← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. السادسة والعشرون: أن الله حرم الزكاة، والصدقة عليه وعلى إله، وعلى مواليه، وموالى آله. عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ﵁ .. قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» أخرجه مسلم (١). السابع والعشرون: أن الله وضع الأعذار والأغلال والحرج عن أمته، كما قال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة/ ١٨٥]. الثامن والعشرون: أن الله خصه بإسلام قرينه من الجن. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ المَلَائِكَةِ»، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ، إلا أنَّ الله أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُني إِلَّا بِخَيْرٍ» أخرجه مسلم (٢). التاسع والعشرون: الرسول ﷺ تنام عيناه، ولا ينام قلبه. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عَائِشَة ﵂: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ الله ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلَا تَسْال عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْال عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا،

стр. 4237

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله تَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «تَنَامُ عَيْنِي وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» متفق عليه (١). الثلاثون: أن الله قد تجاوز لأمته عن الخطأ، والنسيان، وحديث النفس، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت. أخرجه مسلم (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» متفق عليه (٣). الحادي والثلاثون: أن الله سبحانه حفظه أمته ﷺ من الهلاك، والاستئصال وأن الله زوي له الأرض فرأى مشارقها، ومغاربها وأنه أعطى كنوز الدنيا، وهى الآن في أمته. عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَالتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» أخرجه مسلم (٤).

стр. 4238

الثاني والثلاثون: أن أمته ﷺ شهداء الله في الأرض. عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَجَبَتْ» ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ» متفق عليه (١). الثالث والثلاثون: أنه لا يخلو عصرٌ في أمته من جماعة ظاهرة، ظاهرة على الحق إلى يوم القيامة. عَنِ المُغِيرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ ظَاهِرُون» متفق عليه (٢). الرابع والثلاثون: أن الله خص أمته ﷺ بأن جعل صفوفها كصفوف الملائكة. عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ» أخرجه مسلم (٣). الخامس والثلاثون: أن أمته ﷺ يأتون يوم القيامة عرى محجلين. عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ حَوْضِي لَأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الغَرِيبَةَ عَنْ

стр. 4239

حَوْضِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ» أخرجه مسلم (١). السادس والثلاثون: أنه ﷺ ، وأمته أول من يعبر الصراط. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: « .. وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللهُمَّ سَلِّمْ، سَلِّمْ» متفق عليه (٢). السابع والثلاثون: أن أمته ﷺ أكثر أهل الجنة. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي قُبَّةٍ فَقَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ؟»، قُلْنَا: نَعَمْ. قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَر» متفق عليه (٣). الثامن والثلاثون: أن أمته ﷺ أول من يُحاسب يوم القيامة. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه (٤).

стр. 4240

التاسع والثلاثون: أن الله خص أمته بيوم الجمعة من بين الأمم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ - قَالَ: يَوْمُ الجُمُعَةِ - فَاليَوْمَ لَنَا، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى» متفق عليه (١). الأربعون: أنه ﷺ أبيح له الوصال في الصامدون أمته. عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالوِصَالَ» مَرَّتَيْنِ قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ، فَاكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ» متفق عليه (٢). الحادي والأربعون: أنه ﷺ أبيح له الزواج بغير قيد وعدد، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ [الأحزاب: ٥٠]. الثاني والأربعون: أن أزواجه ﷺ أمهات المؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦].

стр. 4241

الثالث والأربعون: أن أزواجه ﷺ محرمات على غيره أبدًا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣]. الرابع والأربعون: أن الكذب عليه ﷺ أشد آثم، وعقوبة من غيره. عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» متفق عليه (١). الخامس والأربعون: أن من استهان به أو سبه كفر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾ [التوبة: ٦١]. وقال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. السادس والأربعون: أن الله خصه بالعصمة في أقواله، وأفعاله، كما قال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ١ - ٤].

стр. 4242

السابع والأربعون: أن الله اتخذ محمدًا خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. عَنْ ابن مسعود ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللهِ» أخرجه مسلم (١). الثامن والأربعون: اختصاصه ﷺ بإباحة الصلاة بعد العصر. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله ﷺ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْرِ. متفق عليه (٢). التاسع والأربعون: اختصاصه ﷺ بإباحة القتال في مكة. عن أبي شريح العدوي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الفتح «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ الله ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ الله قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ» متفق عليه (٣). الخمسون: أن له ﷺ نكاح من وهبت نفسها بلا مهر، كما قال سبحانه: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].

стр. 4243

الحادي والخمسون: أن الله سبحانه كرمه وشرفه بالصلاة عليه وأمر المؤمنين بذلك، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. الثاني والخمسون: أن أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين قد ﵃، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. الثالث والخمسون: أن الله أعطاه قوة ثلاثين رجلاً. عن قتادة عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ. متفق عليه (١). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. متفق عليه (٢). فهذه أهم خصائص الرسول ﷺ الواردة في القرآن والصحيحين أو أحدهما، اقتصرنا عليها خشية الإطالة.

стр. 4244

٣ - الخزانة الثالثة • لوازم الإيمان بالنبي ﷺ : ليس الإيمان بالنبي ﷺ هو مجرد التصديق، والإقرار بأنه نبي، أو أنه رسول، أو أنه مصلح عظيم، ويقف الأمر عند ذلك فقط. بل الإيمان الصادق، الصحيح، الكامل بالنبي ﷺ ، ليقتضي بضعة عشر أمرًا وهي: الأول: معرفة أسمه ونسبه ﷺ ، فنعرف أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة، إلى آخره. لابد للمسلم أن يعرف الرب الذي يعبد، وهو الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأن يعرف الرسول الذي يتبعه، وهو محمد بن عبد الله ﷺ ، ويعرف الدين الذي يدين به، وهو الإسلام. الثاني: الإيمان ببشريته، وأنه عبد لله لا يعبد، ورسول لا يكذب، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١]. وعن عمر ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ» أخرجه البخاري (١). الثالث: الإيمان بنبوته، ورسالته، وأنه نبي، ورسول من عند الله حقًا، فيجب تصديقه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ

стр. 4245

إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. الرابع: الإيمان بمثابة سيرة النبي ﷺ من الأخبار الصحيحة، الدالة على حسن سيرته، وعظمة أخلاقه، وجهاده في دعوته، وبذل كل ما يملك في سبيل إبلاغ دين ربه، ثم تحقيق ذلك في حياة المسلم، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. الخامس: الإيمان بما جاء من صفاته الخَلقية، والخُلقية، كصفة طوله، ولونه، وصفة هيئته، ومشيته، وصفة وجهه، وجمال خلقته، وكذا معرفة ما حباه الله به من الأخلاق الكريمة، التي لم تجتمع لأحد غيره، كالصدق، والعفو، والأمانة، والرحمة، والكرم، والجود، وغيرها من الصفات العظيمة التي أثنى الله عليه بها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ثم التحلي بتلك الصفات العظيمة. السادس: الإيمان بما جاء من خصائصه ﷺ الذاتية، كمعرفة أنه تنام عيناه، ولا ينام قلبه، وأنه يرى من أمامه، ومن خلفه، ومعرفة خصائصه الشرعية، كمعرفة أنه لا يورث، وأنه لا تنكح نسائه من بعده، وغير ذلك من الخصائص. السابع: الإيمان بما جاء من دلائل نبوته ﷺ ، وذلك بمعرفة الأدلة الأساسية، والعقلية، والشرعية التي تدل على أنه رسول الله حقًا.

стр. 4246

الثامن: القيام بحقوقه ﷺ الواجبة على أمته، بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه، وزجر، ولا يعبد الله إلا بما شرع: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١). التاسع: الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات كلها، كما قال عنه ربه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» متفق عليه (٢). العاشر: الإيمان بأن رسالة النبي ﷺ ناسخة لما قبله من الشرائع كلها، كشريعة موسى، وعيسى -عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، ومهيمنة عليها كلها ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].

стр. 4247

الحادي عشر: الإيمان بأنه بعد بعثة النبي ﷺ ، فأنه لا دين مقبول عند الله إلا الإسلام الذي جار به، فلا يجوز التعبد لله بعد بعثته بغير الإسلام، الذي جاء به، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ? عَنِ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». أخرجه مسلم (١). الثاني عشر: الإيمان بعموم رسالته للأنس، والجن إلى يوم القيامة، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وكلمة الناس يقصد بها الإنس، والجن، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦] وثبتت دعوة النبي ﷺ للجن في القرآن في سورة الجن والأحقاف، وأتى بعض الجن فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ

стр. 4248

اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١]. الثالث عشر: الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة كاملة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال للناس في حجة الوداع: « .. وَقَدْ ترَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ؛ كِتَابُ الله، وَأَنتُمْ تُسْألُونَ عَنِّي، فَمَا أَنتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. أخرجه مسلم (١). وعَنْ مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ ﵂ قالت: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شيئاً مما أنزلَ اللهُ عليه فَقَدْ كَذَبَ، واللهُ يقولُ: "يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ". متفق عليه (٢). الرابع عشر: الإيمان بعصمته ﷺ . • والنبي ﷺ معصوم من خمسة أشياء: ١ - معصوم من الشرك. ٢ - معصوم من كبائر الذنوب. ٣ - معصوم من الأخلاق السيئة. ٤ - معصوم في مجال التبليغ، والرسالة.

стр. 4249

٥ - معصوم في نسبه من السفاح. ١ - فالنبي ﷺ عصمه ربه من الشرك، قبل البعثة وبعد ها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فقد كان ﷺ يعرف الله بفطرته قبل أن يبعثه الله، وكان يتعبد لله في غار حراء سنين عديده، ولم يسجد لصنم قط، ولم يفعل شيئاً من أمور الشرك التي كان يفعلها قومه. وقد استخرج الله حظ الشيطان منه في حادثة شق صدره التي حصلت للنبي ﷺ مرتين: الأولى: لما كان صغيراً يرضع في بادية بني سعد، والثانية: في مكة في الحجر قبيل العروج به إلى السماء. عن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ المِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ» متفق عليه (١). وعن أَنَس بْن مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ - وَذَكَرَ- يَعْنِي رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ - فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنْ النَّحْرِ إِلَى

стр. 4250

مَرَاقِّ البَطْنِ، ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ البُرَاقُ فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا» متفق عليه (١). فهذا الحديث وما قبله يدل على عصمة النبي ﷺ من الشرك. ٢ - والنبي ﷺ عصمه ربه من كبائر الذنوب، سواء قبل البعثة أو بعدها، فلم يسجد ﷺ لصنم قط، ولم يشرب الخمر قط، ولم يكذب قط، ولم تمس يده يد امرأة أجنبية عنه قط، ولم تقع منه كبيرة قط: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥]. وكيف تقع منه الكبيرة وهو الذي قال ﷺ عن نفسه: «أَمَا والله إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لله، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» أخرجه البخاري (٢). ٣ - والنبي ﷺ عصمه ربه من جميع الأخلاق السيئة، وجمَّله بجميع الأخلاق الحسنة؛ لأنه رسول رب العالمين إلى الناس أجمعين، فتبارك الله أحسن الخالقين: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فقد فطره الله على كل خُلق فاضل كريم، وجمع له خصال الخير كلها، وجمله بمحاسن الأخلاق التي جبله عليها منذ نشأته. فلله الحمد الذي عصم نبيه ﷺ من كل ما يُنقصه أو يضع من قدره في دينه، أو خلقه، أو نسبه، أو قوله، أو فعله، أو سيرته، أو نسبه، ليكون مثالا فريداً لكل ما يحبه الله ويرضاه، وحتى لا يبقى لحاقد أو حاسد أو منتقص حجة

стр. 4251

يتعلق بها، لتنفير الناس من رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة/ ١٢٨]. وقالت خديجة بنت خويلد ﵂ حينما أتاها النبي ﷺ خائفاً بعد أن لقيه جبريل ﵇ في غار حراء قبل البعثة، فقال لها: «لقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ لَهُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فوالله لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. أخرجه البخاري (١). وعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: فقال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: " يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا " وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صَخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتحوا بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غُلفاً. أخرجه البخاري (٢). وقول الله : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ لا يشكل على ما تقدم من عصمة النبي ﷺ من الشرك والكبائر وسيء الأخلاق؛ لأن معنى ﴿ضَالًّا﴾ وجدك غافلاً عما يُراد بك من أمر النبوة، أو لم تكن تدري ما القرآن ولا

стр. 4252

الشرائع، فهداك الله إليها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ [الشورى: ٥٢]. أما الخطأ الذي يجوز في حقه ﷺ فله ثلاث حالات: ١ - الخطأ في الأمور الدنيوية البحتة التي لا تمس الدين والسلوك، فهذه قد تقع منه، لكنها لا تحط من قدره كنبي، ولا تنقص من منزلته، ولا تناقض عصمته، وذلك مثل تلقيح النخل، فإنه لما قدم المدينة وجدهم يلقحون النخل فقال: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا» فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» أخرجه مسلم (١). ٢ - الخطأ في المسائل القضائية؛ لأنه لا علم له بحقيقة أمر المتخاصمين فيها، إلا ما ظهر له منها. فهذا قد يقع في حقه ﷺ ، لأن النبي ﷺ بشر لا يعلم الغيب، وإنما يقضي على نحو ما يسمع من أقوال الخصمين والشهود. ويدل على إمكانية وقوع الخطأ منه في القضاء قوله ﷺ : «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» متفق عليه (٢).

стр. 4253

٣ - الخطأ منه ﷺ في الجانب الديني أو السلوكي، وهذا نادر جداً، لا تكاد مسائله تعد على الأصابع، وهذا من حكمة الله تعالى لإثبات أن النبي ﷺ بشر كغيره، يخطئ كما يخطئون، وينسى كما ينسون، كما حصل له من النسيان في الصلاة، لحكمة استنان المسلمين به. وهذا الخطأ الذي يمكن وقوعه من النبي ﷺ يكون في غير شرك، ولا كبيرة، ولا في تبليغ الوحي، والله سبحانه لا يقره على هذا الخطأ، وإنما يوجهه إلى الصواب، وربما يعاتبه، كما قال سبحانه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ [عبس: ١ - ٤]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال/ ٦٧]. وهذا الخطأ يقع منه ﷺ على سبيل الاجتهاد، لا على سبيل الرغبة في المعصية. وقد كان النبي ﷺ يستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة، ووعده ربه بمغفرة ذنبه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١ - ٢]. ٤ - عصمة نسبه الذي تناسل منه من السفاح. فقد حمى الله أصول نبينا ﷺ من سفاح الجاهلية، فلم يشب نسبه شيء من ذلك، لا من جهة آبائه، ولا من جهة أمهاته، ولم يولد إلا من نكاح شرعي صحيح.

стр. 4254

فلم يلتق أبواه على سفاح قط، ولم يزل الله ينقله من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً، لم تتشعب شعبتان في عمود نسبه إلا كان في خيرهما. فخرج ﷺ من نكاح، ولم يخرج من سفاح من لدن آدم ﷺ ، لم يصبه من سفاح الجاهلية شيء: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - عصمته ﷺ في مجال التبليغ من الخطأ والنسيان: جميع أنبياء الله ورسله معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالته، ولهذا أوجب الله الإيمان بكل ما جاءوا به من عند ربهم كما قال سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾] البقرة: ١٣٦ - ١٣٧]. والرسل هم الوسائط بين الله وعباده في التبليغ، وبهم يهتدي البشر إلى عبادة الله سبحانه، ولهذا أوجب الله العصمة لرسله وأنبيائه، لتصل الرسالة كاملة غير منقوصة ولا محرفة، فتقوم بها الحجة على الناس: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥].

стр. 4255

فالنبي ﷺ معصوم من الخطأ في مجال التبليغ والرسالة، وقد بلَّغ البلاغ المبين كما أمره ربه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة/ ٦٧]. وعن ابي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فَإِنَّكَ تُدَاعِبُنَا يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا» أخرجه أحمد والترمذي (١). وقد عصم الله رسوله ﷺ من الناس، وكفاه من أذاهم. وقد ثبت في السنة نحو عشرين قصة تدل على وقاية الله لنبيه ﷺ من أذى الكفار حتى بلَّغ رسالة ربه، منها قصته ﷺ لما اجتمعت قريش على قتله، فخرج عليهم من بيته، وخلَّف مكانه علي بن ابي طالب، وخرج عليهم ولم يروه. ومنها عصمة الله وحفظه لرسوله ﷺ من أهل مكة، وصناديدها، وحسادها، ومعانديها، ومترفيها. فصانه الله في بداية الرسالة بعمه أبي طالب الذي كان رئيساً مطاعاً في قريش، فلما مات قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، على أن يتحول معهم إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها منعوه ممن عاداه. ومنها أن الله عصمه من كفار قريش وغيرهم وهو في طريق الهجرة، لما خرج المشركون في طلبه فاختبأ في غار ثور مع أبي بكر ﵁، ولما وصلوا

стр. 4256

إلى الغار أعمى الله أبصارهم، ثم لما أدركه سراقة بن مالك في طريق الهجرة دعا عليه النبي ﷺ ، فساخت قوائم فرسه، فلم يستطع أن يدركه أو يضره. وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، وحفظ رسوله ﷺ فقد كاده اليهود في المدينة بالسحر، فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء. ولما سَمَّه اليهود في ذراع تلك الشاة التي أهديت له بخيبر أعلمه الله به، وحماه منه. وحماه الله من المشركين في بدر بمدد من الملائكة. وحماه الله من المشركين في الأحزاب بالريح الشديدة، والملائكة القديرة، وغير ذلك كثير مما ثبت في السنه.

стр. 4257

٤ - الخزانة الرابعة • نواقض الإيمان بالنبي ﷺ : كما أن للصلاة نواقض، فكذلك فلشهادة أن لا إله إلا الله نواقض، ولشهادة أن محمد رسول الله نواقض. فشهادة أن محمد رسول الله تنتقض بالوقوع في أحد خمس أمور: الأول: نقص شرط من شروط أن محمد رسول الله بعدم الإيمان به ﷺ ، أو عدم طاعته فيما أمر، أو عدم تصديقه فيما أخبر - أو عدم اجتناب ما نهي عنه وزجر، أو عدم عبادة الله بما شرح ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. الثاني: إنكار أمرٍ معلوم من الدين بالضرورة، كإنكار نبوته ﷺ ، أو بشريته، أو أنه خاتم النبيين، أو إنكار عموم رسالته للإنس، والجن، وإنكار أنه قد بلغ الدين كله، أو إنكار أن رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع، أو إنكار أنه له حقوق على أمته، ونحو ذلك، فمن فعل ذلك فهو كافر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. الثالث: إيذائه بقولٍ، أو بفعل، سواء كان ذلك في حياته، أو بعد مماته، فمن أذاه فهو كافر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧].

стр. 4258

ومن لعنه الله لا يكون إلا كافر؛ لأن من أذى الرسول ﷺ ، أذى الله، ومن أطاع الرسول ﷺ ، فقد أطاع الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]. ومن ألوان إيذائه ﷺ : الاستهزاء به، أو الطعن في شخصه، أو نسبه، أو صدقه، أو عقله، أو عفته، أو عرضه، أو الطعن في دينه، أو تصغير شأنه، ونحو ذلك ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤]. والاستهزاء بالنبي ﷺ سبٌ له، وكفر بالله، ورسوله، سواء كان المستهزئ جادًا، أو هازلًا، كما قال الله عن المستهزئين به، وبأصحابه ﷺ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]. فالاستهزاء بالله، ورسوله كفر مخرج من الدين؛ لأن أصل الدين قائم على تعظيم الله، وتعظيم دينه، وتعظيم رسوله، والاستهزاء بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل العظيم، من توقيره ﷺ ، وتعظيمه، وإجلاله، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩ [. الرابع: الوقوع في شيء من نواقض الإسلام، ونواقض الإسلام الكبرى كثيرة. • ويجمعها عشرة نواقض وهي: ١ - الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له.

стр. 4259

٢ - من جعل بينه، وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكلوا عليهم، ويسألهم الشفاعة. ٣ - من لم يكفر المشركين، أو شك بكفرهم، أو صحح مذهبهم. ٤ - ومن اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه. ٥ - ومن أبغض شيء مما جاء به الرسول ﷺ ، ولو عمل به. ٦ - ومن استهزئ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه. ٧ - والسحر من فعله، أو رضي به كفر. ٨ - ومن اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة ﷺ . ٩ - والإعراض عن دين الله، لا يتعلمه، ولا يعمل به. ١٠ - إنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة، كإنكار وجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، وما نحو ذلك، أو إنكار تحريم الزنا، والربا، أو إنكار شيء من أركان الإسلام، أو الإيمان، ومظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين. فمن فعل شيئًا من هذه النواقض عالمًا، عامدًا، مختارًا، فهو كافر مرتدٌ عن الإسلام، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. الخامس: الغلو في النبي ﷺ ، وهو مجاوزة الحد في تعظيم النبي ﷺ ، حتى يصل الأمر إلى صرف شيء من حقوق الله -تَعَاليَ- له، سواء كان من صفات الله، كصفات علم الغيب، أو من العبادات كصرف الدعاء، أو

стр. 4260

النذر، أو الذبح له، وهذا هو الشرك بعينه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. وهذا الأمة أفضل الأمم، وقد خصها الله بأكمل الشرائع، وجعلها أمة وسطا في كل شيء، فلا إفراط، ولا تفريط، ولا غلو، ولا تقصير ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقد حذر الله هذه الأمة، وغير من جميع أنواع الغلو، والأهواء بقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]. والغلو في النبي ﷺ حرام؛ لأن الغلو في الأنبياء، والصالحين يؤدي إلى الوقوع في الشرك، كما حصل لقوم نوح حين غلو في الصالحين منهم، ثم زين لهم الشيطان، فعبدوه من دون الله، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥)﴾ [نوح: ٢١ - ٢٥]. ثم بسبب الغلو في الصالحين انتشر الشرك في قوم نوح، ثم انتقل إلى من بعدهم، حتى وصل الشرك عن طريق الغلو إلى أمة محمد ﷺ ، وانتقلت تلك الأصنام من قوم نوح إلى بلاد العرب.

стр. 4261

ومن ذلك الغلو النصارى في نبي الله عيسى ﷺ ، فأنهم تجاوزوا الحد، ونقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله، كما قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. ثم غلو في إتباع عيسى ﷺ من الأحبار، والرهبان، وادعوا فيهم العصمة، ثم اتبعوهم في كل ما قالوا، سواء كان حقًا أم باطلًا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. لهذا يجب تعظيم النبي ﷺ ، وتوقيره حسب ما ورد به الشرع، من غير غلو، ولا إطراء. عن عمر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». أخرجه البخاري (١). ومظاهر الغلو في الأنبياء، والصالحين كثيرة، بعضها شرك، وفاعلها يعتبر مشركًا، وبعضها يدخل في حيز البدع غير مكفرة، وصاحبها يعتبر من أهل الكبائر.

стр. 4262

• مظاهر الغلو في النبي ﷺ . مظاهر الغلو في النبي ﷺ التي يكفر بها العبد ستة، وهي كما يلي: الأول: دعائه ﷺ ، كان يقول: يا رسول الله أغثني، أو يا نبي الله اغفر لي، ونحو ذلك، فهذا شركٌ؛ لأن الدعاء عبادة لا تصرف إلا لله وحده، ومن صرف دعائه لغير الله، فهو ضال مشرك: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]. الثاني: دعوة الربوبية فيه ﷺ ، كأن يعتقد أنه يخلق، أو يرزق، أو يدبر الأمر، أو نحو ذلك، وهذا شرك ظاهر، وهو من أقبح أنواع الشرك؛ لأن الله وحده هو المتفرد بالربوبية على خلقه أجمعين ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. الثالث: الذبح له، والذبح لغير الله شرك؛ لأن الذبح عبادة، لا يجوز صرفها إلا لله وحده: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. الرابع: النذر له ﷺ ، وهذا شرك؛ لأن النذر عبادة، لا تصرف إلا لله وحده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. الخامس: الطواف حول قبره، وهذا شرك؛ لأن الطواف عبادة، لا يجوز صرفه إلا لله وحده، والطواف الشرعي، لا يكون إلا في مكان واحد من الأرض، وهو الطواف في البيت العتيق، في مكة حرصها الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].

стр. 4263

السادس: ادعاء أنه يعلم الغيب، وهذا شرك في التوحيد؛ لأن علم الغيب خاص بالله وحده، فمن ادعى أن غير الله يعلم الغيب فهو مشرك: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. أما المظاهر المحرمة في الغلو بالنبي ﷺ فيما دون الشرك، فهي على درجتين: ١ - منها ما يدخل في حيز البدع. ٢ - منها ما يدخل في حيز الكبائر، التي دون البدع. وكلاهما ليست من نواقض الإيمان بالنبي ﷺ ، وليست مكفرات بحد ذاتها، ولكنها قد تؤدى إلى الكفر، والشرك، ولهذا حذر منها النبي ﷺ ؛ لأن كل ما كان وسيلة إلى محرم، فهو محرم، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. ومن هذه المظاهر ما يلي: أولًا: اتخاذ قبر ﷺ مسجدًا يصلى فيه. وهذا بحمد الله متعذر بسبب الحجرة النبوية، والسور الحديد المحيط بها، وقيام الحكومة السعودية حرصها، ومنع ذلك.

стр. 4264

عن جندب بن سفيان قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يتوفى بخمس يقول: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». أخرجه مسلم (١). ومن أجل هذا دفن الصحابة رسول الله ﷺ في حجرة عائشة؛ لألا يتخذ قبره مصلى. عن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». متفق عليه (٢). ثانيًا: بناء مسجد على قبره - لعبادة الله وحده. وهذا لم يحصل بحمد الله، ولن يحصل؛ لأن الله حارس النبي ﷺ حيًا، وميتًا، وعاصم له من كل ما يؤذيه، فيحرم على أهل التوحيد بناء المساجد على قبور الأنبياء، أو الصالحين. عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه (٣). ثالثًا: دعاء الله عند قبره ﷺ ومن يفعل هذا يظن أن الدعاء عند قبره أقرب إلى الاستجابة، وهذا قول على الله بغير علم، وقد نهى النبي ﷺ أن يتخذ قبره عيدًا، ولم يفعله أصحابه بعد مماته: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ

стр. 4265

الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. رابعًا: طلب الدعاء منه ﷺ بعد مماته وهذا سفه في العقول، لأن النبي ﷺ قد مات بنص القرآن، وإجماع الصحابة، والميت في حياة برزخية على علاقة له بالحياة الدنيا ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]. ولو كان طلب الدعاء منه بعد وفاته مشروعًا، لفعله الصحابة ﵃، وإنما يُطلب منه الدعاء في حياته فقط، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤]. خامسًا: اتخاذ قبره عيدًا، يعود الإنسان كل يوم، أو كل أسبوع، ونحو ذلك، وهذا محرم؛ لأنه من الزيادة في التعظيم فوق القدر المشروع. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا». أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح (١). وبهذا نعلم أن بعض ما يفعله بعض الناس من زوار المدينة، وغيرهم من ارتياد قبر النبي ﷺ كل يوم، أو بعد كل فريضة، مخالف للشريعة. سادسًا: السفر إلى زيارة قبره ﷺ ، وهذا محرم.

стр. 4266

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى». متفق عليه (١). فمن أراد السفر للمدينة، فلتكن نيته السفر لزيارة المسجد النبوي، والصلاة فيه فقط، وبعد الصلاة تسنن له زيارة قبر النبي ﷺ . سابعًا: الحلف به ﷺ ، وهذا محرم، وقد يكون شركًا مخرجًا من الملة، وقد لا يكون شركًا، فإن كان الحالف يعظم المحلوف به، كما يعظم الله، فيقول والنبي، أو حياة النبي، فهذا شرك؛ لأنه ساوى بين الله، والمخلوق في المنزلة، وإن كان دون ذلك فإنه من الشرك الأصغر الذي هو من كبائر الذنوب. عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشْرَكَ» أخرجه أبو داود، والترمذي (٢). ثامنًا: تعظيم البقاع، والأماكن التي مر بها النبي ﷺ ، أو صلى عندها، أو جلس فيها، وهذا محرم؛ لأنه من التعلق بغير الله من الجمادات: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠] التاسع: التبرك بمسح قبره ﷺ ، أو أخذ تراب منه، أو التمسح بجدران حجرته، أو الحديد المحيط بها، ونحو ذلك؛ لابتغاء البركة، وهذا باطل، ومحرم؛ لأن الشرع لم يأتِ به، وهو من التعلق بغير الله من الجماد، والأمور كلها بيد الله وحده لا شريك له ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].

стр. 4267

وعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى خُيْبَرَ، مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سُبْحَانَ الله، هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهَةٌ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» أخرجه أحمد والترمذي (١). عاشرًا: التوسل بذاته ﷺ ، كأن أن يقول لله اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك، أن ترزقني، أو تشفيني، أو نحو ذلك، فهذا من التوسل البدعي؛ لأن الشرع أورد التوسل بأسماء الله الحسنى، أو بالعمل الصالح من العبد، أما التوسل بذوات الآخرين، أو أعمالهم، فهذا لم يرد في القرآن، ولا السنة، فالتعبد لله به بدعة: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». أخرجه مسلم (٢). الحادي عشر: الاحتفال بذكرى مولده ﷺ ، وهذه من البدع المشتهرة، وقد أنكرها علماء الإسلام على مر العصور، وهي من التشبه بالكفار من النصارى، الذين يحتفلون بمولد عيسى ﷺ ويتخذونه عيدًا توقد فيه الشموع، وترتكب المحرمات من الغلو، والأغاني، والاختلاط، وغيرها، وفي إقامة المولد تشبه بالنصارى، وهو منهي عنه شرعًا، كما قال النبي ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» أخرجه أبو داود واللفظ له، وأحمد (٣).

стр. 4268

عن أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، قَالَ: فَمَنْ». متفق عليه (١). والاحتفال بالمولد النبوي لو كان خيرًا، لفعله الصحابة ﵃، والتابعون الذين هم أشد الناس تعظيمًا للنبي ﷺ ، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، والخير كله في إتباع سنته، وهديه، والعمل بما جاء به: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وإقامة المولد النبوي بجميع أنواعه، سواء كان في المساجد، أو غيرها، بدعة محرمة، محدثة، أحدثها الشيعة الفاطميون لإفساد دين الإسلام، وفيه من الفساد، والرقص، والغنى، والغلو، والمنكرات مما عم وطم يندى له الجبين. • عقوبة المستهزئ بالنبي ﷺ : أما حكم الاستهزاء بالنبي ﷺ ، فهو لون من ألوان إيذائه، ومن استهزأ به فهو كافر، وعقوبة المستهزئ بالنبي ﷺ القتل كفر لا حد. عن جَابِرَ بْن عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى الله وَرَسُولَهُ» فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ قَالَ: «نَعَمْ».

стр. 4269

قَالَ فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا قَالَ: «قُلْ». فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ. قَالَ: وَأَيْضًا وَالله لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدْ اتَّبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ. فَقَالَ: نَعَمِ، ارْهَنُونِي. قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأْمَةَ - قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي السِّلَاحَ -. فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَجَاءَهُ لَيْلًا وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الحِصْنِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ - وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ- قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُونَائِلَةَ، إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ - وَقَالَ مَرَّةً ثُمَّ أُشِمُّكُمْ -. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ رِيحًا. قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ، وَأَكْمَلُ العَرَبِ.

стр. 4270

فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ. قَالَ: نَعَمْ. فَشَمَّهُ ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ .. متفق عليه (١). والاستهزاء به ﷺ معادة له، والمعادي لولي الله معادي لله في الحقيقة، ومن عاد الله فقد حاربه. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أن الله تعالى قال: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ». أخرجه البخاري (٢). والمستهزئ بالنبي ﷺ حقيق بعقوبة الله في الدنيا، والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ [الحجر: ٩٥]. والنبي ﷺ لم يسلم من الأذى، والسخرية، والاعتداء منذ بعثه الله إلى يومنا هذا، شأنه شان غيره من الأنبياء، والمرسلين، لتستمر أجورهم من غيرهم، إيجابًا، وسلبًا: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾ [يس: ٣٠]. ومن استهزاء الكفار بالنبي ﷺ أنهم اتهموه بالجنون، والكذب، والشعر، والسحر، وغمزوه في عرضه الشريف، وكان يسمونه مذمم، ولكن الله حفظه، وعصمه ممن أذاه، ونصره على أعدائه، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].

стр. 4271

وقد أخبر الله رسوله ﷺ إن من استهزأ بالأنبياء، الله سيعاقبه في الدنيا، والآخرة: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠]. والاستهزاء بالرسول ﷺ لا يضر بالدين شيئًا، فدين الله سيبلغ ما بلغ الليل، والنهار لا محالة، وقد بلغوا لله الحمد أكثر الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. من سب النبي ﷺ مكرهًا، فهذا لا يؤاخذ، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. ولا شك، ولا ريب أن الاستهزاء بالنبي ﷺ مستلزمٌ بالشريعة التي جاء بها، فلولا الدين الذي جاء به لما استهزءوا به، فمن استهزأ به، استهزأ بالشريعة التي جاء بها، ومن استهزأ بالشريعة، فقد استهزأ بالله الذي أنزلها، وكل ذلك كفر عظيم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].

стр. 4272

٥ - الخزانة الخامسة أحسن أسوة: من رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم الأنبياء، والرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ليسعدوا في الدنيا، والآخرة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. فالله سبحانه اختار الأنبياء، والرسل من البشر، واختار الرسل من الأنبياء الذين أرسلهم الله؛ لهداية خلقه، و الذين بلغ عددهم مائة وأربعة وعشرون ألفًا نبي الرسول منهم ثلاثمائة وخمسة عشر رسولًا. واختار من الرسل أولى العزم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - واختار سبحانه من أولى العزم الخليلين إبراهيم، ومحمد -عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- واختار من الخليلين سيد الأنبياء، والرسل محمد ﷺ . واختار سبحانه هذه الأمة من بين الأمم، وفضلهم على سائر الأمم في توحيدهم، وإيمانهم، وفى أعمالهم، وأخلاقهم، و في عظيم ثوابهم، وحسن جزاءهم، إن أصابهم ما يحبون حمدوا، وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون صبروا، واحتسبوا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 4273

وحاجة الناس إلى بعث الأنبياء، والرسل الذين يبينون لهم ما يريد الله هو ما يحبه، أشد حاجة؛ لهذا حاجة العباد إلى معرفة الرسول ﷺ وما جاء به فوق كل حاجة، فإنه لا سبيل إلى فلاح الناس، وسعادتهم في الدنيا، والآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والطيب من الخبيث إلا من جهتهم، ولن ينالوا رضي الله البتة إلا على أيديهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فالطيب من جميع الأقوال، والأعمال، والأخلاق هو هديهم، وهو الميزان الراجح الذي به أقوالهم، وأعمالهم، وأخلاقهم تزن أقوال، وأعمال، وأخلاق البشرية. وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، وأهل الحق من أهل الباطن، ويحصل الفوز بالجنة، والنجاة من النار ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. وإذا كانت سعادة الإنسان في الدارين متعلقة بهدى النبي ﷺ ، فيجب على كل مسلم يحب أن يسعد في الدنيا، والآخرة أن يعرف مسيرة النبي ﷺ ، وهديه، وسنته ما يخرج به من قوائم الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه

стр. 4274

المؤمنين ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. والإتباع الكامل للنبي ﷺ يتحقق بستة أمور: معرفة سيرته، وسنته، وإتباعه في نيته، وفكره، وفى أقواله الحسنة، وفى أعماله الصالحة، وفى أخلاقه الكريمة، وفى دعوته، وجهاده. وحياة النبي ﷺ أحسن حياة، وأطهر حياة، وأذكى حياة، وأجمل حياة، وقد أكرم الله رسوله ﷺ بأنواع الحياة المختلفة، زوجًا، وأبًا، وداعيًا، ومعلمًا، وعابدًا، وزاهدًا، وإمامًا، وسيدا، وذاكرًا، ومذكرًا، وغنيًا، وفقيرًا، وشاكرًا، وصابرًا، ومجاهدًا، ومقاتلاً، وغير ذلك من صفحات الحياة القلبية، والبدنية، والأخلاقية. وذلك أولًا: ليمتثل ﷺ أمر الله إليه في كل حال، ويبلغ فيه الكمال، وينال عليها أحسن الثواب: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ثانيًا: ليكون ﷺ لكل فرد من أمته سواء كان رجلًا، أو امرأةً، أو زوجًا، أو أبًا حاكمًا، أو محكومًا قويًا، أو ضعيفًا، أو داعيًا، أو معلمَا؛ ليكون قدوة لكل فرد من أولئك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. لهذا يجب على كل مسلم، ومسلمة تعلم ما جاء به، والعمل بموجبه، والدعوة إليه، والتواصي به، والصبر عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].

стр. 4275

حياة النبي ﷺ الخاصة: • ملابس الرسول ﷺ : كانت له ﷺ عمامة تسمى السحاب، وكان إذا اعتم أرخى طرفي عمامته بين كتفيه. عن عمرو بن الحرير ﵁ قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ». أخرجه مسلم (١). ولبس ﷺ القميص، وكان أحب الثياب إليه، وكان كمه إلى الرسغ في الكف، ولبس الجُبة، ولبس في السفر جُبة ضيقة الكمين، ولبس القباء، ولبس الإزار، والرداء، وكان طول رداءة ستة أذرع وشبر، وعرضه ذراعان وشبر، وطول إزاره أربعة أزرع، وشبر، وعرضه ذراعان وشبر. ولبس ﷺ حلة حمراء منسوجة بخطوط حمر مع الأسود، والحلة إزار و رداء بشكل واحد، ولبس ﷺ الخميصة المعلمة، والسادجة، ولبس الثوب الأسود، ولبس الفروة المكفوفة بالسندس. ولبس ﷺ السراويل، ولبس الخفين، ولبس النعلين، ولبس الخاتم في يمينه، ويسراه، ولبس البيضة على رأسه، ولبس المغفر، ولبس الدرع، وظهر يوم أحد بين ذراعيه. وكان للرسول ﷺ بردان أخضران، وكساء اسود، وكساء أحمر ملبد، وكساء من شعر، وكان قميصه ﷺ من قطن، وكان قصير الطول، قصير
следующие страницы →