← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والله ﷻ له في ملكه ومخلوقاته حكمٌ وأحكام، وسر وأسرار، وخلق وأمر، وبسط وقبض، ورفعٌ وخفض. فسبحان الحي القيوم الذي يقابل الدعاء بالإجابة، ويقابل السؤال بالعطاء، تدعوه فيجبك، وتسأله فيعطيك. هو الذي يفرج كرب المكروبين، ويجيب دعاء المضطرين: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [النمل: ٦٢]. وإذا أراد الله رفع درجة عبده المؤمن ساق إليه المصائب، ثم دعا ربه فكشفها، فأكرمه بسبع كرامات، فزاد إيمانه بربه، وزاد حبه له، وزاد ذكره له، وزاد حمده له، وزاد تعظيمه له، وزادت طاعته له، وزاد سوق النعم إليه. فسبحان ربنا الحكيم العليم بعباده، الذي أمرنا بدعائه؛ لنقف بين يديه، ونسبحه، ونحمده، ونكبره، ونسأله، ونستغفره: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]. فإذا مسك الضر فاسأل ربك القادر على كل شيء فإنه قريبٌ مجيب، فهو وحده أهل أن تسأله، وتدعوه، وترجوه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧ - ٨٨]. وإياك أيها العبد أن تنزل حاجتك بإنسان، أو تضع ثقتك في غير الله، فإن فعلت ذلك، فمن محبة الله لك، وإكرامه لك، أن يلقي في قلب من وثقت به

стр. 457

من الخلق الاعتذار إليك، ويخيب ظنك فيه، تأديبًا لك لتعود إلى ربك: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. والدعاء الذي يجيبه الله ما كان بتضرع، وكان خُفية، وتجنب صاحبه الاعتداء في الدعاء، وتجنب أكل الحرام: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ [الأعراف: ٥٥]. وأعلم رحمك الله أن الميت الحقيقي من البشر، هو الذي يتمتع بأعلى درجات الصحة، لكن قلبه ميت، لا يعرف ربه، ولا يذكره، ولا يشكره، ولا يعبده: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. فلا إله إلا الله، ما أخطر الجهل والغفلة: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. فسبحان الرب الرحيم بعباده، أحيانًا يعطيك قبل أن تسأله؛ لتقبل عليه، وتستجيب لطاعته، وأحيانًا تدعوه فيعطيك، فتحبه وتشكره، فهو إما أن تدعوه فيعطيك، وإما أن يعطيك لتدعوه وتشكره؛ فإن كان الدعاء قبل العطاء، فالمبادرة منك، وإن كان العطاء قبل الدعاء، فهذه نعمة أراد الله أن يمتحنك بها، فأنت إما أن تطيعه فيكرمك، أو يكرمك لتطيعه وتذكره وتشكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣]. اللهم كما صنت وجوهنا عن السجود لغيرك، فصن وجوهنا عن سؤال غيرك فإنه لا يقدر على كشف الضر، وجلب النفع، سواك يا ولي العطاء

стр. 458

والإحسان: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧]. الله بيده الملك وهو على كل شيءٍ قدير، هو الوكيل القائم بجميع أمور خلقه، القيم الكفيل بأرزاق الخلق، وما ينفعهم، وما يصلحهم: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]. ومن أجل أن تتوكل على الله وحده، وتفر إليه، وتعتمد عليه، ملأ سبحانه هذه الدنيا بالهموم والمخاوف، والقلق على الرزق والأهل والأولاد، والعمل وكسب الرزق، لتكون عبدًا له، وافقًا بباب عبوديته، فارًا منها إليه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]. ففي الحياة الدنيا الأمور مشوبة بالنعم والمصائب، والأمن والخوف، والعز والذل، والمحبوب والمكروه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. أما الآخرة فهي خير محض، حياة بلا موت، وشباب بلا هرم، ونعيم بلا شقاء، وسعادةٌ بلا بؤس، وعافيةٌ بلا مرض، وأمنٌ بلا خوف: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].

стр. 459

ولا يتوكل على الله حقًا إلا من عرفه حقاً بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف أنه القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، الخبير بكل شيء، المحيط بكل شيء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. هو سبحانه القوي الذي كل شيءٌ في قبضته، وجميع أمور الخلائق بيده، وجميع القلوب والخواطر بيده، يصرف قلب هذا ليكرمك ويخدمك، وقلب هذا ليهينك، ويربيك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». أخرجه مسلم (١). فالله وحده مقلب القلوب، فاللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. ولن يستطيع أحدٌ من الخلق أن يتوكل على الله إلا إذا عرفه بأسمائه وصفاته وأفعاله، فإذا عرفه توكل عليه، وفوض أمره إليه، ووكل أمره إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 460

وكلما عظم إيمان العبد قوي توكله على ربه، وشكا همومه إلى ربه لا إلى غيره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. وقال الله عن يعقوب ﷺ : ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [يوسف: ٨٦]. وكلما ضعف إيمانه ضعف توكله على ربه، فتجده كثير الشكوى إلى كل من يلقاه، فيشكو القوي سبحانه إلى الضعيف العاجز من خلقه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. فمن توكل على ربه كفاه وأغناه، وأرضاه وأثابه، ومن توكل على غير الله ضل وقل، وحُرم وخسر: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].

стр. 461

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية ١ - خزائن الإيمان بالله القسم الثالث ويشتمل على ما يلي: ١ - الخزانة الأولى ٢ - الخزانة الثانية ٣ - الخزانة الثالثة ٤ - الخزانة الرابعة ٥ - الخزانة الخامسة ٦ - الخزانة السادسة ٧ - الخزانة السابعة ٨ - الخزانة الثامنة ٩ - الخزانة التاسعة ١٠ - الخزانة العاشرة

стр. 462

١ - خزائن الإيمان بالله القسم الثالث ١ - الخزانة الأولى • أقسام أسماء الله وصفاته وأفعاله: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وقيمة الإنسان بإيمانه وصفاته لا بذاته وأمواله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. والإيمان إذا وقر في القلب لابد أن يعبر عن وجوده في الخارج بكلمة طيبة، أو عملٍ صالح، أو خلق حسن، أو بدعوةٍ إلى الله ينشرها، أو بتعليم أحكام الله يعلمها، أو بصدقةٍ يُحسن بها، أو بولاءٍ أو براء، وذلك بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فالإيمان يعبر عن وجوده في القلب بحركة اللسان، وحركة الجوارح: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].

стр. 463

فالعلم هو إدخال العلوم من الخارج إلى الداخل، والعمل إخراج هذا العلم على شكل عمل إلى الخارج أقوالًا أو أفعالًا، وكذا الكفر يعبر عن وجوده في القلب بحركة جوارحه، ونطق لسانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦]. هذا في الفعل. أما في القول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦]. فالمواد الأولية من خشب أو حديد أو غيرها لا قيمة لها إلا إذا صنعت، فتكون سيارة، أو بابًا، أو نوافذ، أو مقاعد، وكذا الإنسان يجب عليه أن يسقي فطرته بالتدبر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية لتأتي فيه الصفات التي يحبها الله من الإيمان والتقوى، وذلك بالدعوة إلى الله فتأتي الصفات التي يحبها الله، ويثيب عليها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. فهذه الصفات إنما جاءت بسبب الدعوة إلى الله ، فالقلوب كالأرض، فالأرض ينزل عليها الماء من السماء، فتنبت من كل زوجٍ بهيج، والقلوب تقبل الإيمان، فتنتج المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وغيرها مما يحب الله من الصفات مثل: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ

стр. 464

بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ [التوبة: ١١٢]. • أقسام صفات الله : تنقسم صفات الله إلى قسمين: الأول: الصفات الثبوتية، وهي كل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ من صفات الجلال والجمال كالعلم والقدرة، والكرم والرحمة وأمثالها. الثانية: الصفات المنفية، وهي كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص كالنوم والغفلة ونحوها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وصفات الله الثبوتية تنقسم إلى قسمين: الأول: صفات الرب الذاتية، وهي التي لا تنفك عن الله بحالٍ من الأحوال، كالحياة والعلم، والقدرة، والسمع والبصر، والوجه، واليدين ونحو ذلك. الثاني: صفات الرب الفعلية، وهي الصفات التي تتعلق بمشيئة الله وإرادته، إن شاء الله فعلها، وإن شاء لم يفعلها مثل: الخلق والرزق، والرضا والسخط، والعطاء والمنع. وصفات الرب الفعلية نوعان: الأول: صفات فعلية لها سبب معلوم كالرضا والسخط، والفرح والغضب، والعُجب ونحو ذلك. الثاني: صفاتٌ فعلية ليس لها سببٌ معلوم كالنزول كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر.

стр. 465

وكل صفات الرب الفعلية صادرةٌ عن صفات ثلاث: القدرة الكاملة .. والمشيئة النافذة .. والحكمة البالغة. وجميع صفات الرب الفعلية ترجع إلى صفات الرب الذاتية فهي راجعة إلى مشيئة الله وإرادته، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٧]. وقد تكون الصفة الواحدة ذاتية من جهة، فعلية من جهة كصفة العلم والرحمة، والكرم، فالله عليمٌ يعلم خلقه، رحمنٌ يرحم عبيده، كريمٌ يكرم من يشاء. أما الصفات الرب المنفية فهي كذلك قسمان: الأول: صفات منفية متصلة، وهي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال والجلال لله كالظلم المنافي كمال عدل الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩]. والجهل المنافي كمال علم الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]. والنوم المنافي كمال قيومية الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الثاني: صفاتٌ منفيةٌ منفصلة كنفي الشريك لله في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وعبادته، ونفي الصاحبة والولد، ونفي الند والمثل، فيجب تنزيه الله عن كل ذلك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].

стр. 466

والله سبحانه ليس كمثله أحد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فكما لا نعلم كيفية ذاته كذلك لا نعلم كيفية صفاته كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فالله قوي ليس كمثله أحد في القوة، والله رحمن ليس كمثله شيءٌ في الرحمة. • ثبوت الصفة لله بالكتاب والسنة له ثلاثة أوجه: الأول: التصريح بالصفة كالعزة والرحمة، والقوة والوجه واليدين، والعينين ونحو ذلك من الصفات الخبرية والفعلية التي ذكرها الله في القرآن والسنة. الثاني: تضمن الاسم للصفة فالحي اسمٌ متضمن للحياة، والسميع اسم متضمن للسمع، والرحمن اسم متضمنٌ للرحمة ونحو ذلك. الثالث: التصريح بالفعل أو الوصف الدال على الصفة كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة ونحو ذلك. وجميع صفات الله صفات مدحٍ وتمجيدٍ وكمال، وجلالٍ وجمال، لا نقص فيها بوجهٍ من الوجوه كالحياة، والقدرة والقوة والعلم والعظمة، والسمع والبصر ونحو ذلك: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] وجميع صفات الله الفعلية كالخلق والرزق، والرحمة، والحلم، والعفو، والمغفرة، ونحوها كلها صادرةٌ عن صفاتٍ ثلاث: القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة المقرونة بالخير المطلق: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].

стр. 467

فالخير كله بيديه، والشر ليس إليه. والله سبحانه له وحده الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة والمثل الأعلى، وليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته، وأفعاله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. وهو سبحانه المنزه عن جميع صفات البشر، جميع صفات النقص والعيب: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. • والسلب عن الله ثلاثة أنواع: إما أن يكون السلب عائدًا إلى الذات .. أو إلى الصفات .. أو إلى الأفعال. فالسلوب العائدة إلى الذات، فالله ليس كمثله أحد في ذاته كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. أما السلوب العائدة إلى الصفات، فالله سبحانه قد نزه نفسه عن جميع صفات النقص، والعيب كما ورد في القرآن والسنة، فيجب علينا تنزيه الله عن تلك الصفات سواء كانت من باب أضداد العلم، أو أضداد القدرة، أو أضداد الوحدانية، أو أضداد الحياة، أو أضداد الاستغناء أو غيرها. • فنفي أضداد العلم أقسام: أحدها: نفي السنة والنوم عن الله كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. الثاني: نفي النسيان كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].

стр. 468

الثالث: نفي الجهل كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. فالله سبحانه بكل شيء عليم لا يشغله شأن عن شأن، ولا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، فهو يرى ويسمع ويعلم كل ذرةٍ في آنٍ واحد: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١]. • وأما السلوب العائدة إلى صفة القدرة فأقسام: أحدها: أن الله سبحانه منزهٌ في أفعاله عن التعب والنصب كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]. الثاني: أن الله سبحانه في أفعاله لا يحتاج إلى شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. الثالث: أنه لا تفاوت في قدرته بين فعل القليل والكثير، أو الصغير والكبير، أو العالي أو السافل؛ لأنه على كل شيءٍ قدير: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وقال الله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٨]. • وأما السلوب العائدة إلى صفة الوحدانية فمثل نفي الشركاء والأنداد، فالقرآن مملوء منه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].

стр. 469

وقال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. • وأما السلوب العائدة إلى صفة الاستغناء فأقسام: أحدها: نفي الحاجة إلى أحد كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وقال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ [لقمان: ٢٦]. الثاني: عدم الاستعانة بأحد كما قال سبحانه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١]. • وأما السلوب العائدة إلى الأفعال، وهي أن الله لا يفعل كذا وكذا، فالقرآن مملوء منه وهو أقسام كثيرة منها: الأول: أن الله لا يحب الباطل. الثاني: أن الله سبحانه لا يحب العبث. الثالث: أن الله سبحانه لا يخلق اللعب. الرابع: أن الله لا يحب الفساد والاعتداء. الخامس: أن الله لا يحب ولا يأمر بالفحشاء. السادس: أن الله لا يرضى لعباده الكفر. السابع: أن الله لا يحب ولا يريد الظلم. الثامن: أن الله لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين. التاسع: أن الله لا يعاقب من غير سابقة جرم. العاشر: أن الله لا يعذب أحدًا لم تبلغه الرسالة. الحادي عشر: أن الله يفعل ما يشاء في ملكه.

стр. 470

الثاني عشر: أن الله لا يخلف وعده ووعيده: ﴿وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ [الرعد: ٣١]. وقال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. • دلالة أسماء الله الحسنى: أسماء الله كلها حسنى، وأسماء الله الحسنى الثابتة في القرآن والسنة كلها أعلامٌ وأوصاف، فكلها تدل على الذات، وكل اسمٍ يدل على صفةٍ، لله سواء كانت أسماء مطلقة كالعليم والقدير، أو أسماء مقيدة أو مضافة كفاطر السماوات والأرض، وفالق الحب والنوى، وغافر الذنب، أو كانت مركبة كالمقدم والمؤخر، فكلها تدل عل الذات، وكل اسم يدل على صفة لله كالعليم والكريم، والسميع والبصير وأمثالها. أما أسماء غير الله فهي أعلامٌ فقط إلا أسماء الأنبياء والرسل والقرآن والملائكة فهي أعلامٌ وأوصاف. أما أسماء البشر فهي أعلامٌ مجردة، فقد يسمى الإنسان كريمًا وهو من أبخل الناس، أو يسمى حليمًا وهو من أسفه الناس وهكذا. وأسماء الله كلها حسنى كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠] وهي بالغة في الحسن والكمال منتهاه، متفاوته في الحسن والكمال والجلال والجمال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨]. فمنها كامل وأكمل، وحسن وأحسن، وعظيم وأعظم، منها ما يدل على اسم الله الأعظم مثل: الله، الرب، الحي، القيوم، ومنها أسماءٌ تدل على

стр. 471

عدة صفاتٍ جامعة كالحي، والمجيد، والكريم، والواسع، والصمد، والغني. ومنها ما يدل على معنيين فأكثر كالبصير بمعنى الرؤية، والعلم، والخبرة، والودود بمعنى المحب لعباده، المحبوب عند عباده، ومنها ما يدل على صفةٍ واحدة كالعليم والغفور ونحوهما. ومنها ما جاء بصيغة التفضيل التي تدل على المفاضلة كالعلي والأعلى، والكريم والأكرم، والخالق الخلاق، والرحمن والرحيم، ونحو ذلك: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]. وأشرف اللذات البشرية لذة العلم والمعرفة، وأشرف العلوم العلم الإلهي، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه، لشرف معلومه، وشدة الحاجة إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 472

٢ - الخزانة الثانية قواعد إثبات أسماء الله الحسنى. يثبت الاسم لله إذا توفرت فيه خمسة شروط: الأول: ثبوت الاسم بالنص؛ لأن أسماء الله الحسنى توقيفية لا تؤخذ إلا من الوحي، من القرآن أو السنة الثابتة، وما لم يرد فيه من الأسماء فليس بوحي، حتى لو كان معنى الاسم صحيحًا يدل على الكمال، فلا يسمى الله مثلًا بالواجد والماجد، ولا بالمفضل والمنعم، ولا بالمعز والمذل، ولا بالنافع والضار، ولا بالأعز والحنان وأمثالها؛ لأن هذه الأسماء لم ترد في القرآن ولم تثبت في صحيح السنة: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. وواجبنا في الأسماء الحسنى، والصفات العلى، العد والإحصاء فقط، فما كان موجوداً في القرآن والسنة نثبته لله ، فدورنا في إثبات أسماء الله الحسنى العد والإحصاء مما هو موجود في القرآن والسنة. ثم الذكر والدعاء وعدم الاختراع والإنشاء كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. الثاني: أن يكون الاسم علمًا على ذات الله، ليس فعلًا أوصفًا، فلابد من الرجوع إلى الوحي لإحصاء أسماء الله الحسنى، والنبي ﷺ أخبر أمته، أو دعا أمته، إلى إحصاء الأسماء المنصوص عليها في القرآن والسنة، فلا تؤخذ من غيرهما، والإحصاء يكون من شيء معلوم كما قال النبي ﷺ :

стр. 473

«إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». رواه مسلم (١). والاسم علم ذات الله، ويدل بالتضمن على الوصف والفعل. والاسم غير الصفة والفعل، فلا نشتق لله أسماء من الصفات، والأفعال؛ لأن الأسماء توقيفية تثبت بالنص عليها بالاسم بالقرآن أو السنة، فلا يسمى الله بالخافض والرافع، ولا الباعث، ولا المحصي ولا المبدئ، ولا المعيد، ولا المقسط ولا العدل، ولا الجليل، ولا المغني، ولا المعز ولا المذل، ولا الباقي، ولا الرشيد، ولا الصبور والمانع، وأمثالها، ولو كانت هذه الأسماء تتضمن كمالًا لله؛ لأنها لم ترد في نص القرآن أو السنة، وإنما اشتقت من صفات الله وأفعاله. ولا يجوز لنا أن نشتق من كل فعلٍ اسمًا لله ، ولم يأذن الله لنا بذلك، ولم يخولنا الله أن نسميه بما نشاء، وإنما أمرنا بإحصاء أسمائه الحسنى من كتابه وسنة رسوله ﷺ ، ثم حفظها ودعاء الله بها كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وأمرنا النبي ﷺ بالعد والإحصاء للأسماء، ولم يأمرنا بالاشتقاق والإنشاء والاختراع: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقد أخبرنا الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله، فنسميه بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله ﷺ ، ونصفه بما وصف به نفسه، أو

стр. 474

وصفه به رسوله ﷺ ، ونقف عند حد النص، ولا نتجاوز القرآن والحديث، ولا نلحد في أسماء الله وصفاته، ولا نقول على الله غير الحق: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠] .. الثالث: الإطلاق فما ورد من أسماء الله مطلقًا كالملك والحي والرحمن وأمثالها نؤمن به ونذكره به، ونسمي الله به مطلقًا كما ورد. ما ورد من أسماء مقيدًا كغافر الذنب، وعالم الغيب، وفاطر السماوات والأرض وأمثالها، نؤمن به، ونذكره مقيدًا كما ورد. وما ورد مركبًا نسمي الله به كما ورد كالمقدم والمؤخر. فالاسم المطلق لو قيدناه لا يحتمل نقصًا، أما الاسم المقيد لو أطلقناه فإنه يوهم نقصًا؛ ولأننا أمرنا بذكره كما هدانا لا على هوانا، فلا نطلق المقيد من أسماء الله الحسنى، ولا نفصل المضاف منها؛ لأن أسماء الله ﷻ توقيفية نتعبد لله بها كما وردت مطلقة أو مقيدة، أو مضافة أو مركبة. فلا نسمي الله بالماكر، والكائد، والخادع، والغالب، والقائم، والفعال، والجاعل، والمقلب، والمصرف، والكاشف، والفالق، والفعال، والفاطر والمخرج، والشديد، والهازم، والصاحب، والخليفة، بل نذكر هذه الأسماء مقيدة كما وردت به في القرآن والسنة الثابتة فنقول: الله غالبٌ على أمره، الله قائمٌ على كل نفس، الله فعالٌ لما يريد، فاطر السماوات والأرض، اللهم نور السماوات والأرض، الله مقلب القلوب، وهكذا. وكذا اسم الزارع والمنزل، والمنشئ، والماهد، والموسع، والكاتب، والمبتلي وغيرها من الأسماء المقيدة لا نذكرها إلا مقيدة بما قيدها الله

стр. 475

ورسوله به في القرآن أو السنة الثابتة، فمن أراد أن يجمع أسماء الله الحسنى المطلقة فليحصها من القرآن والسنة الثابتة، وهي تزيد على مائة اسم. ومن أراد أن يجمع أسماء الله المقيدة فليحصها من القرآن والسنة الثابتة وهي تزيد على مائة اسم ثم يدعو الله بها كما وردت بصيغتها مطلقة أو مقيدة، أو مركبة، وإلا كان ممن قال على الله غير الحق، وقال عن الله غير الحق، وقال على الله ما لا علم له به: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]. الرابع: دلالة الاسم على الوصف، فأسماء الله لا تكون حسنى وهي بلا معنى؛ لأن أسماء الله أعلام وأوصافٌ، فالعليم يدل على ذات الله، ويدل على إثبات صفة العلم لله، والحي يدل على ذات الله، ويدل على إثبات صفة الحياة لله، والخالق يدل على ذات الله، ويدل على إثبات صفة الخلق لله وهكذا. فلا يسمى الله بالأسماء الجامدة التي لا مدح فيها ولا ثناء كاسم الدهر؛ لأن الدهر مخلوق، وهو وصفٌ جامد لا يفيد المدح والثناء على الله بنفسه، فليس اسمًا لله، وإنما هو اسم لمدة زمان الدنيا، وكذا لا يسمى الله بالأسماء التي هي من إضافة المخلوق إلى خالقه. الخامس: دلالته الوصف الذي تضمنه الاسم على الكمال المطلق كاسم الملك، فأنه يدل على كمال ملك الله، وأن الله ملك قبل أن يخلق أحدًا، وأن كل ما سواه ملكه وعبيده، فإذا كان الوصف عند التجرد منقسمًا إلى كمال ونقص فلابد من تقييد الاسم بموضع الكمال دون النقص، فيكون من باب الأسماء المقيدة مثل:

стр. 476

اسم المرسل: في قوله سبحانه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾ [الدخان: ٥]. واسم المبتلى: في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾ [المؤمنون: ٣٠]. واسم المبرم: كما في قوله سبحانه: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾ [الزخرف: ٧٩]. فنتعبد لله بهذه الأسماء ونقيد هذه الأسماء وأمثالها بموضع الكمال؛ لأنها تنقسم عند الإطلاق إلى ما يمدح عليه الفاعل أو يذم، فنتقيد بموضع الكمال فقط. الله هو الحي القيوم، الذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، هو الحي القيوم بذاته، وكل حيٍ سواه فهو حيٌ لا بذاته بل بإمداد الله له بالحياة، فإذا قطع عنه الإمداد صار جثةً هامدة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. والله وحده هو الحي بجميع صفات الجلال والجمال والكمال، هو الحي الذي وهب الحياة لكل حي، هو الحي الذي لا يموت أبدًا، وحياته لا بداية لها ولا نهاية، ولا أول ولا آخر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. والحي هو الله وحده، فهو دائم الحياة، دائم البقاء، دائم الملك، أما الإنسان فمهما عاش لابد أن يموت، وحياته مقيدةٌ بعمره، وحياته موهوبةٌ من ربه، ومستمدةٌ من خالقه الحي الذي وهب الحياة لكل حي: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].

стр. 477

وحياة الإنسان دائمة، والموت في الدنيا كثوبٍ خلعته لتلبس غيره في الآخرة، والموت معبر لانتقال الحي من دارٍ إلى دار. فسبحان الحي القيوم الذي ليس لحياته موتٌ ولا فناءٌ ولا زوالٌ، ولا أول ولا آخر: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والدين ركنان: عبادة الحق .. والإحسان إلى الخلق. والمؤمن يحترم الناس جميعًا، ويعاملهم بالإحسان، أما قلبه فلا يعلقه إلا بالله وحده، والله يغار إن رأى قلبك مع غيره، ومن ضايقك فإنما ألهمه الله لتفك ارتباطك معه، وتفر منه إلى ربك الحي القيوم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. والرب العظيم الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله، وهذا ملكه وسلطانه، وهذه نعمه وإحسانه، هو وحده الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. ومن عرف الله حقاً فر إليه وحده: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١]. لهذا يجب علينا معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتعبد لله بها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].

стр. 478

فنسمي الله بأسمائه الحسنى، ولا نلحد في أسمائه، والإلحاد هو الميل عن الطريق المستقيم، وقد حذرنا الله من الإلحاد في أسمائه وصفاته وآياته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصلت: ٤٠]. • والإلحاد في أسماء الله الحسنى خمسة أنواع: الأول: أن ينكر الإنسان شيئًا من أسماء الله التوقيفية، أو ينكر ما دلت عليه من الصفات الذاتية والفعلية، لأن الله أوجب علينا الإيمان بالأسماء، وبما دلت عليه من الصفات والأفعال. الثاني: أن يجعل أسماء الله الحسنى دالة على صفاتٍ تماثل أو تشابه صفات المخلوقين، وهذا إلحاد، لأن الله ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. الثالث: أن يشتق من أسماء الله الحسنى أسماء للأصنام والأوثان كما اشتق المشركون اسم العزى من العزيز، وصنم اللات من الإله، لأن أسماء الله مختصةٌ به، وكما أفرد الله نفسه بالربوبية والعبودية والألوهية، أفرد نفسه بالأسماء الحسنى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. فتسمية غيره بها ميلٌ بها عما يجب فيها، وهذا هو الإلحاد في أسمائه، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠].

стр. 479

الرابع: أن يسمي الله تعالى بأسماءٍ لم يسمِّ الله بها نفسه في كتابه، ولم يسمه بها رسوله صلى الله عليه وسلمفي سنته، كتسمية النصارى لله بالأب، وتسمية الفلاسفة له بالعقل الفعال؛ لأن أسماء الله الحسنى توقيفية، وتسمية الله بما لم يرد فيه نصٌ شرعي من قرآنٍ أو سنة ثابتة إلحادٌ في أسمائه، وقد نهينا عن الإلحاد في أسمائه وصفاته: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. الخامس: أن يشتق من كل فعلٍ اسمًا لله، لم يرد به النص من قرآنٍ أو سنة، أو يسمه بما لم يسم به نفسه، كتسمية الله بالنافع والضار، والمعز والمذل، ونحو ذلك. • فقه الأحوال والأعمال: الله ﷻ هو الخلاق العليم، وهو الحكيم الخبير، خلق الأموال والأشياء والأحوال للابتلاء: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. فالأموال النقود، والأشياء المخلوقات من كل جنس، والأحوال الغنى والفقر، والصحة والمرض، والأمن والخوف ونحوها. فخلق الله الأشياء والأموال للابتلاء، وجعل الأيمان والأعمال الصالحة للنجاة فليست رسالتنا في الدنيا الترقي بالأموال والأشياء والأحوال والجاه والمناصب، بل رسالتنا الكبرى الترقي في الإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، والثبات على ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].

стр. 480

ومن أراد الترقي في إيمانه وأعماله فليجلس في بيئة الإيمان والأعمال الصالحة، ويفر من بيئة الأموال والأشياء: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]. فمن عاش في بيئة الأعمال ترقى في الأعمال، ومن عاش في بيئة الأشياء ترقى في معرفة الأشياء التي تشغله عن ربه والتي حذر الله منها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]. وأعمال الدين كلها جواهر وزينة وأرباح وطمأنينة، وبجهد الحق تكون خليفة الحق في الأمة، وبجهد الباطل تكون خليفة الشيطان في الأمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩] والايمان والكفر، والحق والباطل، لا يجتمعان ولا يستويان: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠]. وقال الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]. ومن سنة الله في الدنيا عدم ثبات الأحول على الإنسان ابتلاء، فالله يقلب الأحوال على الخلق كما يقلب الليل والنهار على الأرض، فيجري على

стр. 481

عبده فقرًا بعد غنى، ومرضًا بعد عافية، وذلةً بعد عزة، وخوفًا بعد أمن: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٤]. فالدنيا دار الابتلاء والعمل، والأخرة دار الثواب والعقاب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]. ومن سنة الله في الدنيا: السنة الأولى: أن ثبات الأحوال على العبد محال. والسنة الثانية: الترقي بالأحوال والأموال والأشياء والمناصب محال. والسنة الثالثة: الترقي والنجاة والفلاح فقط بالإيمان والتقوى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. فالأموال والأشياء والأحوال في الدنيا تتغير، والأحوال في الآخرة تثبت أبد الآباد للمؤمنين والكافرين، فحياةٌ بلا موت، وصحةٌ بلا سقم، وشبابٌ بلا هرم، ونعمةٌ بلا بأساء كما قال النبي ﷺ في أهل الجنة: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ

стр. 482

قَوْلُهُ : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: ٤٣]». أخرجه مسلم (١). فهذه سنة الله في المؤمنين. وكذا سنة الله في الكافرين بالعكس: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. والشفاء والغنى والعافية في هذه الدنيا هي حاجاتنا، والهداية، وعبادة الله وحده لا شريك له، والدعوة إليه هي مقصدنا، والمقصد مقدمٌ على الحاجة، فنأخذ من الدنيا بقدر الحاجة، ونعطي للدين بقدر الطاقة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 483

وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. فلا إله إلا الله، ما أعظم ملكه، وما أعظم سلطانه، وما أعظم خلقه. الله هو الملك الحق، وكل ما سواه عبيدٌ له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦]. والله هو الملك حقًا، الملك الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. فالله ﷻ هو الملك المالك لكل شيء، الذي بيده الملك والملكوت. له ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وله ملك عالم الغيب وعالم الشهادة، وله ملك الدنيا والآخرة، وله ملك السماوات والأرض، وله ملك ما في السماوات وما في الأرض، وله ملك ما بين السماوات والأرض، وله ملك غيب السماوات والأرض، وله ملك خزائن السماوات والأرض، وله ملك جنود السماوات والأرض، وله ملك مقاليد السموات والأرض، وله ملك ميراث السماوات والأرض: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].

стр. 484

وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]. فسبحان الله ما أعظم ملكه، وما أعز سلطانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]. والله هو الخلاق العليم، خلق العرش العظيم، وجعله محيطًا بالكرسي الكريم، وخلق الكرسي وجعله محيطًا بالسماوات السبع، وخلق السماوات السبع وجعلها محيطةٌ بالأراضين السبع، وهو سبحانه الواحد الأحد المحيط بكل محيط: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾ [النساء: ١٢٦]. السماوات السبع ظرف، وفي داخلها مظروفاتٌ عظيمة، أعظمهم الملائكة والروح، والأراضون السبع ظرفٌ عظيم، وفي داخل هذا الظرف مخلوقاتٌ عظيمة من عالم الجماد والنبات والحيوان، والإنس والجن والملائكة؛ ومظروفات السماوات والأرض ظاهرةٌ وخفية، والمظروف أهم من الظرف، وأفضل مظروفات السماوات السبع هم الملائكة، وأفضلهم جبريل ﷺ ، وأفضل مظروفات الأرض هم بنو آدم الذين أفضلهم محمدٌ ﷺ : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. فلله الحمد على نعمة الإيجاد، وعلى نعمة الإمداد، وعلى نعمة الإسعاد. هو الرحمن الرحيم، الذي هدانا لما يحبه ويرضاه، الذي إن أُغلقت الأبواب لا يغلق بابه، وإن انقطعت الأسباب جاء مداده، وإذا قست القلوب لينها برحماته: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].

стр. 485

٣ - الخزانة الثالثة • فقه الإيمان بالله : كل عبدٍ سائرٌ لا واقف، وكل عبدٍ صاعدٌ أو نازل، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام وإما إلى خلف، وإما إلى يمين وإما إلى شمال، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوفٌ البتة؛ فالإنسان شجرةٌ تثمر الحلو والمر ما دامت حية. فالإنسان ماكينة الأعمال، والأشجار ماكينة الثمار، فكل عبدٍ ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي حسب العمل إلى الجنة أو إلى النار، فمسرعٌ من الخلق ومبطئ، ومتقدمٌ ومتأخر، وليس في الطريق واقفٌ البتة، إنما يتفاوتون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء، وفي الربح والخسارة: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. والكل يقيد في الصحف: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. فمن لم يتقدم إلى الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة، فهو متأخرٌ بلا شك إلى النار بالكفر والأعمال السيئة، والدين كله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ [المدثر: ٣٦ - ٣٧]. وأهل الإيمان متفاوتون فيه تفاوتًا عظيمًا، فإيمان الأنبياء ليس كإيمان غيرهم، وإيمان الصحابة ﵃ ليس كإيمان غيرهم، وإيمان المؤمنين الصالحين ليس كإيمان الفاسقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)

стр. 486

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وهذا التفاوت العظيم حسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وما شرعه لعباده: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وخشية الله وتقواه تكمل لمن كمل إيمانه، وتفاوت نور لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيه إلا الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وأعرف الخلق بالله أشدهم حبًا له، وأشدهم تعظيمًا له، ومحبة الله لذاته وإحسانه، وجماله وجلاله، أصل العبادة، وكلما قويت المحبة كانت الطاعة أتم، والتعظيم أوفر، والسرور والأنس بالله أكمل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. اللهم إنا نسألك إيمانًا كاملًا، ويقينًا صادقًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وحلالًا طيبًا يا ذا الجلال والإكرام. وكل ما يقع في العالم العلوي والعالم السفلي من تحريكٍ وتسكين، وتدبيرٍ وتصريف، وإحياءٍ وإماتة، وخيرٍ وشر، كل ذلك واقعٌ بمشيئة الله وحده لا شريك له: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. والكفار يقولون إن كفرهم، وتحريم ما أحل الله، واقعٌ بمشيئة الله، والله قادرٌ على أن يمنعنا منه، ولما تركنا عليه ولم يمنعنا منه عرفنا أنه راضٍ عنه، إذ

стр. 487

لو كان لا يرضيه لمنعنا منه، وهذا فيه حقٌ وباطل، فكون الكفر والتحريم واقعٌ بمشيئة الله هذا حق، وكون ذلك يدل على رضاه فهذا باطل، وهذا محل الكفر منهم، لأن الله لا يرضى لعباده الكفر ولا الشرك، ولا يحبه كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [الزمر: ٧]. والله قد يريد ما لا يرضاه لحكمة، لأنه لا يرضيه سبحانه إلا الإيمان والعمل الصالح، ولا يقع في ملكه إلا ما أراده وقدره وأذن به من خلقٍ أو قولٍ أو فعلٍ أو خيرٍ أو شر، كما قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. والعبد مخلوق لا يمكن أن يخلق أفعاله بدون مشيئة الله وإذنه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. فالله خالق الإنسان، وخالق أفعاله، وخالق كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ومن ظن أنه يقع في ملك الله شيءٌ بدون مشيئته فهذا أعظم الكفر والقدح في ربوبية الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. وقال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤].

стр. 488

وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. والله يعم جميع الخلق بدعوتهم إلى الدين، ثم يخص بالتوفيق والهداية من شاء، فالدعوة إلى الخير عامة، والتوفيق خاص: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]. والله هو خير الفاتحين، وهو خير الماكرين، والمكر هو إخفاء الكيد ليوصل الشر إلى غيره في خفاء، وهذا في حق بني آدم، وخير الماكرين هو الله ﷻ ؛ لأن مكر الله بالغٌ من الجلال والجمال والحسن ما لا يخفى؛ لأنه سبحانه لا يوصل الشر إلا لمن يستحق الشر، ولا يدفع الشر إلا عمن هو أهلٌ أن يدفع عنه الشر؛ لأنه هو الحكيم العليم بعباده: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾ [الإسراء: ٣٠]. أما الكفار والمنافقون فكيدهم أشر شيء، وأقبح شيء، لأن مكرهم يوصل الشر إلى من استحق الخير، ويدفع الخير عمن يستحق الخير كما قال الله عنهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وكل ماكر، الله محيطٌ به وبمكره: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾ [إبراهيم: ٤٦]. والله هو الملك الحق، الذي له ملك الدنيا والآخرة، ورؤية الله ﷻ في الدنيا جائزةٌ عقلًا، غير واقعةٍ شرعًا. أما جوازها عقلًا، فلأن موسى ﷺ طلبها من ربه كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ

стр. 489

دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣]. فرؤية الله في الدنيا جائزةٌ عقلًا، والذي منع منها عجز الآدميين عن تحملها، لأن الله لما تجلى للجبل العظيم الصلب اندك الجبل وتفتت، فكيف يتحملها اللحم والدم؟ ولهذا نفاها الله في الدنيا، فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]. أما في الآخرة فهي واقعةٌ شرعًا، وجائزةٌ عقلًا، ولكن رؤية الله بلا إحاطة، لأن الله محيطٌ بكل شيء، ولا يحيط به شيء: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وقال النبي ﷺ لأصحابه حين سألوه هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟: قَالُوا: لَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا». متفقٌ عليه (١). أفعال الله نوعان: النوع الأول: أفعالٌ لازمة تتعلق بذاته، كالاستواء والنزول والمجيء والإتيان ونحوها، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]. فهذه نثبتها لله بما يليق بجلاله، ولا نعلم كيفيتها، فكما لا نعلم كيفية ذاته، كذلك لا نعرف كيفية صفاته، ولا كيفية أفعاله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].

стр. 490

الثاني: أفعال متكررة تتعلق بخلقه، مثل الخلق والرزق، والهداية، والإضلال ونحوها: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٤]. وقال الله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. فهذه كذلك نثبتها لله على ما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل، فكما لا نعلم كيفية ذاته لا نعلم كيفية صفاته وأفعاله ﷻ : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فالله يقلب الليل والنهار، والحر والبرد، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسلم والحرب، والأمن والخوف، لإظهار كمال قدرته، وكمال علمه، وقوة سلطانه، فإذا عرف العبد ذلك كان أقرب إلى خشية الله، والتضرع إليه، والانكسار بين يديه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. فإذا عرفتم ذلك عبدتموه وحده، لما ترون من عظيم جلاله وجماله، وعظيم نعمه وإحسانه، وعظمة ملكه، وسلطانه، وخلقه وأمره. ومن وجوه الحكمة أن الله يبتلي عباده بالطاعات، والأوامر، في مختلف الأحوال من أمن وخوف، وغنى وفقر، وصحة ومرض، لتتجلى عبوديتهم لله في حال السراء والضراء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].

стр. 491

• والله له وحده الخلق والأمر وأمر الله سبحانه نوعان: الأول: أمرٌ كوني قدري تعلقت به مشيئته الكونية، كأوامر الخلق، والتدبير والتصريف في الكون: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فما قدره الله لابد أن يكون، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. الثاني: أمرٌ دينيٌ شرعي تعلقت به محبته، فكل ما حصل من طاعات العباد تعلقت به مشيئة الله الكونية، وتعلقت به كذلك محبة الله الشرعية، فهو محبوب للرب، واقع بمشيئته، وما لم يحصل من الطاعات تعلقت به محبة الله الشرعية، دون مشيئته الكونية فلم تقع؛ لأن الله لم يشاءه كونًا. وما وقع من المعاصي تعلقت به مشيئة الله الكونية، دون محبته الشرعية، فالله لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وما لم يقع من المعاصي تعلقت به محبة الله الشرعية، فإن الله لا يحب المعاصي، ولا يحب الكفر، دون مشيئته الكونية. وأفعال العباد تنسب إلى الله خلقًا، وتنسب إلى العباد كسبًا، لأمرين: الأول: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية، وقدرة بدنية، والذي خلق ذلك هو الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣]. الثاني: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].

стр. 492

فما فعله العبد من خير أو شر فهو كسبه، ليتعرض لجزائه من الثواب أو العقاب، لأنه فعله، مسندٌ إليه شرعًا وعقلًا وحسًا، فعله بمحض اختياره على علم بعاقبته، مستعملًا القدرة التي منحه الله إياها، فإذا أطاع الله فطاعته وثوابه من فضل الله عليه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. ومن عصى فمعصيته باختياره، وعقوبته من عدل الله فيه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. • الفرق بين صفات الله الذاتية والفعلية: الصفات الذاتية كالحي لا تعلق لها بالمشيئة. والفعلية هي التي لها تعلق بالمشيئة إن شاء الله فعلها وإن شاء لم يفعلها، كالخلق والرزق ونحوها. فالحي صفة ذاتية، لا تنفك عن الله أبدًا، أما الخلق فهي صفة فعلية، إن شاء خلق، وإن شاء رزق، وإن شاء منع، وإن شاء أعطى. وصفة الذات لا يوجد لها مقابل في الأسماء، وصفات الفعل هي التي يوجد لها مقابل في الأسماء، فإذا قلنا الله حي فهي صفة ذات، وإن قلنا الله "يحيي" فهي صفة فعل، يحيي هذا، ويميت هذا، لأنها تقتضي أن يكون

стр. 493

مميتًا: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥]. وكل شيء لا يكون إلا بمشيئة الله وحده، ومشيئة الإنسان تحت مشيئة الله، والناس أحرار في اختيارهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣١]. ومن ظن أن له مشيئة من دون الله فيقال له أخلقك الله كما شئت أو كما شاء؟ أخلقك الله لما شاء أو لما شئت؟، أرزقك الله كما شئت أو كما شاء؟، ويوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء؟. والله خلق الكون كله، وجعل فيه سنناً تستجيب للمؤمن والكافر، وذلك عطاء الربوبية لكل الخلق في الخلق والرزق ونحوهما: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس: ٣١]. ثم أنزل الله تكليفًا هو الشرع، بواسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ودعا الناس إليه، ورغبهم فيه، وحذرهم من مخالفته، وقال أنا أحب كذا، وأكره كذا، وافعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، فالذي يحبني يطيع أمري، ويفوز بثوابي، ومن عصاني نال عقوبتي: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ

стр. 494

كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف: ٢٩ - ٣٠]. فمناط الربوبية خلق ورزق، وإحياء وإماتة، وعطاء ومنع، ومناط الإلوهية تكليف وتشريف: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. فالله هو الفعال لما يشاء، والإنسان يوجه الطاقة التي وهبها الله له فإن وجهها إلى خير أثابه الله، وإن وجهها إلى شر عاقبه الله والكل مسجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. فالفاعل الحقيقي لكل شيء هو الله، والمخلوق يوجه الفعل بما وهبه الله من الاختيار، فثواب الإنسان وعقابه لا على إنه فعل، بل لأنه وجه الفعل إلى كذا أو كذا، فاليد مثلا مخلوقة إن عملت بها خيرًا أثابك الله، وإن سرقت بها عاقبك، واللسان مخلوق إن شهدت به أنه لا إله إلا الله أثابك الله، وإن اغتبت به عاقبك الله وهكذا: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].

стр. 495

٤ - الخزانة الرابعة • الإيمان بين معرفة الرب، ومعرفة العبد: الله هو الملك الحق، وكل ما سواه عبيد له، والله غني عن كل أحد، والإنسان محتاج إلى كل شيء، وإرادة الإنسان هي نزوع نفسه إلى شيء يكمل ضعفه، وحاجته ونقصه، بأكل أو شرب أو ركوب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. وخلق الله الإنسان ضعيفًا، ليستعين بربه الخالق القوي، وإرادة الله هي حكمه على الشيء، فإذا حكم فلا راد لحكمه، ولا راد لقضائه، فكل شيء في ملكه، وكل شيء من مخلوقاته، مستجيب لمشيئته، ومسرع إلى إرادته، وخاضع لأمره: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وكل المخلوقات مسخرة، والإنس والجن مخيرون، وإرادة الله مع المسخرات أمر، ومع المخيرات سماح بالفعل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩]. فسبحان الحكيم الخبير القدير، الذي يسوق بإرادته ظالمًا لظالم، ومنحرفًا لمنحرف، ويسوق من لا يعرفه إلى من يعرفه، إذا عصاه ليؤدبه. وإرادة الله مع الإنس والجن إرادة سماح بالفعل، فيسمح للإنسان أن يفعل عندما تعلو الشهوة والإصرار، ويصرفه عن الشهوة المنحرفة رحمة به إذا لم يكن هناك إصرار، وإذا أطلق الله هذا الإنسان يفعل ما يشاء يطلقه على من يستحق التسليط ليؤدبه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
следующие страницы →