← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٦ - ٢٨]. هو الرب العظيم الذي حارت في عظمة ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله الألباب والعقول والأفئدة فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، فلا يعطي ولا يمنع إلا الله، ولا يعز ولا يذل إلا الله، ولا يحيي ولا يميت إلا الله وحده لا شريك له: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠]. ومن أيقن أنه لا اله إلا الله وحده، عبده وحده، وأطاعه وحده، ورجاه وحده وخافه وحده، وأحبه وحده: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فلا إله للرغبة إلا الله، ولا اله للرهبة إلا الله، فإذا رغبت فلا ترغب إلا في الله، وإذا خفت فلا تخاف إلا من الله، هو وحده الذي يزيل الغمة، ويكشف الكربة، ويعطي النعمة، والموحد حقًا من أيقن أن أمره كله بيد ربه، لا بيد غيره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فإذا أردت أن تحب فالحب الذي يدفع الإنسان للتذلل والانكسار بين يدي الله هو حب الله، فلا تحب إلا الله، وإذا أردت أن تثق بأحد فلا تثق إلا بالله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].

стр. 422

وإذا أردت أن تتوكل فلا تتوكل إلا على الله وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]. والإنسان قد يغره منصبه أو ماله أو أعوانه، فيعرض عن ربه، فإذا وقع في محنة مهلكة، عاد إلى فطرته، وفزع إلى ربه بالتوحيد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وكما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس: ٩٠]. فنهاية العلم الإلهي التوحيد، ونهاية العمل التقوى. وعبادة الله لا تسمى عبادة إلا مع كمال الحب والتعظيم وكمال الذل لله ومن أحب أحدًا، أو شيئاً، وعصى الله من أجله، فقد عبده: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢]. وعبادة الشيطان هي طاعته: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].

стр. 423

٨ - الخزانة الثامنة • معرفة الله أعظم أبواب الإيمان بالله: الله نور السماوات والأرض، هو النور الظاهر بنفسه، المبين الذي هو أبين من كل بين، هو النور المظهر لغيره من ظلمة العدم إلى نور الوجود. هو الظاهر بذاته المظهر لكل ما سواه من مخلوقاته وآياته، هو النور الهادي الذي يرشد بهدايته كل أحد، هو النور الهادي الذي يرشد بهدايته من يشاء من عباده، فيبين له الحق، ويلهمه إتباعه، هو النور الظاهر الذي ظهر به كل ظهور: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. فسبحان النور الذي نور الكون بنوره الذي وسع كل شيء، ونور المخلوقات الظاهرة كالشمس والقمر، والنجوم والكواكب، ونور القلوب بالتوحيد والإيمان: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والله هو نور السماوات والأرض، إن اتصلت به أعطاك من نوره بما يدلك عليه ويعينك على عبادته، ويهديك إلى سبل مرضاته: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].

стр. 424

هو ﷻ النور الذي أحيا قلوب العارفين بنور معرفته، وأحيا نفوس العابدين بنور عبادته: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. وإذا ملأ الله قلب عبده بنور التوحيد والإيمان أبصر الطريق، وأحسن التصرف، وقال القول الحسن، وعمل العمل الصالح، وتخلق بالأخلاق الحسنة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وإذا خلا قلب العبد من نور الإيمان، خبط خبط عشواء، لأنه أعمى، فأساء التصرف، وأساء القول، وأساء العمل: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢]. واعلم أن الرؤية الحسية أساسها نور الشمس والقمر، مع نور العين، فلترى الأشياء والذوات فلابد من هذا وهذا، أما الرؤية القلبية فأساسها نور الله ، فمن اتصل بالله ظهر على وجهه نور الإيمان، وامتلأ قلبه بنور الإيمان، فعبادة الله تكسب القلب نورًا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. والله هو الحفيظ لجميع ما في ملكه، فاحفظ الله يحفظك، وافعل الأسباب المشروعة لحفظ الصحة والمال والأهل، وتوكل على الحفيظ وحده في حفظها: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ [هود: ٥٧].

стр. 425

قال النبي ﷺ : «احْفَظْ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنفَعُوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوْكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوْكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضَرُّوْكَ إِلَّا بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد (١). وما عند الله لن يناله العبد إلا إذا اتبع منهج ربه، حفظ الجوارح بطاعة الله، وحفظ العين بالبكاء من خشية الله، والغض عن محارم الله، وحفظ اللسان بالكف عن كل شي، وترك ما لا يعني، وإشغاله بالذكر والحمد، والدعاء والدعوة وحفظ المال بتأدية الزكاة، والكسب المشروع، وحفظ الوقت باستعماله فيما يرضي الله : ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. واعلم بأن الله حفيظ عليم لا ينسى شيئًا، فكل أعمال الإنسان وأقواله ومواقفه وعطائه، وخيره وشره، كل ذلك محفوظ عند الحفيظ سبحانه في كتاب مرقوم يستحيل أن يضيع منه كلمة أو صفحة: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].

стр. 426

فالله سبحانه يرى كل أحد، ويعلم بكل أحد، ولا ينسى أبدًا: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥١ - ٥٢]. وهو سبحانه حفيظ لا يضيع المؤمن، بل يحفظ له عمله، ويكافئه عليه في الدنيا والآخرة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وكذلك يحفظ للعبد نتائج عمله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. فأسأل الحفيظ أن يحفظ لك دينك وتوحيدك وإيمانك، وأن يحفظ قلبك من الرياء والشرك والشبهات، وأن يحفظ جوارحك من المعاصي والآثام، وأن يحفظ أموالك من الشبهات والمحرمات، وأن يحفظ دنياك وأهلك وبدنك من كل سوء. اللهم احفظنا بحفظك التام يا ذا الجلال والإكرام. فسبحان الحفيظ الذي تكفل بحفظ كل شيء حفظ السماوات والأرض أن تزولا، وحفظ السماء أن تقع على الأرض وحفظ كل إنسان من البلايا، وحفظ كل مخلوق من شر ما خلق، وحفظ القرآن من التحريف والزيادة والنقص، وحفظ الدين من البدع والضياع: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].

стр. 427

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. أقسام القلوب: القلوب أربعة أنواع: الأول: قلوب بهيمية. الثاني: قلوب سبعية. الثالث: قلوب إبليسية الرابع: وقلوب ملكية. كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». متفق عليه (١). فلابد من الجهد على هذه القلوب، لتمتلئ بالتوحيد والإيمان والتقوى، ولا تنحدر إلى الحياة البهيمية أو السبعية أو الإبليسية. وأعظم غذاءً للقلوب هو معرفة الله بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده، ودينه وشرعه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والله هو ولى المؤمنين، ومن لم يكن الله وليه كان الشيطان وليه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا

стр. 428

أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. فسبحان الولي الحميد الذي تولى عباده بالصحة والعافية، والتربية والتعليم، والأمن، والهداية، والنصر والرزق، فإذا خالف عبده منهج صحته واستقامته فأجهزة الإنذار تنبهه، فالآلام والهموم أجراس إنذار مبكرة توقظ المؤمن من رقدته وتذكرة من غفلته، ليتوب إلى ربه، ويطيع مولاه: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ [الأعراف: ١٩٦]. والله هو العليم بكل شيء، أحصى جميع الأقوال، والأعمال، والحركات، والسكنات، هو العليم بدقائق الأمور، الخبير بأسرار الأقدار، البصير بالظواهر، الخبير بالبواطن: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ [السجدة: ٦]. أحصى الطاعات والمعاصي، وأحصى الذرات والأنفاس، وأحصى الأجسام والأرواح، وأحصى الكلمات والأحرف، وأحصى الأرقام والأشكال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. وإذا علم المؤمن أن ربه عليم بكل شيء، بصير بكل شيء، سميع لكل شيء، وأيقن أن الله يحصى جميع أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، عبد ربه كأنه يراه، وأقبل على طاعته، وأجتنب معصيته، وسارع إلى مرضاته، وابتعد عما يسخطه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].

стр. 429

والبشر عاجزون عن إحصاء منافع وبركات نعمة واحدة كالسمع أو البصر، وعاجزون عن شكرها من باب أولى، فكيف بإحصاء نعم الله على العباد؟، وكيف لهم القيام بشكرها؟ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. فالله هو العليم المحيط بكل ذرة في ملكه العظيم، المحيط الذي أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددًا: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٤]. فيجب على الإنسان أن يراقب قلبه، كما يراقب بدنه، فكما يسارع لوقاية أي عضو منه إذا أصيب بمرض، عليه كذلك أن يتعهد قلبه بألا يرى فيه ربه شيئاً لا يرضيه، والقلب محل نظر الرب، والبدن محل نظر الخلق. فلا يليق بالعبد أن يتجمل للخلق، ولا يتجمل للرب، ولا يليق بالعبد أن يُطهر منظر الخلق من الأنجاس والأدناس، ولا يطهر منظر الرب من الشرك والشك، والبدع والمعاصي: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].

стр. 430

اللهم أكشف عن قلوبنا الحجاب، حتى تشهد أنفسنا أنه لا إله أنت، ولا رب سواك، ونراك تعطى وتمنع، وتعز وتذل، وتحيي وتميت، ونعبدك كأننا نراك، اللهم أرزقنا نور المراقبة، حتى نعبدك كأننا نراك، وامنحنا حسن معرفتك، حتى نحمدك ونخشاك، وبصرنا بأعمالنا، حتى لا نفعل إلا ما فيه رضاك: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، وكمال الله ﷻ مطلق، وكمال الإنسان مقيد، فالله عليم والإنسان عليم، وعلم الإنسان هبه من العليم، لكن علم الله مطلق ليس له بداية ولا نهاية، وعلم المخلوق مقيد محدود له بداية ونهاية: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣]. فسبحان الخبير الذي أخبر عباده بأحسن الكلام وهو القران، الخبير الذي يعلم كل شيء، ولا يعزب عن علمه صغيرة ولا كبيرة، الخبير الذي يعلم كنه كل شيء، وحقيقة كل شيء مهما دق أو خفي، الخبير الذي يعلم كل شيء، يعلم الحق والباطل، ويعلم الظاهر والباطن، ويعلم الخير والشر، ويعلم الداء والدواء، والسر والعلن: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]. هو الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لا إله إلا الله وحده، هو العليم الخبير بالظواهر والبواطن، والبواعث والخواطر،

стр. 431

والأسرار والخفايا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠]. أما الإنسان فهو مخلوق ضعف، عاجزٌ محتاج، لا يعلم إلا ما علمه الله، والإنسان مكشوفُ أمام ربه الخبير العليم بكل شيء، لا تخفى عليه منه خافية، علانيته كسره، وجهره كصمته، وظاهرة كباطنه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]. ومن عرف أن الله خبير بأقواله وأفعاله وسائر أحواله، تأدب في سلوكه، وراقب ربه في جميع أعماله، واستقام على ما يرضى ربه، و أيقن أن ما قسمه الله له لن يفوته، وما لم يقسم له لن يدركه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. ومن عرف ربه هو الخبير العليم بكل شيء ناداه نداءًا خفيًا، وناجاه في سره، ودعاه في سره لعلمه بقربه منه، وكمال علمه بحاله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٢ - ٤]. فيجب على العاقل أن يكون خبيرًا بعالمه، وعالمه هو قلبه وبدنه، وجوارحه ولسانه، و أفعاله، وأخلاقه، وأفكاره، ويتفقد قلبه هل يطوف حول العاجلة أم حول الآجلة؟ هل يستأنس بربه ويستوحش من غيره؟، ويعرف الفرق بين إلهامات الرحمن، وخطوات الشيطان؟.

стр. 432

اللهم أنت العليم الخبير بالدقائق والبصائر، وأنت المطلع على المعلنات والسرائر، يسر لي أمري في جميع أحوالي، حتى أكون خبيرًا بما ينفعني ويضرني، بصيرًا بما يسعدني ويشقيني، إنك أنت العليم الخبير: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] الله هو الملك الحق الذي له الملك والملكوت، الملك الذي ينفذ أوامره في مملكته على جميع مخلوقاته، متى شاء، وكيف شاء، على من شاء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فالله بيده الخلق، وبيده الأمر، وبيده الملك، وبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، خلقًا وإيجادًا، وحياة وموتًا، وعزة وذله، وعطاءَ ومنعًا، وتصريفًا وتدبيرَ من غير مشاركِ ولا ممانع: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء: ١١١]. والكون كله مملكة واحدة، لمالكَ واحد هو الله وحده لا شريك له: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]. فسبحان مالك الملك والملكوت، كل شيء وقع في هذا الكون أراده الله ، وكل شيء أراده الله ، فلابد أن يقع، لأنه لا يقع في ملك الله شيء لا يريده: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١].

стр. 433

وما يقع في ملكه إما محبوبٌ له، أو مكروه له، فالمحبوب له هو التوحيد والإيمان والتقوى، والمكروه له هو الشرك والكفر والبدع والمعاصي. وإذا أعطى الله الملك لأحد أعطاه الهيبة، فكل الناس يخافونه ويرجونه، وإذا أراد نزعها من أحد أسقط هيبته من قلوبهم، فكلهم يجترئوا عليه، ويكشر في وجه، حتى يسقطه ويخلعه. ومن أراد الغنى والعزة فليكثر من ذكر هذا الاسم الكريم، فالله ﷻ هو الملك الحق، وكل ما سواه عبيد له، يشهدون بوحدانيته، ويسبحون بحمده، ويخضعون لإرادته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦]. فالإنسان عبد ضعيف لا يملك نفسه، ولا سمعه، ولا بصره، ولا عقله، ولا قوته، ولا أعصابه، ولا خلاياه، وإنما مالك ذلك كله هو الله وحده مالك الملك الذي أنت ذرة منه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. فسبحان الملك الحق الذي يدعو عباده ليكونوا ملوكاً، وخلفاء في الدنيا، ويوم القيامة ملوكًا في الآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ [الإنسان: ٢٠ - ٢١]. فسبحان الملك الحق الذي يدعو عباده ليكونوا ملوكاً في الدنيا والآخرة، الحي الذي يدعوهم ليكونوا أحياء لا يموتون أبداً يوم القيامة، القادر الذي إذا أراد شيئًا كان، الذي يدعوهم إلى الدين الحق الذي إذا أمنوا به ثم أرادوا شيئًا كان لهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ

стр. 434

أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. وأعلم أيها المسلم أنك إذا أطعت الملك كنت في معية الملك، وإذا أطعت الكبير كنت في معية الكبير، وإذا أطعت الغنى كنت في معية الغنى، وإذا أطعت العزيز كنت في معية العزيز، وإذا أطعت القوى كنت في معية القوى ﷻ : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٦].

стр. 435

٩ - الخزانة التاسعة • طريق الإيمان معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: الله ﷻ له صفات الجلال، وله صفات الجمال، فهو سبحانه ذو الجلال والإكرام، الجلال له في ذاته، والإكرام فائض منه على عباده، فلا جلال ولا كمال إلا وهو له، ولا إكرام ولا إحسان إلا وهو فائض منه على خلقه، وجميع أسماء الله وصفاته وأفعاله دالة على جلاله وجماله وكماله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. وكل أفعاله تجاه خلقه إكرامٌ ظاهرٌ جلي، أو إكرامٌ باطنٌ خفي: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. فما أعظم نعم الله على الإنسان، خلق له عقلًا يدرك به الأشياء، وعينًا ينظر بها إلى الأشياء، وأذنًا يستمع بها الأصوات، ويعرف جهة الصوت، ويعرف نوع الصوت: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].

стр. 436

وجعل له يدًا يأكل ويشرب ويمسك به، وأنفًا يشم بها الأشياء، ولسانًا يتكلم به، وأسنانًا يطحن بها الطعام، وأرجلاً يمشي بها إلى ما يشاء، كل هذا إكرامٌ من ذي الجلال والإكرام: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن: ٧٨]. ومن أجل الله وعظمه وآمن به، جعل له هيبة في قلوب الناس، فأجلوه وهابوه، ومن عصى الله، وتهاون بأوامره، نزع الله هيبته من قلوب الناس، فاحتقروه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. فمن كان عبدًا للعزيز فهو عزيز، ومن كان عبدًا للقوى فهو قوى، ومن كان عبدًا للمخلوق الضعيف فهو ضعيف، ومن كان عبدًا للذليل فهو ذليل: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فالإنسان إما عابد لله، وإما عابد لعبد الله من شجر أو حجر أو صنم: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. ونعم الله على عباده لا تعد ولا تحصي: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. فالصحة إكرامٌ من الكريم سبحانه، والرزق إكرامٌ من الرزاق، والزوجة والأولاد إكرامٌ من ربك الكريم، والجاه إكرام، والشرف إكرام، وكل نعمة يعيش فيها هذا الإنسان فهي إكرامٌ من الله وحده: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].

стр. 437

فكل جلال وعظمة وكبرياء لله وحده، وكل إكرام منه وحده لا شريك له، والله وحده دون سواه هو ذو الجلال والإكرام، وكل الجلال والإكرام له، ومنه، وبه، فإذا تمتعت بهيبة ومكانةٍ عالية، فأذكر أن الله هو الذي رفع لك ذكرك فتواضع له، وانكسر بين يديه، وأشكره على نعمته: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ٦ - ١١]. وإذا أفقدك هيبتك، وجاء أحد الناس فتطاول عليك، فإنما يريد الله أن يعلمك أن الجلال والهيبة منه، لا بسبب مالك أو جاهك أو قوتك: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]. وإن تمتعت بنعمةٍ وإكرامٍ من ربك، فأعلم أن الله أكرمك به، فأكرمت به، أعطاك سبحانه فأعطيت، وأغناك فأغنيت، لأنه وحده ذو الجلال والإكرام: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]. وإذا كان الله وحده هو ذو الجلال والإكرام، فيجب أن تؤمن به، وأن تشكروه، وأن تعبده وحده لا شريك له، وإذا كان الله وحده ذو الجلال والإكرام، فيجب أن تحبه وتكرم عباده، وتعظمه، وتجل كتابه، ورسوله، وعباده، وبيوته، وشعائره، وأوامره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢] فسبحان ذي الجلال والإكرام، ذو الطول والإنعام، عظمه بقدر ما تحبه وتعرفه، وأقبل عليه، ولا تلتف لأحد سواه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].

стр. 438

الله هو ذو الجلال والإكرام، فإذا حلت بك مصيبة، أو نزلت بك ملمة، أو أصابتك نكبه، فالجأ إلى ذي الجلال والإكرام، إلى الرحمن الرحيم، فإنه لا يقدر على رفعها إلا هو كما قال النبي ﷺ : «ألِظُّوا بيَا ذا الجَلَالِ والإكْرامِ». أخرجه أحمد (١). فسبحان من جلاله قهر كل شيء، وجماله فتح باب القبول والوصال، وجماله وجلاله أظهر من كل شيء. قال النبي ﷺ : «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ». أخرجه مسلم (٢). والله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وهو القادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله في ملكه العظيم، يذل ليعز، ويمنع ليعطي، ويبتلى ليعافي، ويخفض ليرفع، ويقبض ليبسط، ونعم الله في الشدائد أعظم من نعمه في الرخاء. وذروة الإيمان الصبر على الأقدار، والرضا بالأقدار، فمن أستوي عنده المنع والعطاء، والقبض والبسط، فقد رضي عن الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢]. والامتحان للعباد لا يكون في الرخاء، إنما الامتحان في الشدائد، فلا يظهر توحيد العبد وإيمانه إلا في الشدة، ولا يزيد ويرقى عند الله إلا بالشدة: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].

стр. 439

وقال النبي ﷺ : «أشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسْبِ دِيْنِهِ». أخرجه الترمذي (١). فكل شِدة ورأها شَدةٌ إلى الله، وكل محنة ورأها منحه، وكل شيء وقع في ملك الله العظيم فإنما أذن به، ووقع بالحكمة المطلقة، المتعلقة بالخير المطلق، وإذا أصاب الله عبده بالضر، فإنه في الضر دواؤه والله رءوفٌ رحيم لن يسلم عبده، ولن يتخلى عنه، لأن الطبيب الجراح إنما يجرح المريض، لينزع منه الداء ليتمتع بالعافية بعد البلاء: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وكذلك الله يبتلى عبده بالمكروه، ليوصله إلى المحبوب، ويذكره بمولاه، ليتوب إليه، ويتوجه إليه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. فصفه الضر، والقبض، والمنع، والخفض، والابتلاء تفهم هكذا، وأي فهم أخر يعد كفرًا وإلحادًا في أسماء الله الحسنى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فالبلاء كالضيف، ولكنه ضيف مؤلم، يدخل ويخرج وقد حمل الإنسان على التوبة، أو يرفع به درجة، فمن ظن أو توهم أن الله يسوق البلاء والشدائد تشفيًا من العباد، فقد تنكب سبيل الإيمان، وساء ظنه بالله الرحمن الرحيم: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].

стр. 440

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]. اللهم ألهمنا صفاء التوحيد، ونور الإيمان، حتى لا نطلب دفع الضر والبلاء إلا من جنابك، ولا نقف إلا عند أعتابك، ولا ننكسر إلا بين يديك: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. ومن أعتقد أن أحدًا سوى الله يستطيع أن يضر أو ينفع، فقد أشرك بالله ، والإنسان عندما يستقيم على منهج الله يهديه الله سبل رضاه، ويمنحه الأمان، ولا يُرضي الله أن يعذب الإنسان أو يذله أو يفقره أو يمرضه أو يحزنه، لكن الله يحكمنه البالغة لابد أن يسوق لعبده العاصي بعض الشدائد التي تحمله على الرجوع إلى ربه، والتوبة إليه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]. وكل ما كان انحراف العبد أشد، كانت الضربة عليه قاسية: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣]. وقال الله تعالى عن فرعون وجنوده: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥]. فمن الناس من يتوب بالكلام الناصح، ومن الناس من يتوب بالوعظ القاسي، والآخر لا يرجع إلا بضرب العصا، والآخر بالعذاب الشديد، فلا نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا خير ولا شر إلا بإرادته الله ومشيئته وقدره وإذنه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].

стр. 441

فالنفع من الله، والضر من الله، والعاصي هو السبب، والعطاء من الله إكرامًا، والمنع من الله ابتلاءًا، والعاصي هو السبب، والعافية من الله إكرامًا، والمرض من الله عقوبة وتربية، والإنسان هو السبب، فالحسنة من العبد فعلًا، ومن الله تفضلا، والسيئة من الله فعلًا، ومن العبد كسبًا وسببًا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٨ - ٧٩]. فجميع المخلوقات تفعل فعلها بمشيئة الله، لا بقوة فيها، فالله وحده هو الذي يملك النفع والضر، والعطاء والمنع، والحياة والموت: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. فسبحان الهادي الذي يهدى من يشاء للهداية، ويضل من أصر على الضلال، فمن طلب الهدى هداه، ومن طلب الضلال أضله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧]. فهو سبحانه الهادي الذي يهدى من يشاء، ويضل من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته، ومن استسلم لربه عاش في راحة وطمأنينة، ومن أبى وقع في كل آفة وعذاب: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. فسبحان من بيده ملكوت كل شيء، وبيده مقاليد الأمور كلها: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].

стр. 442

ومن عرف أن الله وحده ربه ومولاه لم يلتفت لأحد سواه، وفوض أموره كلها إليه: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر: ٤٤] وقال الله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. الله هو الرقيب الشهيد، الذي يعلم جميع أحوال الخلق في العالم العلوي والعالم السفلي، في الدنيا والآخرة، في عالم الغيب والشهادة، ويعد كلماتهم وأنفاسهم، ويعلم أعمالهم وأحوالهم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [المجادلة: ٧]. فأنت أيها الإنسان في بيئتك مراقب، وفي سوقك مراقب، وفي عملك مراقب، وفي حضرك مراقب، وفي سفرك مراقب، وفي خلوتك مراقب، وفي اجتماعك بغيرك مراقب، وإذا علم العبد أن ربه العليم الخبير السميع البصير يراقبه، استحى منه، ولزم أمره، وأحسن عمله، فسعد في دنياه وأخراه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. وهو سبحانه الحفيظ الذي لا يغفل، والرقيب الذي لا يغيب، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء، وإذا علم العبد أن ربه يراقبه وصل إلى مقام الإحسان، فعبد ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. ومن علم أن الله العليم الخبير، الرقيب الشهيد، يراقبه، لم يكذب، ولم يظلم، ولم يسرق، ولم يغتب، ولم يعصي، ولم يغش أحد، ولم يزني:

стр. 443

﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]. فكل مخلوق مكشوف لربه في ظاهره وباطنه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. والمؤمن الصادق يرى أن الله معه، يراقبه ويراقب عمله، إكرامًا له، ويحفظه ويحفظ أعماله، وأحواله مع ربه لا توصف، ومناجاته مع ربه لا تنقطع، يتزين لربه قبل أن يصلي، لأنه سوف يقف بين يدي ربه الجميل ويحسن صوته بالقرآن؛ لأنه يعلم أن الله أول من يسمعه، ويكرم الناس؛ لأنه يعلم أن هؤلاء عبيد ربه العظيم، ويستحي أن يكون في حال يعتذر منها؛ لأنه يعلم أن ربه يراه، ويعلم ما في قلبه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وكلما ازداد العبد مراقبة لله كان أكثر ورعًا، وأكثر تقوى، وأكثر حياء، وأكثر حبًا وتعظيما لربه : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. والمؤمن حقًا من أيقن أن الحق سبحانه مراقبٌ لأحواله، مبصر لأفعاله، سامع لأقواله، مطلع على أسراره، فهذا لعلمه أن الله الرقيب قريب شهيد، عليم، خبير، يهاب جلاله، ويخاف من عقابه في كل حال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ

стр. 444

اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. وأفضل الطاعات مراقبة الله على الدوام كل الأوقات ومن راقب ربه أكثر من ذكره وشكره وأخلص له العمل، وأحسن له العبادة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. اللهم إملاء قلوبنا بالإيمان، وامنحنا عيونا تراقب نعمك الظاهرة وبصائر تتعظ بأنوارك الباهرة، يا ذا الجلال والإكرام. الله هو الحسيب الكافي عباده؛ لأنه القوي القادر على كل شيء العليم الخبير بكل شيء، الرحمن الرحيم بجميع خلقه، الغني الحميد، الحليم الكريم، فمن اعتمد على الله كفاه، ومن اعتمد على نفسه ضل، ومن اعتمد على عزه ذل، ومن اعتمد على ماله قل، ومن اعتمد على الله فلا ضل ولا ذل ولا قل، ومن كان مع الله، كان الله معه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. الله هو الحسيب الذي انتهى إليه كل شرف في الوجود، لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، ويكفي العبد شرفًا أن ينتسب إلى الله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٤]. وهو سبحانه الحسيب الذي يحاسب العباد على أعمالهم، يحاسب من أطاعة، ويثيبهم على طاعته الجنة، ويحاسب من عصاه، ويجازيهم على معاصيهم بالنار، فكل إنسان مرهون بعمله.

стр. 445

قال الله في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» أخرجه مسلم (١). وحسابه ﷻ دقيق لا يترك مثقال ذرة منه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. ومن أيقن من الخلق أن الله سوف يحاسبه فلابد أن يخاف منه، ومن خاف منه استقام على أمره، ثم فاز برضوانه وجنته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. هو سبحانه الحسيب، الرؤوف، الرحيم، المجازي على الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف مضاعفة، إلى أضعاف كثيرة، ويجازي على السيئة بمثلها أو يغفرها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]. فسبحان الحسيب الذي يحاسب عباده في الدنيا ليربيهم، ويحاسبهم في الآخرة ليجازيهم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].

стр. 446

فعلى العبد أن يحفظ قلبه ولسانه وجوارحه، ويحفظ ماله ووقته، من كل ما لا يرضي الله، لأن الله سيحاسبه على كل ذلك، لكن المؤمن حسابه يسير، والكافر حسابه عسير: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ٦ - ١٢]. فسبحان الحسيب الذي يكفي بفضله، ويصرف الآفات بطوله، إذا رفعت إليه الحوائج قضاها، وإذا حكم بقضيةٍ أمضاها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. هو العليم الخبير الذي يعلم النيات والأسرار، وأدق الأعمال، وأدق الذرات، ويعلم النقير والقطمير والفتيل، الله يعلم كل ذلك، ويحاسب على كل ذلك، ولا يظلم مثقال ذرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. والرب العظيم الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله، هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٣].

стр. 447

١٠ - الخزانة العاشرة • فقه أسماء الله وصفاته وأفعاله: الله هو الرزاق، الذي خلق الأرزاق والمرزوقين، وأوصلها إليهم، فالله هو المقيت القادر على كل شيء، خلق الإنسان وخلق له قوته من الطعام، وخلق له توافقًا بين الطعام وجسمه، وخلق له أجهزه تهضم الطعام، وتستفيد منه، وتحوله إلى طاقة يعمل بها، ويعبد الله بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. والله سبحانه هو المقيت الذي خلق جميع الأقوات، وساق لكل مخلوق قوته الذي يصلحه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦]. هو سبحانه المقيت الذي تكفل بقوت الأجساد من الطعام والشراب، وقوت القلوب من التوحيد والإيمان، والعلم والأعمال الصالحة، فهذا يولد الطمأنينة والسكينة في القلوب، وذاك تصح به الأبدان، وتقوى على العمل: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]. فالنفوس قوتها بالاتصال بالله، بالإيمان بالله، ومعرفتها به، وسكونها إليه، وشعورها بأن الله راض عنها، وبالعمل الصالح الذي تتقرب إلى الله به: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].

стр. 448

فسبحان ربنا المقيت الذي ساق جميع الأرزاق، وسمع كل دعاء فأجاب، وعلم البلوى فكشف واستجاب، المقيت الذي خلق قوتًا يناسب الجسد، وجسدًا يناسب القوت، فأقوات الله كثيرة لا يحصيها إلا المقيت، ومخلوقاته كثيرة، لا يحصيها إلا من خلقها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. وقوت القلوب هو معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه ووعده ووعيده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقوت القلوب هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قوت القلوب هو معرفة علام الغيوب، والإيمان به، والعمل بشرعه، وهذا القوت يملأ القلب بالإيمان، ويملأ النفس بالسكينة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وإشباع الجسد لا يغني الروح شيئًا، فقر الروح إلى قوت القلوب أعظم من فقر الأجساد إلى الطعام والشراب. فسبحان مالك الأقوات، واهب الأرزاق، حافظ جميع الأعمال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ [النساء: ٨٥]. فكل نصيحة تؤدي إلى طاعة الله، إلى رضوان الله، فهي شفاعة حسنة، وكل نصيحةٍ تؤدي إلى معصية الله، إلى غضب الله، فهي شفاعة سيئة.

стр. 449

فسبحان واهب أقوات العباد وهي الأطعمة، وأقوات القلوب وهي المعرفة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣]. ومن أدب الانتفاع بالقوت المادي ألا نأكل غير الحلال الطيب، ليرتفع عند الله ذكرنا، ويعظم أجرنا، وإذا جلسنا على الطعام نسمي الله، ونذكر المنعم، من خلال النعمة ونذكر الخالق من خلال ما خلق، ونذكر من خلقه وساقه إلينا ونستعين به على طاعته، ونحمده بعد الفراغ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾ [النحل: ١١٤]. فالمؤمن إذا جلس للأكل انتقل بفكره من النعمة إلى المنعم، ومن القوت إلى المقيت، ومن أنواع الإكرام إلى من أكرمه بها فحمده وشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. فيا أيها العبد لا تطلب جميع حوائجك إلا من الله وحده، لأن خزائن كل شيء بيده وعنده: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١]. والمقيت ﷻ جعل أقوات العباد مختلفة. فمنهم من جعل الله قوته الأطعمة والأشربة على اختلاف أنواعها، وهم الحيوانات. ومنهم من جعل قوته الطاعات، والتسبيح، والتحميد، وهم الملائكة.

стр. 450

ومنهم جعل قوته المادي بالطعام والشراب، وقوته الروحي العلم والمعارف الإلهية، وهؤلاء هم أولو الألباب والعقول، وفي مقدمتهم الأنبياء والمؤمنون. فمن اشتغل بطاعة ربه، سخر الله له من يقضي حوائجه، ومن انشغل بشهواته، وكله الله إلى ذاته، فمن شغله الحصول على قوت الأبدان، عن تحصيل قوت القلوب خسر دنياه وأخراه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥] والمؤمن حقاً من أخذ من الدنيا بقدر الحاجة، وأعطى لله بقدر الطاقة. قال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ اجْعَل رزق آل مُحَمَّد قوتا» متفق عليه (١). فعلى المسلم أن يهتم بتحصيل أقواته، وأكبر إثم أن يضيع الإنسان من يقوت من أولاده وبهائمه، ويضيع أقوات أولاده فلا يعرفهم بربهم، ولا يوفر لهم أقواتهم من الطعم والشراب. قال النبي ﷺ : «كفى بالمرء إثمًا أن يُضَيِّع من يقوتُ» أخرجه أبو داود (٢). الله هو ذو الجلال والإكرام، ذو الجلال الذي له الجلال والعز والقوة والغنى والجمال والكمال وكل ما في الكون من جلال وحسن وبهاء، فمن أنوار ذاته، وآثار صفاته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. هو ذو الجلال الذي جل قدره، وعظم في قلوب العارفين به، الذي عظم قدره، وتنزه عن ما لا يليق به، ذو الجلال والجمال الذي جل في علو

стр. 451

صفاته، وتعذر أن يحاط بنعوت جلاله وجماله وكماله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. هو سبحانه ذو الجلال والعظمة والكبرياء، الذي تعذر على الخلق أن يحيطوا بعظمته وكبريائه وجلاله وعلمه وقدرته، وملكه وملكوته: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]. له سبحانه صفات الجلال، وله صفات الجمال، وله صفات ظاهرها جمال، وباطنها جلال، فإذا أعطاك ربك عطاء فهذا شيء جميل، لكن إذا لم يكن مع هذا العطاء استقامة منك فسيكون بعده عقوبة وتأديب بالجلال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥]. وله سبحانه صفات ظاهرها جلال، وباطنها جمال، فإذا أوقع الله عقوبة بإنسان فهذا جلال، فإذا أفضت هذه العقوبة إلى التوبة والإقبال على الله، فهذا جمال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. والله لا يعاقب ويبتلي إلا لينفع، ولا يأخذ إلا ليعطي، ولا يقبض إلا ليبسط، ولا يبتلي إلا ليعافي، وهذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء:

стр. 452

﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وهو سبحانه ذو الجلال الذي جعل بلاء الدنيا سببًا لعطاء الآخرة، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]. فسبحان الحكيم الذي يمنع ليعطي، ويبتلي ليجزي، فالله له الأسماء الحسنى، مرة يكاشف القلوب بأسماء جلاله، ومرةً يكاشفها بأسماء جماله، فإذا تجلى الله على عبده باسم الجلال امتلأ القلب خشية لله : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣]. وإذا تجل الله على عبده باسمه الجميل امتلأ القلب فرحة وطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. فسبحان مقلب هذا القلب البشري بين الخوف والخشية، وبين السرور والطمأنينة: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].

стр. 453

فلا إله إلا الله، ما اعظم أمره، وما أعظم حكمته، وما أعظم علمه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وكل إنسان عاقل قريب من الله يدرك أنه بعد كل كبر أذنب منه تأديب من ربه، وبعد كل افتقار وانكسار عطاء من ربه، فالمفتقر إلى الله ينعم باسمه الجميل، والمعتد بنفسه يعاقب بصفة الجلال. والله حكيم عليم قد يحوج الإنسان لعبد لئيم فيرده هذا اللئيم، ليعرف إحسان ربه إليه، وهؤلاء الذين يُذلون ويُهانون ويسوق الله لهم من الشدائد ما لا يطيقون، هم غالبًا هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، ونسوا الله فنسيهم، وتسلط على غيرهم فسلط الله عليهم من يهينهم، ليعودا إليه، ويحسنوا الظن به: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]. والله رءوف بالعباد، يجل عبده المؤمن أن يذله أو يقهره أو يحوجه إلى لئيم، بل للمؤمن كرامة عند ربه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وهؤلاء الأشرار والطغاة الذين يذلون الناس هم عصيٌ بيد الله، يسلطهم الله على من أساء من عباده، فإن تابوا كفهم الله عنهم، فسبحان ذي الجلال والإكرام، الذي أكرم عباده بأنواع الكرامات والعطايا في الدنيا والآخرة:

стр. 454

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. ومن لم يكن عنده ورع يصده عن معصية الله، إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله فركعتان خالصتان لله من ورع خير من ألف ركعة من مخلط فاستقم كما أمرت، ولا تفعل ما لا يليق بجلال مولاك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. الفقه الأكبر، والعلم الأكبر، هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه، ووعده ووعيده، فإذا امتلأت القلوب بهذا العلم الإلهي العظيم امتلأت نورًا، وحركت الألسن والجوارح بعبادة الله، والتقرب إليه بأنواع الطاعات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. والله مجيب ينعم قبل النداء، ويتفضل قبل الدعاء: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢] هو سبحانه الرحمن الرحيم الذي يقابل دعاء الداعين بالإجابة، ويقابل سؤال السائلين بالإسعاف، ويقابل ضرورة المضطرين بالكفاية؛ لأنه الرحمن الرحيم الذي لا أرحم منه، العزيز الكريم الذي لا أكرم منه: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ [هود: ٦١]. يعطي سبحانه قبل الدعاء، وإذا تأخر العطاء إلى ما بعد الدعاء فإنما يريد الله أن تدعوه، وتناجيه، وأن تلجأ إليه، وأن تتصل به، وأن تمرغ وجهك في

стр. 455

أعتابه، ويحب أن يسعدك بداوم الاتصال به، ويجعل حاجتك وسيلة لهدف إلى دعائه، والاتصال، والتعبد بين يديه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. فسبحان الملك الرؤوف الرحيم الذي قد يحوج عبده إلى شيء، وقد يخيفه من شيء، من أجل أن يسأل ربه، ويفزع إليه، ويتصل به، ويستعين به، ويلوذ بحماه، ويعبده ويدعوه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وسؤال الله النصر، والحاجات، والتضرع إليه هو الهدف، والحاجات هي الوسيلة، فالله خلق عباده ليسعدهم، وجعل الحاجات والمصائب وسائل، والاتصال به، والشكوى إليه، هو المقصود؛ لأنه سبحانه يعلم حاجة المحتاجين، ويعطيهم إياها قبل سؤالهم، فإذا أخرها فإنما يحب أن يسمع دعاءهم، ويسعدهم بالاتصال به: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١] فهو سبحانه خلق الخلق، ووفر حاجتهم قبل أن يخلقهم، وساقها إليهم قبل أن يسألوه، وأمدهم بالنعم التي لا تُعد ولا تحصى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].

стр. 456

والله ﷻ له في ملكه ومخلوقاته حكمٌ وأحكام، وسر وأسرار، وخلق وأمر، وبسط وقبض، ورفعٌ وخفض. فسبحان الحي القيوم الذي يقابل الدعاء بالإجابة، ويقابل السؤال بالعطاء، تدعوه فيجبك، وتسأله فيعطيك. هو الذي يفرج كرب المكروبين، ويجيب دعاء المضطرين: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. وإذا أراد الله رفع درجة عبده المؤمن ساق إليه المصائب، ثم دعا ربه فكشفها، فأكرمه بسبع كرامات، فزاد إيمانه بربه، وزاد حبه له، وزاد ذكره له، وزاد حمده له، وزاد تعظيمه له، وزادت طاعته له، وزاد سوق النعم إليه. فسبحان ربنا الحكيم العليم بعباده، الذي أمرنا بدعائه؛ لنقف بين يديه، ونسبحه، ونحمده، ونكبره، ونسأله، ونستغفره: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]. فإذا مسك الضر فاسأل ربك القادر على كل شيء فإنه قريبٌ مجيب، فهو وحده أهل أن تسأله، وتدعوه، وترجوه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. وإياك أيها العبد أن تنزل حاجتك بإنسان، أو تضع ثقتك في غير الله، فإن فعلت ذلك، فمن محبة الله لك، وإكرامه لك، أن يلقي في قلب من وثقت به

стр. 457

من الخلق الاعتذار إليك، ويخيب ظنك فيه، تأديبًا لك لتعود إلى ربك: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. والدعاء الذي يجيبه الله ما كان بتضرع، وكان خُفية، وتجنب صاحبه الاعتداء في الدعاء، وتجنب أكل الحرام: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]. وأعلم رحمك الله أن الميت الحقيقي من البشر، هو الذي يتمتع بأعلى درجات الصحة، لكن قلبه ميت، لا يعرف ربه، ولا يذكره، ولا يشكره، ولا يعبده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. فلا إله إلا الله، ما أخطر الجهل والغفلة: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. فسبحان الرب الرحيم بعباده، أحيانًا يعطيك قبل أن تسأله؛ لتقبل عليه، وتستجيب لطاعته، وأحيانًا تدعوه فيعطيك، فتحبه وتشكره، فهو إما أن تدعوه فيعطيك، وإما أن يعطيك لتدعوه وتشكره؛ فإن كان الدعاء قبل العطاء، فالمبادرة منك، وإن كان العطاء قبل الدعاء، فهذه نعمة أراد الله أن يمتحنك بها، فأنت إما أن تطيعه فيكرمك، أو يكرمك لتطيعه وتذكره وتشكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. اللهم كما صنت وجوهنا عن السجود لغيرك، فصن وجوهنا عن سؤال غيرك فإنه لا يقدر على كشف الضر، وجلب النفع، سواك يا ولي العطاء

стр. 458

والإحسان: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧]. الله بيده الملك وهو على كل شيءٍ قدير، هو الوكيل القائم بجميع أمور خلقه، القيم الكفيل بأرزاق الخلق، وما ينفعهم، وما يصلحهم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. ومن أجل أن تتوكل على الله وحده، وتفر إليه، وتعتمد عليه، ملأ سبحانه هذه الدنيا بالهموم والمخاوف، والقلق على الرزق والأهل والأولاد، والعمل وكسب الرزق، لتكون عبدًا له، وافقًا بباب عبوديته، فارًا منها إليه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. ففي الحياة الدنيا الأمور مشوبة بالنعم والمصائب، والأمن والخوف، والعز والذل، والمحبوب والمكروه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. أما الآخرة فهي خير محض، حياة بلا موت، وشباب بلا هرم، ونعيم بلا شقاء، وسعادةٌ بلا بؤس، وعافيةٌ بلا مرض، وأمنٌ بلا خوف: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].

стр. 459

ولا يتوكل على الله حقًا إلا من عرفه حقاً بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف أنه القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، الخبير بكل شيء، المحيط بكل شيء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. هو سبحانه القوي الذي كل شيءٌ في قبضته، وجميع أمور الخلائق بيده، وجميع القلوب والخواطر بيده، يصرف قلب هذا ليكرمك ويخدمك، وقلب هذا ليهينك، ويربيك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». أخرجه مسلم (١). فالله وحده مقلب القلوب، فاللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. ولن يستطيع أحدٌ من الخلق أن يتوكل على الله إلا إذا عرفه بأسمائه وصفاته وأفعاله، فإذا عرفه توكل عليه، وفوض أمره إليه، ووكل أمره إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 460

وكلما عظم إيمان العبد قوي توكله على ربه، وشكا همومه إلى ربه لا إلى غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله عن يعقوب ﷺ : ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦]. وكلما ضعف إيمانه ضعف توكله على ربه، فتجده كثير الشكوى إلى كل من يلقاه، فيشكو القوي سبحانه إلى الضعيف العاجز من خلقه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فمن توكل على ربه كفاه وأغناه، وأرضاه وأثابه، ومن توكل على غير الله ضل وقل، وحُرم وخسر: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
следующие страницы →