← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

وقد أخبر الله رسوله ﷺ إن من استهزأ بالأنبياء، الله سيعاقبه في الدنيا، والآخرة: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الأنعام: ١٠]. والاستهزاء بالرسول ﷺ لا يضر بالدين شيئًا، فدين الله سيبلغ ما بلغ الليل، والنهار لا محالة، وقد بلغوا لله الحمد أكثر الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣]. من سب النبي ﷺ مكرهًا، فهذا لا يؤاخذ، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. ولا شك، ولا ريب أن الاستهزاء بالنبي ﷺ مستلزمٌ بالشريعة التي جاء بها، فلولا الدين الذي جاء به لما استهزءوا به، فمن استهزأ به، استهزأ بالشريعة التي جاء بها، ومن استهزأ بالشريعة، فقد استهزأ بالله الذي أنزلها، وكل ذلك كفر عظيم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].

стр. 4272

٥ - الخزانة الخامسة أحسن أسوة: من رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم الأنبياء، والرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ليسعدوا في الدنيا، والآخرة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦]. فالله سبحانه اختار الأنبياء، والرسل من البشر، واختار الرسل من الأنبياء الذين أرسلهم الله؛ لهداية خلقه، و الذين بلغ عددهم مائة وأربعة وعشرون ألفًا نبي الرسول منهم ثلاثمائة وخمسة عشر رسولًا. واختار من الرسل أولى العزم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - واختار سبحانه من أولى العزم الخليلين إبراهيم، ومحمد -عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- واختار من الخليلين سيد الأنبياء، والرسل محمد ﷺ . واختار سبحانه هذه الأمة من بين الأمم، وفضلهم على سائر الأمم في توحيدهم، وإيمانهم، وفى أعمالهم، وأخلاقهم، و في عظيم ثوابهم، وحسن جزاءهم، إن أصابهم ما يحبون حمدوا، وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون صبروا، واحتسبوا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 4273

وحاجة الناس إلى بعث الأنبياء، والرسل الذين يبينون لهم ما يريد الله هو ما يحبه، أشد حاجة؛ لهذا حاجة العباد إلى معرفة الرسول ﷺ وما جاء به فوق كل حاجة، فإنه لا سبيل إلى فلاح الناس، وسعادتهم في الدنيا، والآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والطيب من الخبيث إلا من جهتهم، ولن ينالوا رضي الله البتة إلا على أيديهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فالطيب من جميع الأقوال، والأعمال، والأخلاق هو هديهم، وهو الميزان الراجح الذي به أقوالهم، وأعمالهم، وأخلاقهم تزن أقوال، وأعمال، وأخلاق البشرية. وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، وأهل الحق من أهل الباطن، ويحصل الفوز بالجنة، والنجاة من النار ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. وإذا كانت سعادة الإنسان في الدارين متعلقة بهدى النبي ﷺ ، فيجب على كل مسلم يحب أن يسعد في الدنيا، والآخرة أن يعرف مسيرة النبي ﷺ ، وهديه، وسنته ما يخرج به من قوائم الجاهلين، ويدخل به في عداد أتباعه

стр. 4274

المؤمنين ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. والإتباع الكامل للنبي ﷺ يتحقق بستة أمور: معرفة سيرته، وسنته، وإتباعه في نيته، وفكره، وفى أقواله الحسنة، وفى أعماله الصالحة، وفى أخلاقه الكريمة، وفى دعوته، وجهاده. وحياة النبي ﷺ أحسن حياة، وأطهر حياة، وأذكى حياة، وأجمل حياة، وقد أكرم الله رسوله ﷺ بأنواع الحياة المختلفة، زوجًا، وأبًا، وداعيًا، ومعلمًا، وعابدًا، وزاهدًا، وإمامًا، وسيدا، وذاكرًا، ومذكرًا، وغنيًا، وفقيرًا، وشاكرًا، وصابرًا، ومجاهدًا، ومقاتلاً، وغير ذلك من صفحات الحياة القلبية، والبدنية، والأخلاقية. وذلك أولًا: ليمتثل ﷺ أمر الله إليه في كل حال، ويبلغ فيه الكمال، وينال عليها أحسن الثواب: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ثانيًا: ليكون ﷺ لكل فرد من أمته سواء كان رجلًا، أو امرأةً، أو زوجًا، أو أبًا حاكمًا، أو محكومًا قويًا، أو ضعيفًا، أو داعيًا، أو معلمَا؛ ليكون قدوة لكل فرد من أولئك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. لهذا يجب على كل مسلم، ومسلمة تعلم ما جاء به، والعمل بموجبه، والدعوة إليه، والتواصي به، والصبر عليه، كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].

стр. 4275

حياة النبي ﷺ الخاصة: • ملابس الرسول ﷺ : كانت له ﷺ عمامة تسمى السحاب، وكان إذا اعتم أرخى طرفي عمامته بين كتفيه. عن عمرو بن الحرير ﵁ قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ». أخرجه مسلم (١). ولبس ﷺ القميص، وكان أحب الثياب إليه، وكان كمه إلى الرسغ في الكف، ولبس الجُبة، ولبس في السفر جُبة ضيقة الكمين، ولبس القباء، ولبس الإزار، والرداء، وكان طول رداءة ستة أذرع وشبر، وعرضه ذراعان وشبر، وطول إزاره أربعة أزرع، وشبر، وعرضه ذراعان وشبر. ولبس ﷺ حلة حمراء منسوجة بخطوط حمر مع الأسود، والحلة إزار و رداء بشكل واحد، ولبس ﷺ الخميصة المعلمة، والسادجة، ولبس الثوب الأسود، ولبس الفروة المكفوفة بالسندس. ولبس ﷺ السراويل، ولبس الخفين، ولبس النعلين، ولبس الخاتم في يمينه، ويسراه، ولبس البيضة على رأسه، ولبس المغفر، ولبس الدرع، وظهر يوم أحد بين ذراعيه. وكان للرسول ﷺ بردان أخضران، وكساء اسود، وكساء أحمر ملبد، وكساء من شعر، وكان قميصه ﷺ من قطن، وكان قصير الطول، قصير

стр. 4276

الكمين، وكان أحب الثياب إليه القميص، والحبرة، والحبرة ضربٌ من البرد فيه حمرة. وكان أحب الألوان إليه البياض لبسه ﷺ وأمر بلبسه، وتكفين الأموات به. عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». أخرجه أبو داود والترمذي بسندٍ صحيح (١). عن أبي بُرْدَةَ قال: «دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فأَخْرَجَتْ إلَيْنَا إزَاراً غَلِيظاً مِمّا يُصْنَعُ بالْيَمَنِ، وَكِسَاءَ مِنَ الّتي يُسَمّونَهَا المُلَبّدَةَ، قال: فأَقْسَمَتْ بالله أنّ رَسُولَ الله ﷺ قُبِضَ في هَذَيْنِ الثّوْبَيْنِ». أخرجه مسلم (٢). ولبس ﷺ خاتم فضة، وكان يجعل فصه مما يلي باطن كفه، ونهى الرجال عن التخطب بالذهب، وكان غالب ما يلبسه ﷺ وأصحابه من الثياب ما نُسج من قطن، وربما لبسوا ما نُسج من صوف، والكتان أحيانًا. وسنة الرسول ﷺ أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر له من اللباس من القطن، أو الكتان، أو الصوف، أو الشعر. ولبس ﷺ العمامة وأدارها على الحُنك، وكان إذا استجد ثوبًا سماه باسمًا، وكان إذا لبس قميصه بدأ بميامينه وهديه ﷺ في أنواع اللباس، أن اللباس الجميل إذا لبسه الإنسان تجملا، وإظهارًا لزينة، ونعمة الله فهو ممدوح، وإذا لبسه تكبر، وفخر، وخيلاء فهو مذموم وإذا لبس الدنيء من الثياب استكانة، وتواضع فهو ممدوح وإذا لبسه شهرة، ورياء فهو مذموم.

стр. 4277

عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». أخرجه مسلم (١). • أثاثه ﷺ : كان له ﷺ قدح يسمى الريان، وقدح من قوارير، وقدح مضبب بسلسلة من فضة، وله ركوة تسمى الصادر، وتورٌ من حجارة يتوضأ منه، ومغتسل من صفر، وله ربعة يجعل فيها المشط والمرآة والمقراض والسواك، وله مكحلة يكتحل منها عند الحاجة عند النوم في كل عين ثلاثاً بالإثمد. وكانت له ﷺ قصعة تسمى الغراء، لها أربع حلق، يحملها أربعة رجال. وله صاع، ومد، وقطيفة، وله سرير قوائمه من ساج، أهداه له أسعد بن زرارة، وله فراش من أدم حشوه ليف، وله وسادة من أدم حشوها ليف، وله كنانة تسمى الجمع. وكل هذه وردت في أحاديث صحيحة عنه ﷺ . • طعامه ﷺ : كان هديه ﷺ في الطعام أنه ما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم، وما عاب طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه لغيره يأكله. وأكل ﷺ الحلوى والعسل، وكان يحبهما، وأكل لحم الجزور والضأن، وأكل الدجاج والحباري، وأكل لحم الأرنب وحمام الوحش، وأكل طعام البحر، وأكل الشواء.

стр. 4278

وأكل الرطب والتمر، وشرب اللبن خالصاً ومشوباً، وشرب السويق والعسل مشوباً بالماء، وأكل القثاء بالرطب، وأكل الأقط، وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز بالخل، وأكل الثريد، وهو الخبز باللحم، وأكل الخبز بالإهالة السنخة، وأكل القديد وأكل من الكبد المشوية، وأكل الدباء المطبوخة، وأكل الثريد بالسمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزبيب، وأكل البطيخ بالرطب، وأكل التمر بالزبد، وكان يحبه. وكان هديه ﷺ في الطعام أكل ما تيسر، فإن أعوزه صبر، حتى إنه ليربط الحجر على بطنه من الجوع، ويُرى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ولا يوقد في بيته نار. وكان ﷺ إذا جاءه ضيف لا يرد موجودا، ولا يتكلف مفقوداً. وكان معظم طعامه ﷺ يوضع على الأرض في السفرة، وهي كانت مائدته، وكان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعقها إذا فرغ، وكان يجلس على طعامه جلسة العبد، ولا يأكل متكئاً على الجنب، ولا على إحدى يديه. وكان ﷺ يأكل ويشرب بيمينه، ويقول: (بسم الله) في أول طعامه، ويحمد الله بعد الفراغ منه. وكان أكثر شربه قاعداً، وزجر عن الشرب قائماً، وشرب مرة من زمزم لعذر قائماً. وكان ﷺ إذا شرب ناول من على يمينه، وإن كان من على يساره أكبر منه. وكان ﷺ يعجبه التيمن في شأنه كله. عن أنس بن مالك ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ وَعَنْ يَمينِهِ أَعْرَابِيٌّ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَبو بَكْرٍ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الأَعْرَابِيَّ وَقَالَ: «الأَيمَنُ

стр. 4279

فَالأَيمَنُ» متفق عليه (١). • خدمه ﷺ : منهم أنس بن مالك، وكان على حوائجه، وعبد الله بن مسعود، صاحب نعله وسواكه، وعقبة بن عامر، صاحب بغلته، وبلال بن رباح، وأبو ذر الغفاري، ﵃. • مواليه ﷺ : منهم زيد بن حارثة ﵁، حب رسول الله ﷺ ، أعتقه ﷺ ، وزوَّجه مولاته أم أيمن، فولدت له أسامة بن زيد ﵄. ومنهم ثوبان، وأسلم، وأبو رافع، وأبو كبشة سليم، وشقران، ورباح، ويسار، ومدعم، وكركرة، وأنجشة، وسفينة، وأفلح، وعبيد، وطهمان، وذكوان، وأبو مويهبة فهؤلاء مواليه من الرجال. ومواليه من النساء منهن سلمى أم رافع، وميمونة بنت سعد، ومارية القبطية، وريحانة، وميمونة، ﵅. • حرسه ﷺ : منهم سعد بن معاذ، حرس النبي ﷺ يوم بدر حين نام في العريش، ومحمد بن مسلمة، حرسه يوم أحد، والزبير بن العوام، حرسه أيام الخندق، والمغيرة بن شعبة وقف على رأسه بالسيف يوم الحديبية. ومنهم عباد بن بشر، وهو الذي كان على حرسه. وحرسه ﷺ جماعة آخرون غير هؤلاء، فلما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة/ ٦٧].

стр. 4280

خرج ﷺ إلى الناس فأخبرهم بها، وصرف الحرس. • دوابه ﷺ : ركب ﷺ الناقة، والخيل، والحمار، والبغل. فمن خيله ﷺ السَّكب، وهو أول فرس ملكه، وكان أغر محجلاً، والمرتجز، وكان أشهباً، واللزاز، واللحيف، والظراب، والورد، وسبحة، فهذه سبعة من خيله ﷺ . وكانت له من البغال دلدل، وكانت شهباء، وبغلة أخرى تسمى فضة، وبغلة شهباء أهداها له صاحب أيلة، وبغلة أخرى أهداها له صاحب دومة الجندل. ومن الإبل كانت له القصواء، وهى التي هاجر عليها، والعضباء، والجدعاء، ولم يكن بها عضبٌ، ولا جذع، والعضباء هي التي كانت لا تسبق ثم سبقها قعود الأعرابي. وغنم ﷺ جملًا مهريًا يوم أحد، وكان لأبى جهل، وكانت في أنفه بره من فضه فأهداه، وذبحه يوم الحديبية؛ ليغيظ به المشركين. وكان له من الحمر عفير أهداه له المقوقس ملك القبط وحمارًا آخر أهداه له فروه الجزامي. ومن الإبل كانت له القصواء، وهي التي هاجر عليها، والعضباء، والجدعاء، ولم يكن بهما عضب ولا جدع، والعضباء هي التي كانت لا تُسبق، ثم سبقها قعود الأعرابي. وغنم ﷺ جملاً مهرياً يوم بدر، وكان لأبي جهل، وكانت في أنفه برة من فضة، فأهداه وذبحه يوم الحديبية ليغيظ به المشركين.

стр. 4281

وكان له من الحُمر عفير، وكان أشهباً، أهداه له المقوقس ملك القبط، وحمار آخر أهداه له فروة الجذامي. وكان له ﷺ من الإبل خمس وأربعون لقحة، وله مائة شاة من الغنم، وكان يريد أن لا تزيد، كلما ولّد له الراعي بهمة، ذبح مكانها شاة. وكانت له سبع أعنز منائح، ترعاهن أم أيمن ﵂. • ركوبه ﷺ : ركب ﷺ الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، في أيام ومناسبات مختلفة. وركب الفرس مسرجة تارة، وعرياً أخرى، وكان يركب وحده وهو الأكثر، وربما أردف خلفه على البعير، وربما أركب أمامه، وأردف الرجال، وأردف بعض نسائه. وكان أكثر مراكبه ﷺ الخيل والإبل. • نومه ﷺ وانتباهه: كان فراشه ﷺ أدماً حشوه ليف، وكانت وسادته أدماً حشوها ليف، وكان له مسح ينام عليه يُثنى له ثنيتين. وكان ﷺ ينام على الفراش تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى النطع تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة بين رماله، وتارة على كساء أسود. وكان إذا أوى إلى فراشه للنوم قال: «اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا» وَإذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا وَإلَيهِ النُّشُورُ» أخرجه البخاري (١). وكان ينام على شقه الأيمن، ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن.

стр. 4282

وغير ذلك من أذكار وآداب النوم والاستيقاظ المبسوطة في كتب الفقه والحديث. • معاشرته ﷺ أهله: كانت سيرته ﷺ مع نسائه حُسن المعاشرة، وحُسن الخلق، وكان يقسم بين أزواجه في المبيت والنفقة، وكان إذا صلى العصر دار على نسائه، فدنا منهن، واستقرأ أحوالهن، فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة فخصها بالليل، وقل يوم إلا كان يطوف عليهن جميعاً، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس. وكان ﷺ يقسم بين نسائه التسع إلا سودة بنت زمعة، فإنها لما كبرت وهبت يومها لعائشة ﵂. وكان ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد، وربما اغتسل عند كل واحدة، وقد فعل هذا وهذا، وقد أعطي قوة ثلاثين رجلاً في الجماع وغيره، وقد أباح الله له من النساء ما لم يبحه لأحد من أمته، لاستكمال تحقيق البلاغ، وأحكام النساء المختلفة. وكان ﷺ يأتي أهله أول الليل وآخره، فكان إذا جامع أول الليل ربما اغتسل ونام، وربما توضأ ونام، وكان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فمن خرج سهمها خرج بها معه، وكان إذا قدم من السفر لم يطرق أهله ليلاً، ونهى عن ذلك. وكان ﷺ يحب عائشة ﵂، ويُسَرِّب إليها بنات الأنصار يلعبن معها، وإذا هويت شيئاً لا محذور فيه تابعها عليه، وإذا شربت من الإناء أخذه ووضع فمه في موضع فمها وشرب، وإذا تعرقت عرقاً من لحم أخذه فوضع فمه موضع فمها وأكل.

стр. 4283

وكان ﷺ يتلو ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها، وربما كانت حائضاً، وكان يأمرها وهي حائض فتتزر ثم يباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وسابقها في السفر على الأقدام مرتين سبقته مرة، وسبقها مرة. وكان ﷺ يقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي» أخرجه الترمذي (١). فنعم الزوج ﷺ كان، ونعم الأب كان، ونعم زوجاته أمهات المؤمنين، ونعم إحسانه وتربيته لهن ﵅ أجمعين: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب/ ٣٢ - ٣٣]. • من كان في شئونه الخاصة ﷺ : كان بلال على نفقاته ﷺ ، وكان معيقيب على خاتمه ﷺ ، وكان عبد الله بن مسعود على سواكه ونعله، وكان يأذن عليه مولياه رباح وأنس، وأذن عليه أنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، ﵃ أجمعين.

стр. 4284

٦ - الخزانة السادسة أخلاق النبي ﷺ : لابد لكل مسلم أن يطلع على حياة النبي ﷺ الخاصة، والعامة؛ ليعرف ما كان عليه ﷺ من الأخلاق العظيمة. • ويقتضي بالنبي ﷺ في خمسة أمور: ١ - يقتضي به في توحيده، وإيمانه. ٢ - وفي نيته، وفكره. ٣ - وفي أقواله الحسنة. ٤ - وفي أعماله الصالحة. ٥ - وفي أخلاقه الكريمة. قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. أخلاق النبي ﷺ : حُسن خُلق النبي ﷺ : قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا، وَلا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا». متفق عليه (١).

стр. 4285

وعن أنس ﵁ قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ». متفق عليه (١). • كرمه ﷺ : عن جابر ﵁ قال: ما سئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قطُّ فَقالَ: لا. م تفق عليه (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ ما يَكونُ في رَمضَانَ حيْنَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وَكانَ يَلْقاهُ في كلِّ لَيْلةٍ منْ رَمضَانَ فَيُدَارِسهُ القرآنَ فَلَرَسولُ الله أَجوَدُ بالخَيْرِ منَ الرِّيْحِ المُرْسلَةِ. متفق عليه (٣). وعن أنس ﵁ قال: مَا سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ على الإسْلامِ شَيْئاً إلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَماً بَينَ جَبَلَينِ، فَرَجَعَ إلى قَومِهِ فَقَالَ: يَا قَومِ أَسْلِمُوا فَإنَّ مُحَمَّداً يُعْطِي عَطاءً لا يَخْشَى الفَاقَةَ. أخرجه مسلم (٤). • حياؤه ﷺ : عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، فَإذَا رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ في وَجْهِهِ. متفق عليه (٥). • تواضعه ﷺ : عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقَولُ: «لا تُطْرُوْني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإنَّمَا أَنا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ» أخرجه

стр. 4286

البخاري (١). وعن أنس ﵁ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ في عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ الله: إنَّ لي إلَيكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ» فَخَلا مَعَهَا في بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. أخرجه مسلم (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَوْ دُعِيتُ إلى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إليَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ» أخرجه البخاري (٣). • شجاعته ﷺ : عن أنس بن مالك ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِيْنَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ ناسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلقَّاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ رَاجِعاً، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إلى الصَّوتِ، وَهُوَ على فَرَسٍ لأبي طَلْحَةَ عُرْيٍ في عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» قَالَ: «وَجَدْنَاهُ بَحْراً، أَوْ إنَّهُ لَبَحْرٌ» قَالَ: وَكَانَ فَرَساً يُبَطَّأُ. متفق عليه (٤). وعن علي ﵁ قال: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَومَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلوذُ بِرَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ أقْرَبُنَا إلى العَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَومَئِذٍ بَأساً. أخرجه أحمد (٥). • رفقه ﷺ : عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابياً بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ : «دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا على بَوْلِهِ ذَنوباً مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلاً مِنْ

стр. 4287

مَاءٍ، فَإنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرينَ» متفق عليه (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلا تُنَفِّرُوا» متفق عليه (٢). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «يَا عَائِشَةُ إنَّ الله رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي على الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي على العُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي على مَا سِوَاهُ» متفق عليه (٣). • عفوه ﷺ : قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة/ ١٣ [. وعن عائشة ﵂ قالت: مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَينَ أَمْرَينِ إلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْماً، فَإنْ كَانَ إثْماً كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله ﷺ لِنَفْسِه، إلَّا أَنْ تُنتَهَكَ حُرْمَةُ الله فيَنتَقِمَ للهِ بِهَا. متفق عليه (٤). • رحمته ﷺ : قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران/ ١٥٩ [. وعن أبي قتادة ﵁ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبي العَاصِ على

стр. 4288

عَاتِقِهِ فَصَلَّى، فَإذَا رَكَعَ وَضَعَ، وَإذَا رَفَعَ رَفَعَهَا. متفق عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قَبَّلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: «مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ» متفق عليه (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَالكَبِيرَ، وَإذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» متفق عليه (٣). وعَنِ المَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبي ذَرّبِ الرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلى غُلَامِهِ مِثْلُهُ فَقُلْنَا: يا أَبا ذَرٍّ لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْني وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَاني كَلَامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَشَكَاني إلى النَّبِيِّ ﷺ فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فيكَ جَاهِلِيَّةٌ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: «يَا أَبا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فيكَ جَاهِليَّةٌ، هُمْ إخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكلُونَ، وَأَلبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» متفق عليه (٤). وعن أنس ﵁ قال: كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَال لَهُ: «أَسْلِمْ» فَنَظَرَ إلى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبا القَاسِمِ ﷺ فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ للهِ الَّذِي

стр. 4289

أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ» أخرجه البخاري (١). • ضحكه ﷺ : عن عائشة ﵂ قالت: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعاً قَطُّ ضَاحِكاً حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إنَّمَا كَانَ يتَبَسَّمُ. متفق عليه (٢). وعن جرير ﵁ قال: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلا رآني إلَّا تَبَسَّمَ في وَجْهِي. متفق عليه (٣). • بكاؤه ﷺ : عن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «اقْرَأْ عَليَّ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، آقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قال: «نَعَمْ»، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى أَتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: «حَسْبُكَ الآنَ»، فَالتَفَتُّ إلَيهِ فَإذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. متفق عليه (٤). وعن عبد الله بن الشِّخِّير ﵁ قال: رأيتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلِّي وَفي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ البُكَاءِ ﷺ . أخرجه أبو داود والنسائي (٥). وفي رواية للنسائي: «كأزيزِ المِرْجَلِ». • غضبه ﷺ لأمر الله: عن عائشة ﵂ قالت: دخل عَلَيَّ النبي ﷺ وفي البيت قِرَام فيه صور، فتلوَّن وجهه ثم تناول الستر فهتكه، وقالت: قال النبي ﷺ : «مِنْ أَشَدِّ

стр. 4290

النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ» متفق عليه (١). وعن أبي مسعود ﵁ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عَنْ صلاة الغداة من أجل فلان مما يُطيل بنا، قال: فما رأيت رسول الله ﷺ قط أشدَّ غضباً في موعظةٍ منه يومئذ، قال: فقال: «يَا أَ يُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأ يُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإنَّ فيهِمُ المريضَ، وَالكَبِيرَ، وَذَا الحَاجَةِ» متفق عليه (٢). • شفقته ﷺ على أمته: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة/ ١٢٨]. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَثَلي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَاراً فَجَعَلَ الجَنَادِبُ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيْهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي» أخرجه مسلم (٣). • انبساطه ﷺ إلى الناس: عن أنس بن مالك ﵁ قال: إنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لي صَغِيرٍ «يَا أَبَا عُمَيرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» متفق عليه (٤). • زهده ﷺ : عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوْتاً» متفق عليه (٥).

стр. 4291

وعن عائشة ﵂ قالت: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ المدِيْنَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعاً حَتَّى قُبِضَ. متفق عليه (١). وعن عروة عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: وَالله يَا ابْنَ أُخْتِي إنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلى الهلالِ ثُمَّ الهلالِ، ثُمَّ الهلالِ، ثَلاثَةَ أَهِلَّةٍ في شَهْرَينِ، وَمَا أُوْقِدَ في أَبيَاتِ رَسُولِ الله ﷺ نَارٌ، قَالَ: قُلْتُ يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ، التَّمْرُ وَالمَاءُ، إلَّا أنه قَدْ كَانَ لِرَسُولِ الله ﷺ جِيرانٌ مِنَ الأَنصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إلى رَسُولِ الله ﷺ مِنْ أَلبَانِهَا فَيَسْقِينَاهُ. متفق عليه (٢). وعَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ قال: مَا تَرَكَ رَسُولُ الله ﷺ دِينَاراً وَلا دِرْهَماً، وَلا عَبْداً وَلا أمَةً، إلا بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا، وَسِلاحَهُ، وَأرْضاً جَعَلَهَا لابْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً. أخرجه البخاري (٣). • عدله ﷺ : عن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت .. -وفيه-: فكلَّمه أسامة بن زيد، فقال رسول الله ﷺ : «أَتشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ؟» ثُمَّ قَام فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيْهِمُ الشّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، وَأيْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» متفق عليه (٤).

стр. 4292

• حلمه ﷺ : عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أحد؟ فقال: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَومِكِ وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي على ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ ابنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْني إلى مَا أَرَدْتُّ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنا مَهْمُومٌ على وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْني، فنَظَرْتُ فَإذَا فيْهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَاني فَقَالَ: إنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوْا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ فَنَادَاني مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وَأَنا مَلَكُ الجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَني رَبُّكَ إلَيْكَ لِتَأْمُرَني بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيهِمُ الأَخْشَبَينِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً» متفق عليه (١). • صبره ﷺ : قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف/ ٢٨]. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: دَخَلْتُ على رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شَديداً. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أَجَلْ إنِّي أُوْعَكُ كَمَا يُوْعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ» قَالَ فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أَجَلْ» متفق عليه (٢).

стр. 4293

وعن خباب بن الأرتِّ ﵁ قال: شَكَونَا إلى رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيْهَا، فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ فَيُوْضَعُ على رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَينِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مِنْ دُونِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِيْنِهِ، وَالله لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إلَّا الله، وَالذِّئْبَ على غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» أخرجه البخاري (١). • نصحه ﷺ : كَانَ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» متفق عليه (٢). وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلاثِ ليَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا، وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» متفق عليه (٣). وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إخْوَاناً» متفق عليه (٤). وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «لا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَومَ القِيَامَةِ» أخرجه مسلم (٥). وَكَانَ ﷺ يَقُولُ: «مِنْ شِرَارِ النَّاِس ذَا الوَجْهَينِ، الَّذِي يَأْتي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ

стр. 4294

وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ» متفق عليه (١). وكان ﷺ يقول: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ في حَاجَةِ أخِيهِ كَانَ الله في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ» متفق عليه (٢). وكان ﷺ يقول: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ على أنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» أخرجه مسلم (٣). وكان ﷺ يقول: «إذَا رَأيْتُمُ المَدَّاحِينَ فَاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» أخرجه مسلم (٤). وكان ﷺ يقول: «لا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ، اللهُ أعْلَمُ بِأهْلِ البِرِّ مِنْكُمْ» أخرجه مسلم (٥). وكان ﷺ يقول: «لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدٌ مِنْكُمُ المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإنْ كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّياً لِلْمَوْتِ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ أحْيِني مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْراً لي» متفق عليه (٦). وكان ﷺ يقول: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يَنْفَعَ أخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» أخرجه مسلم (٧). وكان ﷺ يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ

стр. 4295

الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» متفق عليه (١). • تقشفه ﷺ : عن النعمان بن بشير ﵁ قال: «أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ «لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ، مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ» أخرجه مسلم. (٢). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. أخرجه البخاري (٣). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ أَدَمٍ، وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ. متفق عليه. (٤). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ، يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ. أخرجه البخاري (٥). وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً وَإِزَارًا غَلِيظًا، فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَيْنِ. أخرجه البخاري (٦). • حلمه ﷺ : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ

стр. 4296

عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. متفق عليه (١). • تيسيره ﷺ : قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف/ ١٥٧]. و عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. متفق عليه. (٢) وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا» متفق عليه (٣). • رحمته ﷺ : ١ - رحمته بالأطفال: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا» أخرجه البخاري (٤).

стр. 4297

وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟» فَقَالَ الغُلَامُ: وَالله يَا رَسُولَ الله، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ الله ﷺ فِي يَدِهِ. متفق عليه. (١) ٢ - رحمته بالخدم: عن أبي هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْن» متفق عليه (٢). ٣ - رحمته بالضعفاء: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» متفق عليه (٣).

стр. 4298

٧ - الخزانة السابعة • شمائل النبي ﷺ : هذه أهم شمائل النبي ﷺ فعلى كل مسلم، ومسلمة العلم بها، والعمل بها، والتزين بها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. • «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أحْسَنَ النَّاسِ وَجْهاً، وَأحْسَنَهُ خَلْقاً، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ وَلا بِالقَصِيرِ» متفق عليه (١). • و «كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ الله ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَماً حَشْوهُ لِيْفٌ» متفق عليه (٢). • و «كَانَ ﷺ إذَا اشْتَكَى نَفَثَ على نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ» متفق عليه (٣). • و «كَانَ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ في خِدْرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ شَيْئاً عُرِفَ في وَجْهِهِ» متفق عليه (٤). • و «كَانَ ﷺ إذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَانَ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ» متفق عليه (٥). • و «كَانَ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوقَ الإزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ» متفق عليه (٦). • و «كَانَ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»

стр. 4299

متفق عليه (١). • و «كَانَ ﷺ يُقبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ» متفق عليه (٢). • و «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لا يَدْخُلُ إلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً» متفق عليه (٣). • و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُحِبُّ العَسَلَ وَالحَلْوَاءَ، وَكَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ على نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إحْدَاهُنَّ» متفق عليه (٤). • و «كَانَ ﷺ لا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إلَّا نَهَاراً في الضُّحَى، فَإذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالمسْجِدِ، فَصَلَّى فيْهِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ» متفق عليه (٥). • و «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعاً، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعْرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنيهِ» متفق عليه (٦). • و «كَانَ شَعَرُ رَسُولِ الله ﷺ رَجِلاً، لَيْسَ بِالسَّبِطِ وَلا الجَعْدِ، بَيْنَ أُذُنيهِ وَعَاتِقِهِ» متفق عليه (٧). • و «كَانَ ﷺ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِي آخِرَهُ» متفق عليه (٨). • و «كَانَ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ» متفق عليه (٩).

стр. 4300

• و «كَانَ ﷺ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ على نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ» متفق عليه (١). • و «كَانَ ﷺ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثاً حَتَّى تُفْهَمَ، وَإذَا أَتَى على قَومٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيهِمْ ثَلاثاً» أخرجه البخاري (٢). • و «كَانَ ﷺ إذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاةِ، وَإذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أبْرَدَ بِالصَّلاةِ» أخرجه البخاري (٣). • وقال كعب بن مالك ﵁: لقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْرُجُ إذَا خَرَجَ في سَفَرٍ إلَّا يَوْمَ الخَمِيسِ. أخرجه البخاري (٤). • و «كَانَ ﷺ يُصَلِّي على رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإذَا أَرَادَ الفَرِيْضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ» أخرجه البخاري (٥). • و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ رَحِيماً رَفِيقاً» أخرجه البخاري (٦). • و «كَانَ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أخرجه البخاري (٧). • و «كَانَ ﷺ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلا صَوتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ» أخرجه مسلم (٨). • و «كَانَ ﷺ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» أخرجه مسلم (٩). • و «كَانَ ﷺ كَثِيراً مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ» أخرجه مسلم (١٠).

стр. 4301

• و «كَانَ ﷺ يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إذَا مَرَّ بِآيةٍ فِيهَا تَسْبِيْحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَألَ، وَإذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» أخرجه مسلم (١). • و «كَانَ ﷺ إذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيهِ بِالمُعَوِّذَاتِ» أخرجه مسلم (٢). • و «كَانَ ﷺ يَذْكُرُ الله تَعَالى على كُلِّ أَحْيَانِهِ» أخرجه مسلم (٣). • و «كَانَ ﷺ رَجُلاً سَهْلاً» أخرجه مسلم (٤). • و «كَانَ ﷺ يُوجِزُ في الصَّلاةِ وَيُتِمُّ» أخرجه مسلم (٥). • و «كَانَ ﷺ لا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ» أخرجه مسلم (٦). • و «كَانَ ﷺ رَحِيماً رَقيقاً» أخرجه مسلم (٧). • و «كَانَ ﷺ يَتَخَلَّفُ في المَسِير، فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وَيُرْدِفُ، وَيَدْعُوْلَهُمْ» أخرجه أبوداود (٨). • و «كَانَ ﷺ إذَا اكْتَحَلَ اكْتَحَلَ وِتْراً، وَإذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ وِتْراً» أخرجه أحمد (٩).

стр. 4302

• و «كَانَ ﷺ تعجبه الريح الطيبة» أخرجه أحمد وأبو داود (١). • و «كَانَ ﷺ إذَا دَعَا لأحَدٍ بَدَأَ بِنَفْسِهِ» أخرجه أحمد وأبو داود (٢). • و «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلى رَسُولِ الله ﷺ القَمِيْصُ» أخرجه أبو داود والترمذي (٣). • و «كَانَ ﷺ إذَا أَرَادَ الحَاجَةَ أَبْعَدَ» أخرجه أحمد والنسائي (٤). • و «كَانَ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ» أخرجه أبو داود والنسائي (٥). • و «كَانَ لِرَسُولِ الله ﷺ خَاتِمُ فِضَّةٍ يَتَخَتَّمُ بِهِ في يَمِينِهِ» أخرجه النسائي (٦). • و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الغُسْلِ» أخرجه الترمذي والنسائي (٧). • و «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» أخرجه أبو داود والنسائي (٨). • و «كَانَ ﷺ يَبِيْتُ اللَّيَالِيَ المُتتَابِعَةَ طَاوِياً، وَأَهْلُهُ لا يَجِدُوْنَ عَشَاءً، وَكَانَ عَامَّةُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيْرِ» أخرجه أحمد والترمذي (٩). • و «كَانَ ﷺ إذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ، وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ» أخرجه أبوداود والترمذي (١٠).

стр. 4303

• و «كَانَ ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاة، وَيُقَصِّرُ الخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الْأَرْمَلَةِ وَالمسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ الحَاجَةَ» أخرجه النسائي (١). • و «كَانَ ﷺ إذا رَاعَهُ شيء قال: هُوَ الله رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيئاً» أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٢). • و «كَانَ ﷺ لا يُسْألُ شَيْئاً إلَّا أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ» أخرجه الحاكم (٣). • و «كَانَ ﷺ إِذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعاً لَيْسَ فيهِ كَسَلٌ» أخرجه أحمد والبزار (٤). • و «كَانَ ﷺ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَعْمَلُ مَا يعْمَلُ الرِّجَالُ في بُيُوتهمْ» أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد (٥). • و «كَانَ ﷺ رَحِيماً، وَكَانَ لا يَأْتيهِ أَحَدٌ إلَّا وَعَدَهُ وَأَنْجَزَ لَهُ إنْ كَانَ عِنْدَه» أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦). • و «كَانَ كَلامُ رسول الله ﷺ كَلاماً فَصْلاً يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ» أخرجه أبو داود (٧). • و «كَانَ ﷺ لا يَنَامُ إلَّا وَالسِّوَاكُ عِنْدَهُ، فَإذَا اسْتَيْقَظَ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» أخرجه أحمد (٨). فرَّق الله الأخلاق الحسنة في الأنبياء، ثم جمعها في سيد الأنبياء ﷺ ، ثم فرقها في أمة سيد الأنبياء.

стр. 4304

فكان ﷺ أحسن الناس خَلقاً وخُلقاً، وأعظمهم رحمة، وأحسنهم حديثاً، وأطيبهم ريحاً، وأنقاهم سريرة، وأكرمهم جوداً، وأتقاهم لربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾. وكان ﷺ يجلس على الأرض تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى البساط تارة. وكان يتكئ على الوسادة، وربما اتكأ على يساره، وربما اتكأ على يمينه، وكان يتوكأ أحياناً على بعض أصحابه عند القيام من الضعف. وكان ﷺ إذا مشى تكفأ تكفوءاً كأنما ينحط من صبب، وكان أسرع الناس مشية وأحسنها وأسكنها، كأن الأرض تطوى له. وكان يمشي حافياً ومنتعلاً، ويماشي أصحابه فرادى وجماعة، وكان أصحابه ﵃ يمشون بين يديه وهو خلفهم، وكان في السفر يسوق أصحابه، يُزجي الضعيف، ويُردفه. وكان ﷺ يستنجي بالماء تارة، وبالأحجار تارة، ويجمع بينهما تارة، وكان إذا أراد قضاء الحاجة في السفر توارى عن أصحابه، واستتر عنهم بهدف أو شجر، وكان يبول قاعداً، وبال قائماً مرة لعذر، وكان يستنجي ويستجمر بشماله. وكان ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وأخذه وعطائه، وفي شأنه كله، وكانت يمينه لطعامه وشرابه وطهوره، ويساره لخلائه ونحوه من إزالة الأذى والأوساخ. وكان ﷺ يحب السواك، ويكثر من التسوك، ويستاك مفطراً وصائماً، وكان يحب الطيب، ويُكثر منه، ولا يرد الطيب، وكان أحب الطيب إليه المسك.

стр. 4305

وكان ﷺ أفصح الخلق، وأحسنهم كلاماً، وأحلاهم منطقاً، إذا تكلم تكلم بكلام فصل مبين، يعده العاد، ليس بهذٍّ سريع لا يُحفظ، ولا منقطع تتخلله السكتات، وكان كثيراً ما يعيد الكلام ثلاثاً ليعقل عنه، كلامه جزل مؤثر، يأخذ بمجامع القلوب، ويغذي الأرواح. وكان ﷺ طويل السكوت، لا يتكلم من غير حاجة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، ويتكلم بجوامع الكلم، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وكان إذا كره شيئاً عُرف في وجهه من غير أن يتكلم بشأنه، ولم يكن ﷺ فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا صخاباً في الأسواق. وكان ﷺ جل ضحكه التبسم، بل كله التبسم، فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه، وكان يضحك مما يُضحك منه، ويُتعجب من مثله. وأما بكاؤه ﷺ فلم يكن بشهيق، ورفع صوت، بل كانت عيناه تدمعان حتى تهملا، ويُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، وهي القدر التي تغلي. وكان بكاؤه ﷺ تارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن أوقراءته، وهو بكاء حب وإجلال وشوق مصاحب للخوف والخشية، وتارة يبكي خوفاً على أمته، وشفقة عليها، وتارة يبكي رحمة للمريض أو الميت، وتارة يبكي لما يرى من عظمة الله، وسعة حلمه على عباده، وتوالي نعمه على خلقه، وتارة يبكي عند استغاثته بربه، وعند شهود تقصيره بما كلفه الله به ونحو ذلك. وكان ﷺ يخطب خطبه تارة على الأرض، وتارة على المنبر، وتارة على الناقة.

стр. 4306

وكان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله ، وختمها بالاستغفار، وكان يخطب خطبه قائماً أو راكباً. وكان مدار خطبه ﷺ على حمد الله وتوحيده، والثناء عليه بآلائه، وتمجيده بأسمائه وصفاته، وتعليم قواعد الإسلام، وبيان أحوال اليوم الآخر، والأمر بتقوى الله ، وبيان ما يحبه الله ويرضاه، والترغيب فيه. وهذه الأخلاق والشمائل التي مر ذكرها، ماهي إلا نقطة من بحر أخلاقه، لأنه ما من خصلة حميدة ذكرت في القرآن أو السنة أو الآثار أو الأخبار إلا وكان ﷺ يتصف بها، وهو أول العاملين بها، وأحسن المتحلين بها، قد جمع الله أخلاق الأنبياء والرسل في ظاهره وباطنه، وزاد عليها بما أكرمه الله به من محاسن الأخلاق والأقوال والأعمال كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم/ ٤].

стр. 4307

دعوة الرسول ﷺ : تنقسم حياة النبي ﷺ إلى ثلاثة أقسام وهي: طريقة حياة .. فرائض حياة .. مقصد حياة. الأول: طريقة حياة وهي كل ما كان يتحلى به الرسول ﷺ من الأخلاق و الآداب والسنن، والفضائل الشرعية وهي كما أثنى عليه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فنعم الراكب ونعم المركوب فالراكب الرسول ﷺ والمركوب الأخلاق الحسنة. الثاني: فرائض حياة وهي جميع العبادات والحقوق والواجبات الشرعية، الصلوات الخمس، وشهر رمضان، والحج، وحقوق الله، وحقوق الوالدين ونحو ذلك. الثالث: مقصد حياة وهي الدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة لكل مسلم، وقد أرسل الله رسوله ﷺ محمد رحمة للعالمين فدعا الناس إلى توحيد رب العالمين، وعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه من الأصنام والأوثان وغيرها. فأرسله الله لتحقيق عشرة أمور كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].

стр. 4308

فقام ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى من أول يوم بين أهله، وعشيرته، وقومه، وفي قريته وما حولها والعرب قاطبة والناس كافة والعالم قاطبة يدعو إلى الله في الليل والنهار والحضر والسفر والصحة والمرض، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فبلغ ﷺ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك الأمة على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. ودعا ﷺ من أول يوم بعثته إلى أخر يوم من حياته، وربى أصحابه على ذلك، فالدعوة إلى الله هي مقصد حياته ﷺ كلها، وهي واجبة على كل مسلم ومسلمة، وقد أمر الله بها قبل الصلاة والصوم وغيرها من فرائض الإسلام، ووقت الفرائض محدود، ووقت الدعوة مطلق غير محدود، بل الدعوة إلى الله هي أم الفضائل كلها، وأداء الفرائض من ثمراتها ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ [يونس: ١٠٨]. فالدعوة إلى الله هي أم الأعمال كلها، وجميع أعمال الدين وأحكام الدين من ثمراتها وخيراتها، وهي وظيفة الأنبياء والرُسل، ووظيفة الأمة جميعًا كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 4309

والدعوة إلى الله رأس العمل الصالح، وبالدعوة إلى الله يأتي الإيمان، وبالإيمان تأتي بالأعمال الصالحة، وفي مقدمة الأعمال الصالحة الدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وإذا قامت الدعوة إلى الله جاء الإيمان بالله، ثم جاءت الأعمال الصالحة ثم صلحت أحوالهم بحسن أخلاقهم، ثم ﵃، ثم أسعدهم في حياتهم، ثم زاد سعادتهم عند الموت، ثم زادها في القبر فيقول لهم الله ادخلوا رياض الجنة، ثم بلغهم الله كمال السعادة في الجنة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وبغير الإيمان فالعمل الصالح كله حابط وصاحبه خاسر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. والجهاد نوعان: ١ - جهاد حسن لذاته وهو الدعوة إلى الله وتعليم شرع الله، والإحسان إلى الخلق: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢]. وهذا الجهاد أعلى أنواع الجهاد، وهو سبب لحصول الهداية للداعي والمدعو: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 4310

٢ - أما الجهاد لحسن لغيره فهو القتال في سبيل الله، وهذا لا يكون إلا بعد الدعوة إلى الله، وهو حسن لغيره لما فيه من حفظ دار الإسلام، ودفع الأعداء، وفتح الأبواب لتدخل الدعوة في كل بلد ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. والدعوة إلى الله ليست خطبًا ومواعظ ودروسًا فقط، بل هي خلق كريم وعطاء جزيل، وإحسان جميل، ورحمة بالخلق، ورفقًا بالناس وتواضع لهم، وتعريفًا بالرب المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، وبيان نعمه وإحسانه ليحب الناس ربهم، ويحبهم ويحبونهم ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وهي كذلك بذل كل شيء من أجل الدين، وترك كل شيء من أجل الدين، وصبر على المكاره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. والدعوة كذلك حياة مطابقة لحياة سيد الخلق ﷺ الذي كان أحسن الناس خَلقًا وخُلُقا، وكان خلقه القرآن، وحياته ﷺ أحسن حياة وأطهر حياة، وأجمل حياة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وأعظم الإحسان بعد الإحسان في التوحيد بالله وعبادته هو الإحسان إلى الخلق بدعوتهم إلى الله الذي خلقهم و رزقهم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
следующие страницы →