ولهذا فكل من قدح في شيء من أحكام الله الشرعية، فهو قاده في علم الله وفي حكمته، ولهذا يذكر الله العلم والحكمة بعد ذكر الأحكام، وكذا يذكرهما الله في آيات الوعد والوعيد ليبين للعباد أن الشرع والثواب والعقاب مربوطُ بحكمة الله وعلمه، وكذا قوله سبحانه: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾ [الحج: ٥٩].
ختمها بالعلم والحلم يقتضي علمه بنياتهم الجميلة وأعمالهم الصالحة فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو ويحلم سيئاتهم فكأنهم ما فعلوها.
وختم الثانية بالعفو الغفور: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠].
فيدل على انه أباح العقوبة بالمثل وندب إلى مقام الفرد وهو العفو.
وختم الآية الثالثة بالسميع البصير: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾ [الحج: ٦١].
فيدل على سعة سمعه لجميع الأصوات وبصره بجميع حركات المخلوقات على اختلاف الأوقات.
وختم الآية الرابعة بالعلي الكبير ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].
ليدل على أن علوه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده تضمحل معها المخلوقات كلها ويبطل معها كل ما عُبد من دون الله، وأنه لا يستحق العبادة وحده إلا العلي الكبير سبحانه.
стр. 4167
وختم الآية الخامسة باللطيف الخبير، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾ [الحج: ٦٣].
ليدل على سعة علمه وخبرته بالظواهر والبواطن، وبما تحتوي عليه الأرض من أنواع البذور وأصناف النبات، وأنه سبحانه: لطيف بعباده حيث اخرج لهم أصناف الرزق والنبات والثمار بما أنزله من المساء من الماء. وختم الآية السادسة بالغني الحميد ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾ [الحج: ٦٤].
ليدل على أن خلقه للسموات والأرض وما بينهم من المخلوقات ليس لحاجة منه لها ولا ليتكمل بها فأنه الغني المطلق الحميد الكامل، وليعلم خلقه على أنه الغني عن ما سواه وهم جميعًا فقراء إليه من كل وجه، وأنه الحميد في أقداره وشرعه وجزائه، المحمود على جميع أسمائه وصفاته وأفعاله، فله الحمد المطلق: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وختم الآية السابعة بالرؤوف الرحيم ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
ليدل على أن من رأفته ورحمته تسخير المخلوقات لبني آدم، وحفظ السماوات والأرض وإبقاءها لألا تزول فتختل مصالحهم، وسخر لهم البحار والأنهار لتجري في مصالحهم ومنافعهم، فرحمهم حيث خلق لهم السكن وأودع فيه كل ما يحتاجونه.
стр. 4168
وفي سورة الشعراء ختم الله قصة كل نبي من الأنبياء بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٩].
ليدل على أن نجاة كل نبي وإتباعه برحمة الله ولطفه، وإهلاك المكذبين له، وذلك من آثار عزته، وأنجى كل رسول وأتباعه بكمال قوته وعزته ورحمته، وأهلك المكذبين لهم بكمال عزته وحكمته وقوته.
وفي سورة المائدة قال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨].
ليدل على كمال عزته وحكمته، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، وإنما هو مقام غضبٍ وانتقام ممن اتخذوا إلهًا مع الله، ومن اللطف مقامات الرجاء أن يذكر الله أسباب الرحمة وأسباب العقوبة ثم يختمها بما يدل على الرحمة.
في قوله سبحانه: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب: ٧٣].
ليدل على أن رحمته سبقت غضبه، وصار لها الظهور على الغضب، ولهذا يخرج الرحمن من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فهؤلاء يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بكمال رحمته: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
القرآن كله محكمُ باعتبار وكله متشابهُ باعتبار، وبعضه محكم وبعضه متشابه باعتبار ثالث، وقد وصف الله القرآن الكريم بكل واحدة من هذه الأوصاف، فوصفه بأنه محكم بآيات كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١].
стр. 4169
وقوله سبحانه: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [يس: ١ - ٢].
فالقرآن في غاية الإحكام والإتقان، فأخباره كلها حق وصدقُ لا تناقض فيها ولا اختلاف، وأوامره كلها خيرُ وبركة وعدل وصلاح، ونواهيه زاجرة عن الشرور والأضرار والأعمال السيئة والخلاق الرديئة، فهذا إحكامه وإتقانه فأخباره كلها صدق وأحكامه كلها عدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام.
ثانيًا: وصفه الله بأنه متشابه في قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣].
فالقرآن كله متشابهُ في الحسن والصدق والحق، وألفاظه أحسن الألفاظ ومعانيه أحسن المعاني التي تزكي العقول وتطهر القلوب وتزين الجوارح بأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق.
ثالثًا: وصف الله القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه، في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
فبعض القرآن محكم وبعضه متشابه، والراسخون بالعلم يردون المتشابه إلى المحكم فيصير كله محكمًا، ويقولون كلُ من عند ربنا وما كان من عند الله فلا تناقض فيه، فما اشتبه في موضع فسره الوضع الأخر المحكم.
فحصل العلم وزال الإشكال ولذلك أمثلة، مثل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، تعز من تشاء وتذل من تشاء، فهدايته وإضلاله وعزته وإذلاله ليس جزافًا من غير سبب كما يظنه البعض، فإذا رددنا المتشابه إلى المحكم الذي
стр. 4170
يدل على عن الهداية لها أسباب من العبد يتصل بها، كما في قوله سبحانه: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦].
وإن إضلاله لعبده لها أسباب من العبد وهو توليه الشيطان، كما قال سبحانه: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٣٠].
وقوله : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
فالآيات والنصوص الشرعية كلها حق ويجب على المسلم تصديقها والإيمان بها كلها، فهي متكاملة لا متعارضة، وما أجمل في موضع فسرته آياتٌ أخرى في موضع أخر، والقرآن كله محكم أقواله كلها صدق وأحكامه كلها عدل، ليس فيها كذب ولا ظلم كلها يسر ليس فيها مشقة، وهو كتابُ متشابه يشبه بعضه بعضًا في الحسن والكمال والجودة في الأسلوب فجمع بين الأمرين الحكام والتشابه، والخير في الأخبار يكون بمخالفة الصدق والخير في الأحكام يكون بمخالفة العدل، وكتاب الله كله صدق وعدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
والحكمة في وجود المحكم والمتشابه في القرآن الابتلاء والاختبار، ليحي من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، فمن دعا ميتًا أو صنمًا وطلب منه شفاء مريض أو تحصيل رزق ثم حصل له ما طلب.
القرآن الكريم يجرى في إرشاداته مع الزمان والأحوال في أحكامه الراجعة إلى العرف والعادة، فالله مثلًا أمر عباده بالمعروف، وهو المعروف حسنه شرعًا وعقلًا وعرفًا، ونهاهم عن المنكر وهو المعروف قبحه شرعًا وعقلًا، وأمرهم كذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووصفهم بذلك، فقال
стр. 4171
سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
فما كان من المعروف لا يتغير بالأحوال والأوقات كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من الشرائع الراتبة بكل وقت، والواجب منه على الأخريين كالواجب على الأولين من هذه الأمة، وكذا ما كان منهم قد لا يتغير بتغير الأوقات والأحوال كالشرك والكفر والقتل والزنا وشرب الخمر، وغيرها مما نهى الله عنه، فذلك ثابت في كل مكان وزمان لا يتغير ولا يختل حكمه أبدًا.
أما ما يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فالله يرد الناس إلى العرف والعادة والمصلحة المتعينة في ذلك الوقت، فمثلًا أمر الله بالإحسان إلى الوالدين والأقارب وسائر الخلق بالأقوال والأعمال، ولم يعين شيئًا خاصًا من الإحسان والبر ليعم كل ما تجدد من الأحوال والأوصاف: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وكذلك ضده من العقوق والإساءة ينظر فيه إلى العرف، وكذلك صلة الأرحام أمر الله بها أمرًا مطلقًا يرجع فيه إلى ما سماه الناس صلة؛ لأن المقصود بالصلة زوال ما في القلوب من التباغض وائتلافها، وكذلك المعاشرة بالمعروف، وكذا: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 4172
يرجع فيه إلى العرف في كل بلد وحال، وكذا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
أمر الله عبادة بالأكل والشرب واللباس ولم يعين شيئًا من الطعام أو الشراب أو اللباس، لأن ذلك يختلف بحسب الحال والزمان والمكان، وكذا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فأمر بالأعداد للقوة والسلاح مطلقًا ولم يحدد نوعًا ليشمل كل قوة وسلاح حسب المكان والزمان والحال.
وهكذا لفظ التجارة ليشمل كل تجارة أجازها الشرع وصاحبها الرضا، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠].
ومن مقاصد القرآن الكريم أنه بين كل شيء، فالقرآن العظيم تبيانًا لكل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فإن القرآن اشتمل على أعظم القصص وأعظم العلوم وأحسن الشرائع وأوصل المعاني إلى القلوب بأيسر شيء وأحسنه، ومن ذلك ضرب الأمثال لتوضيح المعاني النافذة بالأمور الحسية ليصير القلب كأنه يشاهد معانيها رأي عين.
стр. 4173
وهذا من عناية الله بعبادة وإيصال العلوم النافعة لهم بأيسر شيء، فقد مثل الله العلم والوحي في القلوب كالغيث النازل من السماء وشبه قلوب الناس بالأراضي والأودية، وأن عمل العلم والوحي في القلوب كعمل الغيث والمطر في الأراضي.
فمنها أراضي طيبة تقبل الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير كمثل القلوب التي تفهم عن الله ورسوله وحيه وكلامه وتعقله وتعمل به وتتعلمه وتعلمه بحسب حالها كالأراضي بحسب حالها، ومنها أرض تمسك المال وتحفظه ولا تنبت الكلأ فينتفع الناس بالماء الذي تمسكه فيشربون ويسقون مواشيهم وأراضيهم، كالقلوب التي تحفظ الوحي من القرآن والسنة وتلقيه إلى الأمة، ولكن ليس عندها الدراية والمعرفة مثلما عند ما قبلها، فهؤلاء على خير ولكنهم دون أولئك.
ومنها أراضي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ كمثل القلوب التي لا تنتفع بالوحي لا حفظًا ولا علمًا ولا عملًا ولا تعليمًا، وكذلك شبة الله كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بأذن ربها.
فشجرة التوحيد في القلب ثابتة تؤتي أكلها كل وقت من النيات الطيبة والأقوال الحسنة والأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة، وهي صاعدة كالشجرة إلى السماء لإخلاص صاحبها وعلمه ويقينه على ربه.
ومثّل الله من اتخذ مع الله إلهًا آخر يتعزز به من المشركين ويزعم أنه ينفعه ويدافع عنه ويدفع عنه ما يضره، شبهه في ضعفه ووهنه بالعنكبوت التي بيتها من أضعف البيوت فازداد باتخاذه ضعفًا على ضعف.
стр. 4174
كذلك المشرك ما زاده باتخاذ وليا ونصيرًا من دون إلا ضعف؛ لأنه قلب قطع عن الله القوي وتعلق بالمخلوق الضعيف، فأزداد وهنًا على وهن، فانه اتكل عليه وظن حصول النفع منه فخاب ظنه وأنقطع عمله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العنكبوت: ٤١].
إما المؤمن فانه قوي بتوحيده وإيمانه، قويًا باتصاله بالقوي القادر سبحانه: الذي بيده كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
ومثّل الله أعمال الكافر بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً فإذا وصله إليه لم يجده شيئًا بل وجده الله عنده فوفاه حسابه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾ [النور: ٣٩].
ومثّل الله كذلك أعمال الكافر بالرماد الذي جاءته الرياح فذرته فلم تبقِ منه شيئًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم: ١٨].
وهذا مناسب لحال الكافر وبطلان عمله، فإن كفره ومعاصيه بمنزلة النار المحرقة، وعمله بمنزلة الرماد والسراب الذي لا ينفع أو لا حقيقة له.
стр. 4175
ومن مقاصد القرآن أن الله أرشد عباده في القرآن إلى ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وبين أن إرشاده ينقسم إلى قسمين:
الأول: أخبار فيها موعظة وعبرة وأوامر ونواهي فيها حكمة ورحمة وأكثر إرشادات القرآن إلى هذا النوع: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
الثاني: إرشاد العقول إلى استخراج الأشياء النافعة من أصولٍ معروفة من جماد ونبات وحيوان وغيرها؛ لإعمال الفكر للاستفادة منها و الاعتبار بها،
كالنظر والتدبر في خلق السموات والأرض التي خلقها الله لتدل على عظمته وسخرها لنا وكإنزال الحديد وأن فيه بأسا شديد ومنافع للناس: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
• وهذا التفكر يفيد علمين جليلين:
أحدهما: أننا نستدل بهذه المخلوقات العظيمة على عظمة خالقها وعلى نعمة التي لا تعد ولا تحصى، وعلى صدق ما أخبر به من الميعاد والجنة والنار وصدق الرسل، وهذا أجل العلمين وأعلاهما.
الثاني: أننا نتفكر فيها ونستخرج منها المنافع فإذا علم الإنسان أن في الحديد منافع اجتهد ليستخرج منه تلك المنافع، كما هو حاصل في زمننا هذا من أنواع الصناعات المختلفة من هذا المعدن العظيم.
стр. 4176
وكذلك سخر لنا الأرض لنزرعها ونستخرج معادنها وبركاتها، وجعلها طوع علومنا وأعمالنا لنستخرج منها الصناعات النافعة في أمور الدين والدنيا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
فما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب شرعًا، وهذا يدل على أن تعلم الصناعات والمخترعات الحادثة النافعة مطلوب شرعًا كما أنه لازم عقلاً، وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن فإن القرآن نبه العباد إلى أن الحديد فيه بأسٌ شديد ومنافع للناس، وأنه سخر لهم ما في الأرض فعليهم أن يسعوا لتحصيل تلك المنافع من أقرب الطرق، كما لا تخفى عظمة المنافع التي حصلت من صناعة الحديد والذهب والفضة والغاز والبترول وغيرها من المنافع التي هي مخزونة في الأرض.
стр. 4177
٨ - الخزانة الثامنة
ومن مقاصد القرآن أنه أرشد إلى التوسط والاعتدال في الأمور وذم الغلو والتقصير وأمرنا بالعدل والقسط في كل الأمور ولزوم الحد فيها بلا غلو ولا تقصير، ومدح أهل العدل وذم أهل الظلم والعدوان: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
ففي مجال عبادة الله أمر الحق سبحانه بالتمسك بما عليه النبي ﷺ في آيات كثيرة ونهى عن مجاوزة ذلك وتعدي الحدود في آيات كثيرة، وذم المقصرين في آيات كثيرة، فالعبادة التي أمر الله بها ما جمعت الإخلاص لله والمتابعة للرسول ﷺ : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
ومتى فقد الأمران أو أحدهما فهي من الأعمال اللاغية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
стр. 4178
وقال النبي ﷺ «مَنْ أحْدَثَ في أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
وفي حق الأنبياء والرسل أمر بالاعتدال في حقهم، فأمر بالإيمان بهم وإتباعهم ومحبتهم ومعرفة أقدارهم ونهى عن الغلو فيهم، وهو أن يرفعوا فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، ويجعل لهم من حقوق الله التي لا يشاركه فيها أحد: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧].
كما نهي عن التقصير في حقهم في الإيمان بهم وعدم إتباعهم وعن توقيرهم، وذم الغالين فيهم كالنصارى الذين غلوا في عيسى، فقالوا إنه إله أو ابن الله، كما ذم الجافين للأنبياء كاليهود الذين قالوا في عيسى ما قالوا، وذم من فرق بينهم فآمن ببعض وكفر ببعض: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وكذلك العلماء والأولياء تجب محبتهم ومعرفة أقدارهم، ولا يجوز الغلو فيهم وإعطائهم شيئًا من حق الله، أو حق رسوله الخاص، ولا يحل جفاءهم وعداوتهم وإيذائهم فمن عاد لله وليًا فقد بارز الله بالمحاربة وكذا أمر بالاعتدال في الإنفاق وأمر بأحسن الأخلاق ونهى عن مساوئ الأخلاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].
стр. 4179
وقال الله : ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩].
وأمر القرآن بأداء الحقوق وذم من قصر في ذلك كبر الوالدين وحقوق الأقارب والأصحاب والأقارب والجيران، كما ذم من غلا فيهم وفي غيرهم، والعدل والوسط أن تكون أعمالك موافقة للشرع في الكمية والكيفية، والغلو أن تزيد والتفريط أن تنقص والجفاء أن تترك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
ومن مقاصد القرآن: أنه أمر بحفظ حدود الله ونهى عن تعديها أو قربانها، وحدود الله هي ما حد لعباده الشرائع الظاهرة والباطنة التي أمرهم بفعلها، والمحرمات التي أمرهم بتركها، والحفظ لها يكون بأداء الحقوق اللازمة وترك المحرمات الظاهرة والباطنة، وحيث قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
كان المراد بهذه الحدود ما أحله الله لعباده وما فصله من الشرائع لأنه أمر بملازمتها ونهى عن مجاوزتها، كما أمر بملازمة ما أحله من الطعام والشراب واللباس والنكاح ونهى عن تعدي ذلك إلى ما حرم منها، وكما أمر بملازمة ما شرعه من الأحكام في الوضوء والصلاة والنكاح والطلاق وغيرها، ونهى عن تعدي ذلك إلى ما لا يجوز شرعًا.
وكما أمر الله بالمحافظة على ما فسره في أحكام المواريث ولزوم حده ونهى عن تعدي ذلك بتوريث من لا يرث وحرمان من يرث، وتبديل ما فرضه بغيره: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩].
стр. 4180
وحيث قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
كان المراد بذلك المحرمات، نهى عن فعلها ونهى عن مقدماتها وأسبابها الموصلة إليها كما نهاهم عن المحرمات على الصائمين فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
ونهى عن الزنا وجميع الأسباب الموصلة إليه؛ لأن الراعي حامي الحمى يوشك أن يقع فيه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢].
وما أسكر كثيره فقليله حرام فحدود الله هو ما حده الله لعباده من المباحات والمأمورات والمنهيات، فالمأمورات والمحللات أمر بلزومها ونهى عن تعديها إلى غيرها، فالاعتداء في الواجبات أن يزيد فيها أو يقصر، والاعتداء في المحللات أن يتجاوزها إلى المحرمات فمثلًا أمر الله بالأكل والشرب ولكن نهانا عن الإسراف والتبذير الذي يضر الإنسان، فقال سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال : ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
فالأكل والشرب من الحلال مباح والإسراف والتبذير محرمًا وكذا أمرنا بلزوم حدوده في جميع الأحكام وأنهى عن تعديها بزيادة أو نقص، كما قال النبي ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ». أخرجه مسلم (١).
ومن مقاصد القرآن أنه بين أن الإيمان بالله أصل كل خير في الدنيا والآخرة، وبفقده يفقد الإنسان كل خير في الدنيا والآخرة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ
стр. 4181
لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
ولهذا كرر الله من ذكره أمرًا به ونهيًا عن ضده وترغيبًا فيه وبيانًا بأوصاف أهله وما لهم من جزيل الثواب، فإذا كان المقام مقام خطابًا للمؤمنين بالأمر والنهي أو مقام إثبات الأحكام الدنيوية بوصف الإيمان فإنه يتناول كل مؤمن سواءً كان متمًا لواجبات الإيمان وأحكامه وأوصافه، أو كان ناقصًا في شيئًا منها، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
أما إذا كان المقام مقام مدح وثناء وبيان الجزاء الكامل للمؤمن، فالمراد بذلك المؤمن حقا الجامع لخصال وصفات الإيمان وأركانه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
стр. 4182
فالخطاب في القرآن بلفظ الإيمان ينقسم إلى قسمين:
١ - خطاب يراد به الإيمان الكامل.
٢ - خطاب يراد به مطلق الإيمان.
الأمر والنهي والأحكام المتعلقة بالإيمان تشمل كل مؤمن، وإن كان فاسقًا، المؤمن الكامل وغير الكامل كلهم يأمر بالصلاة والزكاة ويأمر بالخير ويأمر بالإحسان وينهى عن الظلم والفساد والمحرمات، وأما إذا كان السياق سياق مدحٍ وثناء المراد منه الإيمان الكامل وأهل الإيمان الكامل فيدخل فيه فاسق فالإيمان الكامل له ثوابٌ كامل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
فهؤلاء المؤمنون جمع الله لهم بين الإيمان الكامل واليقين الكامل والإنابة التامة التي أثرها الانقياد لله بفعل المأمورات وترك المنهيات، والوقوف عند حدود الله والإخلاص لله، وهذه أوصاف المؤمن المطلق الذي سلم من العقاب واستحق الثواب ونال كل خير رتب على الإيمان فإن الله رتب على الإيمان في كتابه من الفوائد والثمرات ما لا يقل عن مائة فائدة وكرامة، كل واحدة منها خير من الدنيا وما فيها، رتب على الإيمان نيل رضاه الذي هو أكبر من كل شيء، رتب عليه دخول الجنة والنجاة والسلامة من عذاب القبر، السلامة من شدائد يوم القيامة، والبشرى بكل خير في الدنيا والآخرة، والثبات في الدنيا على الإيمان والطاعات، والثبات عند الموت في القبر على الإيمان والتوحيد.
стр. 4183
وإجابة الملكين بالقبر بالجواب النافع السديد وطمأنينة القلوب وراحة النفوس وصلاح الأحوال وصلاح الذرية، وجعلهم قرة عين للمؤمن والحياة الطيبة في الدنيا والرزق والحسنة وتيسير المؤمن لليسرى وتجنيبه للعسرى.
والصبر عند المحن والمصائب، ووضع الله عنهم الأثقال ودفع عنهم جميع الشرور، وحقق لهم النصر على الأعداء ورفع المؤاخذة على الناسي والجاهل والمخطئ، وأن الله لم يضع عليهم الأصار بل أزالها ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به، ومغفرة الذنوب والتوفيق للتوبة والقرب من الله والقرب من رحمته ونيل ثوابه ومغفرة الذنوب ورفعة الدرجات وحب الله للمؤمنين وغير ذلك من الخيرات والثمرات في الدنيا والآخرة كلها مرتبة على الإيمان كما أن الشرور كلها على فقد الإيمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
أنه اشتمل على أجناس العلوم النافعة، كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فعلى المسلم أن يستفيد من تلك العلوم ويفيد غيره ويعمل بما علم ويعلم غيره: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
وقال الله : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥].
стр. 4184
فأجل علوم القرآن على الإطلاق، علم التوحيد، وما لله من الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، ليعرف القلب الإله الحق الذي ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وإحسانه، فيعبد الله بموجب هذه المعرفة للدين الحق الذي أرسل به رسوله ﷺ . ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ويؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر خيره وشره، ويعبد الله بموجب هذا الإيمان.
هذا وهذا هو أصل العلم، وأصل التعبد، وأصل الفلاح، وفي القرآن صفات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وما جرى لهم وعليهم، على من وافقهم وخالفهم، وما هم عليه من الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة وكمال الإيمان والتقوى، فيقتضي بهم خاصة سيدهم محمد ﵊ في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
فليس القصد من ذكر قصصهم إن تكون سمرًا، وإنما القصد أن تكون عبرة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١].
стр. 4185
ومن علوم القرآن، علم أهل الخير والسعادة وأهل الشر والشقاوة، ليقتضي المؤمن بالأخيار ويجتنب الأشرار، وبين القرآن صفات الأخيار التي وصلوا بها إلى رضوان الله والجنة، وصفات الأشرار التي وصلوا بها إلى دار الجحيم، وأن حب المؤمنين من الإيمان وبغض الكافرين من الإيمان.
ومن علوم القرآن، علم الثواب والعقاب في الدنيا والبرزخ والآخرة على جميع أعمال الخير والشر، وذلك إظهارًا لعدل الله وإحسانه وسعة فضلة، والإيمان باليوم الأخر، الذي هو من أهم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
ومن علوم القرآن، الأمر والنهي وذلك بالعلم بحدود ما أنزل الله على رسوله، فكل مسلم مكلف بمعرفة الأمر والنهي والعمل به والدعوة إليه، فينظر في كل أمر ما هو حده ويحاسب نفسه، هل هو قائمُ بذلك كله أو بعضه أو تارك له؟.
فإن كان قائم به فليحمد الله ويسأله الثبات والزيادة من الخير، وإن كان مقصرًا فيه فليعلم إنه مطالبُ به فليستعن بالله على فعله ويجاهد نفسه على ذلك: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وكذلك في النهي يعرف حده ثم ينظر إلى نفسه، فإن كان قد ترك ذلك المنهي عنه، فليحمد الله على ذلك ويسأله الثبات على فعل الطاعات واجتناب المنهيات، وليجعل الداعي له على ترك المنهيات طاعة الله، وابتغاء وجه، ليكن تركه عبادة كما كان فعله عبادة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 4186
وقال الله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
وإن كان غير تارك للمنهي عنه، فليتب إلى الله توبة جازمة، فمن قرأ القرآن وتدبره، آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، هذا على صراط مستقيم. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]
стр. 4187
٩ - الخزانة التاسعة
ومن مقاصد القرآن، إن الله بين في القرآن الأمراض وأنها تنقسم إلى قسمين:
١ - مرض الأبدان.
٢ - ومرض القلوب.
• وإن مرض القلوب قسمان:
مرض شبه .. مرض شهوة.
فمرض الشبه: بسبب نقص العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعلم بدينه وشرعه، والعلم بعظمة ملكه وسلطانه، والعلم بعظيم نعمه وإحسانه، فمرض الشبة بسبب نقص هذا العلم العظيم.
ومرض الشهوة: بسبب نقص الإرادة، فإذا اعتل القلب بالجهل صار مرضه مرض شبه كالمنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠].
وإذا اعتلت إرادة الإنسان فأحبت المعاصي، وفعلت ما لا يرضي الله ورسوله، فذلك مرضُ شهوة، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢].
وصحة القلب وسلامته بأمرين:
١ - بكمال العلم.
٢ - وكمال الإرادة.
стр. 4188
فإذا اجتمع في القلب كمال العلم بالله، وكمال الإرادة بما يحبه الله ويرضاه، فهذا هو القلب السليم ينجو به صاحبه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
فالقلب السليم هو الذي عرف الحق واتبعه، وعرف الباطل وتركه.
آيات القرآن تزيل الجهل وترغب الإنسان في الطاعات وترهبه من المعاصي: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وقال الله : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩].
فالقرآن الكريم بين أن كل من في قلبه شكُ وشبهات فمرضه مرض جهل علاجه بالعلم الإلهي، وكل من أراد شيئًا من المحرمات فمرضه مرض شهوة علاجه زيادة الإيمان، وزيادة الإيمان تكون بالعلم بالله، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وخزائنه، ووعده، ووعيده، ودينه، وشرعه.
فعلاج هذا المرض وهو مرض الشهوة زيادة الإيمان المانع من المعاصي: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
فآيات القرآن تزيد المؤمنين إيمانًا، وتزيد المنافقين والكفار رجسًا: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
فالمؤمنون كلما سمعوا آية صدقوا فزاد إيمانهم، وأما الذين في قلوبهم مرض فكلما سمعوا أية استكبروا عنها وشكوا فيها وكذبوا بها، فازدادوا رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون، فالمنافقون قلوبهم مريضة بالكفر
стр. 4189
والشك فعاقبهم الله بأن زاد مرضهم بسبب كفرهم: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ١٠].
أن الله بين في القرآن أن أعمال الأبدان وأقوال اللسان صحتها وفسادها وأجرها ووزرها بحسب ما في القلب من إرادة وجه الله أو غيره، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧].
قال النبي ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». متفق عليه (١).
فالأمر بالصدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الناس كله خير، لكن ثواب الآخرة لا يحصل إلا بالنية الخالصة لله ، كما قال سبحانه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
فمن فعل ذلك ابتغاء وجه الله نال به أجرًا عظيمًا، ومن فعله رياءً وسمعة فإنه وإن ترتب على فعله الخير في الدنيا فإنه لا ينال عليه أجرًا يوم القيامة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
وقال الله : ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥].
стр. 4190
وفي مقابله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨].
وكذا قوله سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥].
ومن مقاصد القرآن الكبرى أن الله بين في القرآن كيفية إدارة أحوال السياسة الداخلية والخارجية للأمة، وذلك ببيان كل ما يحقق المصالح ويدفع المفاسد، كما قال سبحانه: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال : ﴿فَاحْكُمْ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
والله أخبر عن المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
وقال للنبي ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فجميع أمور المؤمنين واستجلاب مصالحهم واستدفاع مضارهم، كل ذلك متعلق بالشورى التي يصلون بها إلى الرأي السديد في مصالح دينهم ودنياهم، وذلك بإعمال أفكارهم مجتمعة، كما قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]
стр. 4191
فإذا تعينت المصلحة في طريق سلكوه، وإذا تعينت المفسدة في طريق تركوه، وإذا كان بذلك الأمر مصلحة ومفسدة نظروا أيها أقوى وأحسن عاقبة فاختاروا الأحسن، وإذا رأوا أمرًا بين الأمور هو المصلحة، ولكن ليست عندهم أسبابه نظروا بأي شيء تدرك تلك الأسباب بلا حصول مضرة عليهم، وإذا رأوا مصالحهم تتوقف على الاسترداد بالصناعات والاختراعات الحديثة وما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم سعوا لذلك بحسب قدرتهم ليستغنوا عن غيرهم بما أباح الله لهم، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وإذا رأوا أن السعي في جمع الكلمة وتوحيد الأمة هو الطريق الأقوم لسعادتهم وأمنهم جدوا واجتهدوا لتحقيق ذلك، وإذا رأوا المصلحة في المقاومة والمهاجمة أو في المسالمة والمدافعة بحسب الإمكان سلكوا من ذلك ما يحقق المصلحة ويدفع المفسدة: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١].
وقال الله : ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فمصالح المسلمين الداخلية والخارجية في كل زمان ومكان لا تحصل إلا بالشورى التي أرشد إليها القرآن، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وهذا نص في وجوب إعداد القوة العقلية والمعنوية والمادية كلٌ حسب أسباب زمانه، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ
стр. 4192
قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
فأرشد الله المؤمنين أن يعتزوا بأنفسهم لا بقوادهم، وأن يعتقد كل واحد منهم أن نفس ذلك القائد، وأن يتعلقوا برب الناس لا بالناس حتى لا تتأثر حياتهم بفقد رئيسهم، فيعدون أناسًا للأمور الدينية والدنيوية إذا فقد أحدهم قام بعمله غيره لتكون كلمة الله هي العليا، وتنتظم أمور دينهم ودنياهم، وكذا قوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
أي اتقوا غضب الله وعقابه بفعل ما أمر به من خير وصلاح بحسب الاستطاعة، واجتناب كل نهى الله عنه من مفسده ومضر مطلقة، كما قال النبي ﷺ «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» أخرجه البخاري (١).
وكذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨].
والأمانات كثيرة مختلفة فمن أجلها ولاية الكبيرة والصغيرة والدينية والدنيوية والعامة والخاصة، وقد أمرنا الله أن نؤدي الأمانات إلى أهلها بأن يجعل فيها الأكفاء الأتقياء لأن صلاح الأمور بصلاح الرؤساء المتوليين لها وصلاح المدبرين لها، وفساد الأمور بضد ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
стр. 4193
فيجب أن تؤدى الأمانات إلى أهلها الذين يمكن أن يقوموا بها، يؤدوا الأمانة فيها فلا يوضع الطبيب مكان المهندس، ولا قائد السيارة مكان قائد الطائرة، ولا الحداد مكان النجار وهكذا، فلا يوضع مدرس الحساب ليدرس الفقه لأن هذا كله من الخيانة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ [الأنفال: ٢٧]
ويجب تولية الأمثل فالأمثل فصلاح الرعية بصلاح ولاتها، وفسادها بفسادهم، ثم على الولاة الحكم بالعدل بين الناس كلهم، ومن لازم العدل معرفة العدل في كل أمر من الأمور، ومن ذلك طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله ورسوله، فطاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله، فإذا أمروا بطاعة الله أطعناهم وإذا أمروا بمعصية الله لم نطيعهم، وإذا أمروا بأمر ليس فيه طاعة ولا معصية مما فيه تنظيم الحياة في مصلحة الأمة فيجب طاعتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وجميع ما شرعه الله من القصاص والحدود على الجرائم، وجميع العقوبات والنكال والتخويف لأهل الشر والفساد، وما فيه صيانة لدماء الخلق وأموالهم وأعراضهم كل ذلك من الشرائع الحسنة المتعلقة بالسياسية الشرعية، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله والنصح للأمة في كل حال وتعليم شرع الله كل ذلك من السياسية الشرعية التي تصلح بها الأمة ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
стр. 4194
وكذا الحكم بالحق والعدل واجتناب الباطل والظلم، فكل إنسان له حرية فيما يملك وللآخرين حرية فيما يملكون فمن اعتدى على حق غيره فهو ظالم، والحرية الكاملة جاء بها القرآن والسنة، والحرية الظالمة هي التي تعتدي على حقوق الناس وتمنعهم من التكلم بالخير والتحذير من الشر، وإطلاق هذه الحرية هو من إطلاق عنان الجهل والفساد والعداون الذي يحصل به فسادٌ للأمة وانحلال أمورها: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
والإسلام فتح الباب للأولى، وأغلقه عن الثانية تحصيل للمنافع ودفعًا للمضار: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
• من أعظم مقاصد القرآن:
أن الله ميز في كتابه بين حقه الخاص وحق رسوله الخاص، والحق المشترك بين الله ورسوله، وحقوق الناس، فالحقوق التي بينها الله في القرآن أقسام:
الأول: حق الله وحده لا شريك له، وهو عبادته وحده لا شريك له في جميع أنواع العبادات، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
стр. 4195
الثاني: حق الرسول ﷺ الخاص به وهو تعزيره وتوقيره والاقتداء به وإتباعه، كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الثالث: حق مشترك بين الله ورسوله، وهو الإيمان بالله ورسوله وطاعة الله ورسوله، ومحبة الله ورسوله مع التفاوت في ذلك، فأما حقه سبحانه وهو العبادة وقد ذكره الله في آيات كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
وأما حق رسوله كفاه، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وأما الحق المشترك: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٩].
وقال الله : ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٩]. حق مشترك.
وقال الله : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. خاص بالرسول ﷺ .
وقال الله : ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٩]. حق الله وحده لا شريك له.
وقال الله : ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧].
وقال الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢] .. حق مشترك.
وقال الله : ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة ٥٩]. حق مشترك.
стр. 4196
وقال الله : ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة ٥٩] .. حق خاص بالله وحده.
رابعًا: أما حقوق الخلق، فكما قال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. حق الله.
وقال الله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ﴾ [النساء: ٣٦]. حق للخلق، كالقريب والبعيد والمحتاج.
وجميع ما أمر الله به وحث عليه من القيام بحقوق رسوله وحقوق الوالدين والأقارب والجيران وغيرهم، كله حق لله تعالى يقوم به العبد امتثالًا لأمر الله وتعبدًا له.
والإيمان بالله ورسوله لا يستويان وإن اتفقا في الأصل فإنهما مختلفان فالإيمان بالله، إيمانُ بالله لذاته لأنه الرب، والإيمان بالرسول إيمانٌ به لأن الله أرسله وأمرنا بالإيمان به، وتعظيم الرسول من تعظيم الذي أرسله، ولهذا من أطاعه فقد أطاع الله، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
стр. 4197
١٠ - الخزانة العاشرة
ومن مقاصد القرآن
أن الله أمر في القرآن بالمسارعة إلى أداء أمور الخير التي يخشى فواتها، ويأمر بالتثبت وعدم العجلة في الأمور التي تخشى عواقبها، ففي المبادرة لأعمال الخير يقول سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وقال : ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال : ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦١].
فالسابقون في الدنيا إلى الخيرات والطاعات هم السابقون في الآخرة إلى الجنات والكرامات وفي التثبت في الأمور التي يخشى عواقبها، يقول سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾ [النساء: ٩٤].
стр. 4198
وقد عاب الله على المتسرعين في إذاعة الأخبار قبل التثبت بصحتها بقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ [النساء: ٨٣].
ومن هذا الباب الأمر بالمشاورة في الأمور وأخذ الحذر وألا يقول الإنسان ما لا يعلم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].
• فالأمور ثلاثة:
الأول: أمر علمت مضرته فلا يجوز لك الإقدام عليه كالشر والمعاصي والخبائث.
الثاني: وأمر علمت منفعته فالمسارعة إليه أكمل كسائر أنواع العبادات والواجبات والمستحبات.
الثالث: وأمر ترددت فيه وهذا يحتاج إلى تثبت قبل الإقدام فيدخل من ذلك ما أشكل عليك بذاته هل هو نافع أو ضار؟ وما أشكل عليك بمقارنته مع غيره هل هو أنفع من غيره أو غيره أنفع منه؟.
فقد يكون الشيء منفعة في ذاته لكن يتردد الإنسان بين كون غيره أنفع منه وكون غيره أنفع منه فحين إذًا يجب التثبت والتشاور ومن مقاصد القرآن التي تحصل الاستقامة للعبد يذكره الله في القرآن إذا مالت نفسه إلى ما لا ينبغي من الشهوات والمحرمات ما يفوته من الخير وما يحصل له من الضرر؛ لأن الأمر والنهي لا يكفي أكثر الخلق فيكفهم عما لا ينبغي حتى يقرن ذلك بذكر ما يفوت من المحبوبات التي تزيد أضعافًا عن
стр. 4199
المحبوب الذي يكرهه الله وتحبه النفس، وما يحصل من المكروه المترتب عليه، كما ذكر الله فتنة الأموال والأولاد التي تفتن العبد عن الاستقامة كما، قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٨]
وقال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
وكذا رغب الباري في كتابه الكريم الصلاح والإصلاح في كل حال، فأمر بالصلاح والإصلاح في آيات كثيرة وأثنى على الصالحين والمصلحين في آيات أخر، والصلاح أن تكون الأمور مستقيمة معتدلة مقصودًا بها غايتها الحميدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
فأعمال الخير تصلح القلوب والأبدان، وتصلح الإيمان والأخلاق وتصلح الدين والدنيا، وضدها فساد هذه الأشياء، والصلاح هو الاستقامة على أوامر الله كما أمر بامتثال لأوامر أو اجتناب نواهيه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
وقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١].
стр. 4200
والإصلاح هو إصلاح الأمور الفاسدة في الدين والدنيا، بالسعي في إزالة الفساد والشر والضرر العام والخاص، ومن أعظم أنواع الإصلاح السعي في إصلاح أحوال البشرية بالدعوة إلى الله ليخرج من الكفر إلى الإيمان ومن الشرك إلى التوحيد، من الجهل إلى العلم، ومن الشقاء إلى السعادة، كما قال شعيب لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨].
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفقي إلا بالله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون، وكذا السعي في إصلاح أحوال المسلمين وجمع كلمتهم على الحق، كما قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فكل ساعي في مصلحة دينيه أو دنيوية فهو مصلح والله يهديه ويرشده ويسدده، وكل ساعٍ بضد ذلك فهو مفسد والله لا يصلح عمل المفسدين، وقد أثنى الله على الصالحين بقولهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
وأثنى على المصلحين في آيات كثيرة لأن آثار الصلح والصلاح والإصلاح فيها خير وبركة ورحمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
стр. 4201
فأثنى سبحانه: على المصلحين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠] ..
فالصلاح في الأمة بدون إصلاح لا يمنع ارتفاع الهلاك عنهم بل لينجو من العذاب لابد ليكونوا صالحين مصلحين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كمال الإنسان أن يكون صالحًا بنفسه مصلحًا لغيره، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال الله : ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣]. إصلاح النفس.
وقال الله : ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٣]. إصلاح الغير.
ما أمر الله به ﷻ في كتابه إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه فهذا أمر له بالدخول فيه ليدخل فيه ويتصف به، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]
وإما أن يوجه إلى من دخل فيه فهذا أمره الله به ليصحح ما وجد منه ويكمل ما نقص منه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].
стр. 4202
فالهداية أنواع والمؤمن يطلب من ربه أن يكمل له ما نقص من الهداية في باب معرفة الله وباب الأعمال الصالحة وباب أركان الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
ومن لطف الله بعباده المؤمنين أنه إذا منعهم شيئًا تعلقت به نفوسهم وإراداتهم فتح لهم أبوابًا أنفع لهم منه وأسهل وأولى، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢].
فنهاهم ربهم سبحانه عن التمني الذي ليس بنافع وفتح لهم أبواب الفضل والإحسان وأمرهم أن يسألوه من فضله الذي أعطى غيرهم منه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
ومن مقاصد القرآن أن الله سبحانه بين في القرآن أن الأجر والثواب في العبادات علي قدر المشقة، وأن تسهيله لطريق العبادات من منه وفضله وإحسانه ورحمته، وأنها لا تنقص الأجر شيئًا فالجهاد عبادة عظيمة فيها منافع كثيرة، وفيها كذلك مشقات كثيرة تكرهها النفوس بما فيها التعرض للموت والأخطار وتلف النفوس والأموال، لكن هذه المشقات بالنسبة لما تفضي إليه من العزة والكرامات ليست بشيء بل هي خير محض وإحسان صرف من الله إلى عباده، حيث قيض لهم عبادات توصلهم إلى أعلى
стр. 4203
الدرجات ومنها الجهاد في سبيل الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
وكلما عظمت المشقة في فعل الطاعات وترك المحرمات والصبر على البليات كان له أجل وأعظم الثواب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
وقال الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وقال النبي ﷺ لعائشة لما تعبت في الحج: «إنْ أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك». متفق عليه (١).
فالله رءوف بالعبد لطيف بهم يقلب لهم الأحوال التي تصلحهم فعلى العبد إن سهل الله له طريق العبادة وهونها عليه أن يحمد الله ويشكره على هذه النعمة وإن شقت على النفوس صبر واحتسب الأجر في عنائه ورجا عظيم الثواب عليها: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠].
وقال الله : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
стр. 4204
فتسهيل الطاعات من أثار رحمة أرحم الراحمين، وبيان المنة على العباد بتسهيل الطاعات عليهم فلا يسوق العبد الطريق العسير مع وجود الطريق اليسير؛ لأنه إن ترك السهل الميسر إلى الصعب الشديد فقد ترك نعمة أنعم الله بها عليه تعينه على طاعة ربه، فإن حصلت له مشقة لم يقصدها فهذا من الله لا من العبد، فاصبر فليصبر فليحتسب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠].
والله يحب الصابرين هذه هي شريعة الله السمحة الميسرة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨].
• ومن مقاصد القرآن التي بينها الله في كتابه:
أن الله يكتب للعبد المؤمن عمله من خمسة أبواب:
الأول: يكتب الله للعبد العمل الذي باشره، كما قال سبحانه: ﴿﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وقال : ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٧].
الثاني: يكتب ويكمل له ما شرع فيه ولم يكمله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].
стр. 4205
وقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
الثالث: يكتب الله له أجر ما نشأ من عمل، ولم يكن على باله، كما قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢].
وقال النبي ﷺ : «إذا مَات الإنسَانٌ انقطعَ عمَلُه إلا مِنْ ثلاثْ: صدَقة جاريَة، أوْ عِلم ينتفِعُ به، أوْ ولدٌ صالِحٌ يدعوُ له». أخرجه مسلم (١).
وقال النبي ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا». أخرجه مسلم (٢).
الرابع: يكتب له ما تركه لعذر وكان يعمله كما قال النبي ﷺ «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحا مقيمًا». أخرجه البخاري (٣).
الخامس: أن ما تمناه العبد من الخير وكان من عاداته أن يعمله لكن لم يقدر عليه لعذر فالله يكتب له أجره كما قال النبي ﷺ «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤).
أما ما يتمناه العبد ولم يقدر عليه وليس من عاداته فهذا يكتب له أجر النية لا أجر العمل، كما قال النبي ﷺ حين قسم الناس إلى أقسام «عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ