← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

فأثنى سبحانه: على المصلحين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ [الأعراف: ١٧٠] .. فالصلاح في الأمة بدون إصلاح لا يمنع ارتفاع الهلاك عنهم بل لينجو من العذاب لابد ليكونوا صالحين مصلحين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كمال الإنسان أن يكون صالحًا بنفسه مصلحًا لغيره، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. وقال الله : ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣]. إصلاح النفس. وقال الله : ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٣]. إصلاح الغير. ما أمر الله به ﷻ في كتابه إما أن يوجه إلى من لم يدخل فيه فهذا أمر له بالدخول فيه ليدخل فيه ويتصف به، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] وإما أن يوجه إلى من دخل فيه فهذا أمره الله به ليصحح ما وجد منه ويكمل ما نقص منه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨].

стр. 4202

فالهداية أنواع والمؤمن يطلب من ربه أن يكمل له ما نقص من الهداية في باب معرفة الله وباب الأعمال الصالحة وباب أركان الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧]. ومن لطف الله بعباده المؤمنين أنه إذا منعهم شيئًا تعلقت به نفوسهم وإراداتهم فتح لهم أبوابًا أنفع لهم منه وأسهل وأولى، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢]. فنهاهم ربهم سبحانه عن التمني الذي ليس بنافع وفتح لهم أبواب الفضل والإحسان وأمرهم أن يسألوه من فضله الذي أعطى غيرهم منه ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠]. ومن مقاصد القرآن أن الله سبحانه بين في القرآن أن الأجر والثواب في العبادات علي قدر المشقة، وأن تسهيله لطريق العبادات من منه وفضله وإحسانه ورحمته، وأنها لا تنقص الأجر شيئًا فالجهاد عبادة عظيمة فيها منافع كثيرة، وفيها كذلك مشقات كثيرة تكرهها النفوس بما فيها التعرض للموت والأخطار وتلف النفوس والأموال، لكن هذه المشقات بالنسبة لما تفضي إليه من العزة والكرامات ليست بشيء بل هي خير محض وإحسان صرف من الله إلى عباده، حيث قيض لهم عبادات توصلهم إلى أعلى

стр. 4203

الدرجات ومنها الجهاد في سبيل الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. وكلما عظمت المشقة في فعل الطاعات وترك المحرمات والصبر على البليات كان له أجل وأعظم الثواب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. وقال الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وقال النبي ﷺ لعائشة لما تعبت في الحج: «إنْ أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك». متفق عليه (١). فالله رءوف بالعبد لطيف بهم يقلب لهم الأحوال التي تصلحهم فعلى العبد إن سهل الله له طريق العبادة وهونها عليه أن يحمد الله ويشكره على هذه النعمة وإن شقت على النفوس صبر واحتسب الأجر في عنائه ورجا عظيم الثواب عليها: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠]. وقال الله : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].

стр. 4204

فتسهيل الطاعات من أثار رحمة أرحم الراحمين، وبيان المنة على العباد بتسهيل الطاعات عليهم فلا يسوق العبد الطريق العسير مع وجود الطريق اليسير؛ لأنه إن ترك السهل الميسر إلى الصعب الشديد فقد ترك نعمة أنعم الله بها عليه تعينه على طاعة ربه، فإن حصلت له مشقة لم يقصدها فهذا من الله لا من العبد، فاصبر فليصبر فليحتسب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. والله يحب الصابرين هذه هي شريعة الله السمحة الميسرة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]. • ومن مقاصد القرآن التي بينها الله في كتابه: أن الله يكتب للعبد المؤمن عمله من خمسة أبواب: الأول: يكتب الله للعبد العمل الذي باشره، كما قال سبحانه: ﴿﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقال : ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٧]. الثاني: يكتب ويكمل له ما شرع فيه ولم يكمله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠].

стр. 4205

وقال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. الثالث: يكتب الله له أجر ما نشأ من عمل، ولم يكن على باله، كما قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ [يس: ١٢]. وقال النبي ﷺ : «إذا مَات الإنسَانٌ انقطعَ عمَلُه إلا مِنْ ثلاثْ: صدَقة جاريَة، أوْ عِلم ينتفِعُ به، أوْ ولدٌ صالِحٌ يدعوُ له». أخرجه مسلم (١). وقال النبي ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا». أخرجه مسلم (٢). الرابع: يكتب له ما تركه لعذر وكان يعمله كما قال النبي ﷺ «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحا مقيمًا». أخرجه البخاري (٣). الخامس: أن ما تمناه العبد من الخير وكان من عاداته أن يعمله لكن لم يقدر عليه لعذر فالله يكتب له أجره كما قال النبي ﷺ «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤). أما ما يتمناه العبد ولم يقدر عليه وليس من عاداته فهذا يكتب له أجر النية لا أجر العمل، كما قال النبي ﷺ حين قسم الناس إلى أقسام «عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ

стр. 4206

مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ». أخرجه أحمد بسند صحيح (١). وكما قال الفقراء النبي ﷺ سبق أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا، ثم ذكروا أنهم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، وينفقون ولا ننفق فأخبرهم أن يسبحوا ويحمدوا ويكبروا ثلاث وثلاثين دبر كل صلاة وأنهم بذلك يدركون ما سبقهم، فلما سمع الأغنياء بذلك عملوا مثله فجاءوا الفقراء فقالوا يا رسول الله سمع إخواننا الأغنياء بما صنعنا وعملوا مثله فقال لهم: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» (٢). ولم يقل لهم لكم أجركم بنيتكم. • ومن مقاصد القرآن العظيمة: أن الله ﷻ بين أن هذا القرآن العظيم يهدي للتي هي أقوم وأكمل وأصلح في كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. فالقرآن العظيم أعظم كتاب وأقوم تشريع وأحكم تنزيل فيه تبيان كل شيء كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 4207

فالقرآن أقوم في كل أمر، في العقائد والأخبار والأحكام والأعمال والأخلاق والآداب والسياسات والمصالح الدينية والدنيوية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فالقرآن يدل عليها ويهدي إليها ويرشد إليها ويأمر بها ويرغب فيها ويحث عليها. فأما العقائد فإن القرآن بين العقائد النافعة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر والقدر خيره وشره وفي هذه العقائد صلاح القلوب وغذائها لأنها تملأ القلوب توحيدًا وإيمانًا وتعظيمًا لله وحبًا له وتوكلًا عليه وإنابةً إليه ومن أجل هذا خلق الله الخلق ليعبدوا الله وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وأما الأخبار فأخبار القرآن كلها حق وصدق فيما أخبر الله به عن نفسه وعن رسله وعن مخلوقاته: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. وأما الأحكام فكلها عدل وإحسان ورحمة فما أمر الله ورسوله إلا بكل خير وما نهى الله ورسوله إلا عن كل شر، فأمر بالحلال ونهى عن الحرام، وأمر بأكل الطيبات ونهى عن أكل الخبائث: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]. وأما الأخلاق فالقرآن يدعوا إلى الأعمال الصالحة وينهى عن الأعمال الفاسدة، ويدعوا إلى مكارم الأخلاق من الإيمان والصدق والبر والإحسان والرحمة والعفو وغيرهم من مكارم الأخلاق، وينهى عن ضدها من الكفر

стр. 4208

والشرك والفجور والكذب والظلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وأما الأعمال الدينية التي يدعوا إليها فهي أحسن الأعمال، منها القيام بحقوق الله وحقوق العباد على أكمل الحالات وأجلها وأوصلها إلى المقاصد الحسنة ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. وأما السياسات فالقرآن يهدي ويرشد إلى سلوك الطرق النافعة في تحصيل المصالح ودفع المفاسد، ويأمر بالتشاور فيما لم تتضح مصلحته وذلك في كل مجال في سياسة العبد مع نفسه وأهله وأولاده وجيرانه وأصحابه والناس كافة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] بهذا كله فالقرآن يهدي للتي هي أقوم في كل شيء وكل ما سواه من القوانين المعارضة للقرآن تدعوا للذي هو أسوء وأظلم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. فالقوانين الوضعية كلها لا خير فيها، وإن قدر فيها خير فالقرآن خير منها وأقوم وأنفع وأحسن: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣].

стр. 4209

وقال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. فكل شيء أقوم وأحسن فالقرآن يهدي إليه وكل شيء أعوج وأسوء فالقرآن لا يهدي إليه بل يهدي إلى ضده: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ [الكهف: ١ - ٢]. وقال الله : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام: ١٥٥]. وقال الله : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]. ومن مقاصد القرآن الكبرى أن الله بين في القرآن أن قيمة الإنسان بصفاته لا بذاته، وأن العبرة بحسن حاله هي إيمانه وعمله الصالح فقط: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وأنه لا قيمة لما عند الإنسان من الأموال والأولاد ولا بما وصل إليه من المناصب والرئاسات فهذه نعم يعطها الله من يحب ومن لا يحب ولكن العبرة فقط بالإيمان والأعمال الصالحة فأبو لهب ذو النسب والحسب سيصلى نارًا ذات لهب، وبلال بتوحيده وإيمانه سمع النبي ﷺ دفن نعليه في الجن: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا

стр. 4210

مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧]. فمن أتى الله بالإيمان والتقوى ربح وأسعده الله في الدنيا والآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، فكمال الإنسان بالإيمان والعمل الصالح، فمن أتى بالإيمان والعمل الصالح دخل الجنة من كان وحيث كان غنيًا أو فقيرا عربيًا أو أعجميًا حرًا أو عبدًا. ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١]. ثم ذكر الله البرهان الذي من جاء به دخل الجنة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢]. فميزان الأمور كلها هو الإيمان والعمل الصالح وكمال الإنسان بذلك فقط وما يعطاه الإنسان من المال والولد والجاه فهو نعمة يبتلى الله بها العباد، فمن استعملها في طاعة الله فاز، ومن استعملها في معصية الله خسر دنياه وأخرته: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. ومقاصد الإسلام الكبرى عظيمة وكثيرة جدًا، وهذه هي أهم مقاصد القرآن الكريم الكبرى التي يريد الله منا أن نتعلمها ونعمل بموجبها وندعو إليها

стр. 4211

لنفوز بأعظم الكرامات في الدنيا والآخرة ونسعد برضوان الله ورؤيته ودخول الجنة يوم القيامة. والترغيب في قراءة القرآن وسيلة لفهم تلك المقاصد العظمى، وتدبر القرآن العظيم وسيلة لمعرفة تلك الأصول الكبرى والعمل بها، وهي أصول عظيمة نافعة جامعة. اللهم أعنا على ذكرك وعلى شكرك وعلى حسن عبادتك و اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا وعملا صالحًا يقربنا إليك إنك أنت العزيز الكريم. هذا ما تيسر من ذكر المقاصد الكبرى والقرآن العظيم مملوء بتلك المقاصد فليطلع عليها العبد ويتدبرها في كتاب ربه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 4212

٢٨ - خزائن السيرة النبوية القسم الأول: ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 4213

٢٨ - خزائن السيرة النبوية القسم الأول: ١ - الخزانة الأولى • فضل بعثة النبي ﷺ . الله هو الملك الحق، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، وهو سبحانه الخالق، القادر، القاهر الذي وسم جميع المخلوقات بآثار الحدث بعد العدم، وبما أجرى على الكل من العجز، والحاجة، والنقص، والزيادة؛ لتكون له الحجة البالغة، والربوبية الناطقة، والألوهية الواحدة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ثم أكد الله ذلك، وأكمله برسل بعثهم بالحق إلى خلقه، فجعلهم سفراء بينه، وبين عبيده، وأمناء على وحيه، واختصهم بفضله، واصطفاهم برسالته، وأمرهم بإبلاغ وحيه، وكلفهم بالدعوة إلى توحيده والعمل بشرعه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. هو سبحانه الخالق الذي له الخلق، و الأمر وحده، خلق جميع الخلائق، وفضل بعضهم على بعض، فاصطفى من الملائكة رسل، واصطفى من

стр. 4214

البشر أنبياء، ورسل، وفضل بعضهم على بعض، وجعلهم على مراتب مختلفة، ودرجات متفاوتة. فاصطفى الله من الأنبياء، والرسل أولي العزم، وهم نوح، و إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم أفضل الصلاة والسلام، واصطفى الله سبحانه من أولى العزم الخليلين إبراهيم، ومحمد عليهما أفضل الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. واصطفى من الخليلين محمد ﷺ ، وجعله أكمل الخلق، وسيد البشر، وخاتم الأنبياء، وأفضل الرسل، وأكثرهم تابعة، وأعلاهم قدرًا، وأحسنهم شريعة، وخص هو ربه بأعلى الدرجات، وأحسن الكرامات، وأعظم الأخلاق، و أرسله بأكمل الشرائع: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وجعل له سبحانه من الأصحاب، والأتباع النصيب الأوفر، وبعثه بالدعوة التامة، والرسالة العامة، وحفظه من كل جبار عنيد، وعصمه من كل شيطان مريد حتى أظهر الله به الدين، وأوضح به السبيل وأشاد به معالم الحق، وهدم به معاقل الشرك، و أزهق به الباطل، وحطم به الأصنام، و الأوثان وأظهر به أمة التوحيد، والإيمان. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وجعل سبحانه دين محمد ﷺ أحسن الأديان، وكتابه أحسن الكتب، وأمته خير الأمم، ثم أوجب الله علينا الإيمان به ﷺ وتصديقه، ومحبته، وطاعته، وتوقيعه وإتباعه، وحسن الاقتداء به، والقيام بأداء حقوقه، ونصرة دينه، وأتباعه، والدفاع عنه وعن دينه وسنته فالحمد لله رب العالمين

стр. 4215

الذي أكرمنا بتصديق رسوله ﷺ وشرفنا بإتباعه، وجعلنا من أمته خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. والحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسولا بالهدى، ودين الحق كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. أرسله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٦]. وبعثه رحمةً للعالمين بلسانٍ عربي مبين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. والحمد لله رب العالمين الذي أختار محمدا ﷺ ؛ ليكون رسولا أمينًا، معلمًا، مبينًا، واختار له دينًا قويمًا، وهداه صراطًا مستقيمًا، وارتضاه لجميع البشرية إمامًا، وجعل شرعه للنبوءة ختامًا. ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ملأ الله قلبه ﷺ إيمانا، ورحمة، وعلمًا، وحكمة، و أرسله الله رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة و أدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاد حتى أتاه اليقين، فصلوات الله، وسلامه عليه، وعلى إله، و أصحابه، وأتباعه إلى يوم الدين. بلغ ﷺ البلاغ المبين، وعلم أصحابه أركان الإسلام، والإيمان، وبين لهم شرائع الإسلام، وفضائله، وفرائضه، ونوافله، وعباداته، ومعاملاته،

стр. 4216

وحلاله، وحرامه، وأخلاقه، وآدابه وكان ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، وعلى تعليم ما ينفعهم حريصًا أمينًا يرشدهم إلى أحسن الأعمال، ويهديهم إلى أحسن الأخلاق، ويدلهم على ما فيه فلاحهم، ونورهم، ونجاتهم في الدنيا والآخرة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. دل ﷺ أمته على كل خير، وحذرها من كل شر لم يترك خيرًا قط إلا أمرهم به، ولم يترك شرًا قط إلا حذرهم منه، حتى لم يكن شيئًا من أعمال البر في زمانه متروك، ولم يكن شيئًا من سبل السلام، والخير في زمانه إلا مسلوكًا ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. فلما تم ما أراده الله برسوله من هداية أهل الإسلام، وبلغ الرسول ﷺ جميع ما أرسله الله به من الأحكام، وقرب رحيله من دنيا الأعمال أنزل الله شواهد التبليغ، والتمام، والكمال فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فرحل ﷺ إلى جوار ربه، وترك الأمة على البيضاء ليها كنهارها لا يزغ عنها إلا هالك وترك ﷺ لأمته الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والآداب الحسنة، و الأخلاق الكريمة، والسيرة العطرة، والسنة المطهرة، وأمرهم ﷺ بتعلم هذا الدين الحق، والعمل بأحكامه، والتخلق بأخلاقه، وإبلاغه لجميع البشرية إلى يوم القيامة؛ ليعبد الناس ربهم وحده لا شريك له،

стр. 4217

ويسعدوا في الدنيا، والآخرة ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. هو ﷺ رسول رب العالمين الصادق، الأمين، الهادئ إلى الصراط المستقيم المفسر بسيرته، وسنته للقرآن الكريم ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] بلغ ﷺ القرآن لأمته، وفسره لهم بحياته العلمية، والعملية، والأخلاقية، وتفجرت من لسانه بحار العلوم الإلهية، وجرت منه أنهار الأحكام الشرعية، وتجمل ظاهره، وباطنه بأحسن الأخلاق الإسلامية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقد ربى الرسول ﷺ أمته على حمل هذه الأمانة العظيمة، وأمرهم بأدائها للبشرية كما نزلت من أول يوم بعثه الله فيه، ولقد كانت السيرة النبوية أول، وأكبر، وأحسن جامعة تخرج منها أمثل النماذج البشرية، وأطهر النفوس الذكية، وهم أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين أمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا في الله حق جهاده حتى ﵃، ورضوا عنه ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. فكان من الصحابة ﵃ الخلفاء الراشدون، والمهاجرون، والأنصار، وكان من هؤلاء الأخيار المؤمن النقي، التقى، والعابد الخاشع، والساجد الباكي، والقائد المحنك، والسياسي الداهية، والحاكم العادل، والمجاهد الباسل، والعبقري الملهم، والمحدث

стр. 4218

الحافظ، والفقيه البارع، والعالم العامل، والغنى الشاكر، والفقير الصابر، والورع الزاهد، والحكيم، والحليم، والعفو، والكريم، والتاجر، والزارع الأمين، وكان منهم الأب التقى، والزوج الوفي، والولد البار، والأم الرحيمة، والزوجة الأمينة، والعامل الصادق، والأخ الرحيم، والجار المحسن. فهذا الجيل الفريد من البشر، وهذا السوق العامل من الفضائل كلهم من ثمرات الإيمان بالله، ورسوله، وكلهم تخرجوا من جامعة الإيمان، والتقوى، واصحبوا رعاة للأمم بعد أن كانوا رعاة للغنم فساد الأمن، والسلام في كل بلاد فتحوها، ولهذا كانوا الأمة الوسط، وخير القرون، ونواة خير أمة أخرجت للناس، كما قال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. السيرة النبوية هي الينبوع الصافي لطالب العلم، والفقه، والدليل الهادي لمريد الهداية، والصلاح، والمنهج السديد لمريد الدعوة والإصلاح، والخزانة الواسعة لكل شعب الدين، والخير، والحياة. وكذا السيرة النبوية هي البحر الزاخر، و الشراج المنير، والغيث العميم، والشجرة المباركة المثمرة بأطيب الثمار من الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الكريمة، والسنن النبوية الفاضلة. وكذا السيرة النبوية خير معلم، ومدرس، وخير مربى، ومؤدب، وفيها كل ما ينشده كل مسلم من دروس التوحيد، والإيمان، ومناهج الدعوة،

стр. 4219

والتعليم، وأنواع العبادات، والمعاملات، ومعالي الأخلاق، والآداب، ووصول الإمامة، والقيادة، ومناهج العدل، والرحمة، وأنواع الجهاد، والكفاح وألوان الكرم، والعطاء، وأنواع الصبر، والتضحيات في سبيل الله . وكذا السيرة النبوية هي المصدر الوحيد الأعلى للأسوة الحسنة التي يتطلع إليها كل مسلم، ومنبعه الشريعة العظيمة التي يدين الله بها كل مسلم. والمسلم الذي لا يعيش الرسول ﷺ في قلبه، ولا يتبعه في فكره، وعلمه، وعمله بجوارحه، ولا يقتضى به في سيرته، وسنته، ولا يتخلق بأخلاقه، وآدابه هو مسلم انتماء لا مسلم التزام لأنه أخذ الصورة، وترك الحقيقة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقد اقتضت حكمة الله أن تطلع شمس الرسالة من جزيرة العرب التي كانت أشد البلاد ظلامي، وأشدها حاجة إلى هذا النور الساطع الذي يبدد الظلام، والظلمات، ويملأ الدنيا كلها هداية، ونور، ورحمة، وعدل ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وأخرج الله هذه الأمة ببعثة النبي ﷺ من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الجهل إلى العلم، ومن العداوة إلى المحبة، ومن الظلم إلى العدل، ومن الخوف إلى الأمن ومن الهوى إلى الهدى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ

стр. 4220

مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وكما اختار الله رسوله محمد ﷺ للعرب فقد اختار سبحانه العرب؛ ليكونوا هم أول من يتلقى هذه الدعوة، ثم يبلغوها إلى أنحاء العالم إلى يوم القيامة ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وفى اختيار الله للعرب ليكونوا أول من يتلقى الوحي حكمٌ بالغة، فقد كانوا أسلم الناس فطرة، وأصحاب إرادة قوية، إذا عسر عليهم الحق تركوه، وإذا التوى عليهم فهمه حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم آمنوا به، وأحبوه، واحتضنوه، واستماتوا في سبيله. وهذا ما حصل، فقد كانوا شر البرية، ولما آمنوا بالحق صاروا خير البرية، وكانوا شر القرون، ولما آمنوا صاروا خير القرون، وكانت ألواح قلوبهم صافية لم تكتب فيها عقائد، وكتابات عميقة يصعب محوها، وإزالتها شأن الفرس والروم، وأهل الهند الذين كانوا يفتخرون بعلومهم، وآدابهم الراقية، والزاهية التي لم يكن من السهل حلها، وإبطالها. أما العرب، فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خططها يد الجهل والبداوى، فانغمست في وديان الشهوات و الغفلات، وعميت عن الحق، فكان من السهل اليسير محو تلك العادات، وغسلها، ورسم صور ربانية مكانها، فأسرعوا في قبول الإسلام، فتغيرت حياتهم، وغيروا العالم، وفتحوا قلوب البشرية بالإيمان، والتقوى، والأخلاق الحسنة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

стр. 4221

وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. ولما أكرم الله العرب بهذا الدين، فقبلوه كانوا خير أمة أخرجت للناس في العبادة، والدعوة، والأخلاق، والآداب، وحسن المعاملات، والمعاشرات. وكانوا أرحم الناس بالناس، فدعوا الناس إلى الله، وعلموهم شرع الله، وأحسنوا إليهم في كل حال، وكانت قوى العرب العلمية، والعملية، وطاقتهم الفكرية، ومواهبهم الفطرية مزخورة فيهم لم تستهلك فكانت أمة بِكرة، فلما أسلمت صارت حياتها دافقة بالحياة، والنشاط، والعزائم، والحماس، والرحمة، والإحسان، والصدق، والإخلاص، والعدل، والأمانة، والعلم، والتعليم، والدعوة، والجهاد ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. وكانت الفترة التي بعث الله بها رسوله محمد ﷺ من أشد الفترات التي مرت بها جزيرة العرب ظلمًا، وجهلًا، وفسادًا، وفرقة، وأبعد من كل أمل في الإصلاح، وأشد يأس في الاجتماع، وأصعب مرحله واجهها نبي من الأنبياء، ثم طلعت شمس الرسالة، وأيد الله رسوله ﷺ بالحق، وأظهر دينه على الدين كله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩]

стр. 4222

وأظهر الله على يد الرسول ﷺ محاسن الأقوال، والأعمال، وأعظم الأخلاق، والآداب، وأحسن السنن، والأحكام، وتغيرت حياة أهل الجاهلية بجهده وجهاده ﷺ فعزت بعد ذلة، واجتمعت بعد فرقة، وتراحمت بعد قسوة. وانتقلت من أمة كانت ترعى الغنم إلى أمة ترعى الأمم، وانصرفت من عباد الأصنام، والأوثان إلى عبادة ربهم الرحمن، وتزينت قلوبهم بالتوحيد، والإيمان، وتجملت أجسادهم بالسنن، والآداب، واجتمعت نفوسهم على الحق، والهدى، وشاعت بينهم الرحمة، والأخوة بدل الوحشة، والقسوة: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].

стр. 4223

• فقه الإيمان بالله ورسوله. الإيمان له ستة أركان وهي: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». متفقٌ عليه (١). والإيمان هو التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح. والتصديق وحده لا يكفى، فلابد معه من الإقرار، والانقياد، فقد صدق أبو طالب عم النبي ﷺ بنبوة ابن أخيه محمد ﷺ ، ولكنه لم يقر له، ولم يتبعه، فمات مشركًا وكذلك اليهود الذين كانوا بعهد النبي ﷺ كانوا يعرفون أنه نبي، ويشهدون أنه نبي ومع ذلك حكم الله عليهم بالكفر؛ لأنهم لم يتبعوه، وكذا الكفار: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. وكذا بعض الكفار اليوم يؤمنون بنبوة محمد ﷺ ويسمونه النبي، وهم باقون على كفرهم؛ لأنهم لم يتبعوه لهذا لابد من التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. فلا نجاة لأحد يوم القيامة إلا بثلاثة أمور: ١ - عبادة الله وحده لا شريك له. ٢ - إتباع الرسول ﷺ وحده. ٣ - والكفر بكل ما يري دون الله .

стр. 4224

قال الله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. ولو أن الإيمان هو التصديق لله ورسوله فقط بدون انقياد، لكن إبليس مؤمنًا لأنه يعلم الحق من الباطل، ولكنه لم ينقد للحق استكبارًا عليه ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. لهذا لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان برسول الله ﷺ ، ولا يتم توحيد الله بالعبادة إلا بتوحيد الرسول ﷺ بالإتباع: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠] والإيمان بالله، ورسوله أصل التوحيد، وأساس الإيمان، وأعظم أركان الإسلام، والطريق الوحيد للفلاح، والنجاة في الدنيا، والآخرة: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨]. لهذا لا يمكن إيمان العبد إلا باستكمال أركان الإسلام، وأركان الإيمان، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].

стр. 4225

وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَيامِ رَمَضَانَ، وْحَجِّ البيت». متفقٌ عليه (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إله إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ». متفقٌ عليه (٢). وعن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». أخرجه مسلم (٣). وقال جبريل ﷺ : «يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الإسْلامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إله إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتُقِيمَ الصَّلاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأله وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». أخرجه مسلم (٤).

стр. 4226

• فشهادة التوحيد لها ركنان: ١ - شهادة أن لا إله إلا الله. ٢ - وشهادة أن محمدًا رسول الله. فشهادة أن لا إله إلا الله، توحيد الله ﷻ بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وعبادته وحده لا شريك له، وكلمة التوحيد بركنيها شرط للدخول في الإسلام، وشرطٌ لدخول الجنة، والنجاة من النار، وهى لب الدين، وأساس الملة، لهذا يجب على من أراد الله، والدار الآخرة أن يعلم شروط تلك الشهادة، ويحققها بالعمل بموجبها، والقيام بشروط كلمة التوحيد من أوصاف أهل الجنة، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المعارج: ٣٣]. وهذه الآية، وإن كان المقصود بها عموم الشهادات، فإن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله هي أول الشهادات بالهدى، والتحقيق، والتصديق، والتطبيق.

стр. 4227

٢ - الخزانة الثانية • شروط شهادة أن لا إله إلا الله: يشترط لتحقيق كلمة التوحيد ثمانية شروط: الأول: العلم المنافي للجهل، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. الثاني: اليقين المنافي للشك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. الثالث: القبول المنافي للرفض، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. الرابع: الانقياد المنافي للترك، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢] الخامس: الصدق المنافي الكذب، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. السادس: الإخلاص المنافي للشرك، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].

стр. 4228

السابع: الاستقامة المنافية للانحراف، كما قال سبحانه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢]. الثامنة: المحبة المنافية للبغض، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. أما شهادة أن محمدًا رسول الله فهي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. وشهادة أن محمد رسول الله كشهادة أن لا إله إلا الله لها شروط لا ينتفع قائلها إلا بتحقيقها: الأول: العلم بمعناها، وهو العلم أن محمد رسول من عند الله حقًا، كما قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. الثاني: استيقان القلب بهذه الشهادة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. الثالث: الانقياد لها ظاهرًا، وباطنًا، وذلك بالقيام بحقوق النبي ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].

стр. 4229

الرابع: القبول بها فلا يرد شيئًا من لوازمها، كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. الخامس: الإخلاص فيها بأن لا يجعل مع الرسول شريكا في الإتباع، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال النبي ﷺ : «عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌ». أخرجه مسلم (١). السادس: الصدق فيها، وضده الكذب، والنفاق، كما قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]. السابع: المحبة لهذه الشهادة، وأهلها، والمعاداة لمن يبغضها، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]. الثامن: الإيمان بها، والكفر بما يناقضها، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 4230

خصائص الرسول ﷺ رسولنا محمد ﷺ سيد ولد آدم، وأفضل النبيين والمرسلين، جمع الله له ما تفرق من كمالات الأنبياء من الأقوال والأعمال والأخلاق، وخصه ربه الذي اصطفاه بخصائص تميز بها عن غيره، وخصائصه ﷺ تزيد على مائة صفة كريمة. وهذه أشهر خصائصه ﷺ على سبيل الإيجاز: الأول: أن الله أخذ العهد والميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]. الثانية: أنه ﷺ أعطى خمس لم يعطهن أحدٌ قبله عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» متفق عليه. (١) الثالثة: أن في كتاب الله الذي أنزل عليه الناسخ والمنسوخ، كما قال سبحانه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].

стр. 4231

الرابعة: أنه ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. الخامسة: حفظ الكتاب الذي أنزل عليه إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. السادسة: حماية كتابه ﷺ من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. السابعة: أن الرسول ﷺ أمنةً لأصحابه من العذاب والفتن في حياته، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣]. وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْنَا المَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ العِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله صَلَّيْنَا مَعَكَ المَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ العِشَاءَ، قَالَ «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» أخرجه مسلم (١).

стр. 4232

الثامنة: أن الله أقسم بحياته لما فيها من عظيم الخير والبركات والرحمات، كما قال سبحانه: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢] التاسعة: أن النبي ﷺ أكثر الناس تبعًا في الدنيا والأخرة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا» أخرجه مسلم (١). العاشرة: أن الله نادى كل نبي باسمه فقال يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي، يا يحيي خذ الكتاب بقوة، ونادى محمد ﷺ بوصف النبوة والرسالة زيادة في التكريم والإجلال له، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة/ ٦٧]. الحادية عشرة: أن الله غفر للنبي ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١ - ٢]. الثانية عشر: أن الله خصَّه ﷺ بفاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة والمفصَّل. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ، فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ، لَمْ

стр. 4233

يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ. أخرجه مسلم (١). الثالثة عشرة: أن الله قرن اسمه باسمه في الكتاب تشريفًا وتعظيمًا له، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١]. وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢]. الرابعة عشر: أن الله أعطاه مفاتيح خزائن الأرض. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا. متفق عليه (٢). الخامسة عشرة: أن الله خصَّه بالإسراء والمعراج، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]. السادسة عشرة: أن الرسول ﷺ يرى من خلفه كما يرى من أمامه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ المُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَالله لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» متفق عليه. (٣).

стр. 4234

السابعة عشرة: أن الله خصَّه بدرجة الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود يوم القيامة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ» أخرجه البخاري (١). الثامنة عشرة: أن الرسول ﷺ أول من تشق عنه الأرض يوم القيامة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ» متفق عليه (٢). التاسعة عشر: أن الرسول ﷺ أول من يقرع باب الجنة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» أخرجه مسلم (٣). العشرون: أن النبي ﷺ أول من يمر على الصراط، في حديث الرؤيا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ في حديث الرؤية وفيه - فقال رسول الله ﷺ : « .. وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ» قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ» متفق عليه (٤).

стр. 4235

الحادية والعشرون: أن الله خصَّه بالكوثر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ١ - ٣]. الثانية والعشرون: أن ما بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ» متفق عليه (١). الثالثة والعشرون: أن الله خصَّه يوم القيامة بالدعوة المستجابة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِالله شَيْئًا» متفق عليه (٢). الرابعة والعشرون: أنه يدخل الجنة من أمته ﷺ سبعون ألفًا بغير حساب. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ الفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ»، قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» متفق عليه (٣). الخامسة والعشرون: أن الله جعل أمته ﷺ خير الأمم وجعلهم وسطًا وجعلهم شهداء على الناس كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 4236

وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. السادسة والعشرون: أن الله حرم الزكاة، والصدقة عليه وعلى إله، وعلى مواليه، وموالى آله. عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ .. قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» أخرجه مسلم (١). السابع والعشرون: أن الله وضع الأعذار والأغلال والحرج عن أمته، كما قال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥]. الثامن والعشرون: أن الله خصه بإسلام قرينه من الجن. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ المَلَائِكَةِ»، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ، إلا أنَّ الله أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُني إِلَّا بِخَيْرٍ» أخرجه مسلم (٢). التاسع والعشرون: الرسول ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عَائِشَة ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ الله ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلَا تَسْال عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْال عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا،

стр. 4237

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله تَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» متفق عليه (١). الثلاثون: أن الله قد تجاوز لأمته عن الخطأ، والنسيان، وحديث النفس، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت. أخرجه مسلم (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» متفق عليه (٣). الحادي والثلاثون: أن الله سبحانه حفظه أمته ﷺ من الهلاك، والاستئصال وأن الله زوي له الأرض فرأى مشارقها، ومغاربها وأنه أعطى كنوز الدنيا، وهى الآن في أمته. عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَالتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» أخرجه مسلم (٤).

стр. 4238

الثاني والثلاثون: أن أمته ﷺ شهداء الله في الأرض. عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ» ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ» متفق عليه (١). الثالث والثلاثون: أنه لا يخلو عصرٌ في أمته من جماعة ظاهرة، ظاهرة على الحق إلى يوم القيامة. عَنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ ظَاهِرُون» متفق عليه (٢). الرابع والثلاثون: أن الله خص أمته ﷺ بأن جعل صفوفها كصفوف الملائكة. عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ» أخرجه مسلم (٣). الخامس والثلاثون: أن أمته ﷺ يأتون يوم القيامة عرى محجلين. عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الغَرِيبَةَ عَنْ

стр. 4239

حَوْضِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ» أخرجه مسلم (١). السادس والثلاثون: أنه ﷺ ، وأمته أول من يعبر الصراط. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: « .. وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ» متفق عليه (٢). السابع والثلاثون: أن أمته ﷺ أكثر أهل الجنة. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ. قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَر» متفق عليه (٣). الثامن والثلاثون: أن أمته ﷺ أول من يُحاسب يوم القيامة. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه (٤).

стр. 4240

التاسع والثلاثون: أن الله خص أمته بيوم الجمعة من بين الأمم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ - قَالَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ - فَاليَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى» متفق عليه (١). الأربعون: أنه ﷺ أبيح له الوصال في الصامدون أمته. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ» مَرَّتَيْنِ قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ» متفق عليه (٢). الحادي والأربعون: أنه ﷺ أبيح له الزواج بغير قيد وعدد، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ [الأحزاب: ٥٠]. الثاني والأربعون: أن أزواجه ﷺ أمهات المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
следующие страницы →