صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].
فقه خلق الإنسان:
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤].
وصوره فأحسن صورته: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤].
• وجعل فيه تسعة أبواب:
بابان للسمع وهما الأذنان، وبابان للبصر وهما العينان، وبابان للشم وهما في الأنف، وبابا لخروج فضلات البول والغائط، وبابٌ للكلام والنفس والطعام والشراب وهو الفم: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ونشأة الإنسان كانت كنشأة النبات من عناصرها الأولية يتكون ومن عناصرها الأولية يتغذى فهو نباتٌ من نباتها، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٧ - ١٨].
فالإنسان والنبات كلاهما نبات من نبات الأرض، وكلاهما يرضع من هذه الأم شرابه وطعامه، وكما أن في النبات الحلو والمر والنافع والضار وفي الأزهار والثمار وذا الشوك والسم، فكذلك في الإنسان المسلم والكافر والمطيع والعاصي والبر والفاجر، وذي الإيمان والأعمال الصالحة، وذي الشر والفساد، ولكلٍ أجل ولكلٍ عمل، ولكلٍ مقعدٍ إما في الجنة أو في
стр. 3922
النار، وكلٌ راجعٌ إلى ربه ومحاسبٌ على عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
إن خلق الإنسان بهذا التكوين العجيب، وبهذه الخصائص الفريدة وبهذه الوظائف اللطيفة المتنوعة الكثيرة تُدهش العقول وتحير الألباب، ولكننا نسيناها لطول تكرارها ولقربها منا وأُلفنا لها، إن التركيب العضوي لجارحةٍ واحدة من جوارح الإنسان مسألةٌ تُدير الرأس عجبًا ودهشةً وعبرة، وفي تركيبه النفسي أشد تركبًا وتعقدًا من تركيبه العضوي: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].
إن هذا الإنسان هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض، كما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ولكنه يغفل عن قيمته وعن أسراره الكامنة في كيانه حين يغفل القلب عن الإيمان عن ربه، وحين يُحرمُ نعمة اليقين: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
إن آيات الرب ﵎ في خلقه وفي مخلوقاته تبصرةً وذكرى يتبصر بها من عمى قلب، ويتذكر بها من غفلته فيُعظم ويُكبر من خلقه ويحمده
стр. 3923
ويشكره: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
فالمضاد للعلم إما عمل قلب وزواله بالتبصر، وإما غفلته وزواله بالتذكر، وأعظم وأفضل ما أُنفقت فيه الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب بالله وتعظيمه وتوقيره سبحانه دون شيءٍ من مخلوقاته وذلك بتوحيده والإيمان به وطاعته وعبادته وحده لا شريك له: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
إن هذا الإنسان عجيبةٌ عظيمة في تكوينه الجسماني في أسرار هذا الجسد، وعجيبةٌ في تكوين الروح في أسرار هذه النفس، وحيث ما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه التقى بأسرار تدهش وتحير خلق أعضائه وتوزيعها وأشكالها ووظائفها في كل عضو من أعضائه بل في كل جزءٍ من عضو خارقةً تُحير الألباب لو كانت هناك عقول: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ [يس: ٧٧].
وأعجب من هذا أسرار روحه وطاقاتها المعلومة والمجهولة، إدراكٌ للأشياء، وطريقة إدراكها وحفظها وتذكرها، وهذه المعلومات والصور
стр. 3924
والكلمات أين خُزنت؟ وكيف انطبعت؟ وكيف تستدعى فتجيء؟ ومن ألف وجمع في المخ؟ آلاف الآيات والكتاب والحديث والكلمات والقصص والأشعار والصور وغيرها، ومن حفظها في الذهن كما يحفظ المال في الخزانة؟.
ثم أسراره في توالده وتكاثره خليةٌ واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص، وكل فرض من هذا الإنسان عالمٌ وحده وطبعةٌ خاصة لا تتكرر أبدًا على مدى الدهور، ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعًا لا في شكله وملامحه ولا في عقله ومداركه ولا في روحه ومشاعره، فكل فرد نموذج خاص وطبعةٌ فريدةٌ لا تتكرر: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]. وما أعظم واضع هذه الأعضاء في أماكنها وتمكينها من أداء وظائفها، وما أعظم وأمتع تلك اللحظات التي يقضيها الإنسان يتأمل وجوه الخلق وسماتهم وحركاتهم بعين العابد السائح الذي يتجول في معرض عظيم في معرض عظيم من إبداع أحسن الخالقين، ألا ما أعظم الخالق وأعظم صنعه وخلقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وما أخطر الجهل وما أسوأ الغفلة، وما أضل من جهل نفسه وجهل ربه. متى يتفكر الإنسان في نفسه؟ ومتى ينتبه القلب من رقدته؟ ومتى يعود العبد إلى ربه؟.
انظر أيها الإنسان إلى النطفة التي خلقها الله إنها تحتوي على أكثر من مئة ألف إنسان قابلٍ للحياة في كل دفقةِ منيٍ من مني من الإنسان، فسبحان من جمع هذه الخلائق في قطرة ماءٍ مهين ضعيف مستقذر، لو مرت به ساعة من الزمان فسدت وأنتنت، وتأمل كيف استخرجها الرب العلي القدير من بين الصلب والترائب منقادةً لقدرةً مطيعةً لمشيئته مع ضيق طرقها واختلاف مجاريها إلى أن ساقها إلى مستقرها في الرحم.
وتأمل كيف جمع الله بين الذكر والأنثى وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه؟ وكيف قدر سبحانه اجتماع ماء الرجل وماء المرأة وساقهما من أعماق العروق والأعضاء وجعلهما في موضعٍ واحد، وجعل الله لهما قرارًا مكينًا ينشأ فيه الولد: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ [المؤمنون: ١٣].
ثم قلب تلك النطفة أيضًا المشرقة إلى علقةٍ حمراء تضرب إلى السواد ثم جعلها مضغة لحم مخالفةً للعلقة في كونها وشكلها، ثم جعلها العزيز العليم عظامًا مجردة ولا كسوة عليها مباينةً للمضغة في شكلها وقدرها.
ثم انظر كيف قسم الله ﵎ تلك الأجزاء المتشابهة إلى الأعصاب والعظام والعروق والأوتار والأعضاء والأجهزة واليابس واللين، ثم تأمل كيف ربط سبحانه بعضها ببعض بأقوى رباط وأشده، وكيف كساها لحمًا
стр. 3927
ركبه عليها وجعله وعاءً لها وغشاءً وحافظًا، وجعله العظام حاملةً له فاللحم قائمٌ بها وهي محفوظةٌ به.
ثم انظر إلى صنع الخالق الباري المصور الخلاق العليم كيف صورها فأحسن صورها؟!
وشق لها السمع والبصر والفم والأنف وسائر المنافذ، ثم تأمل كيف مد اليدين والرجلين كالأعمدة وبسطهما وقسم رؤوسهما إلى أصابع ثم قسمهما إلى أنامل وزودا أطرافها بالأظفار.
ثم انظر كيف خلق سبحانه تلك النطفة؟!
الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والأمعاء والمثانة والمرارة وغيرها، كلٌ منها له قدرٌ يخصه وعملٌ يخصه ومنفعةٌ تخصه وشكلٌ يخصه ومكانٌ يخصه، فسبحان الخلاق العليم: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢ - ٣].
ثم انظر في حكمة العليم الحكيم في تركيب العظام قوامًا للبدن وعمادًا له، وكيف قدرها ربه بتقادير مختلفة وأشكالٍ متنوعة، فمنها الصغير والكبير، ومنها الطويل والقصير، والمنحني والمستدير، والمصمت والمجوف، وركب بعضها على بعض وربط بعضها ببعض.
وتأمل كيف اختلفت أشكاله باختلاف منافعها، كالأضراس فإنها لما جُعلت آلةٌ للطحن جُعلت عريضة، ولما كانت الأسنان آلة للقطع جُعلت مستدقةٌ المحددة، ولما كان الإنسان محتاجٌ للحركة للتردد في حاجته لم
стр. 3928
يجعل عظامه عظمًا واحدًا بل عظامًا متعددة وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة، وكان قدر كل واحد منه وشكله على حسب الحركة المطلوبة منه.
وشد سبحانه تلك المفاصل والأعضاء وربط بعضها ببعض بأوتارٍ ورباطات أنبتها من العظم، وأدخل بعض العظام في بعض: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨)﴾ [الإنسان: ٢٨].
فأدخل سبحانه بعض العظام في بعض على شكل الذكر والأنثى، فإذا أراد الإنسان أن يُحرك جزءً من بدنه لامتنع عليه ولولا المفاصل لتعذر ذلك عليه، فسبحان من هذا خلقه وهذه قدرته وهذه حكمته وهذا صنعه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨].
وتأمل كيف خلق سبحانه الرأس بكثرة ما فيه من العظام التي تزيد على خمس وخمسين عظمًا مختلفة الأشكال والمقادير والمنافع والأماكن، وكيف ركبه سبحانه على البدن وجعله عاليًا عليه علو الراكب على ركوبه، ولما كان الرأس عاليًا على البدن جعل فيه الحواس الخمس وآلات الإدراك كلها من السمع والبصر والشم والذوق واللمس.
وجعل سبحانه حاسة البصر في مقدمته ليكون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن عما حوله، وركب العين بسبع طبقات لكل طبقة وظيفة مخصوصة، لو فقدت طبقة منها أو زالت عن موضعها لتعطلت العين عن الإبصار:
стр. 3929
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
ثم وضع سبحانه بداخل تلك الطبقات السبع خلقًا عجيبًا وهو إنسان العين بقدر العدسة يبصر بها ما بين المشرق والمغرب وما بين الأرض والسماء، وجعل سبحانه من العين بمنزلة القلب من الإنسان، وجعل سبحانه إنسان العين بمنزلة القلب من الإنسان، فهو مالكها وتلك الطبقات والأجفان والأهداب خدمٌ لها حجابٌ وحراس، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وانظر إلى عجيب صنع الله كيف حسن شكل العينين وهيئتهما ومقدارهما!!
ثم جملهما بالأجفان غطاءٌ لهما وسترٌ وحفظ وزينة، فهما يحفظانهما من الحر والبرد، ويتلقيان عن العين الأذى والقذى والغبار، ثم غرس في أطراف الأجفان الأهداب جمالًا وزينة ومنافع أخرى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ثم أودع سبحانه العينين ذلك النور الباصر والضوء الباهر الذي يخرق ما بين السماء والأرض فسبحان من أودع هذا السر العجيب في هذا المقدار الصغير بحيث تنطبع فيه صورة السماوات العلا والأرض على عظمتها، وللعين قدرة على حفظ نصف مليون صورة ملونة يوميًا، فسبحان الخلاق العليم الذي خلق كل شيءٍ وقدره تقديرًا.
стр. 3930
كما شق الله للإنسان العينين ليبصر بهما، كذلك شق له سبحانه الأذنين ليسمع بها الأصوات، وخلق الأذن أحسن خلقة، فجعلها مجوفة كالصدفة، لتجمع الصوت فتؤديه إلى الصماخ، وليحس بدبيب الحشرات فيها فيبادر إلى إخراجه والتخلص منه، وجعل في الأذن تجاويف واعوجاج تمسك الهواء والصوت الداخل، فتكسر حدته ثم تؤديه إلى الصماخ.
وجعل الحكيم العليم ماء الأذن مرًا في غاية المرارة، فلا يجاوزه الحيوان إلى باطن الأذن، بل إذا وصل إليه أعمل الحيلة في رجوعه عنه، فسبحان الخلاق العليم، وجعل ماء الفم عذبًا حلوًا، ليدرك به طعوم الأشياء على ما هي عليه، إذ لو كان على غير هذه الصفة لأحالها إلى طبيعته، وجعل سبحانه ماء العين مالحًا ليحفظها، فهي شحمةٌ قابلةٌ للفساد، فكانت ملوحة مائها صيانةً لها وحفظًا، فسبحان من خلق هذه المياه وجعل كلًا فيما يناسبه ويصلح له.
ونصب سبحانه للإنسان قصبة الأنف في الوجه، فأحسن شكله وهيئته، وفتح فيه المنخرين، وحجز بينهما بحاجز، وأودع فيهما حاسة الشم التي تدرك بها أنواع الروائح الطيبة والخبيثة، والنافعة والضارة، ويستنشق بها الإنسان الهواء فيوصله إلى القلب، فيتروح به ويتغذى.
فسبحان ربنا الخلاق العليم، وجعله سبحانه مستقيمًا لئلا يمسك الرائحة، مصبًا تنحدر إليه فضلات الدماغ، فتجتمع فيه ثم تخرج منه، فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه، وما أعظم قدرته، وجعل أعلى الأنف أدق من أسفله
стр. 3931
لأن أسفله تجتمع فيه الفضلات فكان واسعًا لتخرج منه بسهولة، ولأنه يأخذ من الهواء ملئه ثم يصعد في مجراه قليلًا قليلًا، حتى يصل إلى القلب في هدوء.
ثم فصل بين المنخرين بحاجزٍ بينهما حكمةً منه ورحمة، لأنه مجرى النفس ومنحدر فضلات الرأس، فيكون أحدهما غالبًا للنفس، والآخر لخروج الفضلات، وإما أن تجري الفضلات فيهما فينقسم، فلا يفسد الأنف جملةً، بل يبقى فيه مدخلٌ للنفس، ربما أصيب أحدهما فيبقى الثاني يؤدي وظيفته، فاقتضت الحكمة تعدادهما كالأذنين والعينين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وشق سبحانه للعبد الفم في أحسن موضع وأليَقه به، وأودع فيه من المنافع وآلات الذوق والقطع والطحن والكلام ما يبهر العقول عجائبه، فأودعه اللسان الذي هو أحد آياته الدالة عليه، وجعله ترجمانًا لملك الأعضاء وهو القلب مبينًا مؤديًا عنه، كما جعل الأذن رسولًا مؤديًا إليه العلوم والأخبار، والعين رسولًا مؤديًا إليه المرئيات والمبصَرات، واللسان بريده ورسوله الذي يؤدي عنه ما يريد.
وانظر إلى حكمة العليم الحكيم الذي جعل اللسان محفوظًا مستورًا غير مكشوف كالأذن والأنف، لأن هذه الأعضاء لما كانت تؤدي من الخارج إليه جُعلت بارزةً ظاهرة، ولما كان اللسان مؤديًا من القلب إلى الخارج جعله مستورًا لعدم الفائدة إبرازه.
стр. 3932
وأيضًا لما كان اللسان أشرف الأعضاء بعد القلب ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره، ضُرب عليه سرادقان لستره وصيانته وحفظه، أحدهما الأسنان، والآخر الشفتان، وجُعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر. وأيضًا هو من ألطف الأعضاء وألينها وأشدها رطوبة، وهو لا يتصرف إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به، فلو كان باردًا صار عرضةً للحرارة واليبوسة المانعة له من التصرف وسهولة الحركة والكلام.
ثم زين سبحانه الفم وزينه بالأسنان، وجعلها بيضاء مصفوفة، فزادته جمالًا، وجعل بها قوام العبد وغذاؤه، وجعل بعضها آلة القطع، وبعضها آلة الكسر، وبعضها آلة للطحن، وأحكم سبحانه أصولها وحدد رؤوسها وبيض لونها ورتب صفوفها، فكأنها الدر المنظوم بياضًا وصفاءً وحسنًا.
وأحاط جل وعلا الأسنان بحائطين، وهما الشفتان، حسن شكلهما ولونهما وجعلهما غطاءً للفم وطبقًا له، وجعلهما إتمامًا لمخارج الحروف ونهايةً له، كما جعل أقصى الحلق بدايةً له، واللسان وسطًا له، ولهذا كان أكثر العمل فيها له، إذ هو الواسطة: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وجعل سبحانه الشفتين لحمًا صرفًا لا عظم فيه، ليتمكن بهما الإنسان من مص الشراب ويسهل عليه فتحهما وإغلاقهما، وخص سبحانه الفك الأسفل بالتحريك، لأن تحريك الأخف أيسر وأحسن، فإن الرأس يشتمل على الأعضاء الشريفة، فلم يخاطر بها في الحركة.
стр. 3933
وخلق سبحانه الحناجر مختلفةً في الضيق والسعة، والليونة والخشونة، والصلابة والرطوبة، والطول والقصر، فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اختلاف.
وزين الله ﵎ لرأس بالشعر وجعله لباسًا له، لاحتياجه إليه، وزين الوجه بما أثبت فيه من الشعور مختلفة الأشكال والمقادير، فزينه بالحاجبين وجعلهما وقايةً مما يتحول من بشرة الرأس إلى العينين، وزين أجفان العينين بالأهداب، وزين الوجه باللحية، وجعلها كمالًا ووقارًا ومهابةً للرجل، وزين الشفتين بما أنبت فوقهما من الشارب وما تحتهما من العنفقة.
وخلق سبحانه اليدين التين هما آلة العبد وسلاحه، ورأس مال معاشه، فطوّلهما بحيث يصلان إلى ما شاء من بدنه، وعرض الكف ليتمكن من القبض والبسط، وقسم فيه الأصابع الخمس، وقسم كل أصبع بثلاث أنامل، والإبهام بأنملين اثنتين، ووضع الأصابع الأربعة في جانب والإبهام في جانب لتدور الإبهام على جانب الجميع، فهي بمنزلة الراعي من الرعية والإمام من المأمومين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
وجاءت اليد بتدبير الحكيم العليم على أحسن حال، وصلحت للقبض والبسط ومباشرة الأعمال المختلفة، إن شئت جعلتها مطرقة، أو مغرفة، أو آخذة، أو معطية، أو جاذبة أو دافعة، أو للربط أو للحل، أو للكتابة، أو للرفع أو للوضع، أو للسحب أو للذبح أو للكنس أو للمسح أو للمشط، أو
стр. 3934
للأكل أو عير ذلك من المنافع التي لا يحصيها إلا الذي خلقها، فتبارك من أودعها هذه المنافع وغيرها: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وركب فيها سبحانه الأظفار على رؤوسها زينةً لها وعمادًا ووقاية، وليلتقط بها الإنسان الأشياء الدقيقة التي لا ينالها جسم الأصابع، وجعلها سلاحًا لغيره من الحيوان أو الطير، وآلةً لمعاشه، وليحك الإنسان بها بدنه عند الحاجة.
وجعل سبحانه عظام أسفل القدم غليظةً قوية، لأنها أساسٌ له، وعظام أعاليه دونها في الثخانة والصلابة لأنها محمولة.
стр. 3935
٨ - الخزانة الثامنة
• فقه خلق الإنسان:
ثم إن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وتأمل كيف جعل سبحانه الرقبة مركبًا للرأس، وركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات، ثم طبق بعضها على بعض حتى كأنها خرزةٌ واحدة، ثم ركب الرقبة على الظهر والصدر، ثم ركب الظهر من أعلى إلى منتهى العجز من أربعٍ وعشرين خرزة، وركب بعضها في بعض، هي مجموع أضلاعه والتي تمسكها أن تنحل أو تنفصل. فسبحان الخلاق العليم.
ثم وصل الحكيم الخبير تلك العظام ببعضها ببعض، وصل عظام الرأس بعظام الرقبة، وعظام الرقبة بعظام الظهر، وعظام الظهر بعظام الصدر، وعظام الكتفين بعظام العضدين، وعظام العضدين بالذراعين، والذراعين بالكفين، والكفين بالأصابع، ووصل عظام الظهر بالعجز، ووصل عظام العجز بالفخذين، والفخذين بالساقين، والساقين بالقدمين، والقدمين بالأصابع: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
ثم تأمل حكمة اللطيف الخبير كيف كسا العظام العريضة كعظام الظهر والرأس كسوةً من اللحم تناسبها، والعظام الدقيقة كسوةً تناسبها كالأصابع، والمتوسطة كذلك، كعظام الذراعين والعضدين، فالإنسان مركبٌ على ثلاثمائة وستين عظمة، فلو زادت واحدة أو نقصت واحدة لاختل تركيب الجسم ونظامه، واضطربت حركة الإنسان.
стр. 3936
ثم إنه سبحانه ربط تلك الأعضاء والأجزاء بالرباطات، فشد بها أسرها لتمسكها وتحفظها، حتى بلغ عددها خمسمائة وتسعةٍ وعشرين رباطًا، وهي مختلفة الطول والقصر، والغلظة والدقة، بحسب اختلاف مواضعها ووظائفها، فجعل منها أربعةٍ وعشرين رباطًا آلة لتحريك العين، وفتحها وضمها وإبصارها، لو نقص منها رباطٌ واحدٌ لاختل أمر العين.
وهكذا لكل عضوٍ من الأعضاء رباطات، هن له كالآلات التي بها يتحرك ويتصرف، وذلك كله صنع الرب الحكيم، وتقدير العزيز العليم، في قطرةٍ من ماءٍ مهين، فويلٌ للمكذبين، وبعدًا للجاحدين فتبارك الله أحسن الخالقين: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
ومن عجائب خلقه سبحانه، أنه جعل في الرأس ثلاث خزائن، في مقدمته، وفي وسطه، وفي مؤخرته، وأودع تلك الخزائن من الأسرار ما أودع، من التذكر والتفكر والتعقل والحفظ، ومن عجائب خلق الإنسان ما فيه من الأمور الباطنة، التي لا تشاهد، كالقلب والكبد والطحال، والأمعاء والرئة والمعدة، والمثانة والحرارة والمرارة، وسائر ما في بطنه من الآلات العجيبة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
أما القلب فهو الملك، المستغل لجميع آلات البدن، المستخدم لها، فهو مخدومٌ مستقرٌ في الوسط، وهو أشرف أعضاء البدن، وبه قوام الحياة:
стр. 3937
«أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». متفقٌ عليه (١).
والقلب معدن العقل والعلم، والحلم والشجاعة، والمروءة والكرم، والصبر والحب، والرضا والغضب، والإيمان والكفر، والتقوى والفجور، وسائر صفات الكمال، وجميع الأعضاء الظاهرة والباطنة وقواها إنما هي جندٌ من أجناد القلب، فالعين طليعته ورائده الذي يكشف له المرئيات والمبصرات، والأذن رسوله المؤدي له جميع المسموعات، واللسان ترجمانه المخبر عنه، وجعل الله سبحانه الرئتين كالمروحة، تروح عليه دائمًا لأنه أكثر الأعضاء عملًا، وأشدها حرارةً، وأعظمها إدارةً وحركة.
هذا خلق الله في قطرةٍ واحدة من ماءٍ مهين، فكم خلق الله من قطرةٍ في العالم، وكم جعل في هذه القطرة من الأحياء؟
هذا في عالم الإنسان، فكم من العجائب في خلق الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات، وغيرها من المخلوقات من الجمادات والنباتات والحيوانات، والإنس والجن والملائكة، وغيرها مما لا نعلمه أو نعلم بعضه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فسبحان الخلاق العليم الذي تولى خلق هذه النطفة، وجعل منها إنسانًا سويًا سميعًا بصيرًا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
стр. 3938
وقال الله تَعَالىَ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ [غافر: ٦٢].
فما أعظم قدرة الله، وما أعظم صنعه في هذه النطفة، كيف جعلها إنسانًا، وبث منها البشرية المنتشرة على وجه الأرض، فمن هذه عظمته، وهذه نعمه، وهذا صنعه، كيف لا يعبده الإنسان ويطيعه وهو الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره؟
أما يخاف هذا الإنسان يومًا عبوسًا قمطريرًا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥٢].
إن الإنسان إذا نظر إلى غذائه في مدخله ومستقره ومخرجه رأى فيه العبر والعجائب، كيف جعل الله له آلة يتناول بها، ثم بابًا يدخل منه، ثم آلةٌ تقطعه صغارًا، ثم طاحونٌ يطحنه، ثم أُعين بماء يعجنه، ثم جعل له مجرى وطريقًا إلى جانب النفَس، ينزل هذا ويصعد هذا، فإذا وصل الطعام إلى المعدة التي هي خزانته، ولها بابان، بابٌ أعلى يدخل منه الطعام، وبابٌ أسفل يخرج منه تفله.
والباب الأعلى أوسع من الأسفل، والأسفل منطبقٌ دائمًا، فإذا انتهى الهضم انفتح ذلك الباب لخروج الفضلات، وقد أحاط الله المعدة من داخلها وخارجها بحرارةٍ نارية، ربما تزيد على حرارة النار، ينضج بها الطعام فيها كما ينضج الطعام في القدر بالنار.
فإذا أذابته المعدة وطبخته على صفوه إلى فوق، ورسا كدره إلى أسفل، ومن المعدة عروقٌ متصلة بسائر البدن يُبعث فيها نصيب كل عضو وقوامه بحسب استعداده وقبوله، فيبعث ألطف ما يتولد من الغذاء وأخفه وأشرفه
стр. 3939
إلى الأرواح، وينبعث إلى الدماغ منه ما يناسبه في اللطافة والاعتدال، وينبعث منه إلى العظام والشعر والأظافر ما يغذيها ويحفظها، وينبعث من الباقي إلى بقية الأعضاء كلٌ بحسبه.
ولما كان الغذاء يستحيل في المعدة إلى دم، ومرةٍ سوداء ومرةٍ صفراء وبلغم، اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن جعل لكل واحدٍ من هذه الأخلاط مصرفًا يُصبُّ إليه، ويجتمع فيه، ولا ينبعث للأعضاء الشريفة إلا أكمله.
فوضع الله سبحانه المرارة مصبًا للمرة الصفراء، ووضع الطحال مقرًا للمرة السوداء، والكبد تمتص أشرف ما في ذلك وهو الدم، ثم تصفيه وتبعثه إلى جميع البدن، من عرقٍ واحد ينقسم إلى مجارٍ كثيرة، يوصل إلى كل واحدٍ من العروق والأعصاب والعظام والشعور ما يكون به قوامه.
سبحان الملك الحق ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وإذا كان هذا صنعه في قطرة ماءٍ مهين، فكيف صنعه في ملكوت السماوات والأرض؟ وكيف شأن الكرسي الكريم؟ وكيف شأن عرشه العظيم؟ وكم تكون عظمة الرب ﷻ ؟ وكم تكون عظمة الجنة التي خلقها، والنار التي سعرها؟ وكيف عظمته وجلاله وكبرياؤه؟.
قال الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤].
من عجائب خلق الإنسان ما خلق الله فيه من الحواس الخمس التي هي آلة الإدراك، ورتبها بحكمته سبحانه، فأولها حاسة اللمس، وهو أول حس
стр. 3940
يُخلق للحيوان، وأقل درجاته أن يحس بما يلاصقه، وخلق الله للبعيد حسًا آخر تدرك به ما يبعد عن الإنسان.
فخلق لك الشم تدرك به الرائحة من بعد، ولكن لا تدري من أي ناحيةً جاءت الرائحة، فخلق الله لك البصر تدرك به ما بعُد عنك وتدرك جهته، فتقصدها بعينها، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصًا، إذ لا تدرك بذلك ما وراء الجدار والحجاب، فقد يقصدك عدوٌ بينك وبينه حجاب، وقرُب منك قبل أن يُكشف الحجاب فتعجز عن الهرب.
فخلق الله سبحانه السمع حتى تدرك به الأصوات من وراء الحجرات، عند جريان الحركات، ولا يكفي ذلك لو لم يُخلق لك حس الذوق، الذي تعلم به ما يوافقك وما يضرك، وتعلم به الطعوم وأحوالها من حلوٍ وحامض، ومرٍ ومالح، وحارٍ وبارد.
ثم أكرمك الله ﵎ بصفة أخرى هي أشرف من الكل، وهي العقل الذي تدرك به معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته، وعظمته وقدرته، وآلائه وإحسانه، وهذا أعلى فوائد العقل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وأدناها ما تدرك به الأطعمة وما ينفعك وما يضرك، ثم انظر إلى حكمة ربك الخلاق العليم في خلق القدرة والإرادة في الإنسان، فلو خلق لك البصر حتى ترى به الطعام، ولم يخلق لك في الطبع شوقٌ إليه وشهوةٌ له تستحثك على القصد إليه لكان البصر معطلًا، فكم من مريض يرى الطعام وهو أنفع الأشياء له، ولا يقدر على تناوله لسقوط شهوته.
стр. 3941
فخلق لك الرحيم شهوة الطعام، وسلطها عليك لتأكل فتبقى، ثم هذه الشهوة لو لم تسكن عند أخذ مقدار الحاجة من الطعام لأسرفت وأهلكت نفسك، فخلق -العليم- الكراهية للطعام عند الشبع، لتترك الأكل بها.
وكذلك خلق شهوة الجماع لحكمة بقاء النسل، وقد خلق الله كل حيوانٍ ورزقه، والرزق والأجل قرينان، فما دام الأجل باقيًا كان الرزق آتيا، وإذا سد الله على العبد بحكمته طريقًا من طرق الرزق فتح الله له برحمته طريقًا أنفع له منه، لأنه الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
فانظر إلى الجنين في بطن أمه، يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريقٍ واحدة وهو حبل السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطرق فتح الله له طريقين اثنين وهما الثديان، وأخرج الله له فيهما رزقًا أطيب وألذ من الأول، لبنًا خالصًا سائغًا يناسب حال المولود، فلما تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام، فتح له المولى الكريم طرقًا أربعة أكمل منها تناسب حاله، وهما طعامان وشرابان:
• فالطعامان:
النبات .. والحيوان.
• والشرابان:
المياه، وما يتصل بها من الألبان والعسل ونحوها من المنافع والملاذّ.
فإذا مات الإنسان انقطعت عنه هذه الأربعة، لكنه سبحانه فتح له -إن كان سعيدًا- طرقًا ثمانية وهي أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء، ليجد
стр. 3942
نعيمًا لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
فأي نعيمٍ فوق هذا؟ وأي كرمٍ من ربنا علينا فوق هذا؟
إن الرب جل وعلا لا يمنع عبده المؤمن شيئًا من الدنيا إلا ويؤتيه ما هو أفضل منه وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
فإنه سبحانه يمنع الحظ الأدنى ولا يرضى له به، ليعطيه الحظ الأعلى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ [الشورى: ٣٦].
ولكن العبد لجهله بربه، وجهله بكرمه، وجهله لحكمته ولطفه، وجهله بمصالح نفسه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وبين ما ادخر له، بل هو مولعٌ بحب العاجل وإن كان دنيئًا فانيًا قليلًا، فبقلة الرغبة في العاجل وإن كان عليًا باقيًا.
ولو تأمل العبد وفكر لعلم أن غضب الله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها أعظم من غضبه عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليعطيه، ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب للقدوم عليه، ويسلك الطريق الموصلة إليه، وهي طريق الإيمان والتقوى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ
стр. 3943
عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦].
ركب الله في الإنسان قوتين، هما قوة الشهوة وقوة الغضب، وهاتان القوتان بمنزلة صفاته الذاتية لا ينفك عنهما، وبهما وقعت المحنة والابتلاء، وبهما ينال العبد منازل الأبرار، أو ينحط تحت أقدام الأشرار في أسفل سافلين: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
فمن شهوته مصروفة إلى ما أعد الله له في دار النعيم، وغضبه حميةً لدين الله ولكتابه ولرسوله ولدينه، فهذا في الدرجات العلى والنعيم والمقيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن كانت شهوته مصروفةٌ في هواه وأمانيه العاجلة، وغضبه مقصورٌ على حظه، ولو انتهكت محارم الله وحدوده وشرائعه، وهو ملحوظٌ بعين الاحترام والتقدير ونفوذ الكلمة، فهذا في أسفل سافلين.
стр. 3944
• ولن يجمع الله بين الصنفين في دارٍ واحدة:
الأول: صعد بشهواته وغضبه إلى أعلى عليين فهو في الجنة، فمحبوباته: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢].
فهذا وعده الله بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]
والثاني: هبط بالشهوة والغضب إلى أسفل سافلين، فهو في النار: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وقال الله : ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]
فسبحان من خلق هذا الإنسان من تراب، وجعل نسله من ماءٍ مهين، ووكل بخلقه من هذا الماء ملائكة تنفذ أمر الله فيه، فهم المدبرات أمرًا، فهذه النطفة بمجرد استقرارها في الرحم تتولاها ملائكةٌ بأمر الله، فتنقسم إلى خلايا، يلهمها الله ماذا تفعل وماذا تريد وأين تكون.
وكل خلية من هذه الخلايا مكلفةٌ بأمر الله ببناء ركنٍ من أركان هذه العمارة الهائلة، عمارة الجسم الإنساني العجيب، فتنطلق مجموعةٌ منها لتنشئ بأمر الله الهيكل العظمي، وأخرى تنشئ الجهاز الهضمي، وأخرى تبني الجهاز
стр. 3945
العصبي، وأخرى تبني الجهاز الدموي، وأخرى تبني الجهاز التناسلي، وأخرى تبني الجهاز التنفسي، إلى آخر بقية الأركان في العمارة الإنسانية العظيمة: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
وهذه العمارة دقيقة الصنع، عجيبة التركيب، متنوعة الوظائف، وكل خليةٍ مأمورةٍ تقوم بنوعٍ معين من العمل في الركن المخصص لها من العمارة، يأمرها الملك، فتنطلق بأمر الله وهي تعرف طريقها وتعرف إلى أين هي ذاهبة، وما هو مطلوبٌ منها، ولا تخطئ واحدةٌ منها الخلايا المكلفة من تصنع العين تعرف أين مكانها، وتعرف أين العين، وتعرف أن العين ينبغي أن تكون في الوجه.
ولا يجوز أن تكون في البطن أو الظهر أو القدم، مع أنه يمكن أن تنمو في أي مكان، فمن ترى قال لها إن هذا الجهاز يحتاج إلى عين في هذا المكان دون سواه، فلا إله إلا الله، ما أعظم خلقه، إنه العلي الأعلى الذي خلقها وهداها إلى طريقها في المتاهة التي لا هادي فيها إلا الله وحده: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
وكما أودع الله في الأرض ودائع بالجهد عليها تظهر هذه الودائع وتنفع الناس، كما هو الحديد والذهب والفضة وسائر المعادن، كذلك وضع الله في الآدمي ودائع، إذا اجتهدنا عليها في المنهج الصحيح ظهرت هذه الودائع وخدمت الدين، وإلا نجتهد عليها يضيع هذا الاستعداد بين شهوات البهائم أو غضب السباع، أو كيد الشياطين: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
стр. 3946
فكل جوارح الإنسان خلقت للعبادة، وخدمة الدين والقيام بالدين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
فالعين عندها استعداد النظر، والأذن عندها استعداد السمع، والقلب عنده استعداد الإيمان، والعقل عنده استعداد الفكر، واللسان عنده استعداد الكلام، واليد عندها استعداد البطش بالأعداء، والرجل عندها استعداد المشي والكر والفر، وهكذا بقية الجوارح: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
فأين الذي استفاد منها حسب أمر الله؟.
قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقد خلق الله اللسان، وجعل فيه استعداد الكلام، حيث يحدث الصوت من هواءٍ ساذج، يخرج من الصدر حتى يصل إلى الحلق واللسان والشفتين والأسنان، فيحدث منه الكلام و الصوت، نظمه ونثره، وخطبه ومواعظه، لينه وخشنه، والضحك والبكاء، والترغيب والترهيب، والسؤال والجواب، والإبلاغ والتبشير، والنداء والدعاء، والحمد والذم، والتسبيح والاستغفار، وغير ذلك مما يمكن حصره من أنواع الكلام الذي ينطق به الإنسان بإذن الله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤].
стр. 3947
فسبحان القدير الذي أخرج كل ذلك من هواءٍ ساذج يخرج من الصدر، ولا يدري ما يراد به، ولا أين ينتهي، ولا أين مستقره، فهو بحرٌ من الهواء يقلبه الله إلى بحرٍ من الكلمات والجمل التي تحمل المعاني وأعجب من هذا اختلاف الألسنة والأصوات واللغات: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم: ٢٢].
فيجتمع خلقٌ من الناس من بلادٍ شتى وكلٌ يتكلم بلغته، ولا يدري كلٌ منهم ما يقول الآخر، مع أن الهواء واحد واللسان واحد والحلق واحد، والأضراس واحدة والشفتان واحدة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء: ٨].
فمثل اللسان مثل الأرض، تسقى بماءٍ واحد، وتخرج نباتات مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والأحجام، من الأشجار والأزهار والحبوب والثمار، مع أن التراب واحد والماء واحد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤].
قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
ومن عجائب خلق الإنسان عملية تحويل الغذاء في الجسم إلى دم، وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم المختلفة، إنها عمليةٌ عجيبةٌ فائقة العجب، وهي بقدرة الله وتدبيره، تتم في الجسم في كل ثانية، كما تتم عملية الاحتراق كما تتم عملية التنفس.
стр. 3948
وفي كل لحظة تتم في جسم الإنسان عمليات هدمٍ وبناء مستمرة، لا تكف حتى تفارق الروح الجسد.
ولا يملك الإنسان أمام هذه المخلوقات العظيمة وهذه العمليات العجيبة إلا أن تهتف كل ذرةٍ فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الكون والإنسان.
والله خلق الإنسان وزوده بآلات العلم والمعرفة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، فأي نعمةٍ فوق هذه النعم: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
فمتى يشكر الإنسان ربه على هذه النعم الظاهرة والباطنة؟.
قال الله : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وأول الشكر وأعظمه الإيمان بالله الواحد الأحد، وعبادته وحده لا شريك له، وطاعته فيما أمر ونهى، والدعوة إليه والإحسان إلى خلقه، ألا ما أعظم فضل الله على الإنسان في خلقه وحُسن صورته الخَلْقيّة والخُلُقِيّة، وحسن صورته الشعورية.
فالإنسان أكمل الأحياء في الأرض من ناحية تكوينه الجثماني، كما أنه أرقاها من ناحية تكوينه الشعوري واستعداده الروحي، ومن ثم وُكلت إليه الخلافة في الأرض، وأقيم خليفةٍ في هذا الملك العارية إلى يوم الدين: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]
стр. 3949
٩ - الخزانة التاسعة
• إن الله خلق الإنسان من نطفة وجعله يمر بمراحل:
المرحلة الأولى: في بطن الأم ومدتها تسعة أشهر تقريبًا، والحكمة من وجوده هذه المدة شيئان:
١ - تكميل الأعضاء الداخلية من الكبد والقلب والرئتين ونحو ذلك.
٢ - وتكميل لأعضاء الخارجية، كالرأس واليدين والرجلين ونحوهما.
المرحلة الثانية: في بطن الدنيا ومدتها من يوم الولادة إلى الموت، والحكمة من وجوده في الدنيا شيئان، تكميل الإيمان والأعمال الصالحة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقال الله تَعَالىَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]
المرحلة الثالثة: في القبر ومدتها من الموت إلى قيام الساعة، والحكمة من وجوده في القبر انتظار قيام الساعة، وهو في هذه الفترة إما في عذاب وإما في نعيم، حسب عمله سواءً دفن أو لم يدفن.
المرحلة الرابعة: في دار القرار في الجنة أو النار، ومدتها من دخول الجنة أو النار إلى أبد الآباد، والحكمة من وصوله إلى هذه الدار بلوغ كمال
стр. 3950
النعيم، والتمتع برؤية ربه إن كان مؤمنًا، والخلود في الجنة؛ أما الكافر فيصل إلى كمال العذاب جزاءً على عمله السيئ في الدنيا وكفره بالله، ثم يخلد في النار.
والله حكيمٌ عليم، خلق الإنسان ضعيفًا، ومع ضعفه علمه قليل، فمهما علم من العلم فلن يعرف كل شيء: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
والإنسان مع ضعفه وقلة علمه عجول، ومع عجلته كان أكثر شيءٍ جدلًا، ومع جدله كان خصيمًا وقتورًا وهلوعًا: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]
فوق ذلك كان ظلومًا جهولًا، فوق ذك كان مختالًا فخورًا، وفوق ذلك كان كفورًا: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [الزخرف: ١٥].
إن أعطي لم يشكر، وإن ابتلي لم يصبر، وإن أساء لم يستغفر: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ» أخرجه مسلم (١).
فالإنسان بحاجةٍ إلى الوحي، وبحاجة إلى الدين، وبحاجةٍ إلى قدوةٍ حسنة، ولذلك بعث الله إليه خيار الناس وهم الأنبياء والرسل، ليقتدي بهم، فمن تبعهم وسار على هديهم أفلح ونجا في الدنيا والآخرة، ومن خالفهم وسار على هواه ضل وخسر في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي
стр. 3951
كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
فسبحان ربنا العليم الحكيم، السميع البصير، الذي خلق الإنسان ورعاه ورباه وهو جنينٌ في بطن أمه، وجعله في موضعٍ صغير لا يد تناله ولا بصر يدركه، ويبحان من أجرى له الدم من الأم يتغذى به كما يتغذى النبات بالماء فينمو تدريجيًا حتى يصير بشرًا سويًا، وسبحان من قلب ذلك الدم بعد الولادة لبنًا خالصًا، حتى إذا كمل خلقك، وقوي بدنك على مباشرة الهواء واتسع صدرك لملاقاة الضياء، وصلُبت عظامك على مباشرة الأيدي، هاج الطلق بأمك بأمر العزيز الحكيم، وجاءت الأوامر بخروجك: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ [عبس: ٢٢ - ٢٢].
فخرجت من الظلمات إلى النور، ومن دار الأمن إلى عالم الابتلاء، فبينما الرحم مبتهجٌ بحملك، صار يعج إلى ربك من ثقلك، فسبحان الذي فتح لك بابه حتى ولجت، ثم ضمه عليك وحفظك فيه حتى كملت، ثم فتح لك الباب والسعة حتى خرجت منه كلمح البصر، لم يخنقك ضيقه، ولم تحبسك صعوبة طريقه: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠)﴾ [عبس: ٢٠].
وسبحان من صرّف ذلك اللبن الذي كنت تغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها تحمله بذلك على صدرها كما حملتك في
стр. 3952
بطنها، وساقه إلى تلك الخزانتين أعظم سوقٍ وألطفه، فهي بئرٌ مملوءةٌ بالحليب، تشرب منها كلما ظمئت وجعت لبنَا خالصًا سائغًا للشاربين.
تبارك الكريم الذي خلقه وصفاه وأطاب طعمه، وحسن لونه، وأحكم طبخه، ليس بالحار المؤذي ولا البارد القارس، ولا المالح، ولا الكريه الطعم والرائحة، بل هو أحسن ما يكون، وجعله في أعلى مكان ليناسب حالك، فإذا اشتهيت اللبن در لكح الثدي بإذن ربه. ولسهولة وصوله إليك جعل الله في رأس الثدي حلمة هي بمقدار صغر فمك فلا يضيق عنها ولا يتعب بالتقامها: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٦].
ثم نقب سبحانه في رأس الحلمة نقبًا صغيرًا يناسب حالك، لم يوسعه فتختنق باللبن، ولم يضقه فتمصه بكلفة، فسبحان من عطف قلب الأم على مولودها ووضع فيه الحنان العجيب، والرحمة الباهرة، تسهر من أجلك، وتأثرك بكل شيء وهي منقادةٌ مسرورة، حتى إذا قوي بدنك واتسعت أمعاؤك وخشنت عظامك، واحتجت إلى طعامٍ يشتد به عظمك ويقوى عليه لحمك.
أنبت في فيك آلة القطع والطحن من الأسنان والأضراس فسبحان الذي حبسها وقت الرضاعة رحمةً بك وبأمك، ثم أعطاكها أيام أكلك، رحمةً بك ولطفًا بك وبأمك، وكلما ازدادت قوة الحاجة إلى الأسنان في أكل الطعام زيد لك في تلك الأسنان شيءً فشيءً حتى تنتهي إلى النواجذ،
стр. 3953
فتطيق نهش اللحم وقطع الخبز ثم إذا ازددت قوة زيد لك فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الأضراس.
من رحمة الله بالإنسان أن أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، فإنه على ضعفه لا يحتمل العقل والفهم والمعرفة، وإنما يُعطَى ذلك تدريجيًا كما ينمو تدريجيًا رحمةً من ربه العزيز الرحيم.
فلا يزال يتزايد فيه العقل وتزداد المعرفة شيئًا فشيئًا، حتى يعرف الأشياء ويتمرن عليها ويستقبلها بحسن التصرف فيها وحسن التدبير لها.
وخص سبحانه الذكر بأن جمّل وجهه باللحية وقارًا وهيبةً له، وجمالًا وزينة، وفصلًا له عن سن الصبا وفرقًا بينه وبين الإناث، وبقيت الأنثى على حالها لما خلقت له من استمتاع الذكر بها، فبقي وجهها على حاله ونضارته ليكون أهيج للرجل على الشهوة وأكمل للذة الاستمتاع.
فسبحان الخلاق العظيم، الماء واحد، والوعاء واحد، واللقاح واحد، والنتاج مختلف، سبحان الذي أعطى الذكر الذكورية والأنثى الأنوثية، وجعل لكل ذلك حكمة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
وجعل سبحانه المعدة خزانةً يستقر فيها الغذاء فتطبخه كالطباخ، وتسلمه لمن ينتفع به، فالإنسان يطبخ الطعام في الخارج حتى يظن أنه قد كمل، وطبّاخه من الداخل يعاني من موجه وطبخه مالا تهتدي إليه ولا تقدر عليه، فهو يوقد عليه نيرانًا تذيب الحصى وتذيب مالا تذيبه النار، وهي في ألطف
стр. 3954
موضعٍ منك، لا تحرقك ولا تلتهب عليك، وهي أشد حرارة من النار.
وجعل سبحانه في بدنك المنافذ والأبواب لإدخال ما ينفعك وإخراج ما يضرك، فهل من عاقل؟ وهل من ذاكر؟ وهل من شاكر؟ وهل من متفكر؟.
قال الله تَعَالىَ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
فسبحان الخلاق العليم، الذي خلق لك الحواس الخمس، وجعلها في الرأس كالمصابيح فوق المنارة لتتمكن بها من مطالعة الأشياء، وجعل سبحانه الخواص خمسة في مقابلة المحسوسات الخمس كي لا يبقى شيء من المحسوسات لا يناله بحاسة، فجعل البصر في مقابلة المبصرات، وجعل السمع في مقابلة الأصوات، وجعل الشم في مقابلة الروائح، وجعل الذوق في مقابلة المذوقات، وجعل اللمس في مقابلة الملموسات، فأي محسوسٍ بقي بلا حاسة؟.
وأُعينت هذه الحواس بمخلوقاتٍ أُخر لتكمل بها منفعتها، فأعينت حاسة البصر بالضياء والنور، وأعينت حاسة السمع بالهواء الذي ينقل الأصوات، وأعينت حاسة الشم بالنسيم اللطيف، وأعينت حاسة الذوق بالريق المتحلل في الفم، وأعينت حاسة اللمس خاصة بقوةٍ جعلها الله فيها تدرك بها الملموسات، ولم تحتج إلى شيءٍ من خارج.
فسبحان من أخرج الكلام من هواءٍ ساذج في باطن الإنسان، وأخرج من الحروف والكلمات والجمل أنواع الكلام، من أمرٍ ونهي، ونثرٍ ونظم، ومضحكٍ ومبكي، ومسلٍ ومحزن، وما يولد الخوف وما يولد الأمل،
стр. 3955
ومنه ما يسقم الصحيح ومنه ما يبرئ السقيم.
ومنه ما يزيد النعم ومنه ما يحل النقم، ومنه ما يستدفع به البلاء ومنه ما يجلب النعماء، ومنه ما يؤلف القلوب ومنه ما يفرق القلوب، ومن ما يهدي ومنه العالي ومنه السافل، ومنه الحسن ومنه القبيح.
فسبحان من أخرج هذا الكلام المتنوع من هواءٍ ساذجٍ يخرج من الصدر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٨ - ٩].
سبحان من أخرج من هواءٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من الحروف والكلمات والأصوات والأنغام، وأخرج بماءٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من النباتات والأشجار والأزهار والثمار، وأخرج بلسانٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من اللغات واللهجات والحروف والكلمات، فالحلق يمر به هواءٌ واحد، والأرض تسقى بماءٍ واحد، والمواليد من هذه وهذه مختلفة، لا يحصي أنواعها إلا الله الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وما أعظم نعمة الله في الحفظ والنسيان والذي خص به نوع الإنسان، وما أعظم ما فيهما من الحِكَم وما للعبد فيهما من المصالح، فإنه لولا القوة الحافظة التي خص الله بها الإنسان لدخل عليه الخلل في أموره كلها، ولم يعرف ما له وما عليه، ولما أخذ ولا ما أعطى، ولا ما سمع وما رأى، ولا ما قال ولا ما قيل، ولا ذكر من أحسن إليه ولا من أساء إليه، ولا من نفعه فيقرب منه ولا من ضره فينأى عنه، ولا يعرف علمًا ولو درسه مرارًا، ولا
стр. 3956
يهتدي إلى الطريق الذي سلكه أول مرة ولو سلكه مرارًا، ولا ينتفع بتجربة ولا يعرف من عامله من الخلق.
ومن أعجب النعم عليه نعمة النسيان، فلولا النسيان لما سلا أبدًا، ولا انقضت له حسرة، ولا تعزى عن مصيبة، ولا ارتفع عنه حزن، ولا بطل له حقد، ولا استمتع بشيءٍ من الدنيا مع تذكر الآفات، ولا نام من تذكر المصائب والبليات، فما أعظم نعمة الله على العبد في الحفظ والنسيان مع ترددهما: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
الله هو الخلاق العليم، وهو على كل شيءٍ قدير، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، خلق آدم بلا أبٍ ولا أم، وخلق زوجه من أبٍ بلا أم، وخلق عيسى من أمٍ بلا أب، وخلقنا من أبٍ وأم؛ خلق آدم من تراب، وخلق زوجه من أحد أضلاعه، وخلق عيسى من نفخة جبريل في درع مريم، وخلق البشر من اجتماع ماء الرجل والمرأة.
فسبحان من خلق من هذا الماء بشرًا سويًا يقوم ويقعد ويأكل ويشرب، ويفرح ويغضب، ويصلي ويتعبد، ويعدل ويظلم، ويتكلم ويسكت، ويرحم ويبطش، سبحان من جعل من نسله الذكر والأنثى، والأسود والأبيض، والطويل والقصير، والمؤمن والكافر، والعاقل والمجنون، والعرب والعجم.
стр. 3957
وسبحان من هيأ هذا الإنسان للإيمان والكفر، وللطاعة والمعاصي، والخير والشر، والإحسان والإساءة، والهدى والضلالة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ [التغابن: ٢].
وسبحان من ملأ الأرض من نسل هذا الآدمي، فهذا يولد وهذا يموت، حتى يأكلوا أرزاقهم ويستكملوا آجالهم، والله يوالي عليهم نعمه، ويرسل إليهم رسله، وهم يعملون بما يسر الله لهم، ويغدون ويروحون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما أعظم خلق هذه النفوس، وما أعجب ما فيها من الآيات والعبر، والشواهد والحِكم، وما دل على قدرة باريها وفاطرها ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢].
وقال الله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وهذا الإنسان الذي خلقه الله وركبه من ستة أشياء وهي:
١ - بدنه الجثماني.
٢ - ونفسه الشهوانية.
٣ - ونفسه الغضبية.
٤ - ونفسه الشيطانية.
٥ - وروحه الملكية.
٦ - وجوهره العقلي.
стр. 3958
والذي يملك السمع والأبصار هو الله، فهو خالقها وحده، وهو الذي يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها ويعافيها، أو يبلغها ويسمعها ويريها ما تحب أو ما تكره.
وفي تركيب العين وأعصابها وكيفية إدراكها للمرئيات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [الشعراء: ٨].
وفي تركيب الأذن وأجزائها وطريقة إدراكها للذبذبات، في ذلك كله عجائب تذهل العقول وتدير الرؤوس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
إن كثيرًا من الناس يمرون غافلين بالبدائع الإلهية في الكون وفي أنفسهم كأنهم لا يبصرون ولا يدركون: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢].
فنعوذ بالله من الجهل والغفلة وقلة المعرفة.
والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي هو الله وحده، ألا ما أعظم الرب الخالق سبحانه وما أعظم قدرته وما أتقن صنعه، وإن وقفةً واحدة أمام هذه الحبة والنواة تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة، يخرج منهما الفرخ والإنسان، إن ذلك لكافٍ لاستغراق حياة الإنسان في التأمل والارتعاش إجلالًا لعظمة الله الخلاق العليم، وكمال قدرته وسعة علمه، وجميل صنعه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فسبحان العليم القدير، أين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان
стр. 3959
يكمن العود؟ وأين كانت تلك البذور والساق والأوراق والثمار؟ وأين في النواة كان يكمن اللب واللحاء والساق والعراجين؟.
وأين كان يكمن الطعم والنكهة واللون والرائحة والحجم؟ وأين كان يكمن البلح والتمر والرطب والبسر؟ وأين في البيضة كان الفرخ؟ وأين تكمن تلك العظام واللحوم والزغب والريش؟ وأين كان يكمن في البويضة ذلك الكائن البشري العجيب؟ وأين كان يكمن لحمه وعظامه، وعروقه وأعصابه وسمعه وبصره ورأسه وأطرافه وأفكاره وأعماله وكلامه وحركاته؟.
قال الله تَعَالىَ: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دمٍ حيٍ في الجسم الحي، وتحول هذا الدم إلى فضلاتٍ ميتة بالاحتراق لأعجوبةٌ يتسع العجب منها كلما ازداد العلم بها وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار، إن هذه الكائنات الحية لا تكون إلا من إلهٍ حي، يهب الحياة لكل حي.
قال الله تَعَالىَ: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
стр. 3960
١٠ - الخزانة العاشرة
• فقه خلق الروح:
الله هو الذي سوى النفس كما سوى البدن، وأخبر أنه سوى البدن بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
وأخبر سبحانه أنه سوى النفس بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٧ - ٨].
فالله هو الذي خلق النفس وسواها وألهمها فجورها وتقواها، والإنسان مجموع الروح والبدن كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: ٧١ - ٧٢].
وباجتماع الروح مع البدن تصير النفس فاجرةً أو تقية، وإلا فالروح بدون البدن لا فجور لها. وقد أفلح من زكى نفسه بحملها على طاعة الله، وخاب من أهلكها وحملها على معصية الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
والعبد إنما يزكي نفسه بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، ويدسيها بعد تدسية الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه حينما أعرض عن ربه.