← Джавами‘

Джавами‘ · id 30193

موسوعة خزائن العلوم الإسلامية في ضوء القرآن والسنة

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وكان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، وكان لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله ، وختمها بالاستغفار، وكان يخطب خطبه قائماً أو راكباً. وكان مدار خطبه ﷺ على حمد الله وتوحيده، والثناء عليه بآلائه، وتمجيده بأسمائه وصفاته، وتعليم قواعد الإسلام، وبيان أحوال اليوم الآخر، والأمر بتقوى الله ، وبيان ما يحبه الله ويرضاه، والترغيب فيه. وهذه الأخلاق والشمائل التي مر ذكرها، ماهي إلا نقطة من بحر أخلاقه، لأنه ما من خصلة حميدة ذكرت في القرآن أو السنة أو الآثار أو الأخبار إلا وكان ﷺ يتصف بها، وهو أول العاملين بها، وأحسن المتحلين بها، قد جمع الله أخلاق الأنبياء والرسل في ظاهره وباطنه، وزاد عليها بما أكرمه الله به من محاسن الأخلاق والأقوال والأعمال كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم/ ٤].

стр. 4307

دعوة الرسول ﷺ : تنقسم حياة النبي ﷺ إلى ثلاثة أقسام وهي: طريقة حياة .. فرائض حياة .. مقصد حياة. الأول: طريقة حياة وهي كل ما كان يتحلى به الرسول ﷺ من الأخلاق و الآداب والسنن، والفضائل الشرعية وهي كما أثنى عليه ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فنعم الراكب ونعم المركوب فالراكب الرسول ﷺ والمركوب الأخلاق الحسنة. الثاني: فرائض حياة وهي جميع العبادات والحقوق والواجبات الشرعية، الصلوات الخمس، وشهر رمضان، والحج، وحقوق الله، وحقوق الوالدين ونحو ذلك. الثالث: مقصد حياة وهي الدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصيحة لكل مسلم، وقد أرسل الله رسوله ﷺ محمد رحمة للعالمين فدعا الناس إلى توحيد رب العالمين، وعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه من الأصنام والأوثان وغيرها. فأرسله الله لتحقيق عشرة أمور كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].

стр. 4308

فقام ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى من أول يوم بين أهله، وعشيرته، وقومه، وفي قريته وما حولها والعرب قاطبة والناس كافة والعالم قاطبة يدعو إلى الله في الليل والنهار والحضر والسفر والصحة والمرض، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فبلغ ﷺ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك الأمة على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. ودعا ﷺ من أول يوم بعثته إلى أخر يوم من حياته، وربى أصحابه على ذلك، فالدعوة إلى الله هي مقصد حياته ﷺ كلها، وهي واجبة على كل مسلم ومسلمة، وقد أمر الله بها قبل الصلاة والصوم وغيرها من فرائض الإسلام، ووقت الفرائض محدود، ووقت الدعوة مطلق غير محدود، بل الدعوة إلى الله هي أم الفضائل كلها، وأداء الفرائض من ثمراتها ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ [يونس: ١٠٨]. فالدعوة إلى الله هي أم الأعمال كلها، وجميع أعمال الدين وأحكام الدين من ثمراتها وخيراتها، وهي وظيفة الأنبياء والرُسل، ووظيفة الأمة جميعًا كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 4309

والدعوة إلى الله رأس العمل الصالح، وبالدعوة إلى الله يأتي الإيمان، وبالإيمان تأتي بالأعمال الصالحة، وفي مقدمة الأعمال الصالحة الدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وإذا قامت الدعوة إلى الله جاء الإيمان بالله، ثم جاءت الأعمال الصالحة ثم صلحت أحوالهم بحسن أخلاقهم، ثم ﵃، ثم أسعدهم في حياتهم، ثم زاد سعادتهم عند الموت، ثم زادها في القبر فيقول لهم الله ادخلوا رياض الجنة، ثم بلغهم الله كمال السعادة في الجنة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. وبغير الإيمان فالعمل الصالح كله حابط وصاحبه خاسر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. والجهاد نوعان: ١ - جهاد حسن لذاته وهو الدعوة إلى الله وتعليم شرع الله، والإحسان إلى الخلق: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢]. وهذا الجهاد أعلى أنواع الجهاد، وهو سبب لحصول الهداية للداعي والمدعو: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 4310

٢ - أما الجهاد لحسن لغيره فهو القتال في سبيل الله، وهذا لا يكون إلا بعد الدعوة إلى الله، وهو حسن لغيره لما فيه من حفظ دار الإسلام، ودفع الأعداء، وفتح الأبواب لتدخل الدعوة في كل بلد ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. والدعوة إلى الله ليست خطبًا ومواعظ ودروسًا فقط، بل هي خلق كريم وعطاء جزيل، وإحسان جميل، ورحمة بالخلق، ورفقًا بالناس وتواضع لهم، وتعريفًا بالرب المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، وبيان نعمه وإحسانه ليحب الناس ربهم، ويحبهم ويحبونهم ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وهي كذلك بذل كل شيء من أجل الدين، وترك كل شيء من أجل الدين، وصبر على المكاره: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. والدعوة كذلك حياة مطابقة لحياة سيد الخلق ﷺ الذي كان أحسن الناس خَلقًا وخُلُقا، وكان خلقه القرآن، وحياته ﷺ أحسن حياة وأطهر حياة، وأجمل حياة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وأعظم الإحسان بعد الإحسان في التوحيد بالله وعبادته هو الإحسان إلى الخلق بدعوتهم إلى الله الذي خلقهم و رزقهم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 4311

والإسلام هو المنهج الوحيد للحياة البشرية السعيدة كلها إلى يوم القيامة فيجب إبلاغه لكل الناس: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وفي القرآن العظيم والسنة النبوية جميع المناهج الشرعية للأفراد والجماعات والشعوب، وهي صالحة لكل زمان ومكان في جميع شُعب الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. والقرآن العظيم ذاته منهج حياة، وداخله مناهج: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤]. والقرآن العظيم، والقرآن الكريم كله مناهج هي أحسن المناهج على الإطلاق: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وبغير منهج القرآن فالبشرية تعيش في ظلام وضلال، وبغي وعدوان: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨]. وقال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]. والسنة النبوية ذاتها منهج حياة وداخلها مناهج: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]

стр. 4312

ونشر الحق كنشر الباطل كلاهما يحتاج إلى جهود وتضحيات، وإلى بذل وترك، وإلى تخطيط وتدبير وتنفيذ. ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. وكما أنه لابد للمباني والمدن والطرق من تخطيط وتنفيذ كذلك لابد للبشرية من تدبير وتنفيذ وتخطيط وشورى لكيفية دعوتهم إلى الله وصبغهم بصغبة الله لتكون حياتهم في الدنيا والآخرة أحسن حياة بالتوحيد والإيمان وعبادة الله وحده لا شريط له، والفوز برضوان الله وجنته ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وأحسن التدبير المقرون بالتنفيذ تدبير رب العالمين لرسوله الكريم ﷺ ، والتوجيه الرباني الكريم لصاحب دعوة الأسوة ﷺ يبدأ بـ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. ثم بعدها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ [المزمل: ١ - ٦]. ثم بعدها: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [المدثر: ١ - ٧].

стр. 4313

ثم بعدها: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]. ثم بعدها: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ [الحجر: ٩٤]. ثم بعدها: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]. ثم بعدها: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. ثم بعدها: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. ثم بعدها: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]. والدعوة إلى الله، وإبلاغ هذا الدين أعظم فريضة في الإسلام من بعد التوحيد كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. هذا هو التخطيط وهذا هو التدبير وهذا هو التوجيه الرباني للنبي ﷺ ولأمته، وعقوبة ترك الدعوة إلى الله أعظم عقوبة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. وقال : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].

стр. 4314

ولن تخرج من الدعوة ثمرات التي يريدها الله إلا إذا قامت على هذه الأصول والمناهج المبينة في القرآن والسنة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقام كل مسلم ومسلمة بالدعوة إلا الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. والذي جعله الله من خير أمة أخرجت للناس فيجب عليه أن يصرف كل وقته في عبادة الله والدعوة إلى الله، وتعليم شرع الله. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وقال الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. وقال الله : ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وقال الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].

стр. 4315

٨ - الخزانة الثامنة عبادات الرسول ﷺ : عبادات الأنبياء أحسن العبادات لكمال معرفتهم بالله وكمال حبهم له وكمال طاعتهم له، وأخلاقهم أحسن الأخلاق، ومعاملاتهم أحسن المعاملات. وكان ﷺ أحسن الناس معاملة، وكان إذا استلف سلفًا قضى خيرًا منه ودعا لصاحبه، وباع ﷺ واشترى وكان شرائه بعد الرسالة أكثر من بيعه وبعد الهجرة إلى المدينة لا يكاد يحفظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة أكثرها لغيره وأما شرائه فكثير. وأجّر ﷺ واستأجر واستئجاره أكثر من إيجاره، أجر نفسه قبل النبوة لرعاية الغنم، وأجر نفسه من خديجة في سفرة لمالها إلى الشام قبل النبوة وإن كان العقد معها مضاربة والمضارب أمين وأجير ووكيل وشريك. ووكّل ﷺ وتوكل وكان توكيله أكثر من توكله. وكان ﷺ يمثل أمر الله في كل عبادة وفي كل معاملة. وأهدى النبي ﷺ وقبل الهدية وأثاب على الهدية، ووهب واتهب وكانت هباته أكثر من اتهابه. واستدان ﷺ برهن واستدان بغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحال والمؤجل. وضمن ﷺ على ربه أعمالًا من عملها كان مضمونًا له الجنة، وضمن لمن مات من المسلمين وعليه دين لم يترك له وفاءًا أن يوفيه عنه. وشفع ﷺ وشُفع إليه، وردت بريرة شفاعته في مراجعتها مغيثًا فلم يغضب عليها.

стр. 4316

ووقف ﷺ أرضًا كانت له جعلها صدقة في سبيل الله. وحلف ﷺ في أكثر من ثمانين موضعًا أمره الله بالحلف في ثلاث منها بقوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣]. وقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. وقوله سبحانه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧]. وكان ﷺ يستثني في يمينه تارة ويكفر عنها تارة ويمضي فيها تارة، والاستثناء يمنع عقد اليمين والكفارة تحلها بعد عقدها. وكان ﷺ يمازح ولا يقول في مزاحه إلا الحق، ويواري ولا يقول في توريته إلا الحق. وكان ﷺ يشير ويستشير، وشاور أصحابه في جهاده وغزواته مرات كثيرة، كما قال سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وكان ﷺ يجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، ويقر الضيوف. وكان ﷺ يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عن من ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 4317

وسمع ﷺ مديح الشعر وأثاب عليه ما قيل فيه من الشعر جزء من حامده، وأمر الناس أن يحثوا في وجوه المداحين التراب لأن مدحهم كذب. وسابق ﷺ على الأقدام ورفع ثوبه بيده وخصف نعله بيده وثنى ثوبه وحلب شاته وخدم نفسه وأهله وأعان أصحابه في بناء المسجد وحفر خندق وغيرهما. وربط ﷺ الحجر على بطنه من الجوع تارة وشبع تارة، وأضاف وأضيف. وتداوى ﷺ من المرض وأمر بالتداوي. ورقّ ولم يسترق، واحتجم في وسط رأسه وعلى ظهر قدمه، واحتجم الأخدعين، واحتجم في الكاهل وهما بين الكتفين. وأمر ﷺ بالحمية وحفظ الصحة واستفراغ المواد الفاسدة واجتناب الأشياء الضارة. مؤذنيه ﷺ مؤذنو النبي ﷺ أربعة: اثنان بمسجده ﷺ وهم: بلال بن رباح، وهو أول من أذن لرسول الله ﷺ ، وعبد الله بن أم مكتوم الأعمى، ﵄. وسعد القرظ في مسجد قباء، وأبو محذورة الجمحي في المسجد الحرام بمكة. كتَّابه ﷺ أما كُتّابه ﷺ فالكُتّاب الذين كانوا يكتبون الوحي والرسائل لرسول الله ﷺ هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وأُبي بن كعب، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وعمرو بن العاص،

стр. 4318

والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وثابت بن قيس بن شماس، وحنظلة بن الربيع، وخالد بن الوليد، وخالد بن سعيد بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت ﵃ أجمعين. خطباؤه وشعراؤه ﷺ أما خطبائه وشعرائه ﷺ فكان خطيبه ﷺ الذي كان يخطب بين يديه بأمره ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، وكان من شعرائه ﷺ الذين يذبون عن الإسلام كعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت وكان أشدهم على الكفار. فصلوات الله وسلامه عليه كان أحسن الناس خلقًا وخُلُقًا، وكان خلقه القرآن يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه ويحل حلاله ويحرم حرامه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].

стр. 4319

جهاد الرسول ﷺ : • سلاحه ﷺ : كان له ﷺ تسعة أسياف هي: مأثور، وهو أول سيف ملكه، والعضب، وذو الفقار، تنفله يوم بدر. ومن سيوفه البتار، والقضيب، والحتف، والرَّسوب، والقَلْعِي، والمِخْذم. وكان له ﷺ سبعة أدرع هي: ذات الفضول، وذات الوشاح، وذات الحواشي، والبتراء، والسعدية، والفضة، والخرنق. وكان له ﷺ خمسة رماح هي: المثوى، والمُثنى، وحربة يقال لها النبعة، والبيضاء، وعنزة يمشي بها أحياناً، ويتخذها سترة يصلي إليها في أسفاره. وكان له مغفران من حديد، أحدهما الموشّح، والآخر السبوغ. وكان له ﷺ ثلاث جباب يلبسها في الحرب، وكانت له راية سوداء، يقال لها العقاب، وراية صفراء، وألوية بيضاء. وكانت له ﷺ ست قسي هي: الروحاء، والزوراء، والبيضاء، والصفراء، والكتوم، والسداد. وكان له ترس يقال له الزلوق، وآخر اسمه الفتق. وكان له ﷺ محجن قدر ذراع أو أطول، يمشي به، ويركب به، ويعلقه بين يديه على بعيره.

стр. 4320

• جهاد الرسول ﷺ الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام ومنازل أهله أعلى المنازل في الدنيا والآخرة، وكان رسول الله ﷺ في الذروة العليا منه وقام بأنواعه كلها تعبدًا لله . فجاهد ﷺ في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان وكانت ساعاته وأيامه موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده وماله. ولهذا كان ﷺ إمام المجاهدين وأرفع العالمين ذكرًا وأعظمهم عند الله قدرًا، وقد أمره الله بأعظم أنواع الجهاد وهو الدعوة إلى الله من حين بعثه بقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥١ - ٥٢]. وجهاد الكفار والمنافقين يكون بالحجة والبيان وتبليغ القرآن. وجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار وهو جهاد ورثة الرسل وخواص الأمة والقائمون به أفراد في العالم والمشاركون فيه والمتعاونون عليه هم الأعظمون عند الله قدرًا وأجرًا ومنزلة وقد قام به ﷺ خير قيام وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين تحقيقًا لأمر ربه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾ [التحريم: ٩]. ورسول الله ﷺ أول وأعظم من أكمل مراتب الجهاد فجاهد نفسه أولًا لتفعل ما أمرها الله به وتترك ما نهى الله عنه، وجاهد الشيطان على دفع ما يلقي من الشبهات وما يزين من الشهوات، وجاهد الكفار والمنافقين بالقلب واللسان والنفس والمال، وجاهد في الله حق جهاده هو وأصحابه ﵃ حتى توفاه الله : ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا

стр. 4321

بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾ [التوبة: ٨٨]. وشرع ﷺ الجهاد من حين بعث إلى أن توفاه الله فشمر عن ساق الدعوة ودعا الله ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا، ودعا القريب والبعيد وصدع بأمر الله لا تأخذه في الله لومة لائم فدعا إلى الله للكبير والصغير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، والأحمر والأسود، والإنس والجن تحقيقًا لقوله سبحانه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. ولما صدع ﷺ لأمر الله وصرح لقومه بالدعوة إلى الله وحده لا شريك له آمن به بعضهم وكفر به وأذاه وسبه وشتمه أكثرهم فصبر على كل ذلك كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠] ثم قاتلوه وحاربوه فنصره الله عليهم وأظهر الله دينه وقتل أئمة الكفر والكبر والضلال: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾ [الأعراف: ٤٥]. وقال الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣]. فصلوات الله وسلامه على من أرسله الله رحمة للعالمين أفضل من دعا إلى الصراط المستقيم وبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ

стр. 4322

عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ولعظيم جهاده وصبره ﷺ وعظيم أخلاقه ورحمته وكمال معرفته بربه وحسن عبادته غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣]. وصلى الله عليه وملائكته وأمر الله المؤمنين بالصلاة والسلام عليه لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. • والجهاد في سبيل الله نوعان: الأول: الجهاد الحسن في ذاته وهو الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم وهو أعلى أنواع الجهاد وهو جهاد جميع الأنبياء والرسل وهو أول جهاد مأمور به كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقوله : ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢]. الثاني: الجهاد الحسن لغيره وهو القتال في سبيل الله لصد عدوان المعتدين وكسر شوكة المستكبرين ودفع الظلم عن المظلومين وحماية حوزة الدين. وقد كان القتال محرمًا في أول الإسلام بمكة ثم مأذونًا به ثم مأمورًا به بمن بدء المسلمين بالقتال ثم مأمورًا به لجميع المشركين.

стр. 4323

ففي التحريم، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ [النساء: ٧٧]. وفي الإذن بالقتال، قال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]. وفي الأمر به لمن بدأ بالقتال قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. وفي الأمر به لعموم المشركين قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال الله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. وهذا الجهاد فرض عين على كل قادر إذا دعا إليه إمام المسلمين أو هجم العدو على بلد المسلمين أو حضر المسلم صف القتال أو احتاج الأمر إليه بنفسه كطبيب وطيار ونحوهما: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾ [النساء: ٧٤]. وكان ﷺ يرغب أصحابه في قتال أعداء الله والمشركين ويحثهم على الشهادة في سبيل الله وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفروا وربما بايعهم على الموت وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها بها إلا تبوك. وكان ﷺ يبعث العيون ليأتونه بخبر عدوه ويطلع الطلائع ويبث الحرس.

стр. 4324

وكان ﷺ إذا لقي عدوه وقف ودعا واستنصر الله عليه وأكثر ذكر الله هو وأصحابه ﵃ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾ [الأنفال: ٤٥: ٤٧]. وكان ﷺ يرتب صفوف الجيش ويعبئهم بيده وكان إذا اشتدت الحرب اتقوا به وكان أقربهم إلى العدو وكان يلبس الدرع ويتقلد السيف ويحمل الرمح والقوس ويتترس بالترس. وكان ﷺ ينهى عن قتل الشيوخ والنساء والأطفال في الحرب. • وكان ﷺ يأمر أمرائه في السرائب بثلاثة أمور: ١ - أن يدعوا عدوهم قبل القتال إلى الإسلام. ٢ - فإن أبوا الإسلام دعوهم إلى بذل الجزية. ٣ - فإن أبوا استعانوا بالله وقاتلوهم. وكان ﷺ ينهى في مغازيه عن النهبة والغلول والمثلة. وكان ﷺ يمن على بعض الأسرى ويقتل بعضهم ويفادي بعضهم بالمال ويفادي بعضهم بأسرى المسلمين يفعل ذلك حسب المصلحة وثبت أنه قتل جاسوسًا من المشركين. وكان الهادي ﷺ أنه إذا صالح قومًا فنقض بعضهم عهده وأقره الباقون ورضوا به غزاهم جميعًا كما فعل ببني قريظة وبني النضير اليهود.

стр. 4325

• غزواته وبعوثه وسراياه ﷺ : أما غزواته وبعوثه وسراياه ﷺ كلها كانت بعد هجرته للمدينة في مدة عشر سنين، وغزواته ﷺ سبع وعشرون غزوة قاتل منها في تسع غزوات هي: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، وبني المصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وغزوات كبار الأمهات سبع هي: بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، والفتح، وحنين، وتبوك. وفي شأن هذه الغزوات نزل القرآن الكريم فنزلت سورة الأنفال في شأن غزوة بدر، ونزلت آخر سورة آل عمران في شأن غزوة أحد، ونزلت في غزوة الخندق وقريظة وخيبر صدر سورة الأحزاب، ونزلت سورة الحشر في غزوة بني النضير، ونزلت سورة الفتح في شأن قصة الحديبية وخيبر، وذكر الله الفتح صريحًا في سورة النصر كما قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣]. ونزلت سورة التوبة في شأن غزوة تبوك وغزوة التوبة إنذارٌ أخير وعظيم للأمة. وجرح ﷺ في غزوة واحدة من غزواته وهي غزوة أحد، وقاتلت معه الملائكة منها في غزوتين هما بدر وحنين، ونزلت الملائكة يوم الخندق لنصرته فزلزلت المشركين وهزمتهم وأرسل الله عليهم الريح فهربوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].

стр. 4326

وقال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]. وكان الفتح الأعظم في غزوتي بدر وحنين. وقاتل ﷺ بالمنجنيق في غزوة واحدة هي غزوة الطائف، وتحصن بالخندق في غزوة واحدة هي غزوة الخندق. أما عدد سراياه ﷺ المبعوثة فأكثر من ستين. وصلوات الله وسلامه عليه وعلى إله وأصحابه أجمعين ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤]. • أمراؤه ﷺ : كان له ﷺ ولاة في مختلف البلدان: منهم باذان بن ساسان، أمَّره رسول الله ﷺ على اليمن كلها بعد موت كسرى. وهو أول أمير في الإسلام على اليمن، وأول من أسلم من ملوك العجم، ولما مات باذان أمَّر بعده ابنه شهر على صنعاء، ولما قتل شهر أمَّر بعده على صنعاء خالد بن سعيد بن العاص ﵁. وولى ﷺ زياد بن أمية الأنصاري حضرموت، وولى أبا موسى الأشعري زبيد وعدن والساحل، وولى معاذ بن جبل الجند، ﵃ أجمعين. وولى ﷺ أبا سفيان صخر بن حرب نجران، وولى ابنه يزيد تيماء شمال المدينة، ﵄. وولى ﷺ عتاب بن أسيد مكة، وعمره دون عشرين سنة ﵁.

стр. 4327

وولى علي بن أبي طالب ﵁ الأحماس باليمن، وولى عمرو بن العاص ﵁ عُمان وأعمالها. وولى ﷺ أبا بكر إقامة الحج سنة تسع من الهجرة، وأردفه بعلي بن أبي طالب عوناً له ومساعداً، وليقرأ على الناس سورة براءة، ﵃ أجمعين. وولى ﷺ لكل قبيلة وال يقبض صدقاتها ويُفرقها على أهلها. • حداته ﷺ : حداته الذين كانوا يحدون بين يديه في السفر بالأشعار التي تزيد في النشاط، وتطرد الكسل هم: عبد الله بن رواحة، وأنجشة، وعامر بن الأكوع، وعمه سلمة بن الأكوع، ﵃ أجمعين. • من كان يضرب الأعناق بين يديه ﷺ : الذين كانوا يضربون أعناق الكفار والمجرمين ومن عليه حد بين يديه هم: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، ومحمد بن مسلمة، والمقداد بن عمرو، والضحاك بن سفيان الكلابي، وعاصم بن ثابت ﵃ أجمعين. وكان قيس بن سعد بن عبادة ﵁ منه ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير.

стр. 4328

٩ - الخزانة التاسعة محبة النبي ﷺ وتوقيعه: خص الله رسوله محمدًا ﷺ من بين الأنبياء والرسل بخصائص كثيرة وصفات كريمة وأخلاق رضية وآداب جمة ورحمة عامة ومحاسن جليلة وعلم واسع وقدوة حسنة وشمائل رفيعة وأقوال حسنة وأعمال حسنة وعبودية كاملة. ولأجل ذلك كله أثنى عليه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ولهذه الخصائص والصفات والمكرمات اختاره الله ليكون سيد الأولين والآخرين، وسيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الثقلين، وسيد المتعبدين والمتقين، وسيد الدعاة والعلماء، وسيد المجاهدين والمتقين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ولذلك كله يدعو كل مسلم أن يحب ﷺ ويجله ويوقره ويعظمه ويعظم سنته بقلبه ولسانه وجوارحه كما جاء في سنته ﷺ من غير إطراء ولا غلو ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].

стр. 4329

وقال الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]. ولعظيم ما جاء به ﷺ من الحق من ربه وعظمة ما قام به من إبلاغ لأمته وعظمة ما تحمل من الصبر والأذى في سبيل ذلك فقد أثنى الله عليه وأخبر أنه يصلي عليه وملائكته وأمر المؤمنين بالإكثار بالصلاة والسلام عليه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا». أخرجه مسلم (١). اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وأصح المخلوقات مزاجًا هو بنو آدم، وأصح بني آدم مزاجًا هم المؤمنون، وأصح المؤمنين مزاجًا هم الأنبياء والرسل، وًاصح الأنبياء والرسل مزاجًا هم أولي العزم: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وأصح أولي العزم مزاجًا هم الخليلان إبراهيم ومحمد، وأصحهما مزاجًا سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ الذي كان أحسن الناس خلقًا وخُلُقًا وكان خلق القرآن يتأدب بآدابه ويعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهة ويحل حلاله ويحرم حرامه ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ويصدق أخباره: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].

стр. 4330

النبي ﷺ نبي الرحمة ونبي الهداية بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فسبحان ربي الكريم الذي خلقه وجمله ظاهرًا وباطنًا وأرسله إلى الناس كافة وملأ قلبه توحيدًا وإيمانًا وعلمًا ورحمة وحكمة وأرسله بالحق للناس كافة ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣]. وأخبر أنه جمع فيه محاسن الأخلاق كلها كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. فهو أكمل الناس في أداء حقوق الله وفي أداء حقوق عباده وفي التعبد بين يدي الله وفي الدعوة والتعليم والإحسان بين يدي خلقه. وقد اختار الله لرسوله محمد ﷺ اسم محمد وأحمد وهما اسمان مشتملان على الحمد والثناء. وهو ﷺ محمود عند الله تعالى ومحمود عند ملائكته ومحمود عند إخوانه الأنبياء والمرسلين ومحمود عند أهل الأرض كلهم لأن صفاته محمودة عند كل ذي عقل وإن كابر وجاحد محمد رسول الله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠].

стр. 4331

وهو ﷺ أحمد أهل الأرض والسماء لربه وأحسنهم ثناء عليه وحمدًا له وتمجيدًا له وأعظمهم ذكرًا له وتكبيرًا له وتواضعًا له وافتقارًا إليه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦]. وهو أحمد الخلق للخلق وأرحم بهم من أنفسهم وأنفع لهم وأنصح لهم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. صدق الله العظيم الذي أثنى على خلقه العظيم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وصدق ﷺ حين قال عن نفسه: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ». أخرجه مسلم (١). ومما يحمد عليه ﷺ ما جبله عليه من مكارم الأخلاق وكريم الشيم وهو خير الناس أخلاقًا وأحسنهم شمائل وأعظمهم أمانة وأصدقهم حديثًا وأشدهم تواضعًا وأجودهم إنفاقًا وأقواهم صبرًا وأحسنهم حلمًا وأعظمهم عفوًا وأوسعهم مغفرة والرسول ﷺ أفصح الخلق بيانًا وأحسنهم تعبيرًا. والرسول ﷺ أفصح الخلق بيانًا وأحسنهم تعبيرًا وأكملهم توقيرًا، والرسول ﷺ أعظمهم برًا وأوفاهم عهدًا وألينهم معاملة وأجملهم إحسانًا. وهو ﷺ أصبر الخلق في مواطن الصبر وأكرمهم في مواطن الجود وأصدقهم في مواطن اللقاء وأعظمهم إيثارًا على نفسه وأكملهم مكافأة على الجميل بأضعافه.

стр. 4332

وهو ﷺ أقوى من الناس بما يأمر به وأتركهم لما ينهى عنه وأوصل الخلق لرحمه وأعظمهم استجابة لأمر ربه. وهو ﷺ أكرم الخلق لأصحابه وأعدلهم مع أعدائه وأشد الخلق ذبًا عن أصحابه وحماية لهم ودفاعًا عنهم وأعظمهم نفعًا لأتباعه في دينهم ودنياهم ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال في صفة رسول الله ﷺ في التوراة: «أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا». أخرجه البخاري (١).

стр. 4333

• الأسباب الجالبة لمحبة النبي ﷺ وتوقيره: الذي يدفع المسلم لمحبة الرسول ﷺ وتعظيمه أمور: الأول: معرفة صيغته ﷺ الحسنة، ومعرفة أخلاقه العظيمة، وشمائله الكريمة، ومعرفة عظيم رحمته بالأمة، ومعرفة جهاده وصبره، ومعرفة عظمة صدقه وحرصه على هداية أمته ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ومن ذلك معرفة روح رسالته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨]. وقال الله : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤]. فمن عرف سيد الأولين والآخرين بهذه الصفات، ولا الأخلاق أحبه ووقره، وأكثر من الصلاة والسلام عليه ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٩ [. وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].

стр. 4334

الثاني: موافقة مراد الله ﷻ في محبته للنبي ﷺ وثنائه عليه، وتعظيمه، وتوقيره، وقد أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وأكرمه بعظم الكرامات بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ١ - ٤]. فلا يذكر أحدٌ في الدنيا، ولا يثنى عليه كما يذكر نبيُنا ﷺ ويثنى عليه، وأقسم الله بحياته تعظيمًا لشأنه فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ [الحجر: ٧٢]. وذكى الله بعقله ولسانه وقلبه بقوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ١ - ٥]. واتخذه الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ومحبة رسول الله ﷺ تابعةً لمحبة الله وتعظيمه فالمؤمن يحب الله، ومن يحبه الله من رسوله وأولياءه. فالمؤمنون يحبون رسول الله ﷺ لمحبة الله له، ويعظمونه، ويجلُّونه لإجلال الله له، ومحبة أهل العلم والإيمان، ومحبة الصحابة الكرام وإجلالهم كل ذلك تابعٌ لمحبة الله ورسوله ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

стр. 4335

وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لَا يؤمِنُ أَحَدَكُمْ حَتّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنّاسِ أَجمَعِينَ». متفقٌ عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ». أخرجه مسلم (٢). الثالث: أنَّ محبة النبي ﷺ وتعظيمه من شروط إيمان العبد، وكذا محبة ما جاء به من الوحي فحب الرسول ﷺ وتعظيمه، وتوقيره، وطاعته فيه يكون قيام الدين كله، وبضد ذلك يكون السقوط ديني كله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]. وقال الله : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. وقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. الرابع: معرفة ما خصه الله به من شرف النسب وكرم الحسب، وكمال الصفات ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى

стр. 4336

سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. فمن عرف ذلك زاد إيمانه بالله ورسوله، وسارع لإتباع رسوله ﷺ ، وامتلاء قلبه بمحبته. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. الخامس: معرفة شدة محبته ﷺ لأمته، وعظيم شفقته عليها، وشدة رحمته لها، وفرحه بفضل الله عليها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. السادس: معرفة قدر الثواب والأجر الحاصل بإتباعه وطاعته: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]. وقال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. فكل خيرٍ وهدى في هذه الأمة، وكل فلاحٍ وسعادة، وكل كرامةٍ وعزة، وكل أجرٍ وثواب لا يمكن أن يحصل لأحدٍ من البشر إلا بالإيمان بالله ورسوله، وأتباع الرسول ﷺ وطاعته ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فكل خير وفلاح في هذه الأمة إنما جاء من طريق الرسول ﷺ الذي يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم، ويحل لهم الطيبات،

стр. 4337

ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم الأصنام والأغلال التي كانت عليهم ﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧]. • وجوب محبة النبي ﷺ : الإيمان بالله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله أعظم أصول الإيمان فلا إيمان لمن لم يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ﴾ [الأحزاب: ٦].». متفقٌ عليه (١). وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بهنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعد أَنْ أَنقذهُ اللهُ منْه، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». متفقٌ عليه (٢). وعن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يؤمِنُ أَحَدَكُمْ حَتّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنّاسِ أَجمَعِينَ». متفقٌ عليه (٣).

стр. 4338

وباعث المحبة، وقوتها يكون بحسب معرفة ما في المحبوب من كمالٍ، وجلالٍ، وجمال الذات. والله تعالى وحده أحق بهذه المحبة؛ لكمال ذاته، وأسماءه وصفاته، وأفعاله، والرسول ﷺ أحق من يتلوه في هذه المحبة؛ لأنه أكرم الخلق عند ربه، وأعظمهم أخلاقًا، وأحسنهم عبوديةً لله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وإن كان باعث المحبة للغير بسبب ما يصل إليك من الغير من المنافع، والنعم، والخيرات الله تعالى أحق بهذه المحبة؛ لأن نعمه تجري على العباد في كل حين، وكل نعمةٍ منه ﷻ ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. وقال الله :: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]. وقال الله : ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤] والرسول ﷺ أحق من يتلوه في هذه المحبة فهو الرسول الكريم الرحيم الذي أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، وأخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، ومن الضلالات إلى الهدى، واستنقذنا به من النار فليس بعد الله أحدٌ أمنَّ علينا منه ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].

стр. 4339

وقال الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. اللهم إن نشهدك، ونشهد جميع مخلوقاتك أننا نحبك، ونحب أنبياءك ورسلك، ونحب دينك، ونحب المؤمنين والمؤمنات: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]. ومن أحب الله، وأحب أن يحبه الله، ويغفر ذنوبه؛ فليتبع رسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]. ومحبة الرسول ﷺ على قسمين: الأولى: فرض وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول ﷺ من عند الله، وتلَقيه بالمحبة، والقبول، والرضا، والتعظيم والتسليم، وحسن إتباعه له فيما أرسله الله به، وتصديقه فيما أخبره، وطاعته فيما أمره، واجتناب ما نهى عنه وزجر، ونصرة دينه، وجهاد من خالف ما جاء به، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. فهذه المحبة تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرضا بما جاء به ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى

стр. 4340

يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. فهذا القدر لا بد منه، ولا يتم إيمان العبد لله به: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. الثانية: فضل وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق الاقتضاء بسنته، وأخلاقه، وآدابه، ونوافله، وأكله وشربه ولباسه، وحسن معاشرته، وسائر تطوعاته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]. وأكمل الناس دينًا من جمع في الإتباع بين الفرض، والفضل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. والتعظيم بالمحبة حقان واجبان للرسول ﷺ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩ [. فها الحق المشترك بين الله ورسوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٩ [. والخاص بالله وحده: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٩ [. والخاص بالرسول ﷺ : ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩ [. وتعزيره ﷺ نصره، ونشر ما جاء به، وتأيده، ومنعه من كل ما يؤذيه. وتوقيره إجلاله، وإكرامه، وتعظيمه، وتبجيله لما له من حُرمةٍ ومكانةٍ يعظم من أجلها. والتعظيم أعلى من المحبة؛ لأن المحبوب لا يلزم أن

стр. 4341

يكون معظمًا فالولد الصغير يحب والده محبةً تدعوه إلى تكريمه لا تعظيمه، والولد يحب أباه محبةً تدعوه إلى تعظيمه وإكرامه. وكيف نحقق محبة النبي ﷺ وتعظيمه؟. محبة النبي ﷺ وتعظيمه عبادة نتقرب إلى الله سبحانه بها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. والعبادة التي يريدها الله من العبد ويحبها ويرضاها هي ما ابتغي به وجه الله، وكانت على الصفة التي شرعها الله ورسوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. فالإخلاص هو ابتغاء وجه الله في العمال وهو مقتضى شهادة "أن لا إله إلا الله "؛ لأن معناها لا معبود بحقٍ إلا الله، ومتابعة النبي ﷺ في كل ما جاء به من ربه ومقتضى شهادة "أن محمدًا رسول الله"؛ لأن معنى الشهادة له بأنه رسول الله يحق طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبره، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. وفي هذا كمال المحبة له ﷺ ، وكمال التعظيم له، وكمال التوقير له، وكمال الهداية بالإيمان بالله ورسول، وكمال الإيمان والتقوى والإخلاص والمتابعة ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]

стр. 4342

أما من لم يؤمن برسالته ﷺ أو شك في خبره أو استنكف عن طاعته أو ارتكب مخالفته أو ابتدع في دينه أو عبد الله من غير طريقه أو جحد ما جاء به أو استهزئ به فهو بعيدٌ عن الإيمان به بعيدٌ عن محبته، وتعظيمه بعد الأرض عن السماء ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وقال الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. وقال الله : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤]. ولهذا من سلك في عبادة الله سبيلًا لم يشرعها رسول الله ﷺ فقد ضل وأضل، وعمله مردودًا وغير مقبول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠] وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفقٌ عليه (١). ولهذا أنكر الله على من عبد غير الله أو عبد الله بما لا يشرعه الله ورسوله وتوعدهم بالعذاب الأليم فقال : ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].

стр. 4343

وقال الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾ [التوبة: ٦٣]. وقال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١] إن محبة الرسول ﷺ وتعظيمه وتوقيره من أصول الإيمان، وهي عبادةٌ من العبادات التي نتقرب إلى الله بفعلها في كل حال، والعبادة محلها القلب واللسان والجوارح، ويتحقق تعظيم النبي ﷺ بالقلب بتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين فلا يتم الإيمان إلا بذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦]. ولا توقير، ولا تعظيم بلا محبة الله والرسول ﷺ ، ولا تعظيم ولا محبة إلا بعد معرفته، ومعرفة سيرته، ومعرفة قدره ومحاسنه. وإذا استقرت محبته الصادقة في القلب أثمرت تعظيمه ﷺ وطاعته، وإتباعه والاقتداء به في جميع ما جاء به من ربه بعبادةٍ تظهر على القلب واللسان والجوارح: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال الله : ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [التوبة: ٦٢]. أما أحوال الصحابة في محبة وتعظيم النبي ﷺ فإن الله أكرم الصحابة ﵃ بشرف لقاء النبي ﷺ والإيمان به ومحبته،

стр. 4344

وتعظيمه، وصحبته فكان من النصيب الأكمل والأوفى من محبته وتعظيمه، والاقتداء به مما سبقوا به غيرهم، ولن يدركهم فيهم من بعدهم فرَضِيَ اللهُ عَنْهُم ورضوا عنه، كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وسُئل علي بن أبي طالب ﵁ كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ ؟ قال: «واللهِ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، وَأَوْلَادِنَا، وَآبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الظَّمَأ» (١).

стр. 4345

١٠ - الخزانة العاشرة دلائل محبة الرسول ﷺ وتعظيمه: لمحبة الرسول ﷺ وتعظيمه دلائل وأمارات تدل على ذلك، ومن ذلك: أولاً: تقديم النبي ﷺ ، وتفضيله على كل البشر. فقد فضل الله نبيه محمد ﷺ على جميع الخلق، أولهم، وآخرهم، فهو خاتم الأنبياء، والمرسلين، وسيد الخلق أجمعين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. وعن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ سبحانه اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». أخرجه مسلم (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم يَوْم الْقِيَامَة، وَأَوَّل مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْر، وَأَوَّل شَافِع وَأَوَّل مُشَفَّع». أخرجه مسلم (٢). لهذا يجب علينا إذا عرفنا فضائله، حبه، وتوقيره، واستشعار هيبته، وجلال قدره، وعظيم شأنه، واستحضار مكانته، ومحاسنه، ومعرفة الأمور الجالبة لحبه، والعلم بسيرته، وسنته، وحسن الاقتداء به: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
следующие страницы →