال سبحانه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ [عبس: ١٧ - ٢٢].
وقد خلق الله آدم من تراب، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠].
стр. 3918
والتراب إذا أُضيف إليه الماء صار طينة، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢].
والطينُ إذا تغير واسود لطول مجاورته للماء فصار حمأً ثم صار مسنونًا، والمسنون المصور أو المصبوب الذي ييبس، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦].
فإذا يبس الطين واشتد صار صلصالًا، وهي المرحلة الأخيرة من خلق الإنسان كما خلق الإنسان من صلصال كالفخار أما الإنسان الذرية فقد خلقه الله من نطفة وهي الماء، فهو سبحانه الذي أحسن كل شيءٍ خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالةٍ من ماءٍ مهين، وقد بين الله أطوار خلق الآدميين من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه.
قال الله تَعَالىَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ». متفقٌ عليه (١).
стр. 3919
وقد وكل الله بالرحم ملكًا فإذا كمل النطفة في الرحم أربعون يومًا وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلودها ولحمها وعظامها وسويٌ أو غيرُ سوي وذكر أو أنثى، كل ذلك حسب أمر ربه لا يزيد الملك على ما أُمر ولا ينقص، فالملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
وقال النبي ﷺ : «يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ، أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ». أخرجه مسلم (١).
وهذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم وجعله أفضل العالمين حلقه الله يبقى أبد الآباد وما سواه يفنى إلا من استثنى من الله وكل فردٍ من بني آدم سيظل حيًا وسينتقل من حالٍ إلى حال ومن دارٍ إلى دار، كما قال سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]
فأول طباقه كونه نطفة ثم مضغة ثم علقة ثم جنينًا ثم مولودًا ثم رضيعًا ثم فطيمًا ثم طفلًا ثم شابًا ثم شيخًا ثم هرمًا إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه إلى أن يموت ثم يبعث بين يدي الله ثم يحاسب ثم يصير إلى الجنة أو النار حسب عمله، فهذه ستة عشرة طبقًا: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
стр. 3920
وقال الله تَعَالىَ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ [نوح: ١٣ - ١٤].
ويركب الإنسان أثناء هذه الأحوال أطباق عديدة من حالٍ إلى حال كالصحة والمرض والعافية والبلاء والغنى والفقر والسعادة والشقاء، وهكذا حتى يستقر في دار القرار في الجنة أو النار فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد، سبحان من هذا خلقه وهذا أمره وهذه قدرته: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٧ - ١٨].
وقد خلق الله الإنسان في كبدن كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤].
فابن آدم يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة فلا تلقاه إلا في مشقة، فالإنسان مخلوق في شدة بكونه في الرحم ثم عند ولادته ثم على خطر عظيم عند بلوغ حال التكليف ومكابدة المعيشة والأمر والنهي والبلاء والامتحان، ثم مكابدة الموت ثم بعده في البرزخ.
ثم مكابدة أهوال يوم القيامة، ثم مكابدة العذاب في النار ولا راحة له إلا في الجنة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
فينبغي لو أن يسعى في عملٍ يريحه من هذه الشدائد ويجلب له الفرح والسرور الدائم في الجنة، وذلك بالإيمان والأعمال الصالحة: ﴿مَنْ عَمِلَ
стр. 3921
صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
فقه خلق الإنسان:
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].
وصوره فأحسن صورته: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤].
• وجعل فيه تسعة أبواب:
بابان للسمع وهما الأذنان، وبابان للبصر وهما العينان، وبابان للشم وهما في الأنف، وبابا لخروج فضلات البول والغائط، وبابٌ للكلام والنفس والطعام والشراب وهو الفم: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ونشأة الإنسان كانت كنشأة النبات من عناصرها الأولية يتكون ومن عناصرها الأولية يتغذى فهو نباتٌ من نباتها، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٧ - ١٨].
فالإنسان والنبات كلاهما نبات من نبات الأرض، وكلاهما يرضع من هذه الأم شرابه وطعامه، وكما أن في النبات الحلو والمر والنافع والضار وفي الأزهار والثمار وذا الشوك والسم، فكذلك في الإنسان المسلم والكافر والمطيع والعاصي والبر والفاجر، وذي الإيمان والأعمال الصالحة، وذي الشر والفساد، ولكلٍ أجل ولكلٍ عمل، ولكلٍ مقعدٍ إما في الجنة أو في
стр. 3922
النار، وكلٌ راجعٌ إلى ربه ومحاسبٌ على عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
إن خلق الإنسان بهذا التكوين العجيب، وبهذه الخصائص الفريدة وبهذه الوظائف اللطيفة المتنوعة الكثيرة تُدهش العقول وتحير الألباب، ولكننا نسيناها لطول تكرارها ولقربها منا وأُلفنا لها، إن التركيب العضوي لجارحةٍ واحدة من جوارح الإنسان مسألةٌ تُدير الرأس عجبًا ودهشةً وعبرة، وفي تركيبه النفسي أشد تركبًا وتعقدًا من تركيبه العضوي: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].
إن هذا الإنسان هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ولكنه يغفل عن قيمته وعن أسراره الكامنة في كيانه حين يغفل القلب عن الإيمان عن ربه، وحين يُحرمُ نعمة اليقين: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
إن آيات الرب ﵎ في خلقه وفي مخلوقاته تبصرةً وذكرى يتبصر بها من عمى قلب، ويتذكر بها من غفلته فيُعظم ويُكبر من خلقه ويحمده
стр. 3923
ويشكره: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فالمضاد للعلم إما عمل قلب وزواله بالتبصر، وإما غفلته وزواله بالتذكر، وأعظم وأفضل ما أُنفقت فيه الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب بالله وتعظيمه وتوقيره سبحانه دون شيءٍ من مخلوقاته وذلك بتوحيده والإيمان به وطاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
إن هذا الإنسان عجيبةٌ عظيمة في تكوينه الجسماني في أسرار هذا الجسد، وعجيبةٌ في تكوين الروح في أسرار هذه النفس، وحيث ما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه التقى بأسرار تدهش وتحير خلق أعضائه وتوزيعها وأشكالها ووظائفها في كل عضو من أعضائه بل في كل جزءٍ من عضو خارقةً تُحير الألباب لو كانت هناك عقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ [يس: ٧٧].
وأعجب من هذا أسرار روحه وطاقاتها المعلومة والمجهولة، إدراكٌ للأشياء، وطريقة إدراكها وحفظها وتذكرها، وهذه المعلومات والصور
стр. 3924
والكلمات أين خُزنت؟ وكيف انطبعت؟ وكيف تستدعى فتجيء؟ ومن ألف وجمع في المخ؟ آلاف الآيات والكتاب والحديث والكلمات والقصص والأشعار والصور وغيرها، ومن حفظها في الذهن كما يحفظ المال في الخزانة؟.
ثم أسراره في توالده وتكاثره خليةٌ واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص، وكل فرض من هذا الإنسان عالمٌ وحده وطبعةٌ خاصة لا تتكرر أبدًا على مدى الدهور، ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعًا لا في شكله وملامحه ولا في عقله ومداركه ولا في روحه ومشاعره، فكل فرد نموذج خاص وطبعةٌ فريدةٌ لا تتكرر: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]. وما أعظم واضع هذه الأعضاء في أماكنها وتمكينها من أداء وظائفها، وما أعظم وأمتع تلك اللحظات التي يقضيها الإنسان يتأمل وجوه الخلق وسماتهم وحركاتهم بعين العابد السائح الذي يتجول في معرض عظيم في معرض عظيم من إبداع أحسن الخالقين، ألا ما أعظم الخالق وأعظم صنعه وخلقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وما أخطر الجهل وما أسوأ الغفلة، وما أضل من جهل نفسه وجهل ربه. متى يتفكر الإنسان في نفسه؟ ومتى ينتبه القلب من رقدته؟ ومتى يعود العبد إلى ربه؟.